← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

" تنبيه" زاد التبريزي فقال: نحن نعلل جواز الانتفاع، وصحة البيع، ووجوب الزكاة، ونفقة المملوك بالملك، وهو حكم شرعي . ونعلل التوارث، ووجوب النفقة، والتمكن من الوطء، وصحة الطلاق، والظهار، وأمثالها، بالزوجية. ونعلل بطلان البيع، والصلاة، ووجوب الغسل، بالنجاسة. ونعلل [بالرق] والحرية أحكاما، وهي أحكام شرعية. وليس من شرط العلة أن تكون معنى يقتضي حكما لأجله، بل يجوز أن يكون عارضا، والحكم في هذا المعنى كالوصف بل أبلغ؛ فإن خلو الوصف عن الحكمة جائز، وخلو الحكم عن الحكمة غير جائز، فالحكم كالوصف في تضمنه المصالح والحكم، والتعريف إنما يطلق على العلة باعتبار الفرع لا باعتبار الأصل. ولا فرق في ذلك بين الحكم والوصف. "فائدة" قال سيف الدين: المختار أنه يجوز أن يكون الحكم علة بمعنى المعرف للحكم، لا في أصل القياس، بل في غيره؛ فإنه لا يمتنع أن يقول الشارع: بهما حرمت كذا فقد حرمت كذا. ***

стр. 3432

المسألة السابعة قال الرازي: يجوز التعليل بالأوصاف العرفية ، وهي الشرف والخسة، والكمال والنقصان؛ ولكن بشرطين: أحدهما: أن يكون مضبوطا متميزا عن غيره. والثاني: أن يكون مطردا؛ لا يختلف باختلاف الأوقات؛ فإنه لو لم يكن كذلك لجاز ألا يكون ذلك العرف حاصلا في زمان الرسول ﷺ ؛ وحينئذ: لا يجوز التعليل به. المسألة السابعة يجوز التعليل بالأوصاف العرفية قال القرافي: قوله: "شرطه الاطراد في جميع الأوقات، وإلا احتمل ألا يكون في زمانه ﵇": قلنا: قد يعلم وجوده في زمانه- ﵇ ثم يعلم انقطاعه، ثم يعلم وجوده في زماننا، فيتجه القياس مع عدم عمومه في الأوقات. ***

стр. 3433

المسألة الثامنة قال الرازي: يجوز بالتعليل بالوصف المركب عند الأكثرين، وقال قوم: لا يجوز . لنا: أن المناسبة مع الاقتران والدوران تفدي ظن العلية؛ فيجب العمل به. احتج المنكرون بأمور ثلاثة: أحدها: أن جواز التركيب في العلة يوجب تطرق النقض إلى العلة العقلية، واللازم محال؛ فالملزوم مثله. بيان الملازمة: أن كل ماهية مركبة؛ فإن عدم كل واحد من أجزائها علة لعدم عليه تلك الماهية؛ لأن كون الماهية علة صفة من صفات الماهية، وتحقق الصفة يتوقف على تحقق الموصوف. وإذا كان كذلك، كان عدم كل واحد من أجزاء الماهية علة تامة؛ لعدم علية تلك الماهية، فإذا عدم جزء من أجزائها، فقد عدمت العلية، فإذا عدم بعد ذلك جزء آخر، لم يكن عدم هذا الجزء الثاني علة لعدم علية تلك الماهية؛ لأن ذلك قد حصل عند عدم الجزء الأول؛ فلا يحصل مرة أخرى بعدم الجزء الثاني، فقد حصل عدم جزء الماهية، مع انه لم يترتب عليه عدم علية تلك الماهية، فقد وجد النقض في العلة العقلية؛ لأن كون عدم جزء الماهية علة لعدم علية الماهية- أمر حقيقي، سواء كانت علية الشيء عقلية، أو وضعية؟ فإن قلت: "فهذا يقتضى ألا يكون في الوجود ماهية مركبة؛ لأن عدم كل واحد من أجزائها علة مستقلة لعدم تلك الماهية، ويعود المحال":

стр. 3434

قلت: ليست الماهية أمرا وراء مجموع تلك الأجزاء، فلم يكن عدم أحد تلك الأجزاء علة عدم شيء آخر. وأما علية الماهية، فهي حكم زائد على ذات الماهية، وعدمها معلل بعدم كل واحد من أجزاء الماهية؛ فظهر الفرق. وثانيها: أن كون الشيء علة لغيره صفة لذلك الشيء، سواء حصلت له تلك الصفة بذاته، أو بالجعل، فإذا كان الموصوف بالعلية أمرا مركبا فإما أن يقال: حصلت تلك الصفة بتمامها لكل واحد من تلك الأجزاء، وهو محال، أما أولا فلأنه يلزم كون الصفة الواحدة في المحال الكثيرة، وهو محال. وأما ثانيا: فلأنه يلزم كون كل واحد من تلك الأجزاء علة تامة؛ لأنه لا معنى لكون الشيء علة إلا حصول العلية فيه، وإما أن يقال: "حصل في كل واحد من أجزاء العلة جزء من تلك العلية" وهذا أيضا محال؛ لأنه يقتضى انقسام الصفة العقلية؛ حتى يكون للعلية نصف، وثلث وربع؛ وهو محال. وثالثها: أن كل واحد من تلك الأجزاء لم يكن علة، فعند انضمامها: إما أن يكون قد حدث أمر لم يكن، أو ما كان كذلك: فإن حدث أمر، فالمقتضى لحدوث ذلك الأمر: إما كل واحد من تلك الأجزاء، أو مجموعها: فإن كان الأول: كان كل واحد من الأجزاء مستقلا باقتضاء العلية؛ فوجب كون كل واحد منها علة تامة؛ وذلك محال. وإن كان الثاني: كان الكلام في اقتضاء ذلك المجموع لذلك الأمر الحادث، كالكلام في اقتضاء ذلك المجموع للعلية؛ فيلزم أن يكون بواسطة حدوث شيء آخر؛ ولزم التسلسل؛ وهو محال.

стр. 3435

وإن قلنا: إنه لم يحدث أمر، لم يكن حاصلا، فتلك الأجزاء حالة الاجتماع- كهي حالة الانفراد، ولكنها- حالة الانفراد- ما كانت علة، فكذا عند الاجتماع. والجواب عن الأول: أن النقض إنما يلزم لو جعلنا عدم جزء الماهية علة؛ لعدم علية الماهية؛ وهو بناء على كون العدم علة؛ وهو ممنوع. وعن الثاني: أن العلية ليست صفة ثبوتية؛ وإلا لزم التسلسل؛ على ما قررناه، وإذا لم تكن صفة ثبوتية، امتنع القول بأنها: إما أن تحل كل واحد من الأجزاء بتمامها، أو تنقسم بحسب انقسام أجزاء الماهية. وعن الثالث: أنه منقوض بكل واحد من العشرة؛ فإنه ليس بعشرة، وعند اجتماعها: يكون المجموع عشرة، فكذا هاهنا. فرعان: الأول: نقل الشيخ أبو إسحاق الشيرازي- ﵀ عن بعضهم، أنه قال: "لا يجوز أن تزيد الأوصاف على سبعة" وهذا الحصر لا أعرف له حجة. والثاني: في الفرق بين جزء العلة ومحلها، وشرط ذات العلة وشرط عليتها: وقبل الخوض فيه لابد من حد الشرط، وذكروا فيه وجهين: الأول: انه الذي يلزم من عدمه عدم الحكم، ولا يكون جزءا من العلة، والثاني: أنه الذي يلزم من عدمه مفسدة دافعة لوجود الحكم. إذا عرفت ذلك، فمن الناس من أنكر هذا الفرق، ومنهم المثبتون للطرد، والمنكرون لتخصيص العلة. واحتجوا عليه: بأن العلة الشرعية ما يكون معرفا للحكم، وهو إنما يكون

стр. 3436

معرفاً للحكم عند اجتماع كل القيود؛ من الشرط، والإضافة إلى الأهل والمحل؛ فيكون كل واحد من هذه القيود جزءا من المعرف للحكم؛ فيكون جزءا من العلة. بلى، لا ننكر أن بعض هذه القيود أقوى في الوجود من بعض؛ فإن القتل له ذات وحقيقة، ثم له صفة، وهي إضافته إلى القاتل وإلى المقتول، وذات القتل أقوى في الوجود من هذه الإضافات؛ لاحتياجها إليه في الوجود. وقد يكون بعض تلك القيود مناسبا، دون البعض، أو يكون بعضها أقوى في المناسبة من بعض؛ ولكن مع تسليم هذا المقام، فالمعتبر في تعريف الحكم: هو المجموع: وحينئذ لا يبقى بين جزء العلة وبين شرطها فرق. وفائدة هذا البحث: أنه إذا صدر بعض تلك الأجزاء عن إنسان، وصدر الثاني عن إنسان آخر، فإن كانت تلك الأجزاء متساوية في القوة والمناسبة؛ اشتركا؛ وإلا نسب الفعل إلى فاعل الجزء الأقوى، وهذه الفائدة حاصلة، سواء سميناه جزء العلة، أو شرطها. ومن الناس من سلم الفرق؛ وزعم أن العلة إنما تعرف عليتها بالنص، أو بالاستنباط. فإن كان الأول: فالقدر الذي دل النص على كونه مناطا للحكم، هو العلة، وسائر القيود التي عرف اعتبارها بدلائل منفصلة نجعلها شرائط. وإن كان الثاني: فالذي يكون مناسبا، هو العلة، والذي يكون معتبرا في تحقق المناسبة، ولا يكون كافيا فيها، هو جزء العلة، والذي لا يكون مناسبا، ولا جزءا منه، فهو الشرط.

стр. 3437

هذا إذا عرفنا علية الوصف بالمناسبة، أما إذا عرفناها بسائر الطرق، لم يتجه هذا الفرق. المسألة الثامنة يجوز التعليل بالوصف المركب قال القرافي: قوله: "الاقتران أو الدوران يفيد ظن العلية، والعمل بالظن واجب": قلنا: قد تقدم أن مطلق الظن ملغى إجماعا، فلا بد من إثبات أن المرتبة التي اعتبرها الشارع موجودة هاهنا. قوله: "إذا عدم الجزء فعدمت الماهية، ثم عدم الجزء الثاني لا يوجب عدم تلك الماهية؛ فيلزم النقض على العلة العقلية": قلنا: الذي نسلمه أن عدم ما هو جزء بالفعل لماهية موجودة يكون عدمه يوجب عدمها. وهاهنا الجزء الثاني لم يبق جزءا للماهية الأول، بل جزء للماهية الباقية، فلا جرم كان عدمه علة لعدم الماهية الباقية، كما إذا عدم أحد العشرة عدمت العشرة، وبقيت التسعة، فإذا عدم واحد بعد ذلك عدمت التسعة، وليس هو جزء العشرة حينئذ، بل تسميته جزءا للعشرة مجاز باعتبار ما كان عليه. والمعتبر إنما هو الجزء بالفعل؛ لأن الجزء بالقوة لا يوجب عدمه عدم الماهية؛ فإن كل كم في العالم هو جزء للقميص بالقوة، مع أنه لا يلزم من عدمه عدم القميص، بل من عدم الكم الذي هو جزء بالفعل فقط.

стр. 3438

قوله: "ليست الماهية أمرا وراء تلك الأجزاء، فلم يكن عدم أحد تلك الأجزاء علة لعدم شيء آخر": قلنا: إن أردت أنها ليس غير تلك الأجزاء باعتبار الوجود الخارجي، فمسلم، لكن العلية- أيضا- كذلك من باب النسب والإضافات لا وجود لها في الأعيان، بل في الأذهان، وإن أردت أنها ليست عين الأجزاء باعتبار الذهن، فممنوع. وأيضا: يلزم خلاف ما اجمع عليه العقلاء أن هدم جزء الماهية يوجب عدمها، مع إجماعهم على أن عدم جزء لا يوجب عدم جزء آخر، فلم يبق إلا الماهية، وهي غير الأجزاء، وحينئذ يتجه المنع والسؤال. قوله: "إن اقتضاء الأمر الزائد مجموع الأجزاء عاد الكلام فيه": قلنا: العلة أمر ذهني إضافي، يوجبه مجموع الأجزاء الخارجية، وللعقل أن يخترع المجموع الذي هو الصورة الذهنية مجموعا آخر، وللمجموع مجموعا، وهلم جرا، ولا يلزم التسلسل؛ فإن الاختراعات العقلية كالتأثيرات، فكما لا يستحيل بعد كل أثر أثر كنعيم أهل الجنة، لا يستحيل للعقل اختراع بعد اختراع، ولا يجب الوقوف فيه عند غاية. قوله: "استلزام عدم الجزء عدم الماهية مبني على أن العدم علة، وهو ممنوع". قلنا: ليس المراد- هاهنا- التأثير، بل الملازمة، وهي أن عدم الجزء يستلزم عدم الماهية، كما يستلزم عدم الشرط عدم المشروط، وعدم اللازم عدم اللزوم، ولنزاع في أن عدم الجزء يوجب عدم الكل جحد لضرورات العقول؛ فإنا نقطع أن عدم واحد من العشرة يوجب عدمها ضرورة. قوله: "الشرط يلزم من عدمه عدم الحكم، ولا يكون جزءا للعلة":

стр. 3439

قلنا: يبطل بكمال العلة، فإنه يلزم من عدمه عدم الحكم، وليس هو جزء نفسها. وشرط العلة قبول النصاب للملك والانتفاع؛ فإنه سبب جعله سبب وجوب الزكاة. والعلة للحكم غير الحكم، فلا يكون الحد جامعا. ولان الشرط قد يكون لا في حكم ولا علة، بل الصفة حقيقية، كـ "الحياة شرط للعلم، والعلم شرط للإرادة" ونحوه. وبهذه الأسئلة تعرف فساد التعريف الثاني، بل الحق ما تقدم في خطاب الوضع، وهو أن الشرط ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته. فالقيد الأول: احتراز من المانع؛ فإنه لا يلزم من عدمه شيء. والقيد الثاني: احتراز من السبب؛ فإنه يلزم من وجوده الوجود. و"لذاته" احترازا من أن يقارن وجوده تقدم السبب؛ فيلزم الوجود كالحول بعد النصاب، أو يقارن وجوده عدم السبب، أو قيام المانع؛ فيلزم العدم، لكن لا لذاته، بل لمقارنة عدم السبب أو المانع. ويندرج في هذا الحد جميع أنواع الشروط التي تقدمت نقضا على ذلك الحد، ولا يبقي خلل ألبتة. قوله: "ومن الناس من أنكر هذا الفرق": تقريره: أن الأستاذ إبا إسحاق وغيره قالوا: ينبغي أن نجعل العلة الشرعية كالعلة العقلية، لا يتخلف عنها أثرها ألبتة، فنقول: العلة مجموع ما يستلزم الحكم، فيندرج في العلة جزؤها، وشروطها، وجميع ما تتوقف عليه، فلا فرق حينئد.

стр. 3440

وقد تقدم في خطاب الوضع الفروق الكائنة بين هذه الحقائق، والبحث فيها هنالك مستوفى، فالشرط مناسبته في غيره، وجزء الماهية مناسبته في نفسه، ومجموع العلة أقوى مناسبة من جزئها، كما أن ملك جميع النصاب أقوى مناسبة لإيجاب الزكاة من مناسبة دفع النصاب للزكاة. " تنبيه" زاد سراج الدين فقال على قوله: "إن العدم ليس علة ثبوتية دفعا للتسلسل": لقائل أن يقول: في هذين الجوابين نظر نبهنا عليه فيما تقدم . قلت: يشير إلى ما ورد على هذين مما تقدم من الأسئلة. وقال التبريزي: التركيب جائز في العلل؛ لأن الحكمة الداعية إلى الحكم يجوز ألا يتضمنا وصف واحد، بل أوصاف كالقتل العمد العدوان، وملك المسلم نصابا ناميا حولا كاملا، بل هو الأكثر في أساليب التعليل. وأجاب عن لزوم النقض على العلة العقلية بأن العدم ليس علة- كما قال المصنف. ثم قال: لو قدرنا جواز التعليل به، فعلة عدم العلية عدم الماهية، وعدم الماهية لازم عدم جزء الماهية. فإن عللتم به فقد التزمتم الإشكال، وإلا فقد اندفع الإشكال. يريد انه وجد عدم بعد عدم، فما يجعلونه جوابا، هو جوابنا هاهنا. قال: وقد طلب المصنف الخلاص من هذا الإشكال بالالتجاء إلى منع كون العلية صفة ثبوتية؛ لئلا تؤدى إلى التسلسل، وهو هرب إلى غير ملجأ.

стр. 3441

قلت: وما قاله غير متجه أيضا؛ لأن العلية والمناسبة، والملائمة، والتأثير، ونحوها نسب وإضافات ذهنية، لا وجود لها في الخارج، فلا تقوم في الماهية، ولا بما تقوم به الماهية؛ فإن الماهية لا تقوم بالنفس، بل المصالح والمفاسد في ضمن الأوصاف. ثم قال في الجواب عن الثالث: أنه منقوض بكل ماهية مركبة. ثم قال: نقول عند الاجتماع: تكاملت المصلحة المطلوبة بالحكم أو بالقوة المؤثرة بإجراء الله- تعالى- العادة كما في اجتماع الجراحات والأقداح من الخمر، على أن حاصل العلل العرفية والطبيعية يرجع إلى اطراد العادة الإلهية بخلق الأثر عقيبها، فيجوز أن تستقر هذه العادة عند التركيب لا عند الانفراد. وقال في حصر أوصاف التركيب السبعة: يمكن تقريبه من جهة أن أقصى ما يتوقف عليه الحكم بحكمة، ومعنى يقتضيه، إما مطلقا، أو مشروطا بوجود أو [عدم]، وهو وجود الشرط، وانتفاء المانع، وقد يتعلق المعنى المقتضى بالفاعل، فتعتبر أهليته، وأقصاها العقل والبلوغ، ثم [قد] لا يستقل به الشخص الواحد كصيغ المعاوضات، فيحتاج إلى غيره، فيكون مجموع ما يتوقف عليه الحكم: إيجاب وقبول قدرا من العاقل البالغ في المحل مع قران الشرط وانتفاء المانع، وهي سبعة- التي نقلها الشيرازي- وكل ما زاد على ذلك فهي تفاصيل هذه الجمل، فيمكن رده إليها وعدم الرد عن عجز وعى.

стр. 3442

ثم قال في الفرع الأخير: جزء العلة هو الوصف المعتبر لإتمام ما يتضمن المعنى الذي لأجله يشرع الحكم. والمحل هو الذي هو بحال إذا ثبت الحكم فيه يفضى إلى تحصيل مقصوده، فكانت المحلية شرط إفضاء الحكم إلى حكمته. والشرط هو الوصف [الذي]. يتضمن الأمن [عن] مفسدة مانعة، أو مصلحة خارجة عن مصلحة الحكم، إما عائدة إلى تكمليها، أو أجنبية عنها يطلب تحصيلها بتوقف الحكم على وجود نظير ما يدفع المفسدة المانعة اعتبار القبض في بيع المبيع. يريد أن من شرطه ألا يبيعه قبل قبضه. قال: واعتبار رضا المرتهن في نفوذ البيع من الراهن.

стр. 3443

ونظير التكميل اعتبار القدرة على التسليم في الحال، واعتبار الرؤية، واعتبار رضا العبد في التزويج منه. ونظير المصلحة الأجنبية اعتبار الحرية في نفوذ الشهادة، ويختلف ذلك في الأكثر، بحسب اختلاف مأخذ يظهر للمجتهد. والمقصود من المثال تقريبه من الفهم، وحده الجامع: (ما يلزم من انتفائه انتفاء الحكم)، ولا ينتقض هذا الحد بالسبب وجزئه؛ فإن الحد شرطه أن يكون متحققا في آحاد أجزاء المحدود، والمسمى لا يلزم من انتفائه انتفاء الحكم؛ فإنه بتقدير أن يكون له سبب آخر يجوز ثبوته بناء عليه، وإن لم يكن له سبب، فانتفاؤه لازم انتفاء مسمى السبب، لا لازم انتفاء ذلك المسمى سببا، وفي الشرط مهما انتفى المعنى المسمى شرطا لزم من انتفائه انتفاء الحكم، وإن كان له شروط أخر، وأسباب كائنة متحققة، وبهذا التفهيم يستغنى عن التطويل في الحد بقيود لا حاجة إليها. وأوفى منه بالغرض أن نقول: الشرط ما اعتبر انتفاؤه في انتفاء الحكم. فيتميز عن السبب وجزئه؛ لأن شرط إمكان اعتباره في انتفاء الحكم إمكان ثبوت الحكم، ويتوقف على مجمد السبب بكماله. ثم قال: الدافع للمفسدة إنما يجعل شرطا في الثبوت إذا لم يمكن ضبط تلك المفسدة بأمر وجودى؛ لئلا يبطل قسم المانع، فإن أمكن فهو على التعارض، ويحتاج إلى الترجيح، ونظيره مفسدة المفاضلة مع المماثلة الدافعة لها، وقد ثبت رجحان اعتبار المماثلة شرطا بدليل الصبرة بالصبرة جزافا عند ظن المماثلة، فإنه لا يصح؛ لأن الظن في الشرط ظن في المشروط. قلت: أما تقريبه لكلام الشيخ أبي إسحاق، فبعيد جدا؛ لأن الكلام في

стр. 3444

العلة يصل تركيبها إلى سبعة أوصاف [بعد، و] الشرط وانتفاء المانع والمتعاقدان هذه أمور لا يمكن أن تكون أجزاء العلة، بل هي أجزاء ما يتوقف عليه الحكم، والكلام إنما وقع في العلة خاصة لا فيما يتوقف عليه الحكم. وقوله: (جزء العلة هو الوصف المعتبر) - يشكل بالشرط؛ فإنه يوصف معتبر لإتمام ما يتضمن الغير؛ لأنه يريد بتمام ما يتضمن المعنى العلة التامة. وقوله: (الشرط ما يلزم من انتفائه انتفاء الحكم) ينتقض بالسبب وجزئه. وجوابه عن هذا: بأن الأسباب يخلف بعضها بعضا لا يتم؛ فإنا ننقض عليه بالسبب الذي لا بد له، ويكفي في النقض صورة واحدة، ثم إن جزء السبب لم يجب عنه، بل عن السبب فقط، وكذلك يبطل بهذا أيضا حده. وجوابه أن الانتفاء يتوقف على وجود السبب، لا يدفع النقض، ولا يحصل به الجواب؛ لأنا لا نسلم التوقف، وإن سلمناه فالسبب- أيضا- يعتبر انتفاؤه في انتفاء الحكم، وأجمع القياسون وغيرهم أن العالمية تنتفى لانتفاء العلم، ووجوب الزكاة ينتفى لانتفاء الغنى وغير ذلك، حتى نقول: إن عدم العلة علة لعدم المعلول. * * *

стр. 3445

المسألة التاسعة قال الرازى: اتفقوا على أنه لا يجوز التعليل بالاسم ؛ مثل تعليل تحريم الخمر بأن العرب سمته خمرا؛ فإنا نعلم بالضرورة: أن مجرد هذا اللفظ لا أثر له، فإن أريد به تعليله بمسمى هذا الاسم؛ من كونه مخامرا للعقل؛ فذلك يكون تعليلا بالوصف، لا بالاسم. المسألة التاسعة التعليل بالاسم قال القرافى: اتفقوا على أنه لا يجوز التعليل بالاسم. قال النقشوانى: إذا فسرنا العلة بالمعرفة ما المانع من ذلك؛ فإن فيه تعريفا؟. قلت: ويقوى سؤاله على القول بأن مجرد الطرد كاف في العلة. ويضعف مع اشتراط المناسبة، أو الشبه في الصورة، أو الحكم. قال الباجى في كتاب (الفصول): يصح أن يجعل الاسم علة للحكم. قاله أكثر المالكية والشيخ أبو إسحاق.

стр. 3446

وقال بعض الشافعية: لا يجوز. وجوزه بعضهم إن كان مشتقا، ومنعه إن لم يكن مشتقا. [قال: والدليل على ما نقول أن ما جاز أن يعلق الحكم عليه نطقا، جاز أن يستنبط، ويعلق عليه كالصفات، المعانى. ودليل آخر: وهو أن العلل الشريعة علامات، وأمارات، وليست بموجبة لأحكامها، ولا يمتنع أن تجعل الأسماء علامة على أحكام في أعيان، كما تجعل الصفات إذا لم يكن معناها إيجاب الحكم، وإنما يكون معناها الدلالة على الحكم بضرب من المواضعة]، فهذه ثلاثة أقوال لم يحكهما المصنف. وقال أبو يعلى في (العمدة)، وأبو الخطاب الحنبليان: مذهب ابن حنبل جوازه؛ كان مشتقا، أو علما، أو لقبا. ***

стр. 3447

المسألة العاشرة قال الرازى: مذهب الشافعي- ﵁: أنه يجوز التعليل بالعلة القاصرة؛ وهو قول أكثر المتكلمين . وقال أبو حنيفة: لا يجوز، ووافقونا في العلة المنصوصة. لنا: أن صحة تعدية العلة إلى الفرع موقوفة على صحتها في نفسها، فلو توقفت صحتها في نفسها على صحة تعديتها إلى الفرع، لزم الدور، وإذا لم تتوقف على ذلك، فقد صحت العلة في نفسها، سواء كانت متعدية، أو لم تكن. فإن قيل: (لم لا يجوز أن يقال: (إن صحتها في نفسها لا تتوقف على صحة تعديتها، بل على صحة وجودها في غير الأصل؛ وحينئذ ينقطع الدور): سلمنا ذلك؛ ولكن وجد ها هنا ما يدل على فساد العلة القاصرة، وهو من وجوه: الأول: إن العلة القاصرة لا فائدة فيها، وما لا فائدة فيه كان عبثا، وهو على الحكيم غير جائز. وإنما قلنا: إنه لا فائدة فيها: لأن الفائدة من العلة التوسل بها إلى معرفة الحكم، وهذه الفائدة مفقودة ها هنا؛ لأنه لا يمكن في القاصرة أن يتوسل بها إلى معرفة الحكم في الأصل؛ لأن ذلك معلوم بالنص، ولا يمكن التوسل بها إلى معرفة الحكم في غير الأصل؛ لأن ذلك يمكن أن لو وجد ذلك الوصف في غير الأصل، فإذا لم يوجد، امتنع حصول تلك الفائدة.

стр. 3448

وإنما قلنا: إن ما لا فائدة فيه عبث، وإن العبث غير جائز؛ فذلك للإجماع. الثاني: الدليل ينفى القول بالعلة المظنونة؛ لأنه اتباع الظن؛ وهو غير جائز، لقوله تعالى: ﴿إن الظن لا يغنى من الحق شيئا﴾ [النجم: ٢٨] ترك العمل به في العلة المتعدية؛ لأن فيها فائدة، وهي التوسل بها إلى معرفة الحكم في غير محل النص، وهذه الفائدة مفقودة في القاصرة؛ فوجب بقاؤها على الأصل. الثالث: العلة الشرعية أمارة؛ فلا بد وأن تكون كاشفة عن شيء، والعلة القاصرة لا تكشف عن شيء من الأحكام؛ فلا تكون أمارة؛ فلا تكون علة والجواب: قوله: لم لا يجوز أن يقال: (صحة كونها علة موقوفة على صحة وجودها في غير ذلك المحل): قلنا: لأن الحاصل في محل آخر لا يكون هو بعينه؛ لاستحالة حلول الشيء الواحد في محلين، بل يكون مثله، وإذا كان كذلك فنقول: كل ما يحصل له من الصفات عند حلول مثله في محل آخر يكون ممكن الحصول له عند عدم حلول مثله في محل آخر؛ لأن حكم الشيء حكم مثله، فإذا أمكن حصول كل تلك الأمور، فبتقدير تحقق ذلك، وجب أن تكون علة؛ لأن تلك العلية ما حصلت إلا بسبب تلك الأمور. وأما تلك المعارضة الأولى، وهي: (أنه لا فائدة فيها): قلنا: لا نسلم. قوله: (الفائدة أن يتوسل بها إلى معرفة الحكم) " قلنا: نسلم أن معرفة الحكم فائدة؛ لكن لا نسلم أنه لا فائدة إلا هي؛ فما الدلالة على هذا الحصر؟ ثم إنا نبين فائدتين أخريين:

стр. 3449

الأولى: أن نعرف أن الحكم الشرعي مطابق لوجه الحكمة والمصلحة، وهذه فائدة معتبرة؛ لأن النفوس إلى قبول الأحكام المطابقة للحكم والمصالح أميل، وعن قبول التحكم الصرف والتعبد المحض أبعد. الثانية: أنه لا فائدة أكثر من العلم بالشيء؛ لأنا إذا علمنا الحكم، ثم اطلعنا على علته، صرنا عالمين، أو ظانين بما كنا غافلين عنه، وذلك محبوب القلوب، ولا يمتنع أيضا أن يكون لنا فيه مصلحة. سلمنا أنه لا بد وأن يتوسل بالعلة إلى معرفة الحكم؛ لكن من جانب الثبوت، أو في جانب العدم؟. الأول ممنوع، والثاني مسلم، وها هنا أمكن التوسل به إلى عدم الحكم. بيانه: أنه إذا غلب على ظننا كون حكم الأصل معللا بعلة قاصرة، امتنعنا من القياس عليه؛ فلا يثبت الحكم في الفرع. فإن قلت: (يكفى في الامتناع من القياس ألا نجد علة متعدية، فأما التعليل بالعلة القاصرة، فلا حاجة إليه في الامتناع من القياس): قلت: يجوز أن يوجد في الأصل وصف متعد مناسب لذلك الحكم، فلو لم يجز التعليل بالعلة القاصرة، لبقى ذلك الوصف المتعدي خاليا عن المعارض؛ فكان يجب التعليل به؛ وحينئذ: كان يلزم ثبوت الحكم في الفرع. أما لو جاز التعليل بالوصف القاصر، صار معارضا لذلك الوصف المتعدى؛ وحينئذ: لا يثبت القياس، ويمتنع الحكم. سلمنا أنه لا فائدة فيها؛ فلم قلتم: إنها تكون باطلة؛ فإنه لا يمتنع كونها علة

стр. 3450

مؤثرة في الحكم، مع أن الطالب لها يكون طالبا لما لا ينتفع به، حين يتشاغل بطلب ما هو مستغن عنه. سلمنا أن ما لا فائدة فيه لا يجوز إثباته، ولكن لا يجوز ذلك قبل أن يعلم أنه لا فائدة فيه، أو بعد أن يعلم ذلك؟! وها هنا المستنبط للعلة- حال طلبه لها- لا يعلم أن تلك العلة متعدية، أو قاصرة؛ فلا يمكن منعه عن ذلك الطلب، وبعد وقوفه على العلة القاصرة: لا يمكن منعه عن معرفتها؛ لأن ذلك خارج عن وسعه. سلمنا كل ما ذكروه، ولكنه منقوص بالتنصيص على العلة القاصرة؛ فإن كل ما ذكروه حاصل فيها، مع جوازها. قوله: (الدليل ينفي القول بالعلة المظنونة): قلنا: لا نسلم؛ والتمسك بالآية سبق الجواب عنه في مسألة إثبات القياس. وأيضا: قد بينا أن العلة المتعدية كما أنها وسيلة إلى إثبات الحكم، فالعلة القاصرة وسيله إلى نفي الحكم؛ فوجب كون القاصرة صحيحة؛ لأنها على وفق النافي، والمتعدية على خلافها. قوله: (هذه الأمارة لا تكشف عن حكمة): قلنا: لا نسلم؛ بل تكشف عن المنع من استعمال القياس. سلمناه؛ لكنه يكشف عن حكمة الحكم، سلمناه؛ لكنه منقوض بالعلة القاصرة المنصوصة. فرع: اختلفوا في أن الحكم في مورد النص ثابت بالنص، أو بعلة النص؟! فقالت الحنفية: لا يمكن ثبوته بالعلة؛ لأن الحكم معلوم، والعلة مظنونة،

стр. 3451

والمظنون لا يكون طريقا إلى المعلوم، وأصحابنا جوزوه، والخلاف فيه لفظي؛ لأنا نعني بالعلة ها هنا أمرا مناسبا، يغلب على الظن أن الشرع أثبت الحكم لأجله، وذلك مما لا يمكن إنكاره. المسألة العاشرة يجوز التعليل بالعلة القاصرة قال القرافي: قوله: (الكائن في المحل الآخر هو مثل الكائن في محل الأصل، فكل ما حصل لأحد المثلين عند حصول المثل الآخر، يكون ممكن الحصول عند عدم المثل الآخر): قلنا: العلة عندنا القدر المشترك بين المثلين، لا هذا ولا ذاك، فلا معنى لهذا البحث في الأمثال. وللشارع أن يعتبر المشترك علة كما [اعتبر] متعلق الحكم في الأفعال، فلم يوجب إلا مطلق أربع ركعات في الظهر، أما إيقاعها هنا أو هناك فلا. وكذلك جميع الأفعال المطلوبة، أو المخير فيها. سلمنا أن العلة في الأصل هو المثل بما هو مثل، لكن قولكم: (ما ثبت له مع مثله، جاز ثبوته له مع عدم مثله) لا يفيد مقصودكم؛ لأن هذا الجواز إنما نسلمه عقلا، وذلك غير محل النزاع، إنما النزاع في الجواز الشرعي، ولا تنافي بين الجواز العقلي والامتناع الشرعي، كما يجوز ثبوت حكم الإجزاء والكمال للركعة الواحدة في الظهر، والواقع شرعا للامتناع، فحينئذ لا بد من دليل شرعي يدل على الصحة الشرعية، ولم تذكروه، بل قولكم: (حكم الشيء حكم مثله) مدرك عقلي لحكم عقلي.

стр. 3452

قوله: (يجوز أن يوجد في الأصل وصف متعد يناسب ذلك الحكم): تقريره: أن الفرع يكون قد اتفق على عدم الحكم فيه؛ لأن البحث وقع على هذا التقدير، وبين هذا الفرع والأصل وصف مشترك. وفي الأصل وصف آخر قاصر. فإذا عللنا بالقاصر اتجه القول بالعدم في الفرع مضافا لانتفاء العلة القاصرة، ويكون ذلك عذرا عن الوصف المتعدي. فنقول: إنما لم يثبت الحكم به في الفرع؛ لأن التعليل في الأصل وقع بالعلة القاصرة، وعدمها يعارض [التعدي] في الفرع. واعتبار عدمه راجح على اعتبار ثبوت [التعدي] ويبن ذلك بطريقة. أو يكون مساويا له، ويكفي في عدم الحكم حصول التعارض على التساوي. قوله: (تكون القاصرة مؤثرة في الحكم مع أن الطالب لها يكون طالبا لما لا ينتفع به): تقريره: أن تأثيرها هو كونها الداعي إلى ورود النص بذلك الحكم، فلا يحصل للطالب بها إثبات حكم في الأصل؛ لأنه ثابت بالنص، بل العلم بأنها الباعث والداعي لذلك الحكم. قوله: (القاصرة تقتضي عدم الحكم، فهي على خلاف المتعدية): قلنا: هذا يقتضي عدم اعتبار القاصرة؛ لأنها لم تفد فائدة؛ لحصول تلك الفائدة بالبراءة الأصلية. والمتعدية مفيدة فائدة زائدة، فكانت أرجح منها، كما قلناه في النصوص والبيانات الواقعة والمقررة.

стр. 3453

سلمناه: لكن الأمر قد ينعكس، وأن الحكم قد يكون إباحة، وردا إلى الأصل، فتكون القاصرة تمنع من ثبوت ذلك الرد إلى الأصل، ومن تلك الإباحة. وأما المتعدية، فتنشئ حكمي الإباحة والرد إلى الأصل. (سؤال) قال النقشواني: قوله: (تكشف عن المنع من القياس) لا يتم ؛ لاحتمال أن يوجد في الأصل أوصاف كثيرة كلها معرفات، ويتعدى الحكم بواحد منها، وبقيتها لا يمنع؛ لأن تعليل الحكم بالعلل الكثيرة، لا يمنع عدم بعضها التعليل الموجود منها. وقوله: (إن العلة القاصرة تكشف عن حكمة الحكم) فإنما يتجه على مذهب من يجعل المعرف معرفا للحكمة أو الحكم. أما من يجعله معرفا للحكم فقط، فلا يصح هذا الجواب. وقوله: (إنه منقوض بالعلة القاصرة)، إنما يليق بأصل من يعلل بالحكمة؛ لأنه المجوز للقاصرة؛ لأنها معرفة بحكمة الحكم. أما من يجعلها كلها معرفات للحكم فقط، فلا يتأتى له هذا الجواب. (تنبيه) زاد سراج الدين فقال على قوله: (حكم الشيء حكم مثله؛ لأن عليته إنما هي باعتبار تلك الصفات الحاصلة) . قال: لقائل أن يقول: لا نسلم أن [عليتها] باعتبار تلك الصفات، بل [بها و] بوجودها في غير الأصل، فإن لم تعتبرها، فهو أول المسألة.

стр. 3454

وقال التبريزي: إن منعوا التعليل بالقاصرة، فقد أبعدوا؛ فإنه لا يمتنع أن يقول الشارع: ثبت هذا الحكم لهذا المعنى المخصوص، فلا تقيسه عليه. ويقول لأبي بردة: (يجزئ عنك ولا يجزئ عن غيرك)، و (إنما نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة التي دفت). وإن جوزوا ذلك، فلا يمتنع أن يغلب ذلك على ظن المجتهد بطريقة. (فائدة) قال سيف الدين: الخلاف في القاصرة إذا لم تكن منصوصة ، [و] لا مجمعا عليها، كتعليل الشافعية حرمة الربا في النقدين بجوهرية الثمنية، فأجازه الشافعي وأصحابه، وابن حنبل، والقاضي أبو بكر، والقاضي عبد الجبار، وأبو الحسين البصري، وأكثر الفقهاء، والمتكلمين. ومتعه أبو حنيفة وأصحابه، وأبو عبد الله البصري، والكرخي. قال: واحتج الأولون بأن القاضي وجد فيه الاقتران والمناسبة، فيكون علة كالمتعدي. ولأنها علة بالنص، فتكون بالاستنباط. قال: والجواب عن الأول: أنه قياس في الأسباب، وهو ممنوع. وعن الثاني: أن النص أقوى من الاستنباط في البعد عن الخطأ. ***

стр. 3455

المسألة الحادية عشرة قال الرازي: الحق أنه لا يجوز التعليل بالصفات المقدرة؛ خلافا لبعض الفقهاء العصريين ؛ مثاله: قولهم: (الملك معنى مقدر شرعي في المحل، أثره إطلاق التصرفات) وربما قالوا: (الملك الحادث يستدعي سببا حادثا، وذلك هو قوله: بعت واشتريت، وهاتان الكلمتان مركبتان من الحروف المتوالية، وكل واحد من تلك الحروف لا يوجد عند وجود الحرف الآخر، فإذن: ليس لهاتين الكلمتين وجود حقيقي؛ لكن لهما وجودا تقديريا؛ وهو أن الشارع قدر بقاء تلك الحروف إلى حين حدوث الملك؛ ضرورة أنه لا بد من وجود السبب، حال حصول المسبب) وقد يذكرون هذا التقدير في جانب الأثر؛ فيقولون: (إن من عليه الدين، يكون ذلك الدين مقدرا في ذمته). واعلم أن الكلام من جنس الخرافات؛ لأن (الوجوب) إما أن يكون مفسرا بمجرد تعلق خطاب الشرع؛ على ما هو مذهبنا، أو يكون الفعل في نفسه؛ بحيث يكون للإخلال به مدخل في استحقاق الذم؛ على ما هو قول المعتزلة. فإن كان الأول: لم يكن لتعلق الخطاب حاجة إلى معنى محدث، يكون علة له؛ لأن ذلك التعلق قديم أزلي؛ فكيف يكون معللا بالمحدث؟. وإن كان الثاني: فالمؤثر في الحكم جهات المصلحة والمفسدة؛ فلا حاجة فيه إلى بقاء الحروف. وأيضا: فالمقدر يجب أن يكون على وفق الواقع، والحروف لو وجدت مجتمعة، لخرجت عن أن تكون كلاما، فلو قدر الشرع بقاء الحروف التي

стр. 3456

حصل منها قوله: (بعت واشتريت) لم يحصل عند اجتماعها هذا الكلام، وأما تقدير المال في الذمة، فهو ساقط جدا، بل لا معنى له إلا أن الشرع مكنه، إما في الحال، أو في الاستقبال؛ من أن يطالبه بذلك القدر من المال، فهذا معقول شرعا وعرفا. فأما التقدير في الذمة، فهو من الترهات التي لا حاجة في العقل والشرع إليها. المسألة الحادية عشرة في التعليل بالمقدرات قوله: (إطلاق التصرف معلل بالملك، والملك معلل بصيغة الإيجاب والقبول، والدين مقدر في الذمة): قلنا: فهرسة المسألة إن أريد بها ظاهرها، وهو العلة الشرعية، فهذه المثل ليست مطابقة؛ لأن الملك والتصرف ونحوها ليست عللا يصح بها القياس. وإن أريد أنه لا يجوز التقدير في الشريعة، فهو غير مستقيم لوجهين: الأول: أن هذا البحث لا تعلق له بالقياس، ونحن في كتاب القياس ومسألة، فيصير الكلام غير موجه. الثاني: أن هذه الدعوى باطلة في نفسها؛ لأن الشريعة مملوءة من التقادير، حتى إنها في جميع أبواب الفقه، فكيف ينكر؟ وقد أكثرت من بيان ذلك في كتاب (الأمنية)، وأذكر- ها هنا- طرقا من ذلك، فأقول: التقدير الشرعي هو إعطاء الموجود حكم المعدوم، والمعدوم حكم الموجود. فمن الأول: النجاسة اليسيرة، والضرر اليسير، والصور النادرة في كل باب، هي معدومة في نظر الشرع، ونحو ذلك.

стр. 3457

ومن الثاني: الإعتاق عن الغير، فيكون له الولاء، [و] إنما يستقيم ذلك إذا قدر له الملك، يتجه ثبوت الولاء المرتب على العتق المرتب على الملك المقدر له، وإلا فثبوت أحد هذه بدون الآخر غير ممكن في قواعد الشرع. وكذلك التوريث من دية الخطأ لا يتناوله الميراث، وهو لا يملك حتى يزهق نفسه؛ لأن الزهوق هو السبب؛ فيتعين التقدير. وتقدير المنافع في الإجارات موجودة، وأعيان السلم حتى يصح إصدار العقد؛ فإن العقد لا بد له من متعلق محققا، كبيع المرئيات. أو مقدرا، كبيع المعدومات. وتجد ذلك إذا أمعنت النظر في القراض، والمساقاة، والصلح، والعارية، والوديعة، وغير ذلك. قوله: (الوجوب مجرد تعلق خطاب الشرع عندنا): قلنا: ليس كذلك، بل الخطاب المتعلق، لا مجرد التعليق، وبينهما فرق كبير. قوله: (التعلق قديم، فلا يحتاج إلى أمر محدث): قلنا: لا نسلم إنما تعلق مرتبا على هذا المحدث، كما تعلق بالمكلف على تقدير وجوده وحدوثه، كما تعلق خطاب الله- تعالى- بوجوب الظهر علينا إلا مرتبا على تقدير حدوثنا وحدوث الزوال، وغير ذلك من الشروط وانتفاء الموانع، أما تعلقه في الأزل مطلقا، فلا. ثم هذا الكلام يبقى تعلقه بالمحقق المحدث: كالزوال، ورؤية الهلال، وملك النصاب وغير ذلك، وهو خلاف الإجماع. قوله: (وإن كان الثاني، فالمؤثر جهات المصلحة والمفسدة، فلا حاجة إلى بقاء الحروف):

стр. 3458

قلنا: لا تنافي بين كون المؤثر المصلحة، وبين أن تكون الحروف ضابطة للمصلحة، والمعرفة بها، ثلم المصلحة في نفسها حادثة، فيلزم فيها ما قلتموه في الحروف. قوله: (المقدر يجب أن يكون على وفق المحقق، والحروف لو اجتمعت لخرجت عن أن تكون كلاما): قلنا: نقدرها مجتمعة على وجه يصدق عليها أنها كلام، وتكون كأنها الآن مترتبة في الحس، وهي موجودة في أزمانها، موصوف جميعها [بالحدوث]، [وكذلك] الآدمي مرتبا أعضاؤه في بقاعها، وليس من شروط التقدير أن يكون المقدر ممكن الوقوع، بل قد يكون مستحيلا كما قدر الله- تعالى- الشريك في قوله تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] مع استحالة الشريك، وإذا لم تمنع الاستحالة التقدير، صح ما قلناه؛ لأن غايته أنه مستحيل. قوله: (لا معنى للتقدير إلا تمكين الشارع للإنسان من المطالبة بذلك المال). قلنا: المطالبة لا بد لها من مطلوب، ويكون ذلك المطلوب متميزا بقدره، ومحله، وجهته، وصفاته عن غيره، ولا نعني بالتقدير إلا كونه مفروضا في ذمة المطالب، مختصا به على الوجه المخصوص، وكذلك الذمة صفة مقدرة في المحل تقبل الإلزام والالتزام، كما نقول: البالغ الرشيد المكلف في نظر الشرع له صلاحية أنه إذا أتلف شيئا ترتب عليه قيمته، وإذا باع أو اشترى لزمه التسليم، أو الثمن. وهذه الصلاحية نقطع بانتفائها شرعا عن البهيمة، والطفل في المهد ونحو ذلك.

стр. 3459

وهذه الصلاحية الخاصة هي الذمة، وهي صفة شرعية يقدرها الشارع في محل دون محل، ويقضي بارتفاعها بعد ثبوتها في الميت ونحوه. (سؤال) قال النقشواني: الملك في العرف، والشرع . أما الأول: فيقولون: هذا ملك فلان؛ فيتصرف فيه، ويعللون عدم التصرف بعدم الملك؛ فيقولون: باع ما لم يملك، ويقولون: عقد صدر من أهله في محله؛ فيفيد الملك، ويقولون: تصرف صادف ملك الغير بغير إذنه؛ فلا ينفذ وعكسه. ويقولون: ثبت ملكه؛ فحل له التصرف، وزال ملكه؛ فمنع، ومثاله لا يحصى في ألسنة العلماء، والمناظرين. وأما الثاني: فلقوله تعالى: ﴿إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك﴾ [الأحزاب: ٥٠]، وأمثال ذلك كثير في الكتاب والسنة. وإذا عرفنا الشارع حل التصرف بملك اليمين، فلا بد أن يكون الملك مغايرا لجواز التصرف؛ ولأن الملك ثبت للمحجور، وليس له تصرف، وثبت التصرف بدون الملك كالإمام، والحاكم، والولي، والوكيل. (تنبيه) زاد سراج الدين فقال: لقائل أن يقول: لما فسرت الوجوب بتعلق الخطاب، وقد اعترفت أول الكتاب بحدوثه- افتقر إلى سبب حادث ، وكون الحكمة مؤثرة في الحكم لا ينافي كون الوصف مؤثرا لما قاله، [وكون] التقدير على وفق الواقع، وليس معناه أن [المقدر] يعطي حكمه لو كان موجودا، بل معناه أنه يعطي حكم مؤثر موجود.

стр. 3460

قال التبريزي: الحكم الشرعي قد يرجع إلى معنى يقدر صفة للمحل، كالعصمة، والملك، والنجاسة، والطهارة، فإذا جوزنا التعليل بالحكم الشرعي دخل فيه هذا القبيل. وأنكر جماعة التقدير في الشرع تصورا، فضلا عن التعليل به. والممارس للشريعة والقواعد السمعية لا يقدر على دفع الحال، وعموم المعاني وكليتها، ويدل عليه أمور: الأول: أنه لا سبيل إلى إنكار الرق، والحرية، والعصمة، والملك، والحقوق كحق الشفعة والخيار، ولا يمكن تفسيرها بنفس الأغراض والثمرات، ولا بالأسباب كالبيع والنكاح؛ إذ هي صفات المحل حقيقة، وأما الثمرات؛ فلأوجه ثلاثة: الأول: أنها معللة بها؛ فيقال: مملوك؛ فيجوز الانتفاع به، ومعصوم؛ فيضمن، ونجس؛ فلا يجوز بيعه، وحر؛ فتقبل شهادته، وينفذ أمانه، وتنعقد به الجمعة. الثاني: أن الثمرات قد تختلف، وتنتفي بالكلية مع بقاء الملك، كما في الجحش الصغير، والمطعوم، والمرهون، والعبد الآبق، والدرة الملقاة في البحر.

стр. 3461

فإن قيل: غرضية الانتفاع حاصلة، والسبب قائم، فقد يكبر الجحش، وينفك الرهن، وتعود الدرة والعبد، كيف والجحش يباع والآبق يعتق؟: قلنا: غرضية الانتفاع إما أن تكون هي الاستعداد، فلا وجود له في الجحش، والدرة، والمرهون والآبق أمر حقيقي، لا حكم شرعي. وإن كانت عبارة عن توقع الانتفاع، فلينقل لفظ الانتفاع إلى الملك، فنقول: ليس بمملوك في الحال، وإنما يملك في ثاني الحال، ولا شك أن هذا خلف في موقع الغرض، ثم الفرضية متحققة في الخمر، وجلد الميتة، وفي الصيد قبل التعقل، وذرارى الكفار قبل الاستيلاء، وهو أقرب من توقع عود الدرة من البحر، ولا يطلق عليها اسم الملك، وأما صحة البيع ونفوذ العتق، فلا يجوز [تفسير] الملك بها؛ فإن الإجماع منعقد على توقف نفوذ البيع والعتق على الملك؛ فيتمانعان.

стр. 3462

الوجه الثالث: أم الانتفاع بجهة التوسل لا يجوز أن يكون من مسمى الملك، والانتفاع بالعين قد يتوقف على الموصى له بمنافع الدار والدابة على وجه اللزوم في مدة بقاء المحل دون الورثة، والملك في الدار مضاف للورثة دون الموصى عليه. وأما التفسير بالأسباب فلوجهين: أحدهما: أن الملك معلل بتلك الأسباب، فيقال: ملك بالبيع، ملك بالهبة، ملك بالوصية. الثاني: أن الأسباب ذواتها أمور حسية، واعتبارها إن رجع إلى مجرد ترتيب الآثار لم يكن أمرا ثالثا. وإن رجع إلى أمر آخر، فنقول: هو أمر محصل أم لا؟ والثاني ليس بثابت، وإن كان محصلا، فليس حقيقيا، فليزم بالضرورة أن يكون شرعيا، فيكون مقدرا، ثم الاعتبار أمر مضاف، فما الذب اعتبر فيه السبب: فإن كان نفس الثمرات، فقد بينا بطلانه طردا وعكسا. أو أمر آخر، فهو الذي نعني بالملك، وليس بمحقق، فيلزم أن يكون مقدرا. الأمر الثاني: هو أن المسلم فيه، والدين المؤجل، إما أن يكون شيئا مستحقا أو لا، فإن لم يكن فقد خرج عقد المعاوضة عن العوض، ثم يلزم ألا يصح الإبراء منه، ولا الاعتياض عنه، وهو خلاف الإجماع، أو شيئا مستحقا، فاستحقاقه إما أن يكون ثابتا في الحال، أو في المال، والثاني باطل لوجهين: أحدهما: لزوم تعليق حكم المعاوضة. الثاني: ألا ينفذ الإبراء عنه، أو يخرج على قولي الإبراء عما جرى سبب

стр. 3463

ثبوته، ولم يثبت، ثم لا يجري فيما إذا قال: أبرأتك عما هو مستحق لي عليك، ثم لو فرض فالاستحقاق المتأخر يثبت حالة الحلول، أو حالة التسليم. حالة التسليم باطل لوجهين: أحدهما: أنها مجهولة، والسلم لا يقبل الأجل المجهول. الثاني: أنه يلزم منه ألا يطالب بشيء قبل التسليم؛ فإنه ما استحق عليه شيء. وأما حالة الحلول: فقد تخلو عن التسليم، فبأي شيء يتعلق الاستحقاق؟ ولا خلاف في أنه [لم] يثبت في عين من الأعيان [على الوجه الموصوف]، [فإن ثبت في الموصوف فهو المقدر، فإن قيل: الحكم هو وجوب تسليم عين من الأعيان على الوجه الموصوف]. قلنا: ما توجبون تسليمه هل يثبت استحقاقه أم لا؟ فإن لم يثبت لم يجب تسليمه؛ فأن تسليم ما ليس بمستحق ليس بواجب، وإن ثبت استحقاقه، فمتعلقه هو العين التي يقع فيها التسليم أم أمر أعم؟ الأول: باطل؛ لأنه مجهول حالة العقد؛ ولأنه لم يتناوله العقد بالإضافة، ولهذا كان يجوز له ألا [يسلمه] ذلك بعينه. وإن كان أمرا أعم على ما هو المذكور عند العقد، فلا شك في أنه لم يثبت استحقاقه في شيء من الأعيان، وهو لا يقوم بنفسه، فيكون مقدرا، وإذا بطل تأخر الاستحقاق المتأخر، فيجب أن يتعلق بالموصوف المقدر، ثم الاستحقاق على هذا لا يمكن أن يكون إيجابا؛ فإنه لا يتعلق بالذوات بل بأفعال المكلفين، ثم لا خلاف في انتفائه، فيتعين أن يكون معنى شرعيا مقدرا، ولا بد للمستحق من محل يقوم به؛ فإنه لا يقوم بنفسه، وهو الذمة، وهو أيضا أمر مقدر عرفي قدره [الشرع].

стр. 3464

والأمر الثالث: الأخبار، فمنها قوله- ﵇: (من ترك حقا أو مالا فلورثته)، الحديث أضاف الترك إلى الحق المقدر إضافته إلى المال المحقق، فيستدعي وجودا، وليس بمحقق؛ فيكون مقدرا، ولا يمكن حمل الترك- ها هنا- على عدم الفعل؛ فإن ترك بهذا التفسير ليس مجرد الإرث إجماعا كتمليك المباحات، وتطليق الزوجات، وإنشاء العقود. وقوله ﵇: (من ملك ذا رحم محرم عتق عليه) فإنه يدل على أن الملك معنى مقدر؛ فإن جواز الانتفاع هو المحذور الذي شرع العتق لنفيه بإسقاط مبناه، ولم يترتب على شراء القريب أصلا بالإجماع، ومع جعله الملك شرط العتق. وقوله ﵇: (النكاح رق فلينظر أحدكم أين يضع كريمته). فإنه يدل على أن النكاح معنى يقوم بالمرأة على مثال قيام الرق بالعبد؛ إذ لا يمكن إطلاق الرق على العقد، ولا [على] الوطء وحله. الرابع: الأحكام منها: اختلاف العلماء في أن الفسخ رقع للعقد من أصله أو حينه، ولا معنى للانتفاء [بينهما] إلا بتقدير أحدهما عند الآخر، ثم المرتفع هو العقد المحقق أو المقدر، لا سبيل إلى الأول، فإن ما وجد من المحقق لا يمكن أن يقال: ما وجد لا وجود له حقيقة في الدوام ليرتفع.

стр. 3465

ومنها: اتفاقهم على تقدير النية عند انعقاد الصوم، واختلفوا في أن جهة تقدير بقاء المحققة استصحابا، أو فرض وجودها ابتداء عند الصوم؛ لينبني عليه إمكان التصحيح بنية من النهار. ومنها تقدير المنافع حالة عقد الإجازة؛ ليرد عليها العقد؛ إذ لا بد من معوض يستحق قبالة الأجرة، إذ لا يمكن أن يكون حكمها ملك [العين]، ولا [بالاستعدادات]؛ لأنه ينافيه التأقيت، والانفساخ بعد التسليم، ولا جواز صرف إذا استوفيت إلى المستأجر، بل إلى مالك العين، كما في بدل الوطء بالشبهة. ومنها: إجماعهم على تقدير ملك الأب في الجارية المملوكة للابن قبل العلوق أو مع الوطء؛ ليظهر أثره في نفي المهر أيضا. ومنها: تقدير ملك الابن فيما يمهر عنه الأب، حتى لو عاد بفسخ، أو طلاق بعد الكبر عاد إلى ملك الأب. ومنها: تقدير الملك في المعجل زكاة عن أربعين حتى تصور وقوعه زكاة، وقوله: (الخطاب قديم يستغنى في تعلقه عن توسط حادث)، فقد بينا أن ذلك التعلق غير كاف في تحقيق حكم الشرائع، وإنما يرجع إلى مجرد صلاحية الكلام القديم المتعلق بالأفعال الحادثة، فهو كتعلق القدرة القديمة بسائر الممكنات في الأزل، وذلك غير كاف في وقوع الحوادث، بل لا بد من تعلق أخص من ذلك في تنجز الأحكام الشرعية، ولهذا انتظم أن نقول: لا حكم للأفعال قيل ورود الشرع، وأن تحريم الخمر حكم حادث، لا بد له من سبب حادث ونحو ذلك، ثم إذا حصرنا الأحكام الشرعية في التكاليف، فلو زوج الجد أحد حفيديه بالآخر، فما حكم هذا العقد؟ والصبي ليس أهلا لتعلق الخطاب بفعله، ولا يتعلق بالولي غير وجوب النفقة، وربما لا تجب النفقة في مثل هذا النكاح، ثم إن لم نفرض سابقة استحقاق على

стр. 3466

الصبي في ماله كيف نتصور ابتداء إيجاب إخراج مال الصبي على الولي؟ فإذا لا حكم لهذا العقد في الحال، والنكاح لا يقبل التعليق لينعقد مفيدا لجواز الوطء بعد البلوغ، ثم يلزم منه ألا يتوارثا قبل البلوغ، وألا تحرم الصغيرة على أب الصغير إذا مات قبل نفوذ النكاح. فإن قيل: ما أثبتموه من المعاني المقدرة إن كانت نفيا محضا، فليست بشيء. أو ثبوتيا، فهل هو معلوم محقق أو متخيل موهوم؟ فإن كان الأول: فقد تجدد في المحل صفة حقيقة معقولة، وهو معلوم البطلان بالضرورة. وإن كان الثاني: فو وهم كاذب، وفتح هذا يؤدي إلى التشكيك في الضروريات. قلنا: المقدر ينقسم إلى: ما سبق العلم به قبل التقدير، وما لم يسبق العلم به. والذي يسبق العلم به ينقسم إلى: ما يحس به، وما لا يحس به. والأول ينقسم إلى: الأجسام، والأعراض. أم الأجسام: فكالمبيع المقدر بقاؤه بعد تلفه قبل القبض، والنصاب المقدر بقاؤه بعد الإتلاف عند الحنفي. [وأما] الأعراض: فكالأقوال، وعقود التصرفات، والنية المستصحبة في العبادات. فأما ما لا يحس، فينقسم إلى: معقول، ومشروع. فالمعقول: كالحياة المقدرة في النطفة، والموت المقدر في المرتد. والمشروع: كتقدير بقاء الملك في معجل الزكاة، فهو تقدير مقدر في

стр. 3467

نفسه، وتقدير الدراهم دينا هل هو تصور حقائقها لتعلق الاستحقاق بها؛ فيكون من المعقول؟ أو تقدير أعيانها؛ فيكون من المحسوس؟ فيه خلاف، وأما ما لم يسبق العلم به قبل التقدير، فكثبوت الملك، والاستحقاق، والتخصيصات، وسائر أحكام الشرع من الطهارة، والنجاسة، والزوجية، والعصمة، والمقصود أن ما يرجع إلى ما سبق العلم به، فحاصل تقديره يرجع إلى تصوير حقيقته حال عدمه في بناء أحكامه عليه، وليس ذلك وهما كاذبا، فإن الوهم هو الذي يغالط فيه قوة الوهم قوة العقل مع شعوره بعدمها لا الوهم، وصور المعقولات لا ينكر خطورها للنفس، ولكن قد تقتضي المحبة أو التعظيم تأثر النفس بتصورها حسب تأثيرها بتحققها، فكذلك في الشرع مثلا خلوص النية حال تحققها يشعر بالاستمرار، والتجديد في كل لحظة، لولا العجز البشري والغفلة المستولية، فراعي الشارع ذلك الإخلاص في مقتضاه بتصويره على الدوام، حتى يرتب عليه حكمه، ويتصل بمقصوده. وأما ما يرجع إلى ما لم يسبق العلم به قبله، فهو إثبات حالة مضاهية في العقل للعالمية والقادرية، وكون الجوهر متحيزا، وفي العرف يضاهي الجهة والعظمة، والوقار، والمهانة، والحقارة، ولا شك أن لها أسبابا وآثارا، وهي وسائط بين الآثار والأسباب، وليست عين السبب، ولا عين الأثر، والمنكر للمعاني إذا نظر في مناظر العقل بعين الإمكان، بنبغي أن يطالب بتطبيقها على [الأحوال التي هي أحكام المعاني، لا] نفس المعاني؛ فإن ذلك صول، بل إذا أرسلنا طلاب الحقاق في مجاري ضيق العبارة، قلنا لهم: ما معني التعلق الذي جعلتموه جزء ماهية الحكم؟

стр. 3468

أهو ثبوتي زائد على نفس الفعل والخطاب أم لا؟ فإن كان، فهل له تعلق بهما أو بأحدهما؟ فإن لم يكن، فليس بمؤثر فيهما. وإن كان، فهو إذا صفة حقيقة ثابتة للفعل من الخطاب، أو الخطاب من الفعل، أولهما، وإن لم يكن ثبوتيا، فهو وهم كاذب. قلت: التعلق من باب النسب والإضافات التي لا وجود لها في الأعيان، وهو حكم ثابت قطعا، كالحكم بالبنوة والأبوة، والتقدم والتأخر في بعض الحقائق، وإن كانت نسبة عدمية. وقوله قبل: (هذا الكلام متعلق بالقوة كالقدرة) لا يصح، بل بالفعل كالعلم، وكما يخيل العقل ف الأزل علما بلا معلوم، يخيل أمرا بلا مأمور، ونهيا بلا منهي. وكما أن تعلق العلم في الأزل فعلي، فكذلك أنواع الكلام، وقد تقدم تقريره. ***

стр. 3469

المسألة الثانية عشرة قال الرازي: ها هنا أبحاث: الأول: العلة قد يكون لها حكم واحد، وهو ظاهر، وقد يكون حكمها أكثر من واحد، وتلك الأحكام: إما أن تكون متماثلة، أو مختلفة غير متضادة، أو مختلفة متضادة: فالأول إما أن يكون في ذات واحدة، أو في ذاتين: والأول محال؛ لامتناع اجتماع المثلين، والثاني جائز، وهو: كالقتل الذي حصل بفعل زيد وعمرو؛ فإنه يوجب القصاص على كل احد منهما. وأما الثاني: وهو أن توجب أحكاما مختلفة، غير متضادة فهو جائز؛ كتحريم الإحرام، ومس المصحف، والصوم والصلاة بالحيض. وأما الثالث: وهو أن توجب العلة أحكاما متضادة، فلا يخلو: إما أن يتوقف إيجابها لها على شرط، أو لا يتوقف. فإن كان الأول: فالشرطان: إما ألا يجوز اجتماعهما، أو يجوز: فإن لم يجز، جاز أن تكون العلة موجبة لحكمين متضادين، عند حصول شرطين لا يجتمعان، وإن كان يجوز اجتماعهما، فهو محال؛ لأنهما إذا تقتضيهما جميعا؛ وهو محال، أو لا تقتضي واحدا منهما، وحينئذ تخرج العلة عن أن تكون علة، وبهذا البيان: يظهر أيضا أنه لا يجوز أن يتوقف اقتضاء العلة معلوليها المتضادين على شرط.

стр. 3470

الثاني: من شرط العلة اختصاصها بمن له الحكم، وإلا لم يكن اقتضاء حصول الحكم لشيء أولى من اقتضائه لغيره. الثالث: أن اقتضاءها معلولها قد يكون موقوفا على شرط؛ مثل الزنا؛ فإنه لا يوجب الرجم إلا بشرط الإحصان، وقد لا يكون؛ وهو ظاهر. الرابع: العلة قد تكون علة لإثبات الحكم في الابتداء؛ كالعدة في منع الحل، وقد تكون علة في الابتداء والانتهاء؛ كالرضاع في إبطال النكاح، وقد تكون العلة قوية على الدفع، لا على الرفع؛ مثل العدة والردة؛ فإنهما يدفعان النكاح، ولا يرفعانه، وقد تكون قوية عليهما معا. المسألة الثانية عشرة العلة يكون لها حكم وحكمان قال القرافي: قوله: (إن جاز اجتماع الشرطين فهو محال): قلنا: قد يجوز اجتماعهما، وإذا وقع الاجتماع امتنع إيجاب العلة للضدين، وتعين الترجيح، فيقضي المجتهد بلزوم الراجح منهما؛ لاستحالة اقتضاء العلة لها، وإن لم يجتمع الشرطان قضي بوقوع ما حصل من شرطه. فالقول بأن ذلك محال مطلقا باطل.
следующие страницы →