Полный текст (4 032 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.
стр. 3536
واحتجوا: بأن تخصيص ذلك العدد بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه، وأيضا: جواز القياس عليه يبطل ذلك الحصر.
والجواب: يبطل ذلك بجواز القياس على الأشياء الستة؛ في تحريم ربا الفضل؛ وهذا أيضا دليل في أول المسألة.
القسم الثالث
قال القرافي: قوله: "الصحابة- رضوان الله عليهم- استعملوا هذا القياس في مسألة الحرام والجد، ولم يعتبروا هذا الشرط":
تقريره: أن عثمان البتى يشترط إذا كان القياس في النكاح- مثلا- أن يدل الدليل على جواز القياس خصوص النكاح، أو الطلاق أن يدل دليل لذلك، والصحابة- رضوان الله عليهم- اختلفوا في مسألة الحرام:
فمنهم من ألحقه باليمين بالله تعالى- فأوجب فيه كفارة يمين؛ شبها له بالامتناع الناشئ عن اليمين. ومنهم من جعله تشبيها بالتحريم الناشئ، عن الطلاق فيما إذا قال: أنت حرام، أو الحرام يلزمني، وقاسوا الجد على ابن الابن، ويرد عليه أن المعلوم أن الصحابة قاسوا في هذه المواطن،
стр. 3537
أما أن الشرط المذكور حاصل أم لا؟ فلم يدل عليه دليل، فلعلهم اعتبروا هذا الشرط، وهو حاصل، فلم قلتم: إن الأمر ليس كذلك؟.
قوله: "تخصص الشيء بالذكر يدل على نفي الحكم عما ما عداه، ولأنه يبطل فائدة الحصر".
قلنا: هذا اعتماد على المفهوم، والقياس راجح عليه.
***
стр. 3538
الباب الثالث
"في الفرع "
قال الرازي: وشرطه: أن يوجد فيه مثل علة الحكم في الأصل من غير تفاوت ألبتة لا في الماهية، ولا في الزيادة، ولا في النقصان؛ لأن القياس عبارة عن تعدية الحكم من محل إلى محل، والتعدية لا تحصل إلا إذا كان الحكم المثبت في الفرع مثل المثبت في الأصل.
فإن قلت: "هذا يقتضي ألا يكون قياس العكس حجة":
قلت: قد بينا في أول كتاب القياس: أن قياس العكس عبارة عن التمسك بنظم التلازم ابتداء، ثم إنا نثبت مقدمته الشرطية بقياس الطرد.
وأما الأمور التي اعتبرها قوم في الفرع مع أنها ليست معتبرة، فهي ثلاثة:
الأول: قال بعضهم: يجب أن يكون حصول العلة في الفرع معلوما لا مظنونا، وهذا باطل للنص، والحكم، والمعقول:
أما النص: فهو أن عموم قوله تعالى: ﴿فاعتبروا﴾ [الحشر: ٢] يقتضي حذف هذا الشرط.
وأما الحكم: فهو: أن الزنا والسرقة، إذا ظهرا عند القاضي، قضى بوجوب الحد؛ لأن الطريق إليه شهادة الشهود، وهي لا تفيد العلم.
وأما المعقول: فهو أنه إذا حصل ظن كون الحكم معللا بذلك الوصف، ثم
стр. 3539
حصل ظن الثبوت ذلك الوصف في الفرع، حصل ظن أن الحكم في الفرع مثل الحكم في الأصل، والعمل بالظن واجب مطلقا؛ على ما بيناه,
الثاني: قال أبو هاشم: الحكم في الفرع يجب أن يكون مما ثبت جملة حتى يدل القياس على تفصيله، ولولا أن الشرع ورد بميراث الجد؛ وإلا لما استعملت الصحابة القياس في توريثه مع الإخوة؛ وهذا باطل؛ لأن أدلة القياس تحذف هذا القيد.
الثالث: ألا يكون الفرع منصوصا عليه، وهو على قسمين؛ لأن الحكم الذي دل النص عليه: إما أن يكون مطابقا للحكم الذي دل عليه القياس، أو مخالفا:
فإن كان الأول: جاز استعمال القياس فيه عند الأكثرين؛ لأن ترادف الأدلة على المدلول الواحد جائز، ومنعه بعضهم؛ استدلالا بأن معاذا إنما عدل إلى الاجتهاد بعد فقدان النص؛ فدل على أنه لا يجوز استعماله عند وجوده.
وأيضا: فالدليل ينفي جواز العمل بالقياس؛ لكونه اتباعا للظن ﴿وإن الظن لا يغني من الحق شيئا﴾ [النجم: ٢٨] ترك العمل به فيما إذا لم يوجب النص للضرورة؛ فيبقى حال وجود النص على مقتضى الأصل.
الجواب عن الأول: أن قصة معاذ دالة على أن التمسك بالقياس عند فقدان النص جائز، فأما عند وجود النص، فليس فيه دليل لا على جوازه، ولا على بطلانه.
وعن الثاني: ما تقدم مرارا من أن العمل بالقياس ليس على خلاف الدليل.
خاتمة لهذا الباب
ها هنا نوع آخر من القياس يستعمله أهل الزمان؛ وهو أن يقال: "لو ثبت
стр. 3540
الحكم في الفرع، لثبت في الأصل؛ لأن بتقدير ثبوته في الفرع، وجب أن يكون ثبوته لأجل المعنى الفلاني؛ لمناسبته واقتران الحكم به، وذلك المعنى حاصل في الأصل؛ فيلزم ثبوت الحكم فيه.
فثبت أن الحكم، لو ثبت في الفرع، لثبت في الأصل، فلما لم يثبت في الأصل، وجب ألا ثبت في الفرع".
ويمكن أن يذكر ذلك على وجه آخر أشد تلخيصا؛ وهو أن يقال: "ثبوت الحكم في الفرع يفضى إلى محذور؛ فوجب ألا يثبت".
إنا قلنا: إنه يفضى إلى محذور؛ لأنه لو ثبت الحكم في الفرع، لكان إما أن يكون معللا بهذا الوصف الذي يشترك الفرع والأصل فيه، أو لا يكون معللا به.
فإن كان الأول: لزم النقض؛ لأنه غير ثابت في الأصل.
وإن كان الثاني: لزم النقض؛ لأن المناسبة والاقتران دليل العلية، فحصولها بدون العلية يوجب النقض، وهذا آخر كلامنا في القياس، وبالله التوفيق.
الباب الثالث
"في الفرع"
قال القرافي: قوله: "خبر معاذ يدل على التمسك بالقياس عند فقدان النص، أما عند وجوده فلا دليل فيه على عدمه ولا وجوده":
قلنا: بل مفهوم الشرط الذي هو قوله: ﴿فإن لم تجدوا﴾ [المجادلة: ١٢] يقتضى عدم جواز التمسك بالقياس.
"خاتمة"
في قياس يستعمله أهل الزمان، فيقولونّ: لو ثبت الحكم في الفرع لثبت في الأصل:
стр. 3541
تقريره: أن مقصود القياس يكون عدم الحكم، ويكون هنالك صورة أجمعنا على عدم الحكم فيها، فنقيس المختلف فيه على المتفق على ثبوت العدم فيه، ونقول: لو ثبت الربا في الأرز لكان المشترك بينه وبين الجوز، أو اللوز، أو بعض العقاقير من الطعم أو الوزن أو غيره، وليس ما ينافى الأصل، فلا يثبت في الفرع.
"تنبيه"
زاد التبريزي: فقال: شرط الحكم أن يكون ممائلا لحكم الأصل؛ ليتأدى بها ما يتأدى بحكم الأصل، وهو الذي عرف كونه مقصودا.
ثم قال العلماء: قياس البيع على النكاح لا يخل بهذا الشرط، ولا وجوب الأكل على وجوب الصلاة؛ فإن الصحة والوجود لهما حقيقة واحدة لا تختلف باختلاف المتعلق.
قال: وحصل من ذلك إشكال؛ فإن المعلل لابد وأن يرد قياسه إلى أصل وحد فيه ما رتبه على وصف تعليله، فيكون مماثلا؛ فإن الاختلاف فيما وراء ذلك القدر من (المتعلقات) لا يقدح في مماثلها من الوجه الذي جمع، فيحتاج إلى زيادة اعتبار.
فنقول: الذي يرتبه المعلل على علته قد يكون مخالفا لما في الأصل حقيقة، ولكن اللفظ يشملهما بالاشتراك التركيبي، كقولهم في اشتراط الأجل في السلم: الأجل في المسلم فيه عوض في السلم؛ فوجب أن يبلغ به أقصى مراتب جنسه، كرأس المال؛ فإن المراد بهذا اللفظ اشتراط قبض رأس المال في المجلس، وفي الفرع اعتبار الأجل في المسلم فيه، ولا اشتراك بينهما إلا في اللفظ، وقد يشاركه فيما هو مقتضى اللفظ بطريق التواطؤ، ولكن لا ينبئ
стр. 3542
مفهومه عن حكم شرعي، كقول النوقاني- ﵀ في مسألة التعيين: معنى اعتبر في الصوم في الجملة، لا يختلف حكمه باعتبار القضاء والأداء، فوجب ألا يختلف اعتباره بالقضاء والأداء؛ قياسا لوصف النية على أصلها؛ فإن الحكم الشرعي هو الاعتبار حيث تحقق سببه، أما كونه في إحدى الصورتين مخالفا للأخرى، أو موافقا، فليس من الأحكام الشرعية، بل هو من الأمور الضرورية المستفادة من نظر العقل؛ فإن التماثل والاختلاف عقلي، وإن كان ما فيه التماثل شرعيا، وقد ينبئ عن حكم شرعي، ولكن لا يثبت تمام ماهية الحكم الثابت في الأصل، وهذا القسم يقع كثيرا، وله صور:
منها: قول أصحابنا في العقيقة: مأدبة؛ فيكون مأمورا بها كالوليمة، مع أن الحكم في الأصل الوجوب، وفي الفرع الندب، وفي مسألة التفريط: تلف ماله بعد استحقاق المطالبة فيبقي [مطالبا] به كما لو أتلفه، فيقول الحنفي: الحكم في الأصل المطالبة بضمان ما أتلفه، وقد ينشأ الخلاف بين الحكمين من الاختلاف في المحكمة، واختلاف المتعلق إذا كان مؤثرا في المقصود. ونظير الأول إيجاب عتق الرقبة كفارة ونذرا، وعقوبة ومحوا.
ونظير الثاني وجوب قطع اليد مع وجوب الجلد، أو الصوم، أو الصلاة، وهو أكبر ما يستند إليه اليوم من المناظرات.
(فائدة)
قال التبريزي: القياس له ألقاب بحسب اختلاف الجامع، وألقاب بحسب اختلاف طرق تقرير الجامع.
أما الأول: فكقياس العلة، وقياس الدلالة، والقياس في معنى الأصل، وهو المسمى بقياس لا فارق.
стр. 3543
قال: ووجه الحصر أن الحكم تبع للعلة، والعلة في الفرع إما أن تستبان تفصيلا بعد التنصيص عليها في الأصل، أو إجمالا من غيرها.
ثم ذلك الغير الدال عليها إما أن يكون ثبوتا، أو نفيا.
والأول: قياس العلة.
والثاني: قياس الدلالة.
والثالث: قياس لا فارق.
وأما الألقاب [الأخرى]، فهي [شعب] قياس العلة؛ فإنها إن قررت بالمناسبة فهو قياس الإحالة، أو بشبه فهو قياس الشبه، ولا لقب للقياس باعتبار طريق آخر من طرق العلة.
نعم العلة إن استنبطت من محل التنصيص على الحكم لا غير فهي مستنبطة، والطريق تخريج وإن لخصت من محل الإيماء بحذف ما وراءها، فهي مومئ إليها، والطريق تنقيح.
وإن لم يكن للقياس مؤنة سوى معرفة وجود العلة في الفرع لكونها معلومة في نفسها، فهو تحقيق المناط خصص به تمييزا، وإن كان لابد من تحقيق المناط في كل قياس،
قلت: وقد تقدم هذا البحث في تحقيق المناط، وتخريج المناط، وتنقيح المناط، حيث حكاه عن الغزالي، وجلبت الخلاف فيه هنالك، وسمى الغزالي (قياس لا فارق): تنقيح المناط.
وقال الشيخ أبو إسحاق في (اللمع): القياس ثلاثة:
قياس دلالة.
стр. 3544
وقياس شبه.
وقياس علة.
فقياس العلة: الجمع بالعلة التي لو سئل صاحب الشرع لأجاب بها، وقد تكون معلومة لنا، كالشدة في الخمر، وقد لا تعلم الحكمة فيه، كالتعليل بالطعم والقوت في الربا.
وقياس العلة ينقسم إلى جلي، وخفي.
فالجلي: ما عرفت علته بقاطع، أو بالنص، أو بالإجماع، أو السببية، وبعضها أجلى من بعض على مراتبها في القوة.
والخفي ما عرفت علته بمحتمل بالإيماءات البعيدة، وكقول عائشة ﵂: (إن بريرة عتقت، وكان زوجها عبدا).
стр. 3545
وكالإشارة إلى الطعم في بعض الأحاديث في الربا، وبعضها أقوى من بعض.
وقياس الدلالة: أن يجمع بغير العلة، بل بما يدل عليها، كقوله ﵇: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) فجعل الحيض دليل العلة.
وأجلاه الاستدلال بخصيصة من خصائص الحكم، كقولنا في سجود التلاوة: إنه نفل؛ لكونه يجوز فعله على الراحلة، والعلة غير هذا الوصف.
أو بالنص على النظير كقولنا: من وجبت الزكاة في زرعه وجبت في ماله، وهي تجب في زرع الصبي.
وقياس الشبه: هو الجمع بشبه في الحكم والصورة.
(فائدة)
قال التبريزي: مباحثه ينكشف بها حقيقة قياس الدلالة، وطريق تقريره:
стр. 3546
اعلم أن قياس الدلالة لما كان عبارة عن الجمع بدليل الحكم لا بعلة الحكم، فكل قياس كان الجامع فيه دليلا، فهو قياس الدلالة، حتى الجمع بالبيع؛ فإن المؤثر في الملك هو الحاجة، والبيع دليلها، ولكن العلل الشرعية لما كانت وضعية كانت كلها في معنى الأمارة والدليل، وإن كانت منشأ الحكمة، فخصوا اسم قياس الدلالة بالجمع بالحكم الذي هو في الرتبة الثانية من الدلالة؛ فإنه يدل على الوصف ثم على الحكم.
أما تقريره: فله طريقان:
أحدهما: إقامة الحكم مقام الوصف في ضبط المعنى، كقولهم: قتل حرام؛ فيوجب القصاص كالقتل بالمحدد، ونجس، فلا يصح بيعه كالجيفة، ونجيب عن المطالبة بأنه إذا كان حراما [كان] جناية، أي مفسدة مطلوبة [الانتفاء]، فيناسب القصاص زجرا، وإن كان نجسا كان مستقذرا مستحقرا، فيناسب سلب رتبة المقابلة بالمال الشريف، فيجريه مجرى الوصف في تنشئة المناسبة مما تتضمنه، وأكثر [المترسمين] لا يعدون هذا النوع من قياس الدلالة لهذا المعنى، مع أنه لو قال: (قتل يوجب التحريم، فيوجب القصاص قياسا على المحدد لم يستريبوا في كونه قياس دلالة؛ لأنهم لم يضبطوا من قياس الدلالة إلا صورة هذا الشكل، وهو أعم منه؛ لما ذكرنا من الضابط، وإنما قلنا: إنه قياس دلالة؛ لأن كونه حراما ليس علة لوجوب القصاص، بل هو- أيضا- حكم ما هو علة لوجوب القصاص، وهو كونه تفويتا عمدا لمحل من صفته كيت وكيت وإنما استدل عليها بوجود التحريم.
الطريق الثاني: وهو المشهور أن يدعي لزوم اشتراك الأصل والفرع في الحكم المطلوب لاشتراكهما في حكم آخر، هو من أثر المؤثر في الحكم المطلوب، فنقول: محل صين بالقصاص عن المنفردين؛ فيصان عن المشاركين كالنفس، أو محل يأثم بإتلافه خمدا؛ فيضمنه كالعصير، وسائرـ
стр. 3547
أموال الذمي، ويصح طلاقه؛ فيصح ظهاره كالمسلم، ويجلد بالزنا بكرا؛ فيرجم به ثيبا كالمسلم، ويوجب القصاص إذا جرى في المحاربة؛ فكذا في غيرها كالمحدد، وصوم يعتبر في صحته أصل النية؛ فيعتبر [فيه] التعيين والتبييت كالقضاء ونحو ذلك، وعند هذا يجب أن يقول بإسنادهما إلى مؤثر واحد؛ ليدل وجود أحدهما على وجود الآخر بواسطة الدلالة على مؤثره من غير أن يصرح بالمؤثر، كيلا يكون منقطعا بالانتقال، ويضيع استعمال أحد الحكمين، إما الأصل أو الجامع.
فنقول: صيانته على المنفرد يدل على كونه مطلوب البقاء في القصاص، فيناسب الصيانة عن الشركاء؛ مبالغة في الصيانة، وحسما للذريعة كما في الأصل، فيذكر الحكمة جملة لوجه الارتباط لا غير، وكذا في أمثاله، فلو قال في جواب المطالبة: (لأن إيجاب القصاص حالة الانفراد [يدل] على اعتبار التفويت الواقع في إيجابه، وذلك التفويت بعينه موجود حالة الاشتراك) كان منقطعا بالانتقال إلى قياس العلة، ويضيع حكم الأصل في الاستشهاد؛ لاستقلال حالة الانفراد بالاعتبار.
(بحث آخر)
قال: أرى بعض الفقهاء في المناظرات إذا فرق بين حالة الانفراد، وحالة الاشتراك- مثلا- يقول: هذا فرق بين الحكم والوصف يجب أن يكون بين الأصل والفرع؛ فلا يسمع، ويسجل بهذا على القاعدة تمسكا بهذا اللفظ تعبدا من غير أن ينظر في الفرق المذكور.
والحق أن هذا النوع من الفرق لا يقدح في الطريقة الأولى؛ إذ المقصود من الحكم الجامع دلالة على معنى ثبوته يتوصل به إلى إثبات المتنازع فيه، ولا يشترط في دليل ذلك المعنى أن يكون حكما، فضلا عن أن يكون مماثلا له.
وأما على الطريقة الثانية، فيختلف باختلاف الإيراد، فإن قال: القتل من المنفرد أغلب، أو مفسدته أعظم، أو إفضاء القصاص في حقه إلى الزجر
стр. 3548
أبلغ، وما شاكل ذلك، لم يسمع؛ لأن كل ذلك [معترف] به، وإنما احتاج إلى الحكم الثاني حكم الفرع؛ لبيان إلغاء ذلك، واستقلال القدر المشترك، وأما إذا قال: القصاص في حالة الانفراد شرع زجرا، ومقابلة للإساءة بمثلها، ولا يتحقق ذلك في حالة الاشتراك؛ فإن قطع البعض ليس بممكن، وقطع الكل ليس جزاء بالمثل، فهذه إشارة إلى اختلاف مبنى الحكمين، ويتعذر به إسنادهما إلى مؤثر واحد، فيجب التزام الجواب عنه، فإن أقل ما فيه منع ما ذكره من الحكمة [و] معارضتها بحكمة أخرى، إلا أن حكمة المعلل أولى؛ لاطرادها في حالة الانفراد والاشتراك في النفس، فلا يؤدي إلى اختلاف الوضع، إلا أن يبين المعترض- أيضا- اطراد حكمته في شركاء النفس بدعوى صدور قتل كامل من كل واحد، فيحتاج المعلل إلى تصحيح التعليل بما عينه بطريقة؛ [ليندفع] السؤال.
(فائدة)
قال التبريزي: قد تستعمل صورة هذا الشكل من القياس، ويكون قياس علة لا قياس دلالة، ويتبين ذلك بالتقرير، فلا يكون منتقلا، وقد استعملت مثله في حضرة شيخنا جمال الدين بن فضلان في شهادة الفاسق فقلت: نقض بسلب الولاية؛ فيسلب الشهادة كالرق، وقررته بمناسبة النقض كسلب المناصب الدينية اعتبارا بالرق، وهو الجامع بين الفسق والرق؛ فيكون علة، وأما ذكر سلب الولاية، فإنما جرى مجرى تقييد النقض بالرتبة المعتبرة؛ فإن له مراتب، [ويتعذر] ضبطها بالوصف الحقيقي، نعم لو قلنا: شخص سلب الولاية، فيسلب الشهادة كالرقيق؛ لأن سلب الولاية كان إظهارا لنقيصة، وسقوط رفعه بعزله عن أهلية المناصب، [وأشرف] المراتب؛ تقريرا لاستحسان معالي الأمور من صفات الفضائل، واستقباح
стр. 3549
الرذائل، وفي ضم سلب الشهادة إليه مبالغة في تقريره، فوجب أن يكون مشروعا كما في الرقيق لكان دلالة؛ لأن الجامع دليل كما ترى، وليس بعلة، بل العلة النقيض الذي أوجبها، فليلعم ذلك.
(قاعدة)
قال ابن برهان في كتاب (الأوسط): للأحكام الشرعية أربعة أقسام:
الأول: قسم ثبت لعلة توجد في معظم الخلائق، وإن لم توجد في حق الكل، كالرخصة لعلة مشقة السفر؛ فإنها لا توجد المشقة في حق الملك العظيم المترفه بسفر، ويجوز له الرخصة؛ اعتبارا بوجود العلة في الأغلب، وفي الشرع في تمهيد القواعد لا ينظر إلى آحاد الصور النادرة.
الثاني: حكم ثبت لعلة توجد في الكثير قطعا، وتعدم في القليل منه قطعا، كتحريم الخمر للإسكار الذي نقطع بوجوده في كثيره، ونقطع بعدمه في القطرة منه، فتحرم- أيضا- وإن فقد الإسكار، فحرمه الشرع، لأن القليل منه يدعو للكثير، فيحرم الكثير، للإسكار، والقليل؛ لأنه وسيلة إليه.
الثالث: قسم ثبت لعلة حاصلة للبعض، وغيرهم تبع لهم، كقوله تعالى: ﴿ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث﴾ [الأعراف: ١٥٧]، والمراد أصحاب رسول الله- ﷺ فيما ينفر عنه طباعهم، فهو الخبائث، أو يميل إليه، فهو الطيبات، وغيرهم تبع لهم في ذلك؛ لأنه لو اعتبر كل أحد، فربما يفر زيد مما يميل إليه عمرو، فتتناقض الأحكام.
قلت: قيل: المراد النفوس الكريمة أين كانوا في كل عصر، فالمستخبث عندها هو الخبيث، والمألوف عندها هو الطيب.
وعلى هذا- أيضا- وإن لم يختص بالصحابة- رضوان الله عليهم- فغير النفوس الكريمة تبع لهم، فما خرج عما قاله ابن برهان، غير أن البعض اختلف فقط.
стр. 3550
قال: وكذلك الاستجمار في الأحجار جعلت العرب أصلا فيه؛ لأن الضرورة العامة إنما توجد في حقهم؛ لأنهم في غالب أمرهم في الصحاري، فيعسر عليهم الماء.
ومن هذا الباب بعثة كل نبي بما هو موجود في بعض أمته، فغالب العرب الفصاحة، فبعث إليهم- ﵇ بمعجز من الكلام الفصيح، وجعل غير الفصيح من الأمة تبعا لهم.
وبعث عيسى- ﵇ بإبراء الأكمه، والأبرص، وإحياء الموتى؛ لأنه غلب في زمنه الطب.
وبعث موسى- ﵇ بقلب العصا ثعبانا؛ لغلبة السحر في زمانه، [و] غير أولئك تبع لهم.
الرابع: حكم ثابت بعلة في زمان النبي- ﵇ ثم زالت تلك العلة، [كالرمل]، شرع لإظهار الجلد للكفار؛ ولقولهم عن المؤمنين- لما قدموا (مكة) -: وهنتهم حمى يثرب، فأمر- ﵇ بالإسراع في الحركة؛ إظهارا للقوة، ثم بقى ذلك بعد ذهاب تلك العلة.
قلت: ونظيره ما حكى في سبب رفع اليدين في تكبيره الإحرام بسبب ما كانت المنافقون يعملون الأصنام تحت آباطهم.
وأن رمي الجمار كان بدؤه أن الكبش الذي فدى الله به إسحاق- ﵇ هرب من إبراهيم- ﵇ حين أراد ذبحه، فرجمه بالحجارة الصغار في ذلك الموضع، فبقى ذلك سنة بعده.
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام ﵀: إن السبب في بقاء هذه الأحكام بعد ذهاب أسبابها، إنما هو اختلاف تلك الأسباب بأسباب [أخرى]، وهي أنا نذكر في زماننا بسبب هذه الأفعال أسبابها المتقدمة؛
стр. 3551
لأن النفس لا بد أن تطلب التعليل، فيطلع على السبب الأول، فيعلم حينئذ أن الله- تعالى- كثرنا بعد القلة، وأعزنا بعد الذلة، وأن الإسلام أظهره الله- تعالى- على الدين كله، وصدق ذلك وعده، ونصر عبده، ونتذكر أحوال السلف الصالح من الأنبياء وغيرهم، وما كانوا فيه من الصبر على واردات الحق، وصفات الصدق [وأصفياء] خيار الله- تعالى- فنقتدي بهم، فبسبب بقاء هذه الآثار هو هذا، لاسيما وقد ورد دعاء إبراهيم- عليه- السلام ﴿واجعل لي لسان صدق في الآخرين﴾ [الشعراء: ٨٤].
قال المفسرون: أي ثناء [جميلا]، وهو ما تقدم ذكره وغيره، فلم تبق هذه الأحكام بغير علة، بل خلفت علة علة أخرى في ذلك الحكم.
(قاعدة)
قال ابن برهان في كتاب (الأوسط): الأحكام أربعة أقسام:
القسم الأول: شرع لبقاء الجنس وجبلته، كالعقود والمعاملات؛ فإن جبلة الإنسان لا تبقى إلا بالطعام، والشراب، واللباس، والمساكن التي تؤي من السباع وأسباب الفساد، وإن خليت هذه الأمور همجا بغير عقود أدى ذلك إلى القتل والقتال، وذهاب النفوس بسبب تجاذب الدواعي كل عين من هذه الأعيان، فيذهب الجنس، وتتولد الأحقاد، وسفك الدماء.
القسم الثاني: شرع لدفع ضرورة الجنس بعد بقائه؛ للضرورة العامة كالسلم، والرهن، والقراض، والمساقاة، والإجارة، فلولاها تحصلت المشتاق العظيمة للخلق.
قال: ومن قال: إنها خلاف القياس، فقد أخطأ وبطل القياس، وإنما هو دفع الحاجة، والحاجة مندفعة بها، فإن أراد أنها على خلاف غيرها من العقود في البيع، وغيره من جهة ما سومح فيها من الغرر والجهالة، فصحيح.
стр. 3552
القسم الثالث: شرع للسياسة والزجر كالحدود، والقصاص، والتعازير، والقتال للخوارج وغيرهم زجرا للجناة، وردعا للطغاة، وصيانة للنفوس والأموال، وصونا للذراري والعيال، وحفظا للنظام، ودفعا للضرر العام.
القسم الرابع: ما شرع لكسر النفس الأمارة بالسوء كالعبادات؛ لما فيها من الخضوع والتذلل، والخشوع لله- تعالى- المستحق للتعظيم؛ فإن النفوس البشرية متمردة عاصية طاغية، والعبادات استصلاح لها، ثم العبادات بدنية، ومالية.
فالبدنية يحصل بها الانكسار والتذلل.
والمالية يحصل [بها] ذلك مع إيصال منافع الأعيان.
[وفي] البدنية- أيضا- ما يكون نفعا للغير كإنقاذ الغرقى، وتخليص الهلكي، وأمثال ذلك، فهذا جملة الشريعة منحصر في هذه الأقسام الأربعة.
(مسألة)
قال ابن برهان في كتاب (الأوسط): التمسك بعدم العلة جائز، وهو من جملة الأدلة، كقولنا: لم يجن؛ فلا يعاقب، بشرط اتحاد العلة.
أما لو تعددت؛ كقولنا: لم يرتد؛ فلا يقتل، لا يستقيم؛ فإنه يباح دمه بسبب آخر، كترك الصلاة، والقصاص، والحرابة، وغير ذلك.
(مسألة)
قال ابن برهان في (الأوسط): التمسك بالأولى جائز، وهو التمسك بالعلة مع الزيادة، كقوله- تعالى-: ﴿قل نار جهنم أشد حرا﴾ [التوبة: ٨١]، [والعلة] مع الزيادة أولى من أصل العلة.
стр. 3553
(مسألة)
قال ابن برهان: التمسك بالأصل جائز، كقولنا: هذا على خلاف القواعد، أو القاعدة الفلانية، فلا يثبت.
(مسألة)
قال الباجي المالكي في كتاب (الفصول): يجوز القياس على أصل مجمع عليه.
[و] قال بعض الشافعية: لا يجوز.
لنا: أن القياس على الأصل الثابت بخبر الواحد جائز، وهو مظنون، والثابت بالإجماع معلوم، فالقياس عليه أولى.
احتجوا بأن الإجماع لابد له من دليل، فلعله يشمل الفرع، فيستغنى عن القياس، فيجب طلب ذلك الدليل قبل القياس.
جوابهم: أن تضافر الأدلة جائز، فإذا كان قياس مع نص، فلا يضر ذلك، ووافقه ابن برهان على نقل هذه المسألة، وذكر الخلاف فيها عن جماعة من الفقهاء.
(مسألة)
قال الباجي في كتاب (الفصول): الاتفاق والاختلاف هل يجوز أن يكون علة؟
فعندنا يجوز أن يكون الاختلاف علة، وقاله الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، ومنعه بعض الفقهاء.
لنا إنه إنما جاز أن يكون علة بالنطق، [وما جاز أن يكون علة بالنطق] جاز أن يكون علة بالاستنباط.
стр. 3554
ولو قال صاحب الشرع: (ما اختلف في جواز أكله، فإنه يطهر بالدباغ)، لكان ذلك صحيحا، فيجوز ذلك استنباطا.
احتجوا بأن الاختلاف حدث بعد موته- ﵇ والحكم ثبت في زمانه- ﵇ والحكم لا يتقدم علته.
والجواب: أن الإجماع حادث، ويثبت به الأحكام.
ولأن معنى قولنا: (مختلف فيه)، أنه يسوغ فيه الاجتهاد، والاجتهاد سائغ في زمانه ﵇.
(مسألة)
قال الباجي في (الفصول): قياس التسوية جائز عند المالكية خلافا لقوم، كما تقول: سوى الشرع في الطهارة بين الجامد والمائع [في النية]، فيستوي في النية جامدها ومائعها، كما أن ما لا يشترط النية في جامده لا يشترط في مائعه، كإزالة النجاسة.
احتجوا بأنه قياس الشيء على ضده، وشأن القياس المماثلة.
جوابهم: أنهما سواء في اشتراط النية، وإنما اختلف محلها.
(مسألة)
قال أبو الخطاب الحنبلي في كتاب (التمهيد): إذا كانت أوصاف الأصل غير مؤثرة في الأصل، ومؤثرة في موضع آخر من الأصول، لم تكن علة عند أحمد بن حنبل، وأبي حنيفة.
وللشافعية قولان:
أحدهما: أنه علة لصحتها في أصل معتبر من حيث الجملة، كقولنا في
стр. 3555
المرتد: يجب عليه قضاء الصلوات؛ لأنه تركها لمعصية، فأشبه ما إذا تركها بالسكر.
فيقول المعترض: لا تأثير للوصف في الأصل؛ فإن السكران لو لم يكن عاصيا مثل أن يكره على الشرب، فإنه يقضى الصلاة.
فيقول المستدل: المعصية مؤثرة في القضاء في موضع؛ لأنه لو شرب دواء لزوال عقله وجب القضاء، ولو زال عقله بعلة سقط القضاء، وقيل: ليس [هذا] بعلة؛ لعدم اعتبارها في خصوص الأصل المقيس عليه.
أما إذا كان الوصف غير مؤثر في الأصل، ولا في غيره، وإنما أخذ الاحتراز من البعض، لم يعتبر، كقولهم في الاستجمار: عبادة تفعل بالأحجار، ولم يتقدمها معصية؛ فاعتبر فيها عدد مخصوص، كرمي الجمار.
فيقول المعترض: لا أثر لقولك: لم يتقدمها معصية.
فيقول المعترض: لا أثر لقولك: لم يتقدمها معصية.
فيقول: احترزت به من رجم المحصن، يقول له: ولا أثر له هنالك- أيضا- في عدم حصر العدد، بل لما كان المقصود فوات النفس لم ينحصر بعدد.
(مسألة)
قال أبو يعلي الحنبلي في (العمدة): جميع ما يحكم به من جهة القياس على أصل منصوص، فهو مراد من ذلك النص، خلافا لبعض المتكلمين؛ لأنه مطيع لله- تعالى- بذلك، ولا طاعة إلا موافقة الأمر، بخلاف القياس على مجمع عليه، إما ثبت بالقياس أو الفحوى.
قلت: ودعواه ضعيفة؛ لجواز أن يكون الحكم في [الفرع] مرادا من النصوص الدالة على القياس، فيكون مطيعا لذلك لا للنص الدال على أصل ذلك الفرع، ويقيد الفول الفواكه، والقطاني، مراده بلفظ البر في قوله- ﵇: (لا تبيعوا البر بالبر إلا مثلا بمثل).
стр. 3556
(مسألة)
قال أبو الحسين البصري في كتابه المسمى بـ (كتاب القياس): إن كانت العلة موجودة في جميع الأصل صح القياس، أو في بعضه، والمعلل يريد رد الفرع إلى جميع الأصل، فإن جاز أن يكون ذلك البعض معللا وحده، جاز القياس، وإن لم يجز أن يكون الأصل إلا علة واحدة، بطل القياس.
مثاله: منع أصحاب الشافعي قياس الجص على البر بعلة أنه مكيل، بقولهم: إن علة الربا في البر واحدة، والكيل ليس شائعا في جميع البر؛ لأن الحبة والحبتين لا يكالان.
وأجاب أصحابنا الحنفية بأن المحرم من البر ليس إلا علة واحدة، وهي الكيل، وما لا يتأتى فيه الكيل لا ربا فيه، ولذلك ينظر في الفرع، هل العلة موجودة فيه كله أو في بعضه؟
* * *
стр. 3557
الكلام في التعادل والترجيح
قال الرازي: وهو مرتب على أربعة أقسام
القسم الأول
في التعادل ، وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: اختلفوا في أنه هل يجوز تعادل الأمارتين؟ فمنع منه الكرخي مطلقا. وجوزه الباقون، ثم المجوزون اختلفوا في حكمه عند وقوعه، فعند القاضي أبي بكر منا، وأبي على وأبي هاشم من المعتزلة: حكمه التخيير، وعند بعض الفقهاء: حكمه أنهما يتساقطان، ويجب الرجوع إلى مقتضى العقل.
والمختار أن نقول: تعادل الأمارتين: إما أن يقع في حكمين متناقضين، والفعل واحد، وهو كتعارض الأمارتين على كون الفعل قبيحا، ومباحا، وواجبا، وإما أن يكون في فعلين متنافيين، والحكم واحد؛ نحو وجوب التوجه إلى جهتين قد غلب على ظنه أنهما جهتا القبلة.
أما القسم الأول: فهو جائز في الجملة؛ لكنه غير واقع في الشرع: أما أنه جائز في الجملة: فلأنه يجوز أن يخبرنا رجلان بالنفي والإثبات، وتستوي عدالتهما وصدق لهجتهما؛ بحيث لا يكون لأحدهما مزية على الآخر- وأما أنه في الشرع غير واقع؛ فالدليل عليه أنه لو تعادلت أمارتان على كون هذا الفعل محظورا ومباحا: فإما أن يعمل بهما معا، أو يتركا معا، أو يعمل بإحداهما دون الثانية:
стр. 3558
والأول محال؛ لأنه يقتضي كون الشيء الواحد في الوقت الواحد من الشخص الواحد محظورا مباحا؛ وهو محال.
والثاني أيضا: محال؛ لأنهما لما كانتا في نفسيهما؛ بحيث لا يمكن العمل بهما البتة، وكان وضعهما عبثا، والعبث غير جائز على الله تعالى.
وأما الثالث، وهو أن يعمل بإحداهما دون الأخرى: فإما أن يعمل بإحداهما على التعيين، أولا على التعيين:
والأول: باطل؛ لأنه ترجيح من غير مرجح؛ فيكون ذلك قولا في الدين بمجرد التشهي؛ وإنه غير جائز.
والثاني أيضا: باطل؛ لأنا إذا خيرناه بين الفعل والترك، فقد أبحنا له الفعل، فيكون هذا ترجيحا لأمارة الإباحة بعينها على أمارة الحظر، وذلك هو القسم الذي تقدم إبطاله؛ فثبت أن القول بتعادل الأمارتين في حكمين متنافيين، والفعل واحد يفضي إلى هذه الأقسام الباطلة؛ فوجب أن يكون باطلا.
فإن قيل: (لم لا يجوز العمل بإحدى الأمارتين على التعيين؛ إما لأنها أحوط، أو لأنها أخذ بالأصل؟!):
سلمنا ذلك؛ فلم لا يجوز أن يكون مقتضى التعادل هو التخيير؟.
قوله: (القول بالتخيير إباحة الفعل؛ فيكون ذلك ترجيحا لأمارة الإباحة):
قلنا: لا نسلم أن الأمر بالتخيير إباحة.
بيانه: أنه يجوز أن يقول الله تعالى: أنت مخير في الأخذ بأمارة الإباحة، وبأمارة الحظر، إلا أنك متى أخذت بأمارة الإباحة، فقد أبحت لك الفعل،
стр. 3559
وإن أخذت بأمارة الحرمة، فقد حرمت الفعل عليك؛ فهذا لا يكون إذنا في الفعل والترك مطلقا، بل إباحة في حال، وحظرا في حال أخرى؛ ومثاله في الشرع: أن المسافر مخير بين أن يصلي أربعا فرضا، وبين أن يترك ركعتين، فالركعتان واجبتان، ويجوز تركهما بشرط أن يقصد الترخص.
وأيضا: من أستحق أربعة دراهم على غيره، فقال: (تصدقت عليك بدرهمين، إن قبلت؛ وإن لم تقبل، وأتيت بالأربعة، قبلت الأربعة عن الدين الواجب) فإن شاء قبل الصدقة، وأتى بدرهمين، وإن شاء، أتى بالأربعة عن الواجب، فكذا في مسألتنا، إذا سمع قوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ [النساء: ٢٣] حرم عليه الجمع بين المملوكتين، وإنما يجوز له الجمع، إذا قصد العمل بموجب الدليل الثاني، وهو قوله تعالى: ﴿إلا ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: ٢٤] كما قال عثمان- ﵁: (أحلتهما آية، وحرمتهما آية).
سلمنا ذلك؛ لكن هذه الدلالة إنما تتم عند تعارض أمارة الحظر والإباحة، وأما عند تعارض أمارة الحظر والوجوب، إذا قلنا بالتخيير، لم يلزم ترجيح إحداهما على الأخرى؛ فدليلكم على امتناع التعادل غير متناول لكل الصور.
سلمنا فساد القول بالتخيير؛ فلما لا يجوز التساقط؟
قوله: (لأنه عبث) قلنا: لا نسلم؛ ولم لا يجوز أن يقال: إن لله تعالى فيه حكمة خفية لا يطلع عليها.
وأيضا: فهب أن التعادل في نفس الأمر ممتنع؛ لكن لا نزاع في وقوع التعادل؛ بحسب أذهاننا، فإذا جاز ألا يكون التعادل عبثا فلم لا
стр. 3560
يجوز ألا يكون التعادل الخارجي عبثا أيضا؟! ثم ما ذكرتموه يشكل بما إذا أفتى مفتيان: أحدهما بالحل، والآخر بالحرمة، واستويا في ظن المستفتي، ولم يوجد الرجحان؛ فإنما بالنسبة إلى العامي كالأمارة.
والجواب: قوله: (لما لا يجوز العمل بإحداهما؛ لأنه أحوط، أو لأنه أصل):
قلنا: إن جاز الترجيح بهاتين الجهتين، فوجوده ينافي التعادل؛ وإن لم يجز، فقد بطل كلامك.
قوله: (لم قلت: (إن التخيير إباحة؟):
قلت: لأن المحظور هو الذي منع من فعله؛ والمباح هو الذي لم يمنع من فعله؛ فإذا حصل الإذن في الفعل، فقد ارتفع الحجر، فلا يبقى الحظر ألبتة، ولا معنى للإباحة إلا ذلك.
قوله: (ذلك الفعل محظور بشرط أن يأخذ بأمارة الحظر، ومباح بشرط أن يأخذ بأمارة الإباحة):
قلنا: هذا باطل من وجهين: الوجه الأول: هو أن أمارة الإباحة، وأمارة الحظر إما أن تقوم على ذات الفعل وماهيته؛ باعتبار واحد، أو ليس كذلك؛ بل تقوم أمارة الإباحة على الفعل المقيد بقيد، وتقوم أمارة الحظر على الفعل المقيد بقيد آخر:
فإن كان الثاني: كان ذلك مغايرا لهذه المسألة التي نحن فيها؛ لأن هذه المسألة هي أن تقوم الأمارتان على إباحة شيء واحد وحظره، وعلى التقدير الذي قالوا: قامت أمارة الإباحة على شيء، وأمارة الحظر على شيء آخر؛ فإنهم لما قالوا:
стр. 3561
عند الأخذ بأمارة الحرمة يحرم الفعل عليه؛ فمعناه: أن أمارة الحرمة قائمة على حرمة هذا الفعل حال الأخذ بأمارة الحرمة، وأمارة الإباحة قائمة على إباحة هذا الفعل حال عدم الأخذ بأمارة الحرمة، فالأمارتان إنما قامتا على شيئين متنافيين غير متلازمين، لا على شيء واحد؛ وكلامنا في قيام الأمارتين على حكمين متنافيين: في شيء واحد، لا في شيئين.
وإذا بطل هذا القسم، ثبت القسم الأول؛ وهو: أن أمارة الحظر، وأمارة الإباحة قامتا على ذات الفعل وماهيته؛ باعتبار واحد، فإن رفعنا الحظر عن ماهية الفعل، كان ذلك إباحة، فيكون ترجيحا لإحدى الأمارتين بعينها، وإن لم نرفع ذلك كان ذلك حظرا؛ فيكون ترجيحا للأمارة الأخرى بعينها.
الوجه الثاني في الجواب: أن نقول: ما المراد بالأخذ بإحدى الأمارتين؟.
إن عنيتم بهذا الأخذ: اعتقاد رجحانها، فهذا باطل؛ لأنها إذا لم تكن راجحة، كان اعتقاد رجحانها جهلا.
وأيضا: فنفرض الكلام فيما إذا حصل العلم بأنه لا رجحان، ففي هذه الصورة يمتنع حصول اعتقاد الرجحان، وإن عنيتم بهذا الأخذ: العزم على الإتيان بمقتضاها، فذاك العزم: إما أن يكون عزما جزما، بحيث يتصل بالفعل لا محالة، أو لا يكون كذلك:
فإن كان الأول: كان الفعل في ذلك الوقت واجب الوقوع، فيمتنع ورود الإباحة والحظر؛ لأنه يكون ذلك إذنا في إيقاع ما يجب وقوعه، أو منعا عن إيقاع ما يجب وقوعه، وإن كان الثاني: وهو أن يكون العزم عزما فاترا، فها هنا يجوز له الرجوع؛ لأنه إذا عزم عزما فاترا على الترك، فلو أراد الرجوع عن هذا العزم، وقصد الإقدام على الفعل- جاز له ذلك؛ فلعمنا أن ما قالوه فاسد.
стр. 3562
قوله: (هذه الدلالة لا تطرد عند تعارض أمارتي الوجوب والحظر): قلنا: لا قائل بالفرق.
وأيضا: فالإباحة منافية للوجوب والحظر، فعندما تعادل أمارتي الوجوب والحظر: لو حصلت الإباحة، لكان ذلك قولا بتساقطهما، وإثباتا لحكم لم يدل عليه دليل أصلا.
قوله: (لم) يجوز أن يكون في التساقط حكمة خفية؟): قلنا: لأن المقصود من وضع الأمارة أن يتوسل بها إلى المدلول، فإذا كان هو في ذاته بحيث يمتنع التوسل به إلى الحكم، كان خاليا عن المقصود الأصلي منه، ولا معنى للعبث إلا ذلك، وهذا بخلاف وقوع التعارض في أفكارنا؛ لأن الرجحان لما كان حاصلا في نفس الأمر، لم يكن واضعه عابثا، بل غايته أنا لقصورنا، أو تقصيرنا، ما انتفعنا به.
أما إذا كان الرجحان مفقودا في نفس الأمر، كان الواضع عابثا.
وأما القسم الثاني: وهو تعادل الأمارتين في فعلين متنافيين، والحكم واحد، فهذا جائز، ومقتضاه التخيير، والدليل على جوازه وقوعه في صور:
إحداهما: قوله-﵊ في زكاة الإبل: (في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة) فمن ملك مائتين، فقد ملك أربع خمسينات، وخمس أربعينات، فإن أخرج الحقاق، فقد أدى الواجب؛ إذ عمل بقوله: (في كل خمسين حقة) وإن أخرج بنات اللبون، فقد عمل بقوله- ﵊: (في كل أربعين بنت لبون) وليس أحد اللفظين أولى من الآخر؛ فيتخير.
стр. 3563
وثانيها: من دخل الكعبة، فله أن يستقبل أي جانب شاء؛ لأنه كيف فعل، فهو مستقبل شيئا من الكعبة.
وثالثها: أن الولي، إذا لم يجد من اللبن إلا ما يسد رمق أحد رضيعيه، ولو قسمه عليهما، أو منعهما، لماتا، ولو سقى أحدهما؛ فها هنا: هو مخير بين أن يسقي هذا، فيهلك ذاك، أو ذاك، فيهلك هذا، ولا سبيل إلا التخيير.
ورابعها: أن ثبوت الحكم في الفعلين المتنافيين-نفس إيجاب الضدين؛ وذلك يقتضي إيجاب فعل كل واحد منهما بدلا عن الآخر.
واحتج الخصم على فساد التخيير؛ بأن أمارة وجوب كل واحد من الفعلين اقتضت وجوبه على وجه لا يسوغ الإخلال به، والتخيير بينه وبين ضده يسوغ الإخلال به، فالقول بالتخيير مخالف لمقتضى الأمارتين معا.
والجواب: أما أمارة وجوب الفعل، فتقتضي وجوبه قطعا، وأما المنع من الإخلال به على كل حال: فموقوف على عدم الدلالة على قيام غيره مقامه، وإذا كان كذلك، لم يكن التخيير مخالفا لمقتضى الأمارتين.
فرع: هذا التعادل: إن وقع للإنسان في عمل نفسه، كان حكمه فيه التخيير، وإن وقع للمفتي، كان حكمه أن يخير المستفتي في العمل بأيهما شاء، كما يلزمه ذلك في أمر نفسه، وإن وقع للحاكم، وجب عليه التعيين؛ لأن الحاكم نصب لقطع الخصومات، فلو خير الخصمين، لم تنقطع خصومتهما؛ لأن كل واحد منهما يختار الذي هو أوفق له، وليس كذلك حال المفتى.
فإن قلت: (فهل للحاكم أن يقضي في الحكومة بحكم إحدى الأمارتين، إذا كان قد قضى فيها من قبل بالأمارة الأخرى):
стр. 3564
قلت: لا يمتنع ذلك عقلا؛ كمن يجوز لمن استوى عنده جهتا القبلة: أن يصلي مرة إلى جهة، ومرة إلى جهة أخرى، إلا أنه منع منه دليل شرعي؛ وهو ما روي أنه- ﵊ قال لأبي بكرة- ﵁: (لا تقضين في شيء واحد بحكمين مختلفين) فأما ما روي عن- عمر ﵁: أنه قضى في (المسألة الحمارية) بحكمين، وقال: (ذاك على ما قضينا، وهذا على ما نقضي) فيجوز أن يكون ذلك ليس لتعادل الأمارتين؛ بل لأنه ظن في المرة الأولى قوة تلك الأمارة، وفي المرة الثانية قوة هذه الأمارة.
الكلام في التعادل والترجيح
(فائدة)
قال القرافي: قال سيف الدين: الترجيح اقتران أحد الصالحين للدلالة على المطلوب مع تعارضهما بما يوجب العمل به، وإهمال الآخر.
وقولنا: (الصالحين): احتراز عن غير الصالح؛ فإن الترجيح فرع تحقق الصالح.
وقولنا: (المتعارضان) احتراز عن غير المتعارضين؛ فإن الترجيح إنما يطلب عند التعارض.
وقولنا: (بما يوجب العمل بأحدهما، وإهمال الآخر) احتراز عما اختص به أحد الدليلين من الصفات الذاتية، أو العرضية، ولا مدخل له في التقوية والترجيح
стр. 3565
(فائدة)
قال سيف الدين: ويدل على أن العمل بالراجح واجب إجماع الصحابة، والسلف في المنقول من الوقائع كتقديمهم خبر عائشة في التقاء الختانين على خبر أبي هريرة في قوله ﵇: (إنما الماء من الماء).
وما روي أن النبي- ﷺ كان يصبح جنبا وهو صائم على ما رواه أبو هريرة من قوله ﵇: (من أصبح جنبا فلا صوم له).
لكونها أعرف بحال النبي- ﵇ وكانوا لا يعدلون إلى الآراء والأقيسة إلا بعد البحث عن النصوص، واليأس منها، ومن استقرأ أحوالهم- رضوان الله عليهم- علم أن ذلك دأبهم بالضرورة.
ويدل أيضا حديث معاذ على ذلك؛ لأنه- ﵇ قرره على تقديم الراجح؛ لأن مناسبة العقل تقتضي تقديم الراجح.
قال إمام الحرمين في (البرهان): حكى القاضي البصري الملقب
стр. 3566
بـ (جعل) إنكار الترجيح، ولم أره في شيء من مصنفاته مع بحثي عنها، مع أنه قد أجمع الأولون على الترجيح قبل اختلاف الآراء.
واستدل القاضي لمنكري الترجيح بأنه غير معتبر في البينات، وهو غير متجه؛ فإن بعض العلماء يراه، ثم لو سلم فلعله يرى أن فيها تعبدات توقيفية.
(فائدة)
قال الغزالي في (المستصفى): (يجب على المجتهد في كل مسألة أن ينظر في النفي الأصلي قبل ورود السمع، ثم يبحث عن الأدلة السمعية المغيرة للنفي الأصلي، فينظر أولا في الإجماع، ثم في الكتاب والسنة؛ فإنهما يقبلان النسخ، والإجماع لا يقبله، ثم في الكتاب والسنة؛ المتواترة فهما على رتبة واحدة؛ لأن كل واحد يفيد العلم القاطع، والتعارض في العقليات محال إلا بالنسخ، ثم ينظر بعد ذلك في العمومات الكتابية وظواهرها، ثم في مخصصات العموم من أخبار الآحاد والأقيسة، فإن فقد ذلك نظر في القياس).
стр. 3567
(المسألة الأولى)
اختلفوا في تعادل الأمارتين هل يجوز؟
(فائدة)
قال أبو الحسين في (المعتمد): قال المتكلمون: كل ما أفاد النظر فيه الظن فهو أمارة، كان عقليا أو شرعيا.
وقال الفقهاء: القياس وخبر الواحد أدلة، ولا يسمون الأمارات العقلية أدلة، كالنظر في القبلة، وقيم المتلفات.
قوله: (منع الكرخي تعادل الأمارتين):
تقريره: أن المراد بالتعادل تساوي الظنين الحاصلين عنهما، والأمارتان لابد وأن يكونا من نوعين، وبينهما اختلاف بوجه ما.
وحينئذ لابد لذلك الوجه من مدخل في التأثير، فيمتنع الاستواء في الظنين الناشئين عنهما.
ووجه التجويز أن العادة قاضية بأن شهادة شاهدين متعارضين يجد الإنسان في نفسه الظني في أحدهما مثل الظن من أخبار الآخر إذا استويا في العدالة، والاستواء في العدالة في ظن الحاكم أيضا شهدت به العادة، وكذلك [الشخص] الواحد إذا روي حديثين متعارضين بسند واحد، يجد الظن منهما سواء بأن يكونا سواء في العموم والخصوص، وفصاحة اللفظ، ونحو ذلك، وبالجملة فالمحكم في هذه المسألة العادة، وما هو الواقع فيها.
قوله: (قال القاضي بالتخيير):
стр. 3568
تقريره: أن المجتهد إذا عمل بأحد الأمارتين، فقد عمل بمدرك شرعي، والمحذور إنما هو أن الحكم بالقوى أو قبل بذل الجهد، وهذا قد بذل جهده، فلا إثم حينئذ، والقول ىلآخر مبني على قاعدة، وهي أن الحجاج المعتبر منها إنما هو الظن الناشئ في ظنون المجتهدين؛ فإن الله- تعالى- نهى أن نقفو ما ليس لنا به علم؛ لأن غير المعلوم بصدد الخطأ والجهل بعذر حصول العلم في كثير من الصور أقام الشرع الظن مقامه؛ لغلبة صوابه، وندرة خطئه.
فإذا لم يحصل ظن امتنع الحكم، ومع التساوي لا ظن، فلا حكم، فيرجع إلى البراءة الأصلية، كأنه لم يجد سببا ألبتة كتساقط البينتين.
قوله: (تعادلهما في حكمين متنافيين في فعل واحد غير واقع في الشرع) ثم ذكر الدليل.
قلنا: ترك العمل بهما غير محال؛ لأنا إذا أعرضنا عنهما، وجعلناهما كالعدم الصرف الذي لم يرد، واعتبرنا البراءة الأصلية كان ذلك تركا للعمل بهما.
وقوله: (يكون وضعهما عبثا):
قلنا: التعادل إنما هو بحسب ظن المجتهد، وقد يستويان في ظن مجتهد دون غيره، فيكون الوضع ليس عبثا لأجل من يحصل في ذهنه الترجيح، سلمناه، ولكن العبث هو قاعة المعتزلة.
ونحن لا نقول به، فالمحال مبني عليه غير لازم.
قوله: (إما أن يعمل بأحدهما على التعيين أو لا):
تقريره: أن الحكم قد يكون بالتخيير بأحدهما عينا، فيلزم الترجيح من غير مرجح.
قوله: (إذا خيرناه بين الفعل والترك، فيكون إباحة للقتل، فيكون
стр. 3569
ترجيحا لأمارة الإباحة بعينها، فيلزم الترجيح من غير مرجح):
قلنا: الدعوى عامة في تعارض الأمارتين، فقد لا تكون أحداهما الإباحة، بل إحداهما التحريم، والأخرى للوجوب، أو الكراهة والندب، أو الكراهة والوجوب، فما ذكرتموه إنما يلزم في بعض الصور القليلة بالنسبة إلى بقية المسألة، تفكون الدعوى عامة، والدليل خاصا، فلا يفيد كمن قال: الحيوان كله حرام؛ لأن الخنزير حرام.
سلمنا أن الدليل عام، لكن لا يلزم الترجيح من غير مرجح؛ لأنا حينئذ إنما أبحنا له الفعل من جهة التخيير بينهما، لا من جهة قصدنا إلى أمارة الإباحة، فهي إباحة أدى إليها حكم التخيير، لا أمارة ألتخيير.
بل اتفق أن حكم التخيير وافق أحدهما، فلا يقتضي ذلك ترجيحهما على الأخرى من غير مرجح.
كما إذا أقرعنا بين الرجلين لو شهدت البينة لأحدهما، فإنما نقضي بوجوب إرادته، ومقصوده في بعض الصور إذا صادف ذلك.
ولا يقال: إنا رجحناه على خصمه من غير مرجح؛ لأن ذلك نشأ عن سبب أقتضى حصول مقصوده؛ لأن المعتمد نفس مقصوده.
سلمنا دليلكم بجملته، لكنه يقتضي أن وقوعهما يلزم منه تكليف ما لا يطاق؛ بسبب اجتماع النقيضين بالعمل بهما، أو الترجيح من غير مرجح إذا عينا إحداهما، والتكليف بما لا يطاق جائز عندنا، وهو الذي اختاره المصنف في ذلك.
قوله: (المراد بالأخذ بإحدى الأمارتين إما أن يكون اعتقاد رجحانها، أو العزم على الإتيان بمقتضاها):
قلنا: هذا ترديد بين المراتب التي هي غير منحصرة، فلا يفيد مع أن الحق لم يذكر فيها؛ لأن الأخذ بالدليل هو اعتقاد موجبه، وذلك غير اعتقاد
стр. 3570
رجحانه؛ وغير العزم على الإتيان بمقتضاه.
أما أنه مغاير لاعتقاد الرجحان، فلأن اعتقاد مقتضاه قد يكون مع التساوي، كما قال القاضي؛ فقد وجد بدون الرجحان، وأما ثانيا: فلأنه يترتب على رجحان الدليل في نفسه، والمترتب على الشيء غيره.
وأما أنه غير العموم على الإتيان بمقتضاه؛ فلأنه قد يقتضي الإباحة، ولا عزم حينئذ على الفعل ضرورة التخيير، ولذلك قد يقتضي التحريم، أو الكراهة، فلا عزم على الإتيان بمقتضى الحكم الشرعي، بل بمقتضى العصيان والمخالفة.
ثم قوله: (إذا كان العزم فاترا جاز له الرجوع)،ولم يبين ما يلزم من ذلك من المفاسد، وهو لا يلزم عليه شيء وهو احد الأقسام.
فللسائل التزامه، فيبطل الاستدلال بهذا التقسيم.
(سؤال)
قال النقشواني: تنافي الحكمين قد يكون في طرف الثبوت والانتفاء، كما إذا دلت أمارة على أن هذا لفعل بعينه غير ممنوع عنه، بمعنى لا حرج على فاعله، ودلت أمارة على أنه ممنوع، وقد يكون تنافيهما في طرف الثبوت كدلالة الأمارة على أن هذا الفعل واجب، والأخرى على انه مباح، أو في طرفي الانتفاء فقط، كدلالتها على وجوب صرف درهم لزيد، والأخرى على صرف درهم لعمرو.
وأما الثالث: فلا تعارض فيه وليس له ترك واحد منهما، ولا سبيل إلى الجمع بينهما في الأول.
وأما الثاني: فيمكن إعمالهما من وجه؛ لأن كل واحدة تقتضي أن الفعل ليس محظورا، فيحرم الحظر، ويتوقف في الزائد عليه إلى ظهور المرجح،
стр. 3571
فإن عنى المصنف بقوله: (في المتنافيين والفعل واحد)؛ ليتنافيا ثبوتا وانتفاء، فلا يكون تمثيله بدلالة إحداهما على انه قبيح، ودلالة الأخرى على أنه مباح مطابقا؛ لعدم حصول التنافي ثبوتا وانتفاء من كل وجه، فيمكن أن يعمل بهما في اعتقاد عدم الوجوب.
ويتوقف في الحظر والإباحة إلى ظهور المعارض، وكذلك في أمارتي الوجوب والإباحة، وأمارتي الوجوب والحظر.
فالحظر والإباحة ترادفت أمارتهما على جواز الفعل، فترجحت أمارة الإباحة إذا اجتمعت مع الوجوب والحظر؛ لاعتضادها بالطرفين.
فإن قيل: أمارة الوجوب والحظر تنفيان الإباحة فترادفتا على نفيها، وحينئذ يحصل التعادل من هذا الوجه.
قلنا: لم تجتمع أمارتا الحظر والوجوب على محل واحد بالنسبة إلى نفي الإباحة، بل دلالة كل واحد منهما بواسطة دلالتها على شيء غير مدلول الدلالة الأخرى، فكانت دلالة أمارة الإباحة أقوى فينتفي التعادل.
(سؤال)
قال النقشواني: في كلامه تناقض؛ لأنه حكم بالجواز، واحتج بأن تعيينها يلزم منه الترجيح من غير مرجح، والترجيح من غير مرجح يلزم منه الامتناع، وهو يناقض الامتناع.
هذا في القسم الأول، وفي القسم الثاني فرض التعادل، وحكم بالتخيير، فالحكم بالتخيير إن كان ترجيحا من غير مرجح فقد وقع الترجيح من غير مرجح، فتناقض قوله في القسم الأول، وإن لم يكن ترجيحا من غير مرجح، فلا يتم الاستدلال في القسم الأول.
(سؤال)
стр. 3572
قال النقشواني: جعل من المثل تعارض الحديثين في الزكاة، وليس كذلك؛ لأنه من شرط التعادل أن يلزم من العمل بأحد الأمارتين ترك الأخرى، وها هنا هما مترادفتان على معنى واحد في المعنى، ومتى عمل بأحدهما فقد عمل الآخر.
وأما مثاله بالكعبة، فلم يوجد فيه أمارتان.
بل الواجب التوجه من أي جهة كان، وإلى أي جهة كان، بل ذلك كصلاة الظهر في أي مكان شاء.
(تنبيه)
قال التبريزي: لا خلاف في جواز تعارض دليلين عند إتحاد الحكم، واختلاف المتعلق، كوجوب استقبال كل جانب من جوانب الكعبة على الداخل، ووجوب إخراج الحقاق وبنات اللبون من نصاب المائتين.
أما عند اختلاف الحكم، واتحاد المتعلق، فإن كان في نظرنا، فهو أيضا جائز، وأما في نفس [الأمر] فقد أنكره الكرخي.
قال: وأجاب عن السؤال الثاني، بأن إذا رفعنا الحرج عن الفعل، فقد عملنا بدليل الإباحة أو أثبتناه، فقد عملنا بدليل الحظر.
قال: وهذا غلط عظيم؛ لأن هذا هو وجه التزييف؛ لأنه مهما ثبت أن مقتضى خطاب الإباحة رفع الحرج عن الفعل مطلقا بالنظر إلى ذات الفعل، فرفع الحرج بشرط قيد زائد وراء نفس الفعل لا يكون موافقا لمقتضى الخطاب، فلا يكون عملا بمقتضى الخطاب، ثم لا ننكر أن رفع الحرج بهذا التقدير يدخل أيضا تحت اقتضائه، فتكون موافقة له من وجه، لكن مثل هذا ثابت بالإضافة إلى خطاب التحريم، فلا يكون تقديما عليه في العمل، وهذا جواب واقع، وبه اندفع الإشكال عن مذهب الجمهور، وأجاب عن الثالث
стр. 3573
بأنه لا قائل بالفرق، وهو ضعيف.
وأجاب عن الرابع بأن حكمة نصب الأمارة التوصل بها إلى المدلول، وهذا الحصر أيضا غير مسلم.
قلت: يريد بقول: (إنه وجه التزييف) أن رفع الحرج عن الفعل هو وجه من دليل الإباحة، لا مجموع دليل الإباحة.
وكذلك دليل الحظر يقتضي رفع الحرج عن الترك، وهو وجه في الإباحة، فليس في ذلك إعمال أحد الدليلين عينا، فهذا وجه تغليطه له.
* * *
стр. 3574
المسألة الثانية
قال الرازي: إذا نقل عن المجتهد قولان: فإما أن يوجد له في المسألة قولان في موضع واحد، أو في موضعين: فإن وجد القولان في موضعين؛ بأن يقول في كتاب؛ بتحريم شيء، وفي كتاب أخر، بتحليله: فإما أن يعلم التاريخ، أو لا يعلم: فإن علم التاريخ: فالثاني منهما رجوع عن الأول ظاهرا- وإن لم يعلم التاريخ: حكي عنه القولان، ولا يحكم عليه بالرجوع إلى أحدهما بعينه- وإن وجد القولان في الموضع الواحد؛ بأن يقول: (في المسألة قولان) فإما أن يقول عقيب هذا القول ما يشعر بتقوية أحدهما، فيكون ذلك قولا له؛ لأن قول المجتهد ليس إلا ما ترجح عنده، وإن لم يقل ذلك، فهاهنا من الناس: من قال: إنه يقتضي التخيير إلا أنا أبطلنا ذلك.
وأيضا: فتقدير صحته يكون له في المسألة قول واحد، وهو التخيير، لا قولان.
بل الحق: أن ذلك يدل على أنه كان متوقفا في المسألة، ولم يظهر له وجه رجحان، والمتوقف في المسألة لا يكون له فيها قول واحد؛ فضلا عن القولين، أما إذا لم يعرف قوله في المسألة وعرف قوله في نظيرها، فهل يجعل قوله في نظيرها قولا له فيها؟ فنقول إن كان بين المسألتين فرق يجوز أن يذهب إليه ذاهب، لم يحكم بأن قوله في المسألة كقوله في نظيرها؛ لجواز أن يكون قد ذهب إلى الفرق وإن لم يكن بينهما فرق ألبتة، فالظاهر: أن قوله في إحدى المسألتين قول له في الأخرى.
стр. 3575
وأما الأقوال المختلفة عن الشافعي- ﵁ فهي على وجوه:
أحدهما: أن يكون قد ذكر في كتبه القديمة شيئا، وفي كتبه الجديدة شيئا أخر، والناس نقلوهما دفعة واحدة، وجعلوهما قولين له: فالمتأخر كالناسخ للمتقدم، وهذا النوع من التصرف يدل على علو شأنه في العلم والدين: أما في العلم: فلأنه يعرف به أنه كان طول عمره مشتغلا بالطلب، والبحث، والتدبر.
وأما في الدين: فلأنه يدل على أنه متى لاح له في الدين شيء، أظهره؛ فإنه ما كان يتعصب لنصرة قوله، وترويج مذهبه، بل كان منتهى مطلبه به إرشاد الخلق إلى سبيل الحق.
وثانيها: أن يكون قد ذكر القولين في موضع واحد، ونص على الترجيح، كقوله في بعض ما ذكر فيه قولين: (وبهذا أقول، وهذا أولى، وبالحق أشبه).
وأيضا، فقد يفرغ على أحدهما، ويترك التفريع على الأخر؛ فيعلم أن الذي فرع عليه أقوى عندهم.
وأيضا: فربما نبه في أخر كلامه على الترجيح؛ لكن المطالع قد لا يتبع كلامه إلى آخره، وقد يمل فلا؛ ينتبه لموضع الترجيح.
وثالثها: أن يقول: (في هذه المسألة قولان) ولا ينبه على الترجيح ألبتة، فها هنا احتمالان:
أحدهما: أنه قال: (في هذه المسألة قولان) ولم يقل: (لي فيها قولان) فيمكن أن يكونا قولين لبعض الناس؛ وإنما ذكرهما، لينبه الناظر في كتابه على مأخذهما، وإيضاح القول فيما لكل واحد منهما وعليهما، ولأنه لو لم يذكرهما، فربما خطر ببال إنسان وجه في قوته، إلا أنه لا يمكنه القول به؛
следующие страницы →