Полный текст (4 032 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.
стр. 3501
(المسألة الثانية)
في جواز القياس في اللغات
قال القرافي: قوله: (إذا زالت الشدة زال اسم الخمر، فتكون الشدة علة هذا الاسم، فيتأتى القياس في النبيذ):
قلنا: لا نزاع أن الحكم ينتفي لانتفاء مسماه، وانتفاء جزء مسماه.
فإذا سمت العرب الحيوان الناطق بالإنسان، فزال الناطق، أو الحيوان، زال استحقاقه للفظ الإنسان لغة.
وكذلك لفظ العشرة موضوع لمجموع الخمستين، فإذا زال بعض تلك الأفراد زال استحقاق اسم العشرة.
فزوال الاسم لزوال مسماه أو جزئه لا خلاف فيه، إنما النزاع في إثبات استحقاق الاسم لمعنى آخر غير المنقول لغة لمعنى مشترك بينه وبين الوضع الذي نقل أهل اللغة الوضع له، وما ذكرتموه ليس من ذلك، فلا يد لكم على مطلوبكم.
قوله: (لا يلزم من كون الشدة علة لذلك الاسم حصول ذلك الاسم أينما حصلت الشدة، إلا إذا عرفنا أن واضع الاسم هو الله تعالى):
قلنا: ولو علمنا أن واضع الاسم هو الله- تعالى- لا يلزم ذلك، حتى يرد الأمر بالقياس من جهة الله- تعالى- فلولا الأمر بالقياس ورد في الشرع ما قسنا، ولو فهمنا التعليل.
قوله: (ما بينا أن اللغات توقيفية):
قلنا: المختار- هنالك- إنا هو التوقف، لا أنها توقيفية.
سلمنا ذلك، لكن لم قلتم: إن الله- تعالى- إذا وضع اللفظ، لمعنى يلزم أن نقيس عليه حتى تتبينوا أن الله- تعالى- امر بالقياس؟.
стр. 3502
قوله: (اعتمد أبو علي وغيره على أن كل فاعل مرفوع، وكل مفعول منصوب، وغير ذلك من وجوه الإعراب):
قلنا: هذا لا حجة فيه؛ لأن العرب تضع الجزئيات كتسمية الحيوان المخصوص بالفرس، وهو كلية في نفسه، ولكنه جزئي بالقياس إلى الحيوان.
وتارة تضع الكلية كقولهم: كل فاعل مرفوع، كما قالوا: كل جسم حساس اسمه حيوان، فليس هاهنا قياس ألبتة، بل كل فاعل يرفع بالوضع الأول لا بالقياس، كما أن كل [جسم] حساس يسمى حيوانا بالوضع الأول لا بالقياس، كما إذا قال الشارع: (اقتلوا كل مشرك)؛ فإنا نقتل ما نجده منهم بنص الشارع لا بالقياس، فالكليات اللغوية أو الشرعية لا يدخلها القياس، إنما يفيد إذا ألحقنا غير محل [الوضعي] به، ولم يبينوه.
قوله: (أجمعوا على أن ما لم يسم فاعله، إنما رفع لكونه شبيها بالفاعل، والبصريون والكوفيون يعللون الأحكام الإعرابية).
قلنا: هذا لا حجة فيه؛ لأن النحاة تعلل الوضع الأول، ويقولون: وضع هذا للمعنى الفلاني لأجل كذا. هذا مسلم، وبقيت مقدمة أخرى ما نقلتموها عنهم، وهو أنهم قالوا: إذا كان الوضع لأجل كذا، فقد جوزت العرب أن يلحق به ما في معناه، لا بمعنى الكليات المتقدم ذكرها، بل بمعنى القياس، وهذا موضع النزاع، وما نقلتموه، فلم يحصل المطلوب.
وتعليل الوضع ليس كافيا في ذلك حتى قال بعض الفضلاء: العلل العقلية، والشرعية، والعادية، تتبعها أحكامها.
والعلل اللغوية [بعكس] ذلك، تتبع أحكامها.
فننظر أي شيء وضعوا عللناه، لا أنا نثبت وضعا لأجل علة، وهذا فرق عظيم بين الأبواب، فتأمله.
стр. 3503
قوله: (الرابع): قوله تعالى: ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار ﴿[الحشر: ٢]).
قلنا: هذه الآية، وإن سلمت الدلالة منها، فإنها إنما تفيد أن قياس اللغة شرعي، والبحث في هذه المسألة إنما وقع الأدباء في كونه لغويا من مقتضى اللغة، قبل بعثته- ﵇ فلا مدخل للنصوص الشرعية في هذا الباب، إنما تدخل النصوص في الأحكام الشرعية.
قوله: (احتجوا بقوله تعالى: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ [البقرة: ٣١]):
قلنا: قد تقدم أول الكتاب البحث في هذه الآية.
قوله: (لو صرح أهل اللغة فقالوا: قيسوا لم يجز القياس، كما إذا قال: أعتقت غانما لسواده، ثم قال: قيسوا):
قلنا: الفرق أنه إذا قال: (أعتقت غانما لسواده)، ثم قال: (قيسوا) لا يصح؛ لأن العتق حكم شرعي يستدعي علة شرعية منصوبة من قبل الشارع؛ فإنا لا نخرج الأحكام الشرعية إلا على العلل الشرعية، والأحكام اللغوية على العلل اللغوية، والأحكام العقلية على العلل العقلية، فلو أن لهذا القائل: (أعتقت غانما لسواده) أحكاما تخصه لا للشرع، ونص على علة، وقال: (قيسوا باعتبارها) قسنا، لكن المثال ليس كذلك فيه ترتيب للأحكام الشرعية على علة رجل من الناس، وهذا ليس مطابقا.
قوله: (سميت الخمر خمرا لمخامرتها العقل، والمخامرة حاصلة في الأفيون، ولا يسمى خمرا):
قلنا: إنما سميت [خمرا] للمخامرة بقيد سرور النفس فانبساطها كما قال [الوافر]:
стр. 3504
ونشربها فتتركنا ملوكا ... وأسدا ما ينهنهنا اللقاء
والأفيون إنما هو ساتر فقط، فلم يوجد المعنى في الأفيون، بل الفرق حاصل بين المسكر، والمرقد، والمفسد للعقل مع بقاء الحواس من غير نشوة.
وتمتاز الثلاثة على المسكر بثلاثة أحكام: عدم الحد، والطهارة، وحل اليسير منها.
وفي المسكر: الحد، والتنجيس، وتحريم اليسير، فهذه فروق ظاهرة لغة وشرعا.
قوله: (كتب النحو والتصريف والاشتقاق مملوءة من الأقيسة):
قلنا: ليست تلك الأقيسة المتنازع عليها، إنما هو إدراج جزئي تحت كلي لغة، وإدراج الفرد تحت الكلية ليس من باب القياس في شيء، كما تقدم بيانه في الفاعل والمفعول، و (اقتلوا كل مشرك).
قوله: (تلك لصور لا تدل على المنع من القياس، كما [أن ما] ذكره النظام من الصور- في الشرع- لم يمنع ذلك من القياس في الشرع):
قلنا: بل الدلالة حاصلة في الصورتين بسبب أن هذه [الصورة] لو ترك فيها القياس لا لمرجح، لزم الترجيح من غير مرجح.
وإن كان لمرجح لزم التعارض بينه وبين الدال على القياس، والتعارض على خلاف الأصل، فتعين ألا يكون القياس مشروعا في البابين نفيا للتعارض.
стр. 3505
غير أن هذه المقدمة وجدناها في القياس الشرعي لإجماع الصحابة وغيره من النصوص مما يجب تقديمه عليها.
وأما في القياس اللغوي فلم قلتم: إنه وجد ما تقدم عليها، ولو وجد ما تقدم عليها لم تنتف الدلالة؟ فإن ترك الدليل لمعارض لانتفى كونه دليلا، وإلا لما صدق قولنا: حصل التعارض بين الدليلين بخروج كل واحد منهما عن كونه دليلا.
(فائدة)
صورة المسألة المتنازع فيها لم يذكرها المصنف، ومثالها: تسمية النباش سارقا؛ لمشاركته السارق لغة في أخذ المال على وجه الخفية، واللائط زانيا لوجه في محل حيوان، وإن كان لفظ الزنا والسرقة إنما وضع لخصوص تلك المحال، ولذلك لم يسم الغاصب سارقا، ولا الخائن، ولا الجاحد لأمانته.
(تنبيه)
زاد سراج الدين فقال على قوله: (اللغات توقيفية): لقائل أن يقول: أنت اخترت التوقف، فبطل الجواب.
وقال التبريزي: القول المرضي امتناع القياس في اللغات، ويدل عليه أمور:
الأول: أن أسماء الأجناس [الصفات والمعاني] ألقاب [لها، كأسماء الأعلام للذوات، ومقصودها التعريف]، وعلتها الحاجة للتفاهم.
الثاني: أن العلة المستنبطة لا تزيد على المنصوصة، ولو قال: سميت ابني هذا زيدا لسواده، أو لزيادته، لم يصر غيره من أولاده يسمى زيدا، وإن كان أسود، فكذلك في الأجناس.
الثالث: أن القياس فرع صحة التعليل، وتعليل وضع الاسم لمسماه باطل لوجوه:
стр. 3506
الأول: أن طريق إثبات العلة بالاستنباط: السبر، أو المناسبة، أو الدوران.
ودليل الحصر أن العلة لابد أن تتميز عن غيرها، وإلا لم تكن أولى من غيرها، والتميز إما بالوجود، أو [بزائد] عليه.
والأول إما في صورة معينة أو صور.
فالوصف الزائد هو المناسبة.
والتعين في الوجود في العين هو السبر، وفي الجنس هو الدوران.
وإذا ثبت الحصر فنقول: لا سبيل إلى المناسبة؛ إذ لا مناسبة بين الألفاظ ومعانيها، وما يتخيل من إشعار الاشتقاق ينبني على ثبوت استحقاق المشتق منه لمعناه، وللكلام فيه كيف، والمعنى المعبر عنه بلفظ المخامرة لو عبر عنه بلفظ التغطية والساتر والسبر لم يثبت فيه؟، فنسبته إلى الخمر في الاقتضاء كنسبته إلى الغطاء، والساتر لم يمنع، والسبر والدوران ممتنعان؛ فإن خصوص محل التسمية لازم للقدر المشترك، فلم يتعين في الوجود، ولا يلزم عليه التعليل الشرعي لوجهين:
أحدهما: هو أن الإذن في القياس من واضع الحكم معلوم، ومن ضرورته إلغاء خصوص المحال.
الثاني: أن الحكم الشرعي معلوم المصالح والمفاسد، ولا أثر لخصوص المحال فيها، وأما الوضع اللغوي فهو معلول الحاجة للتعريف، والحاجة لتعريف المعنى لخصوصه، كالحاجة لتعريف المطلق بل أبلغ.
الوجه الثاني: هو أن القدر المشترك من مقاصد الأوضاع منقوض أبدا، كمعنى المخامرة بالبنج، ومعنى المنع بالصخر والنحاس، ولا سبيل إلى دعوى المانع؛ إذ لا مانع للإطلاق من حيث اللغة إلا عدم الوضع، والوضع لا مانع له أصلا.
стр. 3507
الوجه الثالث: أن ما يعلل به من القدر المشترك نعارضه بالحاجة إلى التعريف علما، وبصرف خصوص وجه الاشتقاق إلى تعيين ذلك اللفظ من بين سائر الألفاظ.
المسلك الرابع: أن تعليل الأوضاع اللغوية يؤدي إلى التناقض وبيانه من وجوه:
الأول: أن من شروط صحة التعليل تسليم حكم الأصل، وهو كون اللفظ موضوعا للمعتصر من العنب، كما أنه ليس موضوعا للموز.
الثاني: أن القياس إنما يعلل حكم النص، والمعلوم بالنص إما كون اللفظ موضوعا للمعين، أو القدر المشترك.
فإن كان الأول: فالقياس يناقضه.
والثاني: غير محتاج إليه.
والثالث: أنه يلزم منه صحة قياس الخمر على النبيذ في [تسميتها] نبيذا، فإنها أيضا نبيذ، وكذا قياس الخابية على القارورة، والقارورة على الخابية، لاشتراك كل [واحدة] منهما فيما وضع له.
الوجه الرابع: أنه يؤدي إلى تعذر وضع اسم الأعيان؛ لأنه مهما قال: وضعت هذا الاسم لهذا المسمى عللته بعموم وجه الاشتقاق، وجعلته عاما في القدر المشترك إلا أن نقول: هو لهذا لا غير، ومعلوم أن قوله: لا لغيره تأكيد، فدل على استقلال قوله: هو لهذا بأصل المعنى، وهو عام في كل وضع.
المسلك الخامس: أنه لو صح القياس في طرف المسمى لصح في طرف الاسم؛ نظرا إلى عين التعليل؛ لأنه إذا ثبت أن المعتصر من العنب إنما يسمى خمرا؛ لأنه يخامر العقل، فكما أن مسمى النبيذ يشارك مسمى الخمر في هذا المعنى، فلفظ الخمار [والخمير] يشارك لفظ الخمر في هذا الإشعار، فإن
стр. 3508
صح تسميته النبيذ خمرا للمشاركة في المعنى صحت تسمية الخمر خمارا أو خميرا للمشاركة في المعنى، ويؤيده القياس الشرعي؛ فإنه لما كان صحيحا اعتبر في طرف الحكم كما اعتبر في طرف المحكوم عليه، فكما نقيس مخرج البول والثقبة المنفتحة دون المعدة على مخرج الغائط في جواز الاستنجاء بالحجر؛ للمشاركة في المعنى، نقيس الخرق والخشب على الحجر في جواز الاستنجاء؛ للمشاركة في المعنى، بل بطريق الأولى، فإن احتمال التفاوت بين الأعيان في المقاصد الشرعية قائم، واحتمال التفاوت في الإشعار ومقصود التعريف غير قائم، بل نقول: الخمار يخمر الرأس، والغطاء يخمر الكوز، ولا يسمى خمرا.
فلئن قلت: خصوص المغطى داخل في المسمى، وهو كونه عقليا.
قلنا: وكذلك خصوص [المغطى] داخل في المسمى، وهو كونه معتصرا من العنب، ولا فصل بينهما.
المسلك السادس: هو أن الوضع من التصرفات العينية، فلا يقبل النقل بالتعليل كرقوم الكتابة، وسكة الدينار، والتنصيص بالذكر؛ فإذا رأينا العاقل كتب رقوما، أو ضرب سكة، أو ذكر شخصا، وعرفنا مشاركة غيره له في علة الكتابة، والسكة، والذكر، فلا يلزم إلا وجوب الكتابة والذكر؛ لوجود الحاجة إليه، أما نفس الكتابة والذكر فلا، ولهذا في القياس الشرعي لا نقول: إن السفر جل لما كان في معنى البر فقد ذكره- ﵇ مع البر، وإنما يكون أراد تحريم بيعه متفاضلا كما أراد تحريم بيع البر، غير أن إثبات الحكم على وفق إرادة الشارع شرع، وإن لم ينطق [به]، فليفهم هذه الدقيقة.
المسلك السابع: أن الحكم كما لابد له من علة؛ فلابد له من فائدة، وحكمة الوضع التعريف، فإذا وضع اللفظ لشيء، فلابد أن يفيد الإطلاق تعريفه، ومهما قسنا معنى آخر عليه في التسمية بطلت إفادة اللفظ تعريفه عند
стр. 3509
الإطلاق؛ لأنه ضار مشتركا، أو للقدر المشترك، وهذا فارق آخر بين القياس في الشرع، وبين القياس في اللغة؛ فإن الزجر المقصود بالقصاص في المحدد لا يبطل بشرع القصاص في المثقل وأمثاله، وقد حصل الجواب بما ذكرنا عن حجتهم الأولى.
وأما الثانية والثالثة فنقول: هما يرجعان إلى التتبع، ويصرف الوضع بالاستقراء من مجاري الاستعمال، واستنباط معاني عن محل النص للفهم لا للتعدية، ويدل عليه أن هذه الألقاب- أعني: الرفع، والنصب والجر- اصطلاحات حادثة من المصنفين، فلا يمكن إسنادها إلى نطق العرب، بل ربما لو سمعوا هذه الألفاظ لم يدركوا معناها المقصود في محاوراتنا، فإذا هو تعبير عما فهموه من استعمالهم، وإخبار على وفق العلم الحاصل من الاستقراء.
ومن هذا القبيل قولهم: إنما رفع ما لم يسم فاعله لاستناد الفعل إليه تشبيها بالفاعل؛ فإنه حكاية عن الواقع نصا، وإنما يكون قياسا أن لو جهلوا حكمه أولا، ثم ألحقوه بالفاعل للاشتراك في هذا المعنى، أما إذا كان رفعه منصوصا عليه من أهل الشأن، فالتنبيه على المعنى تصحيح لم استنبطوه من المعنى ببيان الاطراد.
وأما تعميم الحكم في بيان رفع الفاعل، فذلك لأنه لما عسر على المصنفين تفصيل كل فاعل [ضبطوا ما خرج عن القاعدة، وأحالوا ما عداه على القاعدة الكلية المفهومة بالاستعمال المنطوق به، فقالوا: الفاعل] بأصله يستحق الرفع إلا إذا امتنع لمانع وذكروه؟.
ثم لو سلمنا أن ذلك كله قياس، ولكنه في الإعراب، فلم قالوا: إنه يلزم منه صحة القياس في نفس اللغة؟.
والفرق ما مر من الفرق بينه وبين القياس الشرعي، وهو أن رفع ما لم يسم فاعله لا يرفع كون الفاعل مرفوعا.
وتسمية كل [ما يخامر العقل] خمرا ينفي كون المعتصر من العنب يسمى خمرا.
стр. 3510
المسألة الثالثة
قال الرازي: المشهور أنه لا يجوز إجراء القياس في الأسباب.
والدليل عليه: أنا إذا قسنا اللواط مثلا على الزنا في كونه موجبا للحد: فإما أن نقول: إن كون الزنا موجبا للحد؛ لأجل وصف مشترك بينه وبين اللواط، وإما ألا نقول ذلك:
فإن كان الأول: كان الموجب للحد هو ذلك المشترك؛ وحينئذ: يخرج الزنا واللواط عن كونهما موجبين للحد؛ لأن الحكم لما أسند إلى القدر المشترك، استحال مع ذلك إسناده إلى خصوصية كل واحد منهما؛ فإذن شرط القياس بقاء حكم الأصل، والقياس في الأسباب ينافي بقاء حكم الأصل؛ بخلاف القياس في الأحكام؛ فإن ثبوت الحكم في الأصل لا ينافي كونه معللا بالقدر المشترك بينه وبين الفرع، وأما إن قيل: كون الزنا موجبا للحد ليس لأجل وصف مشترك بينه وبين اللواط، استحال قياس اللواط عليه؛ لأنه لابد في القياس من الجامع.
فإن قلت: (الجامع بين الوصفين لا يكون له تأثير في الحكم، بل تأثيره في علية الوصفين، وأما الحكم، فإنما يحصل من الوصفين):
قلت: هذا باطل؛ لأن ما صلح لعلية العلة، كان صالحا لعلية الحكم؛ فلا حاجة حينئذ إلى الواسطة.
стр. 3511
المسألة الثالثة
القياس في الأسباب
قال القرافي: قوله: (يكون الموجب للحد هو ذلك المشترك لا الزنا):
قلنا: المشترك بين الزنا واللواط لا علة للحد، وسببيات الأسباب غير مسببات الأسباب.
كما نقول: اختلاط الأنساب سبب كون الزنا سببا للحد.
وقد اشترك الزنا واللواط في الإيلاج في الفرج المحرم الموجب لفساد النسب، إما باختلاط، أو بحسم مادة إيجاده.
وهذا المعنى لا يمكن أن يكون علة للحد؛ لأن من جمع صغار الصبيان سنين طويلة حتى اختلطوا والتبسوا على آبائهم، فإنه لا يجب عليهم الحد أو من قبل النساء حتى تعذر النسل، أو سقاهن دواء يوجب بطلان التوليد، لا يقول أحد بوجوب رجمه، وبهذا يظهر أن ما يصلح علة العلة قد لا يصلح علة للحكم.
(سؤال)
قال النقشواني: علة العلية هي الحكمة، والوصف ضابطها، فإذا صلحت علة الحكم، فلم لا تصلح- أيضا- علة العلة؟؛ فإنه لا تنافي بين تعليل أحكام بعلة واحدة، ويضاف الحكم إليها إضافة الحكم لمؤثره، والوصف إضافة الحكم لضابطه ومعرفه، بل الواقع في جميع الأحكام هو ذلك، وعدم انضباط بعض الحكم يقتضي منع القياس في تلك الصورة، والمنع من القياس في بعض الصور لا يقتضي المنع مطلقا كما نقول في الصورة التعبدية في الفروع، بل نقول: قد يكون القياس في السبب بطريق الأولى؛ فإنا إذا عللنا الزنا باختلاط الأنساب، فإبطالها أولى بالزجر؛ فإن وضع الماء في غير محل التوليد يبطل النسب بالكلية.
стр. 3512
(تنبيه)
زاد التبريزي فقال: احتج المخالف بأن السببية حكم شرعي- كما سبق أول الكتاب، فجاز تعليله كسائر الأحكام.
وأجابوا عن الإشكال بأن ذلك المعنى إنما يناسب السببية لا الحكم، فلا يمكن إضافة الحكم إليه.
والجواب هو أن الفرق ما ذكرناه من لزوم رفع حكم الأصل وإلغاء خصوصه، وأن المعنى وإن لم يناسب الحكم لم يمكن تعليل السببية به.
قلت: هذا ممنوع، بل لا يناسب الحكم، ويناسب السببية كما نقول: مصالح العبد في تخليص الاكتساب، وتكميل العبادات، والمناصب سبب مشروعية العتق، والعتق سبب الإرث، ومصالح العبد لا تناسب أن يؤخذ ماله عنه بعد موته، وخوف الزنا سبب الزواج، والزواج سبب وجوب النفقة، وتغليظ الجريمة في الحد بالرجم، مع أن سد ذريعة الزنا لا يناسب الرجم، والنفقة، والسفه سبب الحجر، والحجر سبب صون المال، والسفه لا يناسب صون المال، بل إفساده، والقتل سبب التكفير بالعتق، والعتق سبب الإرث، والقتل لا يناسب الإرث، والكفر سبب الرق، والرق سبب التخفيف بسقوط الجمعات والجهاد والحج، مع أن الكفر لا يناسب ذلك بل التغليظ، وكم سبب لا يناسب مسبب سببه، فأمكن ذلك في الحكم، ونحن لم ندع وقوع القياس في كل صورة، بل إن وجدنا شروطه حاصلة قسنا، وإلا فلا، وللخصم منع ذلك بالكلية، فكان الحق معنا.
(فائدة)
قال سيف الدين: قال أكثر أصحاب الشافعي: يجوز القياس في
стр. 3513
الأسباب، ومنع من ذلك أبو زيد وأصحاب أبي حنيفة، وهو المختار في الأسباب والشروط، فنص على الشروط في مسألة أخرى بعد هذه في (الإحكام) ولم ينص عليه في (المحصول).
قال: لأن الجامع بين الأسباب هي الحكمة، وهي إن كانت منضبطة ظاهرة جلية، وفرعنا على جواز التعليل في الأحكام فالحكمة استقلت بإثبات الحكم، ولا حاجة إلى الوصف.
وإن فرعنا على المنع امتنع تعليل الحكم بها.
وأما إن كانت خفية مضطربة، فإن كانت مضبوطة بضابط، فذلك الضابط هو السبب، ويسقط خصوص كل واحد منهما، فيمتنع القياس بين السببين، وإن لم تكن مضبوطة امتنع الجمع بها إجماعا؛ لاحتمال التفاوت بين الأصل والفرع.
قال: فإن قيل: احتمال التساوي أرجح؛ لأنها إما مساوية أو راجحة، أو مرجوحة، وعلى التقديرين الأولين: يكون التساوي حاصلا وحده، أو مع زيادة، واحتمالا من احتمالين أرجح من احتمال واحد.
قلنا: إن كان هذا القدر كافيا، [فيجمع] بين الأصل والفرع في الحكمين به، ولا حاجة إلى السبب، وإلا فهو ساقط.
قلت: وقد تقدم جواب هذا الكلام من كلام النقشواني، ومن كلامي.
* * *
стр. 3514
المسألة الرابعة
الحكم الذي طلب إثباته بالقياس: إما النفي الأصلي، أو الحكم الثبوتي المعلوم، أو المظنون: فلنتكلم في هذه الثلاثة، فنقول: افي أن النفي الأصلي، هل يمكن التوصل إليه بالقياس أم لا؟ بعد اتفاقهم على أن استصحاب حكم العقل كاف فيه.
والحق أنه يستعمل فيه قياس الدلالة، لا قياس العلة.
أما قياس الدلالة: فهو: أن يستدل بعدم آثار الشيء وعدم خواصه على عدمه، وأما تعذر قياس العلة، فلأن الانتفاء الأصلي حاصل قبل الشرع؛ فلا يجوز تعليله بوصف يوجد بعد ذلك.
ولقائل أن يقول: علة الشرع لا معنى لها إلا المعرف، وتأخر الدليل عن المدلول جائز.
وأعلم أن هذا الكلام يختص بالعدم، فأما الإعدام، فإنه حكم شرعي يجري فيه القياس.
وأما الذي طريقه العلم فقد اختلفوا في أنه، هل يجوز استعمال القياس فيه؟ وعندي: أن هذا الخلاف لا ينبغي أن يقع في الجواز الشرعي؛ فإنه لو أمكن تحصيل اليقين بعلة الحكم، ثم تحصيلا اليقين بأن تلك العلة حاصلة في هذه الصورة- لحصل العلم اليقيني بأن حكم الفرع مثل حكم الأصل، بل البحث ينبغي أن يقع في أنه، هل يمكن تحصيل هذين اليقينين في الأحكام الشرعية، أم لا؟
وأما الذي طريقه الظن: فلا نزاع في جواز استعمال القياس فيه.
стр. 3515
المسألة الرابعة
(القياس في العدم)
قال القرافي: قوله: (الإعدام يجري فيه [القياس]):
تقريره: أن الإعدام هو تحصيل العدم بعد الوجود، والسعي في إذهاب الوجود إنما يكون لمفسدة فيه، وهو قياس العلة، أو لذهاب [خاصية]، وهو قياس الدلالة.
(سؤال)
قال النقشواني: قوله: (اتفقوا على أن الاستصحاب كاف في النفي الأصلي) يناقضه قوله أول الكتاب: (إن ما لم يرد الشرع فيه بشيء هل الحكم فيه الحظر أو الإباحة أو التوقف)؟
فإن أراد بالنفي الأصلي: الإباحة أو الحظر، فلا اتفاق فيهما، ولا على أن الاستصحاب كاف، وكذلك التوقف لا يكفي فيه الاستصحاب؛ ولأن التوقف ليس نفيا أصليا.
قال: فلئن قال: تلك المسألة قبل ورود االشرائع، وهذه بعدها.
قال: قلت: لا تفاوت بينهما في المعنى.
قلت: جوابه أن القول بكفاية الاستصحاب لا يأباه ما ذكره من المذاهب؛ فإن القائل بتلك المذاهب لو قال بالبراءة الكلية من الأحكام كما يقوله أكثر الفقهاء- كفاه الاستصحاب، وإنما لم يقل به لمعارض عنده أداه للحظر أو غيره، وترك الدليل [المعارض] لا يمنع كونه كافيا في تحصيل مقصود من المقاصد؛ لأنا لا نعني بالكفاية إلا أنه بحيث إذا جرد النظر إليه كان كافيا في ذلك المقصود، ولو كان الدليل إنما يكون كافيا إذا لم يكن له معارض لم
стр. 3516
يكن النص كافيا؛ لأنه يعارضه معارض، بل الكفاية معناها ما ذكرناه، فلا يضر الخلاف المذكور.
(سؤال)
قال النقشواني: قوله: (يدخله قياس الدلالة، وهو الاستدلال بعدم آثار الشيء عليه، وعدم [خواصه على عدمه]) لا يتجه؛ لأن هذا ليس قياسا عند الفقهاء، ولا يندرج في حدود القياس.
وتقريره: أن كون الشيء أثرا للشيء وخاصة، إن علم بدليل شرعي بنص أو قياس كانت هذه الصورة مما ورد الشرع فيها بحكمها.
وإن لم يعلم بأدلة الشرع، فإما ألا يعلم أصلا، فيتعذر فيه قياس الدلالة، فإن علم بدليل عقلي فالأحكام الشرعية لا تثبت بالأدلة العقلية عند المصنف.
وقوله: (علة [الشرع] معرفة):
قلنا: قد تقد أن الوصف لا يكون معرفا للحكم لا بواسطة كونه معرفا للمؤثر والداعي.
* * *
стр. 3517
المسألة الخامسة
قال الرازي: اختلفوا في أنه، هل يمكن إثبات أصول العبادات بالقياس، أم لا؟ فقال الجبائي والكرخي: لا يجوز؛ وبنى الكرخي عليه أنه لا يجوز إثبات الصلاة بإيماء الحاجب؛ بالقياس.
واعلم: أن هذا الخلاف يمكن حمله على وجهين:
الأول: أن يقال: (الصلاة بإيماء الحاجب، لو كانت مشروعة، لوجب على النبي ﷺ أن يبينها بيانا شافيا، وينقله أهل التواتر إلينا؛ حتى يصر ذلك معلوما لنا قطعا، فلما لم يكن كذلك، علمنا أن القول بها باطل).
والثاني: أن يقال: (لا ندعي أنها لو كانت مشروعة، لحصل العلم بها يقينا، ولكنا مع ذلك نمنع من استعمال القياس فيه).
أما الأول: فهو باطل بالوتر؛ فإنه واجب عندهم، مع أنه لم يعلم بوجوبه قطعا.
فإن قلت: (إذا جوزت في ذلك ألا يبلغ مبلغ التواتر؛ فلعله- ﵊ أوجب صوم شوال، ولم ينقل ذلك بالتواتر.
قلت: المعتمد في نفيه الإجماع.
وأما الثاني: فتحكم محض؛ لأنه إذا جاز الاكتفاء فيه بالظن، فلم لا يكتفي بالقياس؟ ثم إنا نستدل على جوازه بعموم قوله تعالى: ﴿فاعتبروا﴾ [الحشر: ٢] أو بما أنه يفيد ظن الضرر؛ فيكون العمل به واجبا.
стр. 3518
المسألة الخامسة
اختلفوا هل يمكن إثبات أصول العبادات بالقياس؟
(سؤال)
قال القرافي: قال النقشواني: لعل الكرخي والجبائي لا يقولون بوجوب المؤثر، أو يقولان، لكنه كان النقل عندهما فيه متواترا، ثم خفي في زماننا أو عندهما في زمانهما؛ فإن التواتر قد يختص ببعض الناس.
(سؤال)
قال النقشواني: قوله: (المعتمد فيه الإجماع) فيه نظر؛ لأنه فرق بين ما لم يقل به أحد من أهل الإجماع، وبين ما قال به أهل الإجماع.
فالحجة في الثاني، دون الأول، ولم يوجد إلا الأول.
قال: فإن قلت: بل ورد قوله ﵇: (لا إلا أن تطوع).
وانعقد الإجماع على وفقه فقد وجد الأول.
قال: قلنا: إذا انعقد الإجماع على هذه الصورة امتنع القياس على خلافه، وهو مقصود الخصم.
(سؤال)
قال النقشواني: قوله: (إذا جاز الاكتفاء في هذا بالظن، فيجوز القياس) للخصم أن يمنع أن أصول العبادات تثبت بأخبار الآحاد.
стр. 3519
(سؤال)
قال النقشواني: تمثيله المسألة بصلاة الإيماء، لا يتجه؛ لأنها ليست عبادة أخرى، بل الصلاة الأصلية إذا عجز عنها كهذه الحالة يختلف العلماء، هل يكتفي منه بهذا؛ لقوله ﵇: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) أو سقط بالكلية؛ لقصوره عن المأمورية؟
كما اختلفوا في من لم يبق معه إلا القدرة على النية، هل يأتي بها أم لا؟ فليس هذا المثال مطابقا.
* * *
стр. 3520
المسألة السادسة
قال الرازي: مذهب الشافعي- ﵁: أنه يجوز إثبات التقديرات، والكفارات، والحدود، والرخص بالقياس.
وقال أبو حنيفة وأصحابه- ﵏: إنه لا يجوز.
وحاصل الخلاف: أنه، هل في الشريعة جملة من المسائل يعلم أنه لا يجوز استعمال القياس فيها، أوليس كذلك، بل يجب البحث عن كل مسألة أنه، هل يجري القياس فيها أم لا؟.
لنا: التمسك بعموم قوله تعالى: ﴿فاعتبروا﴾ [الحشر: ٢]- وبإطلاق قول معاذ: (أجتهد)؛ مع أن الرسول ﷺ صوبه في إطلاقه- وبأنه يجب العمل بالصواب المظنون.
فإن ادعوا أنه لا يمكننا وجدان العلة في هذه المسائل؛ فلذلك إنما يظهر بالبحث عن كل واحدة من هذه المسائل، فإن وجدنا العلة فيها، صح القياس، وإلا فلا، ولكن هذا المعنى غير مختص بهذه المسائل، بل كل مسألة لا نجد العلة فيها، تعذر علينا القياس.
واعلم: أن الشافعي- ﵁ ذكر مناقضاتهم في هذا الباب، فقال: (أما (الحدود): فقد كثرت أقيستهم فيها؛ حتى تعدوها على الاستحسان؛ فإنهم زعموا في شهود الزوايا: أن المشهود عليه يجب رجمه بالاستحسان؛ مع أنه على خلاف العقل، فلأن يعمل به وافق العقل كان أولى، وأما
стр. 3521
(الكفارات): فقد قاسوا الإفطار بالأكل، على الإفطار بالوقاع، وقاسوا قتل الصيد ناسيا، على قتله عمدا، مع تقييد النص بالعمد في قوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ [المائدة: ٩٥].
فإن قلت: (ليس هذا بقياس؛ وإنما هو استدلال على موضع الحكم بحذف الفوارق الملغاة):
قلت: إنكم لما لم تبينوا: أن الحكم في الأصل يجب أن يكون معللا، وأن العلة: إما الذي به الاشتراك بين الأصل والفرع، أو الذي به الامتياز، وباطل ألا يكون معللا، وباطل أن يكون معللا بما فيه الامتياز؛ فوجب التعليل بما به الاشتراك؛ ويلزم من حصول ذلك المعنى في الفرع حصول الحكم فيه، وهذا نفس القياس، واستخراج العلة بطريق السبر والتقسيم.
وأما (المقدرات): فقد قاسوا فيها؛ حتى إنهم ذهبوا إلى تقديراتهم في (الدلو والبئر).
وأما (الرخص): فقد قاسوا فيها، وبالغوا؛ فإن الاقتصار على الأحجار في الاستنجاء من أظهر الرخص، ثم حكموا بذلك في كل النجاسات نادرة كانت أو معتادة؛ وانتهوا فيها إلى نفي أيجاب استعمال الأحجار.
وقالوا أيضا: العاصي بسفره يترخص، فأثبتوا الرخصة بالقياس، مع أن القياس ينفيها؛ لأن الرخصة إعانة، والمعصية لا تناسب الإعانة).
احتج الخصم بقوله- ﵊: (ادرءوا الحدود بالشبهات) والقياس لا يفيد؛ فتحصل الشبهة.
وأما (المقدرات): فهي كالنصب في الزكوات، والمواقيت في الصلوات، وقالوا: العقول لا تهتدي إليها.
стр. 3522
وأما "الرخص": فقالوا: إنها منح من الله تعالى؛ فلا يعدل بها عن مواضعها.
وأما "الكفارات": فإنها على خلاف الأصل؛ لكونها منفية بالنص النافي للضرر.
والجواب عنها: أنها تشكل بالمسائل التي ذكرها الشافعي- ﵁ ثم نقول: هذه الأدلة خصت بخبر الواحد؛ فإنه يجوز إثبات هذه الأشياء بخبر الواحد، مع أنه لا يفيد العلم، وما لأجله صار خبر الواحد مخصصا لها- قائم في القياس الخاص- فوجب تخصيصها بالقياس.
المسألة السابعة
قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي- ﵀: ما طريقة العادة والخلقة كأقل الحيض وأكثره، وأقل النفاس وأكثره- لا يجوز إثباته بالقياس؛ لأن أسبابها غير معلومة، لا قطعا، ولا ظاهرا فوجب؛ الرجوع فيها إلى قول الصادق.
المسألة السادسة
في القياس في المقدرات
قال القرافي: قوله: "لنا قوله تعالى: ﴿فاعتبروا﴾ [الحشر: ٢]، وقول معاذ: "أجتهد رأيي":
قلنا: قد تقدم أنهما مطلقان لا دلالة لهما على خصوصيات محل النزاع.
قوله: "يجب العمل بالضرر المظنون":
قلنا: لا نسلم أن مطلق الظن يعمل به، بل مراتب خاصة، فلم قلتم: إن هذا منها؟.
стр. 3523
قوله: "ليس هذا بقياس، بل استدلال على موضع الحكم بخلاف الفوارق":
قلنا: هذا فيه خلاف هل هو قياس أم لا؟ وعامة الحنفية على أنه ليس بقياس.
قوله: "ما بينتم أن الحكم في الأصل يجب أن يكون معللا، وهو بالفارق، وأن العلة إما الذي به الامتياز، أو المشترك، والأول باطل":
قلنا: لا تحتاجون إلى ذكر التعليل أصلا، بل تقولون: نحن لا نعلم علة هذا الحكم أصلا، ونجزم بنفي الفارق، كما نجزم بالتسوية بين الأزمان، وأنه لا فارق بينهما، وأن الله- تعالى- إنما فضل بعضها على بعض بإرادته لذلك، لا لمعنى في المفضل.
قوله: "ذهبوا إلى التقدير في الدلو والبئر":
تقريره: أنهم فرقوا في سقوط الدواب في الآبار فتموت، فقال في الدجاجة: تنزح البئر عددا من الدلاء، وفي الفأرة أقل من ذلك، وجعلوا لكل حيوان [مقدارا] من الدلاء، وهو مجرم تحكيم بغير نص في ذلك.
قوله: "احتجوا بقوله ﵇: "ادرءوا الحدود بالشبهات":
стр. 3524
قلنا: الحديث ليس بصحيح.
سلمنا: صحته لكن [الشبه مأخوذ] من الاشتباه، وهو تعارض موجبين: احدهما: يقتضي وجوب الحد، والآخر يقتضي عدمه، كما نقول في الأمة المشتركة: نصيب الواطئ يقتضي سقوط الحد، ونصيب الشريك يقتضي الحد، فاشتبه الأمران، فسقط الحد.
وكذلك واطئ الأجنبية معتقدا أنها مباحة له، اعتقاده يقتضي عدم الحد، وأجنبيتها تقتضي الحد، فاشتبه الأمران.
ونكاح المتعة فيه دليلان: أحدهما: يقتضي ثبوت الحد، والآخر يقتضي عدمه.
وهذه الثلاثة هي أنواع الشبهات.
إما في الواطئ كاعتقاده الحل.
أو في الموطوءة [كالمشتركة]، أو الطريق، وهو اختلاف العلماء.
أما القياس إذا لم يفد القطع فالراجع منه موجب، والمرجوح ملغي في جميع مراتب الظنون، فلم يتعارض موجبان حتى تحصل الشبهة.
стр. 3525
قوله: "العقل لا يهتدي لمقادير نصب الزكاة":
قلنا: محل النزاع إنما هو إذا اهتدى.
قوله: "الرخص منح من الله- تعالى- فلا يدخلها القياس":
قلنا: هذه مصادرة، بل إذا فهمنا أن الله- تعالى- منح عباده منحة لأجل معنى مشترك بينهما وبين صورة أخرى، جعلنا تلك الصورة الأخرى منحة من الله- تعالى- بالقياس تكثيرا لمنح الله- تعالى- وحفظا لحكمة الوصف عن الضياع.
قوله: "الكفارة على خلاف الأصل؛ لأنها ضرر":
قلنا: إذا كانت المصلحة تقتضي مخالفة الأصل في صورة، ووجدنا صورة أخرى مساوية لها في تلك المصلحة، خالفنا الأصل- أيضا- تكثيرا لتلك المصلحة الراجحة في الأصل، وما قدمه الله- تعالى- على غيره في صورة كان الأصل تقديمه عليه مطلقا.
"تنبيه"
زاد التبريزي فقال: [قال] الحنفية: المشهود عليه بالزنا في زوايا البيت يرجم استحسانا.
فزاد ذكر الزوايا على "المحصول".
وصورتها: أنه شهد أربعة على أنه زنا بفلانة, غير أن كل شاهد عين زاوية من زوايا البيت، فقالت: الأحسن رجمه؛ لأنه قد اتفق على أصل الزنا، ويجوز أنه كان يدور بها في أركان البيت، فرؤى في الزوايا الأربع.
وقال في الجواب [عن] مداركهم: "إن على مذهب التصويب لا يتصور الخطأ في القياس".
стр. 3526
يريد أن كل مجتهد مصيب، فيقطع بالصواب في القياس.
قال: وأما المقدرات، فلا نقيس في نفس التقدير، بل في نقل المقدر بسببه، وكذلك الرخص والكفارات.
"فائدة"
قال إمام الحرمين "في البرهان": قال الحنفية بالاستحسان في مسألة شهود الزوايا: إن المشهود عليه يرجم بالاستحسان:
قلت: وهذه العبارة تقتضي أن عبارة "المحصول" تصفحت على النساخ، وأصلها "الزوايا"، فكتبوا "الزنا"؛ استبعادا للفظ "الزوايا" عن الصحة، لاسيما و "البرهان" هو أحد الأصول التي ألف منها "المحصول"، وكشفت عدة نسخ فلم أجد إلا قوله: "الزنا"، بغير واو وألف بعدها.
***
стр. 3527
المسألة الثامنة
قال الرازي: الأمور التي لا يتعلق بها عمل لا يجوز إثباتها بالقياس؛ كقران النبي ﷺ وإفراده، ودخوله مكة صلحا أو عنوة؛ فإن مثل هذه الأمور تطلب لتعرف، لا ليعمل بها؛ فلا يجوز الاكتفاء فيها بالظن.
المسألة التاسعة
القياس إذا ورد بخلاف النص: فالنص إما أن يكون متواترا، أو آحادا:
فإن كان متواترا: فالقياس إن نسخه، كان مردودا، وإن خصصه، فقد ذكرنا الخلاف فيه في باب العموم والخصوص، وإن كان آحادا: فهو ما إذا ورد خبر الواحد على خلاف القياس، وقد شرحنا الحال فيه في باب الخبر.
المسألة العاشرة
يجوز التعبد بالنصوص في كل الشرع، فإنه يمكن أن ينص الله تعالى على أحكام الأفعال على الجملة، ويدخل تفصيلها فيها؛ كما إذا نص على حرمة الربا في كل مطعوم؛ فيدخل فيه كل مطعوم.
وأما التعبد بالقياس في الكل، فمحال؛ لأن القياس لا يصح إلا بعد ثبوت الحكم في الأصل، لكن أحكام الأصول شرعية؛ لأن العقل لا يدل إلا على البراءة الأصلية، فما عداها لا يثبت إلا بالشرع، فلو كانت تلك الأحكام مثبتة بالقياس، لزوم الدور؛ وهو محال.
стр. 3528
المسألة الثامنة
الأمور التي لا يتعلق بها عمل لا تثبت بالقياس، كقران النبي- ﷺ وإفراده، ودخوله "مكة" صلحا، أو عنوة:
قال القرافي: قلنا: هذه يتعلق بها عمل؛ لأن الذي فعله- ﵇ يكون أفضل، فيكون القران مثلا أفضل، والعنوة يتعلق بها وقف الأراضي عند مالك، وجماعة من العلماء، وهدم الكنائس، وغير ذلك من الأحكام، بل يتعذر القياس في هذه لمعنى آخر، وهو أنها تثبت بنوع من النظر المصلحي غير القياسي، اقتضته تلك الحالة الحاضرة، فيتعذر القياس لذلك.
ثم قوله: "لا يجوز الاكتفاء فيها بالظن"- مشكل، بل يجوز إثباتها بخبر الواحد، وكذلك إثبات أمثالها؛ لأنها قصص وتواريخ.
المسألة العاشرة
لا يجوز أن تثبت الشريعة بالقياس:
قال سيف الدين في "الإحكام": اختلفوا في جواز إجراء القياس في جميع الأحكام الشرعية، فأثبته بعض الشذوذ [مصيرا منه إلى] أن جميع الأحكام جنس واحد يدخل تحت حد واحد، وما جاز على أحد المثلين جاز على الآخر.
قال: وجوابه من وجهين:
قال: وجوابه من وجهين:
أحدهما: أن الجائز على أفراد النوع قد يمتنع في بعضها [المعارض] من
стр. 3529
خارج، كما امتنع على بعض الآدمين المعصية لدلالة الدليل على العصمة، كما في هذه الأمة دون غيرها من الأمم، وهاهنا دل الدليل من خارج، وهو لزوم أصل يقاس عليه، فلو ثبت كل أصل بأصل لزم التسلسل.
وثانيهما: أن من الأحكام ما لا يمكن تعليله ألبتة؛ فيتعذر القياس.
"خاتمة لهذا الباب"
قال سيف الدين: القياس ينقسم إلى: فرض عين، وكفاية، ومندوب:
فالأول: من نزلت به نازلة من القضاة والمجتهدين، ولا يقوم غيره فيهما مقامة، وضاق الوقت.
والثاني: أن يكون كل مجتهد فيها يقوم مقام الآخر.
والثالث: ما يجوز حدوثه من الوقائع، ولم يحدث.
وهذا الكلام بعينه في "المعتمد" لأبي الحسين، وكأن سيف الدين نقله منه.
قال سيف الدين: وهل يوسف القياس بأنه دين لله تعالى؟.
فوصفه به القاضي عبد الجبار.
ومنه أبو الهذيل من ذلك مطلقا.
وفصل الجبائي بين الواجب، فوصفه بالدين، وبين المندوب، فلا يوصف.
قال: والمختار أنه إن عنى بالدين ما هو حكم [مقصود] أصالة، كوجوب الفعل وحرمته، ونحوه، فالقياس ليس من الدين؛ لأنه مقصود لغيره لا لنفسه.
وإن عنى بالدين ما تعبد به كان مقصودا في نفسه أم لا؟، فهو من الدين، فالمسألة لفظية.
стр. 3530
الباب الثاني
في شرائط الأصل
قال الرازي: أعلم: أن الحكم في المقيس عليه: إما أن يكون على وفق قياس الأصول، أو على خلاف قياس الأصول، فلنذكر حكم كل واحد من هذين القسمين، ثم نذكر ما ظن أنه شرط في هذا الباب، مع أنه ليس بشرط.
القسم الأول
في شرائط الأصل، إذا كان حكمه على وفق قياس الأصول، وهي ستة:
الأول: ثبوت حكم الأصل؛ لأن القياس عبارة: عن تشبيه الفرع بالأصل في الحكم، وذلك لا يمكن إلا بعد ثبوت الحكم في الأصل.
الثاني: أن يكون الطريق إلى معرفة ذلك الحكم سمعيا، وهو ظاهر على مذهبنا: أن جميع الأحكام لا تعرف إلا بالسمع، أما على مذهب من يثبت هذه الأحكام عقلا، فقد احتجوا عليه؛ بأنه لو كان ذلك الطريق عقليا، لكانت معرفة ثبوت الحكم في الفرع عقلية، فكان القياس عقليا، لا سمعيا.
وهذا ضعيف؛ لأن ثبوت الحكم في الفرع يتوقف على ثبوت الحكم في الأصل، وعلى كون ذلك الحكم معللا بالوصف الفلاني، وعلى حصول ذلك الوصف في الفرع، فبتقدير أن تكون معرفة الأول عقلية: يحتمل أن تكون المعرفتان الباقيتان سميعتين؛ وحينئذ: لا يمكن معرفة حكم الفرع إلا بمقدمات سمعية، والمبني على السمعي سمعي فيكون ثبوت الحكم في الفرع سمعيا.
стр. 3531
الثالث: ألا يكون طريق ثبوت الحكم في الأصل هو القياس؛ لأن العلة التي يلحق بها الأصل القريب بالأصل البعيد: إما أن تكون هي التي بها يلحق الفرع بالأصل القريب، أو غيرها:
فإن كان الأول: أمكن رد الفرع إلى الأصل البعيد، فيكون دخول الأصل القريب لغوا.
وإن كان الثاني: لزم تعليل حكم الأصل القريب بعلتين؛ وهو محال.
وأما ثانيا: فلأنه لا يمكننا إثبات الحكم في الأصل القريب إلا بأن يتوصل إليه بالعلة الموجودة في الأصل البعيد، ومتى توصلنا إلى ثبوته بتلك العلة، امتنع تعليله بالعلة الموجودة في الفرع؛ لأن تلك العلة إنما عرفت بعد أن عرف تعليل الحكم بعلة أخرى، ومتى عرف ذلك، كانت العلة الثانية عديمة الأثر؛ فيكون التعليل بها ممتنعا.
الرابع: ألا يكون الدليل الدال على حكم الأصل دالا بعينه على حكم الفرع، وإلا لم يكن جعل أحدهما أصلا، والآخر فرعا- أولى من العكس.
الخامس: لابد وأن يظهر كون ذلك الأصل معللا بوصف معتبر؛ لأن رد الفرع إليه لا يصح إلا بهذه الواسطة.
السادس: قالوا: يجب ألا يكون حكم الأصل متأخرا عن حكم الفرع؛ وهو كقياس الوضوء على التيمم في وجوب النية؛ لأن التعبد بالتيمم، إنما ورد بعد الهجرة.
стр. 3532
والحق أن يقال: لو لم يوجب على حكم الفرع دليل إلا ذلك القياس، لم يجز تقدم الفرع على الأصل؛ لأن قبل هذا الأصل لزم أن يقال: "كان هذا الحكم حاصلا من غير دليل، وهو تكليف ما لا يطاق، أو ما كان حاصلا ألبتة، فيكون ذلك كالنسخ" وأما إن وجد قبل ذلك دليل آخر سوى القياس بدل على ذلك الحكم فجائز؛ فإن ترادف الأدلة على المدلول الواحد جائز.
الباب الثاني
في شرائط الأصل
القسم الأول
قال القرافي: قوله: "متى عرف الحكم بعلة أخرى كانت العلة الثانية عدمية الأثر؛ فيكون التعليل بها ممتنعا":
قلنا: اجتماع المعرفات بعد تقدم بعضها غير ممتنع، لاسيما والعلة الأخرى تشهد لها المناسبة والاقتران.
"فائدة"
قال القاضي عبد الوهاب المالكي في "الملخص": قال جماعة: يجوز القياس على فرع الأصل بعلته الأولى، أو بعلة، كقياس الذرة على الأرز المقيس على البر؛ لأن العلة إن كانت واحدة فقد حصل أصلان بتخير القياس بينهما للأرز والبر، قالوا: ولأن الحكم إذا ثبت في الأرز بعلة البر صار أصلا في نفسه أمكن أن يوجد فيه علة أخرى بينه وبين [الذرة] يقاس عليها الذرة، وتكون العلة الأولى كالنص يقع التعبد به بغيرها في الذرة.
وقال أبو الخطاب الحنبلي في "التمهيد" وأبو يعلى الحنبلي في "العمدة":
مذهب الحنابلة جواز القياس على الفرع.
стр. 3533
القسم الثاني
قال الرازي: إذا كان الحكم في المقيس عليه على خلاف قياس الأصول.
فقال قوم من الشافعية والحنفية: يجوز القياس عليه مطلقا، وقال الكرخي: لا يجوز إلا لإحدى خلال ثلاث:
إحداها: أن يكون قد نص على علة ذلك الحكم؛ لأن النص كالتصريح بوجوب القياس عليه.
وثانيها: أن تجمع الأمة على تعليله، وإن اختلفوا في تعليله؛ فا يجوز القياس عليه.
وثالثها: أن يكون القياس عليه موافقا للقياس على أصول أخرى.
والحق أن يقال: ما ورد بخلاف قياس الأصول: إما أن يكون دليلا مقطوعا به، أو غير مقطوع به:
فإن كان مقطوعا به، كان أصلا بنفسه؛ لأن مرادنا بالأصل في هذا الموضع هذا، فكان القياس عليه كالقياس على غيره؛ فوجب أن يرجح المجتهد بين القياسين.
يؤكده أنه إذا لم يمنع العموم من قياس يخصه فأولى ألا يكون القياس على العموم مانعا من قياس يخالفه؛ لأن العموم أقوى من القياس على العموم.
احتج الخصم: بأن الخبر يخرج من القياس ما ورد فيه، وما عداه باق على قياس الأصول.
والجواب: أنه إذا أخرج ما ورد فيه، ودلت أمارة على عليته- اقتضى إخراج ما شاركه في تلك العلة، ثم ليس بأن لا يخرج لشبهه بالأصول أولى من أن يخرج لشبهه بالمنصوص عليه.
стр. 3534
أما إذا كان غير مقطوع به، فإما أن تكون علة حكمه منصوصة، أو لا تكون منصوصة: فإن لم تكن منصوصة، ولا كان القياس عليه أقوى من القياس على الأصول، فلا شبهة في أن القياس على الأصول أولى من القياس عليه؛ لأن القياس على ما طريق حكمه معلوم- أولى من القياس على ما طريق حكمه غير معلوم.
وإن كانت منصوصة، فالأقرب أنه يتسوي القياسان؛ لأن القياس على الأصول يختص بأن طريق حكمه معلوم، وإن كانت علة حكمه غير معلومة، وهذا القياس طريق حكمه مظنون، وعلته معلومة؛ فكل واحد منهما قد اختص بحظ من القوة.
القسم الثاني
قال القرافي: قوله: "إذا لم يمنع العموم من قياس يخصصه، فأولى ألا يكون القياس على العموم مانعا من قياس يخالفه":
قلنا: القياس إذا خصص العموم لم يكن فيه مخالفة أصل شرعي، بل القياس بين المراد من عموم، ولم يبطل مرادا.
أما القياس على العموم الموافق للأصول إذا عارضه قياس على رخصة مخالفة [للأصول]، ينبغي أن يكون القياس على ما هو على وفق الأصول مانعا من القياس على حكم نص الرخصة [لكونه] أقعد بالشريعة، وليس من باب الأول لهذا الفرق.
стр. 3535
القسم الثالث
فيما جعل شرطا في هذا الباب، مع أنه ليس بشرط، وهو ثلاثة:
الأول: زعم عثمان البتى: أنه لا يقاس على الأصل، حتى تقوم الدلالة على جواز القياس عليه، وهو باطل من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن عموم قوله تعالى: ﴿فاعتبروا﴾ [الحشر: ٢] ينفي هذا الشرط.
وثانيها: أنا إذا ظننا كون الحكم في الأصل معللا بوصف، ثم علمنا، أو ظننا حصوله في الفرع- حصل ظن أن حكم الفرع مثل حكم الأصل؛ والعمل بالظن واجب.
وثالثها: أن الصحابة حين استعلموا القياس في مسألة الحرام والجد وغيرهما، لم يعتبروا هذا الشرط.
الثاني: زعم بشر المريسي: "أن شرط الأصل انعقاد الإجماع على كون حكمه معللا، أو ثبوت النص على عين تلك العلة" وعندنا: أن هذا الشرط غير معتبر؛ والدليل عليه الوجوه الثلاثة المذكورة.
الثالث: قال قوم: الأصل المحصور بالعدد لا يجوز القياس عليه؛ حتى قالوا في قوله- ﵊: "خمس يقتلن في الحل والحرم" لا يقاس عليه، والحق: جوازه؛ للوجوه الثلاثة.
стр. 3536
واحتجوا: بأن تخصيص ذلك العدد بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه، وأيضا: جواز القياس عليه يبطل ذلك الحصر.
والجواب: يبطل ذلك بجواز القياس على الأشياء الستة؛ في تحريم ربا الفضل؛ وهذا أيضا دليل في أول المسألة.
القسم الثالث
قال القرافي: قوله: "الصحابة- رضوان الله عليهم- استعملوا هذا القياس في مسألة الحرام والجد، ولم يعتبروا هذا الشرط":
تقريره: أن عثمان البتى يشترط إذا كان القياس في النكاح- مثلا- أن يدل الدليل على جواز القياس خصوص النكاح، أو الطلاق أن يدل دليل لذلك، والصحابة- رضوان الله عليهم- اختلفوا في مسألة الحرام:
فمنهم من ألحقه باليمين بالله تعالى- فأوجب فيه كفارة يمين؛ شبها له بالامتناع الناشئ عن اليمين. ومنهم من جعله تشبيها بالتحريم الناشئ، عن الطلاق فيما إذا قال: أنت حرام، أو الحرام يلزمني، وقاسوا الجد على ابن الابن، ويرد عليه أن المعلوم أن الصحابة قاسوا في هذه المواطن،
стр. 3537
أما أن الشرط المذكور حاصل أم لا؟ فلم يدل عليه دليل، فلعلهم اعتبروا هذا الشرط، وهو حاصل، فلم قلتم: إن الأمر ليس كذلك؟.
قوله: "تخصص الشيء بالذكر يدل على نفي الحكم عما ما عداه، ولأنه يبطل فائدة الحصر".
قلنا: هذا اعتماد على المفهوم، والقياس راجح عليه.
***
стр. 3538
الباب الثالث
"في الفرع "
قال الرازي: وشرطه: أن يوجد فيه مثل علة الحكم في الأصل من غير تفاوت ألبتة لا في الماهية، ولا في الزيادة، ولا في النقصان؛ لأن القياس عبارة عن تعدية الحكم من محل إلى محل، والتعدية لا تحصل إلا إذا كان الحكم المثبت في الفرع مثل المثبت في الأصل.
فإن قلت: "هذا يقتضي ألا يكون قياس العكس حجة":
قلت: قد بينا في أول كتاب القياس: أن قياس العكس عبارة عن التمسك بنظم التلازم ابتداء، ثم إنا نثبت مقدمته الشرطية بقياس الطرد.
وأما الأمور التي اعتبرها قوم في الفرع مع أنها ليست معتبرة، فهي ثلاثة:
الأول: قال بعضهم: يجب أن يكون حصول العلة في الفرع معلوما لا مظنونا، وهذا باطل للنص، والحكم، والمعقول:
أما النص: فهو أن عموم قوله تعالى: ﴿فاعتبروا﴾ [الحشر: ٢] يقتضي حذف هذا الشرط.
وأما الحكم: فهو: أن الزنا والسرقة، إذا ظهرا عند القاضي، قضى بوجوب الحد؛ لأن الطريق إليه شهادة الشهود، وهي لا تفيد العلم.
وأما المعقول: فهو أنه إذا حصل ظن كون الحكم معللا بذلك الوصف، ثم
стр. 3539
حصل ظن الثبوت ذلك الوصف في الفرع، حصل ظن أن الحكم في الفرع مثل الحكم في الأصل، والعمل بالظن واجب مطلقا؛ على ما بيناه,
الثاني: قال أبو هاشم: الحكم في الفرع يجب أن يكون مما ثبت جملة حتى يدل القياس على تفصيله، ولولا أن الشرع ورد بميراث الجد؛ وإلا لما استعملت الصحابة القياس في توريثه مع الإخوة؛ وهذا باطل؛ لأن أدلة القياس تحذف هذا القيد.
الثالث: ألا يكون الفرع منصوصا عليه، وهو على قسمين؛ لأن الحكم الذي دل النص عليه: إما أن يكون مطابقا للحكم الذي دل عليه القياس، أو مخالفا:
فإن كان الأول: جاز استعمال القياس فيه عند الأكثرين؛ لأن ترادف الأدلة على المدلول الواحد جائز، ومنعه بعضهم؛ استدلالا بأن معاذا إنما عدل إلى الاجتهاد بعد فقدان النص؛ فدل على أنه لا يجوز استعماله عند وجوده.
وأيضا: فالدليل ينفي جواز العمل بالقياس؛ لكونه اتباعا للظن ﴿وإن الظن لا يغني من الحق شيئا﴾ [النجم: ٢٨] ترك العمل به فيما إذا لم يوجب النص للضرورة؛ فيبقى حال وجود النص على مقتضى الأصل.
الجواب عن الأول: أن قصة معاذ دالة على أن التمسك بالقياس عند فقدان النص جائز، فأما عند وجود النص، فليس فيه دليل لا على جوازه، ولا على بطلانه.
وعن الثاني: ما تقدم مرارا من أن العمل بالقياس ليس على خلاف الدليل.
خاتمة لهذا الباب
ها هنا نوع آخر من القياس يستعمله أهل الزمان؛ وهو أن يقال: "لو ثبت
стр. 3540
الحكم في الفرع، لثبت في الأصل؛ لأن بتقدير ثبوته في الفرع، وجب أن يكون ثبوته لأجل المعنى الفلاني؛ لمناسبته واقتران الحكم به، وذلك المعنى حاصل في الأصل؛ فيلزم ثبوت الحكم فيه.
فثبت أن الحكم، لو ثبت في الفرع، لثبت في الأصل، فلما لم يثبت في الأصل، وجب ألا ثبت في الفرع".
ويمكن أن يذكر ذلك على وجه آخر أشد تلخيصا؛ وهو أن يقال: "ثبوت الحكم في الفرع يفضى إلى محذور؛ فوجب ألا يثبت".
إنا قلنا: إنه يفضى إلى محذور؛ لأنه لو ثبت الحكم في الفرع، لكان إما أن يكون معللا بهذا الوصف الذي يشترك الفرع والأصل فيه، أو لا يكون معللا به.
فإن كان الأول: لزم النقض؛ لأنه غير ثابت في الأصل.
وإن كان الثاني: لزم النقض؛ لأن المناسبة والاقتران دليل العلية، فحصولها بدون العلية يوجب النقض، وهذا آخر كلامنا في القياس، وبالله التوفيق.
الباب الثالث
"في الفرع"
قال القرافي: قوله: "خبر معاذ يدل على التمسك بالقياس عند فقدان النص، أما عند وجوده فلا دليل فيه على عدمه ولا وجوده":
قلنا: بل مفهوم الشرط الذي هو قوله: ﴿فإن لم تجدوا﴾ [المجادلة: ١٢] يقتضى عدم جواز التمسك بالقياس.
"خاتمة"
في قياس يستعمله أهل الزمان، فيقولونّ: لو ثبت الحكم في الفرع لثبت في الأصل:
следующие страницы →