← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

أما على القول القليل المحكي ن بعضهم في التساقط يلزم التساقط هاهنا. قوله: (إذا كان أحدهما عاما، والآخر خاصا، وهما معلومان أو مظنونان، وتأخر الخاص نسخ العام المتقدم): قلنا: عليه سؤالان: الأول: أن شرط النسخ التعارض، والتعارض هاهنا إنما وقع في البعض من العام الذي تناوله الخاص، وما عداه لم يحصل فيه تعارض، فلا نسخ فيه. فإطلاق القول بنسخ العام يقتضي نسخ جملته، وهو باطل. الثاني: أن العام وإن تقدم، لكنه قد لا يعمل به، فيكون قابلا للتخصيص، فيخرج منه أفراد الخاص المتأخر، ولا نسخ بل بيان؛ لأن المراد بالعام المتقدم ما عدا الخاص المتأخر، والتخصيص مهما أمكن الحمل عليه كان أولى من النسخ. أما إذا علم بالعام المتقدم تعذر أن يقال: إن الخاص بيان له، بل نسخ لما وقع فيه التعارض، وهو أفراد الخاص. هذا على القول بامتناع تأخير البيان عن وقت الحاجة المبني على امتناع تكليف ما لا يطاق، والحق جواز تكليف ما لا يطاق، فيجوز التخصيص مطلقا، ويبطل النسخ مطلقا. إلا أن يعلم الإرادة بجميع أفراد العموم. أما مجرد العمل به غير كاف على هذه الطريقة مع أن المصنف في بناء العام على الخاص حكى عن الأصحاب بناء العام على الخاص، وتقدم أو تأخر. وهاهنا ترك ذلك، وكان اللائق ملاحظة ما تقدمت حكايته. قوله: (إن جهل التاريخ، فالتوقف عند الحنفية):

стр. 3607

تقريره: أنه يجوز أن يكون العام متأخرا، فيكون ناسخا للخاص المتقدم على قاعدتهم أو متقدما، وقد عمل به، فيكون الخاص ناسخا، أو متقارنين، فيكون الخاص مخصصا، فقد دار الخاص بين أن يكون ناسخا أو منسوخا أو مخصصا، وكذلك العام دائر بين أن يكون ناسخا أو منسوخا، فيجب التوقف. غير أنه ينبغي أن يقال: الأفراد التي في العام لم يتناولها الخاص، فصار العام بها عاما لم يحصل فيها تعارض، فينبغي عدم التوقف فيها. إنما حصل التعارض في الأفراد التي يتناولها الخاص، وأيضا فقد يعلم عدم العلم بالعام، فلا يكون الخاص ناسخه. فإطلاق القول بالتوقف لمجرد الجهل بالتاريخ غير سديد. قوله: (اتفقوا بالتوقف تقديم المعلوم على المظنون، إلا إذا كان المعلوم عاما ووردا معا): تقريره: أنه إذا كان الخاص هو المعلوم بأن فرض تقدمه، خصص العموم المتأخر المظنون، أو تأخره فإن لم يعمل بالعام خصصه، أو عمل به نسخه؛ لأنه أقوى منه، أو معا خصصه مقدم الخاص المعلوم على العام المظنون مطلقا. أما إذا كان المعلوم هو العام، فإن تأخر عن الخاص نسخه عند الحنفية حينئذ. وعندنا يخصصه، فلا إجماع في تقديم المعلوم؛ لأنا نقدم المظنون على العام المعلوم. وإن وردا معا قدم المظنون الخاص على العام المعلوم، فيخصصه، فلا إجماع.

стр. 3608

فلذلك استثنى هذه الصورة عن الإجماع في تقديم المعلوم فيها على المظنون. (سؤال) قال النقشواني: (قوله: إن كان مدلولهما غير قابل للنسخ يتساقطان، ويرجع إلى دليل آخر) لا يستقيم، بل يمتنع العمل بالمتأخر، ويعمل بالمتقدم كما كان قبل ورود المتأخر؛ لعدم صلاحية المتأخر للنسخ. (سؤال) قال النقشواني: (قوله في المعلومين: إن أمكن التخيير بينهما تعين)، يرد عليه: أنه لم يذكر حكم تعذر التخيير بينهما، والقول بالتخيير يفضي إلى ترك العمل بكل واحد منهما؛ ولأن مدلول أحدهما إذا لم يكن قابلا للنسخ كالأخبار والآيات الواردة في صفات الله- تعالى- فيتعين العمل بأحدهما عينا، ويترك الآخر، فلا تخيير. (سؤال) قال النقشواني: قوله: (إن جهل التاريخ وجب الرجوع إلى غيرهما). يرد عليه: أن التخيير عنده علم بكل واحد من الدليلين بحسب الإمكان، فيكون هاهنا أولى من تركهما مطلقا كما في البيتين؛ لأنه لا فرق في البينات بين العلم بمقارنتهما، وبين جهل التاريخ بينهما. فكذلك هاهنا. وقوله: (إن كل واحد منهما قد يكون متأخرا، فيكون ناسخا) يرد عليه: أن المدلول قائم، فلا يكون قابلا للنسخ). (سؤال) قال النقشواني: إذا كانا مظنونين، ولم يعلم التاريخ، وتساويا في القوة، فقد احتمل في كل واحد منهما أن يكون ناسخا بان كان متأخرا.

стр. 3609

وقد حكم في هذا الاحتمال في المعلومين بالتساقط، فلم لا يحكم به هاهنا؟ لأجل احتمال النسخ؛ فإنه إن كان موجبا للتساقط تعين هاهنا عملا بالواجب، أو لا يكون موجبا، فلا يحكم بالتساقط في المعلومين مع أن طرح المعلوم أشد. وقد حكم به، مع أنه يمكن الترجيح في المعلومين؛ لأن المراد بالمعلوم معلوم السند، وقد يكون للعاملين عوارض نجد كون أحدهما مخصوصا دون الآخر، أو أحدهما أكثر قبولا للتخصيص من الأخر لكثرة صوره، أو لفظ التعميم في أحدهما (لام) التعريف، وفي الآخر (كل) و (أجمع). أو أحدهما مذكورا بـ (ما)، والآخر بـ (كل)، ولفظ (كل) هو أقوى دلالة على العموم. وقد تكون دلالة أحدهما نصا، والآخر ظاهرا، والسند معلوم فيهما، فمتى وقع التعارض بين معلومين، أو مظنونين وقع الترجيح بهذه الأمور، أو بين مقطوع ومظنون، ودلالة المقطوع ظاهرة، والمظنون نص؛ لأن ما في أحدهما من القوة يصير جابرا لما فيه من الضعف، فيتعادلان. وعلى هذا لا يكون تقسيم المصنف حاصرا. وبهذا يظهر أن قوله: (إن كان خاصين، فالتفصيل فيه كما في العامين) لا يتم على ما ذكرناه من أن العامين فيهما وجوه من الترجيح كما تقدم. ولا تنافى في الخاصين من جهة الاختلاف في صيغ العموم كما تقدم. (سؤال) قال النقشواني: لم يحكم في القسم الثالث بالتساقط، مع أن على رأي القائلين بالنسخ ينبغي التساقط؛ لاحتمال النسخ في كل واحد منهما، ويجب

стр. 3610

الرجوع إلى غيرهما كما قاله فيما تقدم من الأقسام، وحيث حكم بالتخيير مطلقا، كان مناقضا لما تقدم. (تنبيه) قال التبريزي: إذا تعارضا فإما أن يكونا عامين، أو خاصين، أو أحدهما عام مطلقا أو من وجه، وعلى الأقسام كلها، فإما ان يكونا معلومين أو مظنونين، أو أحدهما معلوم والآخر مظنون في التناول فحسب. وفي نسخة: (في الدلالة فحسب)، وهو معنى التناول. ثم قال: وعلى الأقسام إما أن يعلم المتقدم عينا أو لا، فهذه أربعة وعشرون قسما تتشعب من الأربعة الأقسام، وذكر الترجيح والأحكام التي ذكرها المصنف إلى أخرها. ثم قال: هذا بالنظر إلى أعيان الأدلة. أما بالنظر إلى أجناسها، فلا ترجيح إلا للإجماع، ويقدم مظنونه على مظنون النقد عند من يراه حجة. قلت: قوله في التناول أو الدلالة باطل. فإن البحث هاهنا في المعلومين والمظنونين، إلا بحسب السند؛ فإنه يكون متواترا معلوما أو آحادا مظنونا، أما الدلالة فظنية قطعا في صيغ العموم، فكيف يصح تقسيمها إلى [معلومة] الدلالة؟ أما بحسب السند فيصح أن يكون معلوما، فلذلك صح التقسيم إلى المعلوم منه في العموم إلا أن يريد أن العموم قد يعلم أنه مراد من العام بأمر خارجي من القرائن، أو غيرها كما يعلم أن العموم مراد من قوله تعالى: ﴿والله بكل شيء عليم﴾ [التغابن: ١١]، وكذلك وجدته على بعض الحواشي في نسخة من نسخ التنقيح لبعض المشايخ، ومع هذا فلا يتم، ولا يصلح؛

стр. 3611

لأن العلم بإرادة العموم لا مدخل له في دلالة اللفظ، ولا مصير لها قطعية، ولا إن كانت مفقودة، ألا ترى أن المجمل قد يعلم المراد منه بدليل منفصل، ومع ذلك لا يصير اللفظ دالا بذلك. كما أن الدال إذا قطع بعدم سماعه بعدم إرادة مدلوله لا يطل دلالته؛ لأن الدلالة هي إشعار اللفظ بالمعنى عند سماعه، وذلك لا يزيد بالأدلة الخارجية. ولا يبطل كما تقول: إن عموم قوله تعالى: ﴿تدمر كل شيء﴾ [الأحقاف: ٢٥] غير مراد بالضرورة، ومع ذلك لا يبطل إشعار اللفظ بالاستغراق، فظهر أن دلالة العموم لا تصير قطعية أبدا، وإن قطع بإرادة العموم. وقال تاج الدين في قوله في آخر المسألة مع تخصيص الكتاب والخبر المتواتر بخبر الواحد. وهو كتخصص الكتاب بخبر الواحد، وقد تكلمنا فيه. وقال في (المنتخب): مثل تخصيص الكتاب، والخبر المتواتر بخبر الواحد، ولم يذكر ضعفه مع تنبيه يقتضي هذه المسألة أن تتوزع أربعة وعشرين نوعا، كما أشار إليه التبريزي أنها أربعة وعشرون. ونتكلم على كل مسألة يحكها، وحينئذ يكمل البحث فيها، وإلا فلا. * * *

стр. 3612

القسم الثالث في تراجيح الأخبار قال الرازي: ترجيح الخبر: إما أن يكون بكيفية إسناده أو بوقت وروده، أو بلفظه، أو بحكمه، أو بأمر خارج عن ذلك: القول في التراجيح الحاصلة في الإسلام واعلم: أن الترجيح إما أن يقع بكثرة الرواة؛ أو بأحوالهم: أما الواقع بكثرة الرواة: فمن وجهين: أحدهما: أن الخبر الذي رواته أكثر راجح على الذي لا يكون كذلك، وقد تقدم بيانه. الثاني: أن يكون أحدهما أعلى إسنادا؛ فإنه مهما كانت الرواة أقل، كان احتمال الكذب والغلط أقل، ومهما كان ذلك أقل، كان احتمال الصحة أظهر، وإذا كان أظهر، وجب العمل به. فعلو الإسناد راجح من هذا الوجه؛ لكنه مرجوح من وجه أخر، وهو كونه نادرا. أما التراجيح الحاصلة بأحوال الرواة، فهي: إما العلم، أو الورع، أو الذكاء، أو الشهرة، أو زمان الرواية، أو كيفية الرواية: أما التراجيح الحاصلة بالعلم، فهي على وجوه:

стр. 3613

أحدها: أن رواية الفقيه راجحة على رواية غير الفقيه. وقال قوم: هذا الترجيح؛ إنما يعتبر في خبرين مرويين بالمعنى؛ أما المروي باللفظ، فلا. والحق أنه يقع به الترجيح مطلقا؛ لأن الفقيه يميز بين ما يجوز، وبيم ما لا يجوز، فإن حضر المجلس، وسمع كلاما لا يجوز إجراؤه على ظاهره، بحث عنه، وسأل عن مقدمته، وسبب وروده؛ فحينئذ: يطلع على الأمر الذي يزول به الإشكال. أما من لم يكن عالما: فإنه لا يميز بين ما يجوز، وبين ما لا يجوز فينقل القدر الذي سمعه، وربما يكون ذلك القدر وحده سببا للضلال. وثانيها: إذا كان أحدهما أفقه من الآخر، كانت رواية الأفقه راجحة؛ لأن الوثوق باحتراز الأفقه عن ذلك الاحتمال المذكور أتم من الوثوق باحتراز الأضعف منه. وثالثها: إذا كان أحدهما عالما بالعربية، كانت روايته راجحة على من لا يكون كذلك؛ لأن الواقف على اللسان يمكنه من التحفظ من مواضع الزلل، ما لا يقدر عليه غير العالم به. ويمكن أن يقال: بل هو مرجوح؛ لأن الواقف على اللسان يعتمد على معرفته؛ فلا يبالغ في الحفظ؛ اعتمادا على خاطره والجاهل باللسان يكون خائفا، فيبالغ في الحفظ. ورابعها: رواية الأعلم بالعربية راجحة على رواية العالم بها؛ والوجه ما تقدم في الأفقه.

стр. 3614

وخامسها: أن يكون أحدهما صاحب الواقعة في ما يروي، فيكون خبره راجحا؛ ولهذا أوجبنا الغسل بالتقاء الختانين؛ بحديث عائشة- ﵂ في ذلك، ورجحناه على رواية غيرها عن النبي ﷺ : (الماء من الماء) لأن عائشة كانت أشد علما بذلك. ورجح الشافعي رواية أبي رافع، على رواية ابن عباس في تزويج ميمونة؛ لأن أبا رافع كان السفير في ذلك؛ فكان أعرف بالقصة. وسادسها: رواية من مجالسته للعلماء أكثر، أرجح. وسابعها: رواية من مجالسته للمحدثين أكثر، أرجح. وثامنها: أن يكون طريق إحدى الروايتين أقوى؛ وذلك إذا روى ما يقل اللبس؛ كما إذا روى أنه شاهد زيدا ببغداد وقت السحر، والآخر يروي أنه شاهده وقت الظهر بالبصرة؛ فطريق هذا أظهر، والاشتباه على الأول أكثر. أما التراجيح الحاصلة بالورع، فهي على وجوه: أحدها: رواية من ظهرت عدالته بالاختبار- راجحة على رواية مستور الحال عند من يقبلها. وثانيها: رواية من عرفت عدالته بالاختبار- أولى من رواية من عرفت عدالته بالتزكية؛ إذ ليس الخبر كالمعاينة. وثالثها: رواية من عرفت عدالته بتزكية جمع كثير- أولى من رواية من عرفت عدالته بتزكية جمع قليل. ورابعها: رواية من عرفت عدالته بتزكية من كان أكثر بحثا في أحوال الناس، واطلاعا عليها- أولى من رواية من عرفت عدالته بتزكية من لم يكن كذلك.

стр. 3615

وخامسها: رواية من عرفت عدالته بتزكية الأعلم الأورع أولى من رواية من عرفت عدالته بتزكية العالم الورع. وسادسها: رواية من عرفت عدالته بتزكية المعدل؛ مع ذكر أسباب العدالة- أولى من رواية من زكاه المعدل، بدون ذكر أسباب العدالة. وسابعها: المزكى، إذا زكى الراوي، فإن عمل بخبره، كانت روايته راجحة على ما إذا زكاه، وروى خبره. وثامنها: رواية العدل الذي لا يكون صاحب البدعة- أولى من رواية العدل المبتدع، سواء كانت تلك البدعة كفرا في التأويل، أو لم تكن. أما التراجيح الحاصلة بسبب الذكاء، فهي على وجوه: أحدها: رواية الأكثر تيقظا، والأقل نسيانا- راجحة على رواية من لا يكون كذلك. وثانيها: إذا كان أحدهما أشد ضبطا؛ لكنه أكثر نسيانا، والآخر يكون أضعف ضبطا؛ لكنه أقل نسيانا، ولم تكن قلة الضبط، وكثرة النسيان، بحيث تمنع من قبول خبره؛ على ما بينا في الأخبار- فالأقرب التعارض. وثالثها: أن يكون أحدهما أقوى حفظ لألفاظ الرسول ﷺ من غيره؛ فإن الحجة بالحقيقة ليست إلا في كلام الرسول- ﵊. ورابعها: أن يجزم أحدهما ﷺ ، ويقول الآخر: (كذا قال فيما أظن). وخامسها: أن يكون الراوي قد اختلط عقله في بعض الأوقات، ثم لا يعرف أنه روى هذا الخبر حال سلامة العقل، أو حال اختلاطه.

стр. 3616

وسادسها: إذا كان أحدهما حفظ لفظ الحديث، والآخر عول على المكتوب، فالأول أولى؛ لأنه أبعد عن الشبهة، وفيه احتمال. أما التراجيح الحاصلة بسبب شهرة الراوي، فأمور: أحدها: أن يكون من كبار الصحابة؛ لأن دينه، لما منعه عن الكذب، فكذا منصبه العالي يمنعه عنه؛ ولذلك كان علي- ﵁ يحلف الرواة، وكان يقبل رواية الصديق من غير التحليف. وثانيها: صاحب الاسمين مرجوح بالنسبة إلى صاحب الاسم الواحد. وثالثها: رواية معروف النسب راجحة على رواية مجهول النسب. ورابعها: أن يكون في رواة أحد الخبرين رجال تلتبس أسمائهم بأسماء قوم ضعفاء، ويصعب التمييز؛ فيرجح عليه الخبر الذي لا يكون كذلك. أما التراجيح الراجعة إلى زمان الرواية، فأمور: أحدها: إذا كان قد اتفق لأحدهما رواية الحديث في زمان الصبا، وغير زمان الصبا- فروايته مرجوحة بالنسبة إلى رواية من لم يرو إلا في زمان البلوغ. وثانيها: إذا كان أحدهما قد تحمل الحديث في الزمانين، ولم يرو إلا في حالة البلوغ، فهو مرجوح بالنسبة إلى من لم يتحمل، ولم يرو إلا في الكبر. وثالثها: من احتمل فيه هذان الوجهان كان مرجوحا بالنسبة إلى من لم يوجد ذلك فيه. أما التراجيح العائدة على كيفية الرواية، فأمور.

стр. 3617

أحدها: أن يقع الخلاف في أحدهما: أنه موقوف على الراوي، أو مرفوع إلى الرسول ﷺ ، فالمتفق على كونه مرفوعا أولى. وثانيها: أن يكون أحد الخبرين منسوبا إليه قولا، والآخر اجتهادا؛ بأن يروي أنه وقع ذلك في مجلس الرسول ﷺ فلم ينكر عليه. فالأول أولى؛ لأنه أقل احتمالا. وثالثها: أن يذكر أحدهما سبب نزول ذلك الحكم، ولم يذكره الآخر، فيكون الأول راجحا؛ لأنه يدل على أنه كان له من الاهتمام بمعرفة ذلك الحكم ما لم يكن للآخر. ورابعها: أن يروي أحدهما الخبر بلفظه، والآخر بمعناه، أو يحتمل أن يكون قد رواه بمعناه، فالأول أولى. وخامسها: أن يروي أحدهما حديثا يعضد الحديث الأول، فيترجح على ما لا يكون كذلك. وسادسها: إذا أنكر راوي الأصل، فقد ذكرنا فيه تفصيلا، وكيف كان، فهو مرجوح بالنسبة إلى ما لا يكون كذلك. وسابعها: لو قبلنا المرسل، فإذا أرسل أحدهما، وأسند الآخر، فعندنا المسند أولى. وقال عيسى بن أبان: المرسل أولى. وقال القاضي عبد الجبار: يستويان. لنا: أنه إذا أرسل، فعدالته معلومة لرجل واحد، وهو الذي يروي عنه، وإذا

стр. 3618

أسند، صارت عدالته معلومة للكل؛ لأنه يكون كل واحد متمكنا من البحث عن أسباب جرحه وعدالته، ولا شك أن من لم تظهر عدالته إلا لرجل واحد يكون مرجوحا بالنسبة إلى من ظهرت عدالته لكل أحد؛ لاحتمال أن يكون قد خفي حال الرجل على إنسان واحد؛ ولكن يبعد أن يخفى حاله على الكل؛ فثبت أن المسند أولى. احتج المخالف بأمرين: الأول: أن الثقة لا يقول: (قال الرسول ذلك) فيحكم عليه بالتحليل والتحريم، ويشهد به إلا وهو قاطع، أو كالقاطع بذلك؛ بخلاف ما إذا أسند الحديث، وذكر الواسطة؛ فإنه لم يحكم على ذلك الخبر بالصحة، فلم يزد على حكاية أن فلانا زعم أن الرسول- ﵊ قال ذلك؛ فكان الأول أقوى. الثاني: روي أن الحسن قال: (إذا حدثني أربعة نفر من أصحاب رسول الله ﷺ بحديث، تركتهم وقلت: قال رسول الله ﷺ ). فأخبر عن نفسه أنه لا يستجيز هذا الإطلاق إلا عند فرط الوثوق. والجواب عن الأول: أن قول الراوي: (قال رسول الله ﷺ ) لا يمكن إجراؤه على ظاهره؛ لأنه يقتضي الجزم بصحة خبر الواحد، وهو جهل، وغير جائز؛ فوجب حمله على أن المراد منه: (أني أظن أن رسول الله ﷺ قال) وإذا كان كذلك، كان الإسناد أولى من الإرسال؛ لأن في الإسناد يحصل ظن العدالة للكل، وفي الإرسال لا يحصل ذلك الظن إلا للواحد، وهذا هو الجواب بعينه عن الوجه الثاني.

стр. 3619

فرعان: الأول: لو صح رجحان (المرسل) على (المسند) فإنما يصح لو قال الراوي: (قال رسول الله ﷺ ) أما إذا لم يقل ذلك، بل قال: (عن النبي ﷺ ) فالأظهر أنه لا يترجح؛ لأنه في معنى قوله: (روي عن الرسول). الثاني: رجح قوم بالحرية والذكورة؛ قياسا على الشهادة، وفيه احتمال. [القسم الثالث] القول في الترجيح بالسند قال القرافي: قوله: (صاحب الاسم مقدم على صاحب الاسمين): تقريره: أن صاحب الاسمين يقرب اشتباهه بغيره ممن ليس بعدل بأن يكون هنالك غير عدل يسمى بأحد اسميه، فتقع الراوية عن ذلك الذي ليس بعدل، فيظن السامع أن هذا العدل. فإذا كان اسمه واحدا، قل احتمال اللبس. وكلما كثرت الأسماء، كثر احتمال اللبس. قوله: (رواية معلوم النسب مقدمةّ): تقريره: أن معلوم النسب يذكر نسبه مع اسمه، فيقوى تمييزه، ومجهول النسب يقتصر على اسمه، فيضعف تمييزه، ويقرب اللبس منه. أما إذا اقتصر على اسم المشهور دون نسبه بطل هذا الترجيح، وبقى أن يقال: مجهول النسب ربما وقع في ذكر نسبه مع اسمه تلبس يوجب إيهام غيره ممن ليس بعدل، فكان نوعا من الخلل سلم عنه معلوم النسب. قوله: (قول الراوي: قال رسول الله- ﷺ لا يمكن إجراؤه على ظاهره؛ لأنه يقتضي الجزم بصحة خبر الواحد، وهو جهل):

стр. 3620

قلنا: لا نسلم أنه يقتضي الجزم؛ فإن قوله: قال رسول الله- ﵇ يقتضي إسناد القول لرسول الله- ﵇ والإسناد أعم من كونه مع الجزم أو بدون، كما تقدم أول الكتاب تقسيم حكم الذهن بأمر على أمر إلى العلم والظن وغيرهما، والدال على الأعم غير دال على الأخص، ثم إن هذا مشترك في السند؛ فإنه لا يحصل الجزم؛ لأنه خبر واحد، وعدالة الرواة غير معلومة، والمستفاد من الظن ظن، فكلاهما على هذا التقدير محتاج للتأويل، بل قد يجزم مع الإرسال أكثر بأن يكون الراوي المسكوت عنه أقوى عدالة عنده من الراوي المصرح باسمه؛ لأن الكلام هاهنا في الراوي لا في السامع، والراوي يعلم حال المرسل عنه، كما يعلم المسند حال المسند عنه. قوله: (رجح قوم بالحرية والذكورة قياسا على الشهادة): قال: وفيه احتمال. تقريره: أن باب الشهادة أشد؛ لقوة احتمال العداوة فيه للمشهود عليه باطنا، ونحن لا نعلم، وعداوة الخلق إلى يوم القيامة في رواية الحديث في غاية الندور، فلذلك احتيط في الشهادة بالعدد وغيره. ومع هذا الفرق ينقطع الإلحاق أو يقال: إنما ذكرت هذه الأوصاف في معرض الترجيح لا معنى الشرطية، وهي أوصاف كمال؛ لأن الحرية توجب شرف النفس، [فيبعد] عن الكذب، والذكورة مظنة وفور العقل، ووفور العقل مظنة التثبت وعدم الغلط. فكانت هذه الأوصاف مرجحة. وهذا متجه أكثر من الأول. (سؤال) قال النقشواني: بقى قسم في الإسناد لم يتعرض له، وهو كيفية الإسناد.

стр. 3621

نحو قول الراوي: أخبرني، أو حدثني، أو سمعت فلانا يحدث، أو أجاز لي رواية هذا الكتاب عنه، أو ناولني هذا الكتاب. فإنها أمور مختلفة الرتب يقع بها الترجيح. ثم الترجيح بكثرة الرواة قسمان: أحدهما: يوجب الرجحان دون الآخر؛ فإن الجمع العظيم إذا سمعوا عن النبي- ﷺ ونقل عن كل واحد منهم جمع عظيم أيضا، كان ذلك يوجب الرجحان، وكثرة الرواة باعتبار طول السند يوجب المرجوحية، فكان الأولى بالمصنف أن يذكر هذا التفصيل في كثرة الرواة. (سؤال) قال النقشواني: دعواه الندرة في علو الإسناد ليست على الإطلاق ، بل نقل الصحابي للتابعي بغير واسطة ليس نادرا، وكذلك التابعي لتابع التابعي. * * *

стр. 3622

القول في التراجيح الراجعة إلى حال ورود الخبر قال الرازي: وهي ثمانية: الأول: أن تكون إحدى الآيتين، أو الخبرين مدنيا، والآخر مكيا، فالمدني مقدم؛ لأن الغالب في المكيات ما كان قبل الهجرة، والمدني لا محالة مقدم عليه، أما المكيات المتأخرة عن المدنيات، فقليلة، والقليل ملحق بالكثير؛ فيحصل الرجحان. الثاني: الخبر الذي يظهر وروده بع قول الرسول-﵊ وعلو شأنه، راجح على الخبر الذي لا يدل على ذلك؛ لأن علو شأنه كان في آخر أمره ﷺ ، فالخبر الوارد في هذا الوقت، حصل فيه ما يقتضي تأخره عن الأول. والأولى أن يفصل؛ فيقال: إن دل الأول على علو الشأن، والثاني على الضعف- ظهر تقديم الأول على الثاني. أما إذا لم يدل الثاني، لا على القوة، ولا على الضعف- فمن أين يجب تقديم الأول عليه؟. الثالث: أن يكون راوي أحد الخبرين متأخر بالإسلام، فيقدم الأول؛ لأنه أظهر تأخرا. والأولى أن يفصل؛ فيقال: المتقدم إذا كان موجودا مع المتأخر- لم يمتنع أن تكون روايته متأخرة عن رواية المتأخر.

стр. 3623

وأما إذا علمنا أنه مات المتقدم قبل إسلام المتأخر، أو علمنا أن أكثر روايات المتقدم متقدم على رواية المتأخر- فها هنا نحكم بالرجحان؛ لأن النادر يلحق بالغالب. الرابع: أن يحصل إسلام الراويين معا؛ كإسلام خالد، وعمرو بن العاص، لكن يعلم أن سماع أحدهما بعد إسلامه، ولا يعلم ذلك في سماع الآخر، فيقدم الأول؛ لأنه أظهر تأخرا. الخامس: أن يكون أحد الخبرين مؤرخا بتاريخ محقق، والآخر يكون خاليا عن التاريخ؛ فيقدم الأول؛ لأنه أظهر تأخرا. مثاله: ما روي أنه- علبه الصلاة والسلام- في مرضه الذي توفى فيه (خرج فصلى بالناس قاعدا، والناس قيام). فهذا يقتضي جواز اقتداء القائم بالقاعد. وقد روي: أنه- ﵊ قال: (إذا صلى الإمام قاعدا، فصلوا قعودا أجمعين) وهذا يقتضي عدم جواز ذلك؛ فرجحنا الأول؛ لأنه كان في آخر أحوال النبي- ﵊. وأما الثاني، فيحتمل أنه كان قبل المرض. السادس: أن يكون أحدهما مؤقتا بوقت متقدم، والآخر يكون خاليا عن الوقت، فيقدم الخالي؛ لأنه أشبه بالمتأخر. السابع: أن تكون حادثة كان الرسول ﷺ يغلظ فيها؛ زجرا لهم عن العادات القديمة، ثم خفف فيها نوع تخفيف؛ فيرجح التخفيف على التغليظ؛ لأنه أظهر

стр. 3624

تأخرا، وهذا ضعيف؛ لاحتمال أن يقال: (بل يرجح التغليظ على التخفيف؛ لأنه- ﵊ ما كان يغلظ إلا عند علو شأنه، وذلك متأخر). الثامن: عمومان متعارضان: أحدهما وارد إبتداء، والآخر على سبب، فالأول أولى؛ لأن من الناس من قال: الوارد على السبب يختص به، ولا يعم، لكن ذلك، وإن لم يجب، فلا أقل من أن يفيد الترجيح. واعلم: أن هذه الوجوه في التراجيح ضعيفة، وهي لا تفيد إلا خيالا ضعيفا في الرجحان. (القول في الترجيح بحال ورود الخبر) قال القرافي: قوله: (الغالب في الآيات المكيات ما كان قبل الهجرة): تقريره: أن المكي قد يكون بعد المدني، كوقوعه في حجة الوداع بـ (مكة) لكنه قليل بالنسبة إلى غيره. قوله: (أما إذا لم يدل الثاني على القوة، ولا على الضعف من أين يجب تقديم الأول عليه)؟: قلنا: الأول غير محتمل للضعف. والثاني يحتمله، والسالم عن الاحتمال مقدم على المحتمل. وهذا السؤال أيضا على قوله في الثالث بعدها: إن الراوي إذا كان موجودا مع المتأخر لم يمتنع أن تكون روايته متأخرة عن رواية المتأخر الإسلام؛ لأنا نقول: التقدير أن روايته علم تأخرها عن إسلام المتأخر الإسلام، فلا احتمال فيه، بخلاف الآخر فيه الاحتمالان قائمان، ويعضد هذا السؤال في جميع هذه الموارد.

стр. 3625

قوله: (إذا أسلما معا، وعلم بآخر سماع أحدهما بعد إسلامه أنه تقدم على من جهل حاله؛ لقيام الاحتمال)، وكذلك قوله في المؤرخ ومتروك التاريخ. (فائدة) قال سيف الدين: رواية متقدم الإسلام مقدمة لقوة أصالته في الإسلام ، فهو أشرف قدرا، والوارد على سبب مقدم على غيره إن كان التعارض في ذلك السبب؛ لأن سببه أولى، ويقدم عليه غيره إن كان التعارض في غير السبب. قلت: وهذا تفصيل حسن، ونقل ما نقل الإمام فيه (المحصول) من أن رواية متأخر الإسلام مقدمة على متقدم الإسلام. وطريق الجمع بين قوليه إذا علم تأخر رواية متقدم الإسلام، رجحت بقدم هجرته، وإن جهل تقدمها وتأخرها، قدم المتأخر الإسلام، فهذا وجه الجمع. * * *

стр. 3626

القول في التراجيح الراجعة إلى اللفظ (وهي من وجوه) قال الرازي: الأول: أن يكون اللفظ في أحدهما بعيدا عن الاستعمال، وفيه ركاكة، والآخر فصيح. فمن الناس: من رد الأول؛ لأنه- ﵊ كان أفصح العرب؛ فلا يكون ذلك كلاما له. ومنهم: من قبله؛ وحمله على أن الراوي رواه بلفظ نفسه، وكيف ما كان؛ فأجمعوا على ترجيح الفصيح عليه. وثانيها: قال بعضهم: يقدم الأفصح على الفصيح، وهو ضعيف؛ لأن الفصيح لا يجب في كل كلامه أن يكون كذلك. وثالثها: أن يكون أحدهما عاما، والآخر خاصا، فيقدم الخاص على العام. وقد تقدم دليله في (باب العموم). ورابعها: أن يكون أحدهما حقيقة، والآخر مجازا، فتقدم الحقيقة؛ لأن دلالتها أظهر، وهذا ضعيف؛ لأن المجاز الغالب أظهر دلالة من الحقيقة؛ فإنك لو قلت: (فلان بحر) فهو أقولا دلالة من قولك: (فلان سخي). وخامسها: أن يكونا حقيقتين، إلا أن أحدهما أظهر في المعنى؛ إما لكثرة ناقليه، أو لكون ناقله أقوى وأتقن من ناقل غيره، ويجري ها هنا كل ما ذكرناه في ترجيح الخبر؛ نظرا إلى حال الراوي.

стр. 3627

وسادسها: أن يكون وضع أحدهما لمسماه متفقا عليه، ووضع الآخر مختلفا فيه. وسابعها: أن الذي يكون محتاجا إلى الإضمار مرجوح بالنسبة إلى الذي لا يحتاج إليه. وثامنها: الذي يدل على المقصود بالوضع الشرعي، أو العرفي-أولى مما يدل عليه بالوضع اللغوي. وها هنا تفصيل؛ فإن اللفظ الذي صار شرعيا: حمله على المعنى الشرعي أولى من حمله على اللغوي. فأما الذي لم يثبت ذلك فيه؛ مثل أن يدل أحد اللفظين بوضعه الشرعي على حكم، واللفظ الثاني بوضعه اللغوي على حكم، وليس للشرع في هذا اللفظ اللغوي عرف شرعي، فلا نسلم ترجيح الشرعي على هذا اللغو؛ لأن هذا اللغوي، إذا لم ينقله الشرع، فهو لغوي عرفي شرعي. وأما الثاني، فهو شرعي، وليس بلغوي، ولا عرفي، والنقل على خلاف الأصل؛ فكان اللغوي أولى. وتاسعها: إذا تعارض مجازان، فالذي يكون أكثر شبها بالحقيقة، أولى، وأيضا: إذا تعارض خبران، ولا يمكن العمل بأحدهما إلا بمجازين، والآخر يمكن العمل به بمجاز واحد، كان هذا راجحا على الأول؛ لأنه أقل مخالفة للأصل. وعاشرها: أن يكون أحدهما دخله التخصص، والآخر لم يدخله

стр. 3628

التخصيص؛ فالذي لم يدخله التخصيص، يقدم على الأول؛ لأن الذي دخله التخصيص، قد أزيل عن تمام مسماه، والحقيقة مقدمة على المجاز. وحادي عشرها: أن يدل أحدهما على المراد من الوجهين، والآخر من وجه واحد، يقدم الأول؛ لأن الظن الحاصل منه أقوى. وثاني عشرها: أن يكون أحد الحكمين مذكورا مع علته، والآخر ليس كذلك؛ فالأول أقوى. ومن هذا القبيل: أن يكون أحدهما مقرونا بمعنى مناسب، والآخر يكون معلقا بمجرد الاسم فيكون الأول أولى. وثالث عشرها: أن يكون أحدهما تنصيصا على الحكم، مع اعتباره بمحل آخر، والآخر ليس كذلك- يقدم الأول في المشبه به جميعا؛ لأن اعتبار محل بمحل إشارة إلى وجود علة جامعة. مثاله: قول الحنفية في قوله-﵊: (أيما إهاب دبغ، فقد طهر) كالخمر تخلل فتخل، رجحناه في المشبه على قوله-﵊: (لا تنتفعوا من الميتة بإهاب، ولا عصب) وفي المشبه به في مسألة تحليل الخمر على قوله: (أرقها). ورابع عشرها: أن تكون دلالة أحدهما مؤكدة، ودلالة الأخرى لا تكون مؤكدة فتقدم الأولى؛ كقوله-﵊: (فنكاحها باطل، باطل، باطل). وخامس عشرها: أن يكون أحدهما تنصيصا على الحكم، مع ذكر المقتضي لضده؛ كقوله-﵊: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها). يقدم على ما ليس ذلك؛ لأن اللفظ يدل على ترجيح ذلك على ضده،

стр. 3629

ولأن تقديمه يقتضي النسخ مرة، وتقديم ضده يقتضي النسخ مرتين، فيكون الأول أولى. وسادس عشرها: يقدم أن يكون أحد الدليلين مقرونا بنوع تهديد؛ فإنه على ما لا يكون كذلك؛ كقوله- ﵊: (من صام يوم الشك، فقد عصي أبا القاسم). وكذا القول، لو كان التهديد في أحدهما أكثر. وسابع عشرها: أن يكون أحد الدليلين يقتضي الحكم بواسطة، والآخر يقتضيه بغر واسطة، فالثاني يرجح على الأول؛ كما إذا كانت المسألة ذات صورتين، فالمعلل إذا فرض الكلام في صورة، وأقام الدليل عليه، فالمعترض إذا أقام الدليل على خلافه في الصورة الثانية، ثم توسل إلى الصورة الأخرى بواسطة الإجماع، فيقول المعلل: (دليلي راجح على دليلك؛ لأن دليلي بغير واسطة، ودليلك بواسطة، فيكون الترجيح معي؛ لأن كثرة الوسائط الظنية تقتصي كثرة الاحتمالات، فيكون مرجوحا بالنسبة إلى ما يقل الاحتمال فيه). وثامن عشرها: المنطوق مقدم على المفهوم، إذا جعلنا المفهوم حجة؛ لأن المنطوق أقوى دلالة على الحكم من المفهوم. (القول بالترجيح باللفظ) قال القرافي: قوله: (ترجيح الحقيقة على المجاز ضعيف؛ لأن المجاز الغالب أظهر دلالة من الحقيقة؛ لأن قولنا: (فلان بحر) أقوى من دلالة قولنا: (سخي). قلنا: المجاز الغالب حقيقة عرفية، فيرجح من جهة أنه حقيقة ناسخة للحقيقة اللغوية، والناسخ مقدم على المنسوخ

стр. 3630

ثم تمثيله بالبحر والسخي ليس من المجاز الغالب؛ فقد تردد قوله: (فإن كان مراده ما دل عليه مثاله)، فليكن كلامه أن المجاز أظهر في المبالغة، ولا يذكر لفظ الغلبة، وإن كان مراده المجاز الغالب، فليأت بمثال من الحقائق العرفية، أو الشرعية؛ فإنها [للمجازات] الغالبة، أما الجمع بين هذه الدعوى، وبين هذا المثال فمتنافر. قوله: (الدال بالوضع الشرعي، أو العرفي أولى مما يدل بالوضع اللغوي): تقريره: أن الوضع الشرعي والعرفي ناسخان للوضع اللغوي؛ لطروئهما بعده، ومناقضتهما له في صورة ما كان عليه. والناسخ مقدم على المنسوخ. قوله: (اللفظ إذا لم ينقله الشرع، فهو لغوي عرفي شرعي): تقريره: أنه إذا لم ينقل فالشارع وأهل العرف يستعملونه في اللغوي، فهو معنى قوله: إنه شرعي عرفي. أي: هو آلة للأبواب الثلاثة، كالألفاظ الخصيصة لتلك الأبواب. قوله: (النقل على خلاف الأصل، فكان اللغوي أولى): قلنا: الترجيح عند التعارض، والتعارض إنما يكون إذا كان صاحب الشرع هو الوارد بهما، وحينئذ نقول: إن الظاهر أن من له معنى في وضعه، فالظاهر أنه إنما يريد المعاني المنسوبة إليه، لا أنه أنسب بحاله، فترجح الشرعي. وقوله: (النقل خلاف الأصل يعارضه أن الناسخ مقدم على المنسوخ، غير أن التقدير أن هذا اللغوي لم ينسخ، فلا يتأتى هذا الترجيح في غير ذلك اللفظ، بل في جنسه.

стр. 3631

فنقول: جنس النقل ناسخ، بخلاف اللغوي جنسه منسوخ، فحصل الترجيح، بخلاف إذا وقع [التغيير] في اللفظة الواحدة يقع النسخ فيعينها، ويكون الترجيح أقوى. قوله: (تقديم المذكور مع ضده يقتضي النسخ مرة، وتقديم ضده يقتضي النسخ مرتين): تقريره: أن قوله ﵇: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور والآن فزوروها). إذا قدمنا الإباحة لزم أن تكون البراءة الأصلية ارتفعت بالنهي، والنهي ارتفع بالإباحة، فما ارتفع الحكم الشرعي إلا مرة، وهو رفع النهي السابق. وإذا رجحنا النهي كان هو المتأخر، فيكون قد نسخ الإباحة، والإباحة مؤكدة للبراءة الأصلية، فما لزم أيضا النسخ في الحكم الشرعي إلا مرة واحدة، وعلى هذا يكزن كلامه لا يتم؛ لأنه إن أراد النسخ في الحكم الشرعي، فهو مرة فيهما. وإن أراد النسخ اللغوي الذي هو مطلق الرفع حتى في البراءة الأصلية التي لا يسمي الفقهاء رفعها نسخا، فينعكس عليه الحال، ويكون تقديم الإباحة يلزم منها النسخ مرتين؛ لأنها رافعة للنهي، والنهي رافع للبراءة. أما ترجيح النهي وهو الضد، فيلزم أن يكون رافعا للإباحة، والإباحة مؤكدة للبراءة الأصلية، فلا يلزم النسخ إلا مرة واحدة، وهذا يؤدي إلى ترجيح ضده عليه. ثم قوله في الكتاب: (إن تقديمه يقتضي النسخ مرة) يصدق التقديم بطريقين.

стр. 3632

أحدهما: تقديمه بالزمان. والآخر: تقديمه في العمل. فإن كان مراده الأول صح قوله: إنه يلزم منه النسخ مرة، لكن يبطل قوله: إنه أولى؛ لأنه حينئذ يكون منسوخا بالنهي بعده، وإن أراد الثاني صح قوله: إنه أولى. غير أنه يشكل قوله: إنه يلزم منه النسخ. وأما سراج الدين فقال: ولأنه يلزم منه النسخ مرتين، ولم يقل: إن ذلك في ضده ولا فيه، ولم يذكر النسخ مرة، بل مرتين فقط. ولا يتلخص من كلام الجميع حسن ذكر النسخ مرتين في ترجيح الإباحة أصلا. فإنه لازم عنها ليس إلا، والأكثر نسخا لا يكون أرجح. قوله: (أن يكون أحد الدليلين يقتضي الحكم بواسطة مثل أن تكون المسألة ذات صورتين. فالمعلل إذا فرض الكلام في صورة، وأقام الدليل عليه، فالمعترض إذا أقام الدليل على خلافه في الصورة الثانية، ثم توصل إلى الصورة الأخرى بواسطة الإجماع، يقول المعلل: دليلي أرجح لعدم الحاجة للواسطة. قلنا: هذا الكلام مستحيل في وضع الشريعة؛ لأن المعترض إذا قال: إنه إذا ثبت الحكم في هذه الصورة، وجب أن يثبت في الصورة الأخرى؛ لأنه لا قائل بالفرق.

стр. 3633

فلابد من أن يكون الإجماع انعقد على عدم الفرق بينهما، وحينئذ لابد للمستدل من أن يقول أيضا: لا قائل بالفرق؛ لأنه لا يمكنه إفراد أحدهما بالحكم ضرورة انعقاد الإجماع على عدم الفرق، ولا يخلص المستدل في مثل هذا إلا أن يأتي بدليل شامل للصورتين. لكنه غير ما فرضه المصنف؛ فإن فرضه أثبت في صورة واحدة، فيلزم أحد أمور ثلاثة: إما بطلان ما ذكره المعترض من الإجماع. أو احتياج المعلل له. أو يكون دليل المستدل شاملا للصورتين بغير وسط. ودليل المعترض يحتاج للوسط، فحينئذ يحسن الترجيح. * * *

стр. 3634

القول في التراجيح الراجعة إلى الحكم قال الرازي: وهي من وجوه خمسة: الأول: إذا كان أحد الخبرين مقررا لحكم الأصل، والثاني يكون ناقلا، فالحق: أن يجب ترجيح المقرر. وقال الجمهور من الأصوليين: إنه يجب ترجيح الناقل. لنا: أن حمل الحديث على ما لا يستفاد إلا من الشرع- أولى من حمله على ما يستقل العقل بمعرفته، فلو جعلنا المبقي مقدما على الناقل، لكان واردا حيث لا يحتاج إليه؛ لأنا في ذلك الوقت نعرف ذلك الحكم بالعقل، فلو قلنا: إن المبقي ورد بعد الناقل، لكان واردا حيث يحتاج إليه؛ فكان الحكم بتأخره عن الناقل أولى من الحكم بتقدمه عليه. واحتج الجمهور على قولهم بوجهين: الأول: أن اعتبار الناقل أولى؛ لأنه يستفاد منه مالا يعلم إلا منه، وأم المبقي، فغن حكمه معلوم بالعقل، فكان الناقل أولى. الثاني: أن في القول بكون الناقل متأخرا تقليل النسخ؛ لأنه يقتضي إزالة حكم العقل فقط، وفي القول بكون المقرر متأخرا تكثير النسخ؛ لأن الناقل أزال حكم العقل، ثم المقرر أزال حكم الناقل مرة أخرى. والجواب عن الأول: ما ذكرناه في الدليل؛ وهو: أنا لو جعلنا المبقي متأخرا، لكنا قد استفدنا منه ما لا يستقل العقل به، ولو جعلنها متقدما، لكنا قد استفدنا منه ما يتمكن العقل من معرفته.

стр. 3635

وعن الثاني: أن ورود الناقل بعد ثبوت حكم الأصل ليس بنسخ؛ لأن دلالة العقل مقيدة بشرط عدم دليل السمع، فإذا وجد، فلا يبقى دليل العقل؛ فلا يكون دليل السمع مزيلا لحكم العقل، بل مبينا لانتهائه؛ فلا يكون ذلك خلاف الأصل. وأيضا: فما ذكرتموه معارض بوجه آخر، وهو: أنا لو جعلنا المبقي مقدما، لكان المنسوخ حكما ثابتا بدليلين: دليل العقل، ودليل الخبر؛ فيكون هذا أشد مخالفة؛ لأنه يكون ذلك نسخا للأقوى بالأضعف؛ وهو غير جائز. وأما على الوجه الذي قلناه، فلا يكون المنسوخ إلا دليلا واحدا. فرع: فإن قيل: أفتجعلون العمل بالناقل؛ على ما ذكره الجمهور، أو بالمقرر؛ على ما ذكرتموه في باب الترجيح؟! قلنا: قال القاضي عبد الجبار: إنه ليس من باب الترجيح، واستدل عليه بوجهين: الأول: أن نعمل بالناقل على أنه ناسخ، والعمل بالناسخ ليس من باب الترجيح. الثاني: أنه لو كان العمل بالناقل ترجيحا، لوجب أن يعمل بالخبر الآخر لولاه؛ لأن هذا حكم كل خبرين رجحنا أحدهما على الآخر، ومعلوم أنه لولا الخبر الناقل، لكنا إنما نحكم بموجب الخبر الآخر؛ لدلالة العقل، لا لأجل الخبر. ويمكن أن يجاب عن الأول: بأنا لا نقطع في الأصول بأن الناقل عن حكم الأصل متأخرا وناسخ، وإنما نقول: الظاهر ذلك، مع جواز خلافه؛ فهو إذن: داخل في باب الأولى؛ وهذا ترجيح. وعن الثاني: أنه لولا الخبر الناقل، لعلمنا بموجب الخبر الآخر لأجله، إلا

стр. 3636

ترى أنا نجعله حكما شرعيا؟ ولهذا لا يصح رفعه إلا يصح النسخ به، ولولا أنه بعد ورود الخبر، صار شرعيا، وإلا لما كان كذلك. الثاني: قال القاضي عبد الجبار: الخبران، إذا كان أحدهما نفيا، والآخر إثباتا، وكانا شرعيين، فإنهما سواء، وضرب لذلك أمثلة ثلاثة: أحدها: أن يقتضي العقل حظر الفعل، ثم ورد خبران في إباحته ووجوبه. وثانيها: أن يقتضي العقل وجوب الفعل، ثم ورد خبران في حظره وإباحته. وثالثها: أن يقتضي العقل إباحة الفعل، ثم ورد خبران في وجوبه وحظره. واعلم أن هذا لا يستقيم على مذهبنا في أن العقل لا يستقل في شيء من الأحكام بالقضاء؛ بالنفي والإثبات، بل ذلك لا يستفاد إلا من الشرع؛ وحينئذ: لا يكون لأحدهما مزية على الآخر، وأما على مذهب المعتزلة، فلا يتم ذلك؛ لأنه لا بد في كل نفي وإثبات متواردين على حكم واحد أن يكون أحدهما عقليا. بيانه: أن الإباحة تشارك الوجوب ففي جواز الفعل، وتخالفه في جواز الترك، وتشارك الحظر في جواز الترك، وتخالفه في جواز الفعل، فهي تشارك كل واحد من الوجوب والحظر بما به تخالف الآخر، وإذا ثبت هذا، فنقول: إذا اقتضى العقل الحظر، فقد اقتضى جواز الترك أيضا؛ لأن ما صدق عليه أنه محظور، فقد صدق عليه أنه يجوز تركه، فإذا جاء خبر الإباحة والوجوب، فالإباحة: إنما تنافى الوجوب من حيث إن الإباحة تقتضي جواز الترك، لا من حيث إنها تقتضي جواز الفعل؛ لكن جواز الفعل هاهنا، كما عرفت: حكم عقلي؛ فثبت أنه لابد هاهنا في النفي والإثبات من كون أحدهما عقليا فيه، فليعمل فيه كما في المثال الأول.

стр. 3637

وأما المثال الثاني، وهو ما إذا اقتضى العقل الوجوب، وجاء خبران في الحظر والإباحة، فالكلام فيه كما في المثال الأول. وأما المثال الثالث؛ وهو ما إذا اقتضى العقل الإباحة، ثم جاء خبران في الحظر والوجوب: فنقول: لما ثبت أن الإباحة تشارك كل واحد من الوجوب والحظر بما به تخالف الآخر، وإذا كانت مقتضى العقل، لزم أن يكون الوجوب مقررا لحكم العقل من وجه، وناقلا من وجه آخر، وكذا القول في الحظر، فهاهنا أيضا: لابد في النفي والإثبات المتواردين على أمر واحد: أن يكون أحدهما عقليا، وإذا ثبت انه لابد في النفي والإثبات من كون أحدهما عقليا- رجع الترجيح إلى ما تقدم من أن الناقل أرجح أم المبقى؟!. فرع: إذا كان مقتضى العقل الحظر، ثم ورد الخبران في الإباحة والوجوب، والإباحة تشارك الحظر من وجه، وتخالفه من وجه آخر، فخبر الإباحة يقتضي بقاء حكم العقل من وجه، والنقل من وجه، وأما الوجوب: فإنه يخالف الحظر في القيدين معا، فيكون الوجوب مقتضيا للنقل من وجهين، فمن رجح الخبر الناقل على المبقى، رجح الخبر الوجوب، ومن رجح المبقى على الناقل، فبالعكس. وكذا القول فيما إذا اقتضى العقل الوجوب، وجاء خبران في الحظر والإباحة، فأما إذا اقتضى العقل الإباحة، وجاء خبران في الحظر والوجوب، فكل واحد منهما يشارك في الإباحة من وجه، ويخالفها من وجهه آخر؛ فإذن: كل واحد منهما ناقل من وجه، ومبق من وجه آخر، فيحصل التساوي، ولا يحصل الترجيح. الثالث: إذا تعارض خبران في الحظر والإباحة، وكانا شرعيين، فقال أبو هاشم وعيسى بن أبان: إنهما يستويان.

стр. 3638

وقال الكرخي وطائفة من الفقهاء: خبر الحظر راجح، واحتجوا على الترجيح للحظر؛ بالخبر، والحكم، والمعنى: أما الخبر: فقوله- ﵊: (ما اجتمع الحلال والحرام إلا وغلب الحرام الحلال) وقال- ﵊: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) وجواز الفعل يريبه؛ لأنه بين أن يكون حراما، وبين أن يكون مباحا، فما يريبه جواز فعله؛ فيجب تركه، وروي عن عمر- ﵁ أنه قال في الأختين لمملوكتين: (أحلتهما آية، وحرمتهما آية، والتحريم أولى). وأما الحكم: فإنه من طلق إحدى نسائه، ونسيها، حرم عليه وطء جميع نسائه، وكذلك لو أعتق إحدى إمائه. وأما المعنى: فهو أنه دار بين أن يرتكب الحرام، أو يترك المباح، وترك المباح أولى؛ فكان الترجيح للمحرم احتياطا. فإن قلت: ولا يمتنع أيضا أن يكون مباحا، فيكون باعتقاده الحظر مقدما على مالا يأمن كونه جهلا): قلت: إنه إذا استباح المحظور، فقد أقدم على محظورين: أحدهما الفعل، والثاني: اعتقاد إباحته، وليس كذلك، إذا امتنع من المباح؛ لاعتقاد حظره؛ لأنه محظور واحد، والغرض هو الترجيح بضرب من القوة. الرابع: المثبت للطلاق والعتاق يقدم على المنافي لهما؛ عند الكرخي، قال قوم: يسوى بينهما. وجه الأول: أن ملك النكاح واليمين مشروع على خلاف الأصل؛ فيكون

стр. 3639

زوالهما على وفق الأصل، والبر المتأيد بموافقة الأصل راجح على الواقع على خلاف الأصل. الخامس: النافي للحد مقدم على المثبت له؛ عند بعض الفقهاء، وأنكره المتكلمون. وجه الأول من وجوه: أحدها: أن الحد ضرر؛ فتكون شرعيته على خلاف الأصل، والنافي له على وفق الأصل؛ فيكون النافي له راجحا. وثانيها: أن ورود الخبر في نفي الحد، إن لم يوجب الجزم بذلك النفي، فلا أقل من أن يفيد شبهة فيه، إذا حصلت الشبهة، سقطت الحدود؛ لقوله- ﵊: (ادرءوا الحدود بالشبهات). وثالثها: إذا كان الحد يسقط بتعارض البينتين مع ثبوته في أصل الشرع، فلأن يسقط بتعارض الخبرين في الجملة، ولم يتقدم له ثبوت- أولى. (القول في الترجيح بالحكم) قال القرافي: قوله: (لو جعلنا المبقى متقدما على الناقل، لكان واردا حيث لا يحتاج إليه): تقريره: إنه يريد بالتقدم في التاريخ والزمان، وإن الناقل ورد بعده، فيتقدم على رأي الجمهور. وإذا ورد بعد الناقل يكون ناسخا للإباحة، والنسخ لا يعلم إلا من جهة الشرع، فكان أولى عندهم عنده على العكس، ورد الناقل أولا، فرفع البراءة الأصلية، ثم ورد المقرر للنسخ، فرفع التحريم أو الوجوب، فأفاد كل دليل أنشئ عن عقلي، فكان أولى، وعليه ينبني بحث النسخ مرة أو مرتين.

стр. 3640

فتأخر الناقل يقتضي أن المقرر تقدمته أجلاء العقل، ولم تنسخه، ولم يحصل إلا نسخ المبيح الموكد للعقل. وتأخر المبيح يقتضي رفع المحرم الرافع للبراءة، فيلزم النسخ مرتين. قوله: (دلالة العقل مفيدة بشرط عدم دليل السمع، وإذا وجد لا يبقى دليل العقل): قلنا: هذا مشترك في السمع أيضا؛ لأن دلالة كل سمع مشروطة بعدم ورود ناسخه، فزال عند الناسخ؛ لزوال شرطه، فلا يكون نسخا، فإن كان هذا كافيا في عدم النسخ، فهو مشترك. بل الجواب أن رفع العقل ليس نسخا؛ لأنا نشترط في النسخ رفع الحكم الشرعي. أما البراءة الأصلية، فرفعا ليس نسخا؛ لأنا لا نعد ورود الشرائع ابتداء نسخا، ولذلك نرفعها بخبر الواحد والقياس، وأيسر الأدلة، بخلاف إذا تقدم. قوله: (لا يصح رفعه إلا بما يصح النسخ به): تقريره: أن الخبر المقرر للعقل قد يكون متواترا، أو آية كتابية، فلا يرفعها إلا متواترا؛ لأنا نشترط في الناسخ أن يكون مساويا أو أقوى. قوله: (إذا ثبت أنه لابد في النفي والإثبات في الخبرين من كون أحدهما عقليا رجع الترجيح إلى ما تقدم من أن الناقل أرجح أم لا): قلنا: ادعيتم أولا أن الخبرين في النفي والإثبات لابد أن يكون أحدهما عقليا، ولم يتخلص من البيان الذي ذكرتموه إلا أنه عقلي من وجه لا أن موجبه كله عقلي، وإذا كان عقليا من وجه ناقلا من وجه، وهذا قدر المشترك بين الخبرين، فلم يرجع هذا إلى القاعدة من أن الناقل أرجح أم لا؟.

стр. 3641

لأن كل واحد منهما حينئذ ناقل من وجه، وليس من هذا الباب. قوله: (النكاح وملك اليمين على خلاف الأصل): تقريره: أن ملك اليمين فيه حجر أحد الآدميين على الآخر واستباحته لأكسابه ومنافعه، فهو نوع من العقوبات التي هي من جرائر الكفر، والأصل عدم ذلك، والتسوية بين الناس. وأما النكاح فلما فيه من الحجر وجعل المرأة كالبلاعة مصب القاذورات والمهانات، وذلك على خلاف الأصل. قوله: (يسقط الحد لقوله ﵇: (ادرءوا الحدود بالشبهات) قلنا: قال المحدثون: لم يصح هذا الحديث. (فائدة) قال بعض العلماء: في الأحكام يقدم الحظر؛ لأن النهي يعتمد المفاسد . والأمر والإباحة يعتمدان المصالح في الأمر، وعدمها أو مساواتها في الإباحة. وعناية العقلاء، وصاحب الشرع بدرء المفاسد أكثر؛ ولأن تقديم الحظر يفضي إلى الترك، والترك على وفق الأصل، والأمر والإباحة يفضيان إلى الفعل، وهو على خلاف الأصل؛ لأن الأصل عدم الفعل؛ لأنه من الحوادث، والموافق للأصل أرجح. حجة التسوية أن الإباحة تستلزم نفى الحرج، وهو الأصل؛ فإن الأصل براءة الذمة، فالمبيح معضود بالأصل. والمحرم يستلزم الحرج على تقدير الفعل، وهو على خلاف الأصل، فيكون مرجوحا من هذا الوجه، راجحا من الوجه الذي تقدم، فيحصل التسوية. وحكى القاضي عبد الوهاب المالكي في (الملخص) أن الإباحة مقدم. والمسكر مقدم؛ لأن الكل أحكام شرعية، واختاره هو.

стр. 3642

وقال سيف الدين: يقدم المفيد للحكم الشرعي على الحكم العقلي، ومثاله قوله ﵇: "الاثنان فما فوقهما جماعة"، و"الطواف بالبيت صلاة". هل هما خبران عن حصول مفهوم الجمع، والدعاء، أو عن حكم الجماعة؛ وأنه يحصل بالاثنين، وأن الطهارة شرط في الطواف، والثاني مقدم على الأول. ***

стр. 3643

القول في الترجيحات الحاصلة بالأمور الخارجة قال الرازي: وهي من وجوه: أحدها: الترجيح بكثرة الأدلة، وقد سبق القول فيه. وثانيها: أن يقول بعض أئمة الصحابة، أو يعمل بخلافه، والخبر لا يجوز خفاؤه عليه، وهذا عند البعض يحمل على نسخه، أو أنه لا أصل له؛ إذ لولاه، لما خالف، وعند الشافعي- ﵁: لا يحمل على ذلك؛ لكن إذا عارضه خبر لا يكون كذلك، كان راجحا عليه. وثالثها: إذا عمل بأحدهما أكثر السلف ممن لا يجب تقليدهم. قال عيسى بن أبان: يجب ترجيحه؛ لأن الأكثر يوفقون للصواب ما لا يوفق له الأصل، وقال آخرون: لا يحصل الترجيح؛ لأنه لا يجب تقليدهم. ورابعها: أن خبر الواحد فيما تعم به البلوى يكون مرجوحا؛ إما لاختلاف المجتهدين في قبوله، أو لأن كونه مما تعم به البلوى، إن لم يوجب القدح فيه، فلا أقل من إفادته المرجوحية. واعلم أن بعض ما يرجح به الخبر قد يكون أقوى من بعض؛ فينبغي إذا استوي الخبران في كمية وجوه الترجيح: أن تعتبر الكيفية، فإن كان أحد الجانبين أقوى كيفية، وجب العمل به، وإن كان أحد الجانبين أكثر كمية، وأقل كيفية، والجانب الآخر على العكس منه- وجب على المجتهد أن يقابل ما في أحد الجانبين بما في الجانب الآخر، ويعتبر حال قوة الظن، والكلام في قوة كثير من وجوه الترجيحات طريقه الاجتهاد.

стр. 3644

القول في الترجيح بالأمور الخارجة قال القرافي: لم أجد في هذا القسم للمصنف ما يحتاج الكلام عليه، غير أن سيف الدين ذكر أشياء أذكرها: قال سيف الدين وجوها: أحدها: إذا كان أحد الروايين ينقل عن شيخه، غير معتمد على نسخة [سماعه، أو خط نفسه بخلاف] الآخر على نسخة، فهو أرجح؛ لأنه يكون أبعد عن السهو. وثانيها: أن يكون أحدهما أقرب للنبي- ﵇ حالة السماع، فيقدم على البعيد في المجلس، كرواية الإفراد في حجة الوداع مقدمة على رواية القران؛ لأن ابن عمر ذكر أنه كان تحت ناقته؛ فهو أقرب. وثالثها: أن يكون أحد الراويين روايته عن حفظ، والآخر من كتاب، فيقدم الأول؛ لأنه أضبط. ورابعها: المسند إلى كتب المحدثين مقدم على المشهور؛ لأن المشهور قد ينص المحدثون على عدم صحته. وخامسها: رواية المناولة مقدمة على رواية الإجازة؛ لأن في المناولة لابد وأن يقول: حدث به عني، فهو إجازة وزيادة، والمناولة أولى من الرواية عن الخط؛ لاحتمال التزوير في الخط. وسادسها: الرواية من غير حجاب مقدمة على الرواية من وراء حجاب.

стр. 3645

كرواية القاسم بن محمد عن عائشة من غير حجاب؛ لكونها عمته: أن بريرة عتقت، وكان زوجها عبدا، تقدم على رواية أسود عنها أن زوجها كان حرا. وسابعها: رواية السامع من رسول الله- ﷺ مقدمة على الرواية عما جرى في زمانه- ﵇ وسكت عنه. وثامنها: أن يكون أحد الخبرين خطره في السكوت عنه أعظم من خطر الآخر في السكوت عنه، فيقدم، فيكون الظن في تقرير الأخطر أغلب. أحدها: أن الطلب فيه أكثر؛ فإن أكثر من قال: يكفي في الأمر المرة الواحدة نازع في النهي. وثانيها: أن يردد الأمر بين محامل كثيرة أكثر من محامل النهي. وثالثها: أن النهي يعتمد المفسدة، والأمر يعتمد المصلحة، ودفع المفسدة أعظم عند العقلاء. وعاشرها: أن يكون أحدهما أمرا، والآخر خبرا، فيرجح الخبر لثلاثة أوجه: أحدها: أن مدلول الخبر متحد، بخلاف الأمر.
следующие страницы →