Полный текст (4 032 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.
стр. 3641
لأن كل واحد منهما حينئذ ناقل من وجه، وليس من هذا الباب.
قوله: (النكاح وملك اليمين على خلاف الأصل):
تقريره: أن ملك اليمين فيه حجر أحد الآدميين على الآخر واستباحته لأكسابه ومنافعه، فهو نوع من العقوبات التي هي من جرائر الكفر، والأصل عدم ذلك، والتسوية بين الناس.
وأما النكاح فلما فيه من الحجر وجعل المرأة كالبلاعة مصب القاذورات والمهانات، وذلك على خلاف الأصل.
قوله: (يسقط الحد لقوله ﵇: (ادرءوا الحدود بالشبهات)
قلنا: قال المحدثون: لم يصح هذا الحديث.
(فائدة)
قال بعض العلماء: في الأحكام يقدم الحظر؛ لأن النهي يعتمد المفاسد .
والأمر والإباحة يعتمدان المصالح في الأمر، وعدمها أو مساواتها في الإباحة.
وعناية العقلاء، وصاحب الشرع بدرء المفاسد أكثر؛ ولأن تقديم الحظر يفضي إلى الترك، والترك على وفق الأصل، والأمر والإباحة يفضيان إلى الفعل، وهو على خلاف الأصل؛ لأن الأصل عدم الفعل؛ لأنه من الحوادث، والموافق للأصل أرجح. حجة التسوية أن الإباحة تستلزم نفى الحرج، وهو الأصل؛ فإن الأصل براءة الذمة، فالمبيح معضود بالأصل. والمحرم يستلزم الحرج على تقدير الفعل، وهو على خلاف الأصل، فيكون مرجوحا من هذا الوجه، راجحا من الوجه الذي تقدم، فيحصل التسوية.
وحكى القاضي عبد الوهاب المالكي في (الملخص) أن الإباحة مقدم.
والمسكر مقدم؛ لأن الكل أحكام شرعية، واختاره هو.
стр. 3642
وقال سيف الدين: يقدم المفيد للحكم الشرعي على الحكم العقلي، ومثاله قوله ﵇: "الاثنان فما فوقهما جماعة"، و"الطواف بالبيت صلاة".
هل هما خبران عن حصول مفهوم الجمع، والدعاء، أو عن حكم الجماعة؛ وأنه يحصل بالاثنين، وأن الطهارة شرط في الطواف، والثاني مقدم على الأول.
***
стр. 3643
القول في الترجيحات الحاصلة
بالأمور الخارجة
قال الرازي: وهي من وجوه:
أحدها: الترجيح بكثرة الأدلة، وقد سبق القول فيه.
وثانيها: أن يقول بعض أئمة الصحابة، أو يعمل بخلافه، والخبر لا يجوز خفاؤه عليه، وهذا عند البعض يحمل على نسخه، أو أنه لا أصل له؛ إذ لولاه، لما خالف، وعند الشافعي- ﵁: لا يحمل على ذلك؛ لكن إذا عارضه خبر لا يكون كذلك، كان راجحا عليه.
وثالثها: إذا عمل بأحدهما أكثر السلف ممن لا يجب تقليدهم.
قال عيسى بن أبان: يجب ترجيحه؛ لأن الأكثر يوفقون للصواب ما لا يوفق له الأصل، وقال آخرون: لا يحصل الترجيح؛ لأنه لا يجب تقليدهم.
ورابعها: أن خبر الواحد فيما تعم به البلوى يكون مرجوحا؛ إما لاختلاف المجتهدين في قبوله، أو لأن كونه مما تعم به البلوى، إن لم يوجب القدح فيه، فلا أقل من إفادته المرجوحية.
واعلم أن بعض ما يرجح به الخبر قد يكون أقوى من بعض؛ فينبغي إذا استوي الخبران في كمية وجوه الترجيح: أن تعتبر الكيفية، فإن كان أحد الجانبين أقوى كيفية، وجب العمل به، وإن كان أحد الجانبين أكثر كمية، وأقل كيفية، والجانب الآخر على العكس منه- وجب على المجتهد أن يقابل ما في أحد الجانبين بما في الجانب الآخر، ويعتبر حال قوة الظن، والكلام في قوة كثير من وجوه الترجيحات طريقه الاجتهاد.
стр. 3644
القول في الترجيح بالأمور الخارجة
قال القرافي: لم أجد في هذا القسم للمصنف ما يحتاج الكلام عليه، غير أن سيف الدين ذكر أشياء أذكرها:
قال سيف الدين وجوها:
أحدها: إذا كان أحد الروايين ينقل عن شيخه، غير معتمد على نسخة [سماعه، أو خط نفسه بخلاف] الآخر على نسخة، فهو أرجح؛ لأنه يكون أبعد عن السهو.
وثانيها: أن يكون أحدهما أقرب للنبي- ﵇ حالة السماع، فيقدم على البعيد في المجلس، كرواية الإفراد في حجة الوداع مقدمة على رواية القران؛ لأن ابن عمر ذكر أنه كان تحت ناقته؛ فهو أقرب.
وثالثها: أن يكون أحد الراويين روايته عن حفظ، والآخر من كتاب، فيقدم الأول؛ لأنه أضبط.
ورابعها: المسند إلى كتب المحدثين مقدم على المشهور؛ لأن المشهور قد ينص المحدثون على عدم صحته.
وخامسها: رواية المناولة مقدمة على رواية الإجازة؛ لأن في المناولة لابد وأن يقول: حدث به عني، فهو إجازة وزيادة، والمناولة أولى من الرواية عن الخط؛ لاحتمال التزوير في الخط.
وسادسها: الرواية من غير حجاب مقدمة على الرواية من وراء حجاب.
стр. 3645
كرواية القاسم بن محمد عن عائشة من غير حجاب؛ لكونها عمته: أن بريرة عتقت، وكان زوجها عبدا، تقدم على رواية أسود عنها أن زوجها كان حرا.
وسابعها: رواية السامع من رسول الله- ﷺ مقدمة على الرواية عما جرى في زمانه- ﵇ وسكت عنه.
وثامنها: أن يكون أحد الخبرين خطره في السكوت عنه أعظم من خطر الآخر في السكوت عنه، فيقدم، فيكون الظن في تقرير الأخطر أغلب.
أحدها: أن الطلب فيه أكثر؛ فإن أكثر من قال: يكفي في الأمر المرة الواحدة نازع في النهي.
وثانيها: أن يردد الأمر بين محامل كثيرة أكثر من محامل النهي.
وثالثها: أن النهي يعتمد المفسدة، والأمر يعتمد المصلحة، ودفع المفسدة أعظم عند العقلاء.
وعاشرها: أن يكون أحدهما أمرا، والآخر خبرا، فيرجح الخبر لثلاثة أوجه:
أحدها: أن مدلول الخبر متحد، بخلاف الأمر.
стр. 3646
الثاني: أن الخبر أقوى في الدلالة؛ لامتناع نسخه.
الثالث: أن مخالفة الخبر يلزمها محذور الكذب، وهو أشد من مخالفة الأمر بالنسبة إلى المتكلم بهما.
وحادي عشرها: يقدم الخبر على النهي لذلك.
وثاني عشرها: يقدم الخبر على النسخ لذلك.
وثالث عشرها: اللفظ [الذي] مدلوله مفرد مقدم على اللفظ المشترك، فإن كانا مفردين، وأحدهما أشهر قدم الأشهر.
ورابع عشرها: يقدم ما يلزم منه مجاز واحد على ما يلزم منه مجازان.
وخامس عشرها: تقدم دلالة المطابقة على دلالة الالتزام.
وسادس عشرها: أن يكونا معا يدلان بالاقتضاء، غير أن أحدهما لضرورة صدق المتكلم، والآخر لضرورة وقع الملفوف به عقلا أو شرعا، فيقدم الأولان على الثالث.
وسابع عشرها: أن يكونا معا دالين على العلة بالإيماء، غير أن أحدهما لو لم يكن المواد منه التعليل لزم منه العبث، فيقدم على ما لا يلزم منه ذلك.
وثامن عشرها: يمكن ترجيح الموافقة على مفهوم المخالفة؛ لأنه متفق عليه عند الأكثرين، وقد يرجح مفهوم المخالفة من وجهين:
أحدهما: أن مفهوم المخالفة أدخل في باب التأسيس، والموافقة أدخل في باب التأكيد.
وتاسع عشرها: دلالة الاقتضاء مقدمة على دلالة الإشارة؛ لأن المتكلم يقصدها، بخلاف دلالة الإشارة، ولذلك تقدم على دلالة التنبيه، والإيماء؛ لوقوع الاتفاق عليها.
стр. 3647
والعشرون: أن يكونا عامين، فيمكن تقديم العموم المستفاد من الشرط على النكرة المنفية؛ لأن الحكم فيه المعلل، بخلاف النكرة، والمعلل أولى.
ولذلك لو قال: لا رجل في الدار، وفيها رجل استهجن، فإن كان الآخر من عموم صيغة الجمع قدم الشرط؛ لأن كثيرا ممن خالف في الجمع وافق على العموم في الشرط، ويقدم الجمع المعرف على المفرد المعرف، والجمع المنكر؛ لأن العموم فيه أقوى منهما، واسم الجمع المعرف مقدم على اسم الجنس المعرف؛ فكان أقوى و "من" و "ما" في العموم مقدم على اسم الجنس المعرف؛ لاحتماله العهد.
الحادي والعشرون: أن يشتمل أحدهما على زيادة لم يتعرض لها الآخر.
الثاني والعشرون: أن يكونا إجماعين دخل في أحدهما جميع أهل العصر، والآخر لم يدخل فيه سوى أهل العقد والحل، فالأول أولى؛ لأنه ابعد عن الخلاف فيه، أو يدخل في أحدهما الأصوليون الذين ليسوا فقهاء، ويخرج العوام، والآخر بالعكس.
فالأول أولى لقربهم من معرفة المدارك، أو دخل فيه المجتهد المبتدع الذي ليس بكافر، ولم يدخل في الآخر، فالثاني أولى؛ لأنه أقرب للصدق، ولبعده عن الخلاف، أو دخل فيه المجتهد المتبع دون العوام، والفروعيون الذين ليسوا أصوليين، والأصوليون الذين ليسوا فروعيين، والآخر بعكسه.
فما دخل فيه المجتهد المبتدع أولى؛ لأن خلله إنما هو في اعتقاده، والخلل غير غيره من جهة اجتهاده في تلك المسألة.
ويقدم إجماع الصحابة- ﵃ على إجماع التابعين،
стр. 3648
والإجماع الذي انقرض عصره على ما لم ينقرض عصره، والذي لم يسبق بالمخالفة أولى؛ لأنه أبعد عن الخلاف فيه.
ويقدم ما لم يرجع فيه بعض المجتهدين إلى بقية الأمة على ما فيه رجوع بعض المجتهدين؛ لبعده عن المناقضة، والخلاف فيه.
ويقدم إجماع الصحابة الذي لم يدخل فيه غير المجتهدين على إجماع التابعين الذي دخل فيه جميع أهل عصرهم، وما دخل فيه جميع أهل العصر، وإن لم ينقرض عصرهم مقدم على ما لم يدخل فيه جميع أهل العصر، إلا أنه انقرض عصرهم؛ لأن الرجوع بسبب عدم انقراض العصر موهم، وإجماع النطق مقدم على إجماع الانقسام على قولين، وإن لم ينقرض عصره، والانقسام على قولين الذي لم يسبق بمخالفة، والآخر بعكسه، فالأول مقدم.
قلت: والإجماعات لا يتأتى فيها التعارض حتى يتأتى الترجيح بل أحدهما خطأ، وإنما ذلك إذا فرع بين قاعدتين مجمع عليهما بإجماعين مختلفين، فترجح إحدى القاعدتين على الأخرى، أو يكون الإجماعان ظنيين؛ إما بقوة الخلاف، أو لكونهما منقولين بطريق الآحاد؛ فيتجه الترجيح.
فهذه أنواع من الترجيحات ليست في "المحصول".
الثالث والعشرون: الحظر مقدم على الوجوب؛ لما تقدم من الترجيح في النهي والأمر؛ ولأن النهي أفضى إلى مقصوده؛ لأنه يحصل بمجرد الترك، ولو مع الغفلة، وعدم الشعور، وعدم المشقة.
الرابع والعشرون: أن يكون أحدهما دالا على التكليف؛ فيقدم على ما يدل على الحكم الوضعي؛ لما فيه من الثواب.
الخامس والعشرون: خطاب المشافهة، كقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس﴾
стр. 3649
[البقرة: ٢١]، ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ [البقرة: ١٧٨] إذا عارضه خطاب الغيبة، كقوله تعالى: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم﴾ [المجادلة: ٣]، ﴿ومن دخله كان آمنا﴾ [آل عمران: ٩٧].
إن تعارضا في حق من وردت المخاطبة به، قدم خطاب المشافهة، أو في الآخر، قدم الآخر كما تقدم في الوارد على سبب.
السادس والعشرون: الذي لا يتطرق النسخ إليه يقدم على ما يتطرق النسخ إليه.
السابع والعشرون: العام المتفق على العمل به في صورة مقدم على المختلف في العمل به، لتطرق التعطيل إليه.
الثامن والعشرون: يقدم الذي لا يستلزم نقص بعض الصحابة على المقتضى لذلك، كحديث القهقهة في الصلاة.
التاسع والعشرون: يقدم ما فسره الراوي على متروك التفسير؛ لأنه أعلم بمقصود المتكلم، هذا كله في الأحكام، وقال في الكتاب الموضوع له في الترجيح خاصة.
الثلاثون: العام المختلف في تخصيصه، كقوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ [النساء: ٢٣].
مقدم على المتفق على تخصيصه، كقوله تعالى: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: ٣].
الحادي والثلاثون: قال: ما هو على خلاف القياس، وإن ظن أنه أولى مما هو على وفق القياس؛ لعدم إسناد القول فيه إلى الاجتهاد، فإن مفسدة احتمال الكذب عن النبي- ﷺ فيهما سواء فلا يتحقق الترجيح، لا سيما والغالب على الشرائع موافقة القياس، فيكون الموافق مقدما.
стр. 3650
ولأن مخالفة القياس إذا قد يلزم منه مخالفة النقل، والقياس، والآخر إنما يلزم منه مخالفة النقل فقط.
وخالفه إمام الحرمين في "البرهان"، فقال: قدم الشافعي ما عضده القياس [لرجحانه] بالعاضد.
وقال القاضي: يتساقط الخبران، ويعمل بالقياس؛ لأن الخبر مقدم على القياس، فلا يقدم خبر على خبر مما يسقطه.
الثاني والثلاثون: قال سيف الدين: أن يكونا دخلهما التخصيص، إلا أن أحدهما تخصيصه بعيد في العادة، فيقدم الآخر.
الثالث والثلاثون: قال إمام الحرمين: إذا تعارض الخبر المتواتر والإجماع قدم الإجماع، وإن كان تصويره عسرا، وهو غير واقع، لكن [المتواتر] يحتمل النسخ دون الإجماع.
الرابع والثلاثون: قال في "البرهان": إذا تعارض خبر الواحد، وأقضية الصحابة، قدم مالك أقضية الصحابة- ﵃ على النص الصريح، كما قدم عمل أهل "المدينة".
وقال الشافعي: يقدم الخبر؛ لأنهم محجوجون بالخبر، والمحجوج لا يعارض الحجة، ولو عاصرتهم لحاججتهم، وجادلتهم العين العين، ولا
стр. 3651
يتغير ذلك بانقراضهم، بل أقدم القياس على قولهم، فكيف الخبر المقدم على القياس، وإذا حسن الظن بهم، فبخبر الشارع أولى.
قال الإمام: والذي أراه أن يقول: إن تحققنا بلوغ الخبر طائفة من الصحابة- ﵃ وهو نص لا يقبل التأويل قدمنا عملهم؛ لأنه لا مستند لهم إلا النسخ، وهم مبرءون من الاستهانة بالأخبار إجماعا.
وليس هذا تقديما لقضائهم على الخبر، بل تمسك الإجماع على وجوب حمل عملهم على وجه سائغ، فالخبر عارضه الإجماع؛ فيقدم على الخبر.
وليس في تطرق النسخ الخبر غض من منصبه، فإن لم يبلغهم، أو غلب على الظن ذلك الخبر.
قال: وحسن الظن بدقة نظر الشافعي- ﵁ في أصول الشريعة أنه إنما قدم الخبر في هذه الصورة وإن غلب على الظن أنه بلغهم.
قال: فهو عندي محل التوقف والبحث.
فإن وجدنا في الحادثة متعلقا سوى الخبر، والأقضية الصحابية، وإلا تعلقنا بالخبر.
قال: وينبغي أن يعلم أن أقضية الصحابة- رضوان الله عليهم- من غير إجماع لا يتمسك بها.
فإن نقلت معارضة لنص لا يقبل التأويل تمسكنا بها؛ لأنه تعلق بما صدرت المذاهب عنه.
قال: وما ذكرناه في أئمة الصحابة- رضوان الله عليهم- يطرد في أئمة التابعين، وأئمة كل عصر، فإذا روى مالك خبر الخيار ولم يعمل به، قدمنا الخبر عليه، ولو أن جمعا بلغهم خبر، وعملوا بخلافه، وجوزنا ذهولهم خرج على التقاسم كما سبق، وكذلك المجتهد الواحد الموثوق به، وبديانته
стр. 3652
وعدالته، فلو عمل بالخبر جمع وتركه جمع، والفريقان ذاكران للخبر، ولا احتمال إلا النسخ، قال: فالذي أرى تقديم عمل المخالفين؛ لاحتمال عدم اطلاع العاملين على الناسخ، وهذا إذا لم يبد المخالفون مستندهم.
الخامس والثلاثون: قال في "البرهان": إذا تعارض الخبران من غير ترجيح، ولا احتمال نسخ، فالحكم عند الأصوليين التوقف واللحوق بما قبل الشرائع.
قلت: وهذا لا يخالف ما حكاه صاحب "المحصول" أن الجمهور في الأمارتين على التخيير؛ لأن الأمارتين ظن، والتقدير هاهنا النصوص، وعدم التأويل.
السادس والثلاثون: قال في "البرهان": إذا تعارض ظاهران: أحدهما من الكتاب، والآخر من السنة.
قيل: يقدم الكتاب.
وقيل: السنة.
وقيل: هما متعارضان؛ نظرا لحديث معاذ، أو لأن السنة مبينة، أو لتعارض المدركين.
قال: والصحيح التعارض.
وقال القاضي: إذا تعارض ظاهر الكتاب وظاهر خبر الواحد، فهما متعارضان، قال: ولست أراه، بل يقدم الكتاب، لاختصاصه بأن نقله متواتر.
стр. 3653
" تنبيه"
تقدم رواية أهل الحرمين وبعض المفهومات على بعض، فليطالع من هناك .
السابع والثلاثون: قال ابن برهان في كتاب "الأوسط" يقدم رواية أهل الحرمين على غيرهم؛ لأنهم أعلم بحاله- ﵇ من أهل "العراق" وغيرهم.
وذلك قال بعض المحدثين: إذا جاوز الحديث الحرمين انقطع نخاعه، يعني: "المدينة".
***
стр. 3654
القسم الرابع
قال الرازي: في تراجيح الأقيسة
وهي: إما أن تكون بحسب ماهية العلة، أو بحسب ما يدل على وجودها، أو بحسب ما يدل على عليتها، أو بحسب ما يدل على ثبوت الحكم في الأصل، أو بحسب محل ذلك الحكم، أو بحسب محالها، أو بحسب أمورٍ منفصلةٍ عن ذلك:
النوع الأول: في التراجيح المعتبرة بحسب ماهية العلة: فنقول: إنا بينا أن الحكم الشرعي: إما أن يكون معللاً بالوصف الحقيقي، أو بالحكمة، أو بالحاجة، أو بالوصف العدمي، أو بالوصف الإضافي، أو بالوصف التقديري، أو بالحكم الشرعي، وعلى كل التقديرات: فالعلة إما أن تكون مفردة، أو مركبة من قيدين أو أكثر، واعتمد بعضهم في الترجيح الواقعة في هذا الباب على أمرين:
أحدهما: أن كل ما كان أشبه بالعلل العقلية، فهو راجح على ما لا يكون كذلك؛ لأن العقل أصل النقل، والفرع كلما كان أشبه بالأصل، كان أقوى.
وثانيهما: أن كل ما كان متفقًا عليه، فهو أولى مما يكون مختلفًا فيه، وكل ما كان الخلاف فيه أقل، فهو راجح على ما يكون الخلاف فيه أكثر؛ والسبب فيه: أن وقوع الخلاف فيه يدل على حصول الشك والشبهة، وهذان المأخذان ضعيفان جدًا إلا في شيء واحد؛ وهو: أن كل ما كان متفقًا عليه، فهو أولى مما يكون مختلفًا فيه؛ وذلك لأن المقدمة إذا كانت مجمعًا عليها، كانت يقينية، والقياس الذي يكون بعض مقدماته يقينيًا، وبعضه ظنيًا أقوى من الذي يكون
стр. 3655
كل مقدماته ظنيا؛ لأن الاحتمال في الأول أقل مما في الثاني، ومتى كان الاحتمال أقل كان الظن أقوى، إذا عرفت هذا الأصل، فلنرجع إلى التفصيل، وفيه مباحث:
أحدهما: أن التعليل بالوصف الحقيقي أولى من التعليل بسائر الأقسام؛ لأن جواز التعليل بالوصف الحقيقي مجمع عليه؛ بين القائسين، والتعليل بسائر الأقسام مختلف فيه؛ فيكون القياس الذي يكون الحكم في أصله معللاً بالوصف الحقيقي - أقوى مما لا يكون كذلك.
وثانيها: التعليل بالحكمة أولى من التعليل بالعدم، وبالوصف الإضافي، وبالحكم الشرعي، وبالوصف التقديري: أما أنه أولى من العدم: فلأن العلم بالعدم لا يدعو إلى شرع الحكم إلا إذا حصل العلم باشتمال ذلك العدم على نوع مصلحةٍ، فيكون الداعي إلى شرع الحكم في الحقيقة هو المصلحة؛ لا العدم وإذا كانت العلة هي المصلحة، لا العدم - كان التعليل بالمصلحة أولى من التعليل بالعدم.
فإن قلت: (فهذا يقتضى أن يكون التعليل بالمصلحة أولى من التعليل بالوصف".
قلت: كان الواجب ذلك، إلا أن الوصف أدخل في الضبط من الحاجة، فلهذا المعنى ترجح الوصف على المصلحة، والعدم المطلق لا يتقيد إلا إذا أضيف إلى الوجود، فهو في نفسه غير مضبوط، فالعدم ليس بمؤثرٍ في الحقيقة، وليس بضابط في نفسه؛ فظهر الفرق.
وإذا ثبت أن التعليل بالحكمة أولى من التعليل بالعدم، وقد ثبت أن الإضافات ليست أمورًا وجودية - لزم أن يكون التعليل بالحكمة أولى من
стр. 3656
التعليل بالإضافات، وأما أنه أولى من الحكم الشرعي، والوصف التقديري: فلأن التعليل بالحاجة تعليل بنفس المؤثر، وهذا يمنع من التعليل بغيره، ترك العمل به في الوصف الحقيقي بالإجماع، ولأنه اشتبه بالعلل العقلية، فيبقي في هذه الصورة على الأصل.
وثالثها: التعليل بالعدم أولى، أم بالحكم الشرعي؟ يحتمل أن يقال: العدم أولى؛ لأنه أشبه بالأمور الحقيقية، ويحتمل أن يقال: بل بالحكم الشرعي أولى؛ لأنه أشبه بالوجود.
ورابعها: التعليل بالعدم أولى، أم بالصفات التقديرية؟ والأشبه هو الأول؛ لأن المقدر معدوم أعطى حكم الموجود، فكل ما في المعدوم من المحذورات، فهو حاصل في المقدر، مع مزيد محذورٍ آخر، وهو: أنه مع كونه معدومًا أعطي حكم الموجود؛ فكان المعدوم أولى.
وخامسها: تعليل الحكم الوجودي بالعلة الوجودية أولى من تعليل الحكم العدمي، بالوصف العدمي، ومن تعليل الحكم العدمي بالوصف الوجودي، والحكم الوجودي بالوصف العدمي؛ لأن كون العلة والمعلول عدميين يستدعي تقدير كونهما وجوديين؛ لأنا بينا أن العلة والمعلول وصفان ثبوتيان، فحملهما على المعدوم لا يمكن إلا إذا قدر المعدوم موجودًا، وتعليل العدم بالعدم أولى من القسمين الباقيين للمشابهة، وأما أن تعليل العدم بالوجود أولى، أم تعليل الوجود بالعدم؟ ففيه نظر.
وسادسها: التعليل بالحكم الشرعي أولى من التعليل بالوصف المقدر؛ لأن الأول على وفق الأصل، والثاني على خلاف الأصل.
стр. 3657
وسابعها: التعليل بالعلة المفردة أولى من التعليل بالعلة المركبة؛ لأن الاحتمال في المفردة أقل مما في المركب؛ لأن المفرد لو وجد، لوجد بتمامه، ولو عدم، لعدم بتمامه، وأما المركب، فليس كذلك؛ لأن المركب من قيدين فقط يحتمل في جانب الوجود احتمالات ثلاثة، وهي أن يوجد الجزء بدلاً عن ذالك، وذاك بدلاً عن هذا، ويوجد المجموع. وكذا القول في جانب العدم المركب من قيود ثلاثة، يوجد فيه احتمالات سبعة في طرف الوجود، وسبعة في طرف العدم؛ ومعلوم أن ما كان الاحتمال فيه أقل، كان أولى، فهذه جملة التراجيح العائدة إلى ماهية العلة.
القسم الرابع
"في ترجيح الأقيسة"
قال القرافي: قوله: (الترجيح بالشبه بالعقل، وقلة الاختلاف ضعيف جدًا":
تقريره: أن الشرائع ليست ناشئة عن العقل، فلا تكون فرعًا له، حتى يقول: كل ما كان أشبه بالأصل كان أرجح، وإنما يتجه ذلك على قاعدة المعتزلة في أن أصل الشرائع العقل بالتحسين والتقبيح.
قوله: (العدم أولى من الحكم؛ لأنه أشبه بالأمور الحقيقية":
تقريره: أن النقيضين العدم والوجود.
العدم والوجود معلومان حقان، يقع أحدهما عند انتفاء الآخر، ولذلك يستحيل ارتفاعهما، فهما محققان.
فالعدم محقق بهذا الطريق، لا أنه وجودي، وإذا كان محققًا، وليس معلولاً، فيقدم على الحكم؛ لأن شأنه أن يكون معلولاً، وشأن المعلول ألا يكون علة.
قوله: (المقدر أعطي حكم الموجود، فكان العدم أولى":
стр. 3658
تقريره: أن إعطاء حكم الموجود تقرير على خلاف الواقع، والتقرير مطلقًا على خلاف الأصل، فضلاً عن كونه على خلاف الواقع، ومحالفة الأصل توجب المرجو حية، والعدم ليس فيه مخالفة الأصل؛ فرجح.
قوله: العلة والمعلول وصفان ثبوتيان":
قلنا: بل العلية والمعلولية عدميان؛ لأنهما نسبتان عدميتان؛ لأن التأثير والتأثر من باب النسب، والإضافات، وليس في الخارج إلا الفاعل والمفعول، والمؤثر والأثر.
أما تأثير المؤثر في الأثر، وتأثير الأثر عنه، فلا وجود لهما إلا في الذهن، فهما عدميان.
قوله: تعليل العدم بالعدم أولى من تعليل العدم بالوجود، والوجود بالعدم للمشابهة.
قلنا: يمكن أن يقال: إنكم قلتم: إن العلية والمعلولية وجوديان، وقيام الوصف الموجود بالعدم مستحيل، فإذا كان أحدهما موجودًا كان أقرب للأصل، فيرجح.
قوله: (وأما أن تعليل الوجود بالعدم، أو العدم بالموجود، ففيه نظر": قلنا: يمكن أن يقال: إن تعليل العدم بالوجود أولى؛ لأن العلة تشبه المؤثر، والمؤثر بالموجود أولى؛ لأن المؤثر الوجودي قد يكون أثره إعدام شيء، كما قال القاضي أبو بكرٍ في أصول الدين: إن القدرة تتعلق بالإعدام، ولم يقل أحد: إن العدم يكون مؤثرًا، ففرضه علة أبعد عن الأصول، فيكون مرجوحًا بالنسبة إلى جعل المعلول عدمًا.
قوله: (التعليل بالحكم الشرعي أولى من المقدر؛ لأن المقدر على خلاف الأصل، والحكم ليس على خلاف الأصل".
стр. 3659
قلنا: وشأن الحكم الشرعي أن يكون معلولاً، فانقلابه علة على خلاف الأصل، فقد اشتركا في مخالفة الأصل.
قوله: (التعليل بالعلة المفردة أولى":
قلت: قال إمام الحرمين في (البرهان": قال بعض الجدليين: ذات الوصف الواحد أولى؛ لأنها تكثر فروعها، ولأنها يقل الاجتهاد فيها، فيقل الخطأ.
قال: والمدركان باطلان؛ لأن الترجيح لا يقع بكثرة الفروع كما سيأتي في القاصرة والمتعدية، وكثرة الاجتهاد أمر خارج عن ذات العلة؛ فلا معنى لهذا [.........].
وقال القاضي عبد الوهاب المالكي في (الملخص": قيل: الكثيرة الأوصاف أولى؛ لأنها أكثر شبهًا بالأصل، وقيل: الأقل أولى؛ لأنها أقل فسادًا.
قال: وعندي هما سواء.
" سؤال"
قال النقشواني:
قوله: (التعليل بالحكمة أولى من التعليل بالإضافي ":
لا يتجه لعدم المنافاة؛ لأن التعليل بالحكمة تعليل بالمؤثر، وبالوصف كان وجوديًا أو عدميًا تعليل بالمعرف، فلا يتأتي؛ فلا ترجيح.
جوابه: أن عدم التنافي إنما يكون إذا كانا في حكم واحد، ولم يرده المصنف، إنما المراد في حكمين متضادين، أو حكم ونقيضه، ومع النظر أيهما يثبت بدلاً عن الآخر، والحكمة في جهة، والوصف في جهة أخرى.
стр. 3660
" سؤال"
قال النقشواني: التعليل بالعدم إنما يعلل به إذا اشتمل على حكمة ، فلا ترجح عليه الحكمة بمجردها، وإنما يسلم ذلك إذا تجرد العدم، لكن العدم المجرد لم يعلل به.
" جوابه"
أنا نعلل عدم المعلول بعدم العلة ، ونكتفي بذلك. ونقول: لا موجب له، فلا يثبت استصحابًا للبراءة، وأصل العدم، وليس في هذا [خلل]، فأمكن الترجيح فيما قاله المصنف.
*************
стр. 3661
النوع الثاني
قال الرازي: (القول في التراجيح العائدة إلى ما يدل على أن ذات العلة موجودة ":
اعلم أن العلم بوجود تلك الذوات: إما أن يكون بديهيا، أو حسيا، أو استدلاليا، والاستدلال: إما أن يفيد العلم، أو الظن، وعلى التقديرين: فذلك الدليل: إما أن يكون عقليًا محضًا، أو نقليا محضًا، أو مركبًا منهما: فلنتكلم في هذه الأقسام: فنقول: أما إذا كان الطريق مفيدًا لليقين، سواء كان بديهيًا، أو حسيًا، أو استدلاليا يقينيا، وسواء كان عقليا محضا، أو نقليا محضًا، أو مركبًا منهما، وسواء كثرت المقدمات، أو قلت، فإنه لا يقبل الترجيح، وكلام أبي الحسين يدل على أنه يقبل - أما أن القطعيات لا تقبل الترجيح: فلما تقدم.
فإن قلت: الضروري أولى من النظري؛ لأن الضروري لا يقبل الشك والشبهة، والنظري يقبل ذلك.
قلت: النظري واجب الحصول عند حصول جميع مقدماته المنتجة له، كما أن البديهي واجب الحصول عند حصول تصور طرفيه، وكما أن النظري يزول عند زوال أحد الأمور التي لابد منها في حصول جميع مقدماته المنتجة له - فكذلك الضروري يزول عند زوال أحد التصورات التي لابد منها؛ فإذن: لا فرق في وجود الجزم عند حضور موجباته في البابين، بل الفرق هو أن النظري يتوقف على أمور أكثر مما يتوقف عليه الضروري؛ فلا جرم كان زوال النظري أكثر من زوال الضروري، فأما وجوب الوجود، وامتناع العدم عند حصول كل
стр. 3662
ما لابد منه: فلا فرق بين الضروري والنظري فيه ألبتة؛ أما إذا كان الطريق الدال على وجود العلة ظنيا: فقد قيل: كلما كانت المقدمات المنتجة لذلك الظن أقل، كان القياس أقوى؛ لأن المقدمات، متى كانت أقل، كان احتمال الخطأ أقل، ومتى كان احتمال الخطأ أقل، كان ظن الصواب أقوى.
واعلم أن هذا الكلام على عمومه ليس بحق؛ لأن الظن يقبل التفاوت في القوة والضعف، فإذا فرضنا دليلاً كانت مقدماته قليلة، إلا أن كل واحدة منها كانت مظنونة ظنًا ضعيفًا، ودليلاً آخر ظنيًا معارضًا للأول مقدماته كثيرة إلا أن كل واحدة منها، كانت مظنونة ظنا قويا، فالقوة الحاصلة في أحد الجانبين بسبب قلة الكمية قد تصير معارضة من الجانب الآخر؛ بسبب قوة الكيفية، وقد تكون قوة الكيفية في أحد الجانبين، أزيد من قلة الكمية في الجانب الآخر؛ حتى إن الدليل الظني الذي يكون مركبًا من مائة مقدمةٍ قد يفيد ظنًا أقوى من الظن الحاصل من الدليل المركب من مقدمتين؛ فإذن لابد من اعتبار هذا التفصيل الذي ذكرناه.
إذا عرفت هذا، فنقول: الدليل الظني الذي يدل على وجود العلة: إما أن يكون نصًا، أو إجماعًا، أو قياسًا:
أما القياس: فالكلام فيه كما في الأول، ولا يتسلسل، بل ينتهي إلى النص، أو الإجماع.
أما النص: فطرق الترجيح فيه ما تقدم في القسم الثالث من هذا الكتاب.
وأما الإجماع: فإن كانا قطعيين، لم يقبل الترجيح، وإن كان أحدهما قطعيًا، والآخر ظنيًا، لم يقبل الترجيح؛ لأن الإجماع المعلوم مقدم على المظنون، أما إذا كانا مظنونين، فهذا يقع على وجهين.
стр. 3663
أحدهما: الإجماعان المختلف فيهما عند المجتهدين كالإجماع الذي يحدث عن قول البعض، وسكوت الباقين.
وثانيهما: الإجماع المنقول بطريق الآحاد، فهذان القسمان في محل الترجيح.
وأما الذي يقال: إن أحدهما متفق عليه، والآخر مختلف فيه: فإن أريد به عدم الاختلاف في أحدهما، ووقوعه في الآخر، فذلك ليس من باب الترجيح؛ لأن تقدم المعلوم على المظنون قطعي، وإن عنى به قلة الاختلاف في أحدهما، وكثرته في الآخر، فلا نسلم أن هذا القدر يوجب الترجيح.
ولنختم هذا الفصل بشيء، وهو: أنه إذا تعارض قياسان، وكان وجود الأمر الذي جعل علة لحكم الأصل في أحد القياسين معلومًا، وفي الآخر مظنونًا - كان الأول راجحًا؛ لما بينا: أن القياس الذي بعض مقدماته معلوم - راجح على ما كان كل مقدماته مظنونًا.
"القول في الترجيح بدليل العلة"
قال القرافي: قوله: (العلم بوجود العلة قد يكون بديهيا، أو حسيا، أو استدلاليا بعقل محض، أو نقل محض، أو مركب منهما":
تقريره: أن البديهي كالعلم بكون سم الأفاعي علة الضرر للحيوان في العادة والحس، كإزالة العنق؛ فإنه يعلم وجوده بالحس، وهو علة الموت والعقل الصرف، نحو: كون العلم علة العالمية.
وكذلك كل معنى مع حكمه في محلة من الأعراض وغيرها، والنقل كقوله تعالى:﴾ كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ﴿.
والمركب منهما كما إذا دل السمع على أن القلتين في الماء يدفعان الخبث، ودل العقل بالحرز أن هذا الماء قلتان فأكثر.
стр. 3664
وكذلك الحدود علل الزجر بالسمع، ومقاديرها يغلب حصولها بالعقل؛ فإن مراتب الأعداد لا تحس، بل تعقل.
قوله: (الظن يقبل التفاوت في القوة والضعف".
قلنا: هذا مقام مشكل؛ فإن القواعد تقتضي أن العرض لا يقوم بالعرض، وقوة الشيء وضعفه صفة له، ونحن نجد الظن [يتزايد] حتى يقارب العلم، وكذلك الرجاء، والخوف، واللذة، والجوع، والعطش، والشجاعة، والبخل كلها تقبل الزيادة والنقص.
فهل ذلك بسبب أن هذه المعاني تقبل القوة، ويوصف بها دون غيرها؟ كما أن العلوم الحسية أجلى من العقلية لذاتها، أو قوة هذه الأمور ترجع إلى كثرة أفرادها في جوهر النفس، فيزيد الظن عبارة عن قيام فرد آخر بجوهر آخر.
وكذلك بقية المعاني حتى يصل إلى حد يجب الانتقال منه إلى العلم، فيقوم فرد من أفراد العلم بجوهر واحد.
وتقدم تلك الأفراد من الظنون حينئذ، وهذا في خبر التواتر وغيره، وهذا هو الذي أجده قريبًا للعقل والقواعد، ولكنه لا يتم على القول بأن النفس ذات [جوهر]، وهو قول الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، وغيره يخالفه في ذلك، فيعسر عليهم الجواب.
قوله: (الأقل مقدمات أرجح":
قلنا: اشترط المحققون أن الأقل إنما يرجح على الأكثر إذا كان بعض الأكثر حتى يكون ثم مقدمات مشتركة، ويختص أحد الجانبين بمزيد أما القليل الأجنبي، فقد يكون الكثير أرجح منه.
فإن من وجد ألف دينار في جدارٍ يكتفي بمقدمة واحدة، وهي أخذ تلك الألف بيده من الجدار.
стр. 3665
وتحصيلها بالزراعة، أو بالمتجر يحتاج إلى مقدمات كثيرة جدا، ومع ذلك فإنا نجد المحصلين لذلك بالمتجر كثيرًا، ولم نر أحدًا حصله بتلك المقدمة الواحدة.
فكون الوجدان في الجدار بعض مقدمات المتجر كان المتجر أعسر، ومرجوحًا قطعًا.
قوله: (إن أريد بالاتفاق والاختلاف وقوع الاختلاف في أحدهما دون الآخر، فليس من باب الترجيح؛ لأن تقديم المعلوم على المظنون قطعي، وإن أريد أن قلة الخلاف أرجح من كثرته، فلا نسلم أن ذلك يوجب الترجيح":
قلنا: إن أردت بتقديم المعلوم تقديمه لكونه أرجح، فتقديم الراجح على المرجوح مطلقًا معلوم بالإجماع، ومن ضروريات الدين، وإن أردت أن المظنون يصير باطلاً، ويتعين المعلوم، والترجيح على الباطل لا يتأتي فصحيح، لكن لا نسلم تعين هذا القسم؛ لأن المعلوم يقبل النسخ.
فلعلة نسخ بغير هذا المطنون، وبقي هذا المطنون سالمًا عن المعارض، لكن الأصل عدم النسخ.
ولما كانت هذه المقدمة ظنية، فصار في المعلوم مقدمة ظنية تقبل الترجيح.
وقولكم: قلة الخلاف لا توجب الترجيح - ممنوع، بل كثرة الخلاف توجب كثرة تطرق الخطأ باعتبار كل قول على حياله.
وقلة الخطأ توجب الرجحان
********************
стр. 3666
النوع الثالث
" القول في التراجيح الحاصلة بسبب الطرق الدالة
على علية الوصف في الأصل "
وقد ذكرنا في كتاب القياس: أن الطرق الدالة على علية الوصف في الأصل: إما الدليل النقلي، أو العقلي: أما الدليل النقلي: فإما أن يكون نصا أو إيماء:
أما النص: فقد يكون بحيث لا يحتمل غير العلية، وهو ألفاظ ثلاثة، وهي قوله: (لعلة كذا"، أو لسبب كذا، أو لأجل كذا" فهذا مقدم على جميع الطرق النقلية، وأما الذي يحتمل غير العلية، ولكنه ظاهر جدا فألفاظ ثلاثة، وهي: اللام، وإن، والباء" وحرف اللام مقدم على (إن والباء"؛ لأن (اللام" ظاهر جدًا في التعليل، وأما لفظ (إن" فقد يكون للتأكيد، ولفظ (الباء" قد يكون للإلصاق؛ كقولك: (كتبت بالقلم"، وقد يفيد كونه محكومًا به؛ كقوله ﵊: (أنا أقضى بالظاهر".
أما حيث تأتي لا للألة، ولا لأن تكون محكومًا به - كان مرادفًا لـ"اللام" فإنه لا فرق بين أن يقال: (قتلته لجنايته" و (قتلته بجنايته".
وأما (الباء" و"إن" أيهما المقدم؟ ففيه احتمال.
وأما الإيماءات، ففيها أبحاث:
أحدها: أنا بينا أن دلالة الإيماء على علية الوصف في الأصل لا تتوقف على كونه مناسبًا، ولكن الوصف الذي يكون مناسبًا راجح على ما لا يكون كذلك.
стр. 3667
وثانيها: أن إيماء الدلالة اليقينية راجح على إيماء الدلالة الظنية، لما عرفت: أن الدليل الذي بعض مقدماته بقيني، والبعض ظني - راجح على ما يكون كل مقدماته ظنيًا، وأما إذا ثبتت عليه الوصفين بإيماء خبر الواحد، فوجوه الترجيح فيه ما ذكرناه في باب (خبر الواحد".
وثالثها: أن الجمهور اتفقوا على أن ما ظهرت عليته بالإيماء - راجح على ما ظهرت عليته بالوجوه العقلية؛ من المناسبة، والدوران، والسير.
وهذا فيه نظر؛ وذلك لأن الإماء لما لم يوجد فيه لفظ يدل على العلية، فلابد وأن يكون الدال على عليته أمرًا آخر سوى اللفظ، ولما بحثنا، لم نجد شيئًا يدل على عليتها إلا أحد أمور ثلاثة: المناسبة، والدوران، والسير؛ على ما مر ذلك في (باب الإيماءات"، وإذا ثبت أن الإيماءات لا تدل إلا بواسطة أحد هذه الطرق الثلاثة - كان الأصل لا محالة أقوى من الفرع، فكان كل واحدٍ من هذه الثلاثة أقوى من الإيماءات.
ورابعها: أنا قد ذكرنا أن أقسام الإيماءات خمسة، وكل واحد من تلك الأقسام يندرج تحته أقسام كثيرة، واستيفاء القول في هذا يقتضي أن نتكلم في تفاصيل كل واحد من أقسام تلك الأقسام، مع ما يشاركه في جنسه، ومع ما هو خارج من جنسه؛ لأنه لا يبعد أن يكون أحد الجنسين أقوى من الجنس الآخر، ويكون بعض أنواع الضعيف أقوى من بعض أنواع القوى؛ لكنا تركنا هذا؛ لطولها وكثرتها.
أما الطرق العقلية، فقد ذكرنا منها ستة؛ وهي: المناسب، والمؤثر، والشبه، والدوران، والطرد، والسير، فلنتكلم في تفاصيل هذه الأجناس، ثم في تفاصيل أنواع كل واحدٍ من هذه الأجناس، أما تفاصيل هذه الأجناس: ففيها أبحاث.
стр. 3668
أحدها: أن المناسبة أقوى من الدوران، وقال قوم: الدوران أقوى، وعبروا عن ذلك بأن العلة المطردة المنعكسة أقوى مما لا يكون كذلك.
لنا: أن الوصف إنما يؤثر في الحكم لمناسبته، فالمناسبة علة لعلية العلة، وليس تأثير الوصف في الحكم لدورانه معه؛ لأن الدوران في الحقيقة ليس من لوازم العلية؛ لأن العلة إذا كانت أخص من المعلول كانت العلية متفكة هناك عن الدوران، وقد ينفك الدوران عن العلية؛ كما في الصور التي عددناها في باب الدوران، وإذا كان كذلك، كان الاستدلال بالمناسبة على العلية، أقوى من الاستدلال بالدوران عليها.
احتج المخالف بوجهين:
الأول: أن العلة المطردة المنعكسة أشبه بالعلل العقلية، فتكون أقوى.
الثاني: أنهم أجمعوا على صحة المطرد المنعكس، ومن الناس من أنكر العلة التي لا تكون منعكسة.
والجواب عن الأول: لا نسلم أن العكس واجب في العلل العقلية، وقد بيناه في كتبنا العقلية.
سلمناه؛ لكن لا نسلم أن الأشبه بالعلل العقلية أولى.
وعن الثاني: أن ذلك يقتضي ترجيح المناسب المطرد المنعكس، على المناسب الذي لا يكون مطردًا منعكسًا، ولا نزاع فيه، أما أنا لا نقضي بترجيح الدوران المنفك عن المناسبة، على المناسب المنفك عن الدوران: فلأنه إذا وجد الدوران بدون المناسبة، فقد لا تحصل العلة؛ كرائحة الخمر، مع حرمتها.
стр. 3669
وثانيها: أن المناسبة أقوى من التأثير؛ لأنه لا معنى للتأثير إلا أنه عرف تأثير هذا الوصف في نوع هذا الحكم، وفي جنسه، وكون الشيء مؤثرًا في شيء لا يوجب كونه مؤثرًا فيما يشاركه في جنسه، أما كونه مناسبًا: فهو الذي لأجله صار الوصف مؤثرًا في الحكم؛ فكان الاستدلال بالمناسبة على العلية أقوى من الاستدلال بالتأثير عليها.
وثالثها: أن السير: إما أن يكون قاطعًا في مقدماته، أو مظنونًا في مقدماته، أو قاطعًا في بعض مقدماته، ومظنونًا في البعض: فإن كان قاطعًا في كل مقدماته، كان العمل به متعينًا، وليس هذا بترجيح، أما إذا كان مظنونًا في كل مقدماته؛ مثل أن يدل دليل ظني على أن الحكم معلل، ودليل آخر ظني على أن العلة: إما هذا الوصف، أو ذاك، ودليل آخر ظني على أن العلة ليست ذلك الوصف: فيحصل ها هنا ظن أن العلة ليست إلا هذا الوصف، فهاهنا: العمل بالمناسبة أولى من العمل بهذا السبر، وذلك لأن الدليل الدال على هذه المقدمات الثلاث التي لابد منها في السبر: إما النص، أو الإيماء، أو الطرق العقلية.
فإن كان هو النص: صارت تلك المقدمات يقينية، وقد فرضناها ظنية؛ هذا خلف، وإن كان إيماًء: فقد عرفت أن الإيماء مرجوح بالنسبة إلى المناسبة، وأما الطرق العقلية: فالمناسبة أولى من غيرها؛ لأن المناسبة مستقلة بإنتاج العلية، والسبر لا ينتج العلية إلا بعد مقدماتٍ كثيرةٍ، والمثبت لتلك المقدمات: إما المناسبة، أو غيرها:
فإن كان الأول: كانت المناسبة أولى من السبر؛ لأن في إثبات الحكم بالمناسبة تكفي المناسبة الواحدة في الإنتاج، وفي السبر لابد من ثلاث مقدمات، والكثرة دليل المرجوحية.
стр. 3670
وإن كان الثاني: كانت المناسبة أولى؛ لأن المناسبة علة لعلية العلة، وغير المناسبة ليس كذلك؛ فالاستدلال بالمناسبة على العلية أولى، وأما إن كان السبر مظنونًا في بعض المقدمات، مقطوعًا في البعض: عاد الترجيح المذكور في تلك المقدمات المظنونة.
ورابعها: أن المناسبة أقوى من الشبه والطرد، وذلك واضح؛ لا حاجة به إلى الدليل.
فهذا هو الكلام في تراجيح هذه الطرق الستة العقلية؛ بحسب الجنس، ولنتكلم الآن في أنواع كل واحدٍ منها، وفيه مسائل:
المسألة الأولي: ترجيح بعض المناسبات على بعضٍ: إما أن يكون بأمورٍ عائدةٍ إلى ماهياتها، أو بأمورٍ خارجةٍ عنها:
أما القسم الأول: فتقريره أنك قد عرفت أن كون الوصف مناسبًا: إما أن يكون لأجل مصلحة دنيوية، أو دينية: والمصلحة الدنيوية: إما أن تكون في محل الضرورة، أو في محل الحاجة، أو في محل الزينة والتتمة: وظاهر أن لمناسبة التي من باب الضرورة راجحة على التي من باب الحاجة، والتي من باب الحاجة مقدمة على التي من باب الزينة، ثم قد عرفت أن المناسبة التي من باب الضرورة خمسة: وهي مصلحة النفوس، والعقول، والأديان والأموال والأنساب؛ فلابد من بيان كيفية ترجح بعض هذه الأقسام على بعضٍ، ثم عرفت أن الوصف المناسب للحكم قد يكون نوعه مناسبًا لنوع الحكم، وقد يناسب جنسه نوع الحكم، وقد يناسب نوعه جنس الحكم، وقد يناسب جنسه جنس الحكم، ولا شك في تقدم الأول على الثلاثة الأخيرة، والثاني والثالث.
стр. 3671
وأما الثاني والثالث: فهما كالمتعارضين، ولاشك في تقدمهما على الرابع.
ثم الجنس: قد يكون قريبًا، وقد يكون بعيدًا، والمناسبة المتولدة من الجنس القريب تقدم على المناسبة المتولدة من الجنس البعيد، ثم المناسبة في كل قسمٍ من هذه الأقسام قد تكون جلية، وقد تكون خفية:
أما الجلي: فهو: الذي يلتفت الذهن إليه في أول سماع الحكم؛ كقوله ﵊: (لا يقضي القاضي، وهو غضبان) فإنه يلتفت الذهن عند سماع هذا الكلام إلى أن الغضب إنما منع من الحكم؛ لكونه مانعًا من استيفاء الفكر.
وأما الخفي: فهو: الذي لا يكون كذلك، ولا شك في تقدم الجلي على الخفي.
وأما القسم الثاني: وهو ترجيح بعض المناسبات على بعضٍ، بأمورٍ خارجةٍ عنها، فذلك على وجوهٍ:
أحدها: أن المناسبة المتأيدة بسائر الطرق؛ أعني: الإيماء، والدوران، والسبر - راجحة على ما لا يكون كذلك، ويرجع حاصله إلى الترجيح بكثرة الأدلة.
وثانيها: المناسبة الخالية عن المعارض - راجحة على ما لا يكون كذلك؛ فإن المناسبة، وإن كانت لا تبطل بالمعارضة - لكنها مرجوحة بالنسبة إلى ما لا تكون معارضة.
وثالثها: الذي يناسب الحكم من وجهين - راجح على ما لا يناسب إلا من وجه واحدٍ؛ وعلته ظاهرة، وأيضًا: كلما كانت الجهات أكثر، كانت أرجح.
стр. 3672
مسألة: الدوران الحاصل في صورة واحدة - راجح على الحاصل في صورتين ؛ لأن احتمال الخطأ في الدوران الحاصل في الصورة الواحدة أقل من احتماله في الدوران الحاصل في صورتين، ومتى كان احتمال الخطأ أقل، كان الظن أقوى.
بيان الأول: أن العصير، لما لم يكن مسكرًا في الزمان الأول، فلم يكن محرمًا، ثم صار مسكرًا بعد ذلك، فصار محرمًا، ثم لما زالت المسكرية مرة أخرى، زالت الحرمة؛ فهاهنا نقطع بأن شيئًا من الصفات الباقية في الأحوال الثلاثة لا يصلح لعلية هذا الحكم؛ وإلا لزم وجود العلة بدون الحكم، وأما الدوران في صورتين: فهو كما يقول الحنفي في مسألة الحلي: (كونه ذهبًا موجب للزكاة؛ لأن (التبر) لما كان ذهبًا، وجبت الزكاة فيه، والثياب لما لم تكن ذهبًا، لم تجب الزكاة فيها) فهاهنا لا يمكن القدح في علية الصفات الباقية، بمثل ما ذكرناه في الصورة الأولي؛ فثبت أن احتمال المعارض في الصورة الأولي أقل؛ فكان الظن فيها أقوى.
مسألة: قد ذكرنا أن الشبه قد يكون شبهًا في الحكم الشرعي، وقد يكون شبهًا في الصفة، واختلفوا في الراجح، والأظهر أن الشبة في الصفة أولى؛ لأنها أشبه بالعلل العقلية.
القسم الثالث
(في الترجيح بالدال على علية الصوف)
قال القرافي: قوله: (النص الذي لا يحتمل قوله لعلة أو بسبب كذا، أو لأجل كذا):
стр. 3673
قلنا: هذه محتملة أنواعًا من المجاز، فلا يكون نصًا غير محتمل؛ لأنه قد يسمي علة الفعل علة، وجزء العلة علة من باب إطلاق الكل على الجزء، أو يسمي اللازم المسوي علة؛ للزوم وجود الحكم عند وجوده، وعدم الحكم عند عدمه من باب الاستعارة لأجل المشابهة.
وكذلك القول في السبب، وكذلك قوله: (لأجل كذا) قد يكون قوله: (كذا) من هذه المجازات الثلاثة، وقد يكون مانعًا من الحكم في الألفاظ الثلاثة، وأطلق عليه لفظ العلة، وغيره من باب إطلاق لفظ أحد الضدين على الآخر، وإذا استقرئت أنواع المجاز الأثني عشر احتملت هذه الألفاظ كثيرًا منها، فلا نص حينئذ فيها، غير أن ظهورها قوى جدًا، أما النص فلا.
قوله: (اللام) أظهر؛ فإن (الباء) قد تكون للإلصاق، والتأكيد):
قلنا: لا يتم أنها أظهر منها حتى يستقرأ جميع موارد كل واحد منها، وتكون "اللام" أقل.
أما مجرد احتمال في كل واحد منها، فلا يفيد ظهورها؛ لأن (اللام) أيضًا قد تستعمل في أنواع غير التعليل، بل للاختصاص المطلق، نحو: الملك لله، والتشريف المطلق، نحو قوله - تعالى - في الحديث: (إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به).
والاستحقاق المطلق نحو: هذا السرج للدابة.
والعاقبة المطلقة التي لا تعليل فيها - كقوله تعالى:﴾ ليكون لهم عدوا وحزنًا ﴿.
وللملك الشرعي نحو: المال لزيد. وهذه الاحتمالات كلها ليست في (أن) ولا (الباء)، فلا يستقيم الترجيح إلا باستقراء الجميع في محاملها.
ويكون الأول أقوى ظهورًا.
стр. 3674
قوله: (اتفق الجمهور على أن ما ظهرت عليته بالإيماء راجح على ما ظهرت عليته بالوجوه العقلية):
تقريره: أن مراده هاهنا بالوجوه العقلية ما أدرك العقل على سبيل النظر من المناسبة وغيرها، لا ما هو قطعي، والقطعي هو المتبادر للفهم من الأدلة العقلية ولم يرده، وأما وجه التقديم أن الإيماء دلالة منسوبة إلى السمع، والمناسبة العقلية ونحوها هي اجتهاد من العقل في قواعد الشرع الكلية، ورعاية الصالح وغيرها من السمعيات مقدمة في الأحكام الشرعية على اجتهادات العقول، ولذلك يقدم الخبر الواحد على القياس على قول ربما هو قول الجمهور أيضًا، فهذا هو مدرك الترجيح.
وقوله: (فيه نظر؛ لأن الإيماء إنما يدل بواسطة المناسبة وغيرها، والأصل مقدم على الفرع):
يرد عليه أن الدال هو المجموع، وما دل عليه مجموع أمرين أولى من الذي يدل عليه أحدهما فقط، مع أنا نمنع توقف الإيماء على المناسبة؛ فإنه قد قال: إن ترتيب الحكم على الوصف لا يتوقف على مناسبة الوصف. قاله في القياس.
وإذا اكتفى بمجرد الترتيب كان الإيماء وحده كافيًا.
قوله: (إذا كانت العلة أخص من المعلول، كانت العلية منفكة عن الدوران):
قلنا: كون العلة أخص معناه أن الحكم قد يوجد بدونها، ولو في صورة، ويكون معللاً بعلتين فصاعدًا، والعلل الشرعية يخلف بعضها بعضًا.
وهذا لا يمنع من وجود الدوران مع تلك العلة الأخص؛ فإن الدوران يكفي فيه صورة واحدة يقترن فيها الوجود بالوجود، والعدم بالعدم، فيتحقق
стр. 3675
الدوران بتلك الصورة، ويكون الحكم بوجه في صورة أخرى غير تلك الصورة بغير تلك العلة، فيتحقق أيضًا عموم الحكم، كما تقول: الحياة علة طهارة الحيوان لدورانها مع الحياة وجودًا في الأنعام الحية، وعدمها في الأنعام الميتة حتف أنفها، فهذا دوران، مع أن الحكم الذي هو الطهارة ثبت في أنواع الجهاد، والثبات مع عدم الحياة لعلة أخرى، وهي عدم علة التنجيس.
فإن القاعدة أن النجاسة حكم شرعي راجع للتحريم، وعلة التحريم أبدًا عدمها علة الإباحة، والطهارة إباحة، فكانت معللة بعدم علة التحريم، واستقر ذلك في الفروع الفقهية، فلا نطول بهذا الباب في غير موضعه:
قوله: (لا نسلم لزوم العكس في العلل العقلية).
تقريره: أن الحركة بسبب عقلي في حصول ذلك الجسم في ذلك الحيز، بعد أن كان في غيره.
وقد تقدم هذه العلة، ويحصل في ذلك الحيز بأن يعدمه الله - تعالى - من هاهنا، ويوجده هنالك، فلم يلزم من عدم العلة العقلية عدم حكمها.
وكذلك التضاد والاختلاف، والتماثل والتناقض معلل في أحد الضدين بذلك الضد، وفي الضد الآخر بالضد الآخر، وهو غير ضده، وما لزم من عدم أحدهما عدم ذلك الحكم، فضدية السواد معللة في السواد بالسواد، وليس السواد في البياض، والضدية حاصلة فيه معللة بالبياض.
وكذلك القول في جميع هذه الموارد المتقدم ذكرها من التناقض [وغيرها].
قوله: (المناسبة أولى من السبر: لكثرة مقدمات السبر في الإثبات والنفي):
قال سيف الدين: السبر أولى؛ لأنه مشتمل على ثبوت المقتضي، ونفي المعارض في الأصل.
стр. 3676
قوله: (لا نسلم أن الأشبه بالعقلية أولى):
تقريره: أن هذا إنما يتم إذا قلنا: العقل له مدخل في الشرائع، كما قاله المعتزلة حتى يكون الأشبه بالأصل مقدمًا.
أما إذا قلنا بأن العقل معزول عن الشرائع، وإن الحسن والقبح العقلين باطلان، فالأشبه بالساقط المعزول لا يكون أرجح، بل ساقط غير معتبر.
(مسألة)
الدوران الحاصل في صورة راجح على الحاصل في صورتين:
تقريره: أن في الصورة الواحدة يعدم الحكم مع بقاء بقية الأوصاف موجودة مع عدم الحكم، فيصدق أن يقال: لو كان بعض تلك الأوصاف علة لما عدم الحكم، لوجود علته.
فلما ثبت عدم الحكم مع وجود تلك الأوصاف جزمنا بعدم عليتها.
وأما في الصورتين، وقع عدم الحكم في صورة أخرى، غير الصورة التي حصل فيها وجود الحكم.
فلعل غير الوصف المعين للعلة في صورة الوجود هو العلة، ولم يتفق اقتران عدم بوجوده حتى يستدل بعدم الحكم معه على عدم عليته.
فقد سلم كل وصف من أوصاف صورة الوجود عن دلالة الدليل على عدم علية، فاحتمل أن يكون القضاء بعدم عليته خطأ، بخلاف الصورة الواحدة وجد فيها دليل عدم علته غير الوصف المعين للعلية، فكان خطأ، وباقي عدم اعتباره أقل مع أن السابق إلى فهم الفقيه أن الدوران في صورتين أرجح؛ لأنه يقول: كثرة الأدلة توجب الرجحان، وصورتان تتعاضدان في الدوران كتعاضد الدليلين، مع أن الأمر بالعكس لما تقدم تقريره في الشرح في (المحصول)، وإنما قصدت زيادة بيانه؛ لأنه مشكل على الطلبة كثيرًا.
стр. 3677
النوع الرابع
(في الترجيح الحاصلة بسبب دليل الحكم في الأصل)
قال الرازي: فنقول: هذا الطريق لاشك أنه يكون دالا، ثم ذلك الطريق: إما أن يكون في القياسين المتعارضين قطعيًا، أو ظنيًا، أو يكون في أحدها قطعيًا، وفي الآخر ظنيًا، فإن كان قطعيًا فيهما معًا، استحال الترجيح في ذلك؛ لما عرفت، وإن كانا ظنيين فالدليل الدال عليهما، إما أن يكون لفظًا، أو إجماعًا، أو قياسًا: فلنتكلم في تفاصيل هذه الأجناس، ثم في تفاصيل أنواع كل واحدٍ من هذه الأجناس:
أما البحث الأول فيشتمل على مسألتين:
إحداهما قالوا: القياس الذي ثبت الحكم في أصله بالإجماع، أقوى من الذي ثبت الحكم في أصله بالدلائل اللفظية؛ لأن الدلائل اللفظية تقبل التخصيص والتأويل، والإجماع لا يقبلهما، وهذا مشكل؛ لأنا حيث أثبتنا الإجماع؛ إنما أثبتناه بالدلائل اللفظية؛ والفرع، كيف يكون أقوى حالاً من الأصل؟!.
المسألة الثانية: قد تقدم في (كتاب القياس) أن الحكم في الأصل لا يجوز أن يكون مثبتًا بالقياس، وإن كان قد جوزه قوم، والمجوزون اتفقوا على أن القياس الذي ثبت الحكم في أصله بالنص - راجح على الذي ثبت الحكم في أصله بالقياس؛ لأن ذلك القياس لا يتفرع على قياس آخر إلى غير نهاية، بل لابد من الانتهاء إلى أصل ثبت حكمه بالنص، وإذا كان كذلك، فالنص أصل القياس، والأصل راجح على الفرع.
стр. 3678
البحث الثاني: في تفاصيل أنواع كل واحدٍ من هذه الأجناس الثلاثة:
فنقول: أما الدلائل اللفظية: فإما أن تكون متواترة، أو آحادًا: فإن كانت متواترًة، لم يمكن ترجيح بعضها على بعضٍ إلا بما يرجع إلى المتن، وإن كانت آحادًا، أمكن ترجيح بعضها على بعض بما في المتن، وبما في الإسناد، وتلك الوجوه قد ذكرناها فيما تقدم؛ فلا فائدة في الإعادة. وبالجملة: فكلما كان ثبوت الحكم في الأصل أقوى، كان القياس أرجح.
فإن كان ثبوت الحكم في أحد القياسين مقطوعًا، وفي الآخر (مظنونًا) كان الأول أولى؛ لما تقدم أن القياس الذي بعض مقدماته مقطوع، والبعض مظنون -راجع على ما كل مقدماته مظنون.
وأيضًا: فإذا ثبت الحكم في أحد الأصلين بإيماء خبر متواترٍ - فهو راجح على ما ثبت بإيماء خبر الواحد؛ ولكن بشرط التعادل في الإيماءين، ولو ثبت الحكم في الأصل بخبر الواحد، فالذي هو مدلول حقيقة اللفظ - راجح على ما هو مدلول مجازه.
القول في التراجيح بسبب دليل الحكم
قال القرافي: (بينا أن مسائل أصول الفقه القطعية يستدل فيها بالظواهر، والمقصود تلك الظواهر معضود كل واحد منها بالاستقراء التام من نصوص الكتاب والسنة، وأقضية الصحابة ﵃، وفتاويهم، ومناظراتهم، ومتى حصل الاستقراء التام حصل القطع ضرورة، ولا يعلم ذلك إلا من حصله، وغير المحصل له مقلد للمحصل.
وليس عجز العاجز حجة على المحصل، ولا مخلا بحصول العلم له،
стр. 3679
وقد تقدم كلام التبريزي في ذلك، وليس المقصود كل ظاهر على حياله من غير إضافة الاستقراء إليه.
فالإجماع في الحقيقة فرع مجموع الاستقراء، وهو قطع، فلم يكن الفرع أقوى من أصله، بل القطع فرع القطع.
**************
стр. 3680
النوع الخامس
القول في التراجيح الحاصلة بسبب كيفية الحكم
وهي على وجوه:
أحدها: القياس الذي يوجب حكمًا شرعيًا راجح على ما يوجب حكمًا عقليًا؛ لأن القياس دليل شرعي؛ فيجب أن يكون حكمه شرعيًا، إلا أنا لو قدرنا تقديم العلة المثبتة للحكم الشرعي على المثبتة للحكم العقلي - لزم النسخ مرتين، ولو قدرنا تقديم العقل، لزم النسخ مرة.
فإن قلت: (كيف يجوز أن يستخرج من أصلٍ عقلي علة شرعية؟!):
قلت: يجوز ذلك إذا لم ينقلنا عنه الشرع، فنستخرج العلة التي لأجلها لم ينقلنا عنه الشرع، أما إذا كان أحد الحكمين نفيًا، والآخر إثباتًا، وكانا شرعيين: فقيل: إنهما يتساويان؛ لكنا ذكرنا في (باب ترجيح الأخبار): أنه لابد وأن يكون أحدهما عقليًا.
وثانيها: الترجيح بكون أحد الحكمين في الفرع حظرًا، فذلك الحظر: إما أن يكون شرعيًا أو عقليًا: فإن كان شرعيًا: فهو راجح على الإباحة؛ لأنه شرعي، ولأن الأخذ بالحظر أحوط، وإن كان عقليًا، فكونه حظرًا جهة الرجحان، وكونه عقليًا جهة المرجوحية؛ فيجب الرجوع إلى ترجيحٍ آخر، ولابد في الحظر والإباحة من كون أحدهما عقليًا؛ على ما تقدم.
وثالثها: أن يكون حكم إحدى العلتين العتق، وحكم الأخرى الرق: فالمثبتة للعتق أولى؛ لأن للعتق مزيد قوةٍ، ولأنه على وفق الأصل.
следующие страницы →