← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

وقال قوم: يجوز بشرط ألا يقر عليه. لنا: أنا مأمورون باتباعه في الحكم؛ لقوله تعالى:﴾ فلا وربك، لا يؤمنون؛ حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ﴿فلو جاز عليه الخطأ، لكنا مأمورين بالخطأ، وذلك ينافي كونه خطأ. واحتج المخالف بقوله تعالى:﴾ عفا الله عنك؛ لم أذنت لهم ﴿فهذا يدل على أنه أخطأ فيما أذن لهم، وقال تعالى في (أساري بدرٍ):﴾ لولا كتاب من الله سبق، لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ﴿فقال ﵊: (لو نزل عذاب من الله، لما نجا إلا ابن الخطاب) وهذا يدل على أنه أخطأ في أخذ الفداء، ولأنه تعالى قال:﴾ قل إنما أنا بشر مثلكم ﴿فلما جاز الخطأ على غيره، جاز أيضًا عليه، ولأن النبي ﷺ قال: (إنكم تختصمون لدي، ولعل بعضكم ألحن بحجته من غيره، فمن قضيت له بشيءٍ من حق أخيه، فلا يأخذنه إنما أقطع له قطعة من النار) فلو لم يجز أن يقضي لأحد إلا بحقه، لم يقل هذا، ولأنه يجوز أن يغلط في أفعاله، فيجوز أن يغلط في أقواله؛ كغيره من المجتهدين. والجواب عن هذه الوجوه مذكور في الكتاب الذي صنفناه في (عصمة الأنبياء) فلا فائدة في الإعادة. مسألة: اتفقوا على جواز الاجتهاد بعد رسول الله ﷺ ، فأما في زمان الرسول ﵊ فالخوض فيه قليل الفائدة؛ لأنه لا ثمرة له في الفقه. ثم نقول: المجتهد: إما أن يكون بحضرة الرسول ﵊ أو يكون غائبًا عنه: أما إن كان بحضرته، فيجوز تعبده بالاجتهاد عقلاً؛ لأنه لا

стр. 3712

يمتنع أن يقول الرسول ﵊ له: (لقد أوحي إلى بأنك مأمور بأن تجتهد، أو مأمور بأن تعمل على وفق ظنك). ومنهم من أحاله عقلاً، واحتج عليه: بأن الاجتهاد في معرض الخطأ، والنص آمن منه، وسلوك السبيل المخوف، مع القدرة على سلوك السبيل الآمن قبيح عقلاً. وجوابه: أن الشرع لما قال له: (أنت مأمور بأن تجتهد، وتعمل على وفق ظنك) كان آمنًا من الغلط؛ لأنه بعد الاجتهاد، يكون آتيًا بما أمر به. وأما وقوع التعبد به، فمنعه أبو علي وأبو هاشمٍ، وأجازه قوم بشرط الإذن، وتوقف فيه الأكثرون. احتج المانعون بوجهين: الأول: أن الصحابة، لو اجتهدوا في عصره، كما اجتهدوا بعده، لنقل؛ كما نقل اجتهادهم بعده. الثاني: أن الصحابة كانت تفزع في الحوادث إلى الرسول ﷺ ، ولو كانوا مأمورين بالاجتهاد، لما فزعوا إليه. واحتج القائلون بالوقوع بأمورٍ: الأول: أنه ﵊ حكم سعد بن معاذ في بني قريظة، فحكم بقتل مقاتليهم، وسبي ذراريهم، فقال ﵊: (لقد حكمت بحكم الله - تعالى من فوق سبعة أرقعةٍ). الثاني: أنه ﵊ قال لعمرو بن العاص، وعقبة بن عامرٍ

стр. 3713

الجهني، لما أمرهما أن يحكما بين خمصين: (إن أصبتما، فلكما عشر حسناتٍ، وإن أخطأتم، فلكما حسنة واحدة). الثالث: أنه ﵊ كان مأمورًا بالمشاورة؛ لقوله تعالى:﴾ وشاورهم في الأمر ﴿ولا فائدة في ذلك إلا جواز الحكم على حسب اجتهادهم. والجواب عن الأول: لعلة قل اجتهادهم في حضرة الرسول ﷺ ، فلم ينقل؛ لقتله. وأيضًا: فقد نقل اجتهاد سعد بن معاذٍ، وعمرو بن العاص. وعن الثاني: لعلهم فزعوا إليه فيما لم يظهر لهم فيه وجه الاجتهاد، ولعلهم تركوه؛ لصعوبته، وسهولة وجدان النص. وعن الثالث: وهو خبر سعد وعمرو: أنه خبر واحدٍ؛ فلا يجوز التمسك به إلا في مسألة عملية، وهذه المسألة لا تعلق لها بالعمل. وعن الرابع: أن ذلك في الحروب ومصالح الدنيا، لا في أحكام الشرع. وأما الغائب عن حضرة الرسول ﵊ فلا شك في جواز أن يتعبده الله تعالى بالاجتهاد، لا سيما عند تعذر الرجوع، وضيق الوقت. وأما وقوع التعبد به، فقال به الأكثرون؛ والاعتماد فيه على خبر معاذٍ. مسألة في شرائط المجتهد: اعلم: أن شرط الاجتهاد أن يكون المكلف بحيث يمكنه الاستدلال بالدلائل الشرعية على الأحكام، وهذه المكنة مشروطة بأمورٍ:

стр. 3714

أحدها: أن يكون عارفًا بمقتضى اللفظ ومعناه؛ لأنه لو لم يكن كذلك، لم يفهم منه شيئًا، ولما كان اللفظ قد يفيد معناه - لغةً، وعرفًا، وشرعًا - وجب أن يعرف اللغة، والألفاظ العرفية والشرعية. وثانيها: أن يعرف من حال المخاطب: أنه يعني باللفظ ما يقتضيه ظاهره، إن تجرد، أو ما يقتضيه مع قرينة، إن وجدت معه قرينه؛ لأنه لولا ذلك، لما حصل الوثوق بخطابه؛ لجواز أن يكون عنى به غير ظاهره، مع أنه لم يبينه. قالت المعتزلة: وذلك إنما يعرف بحكمة المتكلم، أو بعصمته، والحكم بحكمة الله تعالى مبني على العلم بأنه تعالى عالم بقبح القبيح، وعالم بغناه عنه. وأما أصحابنا: فإنهم قالوا: الشيء، وإن كان جائز الوقوع قطعًا، لكنه قد نقطع بأنه لا يقع، فإنا نجوز انقلاب ماء جيحون دمًا، وانقلاب الجدران ذهبًا، وتولد الإنسان لا من الأبوين دفعةً واحدةً، ومع ذلك نقطع بأنه لا يقع، فكذا هاهنا نحن، وإن جوزنا من الله تعالى كل شيء؛ لكنه تعالى خلق فينا علمًا بديهيًا؛ بأنه لا يعني بهذه الألفاظ إلا ظواهرها؛ فلذلك أمنا من وقوع التلبيس. وثالثها: أن يعرف مجرد اللفظ، إن كان مجردًا، وقرينته إن كان مع قرينة؛ لأنا لو لم نعرف ذلك، لجوزنا في المجرد أن تكون معه قرينة تصرفه عن ظاهره، ثم القرينة قد تكون عقلية، وقد تكون سمعية: وأما القرينة العقلية: فإنها تبين ما يجوز أن يراد باللفظ مما لا يجوز. وأما السمعية: فهي الأدلة التي تقتضي تخصيص العموم في الأعيان، وهو المسمي بالتخصيص، أو في الأزمان، وهو النسخ.

стр. 3715

والذي يقتضي تعميم الخاص، وهو القياس؛ وحينئذٍ: يجب أن يكون عارفًا بشرائط القياس؛ ليميز ما يجوز عما لا يجوز. ثم هذه الأدلة السمعية غائبة عنا، فلابد من نقلها، والنقل: إما تواتر أو آحاد، فلابد وأن يكون عارفًا بشرائط كل واحد مننهما، ثم عند الإحاطة بأنواع الأدلة، لابد وأن يكون عارفًا بالجهات المعتبرة في التراجيح. فإن قال قائل: (فصلوا العلوم التي يحتاج المجتهد إليها): قلنا: قال الغزالي ﵀: مدارك الأحكام أربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل: فلابد من العلم بهذه الأربعة، ولابد معها من أربعةٍ أخرى: اثنان مقدمان، واثنان مؤخران، فهذه ثمانية لابد من شرحها: أما كتاب الله تعالى: فلابد من معرفته، وفيه تحقيقان: أحدهما: أنه لا يشترط معرفة جميعه، بل ما يتعلق منه بالأحكام، وهو خمسمائة آية. والثاني: أنه لا يشترط حفظها، بل أن يكون عالمًا بمواقعها؛ حتى يطلب منها الآية المحتاج إليها عند الحاجة. وأما السنة: فلابد من معرفة الأحاديث التي تتعلق بها الأحكام، وهي، مع كثرتها، مضبوطة في الكتب، وفيها التحقيقان المذكوران؛ إذ لا يلزمه معرفة ما يتعلق من الأخبار بالمواعظ، وأحكام الآخرة. والثاني: أنه لا يلزمه حفظها؛ بل أن يكون عنده أصل مصحح مشتمل على الأحاديث المتعلقة بالأحكام.

стр. 3716

وأما الإجماع: فينبغي أن يكون عالمًا بمواقع الإجماع؛ حتى لا يفتي بخلاف الإجماع. وطريق ذلك: ألا يفتي إلا بشيءٍ يوافق قول واحد من العلماء المتقدمين، أو يغلب على ظنه: أنه واقعة متولدة في هذا العصر، ولم يكن لأهل الإجماع فيها خوض. وأما العقل: فيعرف البراءة الأصلية، ويعرف أنا مكلفون بالتمسك بها، إلا إذا ورد يصرفنا عنه، وهو نص، أو إجماع، أو قياس؛ على شرائط الصحة، فهذه هي العلوم الأربعة. وأما العلمان المقدمان: فأحدهما: علم شرائط الحد والبرهان على الإطلاق، وثانيهما: معرفة النحو، واللغة، والتصريف؛ لأن شرعنا عربي، فلا يمكن التوسل إليه إلا بفهم كلام العرب، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب، ولابد في هذه العلوم من القدر الذي يتمكن المجتهد به من معرفة الكتاب والسنة. وأما العلمان المتمان فأحدهما: يتعلق بالكتاب، وهو علم الناسخ والمنسوخ، والآخر: بالسنة، وهو علم الجرح والتعديل، ومعرفة أحوال الرجال. واعلم: أن البحث عن أحوال الرجال في زماننا هذا مع طول المدة، وكثرة الوسائط - أمر كالمتعذر، فالأولي: الاكتفاء بتعديل الأئمة الذين اتفق الخلق على عدالتهم؛ كالبخاري، ومسلم، وأمثالهما. وقد ظهر مما ذكرنا: أن أهم العلوم للمجتهد علم أصول الفقه، وأما سائر العلوم، فغير مهمة في ذلك؛ أما الكلام: فغير معتبر؛ لأنا لو فرضنا إنسانًا جازمًا بالإسلام تقليدًا، لأمكنه الاستدلال بالدلائل الشرعية على الأحكام.

стр. 3717

وأما تفاريع الفقه: فلا حاجة إليها؛ لأن هذه التفاريع ولدها المجتهدون بعد أن فازوا بمنصب الاجتهاد، فكيف تكون شرطًا فيه؟!. واعلم: أن الإنسان كلما كان أكمل في هذه العلوم التي لابد منها في الاجتهاد - كان منصبه في الاجتهاد أعلى وأتم، وضبط القدر الذي لابد منه على التعيين - كالأمر المتعذر. مسألة: الحق أنه يجوز أن تحصل صفة الاجتهاد في فن، دون فن؛ بل في مسألة دون مسألة؛ خلافًا لبعضهم. لنا: أن الأغلب من الحادثة في الفرائض: أن يكون أصلها في الفرائض، دون المناسك، والإجارات، فمن عرف ما ورد من الآيات، والسنن، والإجماع، والقياس في باب الفرائض - وجب أن يتمكن من الاجتهاد. وغاية ما في الباب أن يقال: لعله شذ منه شيء؛ ولكن النادر لا عبرة به؛ كما أن المجتهد المطلق، وإن بالغ في الطلب، فإنه يجوز أن يكون قد شذ عنه أشياء. (الركن الثاني: المجتهد) قوله: (يجوز أن يكون في أحكام الرسول ﵇ ما صدر عن اجتهاد): قال القرافي: تقريره: أن المراد ها هنا - بالأحكام: الأحكام الصادرة عنه ﵇ بطريق الفتوى. أما ما صدر عنه ﵇ بتصرف القضاء، وفصل الخصومات - مجمع عليه أنه لا يفتقر إلى الوحي، وإن كان حكمًا شرعيًا. فلذلك قال ﵇: (فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيءٍ من حق أخيه، فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له قطعة من النار). فلو كان بالوحي لما توقف على السماع، ولما استوجب الأخذ النار؛ فإنه مأذون فيه من قبل الله تعالى.

стр. 3718

وهذا الأخير فيه نظر؛ فإن إعطاء أهل الحرب فداء الأساري مأمور به إجماعًا من قبل الله تعالى، والكفار آثمون بأخذه، بناء على أنهم مخاطبون بالفروع، وقاطع الطريق إذا عجز عنه إلا بإعطاء التافه اليسير جاز الإعطاء له، وهو حرام عليه. وكذلك من عجز عن منعه من الزنا بامرأة إلا بدفع مال وجب الدفع، والأخذ عليه حرام. وبالجملة: التصرف في الأحكام الشرعية بالقضاء، لا يتوقف على الوحي، وليس هو المراد - هاهنا - إجماعًا. قوله: (احتجوا بقوله تعالى:﴾ فاعتبروا ....... ﴿): قلنا: قد تقدم ما هو على هذا الموضع في كتاب (القياس). قوله: (فيكون مأمورًا بالقياس، وإلا قدح في عصمته): قلنا: هذا كلام غير منتظم، إنما ينتظم إن لم يقسم مع أنه مأمور حتى يكون عاصيًا؛ فيقدح ذلك في العصمة، أما كونه ليس مأمورًا لا يقدح ذلك في العصمة، وكم من شيء نحن مأمورون به، وليس هو ﵇ مأمورًا به. فإنا مأمورون بالتقليد للعلماء، وبرواية نصوص الدين، والنظر في التخريج، والتعديل، وتدوين العلوم والقرآن والقراءات وكتب النحو واللغة، وغير ذلك من الأحكام؛ مع أنه ﵇ لم يؤمر بشيء من ذلك، ولم يقدح ذلك في عصمته، وكيف يقدح عدم التكليف في العصمة؟ إنما يقدح ترك المكلف به بعد التكليف. قوله: (ترجيح الراجح على المرجوح من مقتضيات العقول): قلنا: لا نسلم؛ فإن إخبار العدل الواحد في الدماء وغيرها راجح صدقه على كذبه، ولم يحكم بموجب صدقه، ولا بكذبه؛ بل تركنا القسمين، ولم يقض العقل، ولا الشرع فيهما بشيء.

стр. 3719

فكذلك الجماعة من الصبيان، والنسوان، والكفار، والفساق، وقرائن الأحوال والتهم الظاهرة في السراق وغيرهم، كل ذلك ملغى عقلاً وشرعًا. فإن أردتم بالترجيح الحكم بموجب الراجح، بطل بهذه النقوض. وإن أردتم بالترجيح أنه يرجح عند العقل، فمسلم، لكنه لبس صورة النزاع، إنما النزاع في القسم الأول. قوله: (أفضل العبادات أحمزها): قلنا: إن الله - تعالى - لم يطلب المشقة من العباد، إنما طلب منه تحصيل المصالح، فإن لم تحصل إلا بمشقة عظم الأجر؛ لصعوبة الطريق في تحصيل تلك المصلحة؛ ولأنه يكون حظ النفس فيه بعيدًا، فيفوت

стр. 3720

الإخلاص، أما لو كان للجامع، أو للحج طريقان: أحدهما أشق، فأراد أن يفعل الأشق سلوكًا لتكثير ثوابه، كان غالطًا؛ بل هذا منهي عنه، لا ثواب فيه. وربما كان فيه العقاب على قدر مفسدة المشقة. وكذلك: لو تيسر له ماء ساخن في البرد للطهارة، والغسل، فأراد تركه، واستعمال البارد بالثلج؛ ليكون ذلك أشق عليه نهي عنه؛ لقوله - تعالى -:﴾ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ﴿، وقوله ﵇: (إن لنفسك عليك حقًا). وإنما تحسن المشقة إذا تعينت طريقًا للمصلحة، وأما المشقة من حيث هي مشقة فلا فائدة. (أحمزها) بالحاء المهملة، والزاي المعجمة. وكثير من الفقهاء يقولونها (بالجيم)، وهو غلط نقله صاحب (الصحاح)، وغيره. قوله: (لو لم يعمل بالاجتهاد كانت الأمة أفضل منه في هذا الباب): قلنا: قد تقدم أن الأمة عملت بأوامر لم تتوجه جهته ﵇ فما هو جوابكم هو جوابنا.

стр. 3721

والجواب الصحيح في ذلك كله - أن القاعدة: أن المفضول يجوز أن يختص بما ليس للفاضل، كما قال ﵇: (أقرؤكم أبي، وأقضاكم على، وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبلٍ، وأفرضكم زيد، والصديق ﵁ أفضل من الجميع). مع اختصاصهم بالأفضلية في هذه الصفات. وكذلك آدم ﵇ أبو البشر، ونوح أنذر قومه نحو ستمائة سنة، وغير ذلك من الصفات التي حصلت للكثير من الأنبياء، دونه ﵇ وهو أفضل من الجميع. وكل شريف عامي أفضل من الأئمة الأربعة: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد في نسبه، وكل واحد منهم أفضل. وكل شريفة عامية حصل لها من النسب ما لم يحصل لعائشة، وخديجة، وغيرهما مع القطع بالأفضلية فيهن، وهو كثير، فكذلك هاهنا. قوله: (في كل الأحكام بالاجتهاد متعذر؛ لأنه لابد من النص في الأصول):

стр. 3722

قلنا: قد تقدم في القياس - الخلاف في إثبات جملة الشريعة بالقياس، فيمتنع بناء على ذلك الخلاف. قوله: (إنه ﵇ قال: (العلماء ورثة الأنبياء)، فيثبت له ﵇ الاجتهاد حتى يرثوه): قلنا: هذا لا يتجه، فإنا إذا قلنا: زيد وارث عمرو - يقتضي أن ما ثبت لعمرو ينتقل لزيد، أما أن كل ما لزيد لابد أن يثبت لعمرو فباطل جزمًا؛ فإن الوارث قد يكون له أموال لم تكن لمورثه قط. وهذا في البطلان فيه شبه بقول المنطقين: (إن الموجبة الكلية لا تنعكس). فإذا قلنا: (كل إنسان حيوان) لا تنعكس كل حيوان إنسان) كذلك هاهنا لا تنعكس كل ما للوارث للموروث فيه شبه به وإن لم يكن منه، فظهر أن هذا الموضع غير مفيد المطلوب. وقوله: (إنه تقييد من غير دليل): غير متجه؛ بل ليس هاهنا تقييد، ولا تخصيص، بل النص غير مقيد بغير ذلك.

стр. 3723

قوله: (بعض السنن مضافة للنبي ﵇، فلو كان الكل بالوحي لم يختص ذلك به ﵇: قلنا: الوحي قسمان: وحي تعبدنا بتلاوته، وهو معجزة، وهو القرآن. ووحي لم يتعبد بتلاوته، ولا هو معجزة. فالحكم الثابت بهذا الوحي هو المضاف له ﵇؛ لأن الوحي ربما لم يبده لنا فأضفنا الحكم له. فإن أردتم غير هذا، فهو ممنوع. قوله: (إنه ﵇ (اجتهد في فداء أساري بدر): تقريره: أنه نزل عقيب هذا قول تعالى:﴾ ما كان لبني أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ﴿. وفي مسلم قال ﵇ لعمر ﵁: (عرض على عذاب قومك أدني من هذه الشجرة) أي: في أمر الفداء ...... الحديث بطوله، ولو كان بالوحي كان مأذونًا فيه، ولم يكن إنكار، ولا عذاب،

стр. 3724

والعذاب هاهنا لم يكن إلا أنه كان مع النبي ﵇ فيما قاله بالاجتهاد. قال العلماء: اختصوا بالعذاب، وإن ساووا في الاجتهاد؛ لأنهم قصروا، ورسول الله ﷺ لم يقصر. وإذا اجتهد الحاكم، ولم يصب كان له أجر من غير عقوبة. وكان عمر ﵁ مجتهدًا مصيبًا، ورسول الله ﷺ مجتهدًا مطيعًا، وأولئك الجماعة مجتهدون مقصرون.

стр. 3725

قوله: (بعض الصحابة - رضوان الله عليهم - راجعه في منزل نزله، والأحكام الشرعية لا تجوز مراجعته فيها): قلنا: إذا كانت عن اجتهاد، فلمن ظهر في نظره معارض راجح أو سؤال صحيح على ذلك المدرك الذي تمسك به المجتهد أن يسير إليه؛ لينتقل ذهنه إليه، ويكون ذلك من باب التعاون على المعروف والطاعة. ونحن: مأمورون بالنصح معه ﵇ ومع الخلق كلهم برهم وفاجرهم، في جميع الأحوال؛ لاسيما في الأمور المهمة من الدين، فلا تنافي بين المراجعة والأحكام الشرعية. قوله: (الاجتهاد لا يفيد إلا الظن، وهو ﵇ قادر على تلقيه من جهة الوحي، والقادر على العلم لا يجوز له الاكتفاء بالظن): قلنا: لا نسلم هذا لا طردًا، ولا عكسًا؛ لأن الاجتهاد، قد تكون له مقدمات يقينية، فيحصل العلم - كما تقدم في القياس - أنه قد يعلم تعليل الأصل بكذا، ويعلم وجود العلة في الفرع، فيحصل اليقين. وأما الوحي: فقد يكون بالظاهر، وقد يكون بالنص. والظاهر: لا يفيد اليقين، وسماعه ﵇ من جبريل كسماع الصحابة من النبي ﵇ والصحابي إذا سمع الظاهر، لم يقطع بأنه المراد منه ظاهره إلا بقرائن خارجه عن دلالة اللفظ، وقد لا تحصل تلك القرائن؛ بل الأصل عدمها في الموطنين، فلا يحصل إلا الظن في الجهتين. وبه: ظهر الفرق بين معاين القبلة، وبين هذه المسألة. قوله: (لو جاز له ﵇ الاجتهاد، لجار لجبريل ﵇. قلنا: الفرق أن رسول الله ﷺ مكلف بسياسة الأمة، وتحصيل مصالح الدنيا والآخرة للخلق إجمالاً وتفصيلاً.

стр. 3726

وقد يعجزه ذلك في البعض بالنص، فيحصله بالاجتهاد، وجبريل ﵇ لم يكلف بشيء من أمور الخلق بل بالتبليغ فقط، وهو نقل صرف، لا مدخل للاجتهاد فيه. قوله: (إذا أفتى ﵇ بالحكم صار مقطوعًا به؛ كما في الإجماع): تقريره: أن الحكم يكون مدرك النبي ﵇ ومدرك الإجماع فيه ظنيًا، فإذا أفتى به حصل القطع من جهة الدليل الدال على العصمة، وإن ذلك حق قطعًا، فيحصل في ذلك الحكم القطع من جهة الدليل الدال على العصمة، لا من جهة الدليل الظني، ولا مانع أن يحصل ما دل عليه الظن دليل يفيد القطع، كما يقول الفقهاء: هذه المسألة يدل عليها الكتاب والسنة والإجماع، والقياس، فيجمعون بين أخبار الآحاد، والقياس، والإجماع، والأولان ظنيان، والإجماع قطعي. قوله: (لو جاز عليه ﵇ الخطأ، لكنا مأمورين باتباعه فيه): قلنا: قوله ﵇: (فمن قضيت له بشيءٍ من حق أخيه، فلا يأخذه، وإنما أقطع له قطعة من النار) يقتضي أنه قد يقضي لزيد بما لا يستحق مع أن مخالفته في جميع أقضيته ﵇ مستوف أوامر، ونحن مأمورون بالتسلم له ﵇ في جميع أحكامه. قوله: (احتجوا بقوله تعالى:﴾ عفا الله عنك لم أذنت لهم ﴿): قلنا: قال القاضي عياض في (الشفاء): (إن معنى هذه الآية: أن الله - تعالى - كان خيره بين الإذن لهم وعدمه، فاختار الإذن لهم، فأعلمه الله - تعالى - أن المصلحة كانت تقتضي عدم الإذن، حتى يتبين له

стр. 3727

أمرهم، فالحكم الشرعي كان التخيير، والمصلحة مختلفة، كما خير الله - تعالى - بين خصال الكفارة، مع اختلاف مصالحها، وخير ﵇ ليلة الإسراء بين اللبن والخمر، مع أن الخمر يغوى، واللبن يهدى - كما جاء في الحديث. وإذا كان الحكم التخيير، فلا خطأ في حكم شرعي حينئذ. قوله: (إنكم تختصمون إلى ......) الحديث: قلنا: النزاع في هذه المسألة، إنما هو في غير فصل الخصومات، فلا حجة في الحديث. قوله: (يجوز عليه ذلك، كغيره من المجتهدين): قلنا: الفرق أنه ﵇ واجب الاتباع علينا، وغيره من المجتهدين لا يجب اتباعه عينًا؛ بل يجتهد بينه وبين غيره، والخطأ مع التعيين ألجأ للاتباع في الخطأ. (سؤال) قوله: (إنه ﵇ قادر على الوحي): قلنا: لا نسلم؛ لأنه قد يضيق الوقت عليه، وليس في قدرته ﵇ إنزال جبريل عليه في أي وقت أراد، فقد تأخر عنه اثني عشر يومًا، لما سأله أهل الكتاب عن أهل الكهف، وذي القرنين.

стр. 3728

(سؤال) قوله: (مخالف الرسول ﵇ كافر): قلنا: لا نسلم؛ بل فيما علم أنه من الدين ضرورة، أما ما دل عليه ظاهر لفظه، مما يحتمل التأويل، فأوله بعض السامعين، فلا يلزم تكفيره، والمعلوم بالضرورة أيضًا لا يكفر جاحده، إلا إذا اطلع على أنه ضروري. أما حديث العهد بالإسلام ممن نشأ بأرض الحرب فلا. (سؤال) لو قلنا: إن الله - تعالى - جعل لجبريل ﵇ الاجتهاد، كما جعله للنبي ﵇ لم يلزم منه مفسدة ؛ لأن المقصود هو الاطلاع على ما قام بذات الله - تعالى - من الأحكام الشرعية، فسواء دل عليه نص، أو يقول الله تعالى: (مهما اجتهد فيه جبريل، وقاله، فهو حكمي، فإني لأجري على قلبه، ولسانه إلا ما دلالته مطابقة لحكمي) صح ذلك من غير مفسدة. بل لو قال الله تعالى: (إذا هبت الريح، فاعلموا أني قد أوجبت عليكم صلاة هي كذا)، صح، وقطعنا عند هبوب الريح بوجوب تلك الصلاة. (سؤال) قوله: (لو جاز عليه الخطأ، لكنا مأمورين بالخطأ): قلنا: لا يلزم؛ لأن الكلام في الجواز، ولا يلزم من الجواز الوقوع، ونحن إنما نؤمر باتباعه، فيما وقع، فلعل الواقع كله صواب. (تنبيه) قال التبريزي (بدل قوى المصنف: وقال بعضهم: كان يجتهد في

стр. 3729

الحروب دون أحكام الدين، قال بعضهم. يجوز ذلك في الفروع لا في الأحكام) وهذه عبارة ردية؛ لأن الفروع من أحكام الدين. ثم قال في الجواب عن حججه: (إن الآية - وهي قوله تعالى:﴾ فاعتبروا ...... ﴿عموم ضعيف الدلالة على جواز أصل الاجتهاد. وقال: وأما قوله: (الاجتهاد أشق) - فهو مثل قول القائل: يجب سلب كمال العقل عن الأنبياء، ونفاذ البصيرة؛ ليكون درك الحق عليهم أشق، حتى لا يكون بله الأمة أفضل منهم. وأما قوله ﵇: (العلماء ورثة الأنبياء) فيقتضي أنهم ورثوا منه شيئًا استحقوا به اسم الوراثة، لا ألا يملكوا شيئًا إلا إرثًا منه). كيف واسم الوراثة - هاهنا - مجاز، فيكفي في الوقاية إثبات مشابهة الوارثة في المعنى؟. قال: بل المعتمد إن فهم تحريم النبيذ إذا كان مقصودًا من تحريم الخمر نصًا، ورد التكليف به من الله - تعالى - والعمل به، فالنبي ﵇ أحق بمعرفة هذه الملازمة والقصد، فإذا سئل عن تحريم النبيذ، فإن شاء قال: هو حرام؛ إسنادًا إلى ما فهم من النص الوارد في الخمر. أو يقول: أرأيت الخمر كيف حرمت؟ فيأذن له أن يقيس هو، وعند هذا يقول: لا فرق بين الأصول والفروع؛ فإن الأصول، وإن افتقرت إلى اليقين، فالقياس قد يفيد اليقين. وقال على قوله: (القادر على اليقين لا يتبع الظن): إن ذلك ممنوع؛ لأن القادر على الوضوء من ماء البحر، يجوز له التوضؤ من الأواني، ونحن إنما أوجبنا طلب النص - قبل الاجتهاد - حذرًا من مخالفة النص،

стр. 3730

والنبي ﵇ آمن من ذلك؛ لأنه يعلم عدم النص في تلك الواقعة). وعن اجتهاد جبريل - أنه مبلغ لا مشرع - قال: ثم لا محذور في عدم التمييز؛ لأن الكل شرع واجب الاتباع، وهل الأصح تحمله بغير واسطة، أو بواسطة ميكائيل، أو مطالعة اللوح المحفوظ؟ قال: ودليل جواز عدم الخطأ عليه - وإن قلنا بالاجتهاد - أن تجويزه يقتضي إيهام الخطأ ي تفهيم الأحكام بألفاظ ظاهرة، والمراد خلافها. قال: وقول المصنف - (إنه لو جاز لكنا مأمورين بالاتباع في الخطأ) منقوض باتباع فتوى المفتي على العامي، والراوي عن المفتي، والشاهد على القاضي. وأجاب عن حجاج المجوزة: بأن تلك الحجاج - كلها - في مصالح الحروب، وتدبير أمور الدنيا، والحكم، والفتوى، بمقتضي السؤال، وما ينتهي إليه من الوقائع، وكل ذلك جائز، على أن لا خطأ في الحكم والفتوى؛ لأنه تنبيه على أن تكون الوقائع على ما ظهر له، وإنما الممتنع إمكان الخطأ فيما يبلغه من الشرع. قلت: قوله: (إن الآية عموم ضعيف) لا يتم؛ لأن الآية مطلقة، لا عامة؛ لأنها فعل في سياق الإثبات، فتكون مطلقة. وقوله: (إن العلماء ورثوا شيئًا استحقوا به اسم الوراثة): معناه: أن (وارث) صيغة اسم فاعلٍ، فهو مطلق في التوريث، كـ (صائم) لا يقتضى أنه صام عدة أيام؛ بل أصل الصوم، ولو يوم. وقوله: (القادر على الوضوء من ماء البحر قادر على اليقين) - ممنوع، فإنه ما من جريةٍ من البحر إلا ويجوز أن يكون فيها خروء سمكة، وهو مختلف في نجاسته، ومع الاختلاف لا يقين.

стр. 3731

وقوله: (هل الأصح مطالعته بغير واسطة)؟ إشارة إلى اختلاف العلماء في ابتداء الوحي، هل كان جبريل ﵇ ينقل له ملك عن الله تعالى؟ أو يخلق له هو علم ضروري - بأن الله - تعالى طلب منه أن يأتي محمدًا، أو غيره من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بسورة كذا؟ أو يخلق له علمًا ضروريًا، بأن يأتي اللوح المحفوظ، فينقل منه كذا؟، هذه ثلاثة مذاهب منقولة في ابتداء وحي الشرائع. (فائدة) قال سيف الدين: (يدل على اجتهاده ﵇ قوله تعالى:﴾ وشاورهم في الأمر ﴿، وقوله تعالى:﴾ ففهمناها سليمان ﴿، فدل على أن ذلك جائز على الأنبياء من حيث الجملة. وروى الشعبي: أنه ﵇ كان يقضي القضية، وينزل القرآن - بعد ذلك - بغير ما قضى به، فيترك ما كان قضى به على حاله، ويستقبل ما نزل به القرآن، والحكم بغير القرآن لا يكون إلا بالاجتهاد، وقال ﵇ في قضية (مكة): (لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها)، فقال

стр. 3732

العباس: (إلا الإذخر)؟، فقال ﵇: (إلا الإذخر)، والحالة لا تحتمل نزول الوحي، فكان الاستثناء بالاجتهاد. قال الغزالي ي (المستصفى): (الصحيح جواز الاجتهاد عليه ﷺ . وكذلك قاله سيف الدين. قال الغزالي: فإن قلت: إذا قاس ﵇ فرعًا على أصل، إن قستم على ذلك الفرع، فكيف يجوز القياس على الفرع؟ وإن منعتم، فكيف تمنعون القياس عليه، مع أنه منصوص عليه؟ قلت: يجوز القياس عليه، وعلى كل فرعٍ أجمعت الأمة على إلحاقه بأصل؛ لأنه صار أصلاً بالإجماع، والنص. وقد جوزه بعض العلماء، وإن لم توجد علة النص. قال الغزالي: هذا البحث في الجواز، وأما الوقوع فقيل: وقع، وقيل: لا، وقيل بالوقف. قال: وهو الأصح؛ لأنه لم يثبت فيه قاطع. قال: واحتجوا على الوقوع بقضية الإذخر، وغيره، والجواب: لعلة كان نزل الوحي ألا يستثنى الإذخر، إلا عند قول العباس، أو كان جبريل ﵇ حاضرًا، فأشار إليه، فأجابه العباس.

стр. 3733

قال الغزالي: فهل تجوزون التعبد بوضع العبادات، ونصب الزكاوات، وتقديرها بالاجتهاد؟. قال: قلنا: لا نحيل ذلك، ولا بعد في أن يجعل الله - تعالى - صلاح عباده فيما يؤدي إليه اجتهاد رسوله. (مسألة) في الاجتهاد لغير رسول الله ﷺ - قوله: (سلوك الطريق المخوف مع القدرة على الآمن قبيح عقلاً):

стр. 3734

............................................................

стр. 3735

قلنا: هذا بناءً على قاعدة الحسن والقبح، وقد أبطلناها. قوله: (إذ أمر بأن يعمل بمقتضى ظنه، فقد أمن الغلظ): قلنا: ليس هذا على إطلاقه: فإنه إذا قيل له: أمرت بالاجتهاد في تعيين الراجح بالنسبة إلى القواعد الشرعية، وقد يخطئه، وكذلك إذا أمر بالاجتهاد في طلب الحكم المعين في نفس الأمر - على القول بأن المصيب واحد - فقد يخطئه.

стр. 3736

أما إذا قيل له: لا نكلفك بشيءٍ من ذلك، بل ما غلب على ظنك كيف كان، فهو الحكم الشرعي ععليك، فحينئذ يسد باب الخطأ عنه. فالأحوال حنيئذ ثلاثة: يمكنه خطؤه في وجهين منها. قوله: (أجاز قوم وقوع الاجتهاد في زمنه ﵇ بشرط الإذن): يريد: أن يأذن له الشرع في الاجتهاد، أما إن سلب عن ذلك، فحرام؛ لأن الأصل أنه لا يتصرف في الشرائع إلا بالإذن، وبغير الإذن حرام، إلا على رأي المعتزلة المحكمين للعقل، في ترتيب الأحكام بالعقل على المصالح والمفاسد؛ فإن عندهم العقل دل على أن الله - تعالى - أمر بذلك، وأذن فيه، بمقتضى الحكمة، لا بإذن متجدد على ألسنة الرسل. (سؤال) هذا الكلام مشكل؛ فإنه حكى المنع من الوقوع مطلقًا، ثم قال: وأجازه قوم بشرط الإذن . والإجازة بشرط الإذن ليس بحثًا في الوقوع. بل نختار في الجواب والتقدير أنه فرع نم البحث في الجواز. ثم قال: وأما الوقوع فمنعه قوم، وأجازه قوم بشرط الإذن، فلا يحسن أن يكون القول الثاني قسيمًا للأول؛ بل قسمان من أقسام الجواز المتقدم قبل هذا البحث. قوله: (هذا خبر واحد، فلا نتمسك به): في قول التبريزي: إنما نتمسك بالظواهر في مسائل أصول الفقه، مضمومة إلى الاستقراء التام في نصوص الكتاب والسنة وأقضية الصحابة -

стр. 3737

رضوان الله عليهم -وفتاويهم، ومن اطلع على ذلك - حق الاطلاع عليه - فقد حصل له العلم بهذه المسائل. قوله: (تمسكنا بظاهر): فمرادنا ذلك الظاهر مضافًا لهذا الاستقراء؛ لأنه دليل بمجرده، فاندفع السؤال عن الجميع. قوله: (إن قوله تعالى:﴾ وشاورهم في الأمر ﴿محمول على الحروب والآراء، دون مصالح الدين): قلنا: الأمر معرف بالألف واللام، فيقتضي العموم في كل ما يسمي أمرًا من الفعل، أو القول. إن قلنا: إن صيغة الأمر مشتركة، أو في كل ما كان طلبًا، إن قلنا بعدم الاشتراك فيها. وعلى هذين التقديرين: تندرج الأحكام الشرعية؛ لأنه لا قائل بالفرق بين حكم فيه طلب، وغيره. (فائدة) قال سيف الدين: الأكثرون على جواز الاجتهاد لمن عاصره ﷺ ومنعه الأقلون ، واختلف المجوزون في ثلاثة أمور: الأول: منهم من جوزه للقضاة والولاة في غيبته، دون حضوره، ومنهم من جوزه مطلقًا. الثاني: منهم من جوز ذلك مطلقًا إذا لم يوجد من ذلك منع، ومنهم: من قال: لا يكتفي بمجرد عدم المنع؛ بل لابد من الإذن، ومنهم: من قال: السكوت عنه مع العلم بوقوعه كافٍ.

стр. 3738

الثالث: اختلفوا في وقوع التعبد به سمعًا. فقيل: وقع، وتوقف الجبائي في ذلك مطلقًا، وتوقف القاضي عبد الجبار في حق من حضر دون من غاب. والمختار: جواز ذلك مطلقًا، ووقوعه في حضوره ﵇ وغيبته. وهذا النقل بعينه - نقل المسطرة - هو في (المستصفى) حرفًا حرفًا. (مسألة) في شرائط المجتهد قوله: (والحكم بحكمة الله - تعالى - مبني على العلم بأنه - تعالى - عالم بقبح القبيح، وعالم بغناه عنه): قلنا: المبني على هذين المقامين ظهور أثر الحكمة، والعمل بها، أما الحكمة فهي هيئة وحالة الحكم، وهي عبارة عن كونه بحيث إذا اطلع على قبيح تركه، أو حسنٍ حسن منه فعله. وقد يتفق له الاطلاع على ذلك، وقد لا يتفق له الاطلاع عليه، فالحكم بالحكمة على القول بها مبني على هذه الحيثية، على ذنيك المقامين. قوله: (خلق فينا علمًا ضروريًا، بأنه لا يريد هذه الألفاظ إلا ظواهرها): تقريره: أن هذا العلم له سبب عادي، وهو تكرر ذلك منه - تعالى - وقرائن أحوال السياق، وغيرها من القرائن الواردة، مع اختلاف الأمم، والشرائع وتعاقب الأعصار، فصار ذلك سببًا للعلم الضروري؛ إن حسن استقراؤه لذلك.

стр. 3739

قوله: (القرينة السمعية هي التي تقضي تخصيص العموم في الأعيان، وهو المسمي بالتخصيص، او في الأزمان، وهو النسخ): قلنا: هذا الكلام يقتضي أن القرينة العقلية ليست كذلك؛ لقولكم فيها: إنها الدالة على ما يجوز أن يراد باللفظ، ولم تذكروا هذا التفصيل فيها، ثم ذكرتم التفصيل في القرينة السمعية، وضدها. والعقلية: هي - أيضًا - تقتضي التخصيص، كما في قوله تعالى:﴾ الله خالق كل شيء ﴿. وقد تقدم للمصنف في النسخ - أن الفعل يكون ناسخًا - أيضًا في حق من قطعت رجلاه؛ فإن حكم الوضوء يسقط عنه، فاستوى العامان، فلا معنى لتخصيص السمعية بالتخصيص والنسخ. قوله: (الذي يقتضي تعميم الخاص هو القياس): تقريره: أن القياس إذا اعتبر في خصوص قوله ﵇: (لا تبيعوا البر بالبر)، اقتضى تعميمه في كل مطعوم، فقد صار الخاص الذي هو

стр. 3740

حكم الحديث عامًا في موارد العلة، فالعموم حصل في حكم النص، لا في النص، ثم كلامه يقتضي أنه قسيم للقرينة العقلية، والسمعية؛ لجعله إياه ثالثًا بعدهما، مع أنه لا يخرج شيء عن العقل والنقل، والحق أنه سمعي عقلي. سمعي: باعتبار الدليل الدال على أن القياس حجة، والنص الوارد في أصل القياس؛ لتوقف القياس عليه أيضا. وعقلي: لتوقفه على تصرف العقل في استنباط العلة، وتحقق شروط القياس. قوله: (الذي تتعلق به الأحكام الشرعية خمسمائة آية): قلت: قال الشيخ أبو إسحاق في (اللمع): (آيات الأحكام)، ولم يحصره، غير أنه قال: لا يلزمه آيات المواعظ، ونحوها، وكذلك ابن برهان، وغيره لم يحصرها، وحصرها صاحب "الروضة"، وصاحب "التمهيد".

стр. 3741

قال ابن برهان في (الأوسط): يشترط فيه معرفة الكتاب العزيز، ناسخه ومنسوخه، وأسباب نزوله، ومجمله، ومفصله، وعامه، ومجملة في آيات التكاليف، دون المواعظ، وغيرها وعالمًا بالسنة: متنًا وإسنادًا، والصحيح، والسقيم، والعدل، والمجروح.

стр. 3742

ولم يذكر ما ذكره في (المحصول): من الاقتصار على تجريح غيره، وتعديله، كمسلم، والبخاري. وقد قال جماعة من العلماء: إن البناء على الفعل، أو الفاعل، أو وسيلة الفعل وسببه، أو ذكر الجزاء على الفعل، أو العقاب على تركه، يدل على طلب ذلك الفعل، وكذلك ذم الفعل، أو الفاعل، أو وسيلة الفعل، أو ذكر الثواب على تركه، والعقاب في فعله؛ يقتضى النهي عن ذلك الفعل، وكذلك ذكر التهديد، ونحوه دليل التحريم، والامتنان دليل الإباحة. وهذه الأمور كلها غير الأوامر، والنواهي، وصيغ التخيير، فإذا اعتبرت هذه الجهات مع دلالة الالتزام، وأنواعها من المفهومات، وغيرها، والتضمنات، والاقتضاءات حصل من ذلك أحكام كثيرة.

стр. 3743

وقد قال بعض العلماء: كل قصة مذكورة في كتاب الله - تعالى - فالمراد بذكرها الانزجار عما في تلك القصة من المفاسد التي لابسها أولئك الرهط، والأمر بتلك المصالح التي لابسها المحكي عنه. وكل قسم في كتاب الله - تعالى - متضمن الأمر بتعظيم المقسم به، وكل نداء بصفة الخير يدل على الأمر بتلك الصفة، أو بصفة الشر يقتضي النهي عن تلك الصفة، نحو:﴾ يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ﴿،﴾ يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ﴿، فإذا استوفيت هذه الأقسام بوجوه الاعتبار لم يبق في كتاب الله - تعالى - آية إلا وفيها حكم شرعي. فلا معنى لتخصيص موارد الأحكام بخمسمائة آية. وهذا البحث بعينه يطرد في الأحاديث، فيندرج فيها ما ينبغي اندراجه من أخبار المواعظ، وأحكام الآخرة. قوله: (يعرف مواقع الإجماع، والخلاف): قلت: من هذا الموضع يحصل الجواب عن سؤال كبير، وهو أن الاجتهاد من فروض الكفايات، وقد فقد الاتصاف به - في هذا العصر - فتكون الأمة - الآن - قد اجتمعت على ترك السعي في تحصيل صفة واجبة التحصيل، فتكون مجمعة على المعصية، والإجماع على المعصية مخل بعصمة الأمة. وجوابه: أن الوجوب مشروط بالإمكان، فإذا تعذر الشرط سقط الوجوب، وإذا كان العلم بالإجماع والخلاف شرطًا في جواز الاجتهاد، وقد انتشرت المذاهب - في هذا الوقت - بكثرة التفاريع، والتصانيف انتشارًا شديدًا، بحيث يتعذر ضبط المذهب الواحد بتصانيفه وفروعه، فضلاً عن جميع المذاهب.

стр. 3744

وإذا تعذر الاجتهاد سقط وجوبه، فلا يعصى الناس بترك الاجتهاد. قوله: يشترط معرفة شرائط الحد، والبرهان على الإطلاق): قلنا: لا يكمل معرفة ذلك إلا بإيعاب علم المنطق؛ فإنه ليس فيه إلا ذلك، فيكون المنطق شرطًا في منصب الاجتهاد، فلا يمكن - حينئذ - أن يقال: الاشتغال به منهي عنه. وأن العلماء المتقدمين كالشافعي، ومالك لم يكونوا عالمين به؛ فإن ذلك يقدح ذلك في حصول منصب الاجتهاد لهم. نعم هذه العبارات الخاصة، والاصطلاحات المعنية في زماننا لا يشترط معرفتها، بل معرفة معانيها فقط. قوله: (العلمان المتمان، أحدهما: متعلق بالكتاب، وهو علم الناسخ والمنسوخ): قلنا: هذا ليس خاصًا بالكتاب؛ بل الناسخ والمنسوخ في السنة أيضًا. قوله: (أهم العلوم للمجتهد: أصول الفقه، وسائر العلوم غير مهمة): قلنا: عليه مناقشة لفظية، من جهة أن قولكم: إن أصول الفقه أهم - يقتضي أن غيره مهم؛ إلا أنه زاد في الاهتمام؛ لأن (أفعل) التفضيل تقتضي المشاركة. فقولكم بعد ذلك: (إن غيره غير مهم) يناقضه. قوله: (التفاريع الفقهية لا يحتاج إليها): قلنا: قال سيف الدين وغيره: الفروع الفقهية يحتاج فيها أمران في أصول الفقه:

стр. 3745

تصورها: لأن أصول الفقه أدلة مضافة للفقه، ومعرفة المضاف فرع معرفة المضاف إليه. وثانيهما: التمثيل بالفروع، والاستشهاد، والاحتجاج، والنقض على الخصوم، وعلى الأدلة. كما نقول: لو كان الأمر للوجوب لانتقض بالكتابة، وغيرها من المأمورات، ولو كان القياس حجة للزم العمل حيث أجمعنا على ترك المناسب، كتركنا لتحريم زراعة العنب؛ لسد ذريعة الخمر، وتحريم التجاور في المنازل خشية الزنا، ونحو ذلك. فإذا كان منصب الاجتهاد متوقفًا على أصول الفقه، وأصول الفقه متوقف على الفروع من وجهين، لزم توقف منصب الاجتهاد - من هذين الوجهين - على الفروع. وأما قوله قبل هذا: (إن معرفة اللغة، والنحو، والتصريف شرط). فتقريره: أما اللغة: فلتعلم مسميات الألفاظ، وترتب عليها مقتضاها؛ لأن القرآن الكريم عربي. وأما النحو: فإن تغيير الإعراب تغير المعنى، ألا ترى إلى قوله ﵇: (إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة). وقعت المناظرة فيه بين سني، وإمامي: فاستدل السني به على أن فاطمة ﵂ لا ترث؛ لإخباره ﵇ في هذا الحديث: أن ما تركه يكون لمصالح المسلمين. فقال له الإمامي: هذا منك بناء على أن لفظ (الصدقة) مرفوع؛ وإنما هو منصوب، ومعنى الكلام: إنا لا نورث، فما تركناه صدقةً، أي: لا نورث أوقافنا؛ بل تتأبد وقفيتها.

стр. 3746

حتى استدل الحنفية: على أن وقف غير الأنبياء ﵈ يورث بطريق المفهوم، فلا يكون في الحديث على هذا حجة لعدم توريثها مطلقًا. فقال السني وكان لا يعرف النحو: لا أدري ما صدقة، ولا صدقة، ولكن هذا الحديث قيل لمن هو أعلم منك باللغة، وكلام العرب، وهو فاطمة ﵂ لما ذكره لها أبو بكر الصديق ﵁ فاعترفت به، ولم تقل ما قلت. ولو كان ما قلته صحيحًا لقالته ﵂، فانقطع الإمامي، فلو لم يوفق الله - تعالى - السني لهذا الجواب لانقطع بسبب تغير المعنى بتغير الإعراب. ونظيره: قوله ﷺ : (اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر، وعمر) بالخفض على البدلية، فيكونان هما المقتدى بهما. والإمامية: يرون بزعمهم بالنصب على النداء: يا أبا بكر وعمر، فيكونان على هذا التقدير مأمورين بالاقتداء بغيرهما؛ لا أن غيرهما مأمور باتباعهما، فيختلف المعنى؛ لأجل اختلاف الإعراب، ونظائره كثيرة. وأما التصريف: فلأنه إنما يفتى بجلد الزاني، والزانية، إذا علم أن اسم الفاعل من زنا يزنى: زانٍ وزانية. أما لو جوزنا: أن يكون هذا اللفظ لغير ذلك، لاختلف الحكم، وكذلك إنما يفتي بقتل المشركين، إذا علم أن اسم الفاعل من أشرط: مشرك، ونظائره كثيرة، وهذا من باب التصريف. وأما الحد والبرهان: فلأن الحدود هي التي تضبط بها الحقائق التصورية، فمن علم ضابط شيء، فهو مستضئ بذلك الضابط، فأي محل وجد الضابط عليه، قضى بأنه تلك الحقيقة، وما لا فلا، وهو معنى قول بعض العقلاء:

стр. 3747

إذا اختلفتم في الحقائق، فحكموا الحدود، فمن لا يعلم صحة الضابط من سقمه، لا يعرف كيف يستضيئ به، والمجتهد يحتاج في كل حكم لذلك؛ لأن الذي يجتهد فيه إن كان حقيقة بسيطة، فلا يضبطها إلا الحد، وإن كان الذي يجتهد فيه تصديقًا ببعض الأمور الشرعية، وكل تصديق، فهو مفتقر لتصورين، فيحتاج لمعرفة ذينك التصورين بضابطهما، فهو محتاج للحد كيف اتجه في اجتهاده. وشرائطه معلومة في علم المنطق: وهو وجوب الاطراد، والانعكاس، وألا يحد بالأخفى، ولا بالمساوي في الخفاء، ولا بما لا يعرف المحدود إلا بعد معرفته، وألا يأتي باللفظ المجمل، ولا بالمجاز البعيد، وأن يقدم الأعم على الأخص. وأما شرائط البرهان: فيحتاج إليها؛ لأن المجتهد لابد له من دليل يدله على الحكم قطعي، أو ظني، وكل دليل فله شروط محررة في علم المنطق، متى أخطأ شرطًا منها، فسد عليه الدليل، وهو يعتقده صحيحًا، وتلك الشروط تختلف بحسب موارد الأدلة، وضروب الأشكال القياسية، وبسط ذلك في علم المنطق. (تنبيه) قال التبريزي: يكفي من النحو واللغة الذي يحصل الفهم من مقاصد الكلام دون التغلغل في مشكلات سرائره . وحصر الغزالي المحتاج إليه في خمسمائة مشكل؛ لأن العلم بحصر دلائل الأحكام يتوقف على جميع استقراء جمل الكتاب والسنة، وفهم مقاصدها، فكيف يجوز له الاقتصار على بعضها؟، وكيف يأمن أن يكون وراء ما

стр. 3748

حوى وحصر أدلة يمكن استفادة حكم الواقعة منها؟ إلا أن يجوز له التقليد فيه. وهو أيضًا مشكل؛ لأن وجوه دلالة الدلائل، قد تختلف باختلاف نظر المجتهدين، فيخص البعض بدرك ضروب منها، ولهذا عد من خاصية الشافعي التفطن لدلالة قوله ﵇: (إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء، حتى يغسلها ثلاثًا؛ فإنه لا يدري أين باتت يده) على نجاسة الماء القليل، بوقوع النجاسة فيه من غير تغيير. ودلالة قوله ﵇: (تقعد إحداهن شطر عمرها لا تصلى) على تقدير أكثر مدة الحيض بخمسة عشر يومًا.

стр. 3749

ودلالة قوله تعالى:﴾ وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدًا إن كل من في السموات والأرض إلا آت الرحمن عبدًا ﴿على أن من ملك ولده عتق عليه، وما أظن أن أهل الحصر عدوًا هذه الآي من أدلة الأحكام. هذا مع اختلافهم في المراسيل، وما أنكره راوي الأصل، وأمثاله. (فائدة) قال سيف الدين: وشرط المجتهد أن يكون عالمًا بوجود الله - تعالى - وما يجب له من الصفات ، وما يستحق من الكمالات، وأنه واجب الوجود، حي، قادر، عالم، مريد، متكلم، حتى يتصور منه التكليف، وأن يكون مصدقًا لرسول الله ﷺ وما جاء به من الشرائع، وما ظهر على يده من المعجزات؛ ليكون فيما يسنده إليه من الأقوال محقًا، ولا يشترط أن يكون مستند علمه بذلك الدليل المفصل، حتى يتمكن من المناظرة عنه؛ بل الدليل من حيث الجملة. وأن يكون عالمًا بالمدارك الشرعية، ووجوه الدلالات، واختلاف رتبها، وتقريرها، والانفصال عن الاعتراضات عليها، وإنما يتم ذلك بأن يكون عارفًا بالرواة، وطرق الجرح، والتعديل، والصحيح، والسقيم لا كأحمد ابن حنبل)، و (يحيي بن معين)، وعارفًا بأسباب النزول.

стр. 3750

قال الغزالي في (المستصفى): من شرطه أن يكون محيطًا بمدارك الشرع، وأن يكون عدلاً مجتنبًا للمعاصي القادحة في العدالة. وهذا يشترط لجواز الاعتماد على قوله. ومن ليس عدلاً لا تقبل فتواه إلا لصحة الاجتهاد، ولا يشترط حفظ جميع مواقع الإجماع، والخلاف، بل كل مسألة يفتى فيها بعلم أن فتواه فيها ليست على خلاف الإجماع، أما بأن يعلم أنه موافق لمذهب ذي مذهب من العلماء، أو يعلم أنها متولدة في عصره لم يكن لأهل الإجماع فيها خوض. ويشترط فيه أن يعرف حدوث العالم، وافتقاره إلى محدث موصوف بما يجب له - تعالى - من الصفات، وما يستحيل عليه، وأنه متعبد عبادة ببعثة الرسل، ومصدق لهم بالمعجزات، عارفًا بصدق الرسول ﵇. ويكفيه الاعتقاد الجازم؛ إذ به يصير مسلمًا، ولو بالتقليد. ومن شرطه: أن يكون عارفًا بالناسخ والمنسوخ، في الكتاب، والسنة، ولا يشترط أن يكون ذلك كله على خاطره، بل ينبغي أن يعلم أن تلك الآية والحديث الذي يتمسك به لا نسخ فيه. ********************
следующие страницы →