← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

قوله: (لا نسلم أن الأشبه بالعقلية أولى): تقريره: أن هذا إنما يتم إذا قلنا: العقل له مدخل في الشرائع، كما قاله المعتزلة حتى يكون الأشبه بالأصل مقدمًا. أما إذا قلنا بأن العقل معزول عن الشرائع، وإن الحسن والقبح العقلين باطلان، فالأشبه بالساقط المعزول لا يكون أرجح، بل ساقط غير معتبر. (مسألة) الدوران الحاصل في صورة راجح على الحاصل في صورتين: تقريره: أن في الصورة الواحدة يعدم الحكم مع بقاء بقية الأوصاف موجودة مع عدم الحكم، فيصدق أن يقال: لو كان بعض تلك الأوصاف علة لما عدم الحكم، لوجود علته. فلما ثبت عدم الحكم مع وجود تلك الأوصاف جزمنا بعدم عليتها. وأما في الصورتين، وقع عدم الحكم في صورة أخرى، غير الصورة التي حصل فيها وجود الحكم. فلعل غير الوصف المعين للعلة في صورة الوجود هو العلة، ولم يتفق اقتران عدم بوجوده حتى يستدل بعدم الحكم معه على عدم عليته. فقد سلم كل وصف من أوصاف صورة الوجود عن دلالة الدليل على عدم علية، فاحتمل أن يكون القضاء بعدم عليته خطأ، بخلاف الصورة الواحدة وجد فيها دليل عدم علته غير الوصف المعين للعلية، فكان خطأ، وباقي عدم اعتباره أقل مع أن السابق إلى فهم الفقيه أن الدوران في صورتين أرجح؛ لأنه يقول: كثرة الأدلة توجب الرجحان، وصورتان تتعاضدان في الدوران كتعاضد الدليلين، مع أن الأمر بالعكس لما تقدم تقريره في الشرح في (المحصول)، وإنما قصدت زيادة بيانه؛ لأنه مشكل على الطلبة كثيرًا.

стр. 3677

النوع الرابع (في الترجيح الحاصلة بسبب دليل الحكم في الأصل) قال الرازي: فنقول: هذا الطريق لاشك أنه يكون دالا، ثم ذلك الطريق: إما أن يكون في القياسين المتعارضين قطعيًا، أو ظنيًا، أو يكون في أحدها قطعيًا، وفي الآخر ظنيًا، فإن كان قطعيًا فيهما معًا، استحال الترجيح في ذلك؛ لما عرفت، وإن كانا ظنيين فالدليل الدال عليهما، إما أن يكون لفظًا، أو إجماعًا، أو قياسًا: فلنتكلم في تفاصيل هذه الأجناس، ثم في تفاصيل أنواع كل واحدٍ من هذه الأجناس: أما البحث الأول فيشتمل على مسألتين: إحداهما قالوا: القياس الذي ثبت الحكم في أصله بالإجماع، أقوى من الذي ثبت الحكم في أصله بالدلائل اللفظية؛ لأن الدلائل اللفظية تقبل التخصيص والتأويل، والإجماع لا يقبلهما، وهذا مشكل؛ لأنا حيث أثبتنا الإجماع؛ إنما أثبتناه بالدلائل اللفظية؛ والفرع، كيف يكون أقوى حالاً من الأصل؟!. المسألة الثانية: قد تقدم في (كتاب القياس) أن الحكم في الأصل لا يجوز أن يكون مثبتًا بالقياس، وإن كان قد جوزه قوم، والمجوزون اتفقوا على أن القياس الذي ثبت الحكم في أصله بالنص - راجح على الذي ثبت الحكم في أصله بالقياس؛ لأن ذلك القياس لا يتفرع على قياس آخر إلى غير نهاية، بل لابد من الانتهاء إلى أصل ثبت حكمه بالنص، وإذا كان كذلك، فالنص أصل القياس، والأصل راجح على الفرع.

стр. 3678

البحث الثاني: في تفاصيل أنواع كل واحدٍ من هذه الأجناس الثلاثة: فنقول: أما الدلائل اللفظية: فإما أن تكون متواترة، أو آحادًا: فإن كانت متواترًة، لم يمكن ترجيح بعضها على بعضٍ إلا بما يرجع إلى المتن، وإن كانت آحادًا، أمكن ترجيح بعضها على بعض بما في المتن، وبما في الإسناد، وتلك الوجوه قد ذكرناها فيما تقدم؛ فلا فائدة في الإعادة. وبالجملة: فكلما كان ثبوت الحكم في الأصل أقوى، كان القياس أرجح. فإن كان ثبوت الحكم في أحد القياسين مقطوعًا، وفي الآخر (مظنونًا) كان الأول أولى؛ لما تقدم أن القياس الذي بعض مقدماته مقطوع، والبعض مظنون -راجع على ما كل مقدماته مظنون. وأيضًا: فإذا ثبت الحكم في أحد الأصلين بإيماء خبر متواترٍ - فهو راجح على ما ثبت بإيماء خبر الواحد؛ ولكن بشرط التعادل في الإيماءين، ولو ثبت الحكم في الأصل بخبر الواحد، فالذي هو مدلول حقيقة اللفظ - راجح على ما هو مدلول مجازه. القول في التراجيح بسبب دليل الحكم قال القرافي: (بينا أن مسائل أصول الفقه القطعية يستدل فيها بالظواهر، والمقصود تلك الظواهر معضود كل واحد منها بالاستقراء التام من نصوص الكتاب والسنة، وأقضية الصحابة ﵃، وفتاويهم، ومناظراتهم، ومتى حصل الاستقراء التام حصل القطع ضرورة، ولا يعلم ذلك إلا من حصله، وغير المحصل له مقلد للمحصل. وليس عجز العاجز حجة على المحصل، ولا مخلا بحصول العلم له،

стр. 3679

وقد تقدم كلام التبريزي في ذلك، وليس المقصود كل ظاهر على حياله من غير إضافة الاستقراء إليه. فالإجماع في الحقيقة فرع مجموع الاستقراء، وهو قطع، فلم يكن الفرع أقوى من أصله، بل القطع فرع القطع. **************

стр. 3680

النوع الخامس القول في التراجيح الحاصلة بسبب كيفية الحكم وهي على وجوه: أحدها: القياس الذي يوجب حكمًا شرعيًا راجح على ما يوجب حكمًا عقليًا؛ لأن القياس دليل شرعي؛ فيجب أن يكون حكمه شرعيًا، إلا أنا لو قدرنا تقديم العلة المثبتة للحكم الشرعي على المثبتة للحكم العقلي - لزم النسخ مرتين، ولو قدرنا تقديم العقل، لزم النسخ مرة. فإن قلت: (كيف يجوز أن يستخرج من أصلٍ عقلي علة شرعية؟!): قلت: يجوز ذلك إذا لم ينقلنا عنه الشرع، فنستخرج العلة التي لأجلها لم ينقلنا عنه الشرع، أما إذا كان أحد الحكمين نفيًا، والآخر إثباتًا، وكانا شرعيين: فقيل: إنهما يتساويان؛ لكنا ذكرنا في (باب ترجيح الأخبار): أنه لابد وأن يكون أحدهما عقليًا. وثانيها: الترجيح بكون أحد الحكمين في الفرع حظرًا، فذلك الحظر: إما أن يكون شرعيًا أو عقليًا: فإن كان شرعيًا: فهو راجح على الإباحة؛ لأنه شرعي، ولأن الأخذ بالحظر أحوط، وإن كان عقليًا، فكونه حظرًا جهة الرجحان، وكونه عقليًا جهة المرجوحية؛ فيجب الرجوع إلى ترجيحٍ آخر، ولابد في الحظر والإباحة من كون أحدهما عقليًا؛ على ما تقدم. وثالثها: أن يكون حكم إحدى العلتين العتق، وحكم الأخرى الرق: فالمثبتة للعتق أولى؛ لأن للعتق مزيد قوةٍ، ولأنه على وفق الأصل.

стр. 3681

ورابعها: إذا كان حكم إحداهما في الفرع إسقاط الحد، وحكم الأخرى إثباته؛ فالمسقطة أولى؛ لأن ثبوته على خلاف الأصل، فإن قلت: (المثبت للعقوبات يثبت حكمًا شرعيًا، والدارئ يثبت حكمًا عقليًا، فالمثبت للحكم الشرعي أولى؟!): الجواب: أن الشرع إذا ورد بالسقوط، صار السقوط حكمًا شرعيًا، ولذلك لا يجوز نسخه إلا بما ينسخ الحكم الشرعي. وخامسها: الترجيح بكون أحد حكمى العلة أزيد من حكم الآخر؛ بأن يكون حكم أحدهما الندب، وحكم الآخر الإباحة، فالمثبت للندب أولى؛ لأن في الندب معنى الإباحة وزيادًة، فكانت أولى؛ إذ كانت الزيادة شرعية. وسادسها: العلة إذا كان حكمها الطلاق، كانت راجحًة؛ لما ثبت من قوة الطلاق. وسابعها: القياس على الحكم الوارد على وفق قياس الأصول - أولى من القياس على الحكم الوارد بخلاف قياس الأصول؛ وعلته كون الأول متفقًا عليه، والثاني مختلفًا فيه، ولأن الأول خالٍ عن المعارض، والثاني مع المعارض؛ فيكون الأول أولى. وثامنها: القياس على أصلٍ أجمع على تعليل حكمه - أولى مما لا يكون كذلك، وعلته أن على التقدير الأول تكون إحدى مقدمات القياس يقينية، وهي كون الحكم في الأصل معللاً، فيكون ذلك القياس راجحًا على ما لا يكون شيء من مقدماته يقينيًا. وتاسعها: الترجيح بشهادة الأصول للحكم، وقد يراد بها دلالة الكتاب،

стр. 3682

والسنة، والإجماع؛ على ذلك الحكم، وهذه، وإن كانت صريحة، فهي الأصل في إثبات الحكم؛ فلا يجوز الترجيح بها، وإن مسها احتمال شديد، جاز ترجيح القياس بها. وعاشرها: يقع الترجيح بقول الصحابي؛ لأنه أعرف بمقاصد الرسول ﷺ ، وكذلك إذا عضدت العلة علة أخرى؛ كما ترجح أخبار الآحاد بعضها ببعضٍ. وحادي عشرها: أن يلزم من ثبوت الحكم في الفرع محذور؛ كتخصيص عمومٍ، أو ترك العمل بظاهر، أو ترجيح مجازٍ على حقيقة، وفرق بين هذا الترجيح، وبين ما ذكرناه من شهادة الأصول؛ لأن الحكم الشرعي قد يكون بحيث يوجد في الشرع أصول تشهد بصحته، وأصول أخر تشهد ببطلانه، فالقوة الحاصلة بسبب وجود الأصول التي تشهد بصحته غير القوة الحاصلة بسبب عدم ما يشهد ببطلانه، ومن هذا الباب: أن يكون الحكم لازمًا للعلة في كل الصور، فإن من يجوز تخصيص العلة، يسلم أن العلة المطردة أولى من المخصوصة. القول في التراجيح بكيفية الحكم قال القرافي: قوله: (المثبت بحكم شرعي راجح على المثبت بحكم عقلي): تقريره: أن الحكم العقلي - هاهنا - براءة الذمة، ورفع التكليف في تلك الصورة مستفاد من البراءة، فالقياس حينئذ مولد لا منشئ، والأصل في الأدلة الشرعية أن تكون منشأة لحكم شرعي، ويرد عليه أنا قبل هذا القياس يجوز أن يرد الشرع بالتكليف هنالك. وبعد القياس يقضي بعدم الورود، فقد حصل الإنشاء في أمر من قبل الشرع، ولأنا لا نرفع عدم الحكم بعد هذا القياس إلا بقياس أرجح منه.

стр. 3683

وقبل ذلك كنا نثبت التكليف بأي قياس؛ فإن البراءة ترتفع بمطلق الدليل الشرعي. والقصد أن يعلم أن هذا القياس أيضًا أثبت أمرًا شرعيًا، ولا ننازع في مرجوحيته بالنسبة إلى القياس الموجب للتكليف. قوله: (الحظر مقدم على الإباحة): قال القاضي عبد الوهاب في (ترجيح الأخبار): رجح قوم الحظر على الإباحة؛ بناًء على أن الإباحة حكم عقلي، وهذا ينظر فيه، فإن كانت الإباحة شرعية فهي أولى. وليس كل إباحة تكون عقلية. قلت: المدرك ليس متعينًا فيما ذكره القاضي، بل الحظر يعتمد المفاسد ودرء المفاسد أولى؛ ولأن الحظر مشتمل على زيادة، والمثبت للزيادة أولى. وحكى القاضي في (الملخص) أنهما سواء عند أكثر الشافعية، وعيسي ابن أبان إذا كانا شرعيين قال: وكذلك النافي والمثبت أكثر الفقهاء على أن المثبت أولى. قال: وينبغي التفصيل، إن كان النفي يرجع إلى حكم شرعي، فهما سواء. وإن كان هو البقاء على حكم العقل، فالناقل أولى، وكذلك النافي للحد أولى عند أكثر أهل (العراق). قال: والصحيح أن المثبت أولى؛ لإفادته حكمًا شرعيًا. قوله: (يجوز أن يستخرج من أصل عقلي علة شرعية إذا لم ينقلنا عنه الشرع):

стр. 3684

تقريره: أن براءة الذمة من التكليف في كثيرٍ من الصور تعلم بالمدارك الشرعية أن سببه استواء المصلحة والمفسدة فيه، أو عدمها، فإذا شاركها صورة أخرى في ذلك سوينا بينهما في الحكم. لكن على هذا التقدير يبقي قول المصنف: (إذا لم ينقلنا عنه الشرع ضائعًا؛ فإن هذا المعنى معقول لنا، نقلنا عنه الشرع أم لا. قوله: (إذا كان أحدهما نفيًا، والآخر إثباتًا، لابد وأن يكون أحدهما عقليًا): تقريره: أنه يريد بالنفي التحريم، وبالإثبات الإيجاب، وبالعقل الإباحة، ونفي الحرج. ولا شك أن المحرم لا حرج في تركه. والواجب لا حرج في فعله، فصار نفي الحرج الذي هو لازم لكل واحدٍ منهما، إما في جهة العقل، أو الترك يوجب دخول الحكم العقلي فيهما من وجه، وقد تقدم في ترجيح الأخبار الكلام على هذا الموضع. قال إمام الحرمين: لا معنى للترجيح بالإثبات؛ لأن النفي قد يكون أغلب على الظن، وبالعكس، فينبغي الترجيح بتتبع مسالك الشريعة، مع قطع النظر عن النفي والإثبات. قوله: (الحظر في الفرع إما أن يكون شرعيًا أو عقليًا): قلنا: كون الحظر عقليًا إنما يكون على مذهب المعتزلة، أما عندنا فلا. قوله: (المسقطة للحد أولى": قال الباجي المالكي في (الفصول): هما سواء.

стр. 3685

قوله: (إذا ورد الشرع بسقوط الحد صار حكمًا شرعيًا): قلنا: فيلزمكم هذا فيما تقدم في ترجيح الحكم الشرعي على العقلي؛ لأن الجميع شرعي حينئذ. لكن الجواب أنه يصير شرعيًا هاهنا مضافًا لكونه على وفق الأصل؛ فإن الأصل سلامة المؤمن الملزم عن الهوان والرق. فإذا لم يكن معضودًا بهذا كان المسئ مقدمًا عليه، فهذا وجه الجمع. قوله: (علة الطلاق علة راجحة): تقريره: أن النكاح على خلاف الأصل؛ لما فيه من الاستيلاء على بنت آدم المكرمة، وجعلها مصب القاذورات، وموضع الفضلات كالبلاعات، فمزيل هذا يكون راجحًا على مثبته. قوله: (الكتاب والسنة والإجماع إن كانت صريحة فهي الأصل في إثبات الحكم، فلا يجوز الترجيح بها): قلنا: هذا مشكل؛ لأنكم إن أردتم أنها تقابلت من الجهتين، فقد حصل القطع مشتركًا، ولا ترجيح في القطعيات فمسلم، لكن ظاهر كلامكم يقتضي اختصاصها بجهة واحدة، مع أنكم قدمتم أن القياس إذا كانت بعض مقدماته بقينية كانت أرجح؛ فيلزم الترجيح هاهنا بذلك. (سؤال) قال النقشواني: في قوله هاهنا: لو قدرنا تقديم العلة المثبتة للحكم الشرعي لزم النسخ مرتين، يناقضه ما تقدم له في تعارض خبرين: أحدهما: ناقل عن حكم العقل. والآخر: مقرر؛ فإنه أوجب تقديم الناقل عن حكم العقل، وتأخير

стр. 3686

المقرر، وهاهنا عكس الأمر، وزيف هاهنا ما قرره ثمت من لزوم النسخ مرتين، مع أن رفع البراءة الأصلية ليس نسخًا في الاصطلاح، بل في اللغة؛ ولذلك يرفعه بأي دليل كان. *********************

стр. 3687

النوع السادس في التراجيح الحاصلة بسبب مكان العلة وهو إما الأصل، أو الفرع، أو مجموعهما: أما الأصل: فبأن تشهد للعلة الواحدة أصول كثيرة؛ وذلك لأن شهادة الأصل دليل على كون تلك العلة معتبرة، وكل شهادةٍ دليل مستقل، فالترجيح بالشهادات الكثيرة ترجيح بكثرة الدلائل. وأما الفرع: ففيه صور: إحداها: أن العلة المتعدية أولى من القاصرة عند الأكثرين؛ خلافًا لبعض الشافعية. لنا: أن المتعدية أكثر فائدة، ولأنها متفق عليها، والقاصرة مختلف فيها؛ فالأخذ بالمتفق عليه أولى؛ فكانت المتعدية أولى. احتج المخالف بأن التعدية فرع الصحة، والفرع لا يقوى الأصل: والجواب: لكنه يدل على قوته. وثانيتها: إذا كانت فروع إحدى العلتين أكثر من الأخرى، قال بعضهم: هو أولى، وقال آخرون: لا يحصل به الرجحان. حجة الأولين: أنها إذا كثرت فروعها، كثرت فوائدها، فكانت أولى. فإن قلت: (إنما يكون إذا كثرت فوائدها الشرعية، وكثرة فروعها ترجع إلى كثرة ما خلق الله تعالى من ذلك النوع، وليس ذلك بأمرٍ شرعي):

стр. 3688

قلت: كثرة وجود الفروع ليس بأمر شرعي؛ لكن الفروع، لما كثرت، لزم من جعل هذا الوصف علة - كثرة الأحكام؛ فكان أولى. احتج الآخرون بوجوه: الأول: لو كان أعم العلتين أولى من أخصهما، لكان العمل بأعم الخطابين أولى من أخصهما. الثاني: التعدية فرع صحة العلة في الأصل، فلو توقفت صحتها على التعدية، لزم الدور. الثالث: كثرة الفروع ترجع إلى كثرة ما خلق الله تعالى من ذلك النوع، وليس ذلك بأمر شرعي؛ بخلاف كثرة الأصول. والجواب عن الأول: إنما لم يكن العمل بأعم الخطابين أولى؛ لأن فيه طرحًا لأخصهما، وليس كذلك العمل بأخصهما. أما العلة: فإذا انتهي الأمر إلى الترجيح، وترجيح إحداهما يوجب طرح الأخرى؛ فكان طرح ما تقل فائدته أولى، وعن الثاني والثالث: ما تقدم. وثالثتهما: العلة إذا كانت مثبتة للحكم في كل الفروع، فهي راجحة على ما تثبت الحكم في بعض الفروع. وسبب الرجحان أن الدال على الحكم في كل الفروع يجري مجري الأدلة الكثيرة؛ لأن العلة تدل على كل واحد منها. وأيضًا: دلالته على ثبوت الحكم في كل واحد من تلك الفروع يقتضي ثبوته في البواقي؛ ضرورة أن لا قائل بالفرق، فهذه العلة العامة قائمة مقام الأدلة

стр. 3689

الكثيرة، وأما العلة الخاصة في الصورة الواحدة فهي دليل واحد فقط؛ فكان الأول أولى. وأما الترجيح الراجع إلى الأصل والفرع معا: فهو أن تكون العلة يرد بها الفرع إلى ما هو من جنسه، والأخرى يرد بها الفرع إلى خلاف جنسه؛ مثاله: قياس الحنفية (الحلى) على (التبر) أولى من قياسه على سائر الأموال؛ لأن الاتحاد من حيث الجنسية ثابتة بينهما، وهذا آخر الكلام في التراجيح. (القول في الترجيح بمكان العلة) قال القرافي: قوله: (طرح ما قلت فائدته أولى): تقريره: أن تقديم العلة القليلة الفروع يلزم منه ترك العلة الكثيرة الفروع، فلزم هاهنا من اعتبار الأخص أطراح الأعم، واعتبار الأخص في النصوص لا يلزم منه اطراح الأعم، بل يبقي معملاً به فيما عدا صور الأخص، فهذا هو المقصود بالفرق. قوله: (العلة المثبتة الحكم في كمال الفروع راجحة على المثبتة في البعض): تقريره: أن العلة الشرعية قد تشمل جميع صور ذلك الحكم المعلل بها، كما تقول: وجوب الزكاة معلل بشكر النعمة على الأغنياء، وسد خلة الفقراء، فلا زكاة إلا وفيها هذان الوصفان. وأما تعليل إباحة الدم بالقتل العمد العدوان، فلم يعم صور الإباحة؛ فإن الإباحة تكون بعلة الردة، والزنا، وترك الصلاة، ونحو ذلك. فالشاملة لجميع الصور أرجح؛ لكثرة الفائدة فيها. قوله: (دلالة العلة الشاملة على ثبوت الحكم في كل واحد من تلك الفروع - يقتضي ثبوته في البواقي ضرورة ألا قائل بالفرق):

стр. 3690

تقريره: أن الحكم إذا ثبت بالعلة الشاملة في صورة واحدة من صورها، فقد ثبت اعتبارها علة شرعية، وكل من قال باعتبارها علة شرعية قال بثبوتها في جميع تلك الصور التي شملتها تلك العلة، هذا إذا كانت المادة تساعد على ذلك، وقد تكون العلة. وقال بعض العلماء بإلغائها في بعض تلك الصور لفارق رآه، فلا تتم هذه المقدمة. قوله: (الترجيح بسبب الأصل والفرع هو رد الفرع إلى جنسه): تقريره: أن قياس فرع من فروع النكاح على فرع من فروع النكاح أرجح من قياسه على البيع؛ لاتحاد الجنس. وقياس التيمم إلى المرفق على الوضوء أولى من قياسه على القطع في السرقة، فيقتصر على الكوع، بجامع أن النص أطلق فيهما، ولم يقيد بغاية، ونحو ذلك. (سؤال) وقع له في هذا الباب ترجيح المتعدية على القاصرة، مع أن القاصرة لا قياس فيها، ولا تعدية ، فكيف يصح أن يقع الترجيح عليها في باب ترجيح أحد القياسين على الآخر مع انتفاء أصل القياس؟. فالسؤال ظاهر، غير أنه مستطرد في ترجيح العلل من حيث الجملة، وأعرض عن ترجيح الأقيسة، وأمكن أن يقال: إن الذاكر للعلة القاصرة يستدل بعدمها على عدم الحكم في الفرع المتنازع فيه، ونقيس العدم في الفرع المتنازع فيه على عدمه في صورة أخرى، ونجمع بعدم العلة القاصرة، فيقع الترجيح بين القياسين، لكنه يقع التعارض بين تعليل بعدم، وتعليل بوجود، لا بين وجود من أحدهما علة قاصرة.

стр. 3691

(فائدة) قال إمام الحرمين في (البرهان): في ذلك ثلاثة مذاهب: المشهور ترجيح المتعدية، ورجح الأستاذ أبو إسحاق القاصرة، وسوى بينهما القاضي. ولابد من تصوير المسألة. فإن وجدتا في نص واحد، فذلك ينبني على تعليل الحكم بعلتين. فإن لم يمتنع اجتماعهما، فلا معنى للترجيح إلا أن نقول: لا يعلل الحكم بعلتين. وحجة ترجيح المتعدية أن النص يغني عن القاصرة. وحجة من رجح القاصرة أنها متأيدة بالنص. وقال القاضي: الثمرات والآثار بعد صحة العلة، قال: وهو الراجح عندي. (سؤال) قال النقشواني: ترجيحة العلة للأكثر فروعًا على الأقل - يقتضي ترجيح التعليل بالمشترك على الفاروق، وهو باطل . (جوابه) أن إضافة الحكم للفاروق تكون إضافة له، وللمشترك، فلم يلزم إلغاء أحد المناسبتين ، والجمع بين المناسبات أولى، بخلاف صورة المسألة في الكتاب يلزم من اعتبار الأقل فروعًا إلغاء الأكثر.

стр. 3692

فالإلغاء لما كان لازمًا كان إلغاء القليلة الفروع أولى؛ فظهر الفرق. (فائدة) قال سيف الدين: في ترجيح الأقيسة ترجيحات: أحدها: المتفق على عدم النسخ في أصله راجح على ما اختلف في نسخ أصله. وثانيها: الذي قام دليل خاص على وجوب تعليل جواز القياس عليه مقدم على ما ليس كذلك. وثالثها: يقدم الحكم الظني الموافق لسنن القياس على الحكم القطعي المخالف لسنن القياس. ورابعها: يقدم ما حكم أصله قطعي، وإن لم يقم دليل خاص على وجوب تعليله، وجواز القياس عليه على الظنى الذي قام الدليل الخاص فيه على ذلك؛ لبعده عن الخلل بسبب القطع. وخامسها: يقدم الظني المتفق على تعليله على القطعي الذي لم يتفق على تعليله؛ لأن العلة هي عدة القياس. وسادسها: ما دليل أصله أرجح مقدم وإن اختلف في نسخه على المرجوح المتفق على عدم نسخه؛ لأن العلتين في النسخ تتقابلان، ويبقي رجحان الوصف، وكذلك يقدم ما قام دليل خاص على وجوب تعليله، وجواز القياس عليه، بخلاف ما اتفق على تعليله؛ فإنه يقدم عليه لما تقدم. وسابعها: يقدم ما لم يعدل به عن القياس على المتفق على عدم نسخه؛ لأن طرد القياس في باب القياس أولى به من عدم النسخ.

стр. 3693

وكذلك يقدم ما قام دليل خاص على تعليله إذا كان معدولاً به عن القياس في القاعدة العامة. وثامنها: يقدم المتفق على تعليله، وإن كان معدولاً به عن القواعد على الجاري على القواعد، إذا اختلف في تعليله؛ لأن الخلل في التعليل يبطل القياس، والمعدول عن القواعد لا يبطله. وتاسعها: يقدم ما قطع بنفي الفارق في أصله على ما لم يقطع به. وعاشرها: يقدم ما ضابط حكمه أصله، جامعًا لها مانعًا على ما لا يكون كذلك. وحادي عشرها: تقدم العلة التي لا تقتضي رفع الحكم التي استنبطت منه على ما يقتضي ذلك كما يعلل النهي عن بيع اللحم بالحيوان بأن المراد مفسدة المزابنة، والربا بين اللحمين ببيع المجهول بالمعلوم، وإن المراد لأجل ذلك الحيوان الذي يقصد منه اللحم دون التربية، فيخرج الحيوان المقصود للتربية، فقد عكرت هذه العلة على نفسها بالبطلان. وثاني عشرها: يقدم مكملات الحاجات الضرورية على ما هو من أصول الحاجات، وإن كان مانعًا؛ لأنه يعطي حكم أصله ومتبوعه. وثالث عشرها: تقدم العلة المقتضية حفظ أصل الدين على غيرها من الضروريات وغيرها؛ لأن الدين أهم الكليات الخمسة. ورابع عشرها: يقدم الجامع الذي هو علة حكم الأصل على الجامع الذي هو دليل علة حكم الأصل، وهو قياس الدلالة، تقدم تمثيله في القياس. وخامس عشرها: تقدم العلة الملائمة على الغريب؛ لأنه أبعد عن الخلاف. وسادس عشرها: تقدم العلة المنقوضة التي في صورة نقضها مانع، أو فوات شرط على المنقوضة التي ليست كذلك.

стр. 3694

وسابع عشرها: تقدم التي تخلف عنها حكمها على سبيل الاستثناء على التي تخلف عنها لا لذلك؛ لقربها للصحة، ولقلة الخلاف فيها. ثامن عشرها: تقدم العلة التي لا مزاحم لها في أصلها على التي لها مزاحم. تاسع عشرها: يقدم ما لا يشير إلى نقيض المطلوب بوجه المناسبة على ما يشير إليه. العشرون: تقدم العلة التي يعم مقصودها جميع المكلفين على ما يختص مقصودها بآحادهم. الحادي والعشرون: يقدم القياس المتأخر فرعه عن أصله على المتقدم فرعه على أصله؛ لبعدد عن الخلاف. هذا آخر كلامه في (الإحكام)، وذكر في كتابه المعروف بـ (الترجيحات) ترجيحات كثيرة نشأت من ضرب بعض هذه الوجوه مع بعض فأخذ كل صفة توجب الرجحان مع أخرى من موجبات الرجحان، وكل موجب للمرجوحية مع موجب آخر للمرجوحية، فيقع الترجيح بينهما بما تقدم من التعاليل المتقدمة، فمن ضبط ما نقلته سهل عليه ما تركته، فلا أطول به حتى تحصل السامة والملال. وقواعد المناسبة والترجيحات كافية عن ذلك. (فائدة) قال سيف الدين: من الترجيحات ترجيح الحدود، وذلك من وجوه: أحدها: يقدم الحد الفصيح للألفاظ الناصة على الغرض من غير مجاز، ولا استعارة، ولا اشتراك ولا غرابة، ولا اضطراب، ولا ملازمة على ما لا يكون كذلك.

стр. 3695

وثانيها: يقدم ما هو أشد تعريفًا على الآخر. وثالثها: يقدم المعبر عنه بالأمور الذاتية على المعرف بالأمور العرضية. ورابعها: يقدم الحد الأعم؛ لكونه متناولاً محدود الآخر وزيادة، فهو أكثر فائدة، ويحتمل أن يقال: الأخص أولى؛ لحصول الاتفاق على مدلوله؛ لأن الزيادة مختلف فيها. وخامسها: يقدم الذي فيه جميع الذاتيات على الذي فيه بعضها مع التمييز. وسادسها: بكون أحدهما على وفق النقل السمعي؛ فيقدم على مخالف النقل لبعده عن الخلل. وسابعها: يقدم الذي طريق اكتسابه أرجح من طريق الآخر. وثامنها: يقدم الموافق للوضع اللغوي، أو الأقرب إليه على ما لا يكون كذلك؛ لأن الأصل عدم التغيير. وتاسعها: يقدم ما عمل به أهل (المدينة) الخلفاء الراشدون، أو جماعة من الأمة، أو واحد من المشاهير بالاجتهاد، والعدالة والثقة. وعاشرها: يقدم ما يلزم منه تقرير الحظر على ما يلزم منه تقرير الوجوب، أو الكراهة، أو الندب. حادي عشرها: يقدم المقرر للنفي على المقرر للثبوت. وثاني عشرها: يقدم الذي يلزم منه تقرير حكم معقول على ما يلزم منه حكم غير معقول؛ لأن المعلل أرجح. وثالث عشرها: يقدم الذي يلزم منه درء الحد، والعقوبة على ما يلزم منه إثباته.

стр. 3696

رابع عشرها: يقدم ما يلزم منه الحرية، والطلاق على ما يلزم منه الرق والطلاق. قال: وقد يتشعب من هذه الترجيحات ترجيحات لا نهاية لها بحسب القواعد، فيحال ذلك على الناظر فيها. هذا آخر كلامه في (الإحكام)، وقال في كتاب (الترجيحات): خامس عشرها: يقدم ما هو على الوضع الطبيعي بأن يقدم الحسن فيه على المميز على ما لا يكون كذلك. سادس عشرها: يقدم المشتمل على الدنيا العامة على ما هو واقع على الوضع الطبيعي؛ لأن التعريف به حاصل أكثر. سابع عشرها: يقدم الواقع على الوضع الطبيعي على ما هو داخل فيه. وثامن عشرها: يقدم ما لا يلزم منه تخصيص عام، ونحوه على ما يلزم منه ذلك. (فائدة) قال إمام الحرمين في (البرهان): إذا عضد أحد القياسين قول صحابي، إن علمنا مذهب الصحابي حجة كان ذلك انضمام دليلٍ إلى دليل ، فيقدمان على القياس المنفرد، ويختلف هل يسمي ضم الدليل المستقل ترجيحًا أم لا؟ وإن قلنا: ليس بحجة، فهو كقول بعض العلماء: إلا أن يكون الشارع شهد له بمزية في ذلك الفن، كقوله ﵇: (أفرضكم زيد)،

стр. 3697

فيرجح به على المذهب الظاهر، وأما قوله ﵇ في الصديق: (اقتدوا بالذين من بعدي)، فهو أعم من الشهادة لزيدٍ بمزيد الفرض، ولعلي ﵁ بكونه أقضاهم بحجة، فلا يبعد أن يرجح به مجتهد؛ لأنه إن قاله عن توقيف فهو أولى، أو عن قياس فهو أولى بفهم مقصود الشرع، ويجوز ألا يترجح عند مجتهد. وفي (المحصول) رجح المصنف بقول الصحابي مطلقًا، وكذلك الشيخ أبو إسحاق في (اللمع). وثانيها: قال إمام الحرمين في (البرهان): قال بعض الجدليين: إذا كانت إحدى العلتين محسوسة، والأخرى حكم قدم (المحسوسة) لكونه قطعيًا، وهذا باطل عندنا؛ لأن الحكم عندنا مقطوع، وهذا الترجيح باطل. وثالثها: قال إمام الحرمين في (البرهان): (قال بعض الجدليين): إذا كانت إحدى العلتين تعم الأحوال، كتعليل منع بيع الكلب بالنجاسة، وحل البيع بالانتفاع به في الصيد. فقيل: يقدم ما يعم (الأصول) قال: لأن النجاسة شبهي، والانتفاع معني فقهي، ولكنه منقوض، والشبه المطرد مقدم على المعني المخيل المنتقض. ورابعها: قال الغزالي في (المستصفى): إذا وافق القياس خبرًا مرسلاً، أو مردودًا عند القائسين، لكن قال به بعض العلماء، فهو مرجح بشرط ألا يقطع ببطلان مذهب المخالف، بل يراه في محل الاجتهاد.

стр. 3698

وخامسها: قال الغزالي في (المستصفى): إذا كانت إحدى العلتين حكمًا شرعيًا، نحو كونه حرامًا أو نجسًا، والأخرى وصفًا حقيقيًا، وعمومًا إن رد الحكم إلى الحكم أولى، حتى أن تعليل الحكم بالرق والحرية أولى من تعليله بالتمييز والعقل، وتعليله بالتكليف أولى من تعليله بالإنسانية. قال: وهو من أكثر الترجيحات الضعيفة. وسادسها: قال الغزالي في (المستصفى): كون أحدهما سببًا، أو مثبتًا للسبب - كجعل الزنا والسرقة موجبًا للحد - أولى من جعل أخذ مال الغير على سبيل الخفية علة، ومن جعل إيلاج الفرج في الفرج علة حتى يتعدى إلى النباش واللائط؛ لأن تلك العلة استندت إلى الاسم الذي ظهر الحكم به. وسابعها: العلة التي لا تخصص، (وتوافق) العموم مقدمة على ما تخصصه، كما في قوله تعالى:﴾ أو لامستم النساء ﴿فعلة توافق العموم أولى من العلة التي تقتضي إخراج المحرم والصغيرة. وقيل: المخصص أولى؛ لأنها عرفت ما لم تعرفه الأخرى. قال: وهو ضعيف؛ لأن السلامة عن المعارض أولى. وثامنها: قال الغزالي في (المستصفى): ورجح علة توجب حكمًا أخف؛ لأن الشريعة خفيفة سهلة، ورجح آخرون موجبة الأشق؛ لأن التكليف شاقً. قال: وهذه ترجيحات ضعيفة. *************

стр. 3699

الكلام في الاجتهاد قال الرازي: والنظر في ماهية الاجتهاد، والمجتهد، والمجتهد فيه، وحكم الاجتهاد. الركن الأول في الاجتهاد وهو في اللغة عبارة: عن استفراغ الوسع في أي فعلٍ كان؛ يقال: استفرغ وسعه في حمل الثقيل، ولا يقال: استفرغ وسعه في حمل النواة، وأما في عرف الفقهاء، فهو: (استفراغ الوسع في النظر فيما لا يلحقه فيه لوم، مع استفراغ الوسع فيه). وهذا سبيل مسائل الفروع؛ ولذلك تسمي هذه المسائل مسائل الاجتهاد، والناظر فيها مجتهد، وليس هذا حال الأصول. قال القرافي: قلت: فرقت العرب بين الجهد: بفتح الجيم، وضمها، فبالفتح: استفراغ الوسع، واستيفاء القدرة في السعي، وبالضم: الطاقة. قال صاحب (المجمل): (الجهد: بالفتح، المشقة، يقال: جهدت، نفسي، وأجهدت، وبالضم: الطاقة. قال الله - تعالى:﴾ والذين لا يجدون إلا جهدهم ﴿، و (التاء) في لسان العرب في (اجتهد) لفرط المعاناة، وهي تدل أبدًا على تعاطي الشيء بعلاجٍ، وإقبال شديد عليه، نحو (اقتلع)، و (اقترع)، و (اكتسب) هو أبلغ من (كسب)؛ لأجل التاء.

стр. 3700

قوله: (في عرف الفقهاء: استفراغ الوسع في النظر، فما لا يلحقه فيه لوم، مع استفراغ الوسع فيه): تقريره: أن الضمير في قوله: (فيما لا يلحق فيه): إن أعدناه: على (استفراغ الوسع) فيكون: معناه: أن الاجتهاد ليس يأثم فاعله، وهو صحيح؛ لأن الواجب لا إثم فيه، ويشمل كلامه المندوب من الاجتهاد، والمباح؛ فإن المجتهد قد لا يتعين عليه الاجتهاد، فندب إليه، أو يعارضه مصلحة مساوية، فيباح له؛ لأن الحكم عند التساوي التخيير، والإباحة والقدر المشترك بين الجميع عدم اللوم الشرعي.

стр. 3701

وإن أعدنا الضمير على لفظ (ما): وهو المجتهد فيه، فالاجتهاد قد يقع في الواجب والمندوب، والمباح، والمكروه، والأربعة اشتركت في عدم اللوم، وأما المحرم ففيه اللوم. فيكون الضمير - على هذا التقدير - يوجب خللاً في الحد - بكونه يصيره غير جامع، مع أن عوده على لفظ (ما) هو الظاهر من كلامه، فيكون - على هذا - ظاهر كلامه البطلان، وعبارة الجماعة أحسن. قال التبريزي: (هو بذل الجهد في تعرف الأحكام الفروعية التي هي مجاري الظنون)، فلهذا لا يسمى الناظر في الأصول مجتهدًا، فهذا كلام لا يرد عليه ذلك السؤال، ويوجب سؤالاً على المصنف من جهة أن حده يتضمن دخول الاجتهاد في الأصلين في حده، وليس هو مقصودًا عرفًا، وهو إنما تعرض لبيان الاجتهاد في العرف. ويندرج أيضًا في حد المصنف الاجتهاد في قيم المتلفات، وأورش الجنايات، والأواني، والثياب في الطهارة، وفي الكعبة في تعيين أحد الجهات، وتعيين الزوج من بين الأكفاء، وغيرهم في الزوجات، وتعيين خليفةٍ، أو قاضٍ، أو غير ذلك من أرباب الولايات؛ وفنون التصرفات، وكل ذلك لا يسمى الناظر فيه مجتهدًا بالوضع العرفي الفقهي الذي تعرض المصنف لتحديده؛ بل بالوضع اللغوي. وكلام التبريزي يرد عليه بعضها؛ لأن الأواني، والثياب، والأئمة، والنواب للحكم، وغيره، وقيم المتلفات ترد عليه؛ لأنها أحكام فرعية. وقال سيف الدين: (هو استفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من

стр. 3702

الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد فيه) فقولنا: (في طلب الظن) ليخرج القطعية. وقولنا: (الشرعية) ليخرج المعقولات والمحسوسات وغيرها. وقولنا: (بحيث يحس من النفس العجز عن المزيد فيه). ليخرج المقصر؛ فإنه لا يعد في عرف الأصوليين اجتهادًا. قلت: هذا القيد الأخير، يكفي عنه القيد الأول، وهو استفراغ الوسع فإن المقصد غير مستفرغ. ويرد عليه ما ورد على التبريزي. وقال الغزالي في (المستصفى): (هو بذل الجهد في طلب العلم في الأحكام الشرعية). قلت: إن أراد بالعلم العلم الحاصل من الإجماع بأنه ما أدى إليه اجتهاده، فهو حكم الله في حقه، وحق من قلده، إذا قام سببه، كما تقرر أول الكتاب، فهذا العلم هو متقرر في الشريعة لكل مجتهد لا يتأتي طلبه لتقريره؛ بل المطلوب ما هو شرط في حصوله، وهو الحاصل بعد الاجتهاد التام من ظن، أو علم حتى يحكم الإجماع حينئذ. وقد يقول الغزالي: السعي في تحصيل الوسيلة سعى في تحصيل المقصد، فطلب شرط العلم الإجماعي سعى في ذلك العلم، وعلى هذا فليس بينه وبين سيف الدين خلاف؛ بل مقصود سيف الدين: الوسيلة، ومقصود الغزالي: القصد. ثم إن الاقتصار على الظن لا سبيل إليه؛ فإن المجتهد يطلب أحد الأمرين فأيهما ظفر به أفتى به. فتقييده بالظن يقتضي عدم الجميع، فيبطل، فالذي أراه أنه (بذل الوسع في الأحكام الفروعية الكلية ممن حصلت له شرائط الاجتهاد.

стр. 3703

فقولنا: (الفروعية) لإخراج الأصلين. (والكلية) لإخراج قيم المتلفات وما ذكر معها؛ فإنها أمور جزئية لا تتعدى تلك الصور المعينة، بخلاف الفتاوى؛ فإنها عامة على الخلق إلى يوم القيامة. والقيد الآخر: ليخرج اجتهاد العام، ونحوه. ********

стр. 3704

الركن الثاني في المجتهد قال الرازي: وفيه مسائل: مسألة: قال الشافعي ﵁ يجوز أن يكون في أحكام الرسول ﷺ ما صدر عن الاجتهاد، وهو قول أبي يوسف ﵀.

стр. 3705

...............................................................

стр. 3706

..................................................................

стр. 3707

وقال أبو على وأبو هاشمٍ: إنه لم يكن متعبدًا به، وقال بعضهم: كان له أن يجتهد في الحروب، وأما في أحكام الدين، فلا، وتوقف أكثر المحققين في ذلك. أما المثبتون فقد احتجوا بأمورٍ: أحدها: عموم قوله تعالى:﴾ فاعتبروا يا أولي الأبصار ﴿وكان ﵊ أعلى الناس بصيرة، وأكثرهم اطلاعًا على شرائط القياس، وما يجب ويجوز فيها؛ وذلك إن لم يرجح دخوله في هذا الأمر على دخول غيره، فلا أقل من المساواة؛ فيكون مندرجًا تحت الآية، فكان مأمورًا بالقياس، فكان فاعلاً له، وإلا قدح في عصمته. وثانيها: أنه إذا غلب على ظنه كون الحكم في الأصل معللاً بوصف، ثم علم أو ظن حصول ذلك الوصف في صورةٍ أخرى - فلابد أن يظن أن حكم الله تعالى في الفرع مثل حكمه في الأصل، وترجيح على المرجوح من مقتضيات بدائه العقول؛ على ما قررناه في (كتاب القياس) وهذا يقتضي أن يجب عليه العمل بالقياس. وثالثها: أن العمل بالاجتهاد أشق من العمل بالنص، فيكون أكثر ثوابًا؛ لقوله ﵊ (أفضل العبادات أحمزها) أي: أشقها؛ ولو لم يعمل الرسول ﵊ بالاجتهاد، مع أن أمته عملوا به - كانت الأمة أفضل منه في هذا الباب وإنه غير جائزٍ. فإن قلت: (فهذا يقتضي ألا يعمل الرسول ﷺ إلا بالاجتهاد؛ لأن ذلك أفضل):

стр. 3708

وأيضًا: فإنما يجب اتصافه بهذا المنصب، لو لم يجد منصبًا أعلى منه؛ لكنه وجده؛ لأنه يستدرك الأحكام وحيًا، وهذا المنصب أعلى من الاجتهاد). قلت: الجواب عن الأول: أن ذلك غير ممكنٍ؛ لأن العمل بالاجتهاد مشروط بالنص على أحكام الأصول، وإذا كان كذلك، تعذر العمل في كل الشرع بالاجتهاد. وعن الثاني: أن الوحي، وإن كان أعلى درجة من الاجتهاد، لكن ليس فيه تحمل المشقة في استدراك الحكم، ولا يظهر فيه أثر دقة الخاطر، وجودة القريحة، وإذا كان هذا نوعًا مفردًا من الفضيلة، لم يجز خلو الرسول عنه بالكلية. ورابعها: قوله ﵊: (العلماء ورثة الأنبياء) وهذا يوجب أن تثبت له درجة الاجتهاد؛ ليرثوه عنه؛ إذ لو ثبت لهم ذلك ابتداءً، لم يكونوا وارثين عنه. فإن قلت: (أراد به في إثبات أركان الشرع): قلت: إنه تقييد من غير دليلٍ. وخامسها: أن بعض السنن مضافة إلى الرسول ﷺ ، ولو كان الكل بالوحي، لم يبق لتلك الإضافة مزيد فائدة، كما أن الشافعي ﵁ إذا أثبت حكمًا بالنص الظاهر الجلي الذي لا يفتقر فيه ألبتة إلى اجتهاد، لا يقال: (إن ذلك مذهب الشافعي) فلا يقال: مذهب الشافعي ﵁ وجوب الصلوات الخمس) وأما الذي يثبته بضربٍ من اجتهادٍ، فإنه يضاف إليه، فكذا ها هنا.

стр. 3709

وأما الذي يدل على أنه كان مجتهدًا في أمر الحروب: أنه اجتهد في أخذ الفداء عن أساري بدرٍ، بعدما كان راجعهم في تلك الحال) وذلك لا يمكن إلا مع الاجتهاد. واحتج المانعون بأمورٍ: أحدها: قوله تعالى:﴾ وما ينطق عن الهوى ﴿. وثانيها: أن بعض الصحابة راجعه في منزلٍ نزله، وقال: (إن كان هذا بوجي الله تعالى، فالسمع والطاعة، وإلا فليس هو بمنزل مكيدة) فدل هذا على جواز مراجعته في اجتهاد، ولا تجوز مراجعته في أحكام الشرع؛ فيلزم ألا يكون فيها ما هو باجتهاده. وثالثها: أن الاجتهاد لا يفيد إلا الظن، وأنه ﵊ كان قادرًا على تلقيه من الوحي، والقادر على تحصيل العلم لا يجوز له الاكتفاء بالظن؛ كالمعاين للقبلة؛ لا يجوز له أن يغمض عينيه، ويجتهد فيها. ورابعها: أن مخالفه ﵊ في الحكم يكفر؛ لقوله تعالى:﴾ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ﴿والمخالف في هذه المسائل الشرعية لا يكفر؛ لأن الرجل إذا اجتهد وأخطأ فيها، فله أجر واحد، والمستوجب للأجر لا يمكن تكفيره. وخامسها: لو جاز له العمل بالاجتهاد، لما توقف في شيءٍ من الأحكام الشرعية على الوحي؛ لأن حكم الوحي في الكل كان معلومًا له، وطرق الاجتهاد كانت مظنونًة له، فعند وقوع الواقعة التي ما أنزل عليه فيها وحي، كان مأمورًا بالاجتهاد، فكان ينبغي ألا يتوقف إلى نزول الوحي؛ لكنه توقف كما في مسألة الظهار، واللعان.

стр. 3710

وسادسها: لو جاز له الاجتهاد، لجاز لجبريل ﵇ وحينئذٍ: لا يعرف أن هذا الشرع الذي جاء به إلى محمدٍ ﷺ من نص الله تعالى، أو من اجتهاد جبريل ﵇. والجواب عن الأول: أن الله تعالى، متى قال له: (مهما ظننت كذا، فاعلم أن حكمي كذا) فها هنا العمل بالظن عمل بالوحي، لا بالهوى. وعن الثاني: أنه يدل على جواز مراجعته في الآراء والحروب، والأحكام خارجة عن ذلك. وعن الثالث: أنا إنما نجوز الاجتهاد فيما لم يوجد فيه نص من الله تعالى، ولم يكن متمكنًا من معرفة الحكم بالنص. وعن الرابع: أنه لا يمتنع أن يقال: الحكم، وإن كان مظنونًا أولاً، إلا أنه ﵊ لما أفتى به، وجب القطع به؛ كما قلنا في الإجماع الصادر عن الاجتهاد. وعن الخامس: أن العمل بالاجتهاد مشروط بالعجز عن وجدان النص، فلعله ﵊ كان يصبر مقدار ما يعرف به أن الله - تعالى - لا ينزل فيه وحيًا. وعن السادس: أن ذلك الاحتمال مدفوع بالإجماع. مسألة: إذا جوزنا له ﷺ الاجتهاد، فالحق عندنا أنه لا يجوز أن يخطئ.

стр. 3711

وقال قوم: يجوز بشرط ألا يقر عليه. لنا: أنا مأمورون باتباعه في الحكم؛ لقوله تعالى:﴾ فلا وربك، لا يؤمنون؛ حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ﴿فلو جاز عليه الخطأ، لكنا مأمورين بالخطأ، وذلك ينافي كونه خطأ. واحتج المخالف بقوله تعالى:﴾ عفا الله عنك؛ لم أذنت لهم ﴿فهذا يدل على أنه أخطأ فيما أذن لهم، وقال تعالى في (أساري بدرٍ):﴾ لولا كتاب من الله سبق، لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ﴿فقال ﵊: (لو نزل عذاب من الله، لما نجا إلا ابن الخطاب) وهذا يدل على أنه أخطأ في أخذ الفداء، ولأنه تعالى قال:﴾ قل إنما أنا بشر مثلكم ﴿فلما جاز الخطأ على غيره، جاز أيضًا عليه، ولأن النبي ﷺ قال: (إنكم تختصمون لدي، ولعل بعضكم ألحن بحجته من غيره، فمن قضيت له بشيءٍ من حق أخيه، فلا يأخذنه إنما أقطع له قطعة من النار) فلو لم يجز أن يقضي لأحد إلا بحقه، لم يقل هذا، ولأنه يجوز أن يغلط في أفعاله، فيجوز أن يغلط في أقواله؛ كغيره من المجتهدين. والجواب عن هذه الوجوه مذكور في الكتاب الذي صنفناه في (عصمة الأنبياء) فلا فائدة في الإعادة. مسألة: اتفقوا على جواز الاجتهاد بعد رسول الله ﷺ ، فأما في زمان الرسول ﵊ فالخوض فيه قليل الفائدة؛ لأنه لا ثمرة له في الفقه. ثم نقول: المجتهد: إما أن يكون بحضرة الرسول ﵊ أو يكون غائبًا عنه: أما إن كان بحضرته، فيجوز تعبده بالاجتهاد عقلاً؛ لأنه لا

стр. 3712

يمتنع أن يقول الرسول ﵊ له: (لقد أوحي إلى بأنك مأمور بأن تجتهد، أو مأمور بأن تعمل على وفق ظنك). ومنهم من أحاله عقلاً، واحتج عليه: بأن الاجتهاد في معرض الخطأ، والنص آمن منه، وسلوك السبيل المخوف، مع القدرة على سلوك السبيل الآمن قبيح عقلاً. وجوابه: أن الشرع لما قال له: (أنت مأمور بأن تجتهد، وتعمل على وفق ظنك) كان آمنًا من الغلط؛ لأنه بعد الاجتهاد، يكون آتيًا بما أمر به. وأما وقوع التعبد به، فمنعه أبو علي وأبو هاشمٍ، وأجازه قوم بشرط الإذن، وتوقف فيه الأكثرون. احتج المانعون بوجهين: الأول: أن الصحابة، لو اجتهدوا في عصره، كما اجتهدوا بعده، لنقل؛ كما نقل اجتهادهم بعده. الثاني: أن الصحابة كانت تفزع في الحوادث إلى الرسول ﷺ ، ولو كانوا مأمورين بالاجتهاد، لما فزعوا إليه. واحتج القائلون بالوقوع بأمورٍ: الأول: أنه ﵊ حكم سعد بن معاذ في بني قريظة، فحكم بقتل مقاتليهم، وسبي ذراريهم، فقال ﵊: (لقد حكمت بحكم الله - تعالى من فوق سبعة أرقعةٍ). الثاني: أنه ﵊ قال لعمرو بن العاص، وعقبة بن عامرٍ

стр. 3713

الجهني، لما أمرهما أن يحكما بين خمصين: (إن أصبتما، فلكما عشر حسناتٍ، وإن أخطأتم، فلكما حسنة واحدة). الثالث: أنه ﵊ كان مأمورًا بالمشاورة؛ لقوله تعالى:﴾ وشاورهم في الأمر ﴿ولا فائدة في ذلك إلا جواز الحكم على حسب اجتهادهم. والجواب عن الأول: لعلة قل اجتهادهم في حضرة الرسول ﷺ ، فلم ينقل؛ لقتله. وأيضًا: فقد نقل اجتهاد سعد بن معاذٍ، وعمرو بن العاص. وعن الثاني: لعلهم فزعوا إليه فيما لم يظهر لهم فيه وجه الاجتهاد، ولعلهم تركوه؛ لصعوبته، وسهولة وجدان النص. وعن الثالث: وهو خبر سعد وعمرو: أنه خبر واحدٍ؛ فلا يجوز التمسك به إلا في مسألة عملية، وهذه المسألة لا تعلق لها بالعمل. وعن الرابع: أن ذلك في الحروب ومصالح الدنيا، لا في أحكام الشرع. وأما الغائب عن حضرة الرسول ﵊ فلا شك في جواز أن يتعبده الله تعالى بالاجتهاد، لا سيما عند تعذر الرجوع، وضيق الوقت. وأما وقوع التعبد به، فقال به الأكثرون؛ والاعتماد فيه على خبر معاذٍ. مسألة في شرائط المجتهد: اعلم: أن شرط الاجتهاد أن يكون المكلف بحيث يمكنه الاستدلال بالدلائل الشرعية على الأحكام، وهذه المكنة مشروطة بأمورٍ:

стр. 3714

أحدها: أن يكون عارفًا بمقتضى اللفظ ومعناه؛ لأنه لو لم يكن كذلك، لم يفهم منه شيئًا، ولما كان اللفظ قد يفيد معناه - لغةً، وعرفًا، وشرعًا - وجب أن يعرف اللغة، والألفاظ العرفية والشرعية. وثانيها: أن يعرف من حال المخاطب: أنه يعني باللفظ ما يقتضيه ظاهره، إن تجرد، أو ما يقتضيه مع قرينة، إن وجدت معه قرينه؛ لأنه لولا ذلك، لما حصل الوثوق بخطابه؛ لجواز أن يكون عنى به غير ظاهره، مع أنه لم يبينه. قالت المعتزلة: وذلك إنما يعرف بحكمة المتكلم، أو بعصمته، والحكم بحكمة الله تعالى مبني على العلم بأنه تعالى عالم بقبح القبيح، وعالم بغناه عنه. وأما أصحابنا: فإنهم قالوا: الشيء، وإن كان جائز الوقوع قطعًا، لكنه قد نقطع بأنه لا يقع، فإنا نجوز انقلاب ماء جيحون دمًا، وانقلاب الجدران ذهبًا، وتولد الإنسان لا من الأبوين دفعةً واحدةً، ومع ذلك نقطع بأنه لا يقع، فكذا هاهنا نحن، وإن جوزنا من الله تعالى كل شيء؛ لكنه تعالى خلق فينا علمًا بديهيًا؛ بأنه لا يعني بهذه الألفاظ إلا ظواهرها؛ فلذلك أمنا من وقوع التلبيس. وثالثها: أن يعرف مجرد اللفظ، إن كان مجردًا، وقرينته إن كان مع قرينة؛ لأنا لو لم نعرف ذلك، لجوزنا في المجرد أن تكون معه قرينة تصرفه عن ظاهره، ثم القرينة قد تكون عقلية، وقد تكون سمعية: وأما القرينة العقلية: فإنها تبين ما يجوز أن يراد باللفظ مما لا يجوز. وأما السمعية: فهي الأدلة التي تقتضي تخصيص العموم في الأعيان، وهو المسمي بالتخصيص، أو في الأزمان، وهو النسخ.

стр. 3715

والذي يقتضي تعميم الخاص، وهو القياس؛ وحينئذٍ: يجب أن يكون عارفًا بشرائط القياس؛ ليميز ما يجوز عما لا يجوز. ثم هذه الأدلة السمعية غائبة عنا، فلابد من نقلها، والنقل: إما تواتر أو آحاد، فلابد وأن يكون عارفًا بشرائط كل واحد مننهما، ثم عند الإحاطة بأنواع الأدلة، لابد وأن يكون عارفًا بالجهات المعتبرة في التراجيح. فإن قال قائل: (فصلوا العلوم التي يحتاج المجتهد إليها): قلنا: قال الغزالي ﵀: مدارك الأحكام أربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل: فلابد من العلم بهذه الأربعة، ولابد معها من أربعةٍ أخرى: اثنان مقدمان، واثنان مؤخران، فهذه ثمانية لابد من شرحها: أما كتاب الله تعالى: فلابد من معرفته، وفيه تحقيقان: أحدهما: أنه لا يشترط معرفة جميعه، بل ما يتعلق منه بالأحكام، وهو خمسمائة آية. والثاني: أنه لا يشترط حفظها، بل أن يكون عالمًا بمواقعها؛ حتى يطلب منها الآية المحتاج إليها عند الحاجة. وأما السنة: فلابد من معرفة الأحاديث التي تتعلق بها الأحكام، وهي، مع كثرتها، مضبوطة في الكتب، وفيها التحقيقان المذكوران؛ إذ لا يلزمه معرفة ما يتعلق من الأخبار بالمواعظ، وأحكام الآخرة. والثاني: أنه لا يلزمه حفظها؛ بل أن يكون عنده أصل مصحح مشتمل على الأحاديث المتعلقة بالأحكام.
следующие страницы →