Полный текст (4 032 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.
стр. 3781
ومع ذلك فمن المعلوم بالضرورة أنهم كفار يقاتلون، ويقتلون ويغتمون ويؤسرون، وغير ذلك من أحكام الكفار الجارية عليهم.
ومن المعلوم أن السهولة، والتخفيف يأبي هذه الأحوال، فدل على أن أصول الديانات مختصة بأحكام دون فروعها.
وكذلك شرع الإكراه بالقتل والقتال، وأخذ الذراري، والأموال، والجلاء عن الأوطان، في تحصيل الإيمان منهم، ويعتد به منهم - في هذه الحالة - بإجراء أحكام الإسلام عليهم.
والفروع مع الإكراه لا تعتبر، ولا يجرى في أحكامها، فاختصت الأصول بالإكراه، وأن المصيب فيها واحد، وأن الظن فيها والتقليد غير معتبر، وأن العاجز غير معذور، والمخطئ آثم.
وسبب ذلك: عظم خطرها، وعلو منصبها؛ لتعلقها بجهة الحق والفروع مصالح للعباد، فخف أمرها، وكانت السهولة مختصة بها في أضداد الفروع المتقدمة.
قوله: (الصحابة - رضوان الله عليهم - ما كانوا متبحرين في دقائق الهندسة، والهيئة، والأرثماطيقي، ولا هذه الأدلة الدقيقة، ولا الجواب عن شبهات الفلاسفة):
قلنا: المعلوم لأهل الاطلاع على أحوال الصحابة خلاف ذلك من جل الصحابة رضوان الله عليهم.
فقد روي عن علي: أنه قال له ابن عباس بـ (البقيع) ليلة: حدثني - في (الحمد لله رب العالمين) - فقال له: إن الوقت لا يسع، فقال له في (بسم الله الرحمن الرحيم).
فقال له: إن الوقت لا يسع، فقال له: في (الباء).
стр. 3782
قال: فأخذ يحدثني في (الباء) من العشاء إلى أن طلع الفجر.
وكان علي ﵁ يستخرج وقائع (صفين) من قوله - تعالى-:﴾ حم، عسق ﴿.
وكان يقول: إني لأعلم بطرق السماء من طرق الأرض، ولو انكشف الغطاء ما ازددت يقينًا.
وكان من أعلم الناس بالأرثماطيقي، حكاياته في علم الفرائض في ذلك مشهورة حيث قال حين سئل عن زوجة، وأبوين، وبنتين، فقال: (صار ثمنها تسعًا؛ لأن أصلها من أربعة وعشرين؛ لاجتماع السدس والثمن، ويعال للزوجة بثمانية، وهي الثمن، فتصير سبعة وعشرين، فيصير ثمنها تسعًا).
قال الشعبي: لم أر أحسب من علي بن أبي طلاب ﵁ ووقفت له امرأة فقالت: إن أخي قد مات، وترك ستمائة دينار، فلم يعطني عاملك إلا دينارًا.
فقال لها: لعل أخاك قد ترك ابنتين، وزوجة، وجدة، واثني عشر أخًا وأنت؟ فقالت: نعم.
فقال: ليس لك إلا دينار.
يريد ﵁ أن الثلثين أربعمائة للابنتين، والسدس للجدة مائة، والثمن للزوجة خمسة وسبعون يبقي خمسة وعشرون بين الإخوة:﴾ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴿، فينوب كل أخٍ ديناران، وينوبها دينار.
وحكايته في الفرائض، وغيرها كثيرة جدًا.
فالصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا بحار علوم، فكيف يدعى عليهم عدم المعرفة بالحساب، وغيره؟.
стр. 3783
بل كانوا متبحرين في كل فن؛ فإن الموجب لعلومهم ليس الدرس، والتكرار، ومطالعة الكتب حتى يقال: لم يشتغلوا إلا بالكتب الفلانية، فيختص عليهم بتلك الكتب، بل الموجب هو نور النبوة، ونسبته إلى جميع العلوم نسبة واحدة، فيكونون متبحرين في جميع العلوم.
نعم هذه العبارات والاصطلاحات الحادثة، لا يلزم أن يكونوا عالمين بها، والجهل بها لا يخل بالعلوم، ولذلك شهد ﵇ لهم، فقال: (أقضاكم علي، وأفرضكم زيد، وأقرؤكم أبي، وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبلٍ، ورضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبدٍ) - يعني عبد الله بن مسعود، و (خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء) - يعني: عائشة ﵂.
قوله: (سلمنا أنه قتل مثل هذا الإنسان، لكن لم قلت: إنه يعاقب؟):
تقريره: أن القتل قد يكون بدون العقاب، كالمرجوم - بعد التوبة عن
стр. 3784
الزنا؛ لأنه لا يعاقب، أو يكون قتله؛ لأنه لم يتعين عجزه عن الوصول إلى الحق، وهو في نفس الأمر قد عجز عنه.
قوله: (الكفر لا يتحقق إلا في حق المعاند الذي عرف الدليل، ثم أنكره):
قلنا: الكفر الحقيقي هو ستر جسم بجسم، وهو منفى في حق الجميع، فلم يبق سوى المجاز؛ فإن ستر الحق بالباطل من باب ستر المعاني للمعاني، وهو مجاز، والمعاند - كما قلتم - وكذلك الذي لم يظهر الحق - بعد اجتهاده؛ لأن جهله بالحق ساتر للحق سترًا مجازيًا، فلا يختص المجاز بالمعاند، فلا يلزم من كون المعاند العلاقة فيه أرجح أن يتعين المجاز - لاسيما - والمعاند بالنسبة إلى الكفار قليل جدًا، فيلزم تخصيصات العموم، لا يرتاب ذو بصيرة في ذلك.
قوله: (الله - تعالى - رحيم كريم):
قلنا: قد تقدم - الجواب - عن هذا في العجم، والأقاليم المنحرقة، وورد الحديث الصحيح: (أن الله - تعالى - يخلق أقوامًا يوم القيامة، فيدخلهم النار)، وكما أن الله - تعالى - لشأن الرحمة، فشأنه أيضًا العقوبة العظيمة، فلا غضب أشد من غضب الله - تعالى - نسأله العافية في الدنيا والآخرة، وأن يعاملنا بلطفه في الأمر كله.
(سؤال)
الآيات الواردة في ذم الظن يرد عليها أن الاعتقاد الجازم، وإن لم يطابق، فصاحبه لا يجوز خلافه ، والظن يجوز صاحبه خلافه، فأمكن ذمه؛ لأن وقوعه عنده تقصير، وبالجملة فهذه النصوص تتناول المظنون دون الاعتقادات الجازمة، فتكون الدعوى عامة، والدليل خاص، فلا يفيد كقولنا: كل طعام حرام؛ لأن الخنزير حرام.
стр. 3785
(تنبيه)
قال التبريزى على قوله: (إن الله - تعالى - نصب على هذه المطالب أدلة قطعية): إنه ضعيف ؛ لجواز عدم الظفر بسبب الختم والطبع والصرف، وكيف لا يقيم عذره كثرة الشبهات التي لا يكاد يميز بينها، وبين الأدلة إلا بعد إفضاء النظر، ولعل عذره في عدم الظفر بها أوسع من عذر المجتهد في عدم الظفر بأمارات الفروع؟، ثم إنا إذا فرضنا أن قد استعمل فكره، واستفرغ جهده، وفاته الحق لكلال نظره، وبلادة خاطره وجب أن يكون معذورًا؛ لأن المانع من غيره على أن ما ذكروه منقوض بما لو توهم أجنبية حليلته بخيال، أو انتباه من نوم، فإنه لا يأثم بوطئها، وإن كان عليه أدلة قاطعة، فإذن الاعتماد فيه على السمع.
قلت: أما عذره بخطئه، فلا يحصل؛ لما تقدم من أن عقائد الدين شدد فيها ما لم يشدد في غيرها، وأما كون الزنا قطعيًا، وتحريمه من ضروريات الدين فمسلم، غير أن إباحته جائزة على الله - تعالى -، فله أن يراعي الأصلح للعباد، وألا يراعيه، غير أن عادته - تعالى - التفضل على عباده بشرع يحصل المصالح، ويدرأ المفاسد، على سبيل التفضل.
أما أصول الديانات، فالذي يعتقده المخطئ فغير جائز على الله - تعالى - فهذا هو الفرق.
قالوا: وهو السر في كون أصول الدين لا يجوز الاعتماد فيه على الظن؛ فإن الظان فيه يجوز على الله - تعالى - ما هو مستحيل عليه، بخلاف الظن في الفروع، إذا جوز خلاف الحكم المظنون؛ فإنه جائز على الله - تعالى - وهذا فرق عظيم بين البابين.
стр. 3786
(فائدة)
قال الغزالي في (المستصفى): مسائل أصول الفقه نحو كون الإجماع حجة ، والقياس حجة، وخبر الواحد حجة، ومن جملها خلاف من جوز خلاف الإجماع المنبرم قبل انقضاء العصر، وخلاف الإجماع الحاصل عن اجتهاده، ومنع المصير إلى أحد قولي الصحابة - رضوان الله عليهم - وكذلك التابعون - عند اتفاق الأمة بعدهم - على القول الآخر، وكون المصيب واحدًا في الظنيات.
فهذه مسائل أدلتها قطعية، والمخالف فيها آثم مخطئ، كما قلنا في مسائل أصول الدين، والقطعيات من الفقهيات: كـ (الصلاة) ن (والزكاة)، (والحج)، (والصوم)، و (تحريم الزنا)، و (القتل)، و (السرقة)، (والشراب)، وكل ما علم قطعًا من الدين، فالحق فيها واحد، وهو المعلوم، والمخالف فيه آثم؛ فإن أنكر ما علم ضرورة: كتحريم الخمر؛ فهو كافر، أو بطريق الظن، نحو كون الإجماع حجة، والقياس وخبر الواحد، وكذلك الفقهيات المعلومة بالإجماع، لا يكون المنكر لذلك كافرًا، بل آثم مخطئ، والظنيات لا إثم فيها - هذا مذهب الجماهير.
وسوى بشر المريسي، فألحق الفروع بالأصول، فأثم المخطئ.
والجاحظ، والعنبري عكسا القضية، وألحقا الأصول بالفروع، فلم يؤثما.
وقال العنبري: كل مجتهد في الأصول مصيب، وليس فيها حق متعين.
وقال الجاحظ: الحق متعين، لكن المخطئ معذور.
قلت: وهذا التصريح عن العنبري لم يصرح به في (المحصول)،
стр. 3787
وكذلك أشار سيف الدين إلى ذلك في (الإحكام)، وإلى الفرق بين مذهب العنبري والجاحظ.
(مسألة)
اختلفوا في تصويب المجتهدين
قوله: (إن لم يكن في الواقعة حكم معين لله - تعالى - فهذا قول من يقول: كل مجتهدٍ مصيب):
تقريره: أن الإجماع منعقد على أن ما ظهر على ألسنة المجتهدين هو حكم الله - تعالى - حتى حكى الغزالي في (المستصفى): أن المجتهد إذا غلب على ظنه ما هو خلاف الإجماع وجب عليه أن يعمل بذلك، حتى يطلع على الإجماع.
ونظير هذه المسألة المجتهدون في القبلة إذا أدى اجتهادهم إلى عشر جهات، كل واحد إلى جهة؛ فإن كل واحد منهم يجب عليه أن يصلى إلى ما غلب على ظنه من الجهات، وإن كان مخطئًا؛ فإن الكعبة من المحال أن تكون في عشر جهات، بل ولا في جهتين، ولو قال أحدهم لبقيتهم: يجوز لي أن أترك اجتهادي، وأتبع جهتك التي اجتهدت فيها أنت، لقال له الكل: بل يحرم عليك أن تتبعنا، وتترك ما أدي إليه اجتهادك.
فالكل من هؤلاء يجمع على أن كل واحد منهم يحرم عليه الرجوع عما أدى إليه اجتهاده، والرجوع إلى غيره.
كذلك العلماء في الأحكام: يفتي كل واحدٍ منهم الآخر بوجوب اتباعه، لما أدي إليه اجتهاده، وأنه يحرم عليه اتباع غيره، فإذا كان كل واحدٍ منهم يجب عليهم اتباع ما غلب على ظنه من الحكم، فهو مصيب باعتبار ما غلب على ظنه، وليس مخطئًا باعتبار عين ذلك الحكم.
إذًا التفريغ على أنه ليس في نفس الأمر حكم آخر، فانتفي عنه الخطأ مطلقًا، وثبت له الإصابة مطلقًا.
стр. 3788
فهو معنى قوله: (إنه على التقديرين: كل مجتهدٍ مصيب).
أما إذا قلنا في نفس الأمر: حكم الله - تعالى - معين، والمجتهدون يطلبون، فبعضهم في مسائل الخلاف أخطأه قطعًا، ولا يمكن أن يقال: الكل أصابوه؛ لأن التقدير أنهم أفتوا بأحكام مختلفة، والواحد لا يكون أحكامًا مختلفة، ولا يمكن أن يقال: الكل أخطأه؛ لدلالة القاطع على أن الحق لا يفوت الأمة، وأنها معصومة عن فوات الصواب.
فحينئذ يتصور أن يقال: إن بعض المجتهدين مخطئ، وإن المصيب واحد، أما على الطريق الأول فلا.
قوله: (إن وجد في نفس الأمر ما لو حكم الله - تعالى - لما حكم إلا به، وهو القول بالأشبه):
تقريره: أن في زماننا نقطع بأنه لا نبي لله - تعالى - في الأرض، ولا يجوز أن يكون، ومع ذلك فنقول: لو أن الله - تعالى - ترك باب النبوة مفتوحًا، وأراد أن يبعث منا نبيًا إلينا، بعد النبي ﷺ فلانًا ونشير إلى أن من يعتقد أنه خير أهل زماننا مفتوحا، وأراد أن يبعث منا نبيًا إلينا بعد النبي ﷺ كذلك هاهنا: إذا فرعنا على أنه - لا حكم لله - تعالى - في نفس الأمر، فهل في نفس الأمر ما هو راجح في المصلحة، أو دارئ للمفسدة؛ بحيث لو أن لله - تعالى - حكمًا لعينه، والأحوال مستوية، فليس فيها أرجح.
والاستواء هو مذهب من لم يقل بالأشبه، ولا بالحكم بالتصويب مطلقًا، فالقول بالأشبه هو حكم بالفرض والتقدير، لا بالتحقيق كما تقرر.
قوله: (والثاني: في قول الخلص من المصوبين):
تقريره: أن الخلص جمع خالص، أي أخلصوا كما في التصويب؛ فإن القول بالأشبه فيه شائبة عدم التصويب المطلق، وشبه التخطئة باعتقاد الأشبه.
стр. 3789
قوله: (كون الحكم لا دلالة عليه، ولا أمارة، هو قول طائفة من الفقهاء والمتكلمين، وقد نقل عن الشافعي ﵀ أن في كل واقعة ظاهرًا وإحاطة، ونحن ما كلفنا بالإحاطة، وهؤلاء زعموا أن ذلك الحكم مثل دفين يعثر عليه الطالب بالاتفاق):
قلنا: هذا النقل غير ملخص في ظاهر العبارة؛ فإنه ذكر القول بعدم الدلالة والأمارة، وحكى عن الشافعي ما حكاه، ثم قال: وهؤلاء قالوا: إنه كدفينٍ يعثر عليه، وذلك يقتضي أن الشافعي من جملة من قال بعدم الدلالة والأمارة، مع أنه حكى عنه الظاهر والإحاطة، وهما أمارتان، فبقي في النقل مناقضة، وتدفاع.
وقال التبريزي: في هذا الموضع قال بعض المصوبة: لله - تعالى - حكم معين، لكن منهم من قال: لا أمارة عليه، ولا دليل؛ بل هو كدفين يعثر عليه، ومنهم من قال: عليه أمارة ظنية، ما كلفنا بها لخفائها، وهو قول كافة الفقهاء، والمنسوب إلى الشافعي، وأبي حنيفة.
وقد نقل عن الشافعي أنه قال: في كل واقعة ظاهر وإحاطة، وإنا كلفنا بالإحاطة، ومنهم من قال: كلفنا بها أولاً، وعند الخطأ يتعين التكليف.
فجعل التبريزي قول الشافعي قولاً مخالفًا للقول بأن الحكم لا أمارة عليه، وحكى عنه الأمارة، وحكى عنه في التكليف بها قولين.
فهذا نقل مستقيم؛ فإنه لم يدخل الشافعي فيمن قال بعدم الأمارة، بل جعله قسيمًا لهم.
وقال سيف الدين: من قال: عليه دليل ظني ومنهم من قال: فمن ظفر به، فله أجران، وهو مصيب، ومن لم يصبه فهو مخطئ،
стр. 3790
وله أجر واحد، وهو مذهب ابن فورك، والأستاذ أبي إسحاق، ومنهم من نقل عنه القولان في التخطئة والتصويب، كالشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد ابن حنبلٍ، والأشعرى.
وهذا أيضًا نقل حسن؛ لأنه نقل مذهب الشافعي في القسم الذي قال: عليه أمارة.
وكذلك قال: سراج الدين في اختصاره غير لفظ الأصل.
فقال: قال بعض الفقهاء والمتكلمين: لله - تعالى - في كل واقعة حكم معين، لكن ليس عليه أمارة، ولا دلالة، والطالب يعثر عليه اتفاقًا، فله أجران، وللخائب أجر واحد للمشقة.
وقال كافة الفقهاء: عليه أمارة فقط، لكن لم يكلف بإصابتها لخفائها، وكان المخطئ معذورًا، مأجورًا.
وينسب للشافعي، وابي حنيفة.
وقيل: مكلف، وعند الخطأ يتغير التكليف.
وهذا نقل لا شبهة فيه.
وإذا اتضحت هذه النقول، فيتعين أن الشافعي ﵀ ليس من القائلين بعدم الأمارة، بل من القائلين بها، وأن المصنف أراد بحكايته أنه قسيم للذين يقولون بعدم الأمارة لا قسم منهم، ومراده بالظاهر دليل لفظي في دلالته ظهور، وبالإحاطة ضابط من جهة القواعد يرشد إليه، فلا يخلو الحكم عن نص أو قياس. هذا تلخيص كلامه.
стр. 3791
قال أبو الحسين في (المعتمد): من الناس من قال: المصيب واحد، وغيره مصيب في اجتهاده، مخطئ في الحكم، وهم القائلون بالأشبه؛ لأنهم جعلوه مطلوب المجتهد، ولم يكلف به.
قال: وعن الشافعي أن في كل مسألة ظاهرًا وإحاطة، وكلف المجتهد الظاهر، ولم يكلف الإحاطة.
فنقل الإحاطة بصيغة (أو) كما في (المحصول)، والذي وجدته للتبريزي - (بالواو)، وبينهما فرق كبير.
ثم إنه صرح بالتكليف بالظاهر، دون الإحاطة، وفي (المحصول) لم يتعرض للظاهر.
ثم قال: لم يختف المصوبة القائلون بالأشبه أنه ما كلف إصابته، ولم يقل أحد: إن المجتهد مخطئ في اجتهاده مصيب في الحكم، لكن اختلفوا، فقيل: اجتهاد المجتهدين صواب.
وقيل: الصواب منه واحد، والقائل بأن الكل صواب اختلفوا، فمنهم من قال: أحكام تلك الاجتهادات كلها صواب.
وقيل: واحد منها صواب، وهو الأشبه، والقائلون بأن الأحكام كلها صواب؛ قالوا: الاجتهادات كلها صواب، والقائلون بأن بعض الأحكام خطأ اختلفوا، فقيل: الاجتهادات كلها صواب، أو واحد منها فقط.
والظاهر أن هذا معنى كلام المصنف: إن الإصابة في الأمارة هو أحد صور النزاع.
قوله: (قال الأصم: ينقض قضاء القاضي إذا خالفه):
стр. 3792
قلنا: هذا الموضع مشكل؛ لأجل أن الحكم المعين - في نفس الأمر - غير معلوم للبشر، فدليله - أيضًا - القطعي يكون غير معلوم.
فإن كان الأصم يقول: إن دليل هذا الحكم ظاهر للناس، ظهورًا جليا، يلزم أن يقول: الحكم المعين - أيضًا - ظاهر ظهورًا جليًا، وهو خلاف الضرورة. وإن قال: إنه غير ظاهر للناس، فكيف ينقض قضاء القاضي؟
ونقض الحكم إنما يكون مع العلم بوجود موجب نقضه، وغير المعلوم كيف ينقض به، فعلى التقديرين هذا المذهب مشكل.
غير أن أبا الحسين في (المعتمد)، حكى عنهم أنهم قالوا: على الحق دليل يعلم به المستدل أنه قد وصل إلى الحق.
فإن أراد أنه إذا لم يعلم الوصول إلى الحق ينقض، فلاشك أن هذا معلوم، وهذه لفظة لم ينقلها صاحب "المحصول".
غير أنه يلزم على هذا نقض كل حكم مظنون، وهو أكثر الشريعة، فهو وإن يخرج من هذا الوجه أشكل من الوجه الآخر.
وقد يلتزمون نقض أكثر الشريعة، فيندفع الإشكال مطلقًا.
قوله: (وهذه إحدى صور الخلاف):
قلنا: لم يخالف أحد في أن كل مجتهد مصيب؛ للرجحان في الأمارة في نفس الأمر، كما أنهم لم يقولوا: إن كل مجتهد مصيب باعتبار الحكم الصادر عن اجتهاده، لا باعتبار الحكم المعين في نفس الأمر.
والصواب: باعتبار نفس الأمر، لم يقل به أحد - فيما علمت - لا في أمارة، ولا في حكم.
стр. 3793
وكيف يمكن القول به، مع أن أحد المتنافيين متى كان راجحًا، كان الآخر مرجوحًا بالضرورة؟
قوله: (فإن اكتفينا بهذا القدر جاز):
قلنا: لا يمكن الاكتفاء به؛ فإنكم إنما بنيتم الخطأ باعتبار ما في نفس الأمر، وهو لم ينازع فيه أحد؛ بل قالوا به باعتبار الراجح من الأمارات، إنما اختلفوا في الخطأ في الحكم.
والفرق: أن الحكم قد نوزع في وجوده في نفس الأمر، فالخطأ فيه فرع ثبوته، فإذا لم يثبت، فلا خطأ، وأما الأمارتان فموجودتان قطعًا، فيتعين الخطأ باعتبار نفس الأمر في حق أحد المجتهدين ضرورة.
قوله: (الاعتقاد الذي ليس بمطابق جهل، والجهل بإجماع الأمة غير مأمور به):
قلنا: لا نسلم أن الجهل غير مأمور به إجماعًا، بل الجهل المركب باعتبار رجحان الأمارة في نفس الأمر، لا باعتبار ظن المجتهد متفق على الأمر به.
كما اتفق الناس على وجوب العمل بالظن في الأحكام، مع القطع بأن الأمارتين ليستا موصوفتين، يكون كل واحد منهما هي الأرجح، وكذلك في المجتهدين في القبلة، والمياه، والأثواب الملتبسة نجسها بطاهرها، والتقويم في أروش الجنايات، وقيم المتلفات، وجزاء الصيد، وغير ذلك من الصور.
يحكم في كل واحدة بما غلب على ظنه، وإن حكم الآخر بضد ما حكم به، مع القطع بعدم اشتراك تلك المدارك في أن كل واحد منها أرجح من الآخر، بل الراجح منها متعين في نفس الأمر قطعًا، فالجهل المركب مأمور به في كثير من الصور بالإجماع.
فكيف يدعى الإجماع على عدم الأمر به؟.
стр. 3794
غايته: أنه لم يقل: المكلف اتبع الجهل؛ بل قيل له: اتبع ما غلب على ظنك وإن كان في نفس الأمر جهلاً، فذلك لا يلزمك.
وعلى هذا التقدير: يكون الجميع مصيبين آتين بما أمروا به، وإصابتهم باعتبار ما في ظنونهم، والأحكام المتوجهة عليهم.
قوله: (الرجحان في الذهن، إما أن يكون نفس اعتقاد رجحانه في الخارج، أو أمرًا لا يثبت إلا معه):
تقريره: أن المجتهد إذا اعتقد رجحان الأمارة في ذهنه، إنما ثبت له ذلك الاعتقاد؛ لأنه يعتقد رجحانها في نفس الأمر؛ فإنه إنما يجتهد في ذلك، ويطلب ما هو الراجح عند الله - تعالى - في شرعه، وكذلك - أيضًا - المجتهدون في أمور الدنيا، إنما يطلب الراجح في نفس الأمر.
فصح أن اعتقاد الرجحان في الذهن هو نفس الرجحان في نفس الأمر، ولما كان السائل أورد السؤال على هذا المقام، وظهر منه الشك في صحته، ادعى المصنف أحد أمرين، فقال: إما أن يكون نفسه، أو أمرًا لا يتم إلا به، يعني: لازمًا له.
ومعنى قوله: (إذا اعتقدنا المساواة امتنع رجحان الوجود على العدم)، أي في نفس الأمر - فاعتقاد الرجحان في نفس الأمر مع اعتقاد المساواة في الذهن، لا يجتمعان أبدًا.
فدل ذلك على أن المجتهد، إنما يطلب ويعتقد ما في نفس الأمر لذلك، نعم قد يكون مطابقًا، وقد لا يكون.
قوله: (اعتقاد المجتهد جازم؛ لأن اعتقاد كون الشيء أولى بالوجود، غير اعتقاد كونه موجودً):
قلنا: هاهنا اعتقادان:
стр. 3795
أحدهما: اعتقاد كون حكم الله - تعالى - هو الحرمة مثلاً.
والثاني: كون أمارته راجحة، فهو يقطع برجحان الأمارة، ولا يقطع بأن الحكم الحرمة.
والسائل: إنما أورد السؤال في اعتقاد الحكم لا في اعتقاد رجحان أمارته. ونظيره أن الشاك يقطع بأنه شاك، ولا يمنع ذلك الشك فيما هو شاك فيه. فالجواب حائد عن موضع السؤال، والخصم يسلم الجزم باعتبار الأمارة. قوله: (إن كان الدليل خاليًا عن المعارض، تعين ذلك الحكم بالإجماع، فيكون تاركه مخطئًا):
قلنا: إما أن تريدوا بالدليل القاطع، أو الظني: فإن أردتم القاطع، لم تكن التسمية منحصرة؛ لخروج الظن عن القسمة، وهو الذي يغلب وقوعه في مدارك المجتهدين:
وإن أردتم الظنى، فنحن نلتزمه.
ثم نقول: إن أردتم سلامته عن المعارض في نفس الأمر، أو في ظن المجتهد إن أردتم في نفس الأمر - لا يفيدكم بعينه، ولا بعين حكمه؛ لاحتمال وقوع التعارض في ظن المجتهد، لا في نفس الأمر.
فنقول للمعارض في ظن ذلك المجتهد، ويعمل به مرسله في ظن عن المعارض، وعلى هذا يكون كل مجتهد مصيبًا؛ لأن كلامهم إنما عمل بالسالم عن المعارض الراجح في ظن؛ ولا غيره عندنا بالسلامة في نفس الأمر، إنما تعتبر السلامة في ظن المجتهد، وكذلك الرجحان.
وبهذا التفصيل يبطل هذا الطريقة من أولها إلى آخرها.
стр. 3796
قوله: (لو كان فيها دليل لكان تارك العمل به تاركًا للمأمور به، فيكون عاصيًا):
قلنا: إنما يكون عاصيًا بترك ما هو دليل في اعتقاده، لا في نفس الأمر:
قوله: (فلما أجمعوا على أنه لا يستحق النار علمنا أن لا دليل).
قلنا: أما أولاً: فلأنهم لم يجمعوا؛ لما تقدم من حكاية الخلاف في العقاب عن بشر المريسي.
وأما ثانيًا: فلأن عدم العقاب إنما كان عند الخصم؛ لأن كل واحد مكلف بما غلب على ظنه من الدليل والحكم، فلا يستحق العقاب إلا إذا ترك ما غلب على ظنه.
والذي في المظنون أمارة شرعية محققة، وهي غير الوهم الذي قلتموه.
قوله: (الراجح إنما يجب العمل به على من اطلع عليه):
قلنا: لا يعني بالراجح إلا في الظن، فلا يوجد أبدًا إلا مطلعًا عليه، ولا عبرة بما في نفس الأمر وبهذا نجيب عن قوله:
قوله: (مصلحة أحد المجتهدين في العمل بالاجتهاد متى لم يصل إليه كان مخطئًا):
قلنا: هذا ممنوع، بل الذي عليه العلماء أن كل مجتهد يجب عليه أن يصل إلى حد من الاجتهاد باعتبار محفوظاته واطلاعه وأهليته، حتى يحس من نفسه العجز، وهل يشترط قطعه بالعجز؟ أو يكفي الاعتقاد الجازم؟ أو الظن الغالب؟
تقدم - في ذلك - ثلاثة أقوال في العمل بالعام قبل طلب التخصيص، كما نقله الغزالي في (المستصفى)، وحكى الإجماع عليه، فكيف يحكون الإجماع فيما هو ثابت بالإجماع؟.
стр. 3797
ولا يعني بالحد إلا هذا القدر، فما الدليل على الغاية؟ وليس الواقع حدا - في نفس الأمر بالنسبة إلى كل مجتهد.
قوله: (وجود المطلوب متقدم على الاستدلال بمراتب):
قلنا: الاستدلال: طلب دليل يترتب عليه حكم شرعي، فإذا عرض - بعد هذا الطلب - مقدمات وقعت في الذهن، حصل العلم بها متأخرًا عن وقوعها؛ لأن المقدمات خلق من خلق الله - تعالى - يخلقه في الذهن عقيب الطلب بجاري العادة، فإذا وقع الخلق حصل العلم بوجوده.
وتلك المقدمات يتبعها الحكم؛ لأن الله - تعالى - إنما يكلفه بما يقع في ظنه، فالظن سبب التكليف، والتكليف متأخر عنه، فالحكم الذي هو المطلوب متأخر عن الاستدلال بمراتب، لا أنه متقدم عليه بمراتب.
ولم يتقدم الحكم شيء ألبتة، إلا النسب الحاصلة بينه، وبين تلك المقدمات؛ لوجوب آخر النسبة عن طرفيها، وهذه بالنسبة ليست للاستدلال، بل متأخرة عنه، وعن وقوع المقدمات في الذهن.
وبهذا يبطل قوله: إن الاستدلال متوقف على وجود الدليل؛ لأن الاستدلال لطلب، والطلب إنما يتعلق بالمعدوم لا بالموجود، عكس ما قاله، بل لو وجد الدليل في الذهن استحال طلبه؛ لأنه تحصيل الحاصل.
نعم إن أراد أن في نفس الأمر دليلاً، المجتهد يطلبه، منعناه، بل لا دليل إلا ما يخلقه الله - تعالى - في جاري عادته في ذهن المجتهد عقيب الطلب أو متأخرًا عنه، وليس في نفس الأمر شيء.
قوله: (النظر في الأمارة متوقف على وجود المدلول بمراتب):
قلنا: لا نسلم: بل المدلول هو الحكم الشرعي، وهو عندنا مانع للظن، وليس - عندنا - في نفس الأمر دليل، ولا حكم إلا ما ثبت عند الظن في
стр. 3798
نفس المجتهد، ولذلك جعلنا المجتهد طالبًا للأمارة، والحكم معًا؛ لأنهما مطلوبان، والطلب لا يتعلق إلا بمعدوم، والموجود يستحيل طلبه.
قوله: (وهذا غير ما قررناه في الطريقة الثالثة):
تقريره: أن العلماء ذكروا ضابطًا لتغاير الأدلة والأقيسة؛ لفائدة ينبني عليه في احتياج المجيب إلى تعدد الأجوبة في الأدلة، والأقيسة في الفوارق؛ لأنه بتقدير أن يكون القياسان واحدًا كفى فرق واحد، أو قياسين يحتاج إلى فرقين، وكذلك يحتاج إلى جواب واحد في الدليلين، بمعنى دليلٍ واحد لجوابين إن كانا دليلين.
فقالوا: ينظر في الأقيسة إلى الجوامع، إن كان الجامعان واحدًا، فالقياسان واحد، وإن اختلف المقيس عليه، فإن العبرة في القياس، إنما هو الجامع، وإن تعدد الجامع تعدد القياس.
وكذلك ينظر إلى الدليلين، فإن كان اللازم عنهما لواحد، فهما دليل واحد، واللازم عن هذا غير اللازم عن هذا، فهما دليلان.
إذا تقرر الضابط فنقول: اللازم عن الطريقة الثالثة - أن المتقدم عين المتأخر، وهذا محال، واللازم عن الطريقة الرابعة الدور، وهو محال آخر لازم عن اللازم الأول، وإذا تعددت اللوازم كانا طريقين، وإنما كان يلزم الاتحاد أن لو كان اللازم عنهما الدور، أو كون الشيء في نفس غيره فيهما.
قوله: (يكون الحكم بعد ذلك الدليل حكمًا بغير ما أنزل الله، فيلزم تكفيره؛ لقوله تعالى:﴾ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ [المائدة: ٤٤]
стр. 3799
قلنا: هذا عليه أسئلة:
أحدها: أن ذلك الدليل لم يتعين أنه مما أنزل الله - تعالى - لجواز أن يكون قياسًا عقليا، أو مركبًا من العقل والنقل.
وثانيها: سلمنا أنه يتعين أن يكون مما أنزل الله - تعالى - لكن المنزل ظاهر في عرف الشرع في القرآن؛ لقوله تعالى:﴾ لتبين للناس ما نزل إليهم ﴿، وحيث ورد التنزل، فالمراد به القرآن والسنة، وإن كانت وحيًا منزلاً، لكن غلب الاستعمال في القرآن، وحينئذ جاز أن يكون دليل الحكم من السنة.
وثالثها: سلمنا أن المنزل يعم الكتاب والسنة، لكن اللفظ يقتضي أن من لم يحكم بكل ما أنزل الله، فهو كافر، وهذا لم يقل به أحد؛ فإن المجتهد لابد أن يترك المنسوخ والمرجوح لمعارض عارضه، فلابد لكل مجتهد من ذلك، والقول بالعموم خلاف الإجماع؛ مع أن ظاهر عموم "ما" يقتضيه؛ فإنها من صيغ العموم.
ورابعها: أن يقول: المراد من لم يحكم بما أنزل الله - تعالى - بمعنى أنه لم يحكم بشيء منه، وإلقاء جميع المنزل، فهو كافر.
فلم قلت: إن المجتهد إذا ترك دليل الحكم ترك كل منزل، بل بقى أدلة التوحيد والبعث، وغير ذلك من السمعيات.
وخامسها: أن هذه الصيغة عامة في أفراد الأدلة المنزلة المطلقة في المدلول، كما تقدم في (باب العموم).
فنحن نقول بموجبه؛ لأن من لم يحكم بما أنزل الله في قواعد العقائد، فهو كافر، وهذا صحيح.
قوله: (غموض أدلة هذه الأحكام لا يزيد على غموض أدلة المسائل العقلية، والخطأ فيها كفر):
стр. 3800
قلنا: الفرق أن المخطئ في الفروع، إذا حكم بغير حكم الله المقرر في نفس الأمر، فقد أضاف إلى الله - تعالى - ما هو جائز عليه؛ فإن الله - تعالى - يجوز عليه أن يكون في شرعه التحريم بدلاً عن التحليل، وبالضد. أما المخطئ في الأصول، فيجوز على الله - تعالى - ما هو مستحيل عليه، وما هو قدح في الربوبية، فذلك أشد الحرج، وعظم الخطر، ولم يقدر المكلف منها، وهذا فرق عظيم، فلا يلزم من نفي الحرج في الفروع عدمه في الأصول؛ ولأن مسائل الأصول منضبطة، أعنى المسائل التي كلف الله - تعالى - بها عباده في أصول الدين، لا تكاد تزيد على الخمسين مسألة - والقليل يمكن ضبطه، وإتقانه توجه الفكر إليه التوجيه التام، والفروع لا تعد، ولا تحصى، فلا يمكن ضبطها، فيعذر الإنسان فيها، وهذا - أيضًا - فرق حسن.
ولهذه الفروق جوز الشرع التمسك في الفروع بالظن دون الأصول، وهو - أيضًا - فرق ثالث.
قوله: (لو لم يكن عليه دليل، لزم تكليف ما لا يطاق):
قلنا: ونحن نقول بجوازه، وهو المشهور من مذهب المتكلمين.
قوله: (الأمة مجمعة على أن المجتهد يعمل على وفق ظنه، فيكون مصيبًا):
قلنا: ليس الخلاف في إصابة المجتهد الحكم الجاري في الظنون؛ فإن ذلك مجمع على الإصابة فيه، بل يتعذر خلافها.
إنما النزاع في حكم الله - تعالى - الكائن في نفس الأمر الذي يطلبه المجتهدون، هل ذلك حق حتى تتصور الإصابة فيه، والخطأ، وليس في نفس الأمر شيء، فلا خطأ ألبتة حينئذ؟.
стр. 3801
فالإصابة، والخطأ ليس النزاع فيهما إلا باعتبار حكم آخر في نفس الأمر لا باعتبار ما في ظنون المجتهدين.
فاكتفاؤكم بحصول الصواب فيما في الظنون لا يفيدكم شيئًا، ولا خلاف بين الناس أن لله - تعالى - في الظنون أحكامًا.
إنما اختلفوا هل وراء هذه الأحكام أحكام أخر في نفس الأمر أم لا؟.
وأنه أمر مع هذه الأحكام التي في الظنون بطلب أحكام أخر في نفس الأمر، كما تطلب الكعبة، فيصيبها، ويخطئها، مع اتفاقنا في الكعبة - أيضًا - أنه يجب أن يصلى إلى الجهة التي غلبت على ظنه، فكما أمر في الكعبة بها في نفس الأمر، وبما غلب على ظنه، وإن أخطأ، كذلك هاهنا مأمورون.
وكما أن ثم مأمورين، والخطأ إنما يتصور باعتبار الكائن في نفس الأمر فيها دون ما أدى إليه اجتهاده إلا أن يسهو عنه، فيفعل غيره نسيانًا، فيصلى لغير الجهة التي أدى إليها اجتهاده، وبقى تعين الحكم الذي أدي إليه اجتهاده سهوًا إلى ما إذا عمل بمقتضى الاجتهاد، فهو مصيب قطعًا؛ لما في الاجتهاد يحتمل الإصابة لما في نفس الأمر من غير جزمٍ.
قوله: (استلزام الأمارة للحكم، إما أن يتوقف على انضمام قيد أم لا)، فإن توقف امتنع أن تكون تلك الأمارة أمارة لذلك الحكم؛ لأن المستلزم هو المجموع):
قلنا: عليه سؤالان:
الأول: أن هذا ينفي الأمارة كلها في أمور الدنيا والدين، لا ما يتردد فيها بعين ما ذكرتم، وهو خلاف الضرورة؛ فإنا مجمعون على الاستدلال بالغيم الرطب على المطر، وبأمارات الخوف، والأمن، وغضب زيد، وجوعه، وفرحه، ولذته.
стр. 3802
ويعتمد على ذلك في مداواة الأبدان، والمزارع، والمتاجر، وغيرها من أمور الدنيا، ويستدل بخبر الواحد، وبعموم الكتاب، وبحمل اللفظ على الحقيقة دون المجاز، وعلى العموم دون التخصيص، والاستقلال دون الإضمار، والإفراد دون الاشتراك.
وغير ذلك من المدارك الشرعية، وما ذكرتموه يبطله كله.
الثاني: أن كون الشيء في ذاته بحيث يكون استلزامه الشيء أرجح من عدم استلزامه أمر ثابت له في ذاته، وجد معه عدم المانع من ذلك أم لا؛ فإن الماء يستلزم الري في الحيوان ظاهرًا، والخبز الشبع، والنار الإنضاج للطعام، وغير ذلك من الأغذية، والأدوية، والأسباب الممرضة والمصحة قد يقترن بها مانع، فلا يثبت معها الحكم المنسوب إليها، وقد لا يقترن بها فيثبت، ولا يخرجها ذلك عن الاستلزام الظني لذلك الحكم؛ فإن عدم المانع ليس معتبرًا في اقتضاء المقتضى، إنما هو معتبر في الترتب، ولا مدخل له في الاقتضاء.
كذلك الأمارة في ذاتها تناسب الحكم، وتستلزمه ظاهرًا حتى يمنعها مانع، ففي الحقيقة المستلزم للمجموع المركب للأمارة، مع عدم المانع، لكن عدم المانع لا مدخل له في الاقتضاء، كما أن عدم المخصص لا مدخل له في كون الحقيقة هي الراجعة.
قوله: (ذلك الخطأ من الصغائر، فلا جرم لم يجب الامتناع عن التولية":
قلنا: اتفقوا على أن كل مجتهد مأجور، إما أجرًا إن كان مخطئًا، أو أجرين إن كان مصيبًا، والمأجور لا يكون عاصيًا، والصغيرة عصيان، فلا يجتمع معه الاجتهاد.
стр. 3803
سلمنا أنها صغيرة، لكن ملابسها مصر عليها، ولا صغيرة مع إصرار، كما أن لا كبيرة مع الاستغفار، فلا معنى لهذا الكلام أصلاً.
قوله: (في قول الصديق ﵁: (إن كان خطأ فمنى، وأستغفر الله):
قلنا: قرينة الاستغفار تقتضي أن الخطأ هاهنا باعتبار توهم التقصير في الاجتهاد، ونحن نقول: إن كل من اجتهد، ولم يبذل وسعه، فهو مخطئ آثم.
إنما النزاع إذا استفرغ وسعه، هل يتصور منه الخطأ باعتبار حكم عينه الله تعالى - في نفس الأمر أم لا؟ وأنتم لم تتعرضوا لبيان ذلك.
سلمنا: أن الصديق لم يرد ذلك، بل أراد الخطأ مع بذل الجهد، لكن يمكن حمل الخطأ على عدم مصادفة وجه المناسبة الراجحة والخالصة، وإن كان الاجتهاد بين القواعد، فيكون باعتباره عدم مصادفة القاعدة التي هي أولى بهذا الفرع.
ويضيف للقاعدة البعيدة دون القريبة، وإن كان عند تعارض الأدلة، فيكون الخطأ باعتبار عدم الإضافة إلى الدليل الراجح، وهذه كلها أنواع من الخطأ، غير الخطأ في مصادفة الحكم المعين في نفس الأمر.
وعلى هذه الأنواع يحمل جميع ما نقلتموه من ذكر الصحابة ﵃ الخطأ.
قوله: (لو كان خطأ لكان من الكبائر):
قلنا: تقدم الجواب عنه، وأنه مأجور إجماعًا.
قوله: (الشبهات هاهنا أولى من العقليات):
стр. 3804
قلنا: تقدم الجواب: أن الخطأ في العقليات فيه جناية عظيمة على جهة الربوبية بخلاف الخطأ في الفروع.
قوله: (أحد المجتهدين عرف حجة صاحبه، واطلع عليها، فلو كان مخطئًا لكان مصرًا على الخطأ):
قلنا: لا يكون مصرًا على الخطأ إلا إذا عرف رجحان دليل خصمه، أما إذا اعتقد رجحان دليل نفسه لشبهة عرضت له، وقد استفرغ جهده، فهو مأجور غير مصر على الخطأ.
قوله في الجواب: (قال ﵇: (من سعى في دم امرئٍ مسلمٍ، ولو بشطر كلمةٍ جاء يوم القيامة مكتوبًا بين عينيه آيس من رحمة الله).
قلنا: هذا محمول - بالإجماع - على من سعى بما يعتقد أنه حرام، أو يعتقد إباحته، مع تقصيره في الاجتهاد، أما مع بذل الجهد، فلو قتل مسلمًا في صف الكفار عليه شعار الكفار، كان له أجر عظيم، فضلاً عن الإثم.
قوله: (إن لم نجوز كونه مخلاً بنوع من النظر يلزمه فعله، كان كالساهي فيكون غير مكلف، فلا يكون مخطئًا):
قلنا: لا يلزم من عدم التكليف عدم الخطأ؛ لأن عدم التكليف عند الخصم للعجز عن وصل الحق، فيسقط التكليف للعجز، ويثبت الخطأ؛ لعدم مصادفته الحق، فعدم التكليف لا يأبي الخطأ بمعني عدم الإصابة.
إنما يأبي الخطأ من الخطيئة، ومنه قوله - تعالى -:﴾ إنا كنا خاطئين ﴿أي: مذنبين.
стр. 3805
ومن النوع الأول: قوله تعالى:﴾ .... أن يقتل مؤمنًا إلا خطًا ﴿أي: لم يطلع على حقيقة المقتول، فذلك القتل من غير قصد لقتله على ذلك الوجه.
قوله: (لا نعلم الرتبة التي إذا وصل إليها علم أنه معفو عنه):
قلنا: بل نعلمها بضابطها، وهو العجز مع بذل الجهد؛ فإن الإنسان يحس من نفسه العجز، كما يحس الجوع والعطش، وغيرهما.
ومتى علم العجز بالوجدان، قطع سقوط الإثم بالإجماع، فصار عالمًا بأنه في تلك الرتبة غير مكلف.
قوله: (لو عرف تلك المرتبة لكان مقرا بالمعصية؛ لأنه علم أنه لا مضرة عليه في ترك النظر الزائد مع كونه مثابًا عليه):
قلنا: لا يلزم من ذلك إغراؤه بالمعصية، إنما يلزم ذلك أن لو لم يصل إلى رتبة العجز، فهو يعلم العجز، ويعلم أنه لو وصل لتلك الرتبة لأثيب، ولا يلحقه ضرر في تلك الرتبة، غير أنه كيف يقدر أن يصل إلى ما هو منفعة له، ومثوبة غير مضرة له؟ العجز أقعده عن ذلك كله.
قوله: (قال ﵇: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) مع أنهم كانوا مختلفين فلا يكون فيهم مخطئ):
قلنا: المجتهدون كلهم اتباعهم هدى؛ فإن كل مجتهد قوله طريق إلى الله - تعالى - وسبب السعادة، من اتبعه كان على منهج من الحق، ما لم يخالف المجتهد قاطعًا، أو ما ينقض قضاء القاضي إذا قضى بخلافه.
ووجه تخصيص الصحابة ﵃ من وجوه امتازوا بها على غيرهم:
أحدها: أن أقوال كل واحد منهم، وأفعاله تكون مدركًا شرعيا مستقلاً
стр. 3806
بنفسه؛ كالقياس، وخبر الواحد، ويجوز للمجتهد أن يعتمد عليه إذا لم يظفر بما هو أرجح منه، وهو مذهب مالك، وجماعة من العلماء، ويعضدهم هذا الحديث.
وثانيها: أنهم أقرب للصواب، ومصادفة القواعد الشرعية، وضبط الألفاظ النبوية، والأسرار القياسية، فيكونون بذلك أولى من غيرهم بذكر الهداية.
وثالثها: أن هذا الحديث يدل على خصيصة لهم لم تحصل لغيرهم.
وهذه الوجوه كلها لا تقتضى عدم الخطأ في مصادفة الحكم المعين في نفس الأمر، كما تقول لمن لا يحسن الاستدلال على الكعبة، إذا اجتهد غيره في الكعبة، وصلى كل منهم إلى جهة غير الجهة التي صلى إليها الآخر: فأي رجل من هؤلاء اقتديت به اهتديت في صلاتك، وبرئت ذمتك مع القطع بخطأ تسعة منهم في إصابة العاشر، لجواز احتمال أن تكون الجهة في غير تلك العشرة.
قوله: (أنه ﵇ حكم بتصويب معاذٍ على الإطلاق، ولم يفصل بين حالة وحالة):
стр. 3807
..............................................................
стр. 3808
.............................................................
стр. 3809
قلنا، إنما حكم بتصويبه باعتبار ترتيبه بين الكتاب والسنة، والقياس لا باعتبار مصادفة الحق دائمًا في جميع الصور.
قوله: (أقوى الأمارات، إن كان موجودًا كان الأمر به واردًا بالإجماع
قلنا: هذا إذا كان موجودًا في نفس المجتهد؟ أما في نفس الأمر فلا، وهو مذهب الخصم - أن الأشبه في نفس الأمر يصيبه المجتهد، ويخطئه.
قوله: (إن فرعنا على وجوب رعاية المصالح على الله - تعالى - وجب عليه التنصيص على الأشبه).
قلنا: جاز أن يكون جعل الأشبه ملتبسًا بغيره أوفق للمكلف؛ ليحصل له رتبة الاجتهاد، وذلك كإخفاء ليلة القدر، وساعة الجمعة، وتستجاب الدعوة من الأولياء والصالحين بالصالحين، وخلق الأهوية والشبهات لدفعه عن الحق:﴾ ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة ﴿:،﴾ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ﴿، فالتفريع على وجوب رعاية المصالح قد يقتضى إخفاء الأشبه؛ لما ذكرناه.
قوله: (إن لم يجب عليه - تعالى - رعاية المصالح جاز أن ينص - تعالى - على عين ذلك الحكم، وهو يبطل القول بأنه لو نص لنص على الأشبه):
стр. 3810
قلنا: إذا فرعنا على عدم وجوب رعاية المصالح جاز رعايتها على سبيل التفضل، فلا يتعين النص على غير الأشبه، وقوله: (لو نص لنص على الأشبه) أي في عادته - تعالى - في تفضله على عباده، بجعله الشرائع كلها مصالح.
قوله: (قال ﵇: (إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر):
قلنا: ليس خطؤه باعتبار الحكم المقدر - كما قلتم - بل هو عند الخصم المصوب مطلقًا، باعتبار الخطأ في الأسباب، بأن يقضي على شخص بالقصاص، ولم يكن قتل، أو بقطع في السرقة، ولم يكن سرق، أو بالرجم، ولم يزن، أو بالدين، ولم يستسلف.
فهذه كلها مخالفة للأسباب والخطأ فيها إجماعًا، ولا تعلق لها بالأحكام في نفس الأمر، ولا بالأشبه.
قوله: (لما لم يكن المطلوب معينًا وقوعًا تعين أن يكون معينًا تقديرًا):
قلنا: هاهنا قسم ثالث، وهو تعينه وقوعًا في الاجتهاد، لا في نفس الأمر؛ لأن الوقوع نوعان، فالحصر ليس ثابتًا.
стр. 3811
قوله: (كيف يكون مخطئًا بالعدول عن الأشبه)، وكيف ينقص ثوابه، إذا لم يظفر؟ ما لم يكلف بإصابته، ولا سبيل له إلى إصابته لعدم الدلالة والأمارة):
قلنا: لأنه - عند الخصم - كدفين يعثر عليه بالبحث، وبالسعادة لا بالأمارة، فيحصل الخطأ؛ لعدم مصادفته؛ لأنه لم يصادف الذي هو الأرجح عند الله تعالى.
وأما نقصان الثواب مع عدم التكليف فغير بعيد من قواعد الشرع؛ لأن الحائض ينقص ثوابها بعدم الصلاة والصوم؛ لقوله ﵇: (وأما نقصان دينهن، فتمكث إحداهن شطر عمرها لا تصلي) مع أنها غير مكلفة بالصلاة، والصوم.
ولأن العاجز عن رتبة المتصدقين، لا يحصل له ثوابهم، كما جاء في الحديث الصحيح، لما شكا الفقراء الأغنياء لرسول الله ﷺ فقالوا: نصلى ويصلون، ونصوم ويصومون، ويتصدقون ولا نجد فأمرهم ﵇ بالأذكار المشهورة عقيب الصلوات، ففعل ذلك الأغنياء، فشكا ذلك الفقراء لرسول الله ﵇: فقال:﴾ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ﴿، وكذلك سائر الرتب العلية، يفوت ثوابها العاجزين عنها، وهم مكلفون بها، وأراد بذلك الرسالة والنبوة، وما دونهما.
قوله: (إن استوت الأمارات عند المجتهد، يخير بينها، أو يعاود الاجتهاد):
قلنا: هذا التخريج على الخلاف المتقدم، فالتخير هو المشهور، ومراجعة الاجتهاد هو الشاذ المحكي - عن بعض الفقهاء - كما تقدم.
стр. 3812
(تنبيه)
مذهب القياسين والفقهاء أن الراجح مصالح ، وأن الله - تعالى - إنما يثبت حكمًا لمصلحة خالصة، أو راجحة، أو مفسدة خالصة، أو راجحة إن كان الحكم مساويًا.
القاعدة الشرعية: أن الراجح يستحيل أن يكون هو النقيضين؛ بل متى كان أحدهما راجحًا، كان الآخر مرجوحًا، وهذه القاعدة تقتضي أن يكون المصيب واحدًا فقط، وهو من أفتى بالراجح، وغيره يتعين أنه إنما أفتى بالمرجوح، فيكون مخطئًا بحكم الله؛ لأنه بالراجح ليس إلا.
وعلى هذا تتناقض قاعدة القائل بأن كل مجتهد مصيب، مع القول بالقياس، وأن الراجح تابعه المصالح الخالصة الراجحة.
سمعت الشيخ عز الدين ﵀ يذكر هذا السؤال، ثم يقول عقيبه: يتعين على هؤلاء أن يقولوا: هذه القاعدة إنما تكون في الأحكام الإجماعية، أما في مواطن الخلاف فلم يكن الصادر عن الله - تعالى - أن الحكم تابع للراجح في نفس الأمر من المصالح، بل ما في الظنون فقط كان راجحًا في نفس الأمر، أو مرجوحًا، فقاعدة التصويب تأبي قاعدة مراعاة المصالح؛ لتعين الراجح.
وكان ﵀ يقول: والقائل بتصويب الجميع يتعين عليه أن يصرف الخطأ الوارد في حديث الحاكم إلى الأسباب - كما تقدم بيانه - ويكون أرجح بما قاله الخصم؛ لأنه متفق عليه.
أعني: اتفق على أن الخطأ يقع في الأسباب، وحمل كلام الشارع على المتفق عليه أولى.
(تنبيه)
قال التبريزي: نلزم المصوبة، فنقول: إن المصوبة إذا أجمعوا على
стр. 3813
تصويب كل مجتهد، اعترفوا بإصابتنا في أن الحق متعين، فيصير مجمعًا عليه، وخلاف المجمع عليه باطل إجماعًا.
ثم نقول: إذا عينا حكمًا، واعتقدنا أنه حكم الله - تعالى - بموجب اجتهادنا، وأنه الذي وجب طلبه على كل مجتهد.
فهم بين أمرين: إما أن يصوبونا، أو لا؟ وعلى التقديرين يبطل قولهم بتصويب كل مجتهد.
فإن قيل: الإلزام يندفع لأوجه:
الأول: أنا إذا قلنا بتصويب كل مجتهد في الفروع التي هي مسألة اجتهادية عملية، وهل لله - تعالى - في الواقعة حكم معين؟ مسألة عملية أصولية، والمصيب فيها واحد.
وهذا هو الاعتراض على التفصيل؛ فإنه إذا اعتقد في الحكم المعين أنه حكم الله - تعالى - فإنما نصوبه في أصله، ووجوب العمل بموجبه في الجملة لا نفس هذا الاعتقاد بخصوصه؛ لأنه من باب العلم، لا من باب العمل.
الثاني: هو أنا وإن صوبناه في عين هذا الاعتقاد، لكن بالإضافة إليه، أو في أصل كونه حقًا، وهو أعم من كونه في نفسه حقا، أو بالإضافة إليه، ولا يلزم من التصويب في الأعم التصويب في الأخص.
وتحقيقه: أنا إنما نصوبه فيما يأتي به من الاجتهاد، وحكمه حكم الاجتهاد المعين، كون ما أدى إليه حقا.
أما أنه حق في نفسه وغيره لا يجوز أن يكون حقا معه، فهو موجب نظر آخر.
الثالث: أن تصويبه في ذلك الاجتهاد على التفصيل خلاف الإجماع، أو
стр. 3814
مقتضاه تعين الحكم فيه، وهو خلاف الإجماع، فإن من يقول: الحق متعين يجوز أن يكون غيره.
والجواب عن الأول: هو أنكم سلمتم تعين الحق في مسألة التصويب، فلا يخلو إما أن يعتقدوا أن عليه دليلاً أولا؟.
ومحال ألا يكون عليه دليل مع تعينيه، والتكليف بإصابة عينه، فإذا كان عليه دليل، فإما مقطوع، أو مظنون، ومحال أن يكون مقطوعًا مع نفي التأثيم، والتبديع؛ لمخالفته كما في الأصول.
وإن كان مقطوعًا فقد سلمتم المسألة؛ لأن النزاع في جواز التكليف بالحق المعين حيث لا قاطع يدل عليه، وقد سلمتموه.
وقولهم: نتيجة الإجماع، وهو مقطوع به، وليس بموجب اجتهاده، وإنما موجب اجتهاده كون ذلك المعتقد حقا، وحكمًا لله - تعالى - فيجب أن تصويره فيه، وبه يندفع الوجه الثاني؛ فإن موجب اجتهاده كونه حقًا في نفسه؛ لأنه تبع للأمارات الدالة عليه، ولا يفسد في مقدمات تلك الأمارات.
وقولهم: (اعتقاد كونه حقا على التعيين خلاف الإجماع):
قلنا: خلاف الإجماع اعتقاد كونه حقًا على التعيين، أما على الظاهر فلا.
والتحقيق: أن نقول: لنا وجوه:
الأول: أن الاجتهاد طلب، وهو مكلف به، وطلب ما لا وجود له في حق العالم به محال.
قال: فإن قيل: هو مكلف بتحصيل غلبة الظن؟
قلنا: تحصيل غلبة الظن بما لا وجود له محال، ولا يتصور في حق العالم إلا أن يتسلط الوهم والخيال عليه، مع علمه بأنه كاذب.
الثاني: أن معنى الاجتهاد كد الخاطر في التنبيه لوجه دلالة الدليل، وهو
стр. 3815
لابد أن يكون قبل نظر الناظر، بحيث إذا نظر فيه أفضى به إلى العلم بشيءٍ، أو الظن به؛ ليتميز عما ليس بمدركه؛ فإن النظر لا يكسب المنظور فيه صفة، بل يطلعه منه على ما منه يدل، فلابد أن يكون مقدمًا على نفس النظر، ولابد أن يرتبط ذلك الوجه بمتعين؛ ليتميز مدلوله عما ليس بمدلوله
الثالث: أن المجتهد إنما يعلل حكم النص، أو الإجماع، وهو حق متعين في حق كل أحد، فإذا أضافه إلى وصف، فإنما يضيفه إليه لصلاحية يعتقدها فيه، تقتضي الإضافة، وإذا وجد ذلك الوصف في موضع آخر، فإنما يعتقد ثبوت ذلك الحكم لثبوت تلك العلة.
ويعتقد لزوم ذلك الحكم لثبوت تلك العلة؛ لوجود الصلاحية المقتضية للعلية، فيكون المؤثر في الثبوت - أعني ثبوت الحكم الثبوت أعني ثبوت العلة - وفي الاعتقاد - أعني اعتقاد الحكم، واعتقاد العلة.
فعلى هذا إن كانت العلة متحققة في الفرع، فالحكم ثابت، وإلا فلا؟.
وإن كانت الصلاحية متحققة، كما ظن، فهو علة، وإلا فلا شك أن الأمر منحصر في أن تكون العلة موجودة، أو لا تكون؟ فيكون الحق واحدًا أبدًا. ولهذا لا يجد المجتهد لنفسه قصد إناطة الحكم به في حق نفسه على الخصوص، بل يسترسل في إضافة الحكم للوصف بما هو حكم في نفس الأمر منزل من الله تعالى.
وأما أن عليه دليلاً ظنيًا أن المجتهد ليس مأمورًا بالظفر به كيف كان، بل بطريقة حتى لو حاد عن الطريق، فظفر به اتفاقًا لم تعتبر إصابته. ولهذا لو أصاب القبلة لا عن نظرٍ في دليلها، بطلت صلاته، ولو أصاب الجاهل في الحكم نقض قضاؤه، ولا يجوز الاعتماد على فتواه.
стр. 3816
وإذا ثبت أنه لابد من الطريق، فلابد أن يتميز عن غيره بما منه يؤدي إلى المطلوب، وهذا هو حد الدليل، ثم ذلك المنظور فيه، قد يؤدي إليه قطعًا أو ظاهرًا، والأول خلاف الإجماع، فتعين الثاني.
قال: وبشر في التأثيم، والأصم مستويان بالإجماع.
(فائدة)
قال سيف الدين: (وافق بشر المريسي على التأثيم ابن علية، وأبو بكر الأصم، ونفاة القياس كالظاهرية، والإمامية ، وقال: الحق متعين في كل مسألة، وعليه دليل قاطع من أخطأه أثم من غير كفر، ولا فسق).
وكذلك نقله الغزالي في "المستصفى"، ونقل عنهم أنه لا يجوز أن يكون في مسألة دليل ظني، بل قطعي.
وحجة الجمهور: أنه خلاف المعلوم من السلف بالضرورة.
وقال: فهرسة المسالة تفصيلاً لم يقله في (المحصول)، فقال: المسألة الظنية من الفقهيات،: إما ألا يكون فيها نص؟ أو يكون؟
فإن لم يكن فيها، فحكى فيها الخلاف الذي حكاه في (المحصول) من التصويب والتخطئة، والتأثيم، وكون عليه دليلاً قطعيًا أو ظنيًا.
ثم قال: وإن كان فيها نص، فإن قصر في طلبه، فهو آثم؛ لتقصيره، فيما كلف به من الطلب، وإن لم يقصر، لكن تعذر الوصول عليه لبعد المسافة، أو لإخفاء الراوي له، وعدم تبليغه، فلا إثم.
وهل هو مخطئ أو مصيب؟.
стр. 3817
قال: فيه الخلاف المتقدم.
وقال: والمختار عدم التصويب لكل مجتهد.
قال: لكن القائلين بهذا المذهب احتجوا بحجج ضعيفةٍ:
أحدها: قوله تعالى:﴾ وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث ﴿إلى قوله:﴾ ففهمناها سليمان ﴿.
دلت على عدم فهم داود ﵇.
وقوله تعالى:﴾ لعلمه الذين يستنبطونه منهم ﴿.
وقوله تعالى:﴾ وما يعلم تأويله إلا الله ﴿.
ولولا أن محل الاستنباط حكم معين، ولما كان كذلك.
وقال: ويرد على الآية الأولي: أنها تدل بالمفهوم، وهو ليس بحجة.
وسلمناه: لكن روى أن الواقعة كان فيها نص نسخه الله - تعالى - وأعلم سليمان به داود، فهذا هو الفهم الذي أضيف إليه، أو يكون فيها نص اطلع عليه سليمان، دون داود ﵉.
قال: ونحن نسلم الخطأ في مثل هذه الصورة، وإنما النزاع إذا كان بالاجتهاد، وليس فيها نص.
وعن بقية الآيات أنها محمولة على القطعيات.
قال: (ومن الحجج أن الأمة مجمعة على جواز المناظرة من المجتهدين، ولو كان كل مجتهد مصيبًا لم يكن للمناظرة معنى).
قال: (ويرد عليه أن فائدتهما معرفة انتفاء الدليل القاطع الذي يسوغ مع عدمه الاجتهاد، ومعرفة سلوك الاجتهاد والقوة على الاستدلال، وتنقيح الذهن، وتحريك الهمم إلى رتبة الاجتهاد).
стр. 3818
قال الغزالي في (المستصفى): يلزم القائل بأن المصيب واحد - إلا يخير العامي في الاستفتاء بين المجتهدين، وقد التزمه بعض معتزلة (بغداد)، وقال: يجب طلب الدليل.
قال: والذي اختاره تصويب المجتهدين، وأقطع بخطأ المخالف في ذلك.
(مسألة)
قال الغزالي في (المستصفى): (إذا تعارض دليلان عند المجتهد، وعجز عن الترجيح، ولم يجد دليلاً من موضع آخر، فغير المصوبة يقول: هذا من عجزه، وليس في أدلة الشرع تعارض من غير ترجيح، ويلزم التوقف، والأخذ بالاحتياط، أو تقليد مجتهد آخر عثر على الترجيح، واختلف المصوبة: فمنهم قائل بالوقف؛ لأنه متعبد باتباع الظن، ولم يوجد.
قال: وهذا هو الأسلم الأسهل.
وقال القاضي: يتخير، فيعمل أيهما شاء، كما يتخير في خصال الكفارة، والتخيير تارة يكون بالنص، وتارة يكون بالاستصحاب.
(فائدة)
قال بعض المشايخ: إن السيف الآمدي قال: (الدليل على أن المصيب واحد، أن بعض المجتهدين أداه اجتهاده إلى أنه ليس كل مجتهد مصيبًا ، فإن كان مصيبًا، فليس كل مجتهد مصيبًا؛ لأنه مجتهد، وليس مصيبًا):
قلت: وجوابه: أن المجتهد في هذه المسألة مجتهد في مسألة أصولية قطعية، فنحن نلتزم أنه مخطئ، ولا يلزم أن يكون بعض المجتهدين في الفروع مخطئًا، وهو محل النزاع، لا كل مجتهد كيف كان.
стр. 3819
(فائدة)
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام ﵀: (معنى قوله ﵇: (إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران) - أن الخطأ محمول على الخطأ في الأسباب - كما تقدم بيانه في هذه المسألة - فمن حكم بالقصاص على من قتل في نفس الأمر، فله أجران:
أحدهما: على تحصيل مصلحة دفع الجناية، وحصر الأولياء بالتشفي، واستدامة الحياة بقتل الجناة.
والآخر: على سعيه، واجتهاده، وإذا حكم بالقصاص على من لم يقتل، لأن الشهود زور ولم يعلم، أو نحو ذلك، فله أجر سعيه واجتهاده فقط. ولم يحصل مصلحته في نفس الأمر، فلم يكن له غير أجر واحدٍ بخلاف المصيب له السعي، وتحصيل المصلحة، فله أجران.
(مسألة)
في نقض الاجتهاد
قوله: (إذا اتصل بالاجتهاد قضاء القاضي، فقد تأكد):
تقريره: أن الله - تعالى - جعل الأحكام على قسمين: منها: ما قرره في أصل شرعه، ومنها: ما لم يقرره.
فالذي قرره كالصلوات الخمس، ونحوها، وما لم يقرره قسمان:
منه ما وكله [للمكلف]، وهو نوع واحد: إيجاب المندوب بطريق واحد، وهو النذر، فمن شاء نذر مندوبًا صار واجبًا عليه.
والقسم الثاني: أقضية الأحكام في مواقع الاجتهاد، حيث تتقارب الأدلة،
стр. 3820
وتختلف الفتاوى بجعل الشارع للحاكم، أن ينشئ حكمًا في تلك المواطن بما يراه من تلك الاحتمالات، أو الفتاوى المجتهد فيها، ويكون ذلك حكمًا على الخلق كلهم، اقتضى ذلك حكمه رفع الخصومات، وسد باب المشاجرات، فيستقر ما حكم به الحاكم، ولا يتمكن المفتى - بعد ذلك - من إباحة نقض، ولا إثبات ضده.
ولا يمكن رفع الخصومات من العالم إلا بذلك؛ إذ لو بقي باب القسامة مفتوحًا، لكان للخصم التمسك بقول المفتى الآخر، فهذه الحكمة الموجبة لجعل ذلك للحكام.
فحكم الحاكم في ذلك بيانه عن الله - تعالى - بإذن الله - تعالى - له في ذلك إجماعًا، فهو كنص وارد من الله - تعالى - وخصوص تلك الواقعة تقدم على دليل المجتهد العام، ويبقي المجتهد في غير هذه الصورة على مقتضى دليل عمومه.
مثاله: دل الدليل عند الشافعي ﵀ على أن قول القائل للمرأة: إن تزوجتك فأنت طالق، على أن هذا الطلاق لا يلزم بحكم حاكم بوقوع الطلاق فيه في امرأة معينة.
فقول الشافعي هذا نص خاص قد ورد في خصوص هذه المرأة، فأفتى بعدم الطلاق فيما عدا هذه الصورة تمسكًا بالعموم بحسب الإمكان، وتقديمًا للخاص على العام، كما إذا قال الله تعالى:) لا تقتلوا زيدًا المشرك) بعد قوله تعالى:﴾ فاقتلوا المشركين ﴿؛ فإنا لا نقتله إجماعًا ويتمسك بالعموم في غيره، فكذلك هاهنا.
وهذا الذي ينشأ عن الحكم هو إلزام للفعل، أو الترك، أو إباحة، ولا يتصور فيه الندب، والكراهة؛ لعدم مناسبتها لدفع الخصومات.
следующие страницы →