← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

وإذا ثبت أنه لابد من الطريق، فلابد أن يتميز عن غيره بما منه يؤدي إلى المطلوب، وهذا هو حد الدليل، ثم ذلك المنظور فيه، قد يؤدي إليه قطعًا أو ظاهرًا، والأول خلاف الإجماع، فتعين الثاني. قال: وبشر في التأثيم، والأصم مستويان بالإجماع. (فائدة) قال سيف الدين: (وافق بشر المريسي على التأثيم ابن علية، وأبو بكر الأصم، ونفاة القياس كالظاهرية، والإمامية ، وقال: الحق متعين في كل مسألة، وعليه دليل قاطع من أخطأه أثم من غير كفر، ولا فسق). وكذلك نقله الغزالي في "المستصفى"، ونقل عنهم أنه لا يجوز أن يكون في مسألة دليل ظني، بل قطعي. وحجة الجمهور: أنه خلاف المعلوم من السلف بالضرورة. وقال: فهرسة المسالة تفصيلاً لم يقله في (المحصول)، فقال: المسألة الظنية من الفقهيات،: إما ألا يكون فيها نص؟ أو يكون؟ فإن لم يكن فيها، فحكى فيها الخلاف الذي حكاه في (المحصول) من التصويب والتخطئة، والتأثيم، وكون عليه دليلاً قطعيًا أو ظنيًا. ثم قال: وإن كان فيها نص، فإن قصر في طلبه، فهو آثم؛ لتقصيره، فيما كلف به من الطلب، وإن لم يقصر، لكن تعذر الوصول عليه لبعد المسافة، أو لإخفاء الراوي له، وعدم تبليغه، فلا إثم. وهل هو مخطئ أو مصيب؟.

стр. 3817

قال: فيه الخلاف المتقدم. وقال: والمختار عدم التصويب لكل مجتهد. قال: لكن القائلين بهذا المذهب احتجوا بحجج ضعيفةٍ: أحدها: قوله تعالى:﴾ وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث ﴿إلى قوله:﴾ ففهمناها سليمان ﴿. دلت على عدم فهم داود ﵇. وقوله تعالى:﴾ لعلمه الذين يستنبطونه منهم ﴿. وقوله تعالى:﴾ وما يعلم تأويله إلا الله ﴿. ولولا أن محل الاستنباط حكم معين، ولما كان كذلك. وقال: ويرد على الآية الأولي: أنها تدل بالمفهوم، وهو ليس بحجة. وسلمناه: لكن روى أن الواقعة كان فيها نص نسخه الله - تعالى - وأعلم سليمان به داود، فهذا هو الفهم الذي أضيف إليه، أو يكون فيها نص اطلع عليه سليمان، دون داود ﵉. قال: ونحن نسلم الخطأ في مثل هذه الصورة، وإنما النزاع إذا كان بالاجتهاد، وليس فيها نص. وعن بقية الآيات أنها محمولة على القطعيات. قال: (ومن الحجج أن الأمة مجمعة على جواز المناظرة من المجتهدين، ولو كان كل مجتهد مصيبًا لم يكن للمناظرة معنى). قال: (ويرد عليه أن فائدتهما معرفة انتفاء الدليل القاطع الذي يسوغ مع عدمه الاجتهاد، ومعرفة سلوك الاجتهاد والقوة على الاستدلال، وتنقيح الذهن، وتحريك الهمم إلى رتبة الاجتهاد).

стр. 3818

قال الغزالي في (المستصفى): يلزم القائل بأن المصيب واحد - إلا يخير العامي في الاستفتاء بين المجتهدين، وقد التزمه بعض معتزلة (بغداد)، وقال: يجب طلب الدليل. قال: والذي اختاره تصويب المجتهدين، وأقطع بخطأ المخالف في ذلك. (مسألة) قال الغزالي في (المستصفى): (إذا تعارض دليلان عند المجتهد، وعجز عن الترجيح، ولم يجد دليلاً من موضع آخر، فغير المصوبة يقول: هذا من عجزه، وليس في أدلة الشرع تعارض من غير ترجيح، ويلزم التوقف، والأخذ بالاحتياط، أو تقليد مجتهد آخر عثر على الترجيح، واختلف المصوبة: فمنهم قائل بالوقف؛ لأنه متعبد باتباع الظن، ولم يوجد. قال: وهذا هو الأسلم الأسهل. وقال القاضي: يتخير، فيعمل أيهما شاء، كما يتخير في خصال الكفارة، والتخيير تارة يكون بالنص، وتارة يكون بالاستصحاب. (فائدة) قال بعض المشايخ: إن السيف الآمدي قال: (الدليل على أن المصيب واحد، أن بعض المجتهدين أداه اجتهاده إلى أنه ليس كل مجتهد مصيبًا ، فإن كان مصيبًا، فليس كل مجتهد مصيبًا؛ لأنه مجتهد، وليس مصيبًا): قلت: وجوابه: أن المجتهد في هذه المسألة مجتهد في مسألة أصولية قطعية، فنحن نلتزم أنه مخطئ، ولا يلزم أن يكون بعض المجتهدين في الفروع مخطئًا، وهو محل النزاع، لا كل مجتهد كيف كان.

стр. 3819

(فائدة) قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام ﵀: (معنى قوله ﵇: (إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران) - أن الخطأ محمول على الخطأ في الأسباب - كما تقدم بيانه في هذه المسألة - فمن حكم بالقصاص على من قتل في نفس الأمر، فله أجران: أحدهما: على تحصيل مصلحة دفع الجناية، وحصر الأولياء بالتشفي، واستدامة الحياة بقتل الجناة. والآخر: على سعيه، واجتهاده، وإذا حكم بالقصاص على من لم يقتل، لأن الشهود زور ولم يعلم، أو نحو ذلك، فله أجر سعيه واجتهاده فقط. ولم يحصل مصلحته في نفس الأمر، فلم يكن له غير أجر واحدٍ بخلاف المصيب له السعي، وتحصيل المصلحة، فله أجران. (مسألة) في نقض الاجتهاد قوله: (إذا اتصل بالاجتهاد قضاء القاضي، فقد تأكد): تقريره: أن الله - تعالى - جعل الأحكام على قسمين: منها: ما قرره في أصل شرعه، ومنها: ما لم يقرره. فالذي قرره كالصلوات الخمس، ونحوها، وما لم يقرره قسمان: منه ما وكله [للمكلف]، وهو نوع واحد: إيجاب المندوب بطريق واحد، وهو النذر، فمن شاء نذر مندوبًا صار واجبًا عليه. والقسم الثاني: أقضية الأحكام في مواقع الاجتهاد، حيث تتقارب الأدلة،

стр. 3820

وتختلف الفتاوى بجعل الشارع للحاكم، أن ينشئ حكمًا في تلك المواطن بما يراه من تلك الاحتمالات، أو الفتاوى المجتهد فيها، ويكون ذلك حكمًا على الخلق كلهم، اقتضى ذلك حكمه رفع الخصومات، وسد باب المشاجرات، فيستقر ما حكم به الحاكم، ولا يتمكن المفتى - بعد ذلك - من إباحة نقض، ولا إثبات ضده. ولا يمكن رفع الخصومات من العالم إلا بذلك؛ إذ لو بقي باب القسامة مفتوحًا، لكان للخصم التمسك بقول المفتى الآخر، فهذه الحكمة الموجبة لجعل ذلك للحكام. فحكم الحاكم في ذلك بيانه عن الله - تعالى - بإذن الله - تعالى - له في ذلك إجماعًا، فهو كنص وارد من الله - تعالى - وخصوص تلك الواقعة تقدم على دليل المجتهد العام، ويبقي المجتهد في غير هذه الصورة على مقتضى دليل عمومه. مثاله: دل الدليل عند الشافعي ﵀ على أن قول القائل للمرأة: إن تزوجتك فأنت طالق، على أن هذا الطلاق لا يلزم بحكم حاكم بوقوع الطلاق فيه في امرأة معينة. فقول الشافعي هذا نص خاص قد ورد في خصوص هذه المرأة، فأفتى بعدم الطلاق فيما عدا هذه الصورة تمسكًا بالعموم بحسب الإمكان، وتقديمًا للخاص على العام، كما إذا قال الله تعالى:) لا تقتلوا زيدًا المشرك) بعد قوله تعالى:﴾ فاقتلوا المشركين ﴿؛ فإنا لا نقتله إجماعًا ويتمسك بالعموم في غيره، فكذلك هاهنا. وهذا الذي ينشأ عن الحكم هو إلزام للفعل، أو الترك، أو إباحة، ولا يتصور فيه الندب، والكراهة؛ لعدم مناسبتها لدفع الخصومات.

стр. 3821

فالإلزام في الفعل كالقضاء بوجوب الشفعة في البناء القائم، وغيره من المسائل التي اختلف العلماء في الشفعة فيها. والتزام الترك: كالقضاء بصحة الوقف في المنقول، والمشاع، وفسخ النكاح، ونحوه. والإباحة: كالقضاء بصيرورة الأرض على حكم الموات، إذا انقضت عمارة المحيي لها، كما نقوله، ونحوه. وهذا الحكم إنشائي نفساني يقوم بنفس الحاكم، ثم يخبر عنه بلفظ لساني وهو تفسير قول العلماء: إن الحكم إلزام لكلام النفس لا بالصورة الظاهرة، فقد يحكم الحاكم العديم القدرة على الملك العظيم متى تقدر الإلزام الحسي، بل المراد ما ذكرته، ونسبة الحاكم إلى الشارع، ونسبة المفتى إليه ككاتب الحاكم، ومترجمه، فالمفتى مترجم مخبر عما وقع في الشريعة. والحاكم منشئ الأحكام، لم ينقلها عن صاحب الشرع، بل يؤدي إليها اجتهاده من القواعد ونحوها. وهذه مسألة عويصة، ولها فروع وتحقيقات تتعلق بها قد جمعت فيها كتابًا سميته كتاب (الإحكام في الفرق بين الفتاوى والأحكام، وتصرف القاضي والإمام) وذكرت هاهنا هذه النبذة لتعلقها بهذا الموضوع في تقريره. (تنبيه) قال التبريزي: (يجب على المجتهد ترك موجب اجتهاده لأجل حكم الحاكم في الظاهر، وفيما يحل له في الباطن) . (تنبيه) وقع في (التنبيه) للشيخ أبي إسحاق ما يشير إلى إمكان النقض ، وقد أوله

стр. 3822

عليه شراحه، وحكوا الإجماع في عدم النقض، وهل إذا لم ننقضه، هل ينفذه الحاكم الثاني الذي يرفع إليه؟. حكى شارح (الوجيز) قولين: أحدهما: قول الشافعي: إنه لا ينفذه، ولا ينقضه، ولا يتعرض له ألبتة إذا كان يعتقد خلافه. والآخر: أنه يجب عليه تنفيذه. قال: وهو الذي عليه العمل. قال: وعلى هذا إذا حكم، ثم تغير اجتهاده - بعد الأول - يعد تغييرًا للاجتهاد، وهو مقتضى ما تقدم من القاعدة، وأنه نص خاص ورد من جهة الشرع. (تنبيه) الفرق بين ما يحدث من الحكم بالنذر، وبين ما يحدث بحكم الحاكم ، وإن كان كلاهما قبل حصول هذين السببين لم يكن ثابتًا من وجهين: أحدهما: أن النذر لمصالح جزئية تتعلق بالناذر، وقضاء القاضي للمصالح العامة في درء الخصومات. والحاكم يتعين للحكم إجماعًا، ويفسق بعدمه، إذا تركه بغير عذر؛ لأن مصلحته من الضروريات، أو من الحاجيات، فلما عظمت مصلحتها، تعين وجوبها. قوله: (لا ينقض قضاء القاضي إلا إذا خالف دليلاً قاطعًا): تقريره: أن الذي ينقض له قضاء القاضي أربعة: الإجماع، والقواعد، والنص، والقياس الجلي، إذا خالف أحد هذه الأربعة، لغير معارض ورد

стр. 3823

من جهة الشارع احترازًا من القول بالقراض وغيره، وإن كان على خلاف القواعد والنصوص لمعارضة الإجماع، أو النصوص؛ فإن القراض والمساقة مستثنيان من الغرر والجهالة، وكذلك السلم، والصيد مستثني من قواعد الزكاة، والمستثنيات في الشرع كثيرة، تركت القواعد، والنصوص، والقياسات فيها لمعارضات اقتضتها. (فائدة) قال سيف الدين: (اتفقوا على أن حكم الحاكم لا يجوز نقضه في المسائل الاجتهادية، لمصلحة الحكم ؛ فإنه لو جاز نقضه لنقض النقض، فلا يستقر شيء، وينتفي الوثوق بحكم الحاكم، وهو خلاف - المصلحة التي نصب الحكام لها، وإنما ينقض حيث يخالف قاطعًا من نص، أو إجماع، أو قياس جلى، وهو ما كانت العلة فيه منصوصة، أو قطع فيه بنفي الفارق، ولا ينقض ما خالف دليلاً ظنيًا من نص أو غيره؛ لتساويهما في الرتبة، ولو حكم على خلاف اجتهاده مقلدًا لمجتهد آخر، فقد اتفقوا على امتناعه، وإبطال حكمه. فلو كان الحاكم مقلدًا لإمامه، وحكم بحكم مخالف مذهب إمامه، فإن قضينا بصحة حكم المقلد ضرورة عدم المجتهدين في زماننا، فنقض حكمه ينبني على الخلاف في انه هل يجوز له تقليد غير إمامه؟. فإن منعنا نقضنا، وإلا فلا، وإذا اجتهد، وأفتى، ثم تغير اجتهاده، فاختلفوا هل يجب على المقلد ترك ما قلده فيه؟ والحق وجوب الترك، كما إذا تغير اجتهاد من قلده في القبلة.

стр. 3824

قال الغزالي في (المستصفى): (قال الفقهاء: ينقض ما خالف القياس، فإن أرادوا ما في معنى الأصل، مما يقطع به صح، وإن أرادوا قياسًا مظنونًا مع كونه جليًا، فلا وجه له. ومن حكم على خلاف خبر الواحد، أو أن صيغة الأمر للوجوب، أو النهي يفيد الفساد، مع أنا قطعنا بالعمل بخبر الواحد، وأن الأمر يدل على الوجوب. فالضابط: أنه متى حكم على خلاف قاطع نقض، وإلا فلا. وهذه المسال لعله حكم بغير هذه المدارك بدليل آخر ظهر له غير الأمر، وخبر الواحد، فلا ينبغي أن ينقض، مع الاحتمال؛ فإن المقطوع به خبر الواحد حجة، لا أنه يتعين لهذه المسألة. قال: (وغلا قوم غلوا كبيرًا، فقالوا: لا يحل القضاء شيئًا، بل يبقي على ما كان عليه، وإن كان القضاء في محل الاجتهاد، فقال قوم: يؤثر في محل الاجتهاد، ويتغير الحكم باطنًا، ولا يؤثر حيث قال أبو حنيفة: يؤثر في العقود والفسوخ إذا قضى بالفسخ، وشهادة الزور، وهي احتمالات فقهية لا يستحيل منها شئ، ويختار منها ما شاء). قلت: وظاهر هذا النقل أن القضاء لا يغير الفتاوى، وهو خلاف ما قررت مدركه، فليعلم أنه موضع خلاف. قال: (وإذا نكح المقلد بفتيا مفتٍ، ثم تغير اجتهاد المفتى، ربما يتردد فيه، والصحيح أنه يبطل الحل السابق، كما إذا تغير اجتهاد من يقلده في القبلة). وأشار به إلى التردد، ولم يتعرض له في (المحصول)، بل جزم بالنقض. ****************

стр. 3825

الكلام في المفتي والمستفتي والنظرية فيه يتعلق بالمفتي، والمستفتي، وما فيه الاستفتاء. القسم الأول في المفتي، وفيه مسائل: مسألة: إذا أفتى المجتهد بما أدي إليه اجتهاده، ثم سئل ثانيًا عن تلك الحادثة: فإما أن يكون ذاكرًا لطريق الاجتهاد الأول، أو لا يكون: فإن كان ذاكرًا له، فهو مجتهد، وتجوز له الفتوى.

стр. 3826

وإن نسيه، لزمه أن يستأنف الاجتهاد، فإن أداه اجتهاده إلى خلاف فتواه في الأول أفتى بما أداه اجتهاده إليه ثانيًا، ثم الأحسن به أن يعرف من استفتاه أولاً: أنه رجع عن ذلك القول؛ لأن ذلك المستفتي إنما يعول على قوله، فإذا ترك هو قوله، بقي عمل المستفتي به بعد ذلك عملاً من غير موجب. روي عن ابن مسعود" أنه كان يقول في تحريم أم المرأة: (مشروط بالدخول بالمرأة)، فلقي أصحاب رسول الله ﷺ ، وذاكرهم، فكرهوا أن يتزوجها: فرجع ابن مسعودٍ إلى من كان أفتاه قال: (سألت أصحابي، فكرهوا). وأما إن لم يستأنف الاجتهاد، لم تجز له الفتوى. ولقائل أن يقول: (لما كان الغالب على ظنه أن الطريق الذي تمسك به أولاً، كان طريقًا قويا، حصل له الآن ظن أن ذلك القوي حق جاز له الفتوى به؛ لأن العمل بالظن واجب. مسألة: اختلفوا في أن غير المجتهد، هل تجوز له الفتوى بما يحكيه عن الغير؟!. فنقول: لا يخلو: إما أن يحكي عن ميتٍ، أو عن حي: فإن حكى عن ميتٍ: لم يجز الأخذ بقوله؛ لأنه لا قول للميت؛ بدليل أن الإجماع لا ينعقد مع خلافه حيا، وينعقد مع موته، وهذا يدل على أنه لم يبق له قول بعد موته. فإن قلت: (فلم صنفت كتب الفقه، مع فناء أربابها): قلت: لفائدتين: إحداهما: استفادة طريق الاجتهاد من تصرفهم في الحوادث، وكيفية بناء بعضها على بعضٍ.

стр. 3827

والأخرى: معرفة المتفق عليه، من المختلف فيه. ولقائل أن يقول: إذا كان الراوي عدلاً ثقةً متمكنًا من فهم كلام المجتهد الذي مات، ثم روى للعامي قوله - حصل للعامي ظن صدقه. ثم إذا كان المجتهد عدلاً ثقةً، فذلك يوجب ظن صدقه في تلك الفتوى؛ وحينئذٍ: يتولد للعامي من هذين الظنين ظن أن حكم الله - تعالى - ما روى له هذا الراوي الحي، عن ذلك المجتهد الميت، والعمل بالظن واجب؛ فوجب أن يجب على العامي العمل بذلك. وأيضًا: فقد انعقد الإجماع في زماننا هذا على جواز العمل بهذا النوع من الفتوى؛ لأنه ليس في الزمان مجتهد، والإجماع حجة. وأما إن حكى عن حي من أهل الاجتهاد؛ فإما أن يكون سمعه مشافهة، أو يرجع فيه إلى كتاب، أو حكاية حال: فإن كان سمعه منه مشافهة، جاز أن يعمل به، وجاز أن يعمل الغير أيضًا بقوله، ولهذا يجوز للمرأة أن تعمل في حكم حيضها بحكاية زوجها عن المفتين. (ورجع علي ﵁ إلى حكاية المقداد عن رسول الله ﷺ في شأن المذي). وإن رجع في ذلك إلى حكاية من يوثق بقوله، فحكم ذلك حكم السماع، وإن رجع إلى كتاب، فإن كان كتابًا موثوقا به، جرى مجرى المكتوب من جواب المفتي؛ في أنه يجوز العمل به؛ وإلا فلا؛ لكثرة ما يتفق من الغلط في الكتب. (الكلام في المفتى والمستفتي) قال القرافي: قوله: (إذا سئل ثانيًا، وهو ذاكر للطريق الأول، فهو مجتهد يجوز له الفتيا):

стр. 3828

قلنا: يجوز أن يقال في هذا المقام: لا يكفي في جواز إقدامه على الفتيا استحضاره للطريق الأول؛ لأن الله - تعالى - خالق للفكر على الدوام، والأوقات تختلف، قرب وقتٍ نهضت القريحة، ورب وقتٍ قصرت. فمن المتعين في دفع التقصير النظر والفكر- بعد استحضار الطريق؛ لتوقع نوع من الاجتهاد لم يكن قد حضر له أولاً، وترك مثل هذا مع القدرة تقصير. فإن الزمان الأول قد وقع فيه ما أمكن، والزمن الثاني لم يقع فيه فكر أصلاً، والفكرة مستجلبة لم تبعث بالفكر، ولم تشرع فيه. والغالب في تجدد الزمان تجدد الفكر، ولذلك صار للعلماء الأقوال الكثيرة، والرجوع إلى الأقوال الأول، وانتشرت العلوم؛ فيتعين القول بالتقصير إذا أفتى من غير فكرٍ، وإن استحضر الطريق. وقد قال الشيخ أبو إسحاق في (اللمع) في هذه المسألة: هل يفتي بالاجتهاد الأول، أو يحتاج إلى اجتهاد جديد؟. فيه قولان: والاحتياج هو الصحيح؛ لأن المصلى في اليوم الأول، لا يجوز له أن يصلى إلى الجهة التي عينها اجتهاد اليوم الأول؛ بل لابد من تجديد الاجتهاد. قوله: (إذا تغير اجتهاده، الأحسن له أن يعرف الذي استفتاه ليرجع): قلنا: قد تقدم - في نقض الاجتهاد - أن العامي يجب عليه ترك ما أفتاه، كمن قلد في الصلاة في القبلة، ثم تغير اجتهاده، والصورتان سواء، وهنالك قلتم بوجوب الرجوع، وهاهنا باستحبابه، فما الفرق والباب واحد؟

стр. 3829

غير أنكم - ثمت - قلتم: الصحيح أن يترك، فهو إشارة إلى الخلاف، فينبغي أن تصرحوا بالصحيح في الموضعين، وقد تقدمت - إشارة الغزالي إلى الخلاف - أيضًا. قوله: (إذا غلب على ظنه أن الطريق الذي تمسك به كان طريقًا قويًا جاز له الفتوى به؛ لأن العمل بالظن واجب): قلنا: قد تقدم - مرارًا - أن مطلق الظن لم يعتبره صاحب الشرع، بل رتبا خاصة؛ بدليل شهادة الفساق، والكفار، والصبيان، والنسوان، والعدل الواحد في القصاص، وغير ذلك من قرائن الأحوال، وغيرها مع حصول الظن القوى، فعملنا - حينئذٍ - أن المقصود هو ظن خاص عن أسباب خاصة. فلم قلتم: إن ذلك قد حصل هاهنا؟ (فائدة) قال سيف الدين: التقليد هو العمل بقول الغير من غير حجةٍ ملزمة ، وهو مأخوذ من تقليد القلادة، وجعلها في عنقه). قال أبو الخطاب في (التمهيد): فالمفتى جعل الفتيا فلادًة في عنق السائل.

стр. 3830

قال سيف الدين: (فيندرج في هذا الحد الأخذ بقول العامي، وأخذ المجتهد بقول المجتهد، ويكون الرجوع إلى قول النبي- ﷺ وإلى قول الإجماع، ورجوع العامي إلى المجتهد، وعمل القاضي بقول الشهود العدول ليس تقليدًا لعدم عروه عن الحجة الملزمة من المعجزة في حق الرسول ﵇ ودليل عصمته الإجماع، ووجوب تقليد العامي للمفتي، وفي هذه الصور كلها حجة تلزمه. فإن سمى ذلك تقليدًا بعرف الاستعمال، فلا مشاحة في اللفظ. (فائدة) قال سيف الدين: (يشترط في المفتى شروط الاجتهاد مع العدالة حتى يوثق به ، ويستحب له أن يكون قاصدًا للإرشاد وهداية العامة، مجتنبًا للرياء، والسمعة، متصفًا بالسكينة والوقار؛ ليرغب المستمع في قوله، مقتنعًا بما عنده عما في أيدي الناس): قلت: اجتنابه الرياء والسمعة واجب لا مستحب، وهو مراده، غير أنه استطرد في عبارته. (فائدة) قال سيف الدين: (اختلفوا في جواز الاستفتاء والتقليد في المسائل العلمية الأصولية في العقائد . فجوزه عبيد الله بن الحسن العنبري، والحشوية، والتعليمية، وربما قال بعضهم: هو الواجب على المكلف، ويحرم عليه النظر، ومنعه النافون، وأوجبوا النظر، وهو المختار.

стр. 3831

لأنه لما نزل قوله تعالى:﴾ إن في خلق السموات، والأرض .... ﴿. قال ﷺ : (ويل لمن لاكها بين لحييه، ولم يتفكر فيها) ولأنه إجماع السلف. ولأن الله - تعالى - ذم التقليد في مواضع من كتابه، وأوجب النظر، وأمر بالعلم. احتجوا بقوله تعالى:﴾ ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا ﴿، والنظر يفضى إلى فتح باب الجدل. وروى عنه ﵇ أنه رأي الصحابة يتكلمون في مسألة القدر، فقال: (إنما هلك من كان قبلكم بخوضهم في هذا). وقال ﵇: (عليكم بدين العجائز).

стр. 3832

ولأنه لم ينقل عن احد من الصحابة ﵃ الخوض في هذا، والإنكار على العوام بترك النظر، بل يحكمون بإسلامهم، مع أن العوام أكثر الخلق، ولأن النظر يفضي إلى الوقوع في الشبهات والضلال، والسلامة في ترك ذلك، والجواب عن المعارضة الأولي: أن المراد الجدال بالباطل، لقوله تعالى:﴾ وجاد لهم بالتي هي أحسن ﴿. وهذا الجواب عن الجدال في القدر، وحديث دين العجائز لم يثبت. سلمنا صحته، لكنه محمول على التسليم لله - تعالى - فيما مضاه، وأمضاه جمعًا بين الأدلة. وإنما لم ينكر الصحابة، ولا رسول الله ﷺ على العامة حصول دليل المعرفة لهم من حيث الجملة. وكما يفضي النظر إلى الشبهات، يفضي التقليد إليها، فيعمل بظاهر النصوص الدالة على وجوب النظر. (فائدة) قال سيف الدين: (إذا أفتى، ثم حدث مثل تلك الواقعة اختلفوا ،

стр. 3833

فقيل: لابد من الاجتهاد ثانيًا؛ لاحتمال تغير الاجتهاد، والاطلاع على ما لم يطلع عليه أولاً. وقيل: لا يجب، ولا حاجة إلى اجتهاد آخر؛ لأن الأصل عدم الاطلاع على ما يعجز عنه. قال: والمختار التفصيل بين أن يكون ذاكرًا للاجتهاد الأول، فلا حاجة للاجتهاد ثانيًا، كما لو كان مجتهدًا في الحال، أو غير ذاكر، فلابد من الاجتهاد؛ لأنه في حكم من لم يجتهد. (مسألة) (هل يجوز لغير المجتهد الفتوى بما يحكيه) ؟ قوله: (ينعقد الإجماع مع موته): قلنا: لا نسلم انعقاد الإجماع؛ فإنه - قد تقدم الخلاف - إذا ماتت إحدى الطائفتين، وبقيت الأخرى هل ينعقد قول الباقين إجماعًا، أو لا؟. فنحن نمنع؛ بناء على الخلاف. قوله: (يحصل للعامي ظنان يتولد منهما ظن ثالث، والعمل بالظن واجب): قلنا: قد تقدم السؤال على هذا مرارًا، وأن الشرع إنما اعتبر مراتب خاصة من الظن، لا مطلق الظن. قوله: (يجوز للمرأة أن تعمل بما ينقله إليها زوجها من أمر الحيض): قلنا: يمكن أن نقول هذا من المستثنيات، فقد قال المالكية: وإن قلنا: هلال رمضان لابد فيه من عدلين؛ فلأن إخبار الرجل لأهل بيته يكفي، فجعلوه مما يستثنى، فلذلك أمكن ذلك هاهنا.

стр. 3834

قوله: (عمل علي ﵁ بما نقله له المقداد عن رسول الله ﷺ : قلنا: هذا نقل عن معصوم بطريق الرواية، فيحصل الفرق من وجهين: أحدهما: أن الوثوق بالمعصوم أعظم، فيكفي بخبر العدل عنه؛ لأن الاحتمال إنما هو في الراوي فقط، أما غير المعصوم، فيحصل الاحتمال في الناقل والمنقول عنه، فيعظم الخطر. وثانيهما: أن الإجماع ينعقد على صحة الرواية، والاتباع فيما يروي عن رسول الله ﷺ بعد موته، والمجتهد إذا مات أنتم تقولون: لا يجوز الاعتماد على قوله بعد الموت، وذلك دليل التفاوت؛ ولأن النقل عن الرسول ﵇ إنما يشبهه النقل عن الإجماع بجامع العصمة، ونقل الإجماع معتبر إجماعًا، أما المجتهد فيحصل فيه ظنان كما تقدم. (سؤال) الموجب لاعتبار قول الميت، والاعتماد عليه صدوره عمن اتصف بأهلية الاجتهاد، وذلك لا يضاد طريان الغفلة ، والنوم في وقت آخر. غاية ما في الباب - أن يقال: هو إذا كان حيا كان ناظرًا في اجتهاده، ويتفقد هل أخطأ أم لا؟. فمتى كان فيه خطأ اطلع عليه. والميت ليس له تلك الأهلية، وهذا ليس بشيء. لأنا نقول: توقع الطلاق على الخطأ توقع لوجود المعارض، أو المانع، وانعقد للإجماع على أن انعقاد الأسباب الشرعية لا يمنع من إعمالها توقع موانعها، ومعارضتها؛ بل يعمل السبب حتى يدل دليل على تحقق المعارض،

стр. 3835

أو المانع، فكذلك هاهنا بذل الجهد في الفتوى ممن له أهلية الاجتهاد سبب لوجوب العمل بما أدى إليه اجتهاده في حق المجتهد، وحق من قلده، فلا يزال العمل بهذا السبب حتى يثبت - عندنا - خطؤه، ويؤكد ذلك أن الفتوى إذا نقلت من بلد إلى بلد آخر وجب العمل بها، وإن كان يجوز أن المجتهد قد تغير اجتهاده عقيب الإخبار بها، وما ذلك إلا أن الاعتماد على أن الأصل عدم الخطأ، وعدم الرجوع. (سؤال) قال النقشواني: (علي ﵁ مجتهد، ورواية المقداد له من باب روايات الأخبار للمجتهدين، وذلك ليس من باب الفتوى) . (تنبيه) قال التبريزى: قد يحتج في المجتهد ؛ قال عليًا ﵁ قبل قول المقداد في حكاية فتوى النبي ﷺ في سقوط الغسل عن خروج المذى). ويصح أن يقال: إن فتوى النبي ﷺ شرع، فهو كسائر أخباره التي لا فرق فيها بين أن يبلغ في حياته ﷺ أو بعد وفاته، بخلاف المجتهد. وإن حكى العدل قول الميت، فالمشهور أنه لا يجوز تقليده. قال: ويتجه أن يقال: مذهب الميت متعبد به، ولهذا كان إجماع الصحابة بعد انقضاء عصرهم حجة، ولو بطل مذهب المجتهد بموته؛ لكانت الواقعة - بعد انقراض عصرهم خالية عن فتوى المفتين، ومذهب أحد من المجتهدين، فكان لا يمنع فيها الاجتهاد، والأخذ بخلاف أقوالهم؛ ولو مات

стр. 3836

المخالف لم يصر اتفاق من عداه حجة؛ ولو بطل مذهبه بموته لكان قول الباقين كل الأمة فيه، كما لو مات قبل الخوض في الحادثة. ويتأيد ما ذكرنا بعمل علماء الأعصار من سنين. قلت: قوله: (في سقوط الغسل عن خروج المذي) - يشعر بأن النبي ﷺ إنما أفتى بعدم الغسل من المذى، والواقعة ليست كذلك، إنما أفتى ﵇ بوجوب الغسل في الذكر والأنثيين. (فائدة) قال سيف الدين: (من ليس بمجتهد، هل يجوز له الفتوى بمذهب الجمهور كما في زماننا) ؟. منعه أبو الحسين البصري، وجماعة من الأصوليين؛ لأنه إنما يسأل عما عنده، لا عما عند غيره.

стр. 3837

.....................................................

стр. 3838

وقيل: يجوز إذا ثبت عنده ذلك بنقل من يوثق بقوله. قال: والمختار أنه إن كان مجتهدًا في المذهب مطلعًا على مأخذ المجتهد المطلق الذي يقلده، وهو قادر على التفريع على قواعد إمامه، وأقواله، متمكن من الفرق، والجمع، والنظر، والمناظرة، فله الفتوى تمييزًا له عن العامي، ولانعقاد الإجماع على هذا النوع، وإلا فلا. (فائدة) ينبغي أن يحذر مما وقع في زماننا من تساهل بعض الفقهاء بالفتوى من الكتب الغريبة التي ليس فيها رواية المفتى عن المجتهد بالسند الصحيح ، ولأقام مقام ذلك شهرة عظيمة، تمنع من التصحيف، والتحريف بسبب الشهرة. وبالغ بعضهم في التساهل حتى صار إذا وجد حاشية على كتاب أفتى بها، وهذا عدم دينٍ، وبعد شديد عن القواعد. ***********************

стр. 3839

القسم الثاني في المستفتي قال الرازي: مسألة: يجوز للعامي أن يقلد المجتهد في فروع الشرع؛ خلافًا لمعتزلة بغداد، وقال الجبائي: يجوز ذلك فيما كان من مسائل الاجتهاد. لنا وجهان: الأول: إجماع الأمة قبل حدوث المخالف؛ لأن العلماء في كل عصرٍ لا ينكرون على العامة الاقتصار على أقاويلهم، ولا يلزمونهم أن يسألوهم عن وجه اجتهادهم. الثاني: أن العامي إذا نزلت به حادثه من الفروع، فإما ألا يكون مأمورًا فيها بشيءٍ، وهو باطل بالإجماع؛ لأنا نلزمه إلى قول العلماء، والخصم يلزمه الرجوع إلى الاستدلال، وإما أن يكون مأمورًا فيها بشئ، وذلك: إما بالاستدلال، أو بالتقليد: والاستدلال: باطل؛ لأنه: إما أن يكون هو التمسك بالبراءة الأصلية، أو التمسك بالأدلة السمعية: والأول باطل بالإجماع. والثاني أيضًا: باطل؛ لأنه لو لزمه أن يستدل، لم يخل من أن يلزمه ذلك حين كمل عقله، أو حين حدثت الحادثة: والأول باطل؛ لوجهين: أحدهما: أن الصحابة ما كانوا يلزمون من لم يشرع في طلب العلم، ولم

стр. 3840

يطلب رتبة المجتهد في أول ما يكمل عقله، وثانيهما: أن وجوب ذلك عليه يمنعه من الاشتغال بأمور الدنيا، وذلك سبب لفساد العالم. والثاني أيضًا: باطل؛ لأنه يقتضي أن يجب عليه اكتساب صفة المجتهدين عند نزول الحادثة؛ وذلك غير مقدور له. ولقائلٍ أن يقول على هذا الوجه: القائلون بأنه لا يجوز التقليد في الشرع لا يقولون بالإجماع، ولا بخبر الواحد، ولا بالقياس، ولا يجوزون التمسك بالظواهر المحتملة. وإذا كان كذلك، سهل الأمر عليهم؛ فإنهم قالوا: قد تقرر في عقل كل عاقلٍ أن الأصل في اللذات الإباحة، وفي المضار الحرمة: فإن جاء في بعض الحوادث نص قاطع المتن، قاطع الدلالة يوجب ترك ذلك الأصل العقلي - قلنا به. وإن لم يوجد ذلك، وجب البقاء على حكم العقل، وإذا ثبت هذا: فالعامي، إذا وقعت له واقعة: فإما أن يكون فيه شيء من الذكاء، أو لا يكون؛ بل يكون في غاية البلادة: فإن كان فيه شيء من الذكاء، عرف حكم العقل فيه، وإن كان في غاية البلادة، نبهه المفتي على حكم العقل. وليس لأحد أن يقول: الاشتغال بذلك يمنعه عن عمل المعاش؛ لأنه إذا جاز تكليفه بمعرفة الأدلة الدقيقة في مسائل الأصول، ولا يمنعه ذلك عن المعاش، فكيف تمنعه معرفة هذا القدر من طلب المعاش؟!. ثم إذا عرف العامي حكم العقل، وأن ما في الواقعة نص يوجب ترك العمل

стр. 3841

بحكم العقل، قاطع المتن، قاطع الدلالة - نبهه المفتي عليه، ولا حاجة في فهم مثل هذا النص إلى تدقيق يمنعه من عمل المعاش، وإن لم يوجد فيه مثل هذا النص، وجب عليه العمل بحكم العقل. فثبت أن المنع من التقليد: إنما يصعب على قول من يوجب العمل بالقياس وخبر الواحد، أما من لا يقول بذلك، فلا صعوبة عليه ألتبة. وأيضًا: فهذه الدلالة: لو صحت لوجب القول بجواز التقليد في مسائل الأصول؛ لأنا نعلم أن الوقوف على تلك الدلائل لا يحصل إلا بعد الكد الكثير، ونحن نعلم من حال الصحابة: أنهم ما كانوا يلومون من لم يتعلم علم الكلام في أول زمان بلوغه. وأيضًا: الاشتغال بتحصيله يمنع من الاشتغال بأمر المعاش. أجابوا: بأن الذي يجب على المكلف معرفة أدلة التوحيد والنبوة على طريق الجملة، لا على طريق التفصيل، ومعرفة تلك الأدلة على سبيل الإجمال أمر سهل هين، يحصل بأدني سبب؛ بخلاف الاجتهاد في فروع الشرع؛ فإنه لابد فيه من علومٍ كثيرةٍ، وتبحرٍ شديدٍ. واعلم أن هذا الفرق: إنما يتلخص، إذا سلمنا لهم الفرق بين مباحث الجملة، ومباحث التفصيل. وعندي أن هذا الفرق باطل، وذلك لأن الدليل، إذا كان مركبًا مثلاً من مقدمات عشرٍ، فالمستدل إن كان عالمًا بها بأسرها، وجب حصول العلم النظري له؛ لا محالة، وإن امتنعت الزيادة عليه؛ لأن تلك المقدمات العشر، إذا

стр. 3842

كانت مستقلة بالإنتاج، فلو انضمت مقدمة أخرى إليها، استحال أن يكون له أثر ألبتة. وأما إن لم يحصل العلم بأسرها؛ مثل أن يحصل العلم بتسع منها، ولم تكن المقدمة العاشرة معلومةً بالضرورة، ولا بالدليل، بل مقبولة؛ على سبيل التقليد - فتكون النتيجة المتولدة عن مجموع تلك العشر تقليدًا، لا يقينًا. فثبت أن التمسك بالدليل لا يقبل الزيادة والنقصان ألبتة؛ مثاله أنهم يقولون: (صاحب الجملة يكفيه الاستدلال بحدوث الحوادث من البرق والرعد، والحر والبرد؛ على وجود الصانع): فنقول: هذا لا يكفي؛ لأنا نقول: هذه الحوادث لابد لها من مؤثرٍ، وذلك المؤثر يجب أن يكون فاعلاً مختارًا. أما المقدمة الأولي: فمعلومة للعوام. وأما الثانية: فغير معلومة لهم؛ لأنه ما لم يثبت أن ذلك ليس أثرًا لمؤثرٍ موجب، لم يجب أن يكون إسناده إلى المختار، فإذا قطع العامي بأن ذلك المؤثر يجب أن يكون مختارًا؛ من غير دليلٍ عليه - كان مقلدًا، في هذه المقدمة وإذا كان مقلدًا فيها، لم يكن محققًا في النتيجة. وأيضًا: إذا رأي حدوث فعل خارقٍ للعادة على يد مدعي النبوة، فلو قطع عند ذلك بنبوته، كان ذلك تقليدًا؛ لأن قبل الدليل يجوز أن يكون ذلك الحادث ليس فعلا لله تعالى، بل خاصية لنفس الرسول، أو خاصية لدواء، أو فعلاً من أفعال الجن، وبتقدير أن يكون فعلاً لله تعالى، لكن يجوز ألا يكون لله - تعالى - فيه غرض.

стр. 3843

وإن كان له فيه غرض، جاز أن يكون ذلك الغرض شيئًا سوى التصديق، فلو قطع العامي بأن ذلك الفعل الخارق للعادة، لابد وأن يكون دالا على صدق المدعي؛ من غير دليل يدل على فساد هذه الأقسام - كان مقلدًا في اعتقاد هذه المقدمة؛ فلم يكن محققًا في النتيجة؛ فظهر بهذا فساد ما قالوا من الفرق بين صاحب الجملة، وبين صاحب التفصيل؛ وحينئذٍ: لا يبقي إلا أحد أمرين: إما أن يقال: بأن الإحاطة بأدلة الدين على تفصيلها وتدقيقها شيء سهل هين، وذلك مكابرة، وإما أن يقال: يجوز فيه التقليد، كما جوزوا في فروع الشرع التقليد؛ وحينئذٍ: لا يبقي بينهما فرق ألبتة. واحتج منكرو التقليد في فروع الشرع؛ بأمورٍ: أحدها: قوله تعالى:﴾ وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴿. وثانيها: أن الله تعالى ذم أهل التقليد بقوله تعالى:﴾ إنا وجدنا آباءنا على أمة ﴿. وثالثها: قوله ﵊: (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة) توافقنا على خروج بعض العلوم عن هذا العموم، فبقي العلم بفروع الشرع وأحكامه. ورابعها: القول بجواز التقليد يفضي إلى بطلانه؛ لأنه يقتضي جواز تقليد من يمنع من التقليد، وما يفضي ثبوته إلى عدمه، كان باطلاً. وخامسها: قوله ﵊: (اجتهدوا؛ فكل ميسر لما خلق له) أمر بالاجتهاد مطلقًا.

стр. 3844

وسادسها: أن العامي، إذا قلد، لم يأمن من جهل المفتي وفسقه؛ فيكون فاعلاً للمفسدة. وسابعها: لو جاز التقليد في فروع الشرع؛ لكان ذلك لأنه حصلت أمارات توجب ظن صدق المفتي، وهذا المعني قائم في أصول الدين؛ فوجب الاكتفاء بالفتوى في الأصول أيضًا. والجواب عن الأول: أنه منقوض بكل ظن وجب العمل به؛ كما في أحوال الدنيا، وقيم المتلفات، وأروش الجنايات، وبخبر الواحد والقياس، إن سلموا جواز العمل بهما. وعن السادس والسابع: أن تذكر الفرق الذي تقدم. وأما الدليل على أن للعامي أن يقلد في مسائل الاجتهاد، وغير مسائل الاجتهاد: أنا لو كلفناه أن يفصل بين البابين، لكنا قد ألزمناه أن يكون من أهل الاجتهاد؛ لأنه إنما يفصل بينهما أهل الاجتهاد؛ فيعود المحذور المذكور. واحتج المخالف: بأن ما ليس من مسائل الاجتهاد، فالحق فيها واحد، فلو قلدنا فيها، لم نأمن أن نقلد في خلاف الحق، وليس كذلك مسائل الاجتهاد؛ لأن كل قوم فيها حق. والجواب: أنا لا نأمن أيضًا في مسائل الاجتهاد ألا يجتهد المفتي، أو يقصر في اجتهاده، أو يفتيه؛ بخلاف اجتهاده. فإن قلتم: (إن مصلحة العامي هي أن يعمل بما يفتيه المفتي): قلنا: وكذلك الأمر في تقليده فيما نحن فيه، وإن كان غير مصيبٍ. مسألة: في شرائط الاستفتاء. اتفقوا على أنه لا يجوز له الاستفتاء إلا إذا غلب على ظنه أن من يفتيه من أهل

стр. 3845

الاجتهاد، ومن أهل الورع، وذلك إنما يكون إذا رآه منتصبًا للفتوى بمشهد الخلق، ويرى اجتماع المسلمين على سؤاله، واتفقوا على أنه لا يجوز للعامي أن يسأل من يظنه غير عالمٍ، ولا متدينٍ، وإنما وجب عليه ذلك لأنه بمنزلة نظر المجتهد في الأمارات. ثم هاهنا بحث، وهو أن أهل الاجتهاد، إذا أفتوه: فإن اتفقوا على فتوى، لزم المصير إليها، وإن اختلفوا؛ فقال قوم: وجب عليه الاجتهاد في أعلمهم، وأورعهم؛ لأن ذلك طريق قوة ظنه (وهو) يجري مجرى قوة ظن المجتهد، وقال آخرون: لا يجب عليه هذا الاجتهاد؛ لأن العلماء في كل عصر لا ينكرون على العوام ترك النظر في أحوال العلماء. ثم بعد الاجتهاد: إما أن يحصل ظن الاستواء مطلقًا، أو ظن الرجحان مطلقًا، أو ظن رجحان كل واحدٍ منهما على صاحبه من وجهٍ، دون وجهٍ: فإن حصل ظن الاستواء مطلقًا، فهاهنا طريقان: أحدهما أن يقال: هذا لا يجوز وقوعه؛ كما لا يجوز استواء أمارتي الحل والحرمة. والآخر أن يقال: يسقط عنه التكليف؛ لأنا جعلنا له أن يفعل ما يشاء، وأما إذا حصل ظن الرجحان مطلقًا، تعين العمل به، وأما إذا حصل ظن رجحان كل واحد منهما على صاحبه، من وجهٍ دون وجهٍ، فهاهنا صور: إحداها: أن يستويا في الدين، ويتفاضلا في العلم، فمنهم: من خيره، ومنهم: من أوجب الأخذ بقول الأعلم؛ وهو الأقرب لمزيته؛ ولهذا يقدم في إمامة الصلاة.

стр. 3846

وثانيتها: أن يتساويا في العلم، ويتفاضلا في الدين، فهاهنا: وجب الأخذ بقول الأدين. وثالثتها: أن يكون أحدهما أرجح في علمه، فقيل: يؤخذ بقول الأدين، والأقرب: ترجيح قول الأعلم؛ لأن الحكم مستفاد من علمه، لا من ديانته. فإن قلت: العامي ربما اغتر بالظواهر، وقدم المفضول على الفاضل، فإن جاز له أن يحكم بغير بصيرةٍ في ترجيح بعض العلماء على بعضٍ، فليجز له أن يحكم في نفس المسألة بما يقع له ابتداًء؛ وإلا فأي فرقٍ بين الأمرين؟. قلت: من مرض له طفل، وليس له طبيب، فإن سقاه دواًء برأيه، كان متعديا مقصرًا، ولو راجع طبيبًا، لم يكن مقصرًا. فإن كان في البلد طبيبان، وقد اختلفا في الدواء، فخالف الأفضل - عد مقصرًا، ثم إنه يعلم كون أحدهما أعلم من الآخر؛ بالأخبار، وبإذعان المفضول له، وبأمارات تفيد غلبة الظن، فكذلك في حق العلماء: يعلم الأفضل بالتسامع والقرائن، دون البحث عن نفس العلم، والعامي أهل له، فلا ينبغي أن يخالف الظن بالتشهي. مسألة: الرجل الذي تنزل به الواقعة: فإما أن يكون عاميًا صرفًا، أو عالمًا لم يبلغ درجة الاجتهاد، أو عالمًا بلغ درجة الاجتهاد، فإن كان عاميًا صرفًا، حل له الاستفتاء، وإن كان عالمًا بلغ درجة الاجتهاد: فإن كان قد اجتهد، وغلب على ظنه حكم، فهاهنا أجمعوا على أنه لا يجوز له أن يقلد مخالفه، ويعمل بظن غيره. أما إذا لم يجتهد: فهاهنا قد اختلفوا، فذهب أكثر أصحابنا إلى أنه لا يجوز

стр. 3847

للعالم تقليد العالم ألبتة، وقال أحمد بن حنبلٍ وإسحاق بن راهويه وسفيان الثوري ﵏ بجوازه مطلقًا. ومن الناس: من فصل، وذكر فيه وجوهًا: أحدها: أنه يجوز لمن بعد الصحابة تقليد الصحابة، ولا يجوز تقليد غيرهم، وهو القول القديم للشافعي ﵁. وثانيها: أنه يجوز تقليد العالم للأعلم، وهو قول محمد بن الحسن ﵀. وثالثها: أنه له التقليد فيما يخصه، دون ما يفتي به. ورابعها: أنه يجوز له التقليد فيما يخصه، إذا كان بحيث لو اشتغل بالاجتهاد، لفاته الوقت، وهو قول ابن سريجٍ. لنا وجهان: الأول: أن هذا المجتهد أمر بالاعتبار في قوله تعالى:﴾ فاعتبروا يا أولي الأبصار ﴿ولم يأت به، فيكون تاركا للمأمور به، فيكون عاصيًا، فيستحق النار، ترك العمل به في حق العامي؛ لعجزه عن الاجتهاد، فيبقي معمولاً به في حق المجتهد. الثاني: أنه متمكن من الوصول إلى حكم المسألة بفكرته؛ فوجب أن يحرم عليه التقليد؛ كما في الأصول، والجامع وجوب الاحتراز عن الضرر المحتمل عند القدرة على الاحتراز عنه. فإن قلت: (المعتبر في الأصول اليقين؛ وإنه لا يحصل بالتقليد؛ بخلاف

стр. 3848

الفروع؛ فإن البغية فيها الظن، ويمكن حصوله بالتقليد؛ ولذلك جاز للعامي أن يقلد في الفروع، دون الأصول. وأيضًا: فما ذكرتموه ينتقض بقضاء القاضي؛ فإنه لا يجوز خلافه، وإن كان متمكنًا من معرفة الحكم؛ فإنه لا معني للتقليد إلا وجوب العمل عليه من غير حجةٍ. وينتقض أيضًا بمن دنا من رسول الله ﷺ ؛ فإنه متمكن من الوصول إلى حكم المسألة؛ مع أنه يجوز أن يسأل من أخبر عن رسول الله ﷺ . قلت: أما الجواب عن الأول: فهو: أنا إنما أوجبنا على المكلف تحصيل اليقين؛ لأنه قادر، والدليل حاضر؛ فوجب عليه تحصيله؛ احترازًا عن الخطأ المحتمل، وهذا المعني حاصل في مسألتنا؛ لأن المكلف قادر، والدليل المعين للظن الأقوى حاصل؛ فوجب عليه تحصيله؛ احترازًا عن الخطأ المحتمل في الظن الضعيف. وعن الثاني: أنه لما دلت الدلالة على أن الحكم الذي قضي به القاضي لا يمكنه نسخه بالاجتهاد، فلم يكن العمل به تقليدًا؛ بل عملاً بذلك الدليل. وعن الثالث: أنه لا نسلم جواز الاكتفاء بالسؤال من غير الرسول ﷺ عند القدرة. واحتج المخالف بأمورٍ: أحدها: قوله تعالى:﴾ فاسألوا أهل الذكر، إن كنتم لا تعلمون ﴿والعالم قبل أن يجتهد لا يعلم؛ فوجب أن يجوز له السؤال.

стр. 3849

وثانيها: قوله تعالى:﴾ أطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ﴿والعلماء من أولي الأمر؛ لأن أمرهم ينفذ على الأمراء والولاة. وثالثها: قوله تعالى:﴾ فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ﴿أوجب الحذر بإنذار من تفقه في الدين مطلقًا؛ فوجب على العالم قبوله؛ كما وجب على العامي ذلك. ورابعها: إجماع الصحابة: روي أن عبد الرحمن بن عوفٍ قال لعثمان: (أبايعك على كتاب الله، وسنة رسوله، وسيرة الشيخين) فقال: (نعم) وكان ذلك بمشهد من عظماء الصحابة، ولم ينكر عليه أحد، فكان ذلك إجماعًا. فإن قلت: (إن عليًا خالف فيه): قلت: إنه لم ينكر جوازه؛ لكنه لم يقبله، ونحن لا نقول بوجوبه؛ حتى يضرنا ذلك. وخامسها: أنه حكم يسوغ فيه الاجتهاد؛ فجاز لمن لم يكن عالمًا به تقليد من علمه؛ كالعامي، والجامع وجوب العمل بالظن الحاصل بقول المفتي. وسادسها: أجمعنا على أنه يجوز للمجتهد أن يقبل خبر الواحد عن مجتهدٍ آخر، بل عن عامي، وإنما جاز ذلك؛ اعتمادًا على عقله ودينه، فهاهنا: إذا أخبر المجتهد عن منتهي اجتهاده بعد استفراغ الوسع، والطاقة، فلأن يجوز العمل به كان أولى. وسابعها: أن المجتهد، إذا أدي اجتهاده إلى العمل بفتوى مجتهد آخر، فقد حصل ظن أن حكم الله - تعالى - ذلك، وذلك يقتضي أن يحصل له ظن أنه لو لم يعمل به، لاستحق العقاب؛ فوجب أن يجب العمل به؛ دفعًا للضرر المظنون.

стр. 3850

والجواب عن الأول: أن ظاهر الآية يقتضي وجوب السؤال، وإنه غير واجب بالاتفاق. وأيضًا: فقوله:﴾ إن كنتم لا تعلمون ﴿يقتضي أن يجب على المجتهد بعد اجتهاده استفتاء غيره؛ لأنه بعد اجتهاده ليس بعالمٍ، بل هو ظان؛ وبالإجماع لا يجوز ذلك. وأيضًا: فإنه أمر بالسؤال، وليس فيه تعيين ما عنه السؤال، فنحن نحمله على السؤال عن وجه الدليل. وعن الثاني: أن الأصول دلت على وجوب الطاعة؛ لكنها لا تدل على وجوب الطاعة في كل شيءٍ، فنحن نحملها على وجوب الطاعة في الأقضية والأحكام؛ والدليل على أن الآية لا تتناول محل النزاع: أنها لو تناولته، لوجب ذلك التقليد، وبالإجماع: التقليد غير واجبٍ. وعن الثالث: أن الآية تدل على وجوب الحذر عند إنذارٍ، لا عند كل إنذارٍ، ونحن نقول بالأول فإنا نوجب العمل بروايته. وعن الرابع: أنه يحتمل أن يكون المراد من سيرة الشيخين طريقتهما في العدل، والإنصاف، والانقياد للحق، والبعد عن الدنيا. وعن الخامس: أن الفرق هو أن العامي قاصر؛ فجاز له العمل بالتقليد، والعالم ليس بقاصرٍ. وعن السادس: أن المفتي ربما بني اجتهاده على خبر واحدٍ، فإذا تمسك به المجتهد ابتداء كان الاحتمال فيه أقل مما إذا قلد فيه غيره.

стр. 3851

وعن السابع: أن مجرد الظن واجب العمل به؛ لكن إذا لم يقم دليل سمعي يصرفنا عنه، وما ذكرناه من الدلائل السمعية يوجب العدول عن هذا الظن. القسم الثاني في المستفتى قال: القرافى: قوله: (لو صحت تلك الدلالة لوجب القول بجواز التقليد في مسائل الأصول؛ لأنا نعلم أن الوقوف على تلك الدلائل لا يحصل إلا بعد الكد الكثير): قلنا: القائلون بأنه لا يجوز التقليد في أصول الدين، قالوا: يكتفي فيها بليل فرد على مطلب من حيث الجملة، دون الجواب عن الشبهات، ونحوها، والمطالب المكلف بها نحو أربعين مطلبًا، وأكثرها في الطباع، والمحتاج فيها إلى الفكر قليل، ولا يشغل ذلك عن المعاش. ولا يقاس عليه الأدلة في الأحكام الشرعية الفروعية؛ فإنها تحتاج إلى

стр. 3852

استعداد شديد في معرفة المصالح، والمفاسد، وتقديم بعضها على بعض، وذلك لا يحصل إلا بعد اشتغال كبير يحصل منه كيفية توجب فهم نفس الشارع في ذلك. قوله: (الفرق بين التفصيل والإجمال باطل؛ لأن المقدمات إذا حصلت كلها حصل العلم، وإلا فلا): قلنا: هذا لا ينفى الفرق؛ لأنهم يريدون بالإجمال: عدم التبحر، وعم استحضار الشبهات، والجواب عنها. وبالتفصيل: الجواب عن الشبهات، والتوسع في قواعد تلك الأدلة، فما ذكرتموه هو الإجمال لا التفصيل. قوله: (احتجوا بقوله تعالى: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف: ٣٣]: قلنا: هذا محمول على أصول الديانات): جمعًا بينه وبين الأدلة الدالة على جواز التقليد، لاسيما وهو إجماع السلف، وهو الجواب الثاني. وقوله: ﵇: (طلب العلم فريضة على كل مسلم، ومسلمة).

стр. 3853

جوابه: أن طلب العلم قسمان: فرض عين، وفرض كفاية. ففرض العين: قال الشافعي -رحمة الله -: (هو علمك بحالك التي أنت فيها). فمن كان يباشر صرفًا وجب عليه أن يتعلم الأحكام المتعلقة بالصرف، وكذلك الإجارات، وغيرها من الحالات التي تعرض للإنسان. وفرض الكفاية: هو ما يقع من الوقائع حيث فرض على الكفاية، غير أن فرض الكفاية واجب على الكل ابتداء هنا لخطاب المجهول، وقد تقدم في (الواجب المخير) الفرق بين خطاب المجهول والخطاب بالمجهول وهذان القسمان مجمع عليهما، والإجماع متى حصل في شيء صار معلومًا، فيكون العلم حاصلاً في القسمين لمن اتصف بهما. والإجماع سابق على هذا الخلاف، فلا عبرة به. أو نقول: هو محمول على قواعد العقائد؛ جمعًا بينه وبين الأدلة الدالة على الاستثناء. قوله: (جواز التقليد يفضى إلى بطلانه؛ لأنه تقليد من يمنع التقليد؛ فيتناقض): قلنا: إنما نقول بجواز التقليد بشرط عدم التناقض. قوله: (وخامسها: قوله ﵇: (اجتهدوا فكل ميسر لما خلق له): قلنا: المراد الاجتهاد في فعل الطاعات؛ لأن صدر الحديث يقتضيه؛ لقول الصحابة -رضوان الله عليهم -لرسول الله ﷺ -لما سألوا عن القدر، فأخبرهم به ﵇ -فقالوا: ففيم العمل؟ فقال ﵇: (اعملوا، وقاربوا، وسددوا؛ فكل ميسر لما خلق له).

стр. 3854

وهو المراد بالاجتهاد -هاهنا - ولأنه مطلق؛ لأنه فعل في سياق الإثبات، فيكفى في العمل به صورة، ونحن قد عملنا به، إما في الأعمال الصالحة، وإما في أصول الديانات، وأيما كان فقد خرجنا عن عهدة هذا النص، ولم يبق فيه حجة. قوله: (العامي لا يأمن جهل المفتى وفسقه): قلنا: ظاهر الحال يأباه، وجاز ذلك، كما جاز للمجتهد أن يعمل بظواهر النصوص، مع احتمال النسخ، وغيره من الأمور العشرة التي تتوقف إفادة النصوص القطع عليها. قوله: (وعن السادس): قلنا: تقدمت سبعة حجاج للخصم، لم يجب إلا عن الأول، وذكر الجواب عن السادس، وإنما هو عن السابع، ولم يذكر بقية الأجوبة، وهذا خلل عظيم: وكشفت عدة نسخ، فوجدتها هكذا، ولا أدرى هل ذلك من المصنف، أو من النساخ؟ والله أعلم بذلك. قوله: (مسائل الاجتهاد كل قول فيها حق):

стр. 3855

قلنا: هذا يتخرج على أن كل مجتهد مصيب، أما على القول بأن المصيب واحد، فلا. (تنبيه) قال التبريزى: (الشيعة هم الذين قالوا بحصر كل مدرك إلا الدليل السمعي القاطع ، والمضار إليه إذا لم يضم إليهم غيرهم، بل عينهم لهذا المذهب، ثم قال: نقول: لهم حصر مدارك العقول فيما ذكرتم بديهي أم نظري؟ وبديهي أنه ليس ببديهي، وفي إثباته بالنظر شغل شاغل، وإن قنع بسببه المفتى، فهو تقليد، فلنقلد في الحكم. قال سراج الدين في الجواب عن الحجاج السبع، (والجواب عن الأخير بالفرق المذكور، وعن غيره بالنقض بالعمل بالظن في أمور الدنيا، والقيم، والأروش، وخبر الواحد، والقياس، إن سلمنا). قلت: وهذا جواب مستوعب، ولعله مراد المصنف حتى قال بعضهم: إن قوله -في (المحصول) -: (والجواب عن (الأول)، إنما هو (الأول) بتخفيف الواو، وضم الهمزة على صيغة (الجمع) وهو تصحيف حسن يحصل به المقصود غير أنه باطل بقوله: إنه منقوض، ولم يقل: إنها منقوضة، ولو كان المراد الجمع لقال ذلك على هذا الوجه. وقال صاحب (المنتخب): (إذا نزلت الحادثة بالعامي، وأمر بالاستدلال، فإمام أن يكون هو التمسك بالبراءة الأصلية، أو الدلائل السمعية، والأول باطل بالإجماع؛ ولأن ذلك يمنعه من الاشتغال بأمور دنياه).
следующие страницы →