← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

ولو كففنا لسلطنا الكفار على جميع المسلمين، فيقتلونهم، ثم يقتلون الأساري. فيجوز أن يقول قائل: هذا الأسير مقتول بكل حالٍ، فحفظ كل المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع من حفظ المسلم الواحد. قال: وإنما اعتبرنا هذه المصلحة؛ لاشتمالها على ثلاثة أوصافٍ، وهي: أنها ضرورية، قطعية، كلية. واحترزنا بقولنا: (ضرورية) عن المناسبات التي تكون في مرتبة الحاجة، أو التتمة. وبقولنا: (قطعية) عما إذا لم نقطع بتسلط الكفار علينا، إذا لم نقصد الترس، فإن هاهنا: لا يجوز القصد إلى الترس، وكذلك: قطع المضطر قطعة من فخذه لا يجوز؛ لأنا لا نقطع بأنه يصير ذلك سببًا للنجاة، وبقولنا: (كلية) عما لو تترس الكافر في قلعة بمسلمٍ، فإنه لا يحل رمي الترس؛ إذ لا يلزم من عدم استيلائنا على تلك القلعة فساد يعم كل المسلمين. وكذا: إذا كان جماعة في سفينة، ولو طرحوا واحدًا، لنجوا، وإلا، غرقوا بجملتهم، فهاهنا لا يجوز؛ لأن ذلك ليس أمرًا كليا؛ فهذا محصل ما قاله الغزالي ﵀. ومذهب مالك ﵀: أن التمسك بالمصلحة المرسلة جائز. واحتج عليه بأن قال: كل حكمٍ يفرض: فإما أن يستلزم مصلحة خاليةً عن المفسدة، أو مفسدةً خالية عن المصلحة، أو يكون خاليًا عن المصلحة والمفسدة بالكلية، أو يكون مشتملاً عليهما معًا:

стр. 3992

وهذا على ثلاثة أقسامٍ: لأنهما إما أن يكونا متعادلين، وإما أن تكون المصلحة راجحة، وإما أن تكون المفسدة راجحة، فهذه أقسام ستة: أحدها: أن يستلزم مصلحة خالية عن المفسدة، وهذا لابد وأن يكون مشروعًا؛ لأن المقصود من الشرائع رعاية المصالح. وثانيها: أن يستلزم مصلحة راجحة، وهذا أيضًا لابد وأن يكون مشروعًا؛ لأن ترك الخير الكثير، لأجل الشر القليل - شر كثير. وثالثها: أن يستوى الأمران، فهذا يكون عبثًا؛ فوجب ألا يشرع. ورابعها: أن يخلو عن الأمرين؛ وهذا أيضًا يكون عبثًا؛ فوجب ألا يكون مشروعًا. وخامسها: أن يكون مفسدةً خالصة؛ ولا شك أنها لا تكون مشروعة. وسادسها: أن يكون ما فيه من المفسدة راجحًا على ما فيه من المصلحة؛ وهو أيضًا غير مشروعٍ؛ لأن المفسدة الراجحة واجبة الدفع بالضرورة. وهذه الأحكام المذكورة في هذه الأقسام الستة: كالمعلوم بالضرورة أنها دين الأنبياء؛ وهي المقصود من وضع الشرائع؛ والكتاب والسنة دالان على أن الأمر كذلك تارةً بحسب التصريح، وأخرى بحسب الأحكام المشروعة؛ على وفق هذا الذي ذكرناه. غاية ما في الباب: أنا نجد واقعة داخلة تحت قسمٍ من هذه الأقسام، ولا يوجد لها في الشرع ما يشهد لها بحسب جنسها القريب؛ لكن لابد وأن يشهد الشرع بحسب جنسها البعيد على كونه خالص المصلحة، أو المفسدة، أو غالب المصلحة، أو المفسدة؛ فظهر أنه لا توجد مناسبة، إلا ويوجد في الشرع ما يشهد لها بالاعتبار: إما بحسب جنسه القريب، أو بحسب جنسه البعيد.

стр. 3993

إذا ثبت هذا، وجب القطع بكونه حجة؛ للمعقول والمنقول: أما المعقول: فلأنا إذا قطعنا بأن المصلحة الغالبة على المفسدة - معتبرة قطعًا عند الشرع، ثم غلب على ظننا أن هذا الحكم مصلحته غالبة على مفسدته - تولد من هاتين المقدميتن ظن أن هذه المصلحة معتبرة شرعًا؛ والعمل بالظن واجب، لقوله ﵊: (أقضى بالظاهر). ولما ذكرنا أن ترجح الراجح على المرجوح من مقتضيات العقول؛ وهذا يقتضي القطع بكونه حجة. وأما المنقول: فالنص، والإجماع. أما النص: فقوله تعالى:﴾ فاعتبروا ﴿أمر بالمجاوزة، والاستدلال بكونه مصلحة على كونه مشروعًا مجاوزة؛ فوجب دخوله تحت النص. وأما الإجماع: فهو أن من تتبع أحوال مباحثات الصحابة، علم قطعًا أن هذه الشرائط التي يعتبرها فقهاء الزمان في تحرير الأقيسة، والشرائط المعتبرة في العلة، والأصل، والفرع - ما كانوا يلتفتون إليها؛ بل كانوا يراعون المصالح؛ لعلمهم بأن المقصد من الشرائع رعاية المصالح؛ فدل مجموع ما ذكرنا على جواز التمسك بالمصالح المرسلة. المسألة التاسعة في المصالح المرسلة قال القرافي: قوله: (ومن المصالح ما شهد الشرع ببطلانه مثاله: إفتاء

стр. 3994

...............................................................

стр. 3995

...................................................................

стр. 3996

............................................................

стр. 3997

الملك في إفساد صوم رمضان شهرين متتابعين؛ إذ لو أفتى بعتق رقبة، لسهل عليه ذلك): قلنا: هذا المثال قد يتخيل فيه أنه ليس مما أبطله الشرع؛ لقيام الفارق بين الملوك وغيرهم، وأن الكفارة إنما شرعت زجرًا، والملوك لا تنزجر بالإعتاق، فتعين ما هو زجر في حقهم. فهذا نوع من النظر المصلحي الذي لا تأباه القواعد. وأظهر منه انعقاد الإجماع على عدم منع زراعة الكرم، وإن أدى المنع لعدم الخمر، وعدم منع الاشتراك في المساكن، وإن أدى المنع لعدم الزنا المتوقع من قرب الدار، فسد ذريعة الخمر، والزني مصلحتان، وقد ألغيتا هاهنا إجماعًا. قوله: (لا نحكم بالمصلحة المرسلة في محل الحاجة، والتتمة؛ لأنه إثبات شرع بالرأي): قلنا: عليه سؤالان: أحدهما: المنع، بل ما ثبت ذلك إلا باجتهاد صحيح، وأن الاستقراء دل على أن الشرائع مصالح، وأن الرسل ﵈ إنما بعثوا بالمصالح ودرء المفاسد، فمن أثبت ضرورة، أو حاجة، أو تتمة بالمصالح، فقد اعتمد على قاعدة الشرائع، فلا يكون إثباتًا للشرع بالهوى. وثانيهما: أنه إن كان إثباتًا بالهوى، فينبغي أن يمنع ذلك في الضرورة بطريق.

стр. 3998

الأولي؛ فلأن الضروريات أهم الديانات، فإذا منعنا اتباع الهوى فيما خف أمره أولى أن نمنعه فيما عظم أمره. قوله: (إن كان مفسدة خالصة، أو راجحة، فهو غير مشروع): قلنا: هذه العبارة عليها مناقشة؛ لأن المشروع أعم من المأمورات والمباحات؛ لأن المحرمات، والمكروهات مشروعة، بل ينبغي أن نقول: لا يكون مأذونًا في فعلها، بل مطلوبه العدم، فتكون مشروعة بالنهي، لا بالأمر والإذن. قوله: (استقراء أحوال الصحابة يقتضي أنهم كانوا إنما يعتبرون المصالح، ولا يعرجون على الأصل، والفرع، وهذه الشرائط): تقريره: أنهم ﵃ حددوا أمورًا بالمصالح المرسلة، وأجمعوا عليها: ومنها: تجديد ولاية العهد من الصديق لعمر ﵄. ومنها: جمع القرآن، وتعيين الوقت الذي أخرجت فيه اليهود من جزيرة العرب؛ فإن النص إنما دل على أنه لا يبقي دينان في جزيرة العرب مطلقًا، أما تعين هذا الوقت لإخراجهم، فللمصلحة الموجبة لإبقائهم أولاً، وإخراجهم فيه. ومنها: تدوين القرآن في زمان عمر ﵁. ومنها: جعل أذانين للجمعة في زمن عثمان ﵁. ومنها: توسيع مسجد رسول الله ﷺ وأخذ الأوقاف المجاورة له، وضمها إليه، وإبطال الوقفية فيها، فعله - عثمان ﵁ وجمع عمر ﵁ الناس على أبي في قيام رمضان. ومنها: الشورى في أمور الإمامة، فعلها - عمر ﵁ في

стр. 3999

سنته، فمن اتفقوا عليه كان الخليفة، وهي غير البيعة والعقد. ومنها: قضي عمر ﵁ بأن من اتجر من أهل (المدينة) بالزيت، والطعام إلى (المدينة) يخفف عنه، بخلاف ما يتجر فيه من غيرهما؛ توسعة على أهل (المدينة) في الطعام، وترغبة لأهل الذمة في حمله. ومنها: تقدير الجزية بأربعة دنانير، وأنواع من الطعام، والضيافة، وغيرها، قدره عمر ﵁. ومنها: أن عمر ﵁ كان يأكل الشعير، ويفرض لعامله نصف شاة. وأمور كثيرة لا تعد ولا تحصى لم يكن في زمن الرسول ﷺ شيء منها، بل اعتمد الصحابة فيها على المصالح مطلقًا، سواء تقدم لها نظير أم لا؟. وهذا يفيد القطع باعتبار المصالح المرسلة مطلقًا كانت في مواطن الضرورات، أو الحاجات، او التتمات. (تنبيه) قال التبريزي: عند إمعان النظر ينكشف الصواب في هذا؛ فإن كل مصلحة ليست مطلوبة بكل طريق، ولا بواسطة كل حكم، فالمال المحفوظ يحفظ عن السارق بقطع يده، بجلد ظهره، بحبسه، بتغريمه. لا سبيل لتعيين شيء من ذلك بالرأي، ثم مقصود الحفظ لا يختلف بأن يكون الأخذ سرقة، أو مكابرة من غير إبطال الحرز، سواء له أو بانفراد أو أتلفه في الحرز، أو أخرجه، والحكم مختلف. فإذن الحكم الذي يثبته المجتهد لم يكن ورد الشرع به أصلاً، فلا سبيل إلى اختراعه، وإن ورد به الشرع.

стр. 4000

.........................................

стр. 4001

أنواع شهادة الحكم باعتبار المعنى. وأما صورة التترس، فحفظ الإسلام، وقهر الكفار - مقصود مطلقًا بأدلة قاطعة لا تحتاج إلى استشهاد بأصل، لكن عارض تحصيل هذا المقصود الإفضاء إلى سفك جم امرئ مسلم لم يذنب، وهذا أيضًا مقصود الاجتناب بأدلة لا شك فيها. وعند تعارض الأدلة: يجب العمل بالراجح المتعين بأدلة، سنها سيرة الصحابة ﵃ ثم له شواهد، كقطع اليد المتآكلة حفظًا للجملة؛ بل جواز الفصد، والحجامة؛ فإنه إفساد للبعض لإصلاح الكل. قال إمام الحرمين في (البرهان): (الاستدلال بهذه الطريقة أمر عسر، وهو معنى معتبر في الحكم مناسب له في مقتضى العقل من غير أصل متفق عليه مسند إليه هذا المناسب. وقد منعه القاضي، وطوائف من المتكلمين، والأصحاب، وبالغ مالك في أعمال المصالح حتى أفرط، وخرج عن المصالح المألوفة في الشرع، وأفضى به ذلك إلى استحلال القتل، وأخذ المال، وأخذ بمصالح يقتضيها غالب الظن من غير مستند إلى أصل. وجوز الشافعي ومعظم الحنفية اعتبار المصالح، وإن لم تستند إلى أصل متفق عليه، لكن بشرط عدم البعد، والإفراط، بل ما يشبه المصالح المعتبرة وفاقًا، فتصير المذاهب ثلاثة: المنع مطلقًا، بالاقتصار على المصالح التي لها أصول. والجواز مطلقًا، وإن بعدت المصالح، ما لم يعارضها كتاب أو سنة، أو إجماع.

стр. 4002

ومذهب الشافعي: التوسط المتقدم، وهو اعتبار ما قرب من معاني الأصول. احتج القاضي أبو بكر للمنع، بأن قبح هذا الباب ليس له أصل، ويفضى إلى أن يبقي أهل النظرية بمنزلة الأنبياء ﵈ ولم ينسب ما يرونه إلى الشريعة، وهو ذريعة إلى إبطال أئمة الشريعة، وإلى أن يفعل كل واحد ما يرى. ثم يختلف ذلك باختلاف الزمان، والمكان، وأصناف الخلق، فيبطل ما درج عليه الأولون؛ ولأنه لو جاز ذلك لكان العاقل ذوي الرآي العالم بوجوه السياسات إذا راجع المفتين في حادثة، وأعلموه أنها ليست منصوصة، ولا أصل لها يضاهيها - يجوز له حينئذ العمل بالأصوب عنده، واللائق بطريق الاستطلاح، وهذا صعب لا يستجرئ عليه متدين، ولو ساغ ما قاله مالك، لاتخذ الناس أيام كسرى أنوشروان في العدل والسياسة معتبرهم، وهذا ممنوع، وتجرؤ على الانحلال عن الدين بالكلية. وقد اعتمد ذلك في أقضية الصحابة - مع أنه لا يشق غبار فيها على أمور كان ينبغي له أن يتناولها: فبلغه أن رجلاً مد يده إلى لحية عمر ﵁ ليزيل شيئًا منها، فخشى عمر ﵁ أن ذلك قصد به الاستهانة للأئمة. فقال: إن لم ترني ما أحدثت، وإلا أبنت يدك. فجعل مالك هذا أصلاً في إباحة الدماء بالنظر المصلحى، وبلغه عن عمر ﵁ أنه شاطر عماله، فجعل ذلك أصلاً في استباحة الأموال بالنظر المصلحي.

стр. 4003

وكان ينبغي له أن يؤول الأول، بأن مقصود عمر التعزير بالقول، دون تحقق الفعل، ويؤول الثاني، بأنه اطلع من عماله على أنهم تناولوا من بيت المال ما يستحقونه، وعمر ﵁ أجل من أن يخفى عليه ذلك، وهم لم يكونوا معصومين. قلت: أما قوله: (يصير العقلاء أنبياء)، إن أراد أنهم ورثتهم، فهو حق، وإن أراد أنهم يحكمون بالهوى، والعقل المحض، فلا نسلم أن الأنبياء كذلك، فلا معنى لهذا الكلام. وأما قوله: العالم بالسياسة إذا أخبره المفتون بعدم الأصول، فيكون له الأخذ برأيه. قلنا: لا يلزم ذلك؛ فإن مالكًا يشترط في المصلحة أهلية الاجتهاد؛ ليكون الناظر متكيفًا بأخلاق الشريعة، فينبو عقله وطبعه عما يخالفها، بخلاف العالم بالسياسات إذا كان جاهلاً بالأصول، فيكون بعيد الطبع عن أخلاق الشريعة، فيهجم على مخالفة أخلاق الشريعة من غير شعور. وأما ما نقله من إباحة الدماء، والأموال بما قاله، فالمالكية لا يساعدونه على صحة هذا النقل عن مالكٍ. وكذلك ما نقله عن الإمام في (البرهان) من أن مالكًا يجيز قتل ثلث الأمة لصلاح الثلثين. المالكية ينكرون ذلك إنكارًا شديدًا، ولم يوجد ذلك في كتبهم، إنما هو في كتب المخالف لهم، ينقله عنهم، وهم لم يجدوه أصلاً. وأما أخذ الأموال، ومصادرة العمال، فقد ذكر هذه المسألة أبو الوليد الطرطوشي، في كتابه ((سراج الملوك)، وقال: (إنما شاطر عمر عماله؛ لأنهم كانوا يتجرون بجاه العمل، والجاه للمسلمين)، فصار أصل المال

стр. 4004

لمالكيه، وجاه المسلمين، كالعامل في القراض، فأشبه متجرهم القراض، فجعل قراضا، فكان النصف للمسلمين، والنصف لرب المال، وهذا مدرك حسن ليس فيه اتهام الصحابة - رضوان الله عليهم - بأخذهم مالا يستحقونه من بيت المال، ولم يخونوا، ولم يخرج مالك عن هذا. ولا يوجد لمالك مصادرة أحد؛ لأنه متهم أصلاً. وكذلك جعل الطرطوشي قول عمر لابنيه عبد الله، وعبيد الله، لما دفع لهما أبو موسى الأشعري من بيت مال (العراق) مالاً، قال: اتجرا فيه، وأديا رأس المال لعمر، وخذوا فائدته، فقال عمر: (أكل الجيش فعل معه ذلك)؟، فقال: لا، فقال: ابنا أمير المؤمنين أديا المال وربحه، فقال عبيد الله: يا أمير المؤمنين لو هلك المال ضمناه. فقال: أديا المال وربحه. وكثرت المراجعة بينهما، فقال له: عبد الرحمن بن عوفٍ: (اجعله قراضًا يا أمير المؤمنين، فجعله قراضًا)، فكانت هذه الواقعة أصلاً للقراض عند العلماء، حتى إنه لا يعلم في القراض كتاب، ولا سنة تدل على مشروعية القراض غير هذا الموضع. غير أن الإجماع انعقد على جوازه بناء على هذه الواقع'، أو غيرها؟، الله أعلم بذلك، حكاه ابن حزم في كتابه (الإجماع)؟ وكيف يجعل عمر، أو جميع الصحابة الذين كانوا عنده ما كان قرضًا مضمونًا قراضًا غير مضمون؟ وكيف يحل أخذ نصف ربح مال القراض؟. قال الطرطوشي: جعلوه قراضًا؛ لأن ولدى أمير المؤمنين إنما تمكنا من ذلك بجاه أبيهما الذي هو جاه المسلمين، فكان للمسلمين النصف - كما تقدم في العمال - حرفًا بحرف، وليس في هذا خروج عن القواعد، ولم يبح مالك دمًا ولا مالاً بغير دليل شرعي.

стр. 4005

وأما قوله: (لو صح قول مالك - اتبع الناس أيام كسرى أنوشروان) فالجواب عنه كالجواب عن العامل العالم بالسياسات الذي تقدم أن سياسات الفرس، وإن كانوا أهل عدل، وفطنه، ويقظة، وأخلاق كريمة، غير أنهم لم يتكيفوا بقواعد صاحب الشرع الذي هو العالم بالأسرار، والخفيات، وما لا يهتدي إليه العقل، فلم يكونوا يتصرفون إلا بالعقل الصرف، سواء أصابوا قوانين الشريعة، أو أخطئوها. ومالك إنما يعتبر النظر من المتكيف بقواعد الشرع حتى يكون ظنه، ونظره ينفر عن مخالفتها، ويميل لموافقتها. فهذا فرق عظيم، وجواب ساد لا مدفع له، بل هو دافع للتشنيع بالكلية. (سؤال) قال بعض علماء العصر: إذا قلتم بالمصلحة المرسلة، فكيف تصنعون في العمومات، والأدلة ؟ فإنها متعارضة نفيًا، وإثباتًا؛ فإنه ما من مصلحة في إقدام، أو إحجام إلا ويجد عامًا يردها مثل: قوله تعالى:﴾ وما جعل عليكم في الدين من حرج ﴿،﴾ خلق لكم ما في الأرض ﴿،﴾ يريد الله بكم اليسر ﴿. ونظائره كثيرة، فأي عموم تنفون مخالفته؟ وما ضابط ذلك؟ وإذا لاحظتم الظواهر المانعة من الإقدام، والإحجام لم تبق مصلحة مرسلة إلا ولها معارض من النصوص، وأنتم تشترطون في المصلحة السلامة عن معارضة الأدلة؟. جوابه: أنا نعتبر من النصوص الأصول، ما هو خاص بذلك الباب في نوعه دون ما أهو أعم منه، فإذا كانت المصلحة في الإجارات، اعتبرنا نصوص الإجارات، أو في الجنايات اعتبرنا نصوص الجنايات.

стр. 4006

أما نص يشمل ذلك الباب، وغيره، فلا عبرة به؛ لأن هذه المصلحة أخص منها، والأخص مقدم على الأعم - لاسيما - إذا كان النص يشمل جميع الشريعة، فقد كثر تخصيصه، فضعف التمسك به. (سؤال) ما الفرق بين المصلحة المرسلة، والاستحسان ، فقد جعلتموهما مدركين مع أنه لا معنى للاستحسان إلا مصلحة خالصة، أو راجحة تقع في نفس الناظر؟ جوابه: الاستحسان أخص؛ لأنا نشترط فيه أن يكون له معارض مرجوح، ويرجح الاستحسان عليه، وكذلك قلنا فيه: هو ترك وجه من وجوه الاجتهاد لوجه أقوى منه. والمصلحة المرسلة لا يشترط فيها معارض؛ بل قد يقع تسليمه عن المعارض؛ لأن المعارض - هاهنا - يريد به الخاص بذلك الباب، وهو متعين في - الاستحسان دون المصلحة المرسلة. (تنبيه) يحكى أن المصلحة المرسلة من خصائص مذهب مالك. وليس كذلك، بل المذاهب كلها مشتركة فيها؛ فإنهم يعلقون، ويفرقون في صور النقوض، وغيرها، ولا يطالبون أنفسهم بأصل يشهد لذلك الفارق بالاعتبار؛ بل يعتمدون على مجرد المناسبة، وهذا هو عين المصلحة المرسلة. ثم إن الشافعية يدعون أنهم أبعد الناس عنها، وأقربهم إلى مراعاة الأصول، والنصوص، وقد أخذوا من المصلحة المرسلة أو في نصيب، وحظ، حتى لم يجاوز فيها.

стр. 4007

هذا إمام الحرمين: قيم مذهبهم، وصاحب (نهاية مطلبهم) , واضع كتابه (الغياثي) ضمنه أمورًا من المصالح المرسلة التي لم نجد لها في الشرع أصلاً يشهد بخصوصها، بل بجنسها، وهذا هو المصلحة المرسلة. فمن ذلك: أنه قال: إذا ضاق بيت المال يجوز أن يجعل على الزرع، والثمار مال دار مستقر، يجبي على الدوام، يستعين به الإمام على حماية الإسلام من غير أن يتوسع فيه، ببنائه القصور، والزخارف، والشهوات. وهذا ليس له أصل في الشرع؛ بل النصوص دالة على نفيه، كقوله ﵇: (لا يحل مال امرئٍ مسلمٍ إلا عن طيب نفسٍ منه)، (ولا ضرر، ولا ضرار)، وغير ذلك. وقال ﵇: (ليس في المال حق سوى الزكاة).

стр. 4008

وقد ترك هذه الأصول كلها؛ لأجل هذه المناسبة التي لم يتقدم في الإسلام اعتبارها. وقال: (قد يستعين الإمام بمال أهل الفسوق والعدوان في بعض الأحوال؛ ليكون ذلك نفعًا للمسلمين، وردعًا للفاسقين إذا دعت الحاجة إليه). وقال: (يجوز إقامة إمام ليس بقرشي عند تعذر القرشي، وليس في هذا نص، بل هو على خلاف قوله ﵇: (الأئمة من قريشٍ). وقال: (وإذا ولينا غير قرشي، ثم وجدنا قرشيا، أو نشأ قرشي

стр. 4009

صالح، فإن أمكن عزل الأول عزلناه؛ ليعطي الأمر أهله، وإن تعذر لامتناعه تركناه إمامًا، وأعرضنا عن القرشي، وينفذ من إحكامه ما ينفذ من أحكام القرشي. وقال: وكذلك إذا تعذر المجتهد أقيم من ليس بمجتهد، وينفذ من أحكامه ما ينفذه من أحكام المجتهدين. قال: وإذا لم نجد إلا فاسقًا متبعًا للشهوات، وأنواع الفسوق، واللذات، فإن أمنا عائلته على الإسلام، وليناه الإمامة الكبرى، وإلا فلا، وإذا وليناه مكناه من شهوته؛ لأن مفسدة بقاء المسلمين بغير راعٍ أعظم من مفسدة شهوته. وإذا تعارض قرشي غير كافٍ، وغير قرشي كافٍ، قدم الكافي، ثم فرع في (الغياثي) على هذا الباب أشياء كثيرة جدا، لم توجد للمالكية، ولو سئلوا عنها ما جسروا على كثير منها. وكذلك فعل المارودي في (الأحكام السلطانية) وكف ولاية المظالم، وجعل ولايتها مخالفة لولاية القضاء، والإمامة، والوزارة، والحسبة، ونوع ولاية الوزارة إلى أنواع: وزارة التفويض، وزارة التنفيذ، وجعل لكل ولاية شروطًا تخالف الأخرى، وأباح في ولاية المظالم ما لم يبحه للقضاة، والأئمة، من الأخذ بالتهم، والتعزير بالعقوبات، عند نظر الأمارات، وتوسع في هذا الباب وسعات كبيرة لم يوجد للمالكية منها إلا اليسير جدا. وكل هذه التفاريع، غير أنها مصلحة شهد الشرع باعتبار جنسها فقط، ولا نعني بالمصلحة المرسلة إلا ذلك. فلو قيل للشافعية: هم أهل المصالح المرسلة، دون غيرهم، لكان ذلك هو الصواب، والإنصاف. ************************

стр. 4010

المسألة العاشرة الاستدلال بعدم ما يدل على الحكم؛ على عدم الحكم - طريقة عول عليها بعض الفقهاء . وتحريره: أن الحكم الشرعي لابد له من دليل، والدليل إما نص، أو، إجماع أو قياس، ولم يوجد واحد من هذه الثلاثة؛ فوجب ألا يثبت الحكم. إنما قلنا: (إن الحكم الشرعي لابد له من دليل) لأن الله - تعالى - لو أمرنا بشيءٍ، ولم يضع عليه دليلا، لكان ذلك تكليف ما لا يطاق؛ وإنه غير جائزٍ. وإنما قلنا: (إن الدليل: إما نص، أو إجماع، أو قياس) لثلاثة أوجه: أحدها: قصة معاذ؛ فإنها تدل على انحصار الأدلة في الكتاب، والسنة، والقياس، زدنا فيه الإجماع بدليلٍ منفصلٍ؛ فيبقي الباقي على الأصل. وثانيها: أن الأدلة الدالة على الأحكام كانت معدومة في الأزل، وقد بينا أن الأصل في كل أصلٍ تحقق بقاؤه على ما كان، فهذا الدليل يقتضي ألا يوجد شيء من أدلة الأحكام، ترك العمل به في النص، والإجماع، والقياس؛ فوجب أن يبقي فيما عدا هذه الثلاثة على الأصل. وثالثها: أنه لو حصل نوع آخر من الأدلة، لكان ذلك من الأمور العظام؛ لأن ما يجب الرجوع إليه في الشرع، نفيًا، وإثباتًا في الوقائع الحاضرة، والمستقبلة - لا شك أنه من الأمور العظام، فلو كان ذلك موجودًا، لوجب اشتهاره، ولو كان كذلك، لعرفناه بعد البحث والطلب؛ فلما لم نجد شيئًا آخر، سوى هذه الثلاثة - علمنا الانحصار، وإنما قلنا: (إنه لم يوجد واحًد من هذه الثلاثة) لما سنبينه.

стр. 4011

أما النص؛ فلوجهين: أحدهما: أنا اجتهدنا في الطلب، فما وجدنا، وهذا القدر عذر في حق المجتهد بالإجماع؛ فوجب أن يكون عذرًا في حق المناظر؛ لأنه لا معنى للمناظرة إلا بيان ما لأجله قال بالحكم. وثانيهما: أنه لو وجد في المسألة نص، لعرفه المجتهدون ظاهرًا، ولو عرفوه، لما حكموا على خلافه ظاهرًا؛ فحيث حكموا على خلافه، علمنا عدمه. أما الإجماع: فهو منفي؛ لأن المسألة خلافية، ولا إجماع مع الخلاف. وأما القياس: فمنفي لوجهين: أحدهما: أن القياس لابد فيه من أصلٍ، والأصل هو الصورة الفلانية، والفارق الفلاني موجود، ومع الفارق لا يمكن القياس؛ أقصى ما في الباب أن يقال: لم لا يجوز القياس على صورةٍ أخرى؟ ز فنقول: لأنا بعد الطلب لم نجد شيئًا يمكن القياس عليه، إلا هذه الصورة، وهذا القدر عذر في حق المجتهد؛ فوجب أن يكون عذرًا في حق المناظر؛ على ما بيناه. وثانيهما: أن سائر الأصول كانت معدومة؛ فوجب بقاؤها، على العدم؛ تمسكًا بالاستصحاب؛ فهذا تمام تقرير هذه الدلالة. واعلم أن كل مقدمةٍ لا يمكن تمشية الدليل إلا بها، فلو كانت تلك المقدمة مستقلة بالإنتاج، كان التمسك بها في أول الأمر أولى. ورأينا أن هذه الدلالة لا يمكن تمشيتها إلا بإحدى مقدمتين: إحداهما: أن عدم الوجدان بعد الطلب يدل على عدم الوجود.

стр. 4012

وثانيهما: أن الأمر الفلاني كان معدومًا؛ فيحصل الان ظن بقائه على العدم. وهاتان المقدمتان، لو صحتا، لكانتا مستقلتين بإنتاج المطلوب؛ فإنه يقال في أول المسألة: (الحكم الشرعي لابد له من دليلٍ، ولم يوجد الدليل؛ لأني اجتهدت في الطلب، وما وجدته؛ وذلك يدل على عدم الوجود) أو يقال: (ولم يوجد الدليل؛ لأن هذه الدلائل كانت معدومة في الأزل، والأصل في كل معدومٍ بقاؤه على عدمه). وإذا ثبت هذا، فقد حصل ظن عدم الدليل؛ فيتولد منه القطع بأنه لو وجد الحكم، لوجد الدليل، مع ظن أنه لم يوجد ظن عدم الحكم؛ والعمل بالظن واجب. فتقرير هذه الدلالة على هذا الوجه أقل مقدماتٍ، وأشد تلخيصا؛ فكان إيرادها على هذا الوجه أولى. فإن قيل: قوله: (الدليل: إما نص، أو إجماع، أو قياس: قلنا: هذا لا يتم على قولك؛ لأنك ذكرت هذه العبارة دليلاً في هذه المسألة الشرعية؛ وإنها ليست بنص، ولا إجماعٍ، ولا قياسٍ؛ وعند هذا: يلزم أحد محذورين؛ وهو: أنه إما ألا يكون هذا الكلام دليلاً في المسألة؛ حتى يتم الحصر، أو يبطل الحصر؛ حتى يتم هذا دليلاً في المسألة: فإن قلت: الكلام عليه من وجهين: أحدهما: أني أقول: (دليل الحكم الشرعي: إما نص، أو إجماع، أو قياس، ومدلول دليلي انتفاء الصحة؛ فإن هذا الانتفاء كان حاصلاً قبل الشرع،

стр. 4013

فالإخبار عنه يكون إخبارًا عن أمرٍ لا تتوقف معرفته على الشرع؛ فلا يكون شرعيًا. وثانيهما: أني لا أنفي الصحة إلا بالإجماع؛ لأن الإجماع منعقد على أنه متى لم يوجد شيء من هذه الأشياء، وجب نفي الحكم؛ فيكون الدليل في الحقيقة هو الإجماع): قلت: أما الجواب عن الأول: فهو أنه لما ثبت انتفاء الصحة، لزم ثبوت البطلان، ضرورة تعذر القول بالوقف؛ فيكون كلامك دليلا على البطلان بواسطة دلالته على انتفاء الصحة؛ فيكون دليلاً على حكمٍ شرعي؛ فيعود المحذور المذكور. وعن الثاني: أن الإجماع لم يدل على عدم الصحة ابتداء؛ بل دل على أنه مهما عدم النص، والإجماع، والقياس، لزم عدم الحكم؛ فيكون الإجماع دليلا على أن عدم هذه الثلاثة دليل على عدم الحكم، وعدم هذه الثلاثة مغاير لهذه الثلاثة؛ فيعود الكلام المتقدم. السؤال الثاني: أنك جعلت عدم الثبوت دليل العدم؛ فهل تجعل عدم دليل العدم دليل الثبوت، أم لا؟!. فإن لم يقل به، فقد ناقض؛ لأن نسبة دليل الثبوت إلى الثبوت؛ كنسبة دليل العدم إلى العدم!! فإن لزم من عدم دليل الثبوت عدم الثبوت - لزم من عدم دليل العدم عدم العدم. وإن لم يلزم هاهنا، لم يلزم هناك أيضًا؛ إذ لا فرق بينهما في العقل، وإن اعترف بذلك، لزم المحذور من وجهين:

стр. 4014

أحدهما: أن عدم دليل العدم دليل على عدم العدم، وعدم العدم وجود؛ فعدم دليل العدم دليل على الوجود؛ فقد حصل سوى النص، والإجماع، والقياس - دليل آخر على الوجود؛ فيبطل حصرهم. والثاني وهو: أنه إذا كان عدم دليل العدم دليلاً على الوجود؛ لم يلزم انتفاء الوجود إلا ببيان عدم دليل العدم، وعدم العدم وجود: فإذن: لا يلزم انتفاء الوجود إلا بوجود دليل العدم؛ لكنك لو ذكرت دليل العدم، لاستغنيت عما ذكرت من الدلالة. السؤال الثالث: أنك لو اقتصرت في نفي النص على عدم الوجدان، فهذا الطريق إن صح، وجب الاكتفاء به في نفي القياس؛ لأنه حاصل فيه، وإن لم يصح، لم يجز التعويل عليه في هذا المقام. فإن قلت: (إنما تعرضت لنفي قياسٍ معينٍ؛ لأن المخالف يعتقده قياسًا ودليلاً، وليس في النصوص ما يعتقده دليلاً): قلت: المخالف كما يعتقد في قياسٍ كونه حجة له، فكذلك قد يعتقد في بعض النصوص كونه حجةً له؛ فكان يلزم التعرض للأمرين. السؤال الرابع: لم قلت: إنه لما وجد الفرق بين الصورتين، تعذر القياس، وذلك لأن الفرق إنما يكون قادحا، لو لم يجز تعليل الحكم الواحد بعلتين، فأما إذا كان جائزًا، احتمل كون الحكم في الأصل معللاً بالوصف الذي تعدي إلى الفرع، وبالوصف الذي لم يتعد غليه معًا؛ فلا يكون ذلك قادحًا في القياس. السؤال الخامس: أن هذا النظم لا ينفك عن القلب؛ فإن المستدل إذا قال مثلاً في بيع الغائب: (لا نص، ولا إجماع، ولا قياس في صحته؛ فوجب ألا تثبت صحته):

стр. 4015

فيقال: وتحريم أخذ المبيع من البائع بعد جريان هذا البيع على المشتري، أو تحريم أخذ الثمن من المشتري على البائع - حكم شرعي؛ فلا يثبت إلا بنص، أو إجماعٍ، أو قياسٍ، ولم يوجد ذلك؛ فوجب ألا يثبت): والجواب: هذه الدلالة لا تتم إلا مع التمسك بأن الأصل في كل ثابت بقاؤه على ما كان، وأنه إنما يجوز العدول عن هذا الأصل، إذا وجد دليل يوجب العدول عنه، وذلك الدليل لا يكون إلا نصا، أو إجماعًا، أو قياسًا. وعلى هذا: يسقط السؤال؛ وذلك لأنا نقول مثلاً في مسألة بيع الغائب: ٠لا شك أن قبل جريان هذا البيع، كان المبيع ملكًا للبائع، والأصل في كل ثابت بقاؤه على ما كان، إلا أنا نترك التمسك بهذا الأصل عند وجود نص، أو إجماع، أو قياس يدل على خلافه، ولم يوجد واحد من هذه الثلاثة؛ فلم يوجد ما يوجب العدول عن التمسك بذلك الأصل، وإذا كان كذلك، وجب الحكم ببقائه على ما كان. وحاصل الكلام: أني إنما ادعيت الحصر فيما يدل على تغيير الحكم عن مقتضى الأصل، والحكم الذي أنتجته من هذا الدليل ليس من باب تغير الحكم، بل هو من باب إبقاء ما كان على ما كان؛ فلم يكن إدعاء الحصر في تلك الصورة قادحًا في صحة هذه الدلالة. وإذا عرفت هذا، فالعبارة الصحيحة عن هذا الدليل: أن يقال: حكم الشرع إبقاء ما كان على ما كان، إلا إذا وجدت دلالة شرعية مغيرة، والدلالة المغيرة: إما نص، أو إجماع، أو قياس، ولم يوجد واحد من هذه الثلاثة، فلم توجد الدلالة المغيرة؛ فوجب بقاؤه على ما كان.

стр. 4016

فإن قلت: (التمسك باستصحاب الأصل كافٍ فأي حاجةٍ إلى هذا التطويل؟): قلت: المناظر تلو المجتهد، ومعلوم أن المجتهد لا يجوز له التمسك باستصحاب حكم الأصل، إلا إذا بحث واجتهد في طلب هذه الأدلة المغيرة. فإذا لم يجد في الواقعة شيئًا منها، حل له فيما بينه وبين الله تعالى: أن يحكم بمقتضى الاستصحاب، فأما قبل البحث عن وجود هذه الدلائل المغيرة، فلا يجوز له التمسك بالاستصحاب أصلاً، فلما ثبت أن الأمر في المجتهد كذلك، وجب أن يكون في حق المناظر كذلك؛ لأنه لا معنى للمناظرة المشروعة إلا بيان وجه الاجتهاد. وأما الجواب عن السؤال الثاني فهو: أن الاستدلال بعدم المثبت أولى من الاستدلال بعدم النافي على الوجود؛ وبيانه من وجوهٍ: أحدها: أنا لو استدللنا بعدم المثبت على العدم، لزمنا عدم مالا نهاية له؛ وذلك غير ممتنعٍ، أما لو استدللنا بعدم النافي على الوجود، لزمنا إثبات ما لا نهاية له؛ وهو محال. وثانيها: أنا نستدل بعدم ظهور المعجز على يد الإنسان، على أنه ليس بنبي، ولا نستدل بعدم ما يدل على أنه ليس برسولٍ، على كونه رسولاً. وثالثها: أنه لا يقال: (إن فلانًا ما نهاني عن التصرف في ماله؛ فأكون مأذونًا في التصرف) ويقال: (إنه لم يأذن لي في التصرف في ماله؛ فأكون ممنوعًا). ورابعها: أن دليل كل شيءٍ على حسب ما يليق به؛ فدليل العدم العدم، ودليل الوجود الوجود.

стр. 4017

سلمنا أنه ليس أحد الطريقين أولى من الآخر؛ لكن ذلك يقتضي أن يتعارضا، ويتساقطا؛ وحينئذٍ: يبقي مقتضى الأصل، وهو بقاء ما كان على ما كان. وأما السؤال الثالث: فليس سؤالاً علميا، بل هو شيء يتعلق بالوضع، والاصطلاح؛ فلا يليق الخوض في أمثاله في الكتب العلمية. وأما السؤال الرابع: فجوابه: أنا بينا في هذا الكتاب: أنه لا يجوز تعليل الحكم الواحد بعلتين مستنبطتين، وأن سؤال الفرق سؤال قادح. وأما السؤال الخامس: فساقط؛ لأنا لم نقل: إنه يلزم من عدم النص، والإجماع، والقياس - بقاء ما كان على ما كان، إلا بعد أن بينا أن الأصل في الثابت بقاؤه على ما كان، فمعارضة الخصم إنما تلزم لو ثبت أن الأصل في الشيء ألا يبقي على ما كان؛ ولما كان ذلك باطلاً، كانت معارضته باطلة. المسألة العاشرة الاستدلال بعدم الدليل على عدم الحكم قال القرافي: قوله: (قصة معاذ تدل على انحصار الأدلة في الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس): قلنا: قوله: (اجتهد برأيي) أعم من القياس، فلا يثبت الحصر؛ لأن الاستدلال بالمصلحة المرسلة، وبعدم اللازم على عدم الملزوم، وبوجود الملزوم على وجود اللازم - ليس بقياس، وهو من الاجتهاد. وهذا هو السؤال على الوجه الثالث: أنه لو كان دليل آخر لاشتهر، فنقول: قد اشتهر، وهو هذا ونحوه.

стр. 4018

قوله: (لو دل دليل انتفاء الصحة): تقريره: أن مدلول هذا الدليل عدم صحة ما يصلح أن يكون دليلاً شرعيًا، وعدم الصحة من العدميات الأزلية. فيستصحب قوله: (كلامك دليل على البطلان بواسطة دلالته على انتفاء الصحة، فيكون دليلاً على حكم شرعي، فيعود المحذور): تقريره: أن النافي للصحة يستلزم البطلان والمنع، فيكون المعنى: أن الشرع يمنع من الاستدلال بغير هذه الثلاثة، والمنع حكم شرعي، استنفدته من هذه الدلالة المغايرة للنص، والإجماع، والقياس، فبطل الحصر به. ***********************

стр. 4019

المسألة الحادية عشرة في تقرير وجوهٍ من الأدلة التي يمكن التمسك بها في المسائل الفقهية اعلم أن الحكم الملتزم إثباته: إما أن يكون عدميا، أو وجوديا: فإن كان عدميا أمكن أن يذكر فيه عبارات: إحداها: أن يقال: هذا الحكم كان معدومًا، وذلك يقتضي ظن بقائه على العدم؛ والعمل بالظن واجب. إنما قلنا: (إنه كان معدومًا) لأن المحكوم عليه كان معدومًا في الأزل؛ فوجب ألا يكون الحكم ثابتًا في الأزل؛ لأن ثبوت الحكم من غير ثبوت المحكوم عليه عبث وسفه؛ وهو غير جائزٍ على الله تعالى. فإن قلت: (فهذا يقتضي أن يكون كلام الله تعالى حادثًا): قلت: لا نسلم؛ لأن المراد من الحكم كون الشخص مقولاً له: (إن لم تفعل هذا الفعل، في هذه الساعة، عاقبتك) ومن المعلوم بالضرورة أن هذا المعنى لم يكن متحققًا في الأزل، وأما بيان أنه لما كان معدومًا، حصل ظن تحقق ذلك العدم في كل زمانٍ - فلما بيناه في مسألة الاستصحاب. وثانيتها: أنه لو ثبت الحكم، لثبت بدلالةٍ أو أمارةٍ. والأول: باطل؛ لأن الأمة مجمعة على أنه ليس في المسائل الشرعية دلالة قاطعة.

стр. 4020

والثاني أيضًا: باطل؛ لن اتباع الأمارة ابتاع الظن؛ وهو غير جائزٍ؛ لقوله تعالى:﴾ إن الظن لا يغني من الحق شيئًا ﴿وقول على الله بما لا نعلم؛ وهو غير جائزٍ؛ لقوله تعالى:﴾ وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴿. وثالثتها: لو ثبت الحكم، لثبت: إما لمصلحةٍ، أو لا لمصلحةٍ: والثاني: عبث؛ والعبث غير جائزٍ على الحكيم. والأول لا يخلو: إما أن تكون المصلحة عائدةً إلى الله - تعالى - أو إلى العبد: والأول: محال؛ لامتناع النفع والضرر عليه تعالى. والثاني أيضًا: محال؛ لأن المصلحة لا معنى لها إلا اللذة، أو ما يكون وسيلة إليها، والمفسدة لا معنى لها إلا الألم، أو ما يكون وسيلة إليه، ولا لذة إلا والله تعالى قادر على تحصيلها ابتداًء؛ فيكون توسط شرع الحكم عبثًا؛ وكذا القول في المفسدة. فهذا الدليل ينفي شرع الحكم، ترك العمل به فيما توافقنا على وقوعه؛ فبقي في المختلف فيه على وفق الأصل. ورابعتها: أن هذه الصورة تفارق الصورة الفلانية التي ثبت الحكم فيها في وصف مناسب؛ فوجب أن تفارقها في هذا الحكم: بيان المفارقة في الوصف المناسب هو أنه وجد في الأصل ذلك الوصف الفلاني، وأنه مناسب ذلك، ويبين ذلك الحكم بطريقه. وبيان أن هذا القدر يمنع من المشاركة في الحكم: وذلك لأن هاتين الصورتين

стр. 4021

لو اشتركتا في الحكم، لكان: إما أن يكون الحكم الثابت في الصورتين معللاً بوصفٍ مشتركٍ بين الصورتين، أو لا يكون كذلك. فإن كان الأول: لزم إلغاء الوصف المناسب المعتبر الذي اختص الأصل به؛ وإنه غير جائزٍ. وإن كان الثاني: لزم تعليل الحكمين المتماثلين بعلتين مختلفتين؛ وهذا غير جائز؛ لأن إسناد أحد دينك الحكمين إلى علته: إن كان لذاته، أو للوازم ذاته، لزم في الحكم الذي يماثله إسناده أيضًا إلى تلك الماهية، لا إلى ماهية أخرى - وإن لم يكن لذاته، ولا للوازم ذاته، كان الحكم في نفسه غنيًا عن تلك العلة، والعني عن الشيء لا يكون مستندًا إليه؛ فوجب في ذلك الحكم ألا يكون مستندًا إلى تلك العلة، وقد فرضناه مستندًا إليها؛ هذا خلف. وخامستها: أن الحكم لو ثبت في هذه الصورة، لثبت في الصورة الفلانية؛ لأن بتقدير ثبوته في هذه الصورة كان ذلك لدفع حاجة المكلف، وتحصيل مصلحته؛ وهذا المعنى قائم هناك؛ فيلزم ثبوت الحكم هناك، فلما لم يوجد هناك، وجب ألا يوجد هاهنا. وسادستها: أن هذا الحكم كان منتفيًا من الأزل إلى الأبد؛ فكان منتفيًا في أوقات مقدرةٍ غير متناهيةٍ؛ فوجب أن يحصل ظن الانتفاء في هذه الأوقات؛ لأن الأوقات الغير متناهيةٍ أكثر من الأوقات المتناهية، والكثرة مظنة الظن؛ فوجب أن يكون الحكم في هذه الأوقات المتناهية مثل الحكم في تلك الأوقات الغير متناهية؛ وذلك يوجب النفي. وسابعتها: شرع هذا الحكم يفضي إلى الضرر، والضرر منفي بالنص؛ وإنما

стр. 4022

قلنا: (إنه يفضي إلى الضرر) لأنه إن فعل خلافه، استحق العقاب، وإن لم يفعل؛ بقى في صورة تارك المراد؛ فثبت كونه ضررًا؛ فوجب ألا يكون مشروعًا؛ لقوله ( ﷺ ): (لا ضرر، ولا ضرار). وثامنتها: لو ثبت هذا الحكم، لثبت بدليل؛ وإلا كان ذلك تكليف ما لا يطاق؛ وإنه غير جائزٍ، لكنه لا دليل؛ لأن ذلك الدليل إما أن يكون هو الله تعالى، أو غيره: والأول: باطل؛ وإلا لزم من قدم الله تعالى قدم الحكم؛ وإلا لزم النقيض؛ وهو خلاف الدليل، لكن قدم الحكم عبث، ولا جائز أن يكون غير الله تعالى؛ لأن ذلك الغير: إن كان قديمًا، عاد الكلام، وإن كان محدثًا، فقد كان معدومًا، والأصل بقاؤه على العدم. وأيضًا: فلأن شرط كونه دليلاً أن توجد ذاته، وأن يوجد له وصف كونه دليلاً؛ فإذن: كونه دليلاً مشروط بحدوث هذين الأمرين، ويكفي في ألا يكون دليلاً عدم أحدهما، والمتوقف على أمرين مرجوح بالنسبة إلى ما يتوقف على أمرٍ واحد؛ فإذن: كونه دليلاً مرجوح في الظن؛ فوجب ألا يكون دليلاً، وأما إن كان الحكم وجوديا فللطرق الكلية فيه وجوه: أحدها: أن المجتهد الفلاني قال به؛ فوجب أن يكون حقا؛ لقوله ( ﷺ ): (ظن المؤمن لا يخطئ). ترك العمل بهذا في ظن العوام؛ لأن ظنونهم لا تستند إلى وجهٍ صحيحٍ؛ فيبقي معمولاً به في حق ظن المجتهد. فإن قلت: (فقول المجتهد المثبت معارض بقول المجتهد النافي!!):

стр. 4023

قلت: قول المثبت أولى؛ لأن قول المثبت ناقل عن حكم العقل، وقد ذكرنا في باب التراجيح: أن الناقل أولى. وأيضًا: فالنافي يحتمل أنه إنما نفي؛ لأنه وجد له ظن النفي، ويحتمل أنه إنما نفي؛ لأنه لم يوجد له ظن الثبوت، وعدم وجود الظن لا يكون ظنا بخلاف المثبت؛ فإنه لا يمكنه الإثبات إلا عند وجود الثبوت؛ فإنه لو لم يوجد له هذا الظن؛ لكان مكلفًا بالبقاء على حكم العقل، وإذا كان كذلك، ثبت أن قول المثبت أولى من قول النافي. وثانيها: أن نقول: ثبت الحكم في الصورة الفلانية؛ فيجب ثبوته هاهنا. وبيانه بالآية، والخبر، والأثر، والمعقول: أما الآية: فمن وجهين: أحدهما: قوله تعالى:﴾ فاعتبروا ﴿، دلت الآية على الأمر بالمجاوزة، والاستدلال بثبوت الحكم في محل الوفاق، على ثبوته في محل الخلاف - مجاوزة؛ فكان داخلاً تحت الأمر. وثانيهما: قوله تعالى:﴾ إن الله يأمر بالعدل والإحسان ﴿والعدل هو: التسوية، فالله تعالى أمر بالتسوية، وهذا تسوية؛ فيكون داخلاً تحت الأمر. وأما الخبر: فهو أنه ﵊: (شبه القبلة بالمضمضة) في حكم شرعي؛ فوجب علينا أيضًا تشبيه الحكم بالحكم؛ لقوله تعالى:﴾ فاتبعوه ﴿وهذا الذي عملناه تشبيه صورةٍ بصورةٍ؛ فكان داخلاً تحت الأمر.

стр. 4024

وأما الأثر: فهو أن أبا بكر ﵁ (شبه العهد بالعقد) وأن عمر ﵁: أمر أبا موسى بالقياس؛ في قوله: (قس الأمور برأيك) وإذا ثبت أنهما فعلا ذلك، وجب علينا مثله؛ لقوله ﵊: (اقتدوا باللذين من بعدي؛ أبي بكرٍ وعمر). وأما المعقول: فهو: أن نعين محل الوفاق؛ فنقول: الحكم هناك إنما ثبت؛ لحاجته ومصلحته، وذلك المعني قائم هاهنا؛ فورود الشرع بالحكم هناك، يكون ورودًا به هاهنا. وثالثها: أجمعنا على أن حكمًا ما في علم الله تعالى ثبت، ولا شك أن ذلك الحكم إنما ثبت لمصلحةٍ، وهذا الحكم بتقدير الثبوت محصل لنوع مصحلةٍ؛ فلابد وأن يشتركا في قدرٍ مشتركٍ؛ فيعلل بالقدر المشترك؛ وذلك يقتضي ثبوت الحكم. ورابعها: أن هذا الحكم بتقدير الثبوت يتضمن تحصيل مصلحة المكلف، ودفع حاجته؛ فوجب أن يكون مشروعًا؛ لأن جهة كونه مصلحة جهة الدعاء إلى الشرعية، فلو خرجت عن الدعاء إلى الشرعية، لكان ذلك الخروج لمعارض؛ والأصل عدم المعارض. وخامسها: أن أحد المجتهدين قال بثبوت الحكم، والآخر قال بعدمه: فالثبوت أولى؛ لأن المسلمين أجمعوا على أنه إذا ورد خبران؛ أحدهما ناقل عن حكم العقل، والآخر مبقٍ له؛ فإن الناقل أولى؛ فكذا هاهنا. فإن قلت: (فالنفى بتقدير وروده بعد الثبوت يكون ناقلاً أيضًا):

стр. 4025

قلت: لكن على هذا التقدير: يتوالى نسخان، وبالتقدير الأول: لا يحصل إلا نسخ واحد؛ وتقليل النسخ أولى. واعلم أنا إنما جمعنا هذه الوجوه؛ لأن أكثر مناظرات أهل الزمان في الفقه دائرة على أمثال هذه الكلمات. ولما وصلنا إلى هذا الموضع، فلنقطع الكلام حامدين الله تعالى، ومصلين على أنبيائه ورسله، ونسأل الله حسن العاقبة والخاتمة، وأن يجعل ما كتبنا حجة لنا، لا علينا؛ إنه هو الغفور الرحيم، الجواد الكريم. المسألة الحادية عشرة في وجوهٍ من الأدلة قال القرافي: قوفه: (المحكوم عليه كان معدومًا في الأزل، فلا يكون الحكم ثابتًا في الأزل؛ لأن ثبوت الحكم صفة الله - تعالى - وكلامه النفسي القديم ، بل هو كثبوت العلم في الأزل بدون المعلوم، والله - تعالى - يطلب من عباده في الأزل على تقدير وجودهم - ووجوب أسباب التكليف، وشرائطه في العقل المكلف به، وليس في ذلك عبث. فإن قلت: انعقد الإجماع على أن الإنسان قبل بلوغه غير مكلف، وبعد البلوغ مكلف، والأسباب الموجبة للتكليف أيضًا حادثة. قلت: مسلم، ولا يقتضي ذلك حدوث الحكم؛ لأنه تعلق من الأزل بالشخص المعين في الحالة المعينة.

стр. 4026

ومقتضى هذا ألا يقال: الأصل عدم تعلق الحكم. فضلاً عن الحكم؛ لأن التعليق قديم أيضًا؛ لأن كما يستحيل علم بغير معلوم، يستحيل أمر بلا مأمور، وإباحة بغير مباح، وتحريم بغير محرم، فالكلام والتعليق قديمان، ولابد في هذا المقام من مراجعة ما تقدم أول الكتاب من أن الله - تعالى - لا يجب عليه خلق العالم، فبخلقه من الجائزات، فعلى تقدير عدم خلق العالم، لا يكون هنالك شرائع، ولا تكاليف ألبتة، فصار كون الأحكام من جملة الكلام النفسي أمرًا جائزًا عليه، لا واجبًا، وهذا الجائز لابد له من مرجح، وهو إرادة الله - تعالى - التي تعلقت بإيجاد العالم، وأنه إذا وجد يكون مكلفًا على الأوضاع المخصوصة. فينبغي أن يقول: الأصل عدم الحكم، وتعلقه بمعنى أن الأصل ألا يوجد العالم، وألا تتعلق به إرادة التكليف، ولا التكليف بالنظر إلى ذات الحكم، وذات العالم، لا بالنظر إلى تقدم علم سابق يستصحبه؛ فإن لم يتقدم في الأزل عدم الحكم ألبتة، بل هو بالنظر إلى ما يستحقه لذاته الحكم من عدم الاستحقاق. فعلى هذا الوجه يصح أن يقال: الأصل عدم الحكم، أما يعني أن هنالك عدمًا سابقًا، هو الأصل، فلا. قوله: (لا يثبت بالأمارة؛ لقوله تعالى:﴾ إن الظن لا يغني من الحق شيئًا ﴿). قلنا: النص عام في الظن، والحق مطلق فيما فيه يقع العباد؛ فإنه لم ينطق به، فنحن نحمله على قواعد العقائد؛ فإن الظن لا يغني فيها، وإذا عمل بالمطلق في صورة سقط الاستدلال به فيما عداها. قوله: (ثبوت الحكم لغير مصلحةٍ عبث غير جائز على الحكيم): قلنا: هذا لا يصح إلا على قاعدة المعتزلة في الحسن، والقبح.

стр. 4027

وأما على أصولنا، فلا يليق أن نقول إلا أنه على خلاف المعهود من عوائد الله - تعالى - في شرائعه؛ فإنها مصالح. أو نقول: أحكام الله - تعالى - لا تعلل، فلا عبث، إلا حيث يجب التعليل، ولذلك إن خلق العالم في الوقت المعين، لا مرجح له، ولم يكن عبثًا. قوله: (يستحيل عود المصلحة على الله تعالى): قلنا: عند المعتزلة مراعاة المصلحة من الحكمه، وصفات الكمال، وصفة الكمال عائدة على الله - تعالى -، فبهذا التفسير يمتنع عودها على الله تعالى. قوله: (يمكن إيصال المصلحة للعبد بدون هذه الوسائط): قلنا: من قواعدهم - أعني المعتزلة - أن الإحسان لغير المحسن محال، فلابد من هذه الوسائط؛ لأن المستحيل لا يتعلق به القدرة، ولا يكون الإنسان محسنًا حتى يؤمر؛ فيمتثل. وقيل: تعلق الأوامر لا إحسان، ولا إساءة. قوله: (إن لم يكن معللاً بوصف مشترك لزم تعليل الحكمين المتماثلين بعلتين مختلفتين): قلنا: لا نسلم، بل يجوز أن الفاروق علة تامة، والمشترك علة تامة، ويكون الحكم مضافًا لهما حيث اجتمعا، وإلى المشترك حيث افترقا، ولا يلزم إلغاء الوصف المناسب؛ لأجل اعتبار الفاروق مع المشترك. قوله: (إن أضيف الحكم لذات الوصف، لزم ذلك فيما لا يلازمه، وإن كان لا لذاته ولا للوازم ذاته كان غنيًا عنه عقلاً، فهو لا يليه عقلاً):

стр. 4028

قوله: (ظن المجتهد)، فيثبت لقوله ﵇: (ظن المؤمن لا يخطئ): قلنا: تقدم في (باب العموم) أن العام في أفراده مطلق في أحواله، وأزمانه وبقاعه، ومتعلقاته، فالحديث يقتضي أنه لا يخطئ في بعض الصور. ونحن نقول بموجبه؛ فإن بعض الظن يصيب قطعًا، ولا يلزم حصول المطلوب في محل النزاع. قوله: (الحكم - هناك - إنما ثبت لحاجةٍ، وذلك المعنى قائم هاهنا): قلنا: هذا ينقلب في الأصل المدعى، فتعين النفي في صورة، ونقول: إنما ورد النفي في تلك الصور لمصلحة هي قائمة هنا. وهذه وجوه جدلية أجراها الجدليون، وأهل صناعة الخلاف، والتحقيق يأباها، ولكن من بحث مع قوم ينبغي أن يبحث باصطلاحهم، ويسلم ما سلموه، ويمنع ما منعوه، ولا يخالفهم في قواعدهم، وإلا بقى قوله منكرًا من القول وزورًا. وإنما أوردت هذه الأسئلة على هذه الموضع؛ تنبيهًا على موضع التحقيق، وما يمكن أن يقال. (تنبيه) قال التبريزي: (الحكم الشرعي لابد له من دليل شرعي، وهو قول الشارع ، أو ما يقوم مقامه بنفسه، أو بدلالة الحال، فيدخل فيه الإجماع، والفعل، ومجمع ذلك يرجع للنقل، لكن النقل تارة يدل بالضرورة

стр. 4029

على ثبوت ما يلازمه، وانتفاء ما يعانده، والملازمة والمعاندة قد تكون باعتبار نفس الذات، أو باعتبار النظر إلى أمر خارج. والملازمه الذاتية: هي الملازمة بين الشيء وأجزاء ماهيته من الجنس، والفصل، وأعراضه، وتوابع وجوده الثابتة له من حيث هو ذلك الشيء، ويرجع ذلك إلى السبب، والشرط، ويدخل فيه الكل، والجملة، ودليل الحصر فيها وجوب ثبوت الحكم بتقدير استجماعهما لولا المعاند مع فرض عدم كل ما عداها، والتي هي بالنظر إلى أمر آخر هي التي لابد في جهة ملازمتها من توسط بعض اللوازم الذاتية، وإذا فهم هذا في طرف التلازم فهو في طرف التعاند. أعني: الفرق بينهما هو بالذات، وبين ما هو بالتوسط. ثم إذا كان النظم في ثبوت مثل حكم النقل في محل آخر، فلا يتصور ذلك إلا بثبوت ما هو مبناه في محل النقل فيه، وطريقة التفصيل للتوصل إلى معرفته عينًا، بما هو قيوده، وأوصافه، ثم معرفة وجوده في محل النظر. والإجمالي: أن بين إنما هو الفارق بين الصورتين، لا أثر له في الفرق في الحكم، فيلزم منه الاشتراك في المبني، ومن ضرورته الاشتراك في الحكم، وأن بين له لازم آخر من أثره أو غيره، فيلزم من اشتراكهما من ذلك اللازم اشتراكهما في المبني، إذا أثبت اللازم في الحكمين، وجودًا، وعدمًا، فمن ضرورية التنافي بين وجود أحدهما، ونفي الآخر. وعند هذا يفرع التصرف المعنوي، وينتقل إلى صيغ التحرير، فيمكن أن يرد إلى نمط القياس، وإلى نمط التلازم، وإلى نمط التعاند، ثم لكل واحد من هذه الأقسام صيغة مخصوصة، ومعنية مخصوص. فأما نمط القياس، فصيغته المصطلح عليها:

стр. 4030

قتل عمد محض عدوان، فيلزم القصاص، كالمحدد. وهو على وزانه. ومعناه المخصوص أن نقول: ما باعتباره ثبت الحكم في الأصل موجود هاهنا أو اشترك المحلان في المبني، فيشتركان في الحكم، أو ما يؤدي إلى هذا المعني. وأما نمط التلازم، فصيغته: لو ثبت في كذا لثبت في كذا، وقد ثبت في كذا، أعني المجعول لازمًا، أو ولم يثبت في كذا، فلا يثبت في كذا. ومعناه: أن نقول: لازم الانتفاء منتفٍ، فينبغي، أعني: الانتفاء. أو ملزوم الثبوت ثابت، فيثبت. أو الحكم ثمت مع الحكم - هاهنا- متلازمان، وقد ثبت أحدهما، فيثبت الآخر، وما في معناه. وأما نمط التعاند: فصيغته أن نقول: إما أن يثبت - هاهنا - أو ينتعي في الأصل، والثاني يمتنع؛ فيتغين الأول. فيعاند بين الأصل والثبوت هنا - ليلزم الثبوت فيهما، أو الانتفاء فيهما، ثم إذا كان أحدهما خلاف الإجماع تعين الآخر، وكذلك نقول: إما أن يثبت فيهما، أو ينتفي عنهما. والثاني: باطل، ويفيد هذا قولهم مطلقًا: إما أن يثبت، أو لا يثبت. ومعناه: أن نقول: الثبوت - هنا - والانتفاء - ثم - مما لا يجتمعان، أو يتنافيان، أو الانتفاء - هنا - ينافي الثبوت ثم أولا يجامعه إلى غير ذلك مما يؤدي لهذا المعني، ثم نقول: وأحد المتنافين ثابت، فيلزم منه: انتفاء التالي. ثم يعد ذلك يتفاوت النظار في حسن التلفظ في تخفيف مؤنه التقرير
следующие страницы →