← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

وثانيها: أن نشبههم بالنجوم يقتضى عدم الاختصاص بالعامي، بل الاستدلال أولى؛ لأن العامي ليس له أهلية الاستدلال بالنجوم. وثالثها: أن اهتداء العوم بالاقتداء ليس خاصا بالصحابة؛ بل عام في العلماء إلى أن تقوم الساعة. (فائدة) قال سيف الدين: (اتفقوا على أن مذهب الصحابي -في مسائل الاجتهاد -لا يكون حجة على غيره من الصحابة المجتهدين ، إماما كان أو حاكمًا، أو مفتيًا. واختلفوا في كونه حجة على التابعين، ومن بعدهم من المجتهدين، فقالت الأشاعرة، والمعتزلة، والشافعي -في أحد قوليه -وأحمد بن حنبل -في أحد قوليه، والكرخى: إنه ليس بحجة. وقال مالك بن أنس، والرازي، والبردعى من الحنفية، والشافعي، وأحمد في أحد قوليهما: إنه حجة مقدمة على القياس. (فائدة) قال الشيخ موفق الدين الحنبلي في كتاب (الروضة): (إذا اختلف الصحابة على قولين، لم يجز للمجتهد الأخذ بقول بعضهم من غير دليل ، وجوزه بعض الحنفية، وبعض المتكلمين، ما لم ينكر على القائل قوله؛ لأن اختلافهم إجماع يسوغ الخلاف، والأخذ بول كل واحد من القولين، وهو باطل؛ لأن اختلافهم لا يزيد على تعارض الكتاب، والسنة، ولا يعمل في ذلك بغير دليل، وطلب الترجيح).

стр. 3957

وقال العالمي الحنفي في كتابه: (قول الصحابي إن انتشر، ولم يظهر له مخالف، فهو إجماع على ما تقدم في الإجماع). وإن عرف له مخالف لا يكون حجة؛ لأن القول الآخر يناقضه، وإن قال قولاً، ولم ينتشر، ولم يعرف له مخالف، ليس من أهل العلم، والاجتهاد لا يكون قوله حجة، وإن كان من أهل الاجتهاد، وهو حكم لا يدرك بالقياس؛ فهو حجة وإن كان يدرك بالقياس، فقال أبو الحسين الكرخى، وجماعة من أصحابنا: لا يكون حجة. وقال بعض مشايخنا: هو حجة. * * *

стр. 3958

المسألة الخامسة قال الرازي: اختلفوا في أنه، هل يجوز أن يقول الله تعالى للنبي ﷺ أو للعالم: (احكم، فإنك لا تحكم إلا بالصواب ؟): فقطع بوقوعه مويس بن عمران. وقطع جمهور المعتزلة بامتناعه، وتوقف الشافعي ﵁ في امتناعه وجوازه، وهو المختار؛ وصحة هذا التوقف لا تظهر إلا بالاعتراض على أدلة القاطعين. أما المانعون: فقد تعلقوا تارة بما يدل على امتناع وقوعه، وأخرى بما يدل على عدم وقوعه. أما الوجه الأول: فتقريره: أن من أجاز هذا التكليف: إما أن يجعل الاختيار مما تتم به المصلحة، أو يجعل الفعل مصلحة في نفسه، ثم يختاره المكلف. والأول باطل؛ لوجهين: أحدهما: أن على هذا التقدير: يسقط التكليف؛ لأن المكلف، متى قال: (إن اخترته، فافعله، وإن لم تختره، فلا تفعله) فهذا محض إباحةٍ. وثانيهما: أن المكلف لا ينفك عن الفعل والترك، ولا يجوز تكليف المرء بما لا يمكنه الانفكاك عنه؛ بخلاف التخيير في الكفارات الثلاث؛ فإنه يمكنه الانفكاك عنها أجمع. وأما الثاني: فهو باطل من وجوهٍ أربعةٍ:

стр. 3959

أولها: أنه إما أن يجوز له الحكم على هذا الوجه في الحوادث الكثيرة، أو في الحادثة والحادثتين: والأول: محال؛ لأنه يمتنع حصول الإصابة بالاتفاق في الأشياء الكثيرة؛ ولهذا لا يجوز أن يقال للأمي: (اكتب مصحفًا، فإنك لا تخط بيمينك إلا ما يطابق ترتيب القرآن) وللجاهل: (أخبر؛ فإنك لا تخبر إلا بالصدق) ولولا ما ذكرناه، لبطلت دلالة الفعل المحكم على علم فاعله، وبطلت دلالة أخبار الغيب على النبوة. وأما الوجه الثاني؛ وهو أن يجوز ذلك في القليل، دون الكثير: فهو باطل؛ لأن كل من جوزه في القليل، جوزه في الكثير، ومن منع منه في الكثير، منع منه في القليل؛ فالقول بالفرق خرق للإجماع. وثانيها: وهو أنه إنما يحسن القصد إلى الفعل، إذا علم، أو ظن كونه حسنا؛ فلابد وأن يتميز له الحسن من القبح قبل الإقدام على الفعل، فإذا لم تتقدم هذه الأمارة المميزة، كان التكليف باختيار الحسن دون القبيح، تكليفًا بما لا يطاق. فإن قلت: (إنما يميز بين الحسن والقبيح) بأن يقال له: (قد علمنا بأنك لا تختار شيئًا إلا وهو حسن): قلت: فهذا يقتضي أنه إنما يعلم حسنه بعد فعله له، وهو إذا فعله، زال التكليف عنه. فالحاصل: أن التمييز بين الحسن والقبيح لابد وأن يكون متقدمًا على الاختيار؛ وإلا وقع التكليف بما لا يطاق.

стр. 3960

وإذا قال الله تعالى: (إنك لا تحكم إلا بالصواب): فهاهنا التمييز بين الحسن والقبيح لا يحصل إلا بعد الفعل، والشيء الذي يجب أن يكون متقدمًا، ليس هو الذي يجب أن يكون متأخرًا. وثالثها: لو جاز أن يقول له: (احكم؛ فإنك لا تحكم إلا بالصواب) لجاز أن يكلفه تصديق النبي، وتكذيب المتنبي، من غير دليل ألبتة، بل يكله فيه على رأيه، ولجاز ذلك في الإخبار؛ فيقول: (أخبر؛ فإنك لا تخبر إلا عن حق) ولجاز أن يصيب في مسائل الأصول من غير تعلم ألبتة، ولجاز أن يفوض إليه تبليغ أحكام الله تعالى من غير وحي نزل عليه، وكل ذلك باطل بالإجماع. ورابعها: لو جاز ذلك في حق العالم، لجاز في حق العامي؛ وبالإجماع لا يجوز. أما الذي يدل على عدم الوقوع: فأمران: الأول: لو كان الرسول ﷺ مأمورًا بأن يحكم على وفق إرادته من غير دليلٍ، لما كان منهيا عن اتباع هواه؛ لأنه لا معنى لاتباع الهوى إلا الحكم بكل ما يميل قلبه إليه؛ لكنه كان منهيًا عن اتباع الهوى؛ لقوله تعالى:﴾ ولا تتبع الهوى ﴿﴾ وما ينطق عن الهوى ﴿. فإن قلت: لما قيل له: (احكم؛ فإنك لا تحكم إلا بالصواب) كان ذلك نصا من الله تعالى على حقية كل ما يميل قلبه إليه؛ فلا يكون ذلك اتباعًا للهوى). قلت: فعلى هذا التقدير: صار اتباع الهوى في حقه غير ممكنٍ، ولو كان كذلك؛ فلم نهي عنه؟. الثاني: لو قيل له: (احكم؛ فإنك لا تحكم إلا بالصواب) لما قيل له: (لم

стр. 3961

فعلت كذا؟) لكن قد قيل له:﴾ عفا الله عنك لم أذنت لهم ﴿فلم يثبت ذلك في حقه. وأما مويس: فإنه تعلق بأمورٍ: بعضها يدل على الوقوع، وبعضها يدل على الجواز فقط: أما الدال على الوقوع: فإما أن يدل على وقوع ذلك من رسول الله ﷺ أو على وقوعه من غيره: أما الأول: فقد ذكر مويس فيه عشرة أوجهٍ: أحدها: أن منادي النبي ﵊ نادي يوم فتح مكة (أن اقتلوا مقيس بن حبابة، وابن أبي سرحٍ، وإن وجدتموهما متعلقين بأستار الكعبة) لقوله: (من تعلق بأستار الكعبة، فهو آمن). ثم عفا عن ابن أبي سرحٍ بشفاعة عثمان ﵁ ولو كان الله تعالى أمر بقتله، لما قبل شفاعة أحد فيه إلا بوحيٍ آخر، ولم يوجد وحي آخر؛ لما أن نزول الوحي له علامات كانوا يعرفونها، وما ظهر في ذلك الوقت شيء من ذلك. وثانيها: أنه قام يوم الفتح: (إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، لا يختلي خلاها، ولا يعضد شجرها) فقال العباس: (يا رسول الله، إلا الإذخر، فقال: إلا الإذخر) فهذا الحكم ما كان بالوحي؛ لأنه لم تظهر علامة نزول الوحي. وثالثها: أنه ﵊ نادى مناديه: (لا هجرة بعد الفتح) حتى استفاض ذلك، فبينما المسلمون كذلك، إذا أقبل مجاشع بن مسعود

стр. 3962

بالعباس بن عبد المطلب شفيعًا؛ ليجعله مهاجرًا بعد الفتح، فقال ﵊: (اشفع عمي؛ ولا هجرة بعد الفتح). ورابعها: أنه لما قتل النضر بن الحارث، جاءته قتيلة بنت النضر، فأنشدته: (الكامل): أمحمد، ولأنت ضنء نجيبةٍ ..... في قومها والفحل فحل معرق ما كان ضرك لو مننت وربما .... من الفتي، وهو المغيظ المحنق فقال ﵊: (أما إني لو كنت سمعت شعرها، ما قتلته) ولو كان قتله بأمر الله، لقتله، ولو سمع شعرها ألف مرةٍ. وخامسها: قوله: (عفوت لكم عن الخيل والرقيق). وسادسها: قوله ﵊: (أيها الناس، كتب عليكم الحج) فقال الأقرع بن حابسٍ: (أكل عامٍ، يا رسول الله) يقول ذلك ورسول الله ﷺ ساكت، فلما أعاد ذلك، قال: (والذي نفسي بيده، لو قلتها، لوجبت، ولو وجبت، ما قمتم بها، دعوني ما ودعتكم). وسابعها: أن ابن عباس ﵄ قال: (أخر رسول الله ﷺ العشاء ذات ليلة، فخرج ورأسه يقطر، فقال: (لولا أن أشق على أمتي لجعلت وقت هذه الصلاة هذا الحين). وثامنها: روى جابر عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن عشت - إن شاء الله - لأنهين أمتي أن يسموا نافعًا، وأفلح وبركة)، وهذا الكلام يدل على أنه له.

стр. 3963

وتاسعها: قال جابر: لما قيل لرسول الله ﷺ : أن ماعزًا رجم، فقال: (هلا تركتموه؛ حتى أنظر في أمره) فلو لم يكن حكم الرجم إليه، لما قال ذلك. وعاشرها: قوله ﵊: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، وعن لحوم الأضاحي، ألا فانتفعوا بها). وأما الذي يدل على وقوع ذلك من غير رسول الله ﷺ : فقوله تعالى:﴾ كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ﴿. وأما الذي يدل على الجواز فقط: فأمور: أحدها: أن الواجب من خصال الكفارة ليس إلا الواحد بالدلائل التي تقدم ذكرها في مسألة الواجب المخير، ثم أنه تعالى فوضها إلى المكلف، لما علم أنه لا يختار إلا ذلك الواجب؛ فدل على أن ذلك جائز. وثانيها: أن الواجب في التكليف أن يكون المكلف متمكنًا من الخروج عن العهدة، فإذا قال الله تعالى له: (احكم؛ فإنك لا تنفك عن الصواب) علم أن كل ما يصدر عنه صواب؛ فكان متمكنًا من الخروج عن العهدة؛ فوجب القطع بجوازه. وثالثها: إذا استوي عند المستفتي مفتيان، وأحدهما يفتي بالحظر، والآخر بالإباحة - فهو متمكن شرعًا من الأخذ بقول أيهما أراد، ولا فرق في العقل بين أن يقال: (افعل ما شئت؛ فإنك لا تفعل إلا الصواب) وبين أن يقال: (خذ بقول أيهما شئت؛ فإنك لا تفعل إلا الصواب).

стр. 3964

والجواب عن أدلة المانعين: أن نقول: أما الوجه الذي تمسكوا به أولاً في امتناع ذلك عقلاً؛ فهو مبني على أن أحكام الله تعالى متفرعة على رعاية المصالح، ونحن لا نقول بهذا الأصل؛ فتلك الوجوه بأسرها ساقطة عنا، ثم إنا نسلم لهم هذا الأصل، ونبين ضعف كل واحد من تلك الوجوه: أما قوله أولاً: (من أجاز هذا التكليف: إما أن يجعل الاختيار مما تتم به المصلحة، أو يجعل الفعل مصلحة في نفسه، ثم يختاره المكلف): قلنا: اخترنا القسم الأول. قوله: (هذا يكون إسقاطًا للتكليف): قلنا: لا نسلم؛ وذلك لأنه قال للرسول: إن اخترت الفعل، فاحكم على الأمة بالفعل؛ وإن اخترت الترك، فاحكم على الأمة بالترك، فهذا لا يكون إسقاطًا للتكليف، بل يكون مكلفًا بأن يأمر الخلق بمتعلق اختياره. قوله: (الفعل والترك لا ينفك المكلف عنهما): قلنا: لكن الحكم على الخلق بالفعل، والحكم عليهم بالترك - قد ينفك عنهما؛ فلم لا يجوز ورود التكليف به؟ ثم يشكل ما ذكروه بالمستفتى، إذا أفتاه مفتيان: أحدهما بالحظر، والآخر بالإباحة: فكل ما يقولونه هناك، فهو قولنا هاهنا. سلمنا فساد هذا القسم؛ فلم لا يجوز القسم الثاني؟. قوله: (إما أن يكون مأمورًا بذلك في الأفعال الكثيرة، أو القليلة. قلنا: لم لا يجوز في الكثيرة؟. قوله: (الاتفاقي لا يكون أكثريا):

стр. 3965

قلنا: لا نسلم؛ فإن حكم الشيء حكم مثله عقلاً، وشرعًا، وعرفًا، فلما جاز ذلك في الأفعال القليلة، جاز في الأفعال الكثيرة أيضًا، فإن لم يفد هذا الكلام القطع بالجواز، فلا أقل من ألا يحصل معه القطع البديهي بالامتناع. وأما الأمثلة التي ذكروها: فنقول: إن كان الحال فيها، كما هنا - احتاج الفرق بين القليل والكثير إلى دليل؛ وإلا فيمتنع القياس؛ على أنا قد بينا في هذا الكتاب: أن القياس لا يفيد اليقين ألبتة. سلمنا أن الاتفاقي لا يدوم؛ ولكن إذا كان الاتفاقي ببعض الجهات معلوم السبب بسائر الجهات، أو إذا لم يكن؟!. الأول ممنوع، والثاني مسلم: بيانه: أن من الجائز أن يعلم الله تعالى: أن أكل الطعام الحلو في هذه السنة مصلحة للمكلفين، ويعلم أنهم خلقوا على وجهٍ لا يشتهون إلا الطعام الحلو، فإذا كان تناول الطعام الحلو مصلحًة طول عمره، لم يكن جهله بكون الفعل مصلحة - مانعًا له في هذه الصورة من الإقدام عليه في أكثر أوقاته. سلمنا تعذر ذلك في الكثير؛ فلم لا يجوز في القليل؟ والإجماع الذي ذكروه ممنوع. أما قوله ثانيًا: (التمييز بين الحسن والقبيح لابد وأن يتقدم على الفعل): قلنا: لا نسلم. وبيانه: بالوجهين المذكورين في الجواب عن الوجه الأول. سلمنا ذلك؛ ولكنه حاصل هاهنا لأن الغرض أن يأمن المكلف من أن يفعل

стр. 3966

قبيحًا أو مفسدًة يستحق به الذم، فأي فرق بين أن يجعل الله تعالى له على ذلك أمارة قبل أن يفعل، وبين أن يجعل الأمارة على ذلك نفس الفعل؟!. وعلى الوجهين جميعًا: هو آمن من القبيح، ومتخلص من الذم، وليس يلزم ما قالوا؛ من أن الأمارة، إذا لم تتقدم على الفعل، كان مقدمًا على ما لا يأمن كونه قبيحًا؛ لأنه قبل أن يفعل، لما قيل له: (إنك لا تختار إلا الصواب) فهو آمن من الإقدام على القبيح. وأما الوجه الثالث والرابع: فجوابه: أن الله تعالى، لما نص في تلك الصورة بأن المكلف لا يختار فيها إلا الصواب؛ فلم قلت: لا يجوز ورود الأمر بمتابعة إرادته؟. وليس إذا لم يلزم مويس، لم يجز لغيره التزامه. وأما الوجهان اللذان تمسكوا بهما في نفي الوقوع: فالجواب عنهما: أن قوله تعالى لمحمد ﵊: (إنك لا تحكم إلا بالصواب)، لعله ورد في زمانٍ متأخرٍ، وما ذكروه ورد في زمانٍ متقدمٍ؛ فلا يتناقضان. وأما الوجوه العشرة التي تمسك بها مويس في الوقوع، فضعيفة؛ لاحتمال أن يقال: ورد الوحي بها قبل تلك الوقائع مشروطًا؛ مثل أن يقال: لو استثنى أحد شيئًا، فاستثنى له ذلك؛ وكذا القول في سائر الصور. سلمنا أنه ما كان بالوحي؛ فلعله كان بالاجتهاد، وبهذا التقدير: لا يصح قول الخصم. وأما قوله تعالى:﴾ إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ﴿. [آل عمران: ٩٣]

стр. 3967

قلنا: يحتمل أن يكون حرم ذلك على نفسه بالنذر، أو بالاجتهاد؛ ويكون إثبات التحريم بالنذر جائزًا في شرعهم. وأما الوجه الأول: من الوجوه التي تمسكوا بها في الجواز فجوابه: أنه مبني على أن الواجب في خصال الكفارة واحد معين عند الله تعالى؛ لكنا لا نقول به. وأما الوجهان الباقيان: فمبنيان على تشبيه صورة بصورةٍ، وقد عرفت أن هذا لا يفيد اليقين؛ فثبت بما ذكرنا ضعف أدلة القاطعين؛ فظهر أن الحق ما ذهب إليه الشافعي ﵁ من التوقف. المسألة الخامسة في تفويض الحكم قال القرافي: قوله: (إذا جعل الاختيار فيما تتم به المصلحة، وخيره بين الفعل والترك، سقط التكليف): قلنا: التقدير في أصل المسألة أن الذي يحكم به صواب، والصواب أعم من التكليف؛ فإن الإباحة واختيار خصوص الفعل دون الترك، أو الترك بدلاً عن الفعل يمكن أن يكون صوابًا، وقد لا يكون الصواب في ذلك الفعل إلا الإباحة، واختيار أحدهما بدلاً عن الآخر.

стр. 3968

نعم لو التزمنا في أصل المسألة أنه يكون واجبًا، أو محرمًا امتنع. قوله: (لا يجوز تكليف الإنسان بما لا ينفك عنه): قلنا: خصوص الفعل، أو خصوص الترك يمكن الانفكاك عنه، مع أنا قد بينا أن الصواب أعم من التكليف. قوله: (يمتنع الاتفاق في الأشياء الكثيرة): قلنا: أما بالنسبة إلى مقاصد الإنسان والحيوانات، فتحيله العادة باعتبار الاختيار الحيواني. وأما بالنسبة إلى الجواز العقلي، وما يقبله بيان الربوبية في الشرائع، فغير محل النزاع؛ لأن العقل يجوز أن يقع ذلك في العوائد في الأفعال البشرية. وإنما العوائد قد تعين أحد الجائزين بالوقوع، كما تعين بقاء البحر ماء مع جواز انقلابه زيتًا، ونحوه. ولذلك عينت أن الشيخ الذي شاهدناه - الآن - لم يولد شيخًا؛ بل طفلاً، ثم متدرجًا في الأسنان حتى صار شيخًا؛ مع جواز خلقه في العقل شيخًا، ونظائر ذلك كثيرة. والبحث ما وقع في هذه المسألة إلا عن الجواز، وأنتم تصديتم للاستجالة، وإثباتها. وما ذكرتموه لا يكفي فيها، بل جواز هذا على الله - تعالى - لجواز بعثه الرسل بالشرائع، والمعجزات الخوارق، وهذا كله خارج عن نمط العادة، فكذلك هاهنا. وبهذا ظهر الجواب عن قوله في كتابة المصحف من الجاهل، ونحوه؛ فإن تلك احتمالات عادية، يجوز على الله - تعالى - أن يغيرها، فهي من قبيل الجائزات على الله - تعالى - مما نحن فيه.

стр. 3969

وإنما يمنع ذلك قبل أن يغيرها الله تعالى، وكذلك هاهنا تمتنع هذه المسألة إذا لم يفعلها الله - تعالى - لأحد. وإنما الكلام هل يجوز عليه أن يفعل ذلك أم لا؟ وأنتم أحلتم ذلك. قوله: (ولولا ذلك لبطل الاستدلال بالاتفاق على العلم، والأخبار بالغيب على النبوة): قلنا: لا نسلم أن دلالة الاتفاق على العلم قطعية، لا يجوز خلافها، وامتناع كتابة الجاهل بالمصادفة للمصحف اتفاقي عادي، فإن الله - تعالى - أجرى عادته به، وهو جائز أن يكون خلافه، بخلاف الاتفاق لا يجوز خلافه. وأما ما ينسب إلى العاقل، والجاهل، والحيوانات السمية من مسدسات بيوت النحل، وشبهها؛ فليس بشيء من أولئك فاعلاً إنما الفاعل هو الله - تعالى - فما صدر فعل من غير معين. قوله: (القصد إلى الفعل فرع كونه حسنًا، فإذا لم يتميز كان تكليفًا بما لا يطاق): قلنا: لا نسلم لزوم تكليف ما لا يطاق؛ لأن الله - تعالى - أذن له في اختيار أي شيء شاء. والإرادة شاءها لذاتها أنها مستغنية في تعلقها عن المرجح - كما تقرر في أصول الدين - فإذا علق إرادة بفعل علم أنه حسن؛ لأن الله - تعالى - أخبره أن متعلق إرادته لا يكون إلا حسنًا. فتأخر التمييز عن تعلق الإرادة، فيكون المكلف به مقدورًا، كما لو قال النبي ﵇ لمن ضاعت له ضالة: (ارحل أي مكان شئت؛ فإنك تجدها فيه)، فإنه يبادر فيختار بغير سفه مكانًا فيجدها فيه، والتكليف واقع بالإجبار، فيجب تقدمه على الاختيار، لا على الحكم بالحسن.

стр. 3970

قوله: (يزول التكليف بالفعل): مسلم، ونحن لم ندع أن التكليف ثبت بعده؛ بل قبل الاختيار ويزول بالفعل، كما قال، ولا تناقض. قوله: (لو جاز ذلك لجاز أن يقول الله تعالى: احكم؛ فإنك لا تحكم إلا بالحق، ولذلك يفرق بين النبي، والمتنبي، باختياره، ويصيب في مسائل الأصول من غير تعليم): قلنا: هذا كله جائز عقلاً وفي شأن الله - تعالى - وله أن يقول: أي شيء اخترته من العقائد فهو الحق، وهو تعالى يعلم أنه لا يختار إلا الحق بقضائه، وقدره السابق في أزله. وكذلك يقول له: اعتقد أي رجل شئت من أهل زمانك؛ فإنه النبي الذي بعثته، والله - تعالى - عالم أنه لا يختار إلا النبي بعينه، فليس في هذا التهويل محذور على الخصم، وله إلزامه. غايته: أنه سكت عنه، ولم يدعه. وقولكم: إنه باطل بالإجماع - ممنوع. وكذلك نقول: إن جميع ذلك جائز على الله - تعالى - بالنسبة إلى العامي. قوله: (يصير اتباع الهوى في حقه غير ممكن، فيتعذر نهيه عنه، وقد نهي عنه): قلنا: أمكن أن يكون وقوع ذلك في بعض الفتاوى دون بعض، فنهي عن الهوى باعتبار البعض الآخر، أو باعتبار الفتاوى، دون الأحكام. أو نقول: النهي إنما يعتمد عدم إمكان الشيء عادة، كالطيران في الهواء،

стр. 3971

أما المتعذر عقلاً، فلا يجوز كفر الكافر؛ فإنه معلوم لله - تعالى - فيتعذر الإيمان منه، ومع ذلك نهي عنه. وكذلك التعذر بإخبار الشرع كما قال تعالى:﴾ سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ﴿. ﴾ وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ﴿. فصار الإيمان منهم متعذرًا؛ لأجل هذا الخبر؛ لاستحالة الخلف على الله - تعالى -ومع ذلك فالكفر المتعذر عدمه بهذا الحد منهي عنه كذلك - هنا - إنما أوجب التعذر إخبار الله - تعالى - أنه لا يتبع الهوى، فلا يمنع ذلك النهي عن اتباع الهوى. قوله: (لو وقع ذلك لما قال الله تعالى:﴾ عفا الله عنك لم أذنت لهم ﴿: قلنا: نقل القاضي عياض في (الشفاء): (أن الله - تعالى - خيره في هذه الواقعة، فالحكم الشرعي الإباحة، ولا عبث، غير أن الشرع قد يخير بين شيئين، ويكون الجزم في أحدها، كما أن الإنسان يخير بين السفر والإقامة، والجزم في الإقامة، ويخر بين كراء الجمال، والحمير، والجزم في الجمال في البراري. كذلك - هاهنا - الجزم ألا يأذن لهم؛ ليتبين المنافق من غيره، فالحكم واحد، ولا ذنب، ولا إثم، وذكر العفو لطف من الله - تعالى - لأنه قد يتخيل الذنب من قوله:﴾ أذنت لهم ﴿فيعظم مصيبته، فبدأ بذكر العفو لطفًا به ﷺ . قوله: (أنشدته (الكامل): أمحمد ولأنت ضنء نجيبةٍ .... في قومها والفحل فحل معرق قلنا: أنشد هذا البيت ابن السراج، واستشكل أنه منادي، وقد نون،

стр. 3972

وهو علم، وشأن العلم البناء، والمبني لا ينون، وهذا النوع يكون في الشعر، نحو: يا سيدًا، يا ساجدًا، فينونون، مع أنه معين شأنه البناء. وقال ابن السراج: وللنحاة فيه مذهبان: منهم من يرفعه، ويقول: ضمه للبناء، والتنوين للضرورة. ومنهم من يقول: أصل المنادي النصب، فإذا دعت ضرورة الشعر للتنوين نصبنا، فإن السامع التنوين لا يجتمعان، وذكر أن البيت روى بالرفع، وبالنصب، والمغيظ بكسر الغين وفتح الميم. قيل: المتبع؛ لأنه معتل العين مثله. والمحنق: بضم الميم، وفتح النون من أحنق، مبني لما لم يسم فاعله، إذا أخذه الحنق، نحو: أعجب، فهو معجب بفتح الجيم، وهو من الأفعال التي بنتها العرب لما لم يسم فاعله ابتداء، نحو: عنيت بحاجتك، ونتجت الناقة. والجواب عن الاستدلال به أن الأنبياء ﵈ مأمورون بحفظ - غرض النبوة، وصونها عن نسبة اللوم، وإذا مدح فاستعطف، فلم يعطف كان سببًا للطعن، فكذلك قال ﵇ ما قال؛ للأمر الكلي السابق من الله - تعالى - لا لأنه يحكم بإرادته. قوله: (في قوله ﵇: (عفوت لكم عن الخيل، والرقيق)

стр. 3973

قلنا: قوله ﷺ : (عفوت لكم) (وعفا الله عنكم) - سواء؛ فإن الله - تعالى - أقامه مبلغًا عنه، كما يقول نائب الملك: أوجبت عليكم، وعفوت عنكم، ويكون ذلك بإيجاب الملك، وعفوه، وأمره له في ذلك. وأما قوله ﵇ في الحج: (لو قلتها لوجبت)، وروى: (ما تركتكم). فهذا يقتضي أنهم إذا تعرضوا له ﵇ بالسؤال، وغيره أوجب ذلك عليهم شرعًا. وهو مشكل الظاهر من جهة أن الله - تعالى - إذا لم يشرع، فسؤال الناس لا يحدث شيئًا، بل يقول ﵇: لا أعلم في ذلك شرعًا، وفي هذا الباب قوله ﵇ في قيام الليل، لما لم يخرج في الليلة الثالثة، أو الرابعة: (خشيت أن يفرض عليكم)؛ فإن مواظبته ﵇ في قيام الليل كيف يؤدي إلى الوجوب؟ بل إن أوجب الله - تعالى - وجب، لازموه أم لا؟.

стр. 3974

وإن لم يوجبه لم يجب، فالموضع مشكل. والذي أرى في هذه المواضع - أن الله - تعالى - شرع المصالح بحسب القدرة عليها، وتواطن النفس بها، واستقرارها على السكون للعمل بها، فإذا أراد الله - تعالى - شرعًا خلق في النفوس ذلك، وجعله سبقًا عادمًا لورود الشرائع، وإذا خلق في الوجود الضعف في نفوس الخلق جعل ذلك سببًا لتخفيف التكليف، فصارت الخمسون صلاة خمسًا، وعلى هذا القياس عادة الله - تعالى - في خلقه. إذا تقرر هذا ظهر الجواب عن صلاته القيام؛ فإن المداومة عليها إظهار صورة القوة على هذه المصلحة، فيوجبها الله - تعالى - لأن مصلحتها مصلحة إيجاب، ومصلحة الإيجاب قد ترك إيجابها للمشقة؛ لقوله ﵇: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك) أخبرهم ﵇ أن مصلحة السواك مصلحة إيجاب، وتركه الإيجاب للمشقة. ولذلك إذا أظهروا الميل إلى الفعل، أو نوع من العبادات كان ذلك إظهارًا للقوة، فربما جعل الله - تعالى - ذلك سببًا عاديًا لتحقيق الوجوب، فنهي عن ذلك، وأمرنا بالموادعة، وترك التعرض لإظهار القدرة، والجلد؛ لئلا يعظم التكليف. وأما قوله ﵇: (لو قلتها لوجبت) فسهل؛ لأنه يخبر عن الله - تعالى - في الشرائع، وقوله قول الله - تعالى - ولذلك قال الله تعالى:﴾ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ﴿،﴾ من يطع الرسول فقد أطاع الله ﴿. وقوله ﵇: (لولا أن أشق على أمتي لجعلت وقت هذه الصلاة هذا الوقت) - يشير إلى ثلث الليل، كما قال في السؤال.

стр. 3975

فتقديره: لجعل الله - تعالى - ذلك؛ لأن إخباره عن نفسه إخبار عن الله - تعالى - كما تقدم. وأما قوله ﵇: (عسيت - إن شاء الله - أن أنهي أمتي أن يسموا نافعًا، وأفلح، وبركة). فلا يتعين لهذه المسألة، بل يظهر أنه من مسألة أخرى، وهي أنه ﵇ قد فوض إليه الاجتهاد؛ فإن هذا من باب المفاسد التي تقارب النهي؛ فإن السائل يقول: أين بركة؟، فيقول سيده: ما بركة هنا، وهذا اللفظ يشعر بخروج البركة من المنزل؛ فيكره التلفظ بهذا اللفظ، فنهي عما يؤدي إليه. فمتى كانت الفتاوي تبع المصالح والمفاسد، فهذه مسألة الاجتهاد، وهذه المسألة معناها أنه يختار أي شيء أراد اختياره، فيصادف الصواب في نفس الأمر، من غير اعتبار البناء على مصلحة أو مفسدة. فهذا هو الفرق بين المسألتين، فينبغي أن يضبط؛ فإن المسألتين تلتبسان على كثير من الناس. وأما قوله ﵇ في ماعز: (كنتم تركتموه حتى أنظر في أمره): فمعناه أنه أهل يرجع عن إقراره، فيكون ذلك شبهة تدرأ الحد عنه؛ لأنه أوحى إليه أن الحدود تدرأ بالشبهات، فليس من هذه المسألة. وقوله ﵇: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها)، وعن لحوم الأضاحي: (ألا فانتفعوا بها):

стр. 3976

فالأول: من باب النسخ بالوحي، فليس في اللفظ ما يقتضي أنه من قبله ﵇. وأما الثاني: ففي (مسلم) قال ﵇: (إنما كنت نهيتكم لأجل الدفة - يعني الطائفة - التي كانت قدمت المدينة)، فأمر ﵇ بالتصدق بلحوم الأضاحي؛ ليتوسع القادمون، وانتفاء الحكم لانتفاء علته، لا ينافي ثبوت ذلك ابتداء بالوحي، وانتفاؤه انتهاء بانتفاء العلة، وليس ذلك من قبله ﵇. قوله: (يدل على وقوعه من غير النبي ﵇ قوله تعالى:﴾ إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ﴿): قلنا: لا دليل فيه؛ فإن من شرعنا أن الإنسان يوجب على نفسه ما ليس بواجب في أصل الشريعة بالنذر، فيصير المنذور واجبًا بالنذر، وهو أوجبه على نفسه.

стр. 3977

فلعل شريعته كانت تحرم الامتنان فيها على نفسه، إما بالنذر، أو بسبب غيره، ويصدق عليه أنه حرمه على نفسه، كما يقال في شريعتنا: أوجبه على نفسه، وليس في ذلك أنه من قبيل إسرائيل ﵇. قوله: (وأما الأمثلة التي ذكروها، فنقول: إن كان الحال فيها كما هاهنا احتاج الفرق بين القليل والكثير إلى دليل، وإلا فيمتنع القياس): تقريره: أن المثل التي ذكروها، إن استوت كلها في الجواز العقلي، كما استوت الأفراد في مسألتنا، فوقوع أحد الجائزين دون الآخر، مع الاستواء في الجواز العقلي يحتاج لمرجح، وإلا لزم الترجيح من غير مرجح، فلابد من دليل يخصص القليل بالوقوع دون الكثير، وإذا ثبت في تلك الصورة طالبنا الخصم بوجود معنى؛ لأنه إن لم يكن موجودًا تعذر الفرق في صورة النزاع بين القليل والكثير؛ لاختصاص الفارق الذي هو الدليل المرجح بتلك الصورة. فنحن من وراء مطالبته بذلك حتى يتبين، وإن كان الحال - هنالك - ليس مثل الحال في صورة النزاع، منعنا القياس؛ لأن من شرطه التماثل، فأحد الأمرين لازم. أما تعذر القياس للاختلاف، أو اختصاص الدليل المخصص بتلك الصورة. قوله: (بينا أن القياس لا يفيد اليقين): قلنا: وقد تقدم الجواب عنه، وأنه يفيد اليقين. قوله: (سلمنا أن الاتفاقي لا يدوم، ولكن إذا كان الاتفاقي ببعض الجهات معلوم السبب بسائر الجهات، أو إذا لم يكن؛ الأول ممنوع، والثاني مسلم):

стр. 3978

تقريره: من المثال الذي ذكره أن الله - تعالى - إذا خلق الناس على مزاج يعلم منهم أنه يقتضي منهم الميل إلى الخلق، وأنه مصلحتهم، فإن ميلهم للخلق، وفعلهم له يقع أكثر باقتصار فوت المصلحة اتفاقًا في الأكثر؛ لأن السبب معلوم الوقوع في جميع جهات العالم، وهو مزاجهم الخاص المقتضى لطلب الخلق، وفعله. أما إذا خص السبب ببعض الجهات، أو ببعض الأشخاص، فإنه لا يعم؛ فلا يكون أكثريا، وهو الاتفاق الواقع في العالم، كمن يمشي في جبل، فيجد كنزًا اتفاقًا؛ فإن السبب الباعث لذلك الشخص الماشي في ذلك المكان لا يعم أكثر الناس، بل قد لا يوجد إلا فيه. (فائدة) قال أبو يعلى الحنبلي في (العمدة): هذه المسألة مبنية على أنه ﵇ هل له أن يجتهد أم لا ؟ فإذا قلنا: له الاجتهاد، فهل له أن يختار ما يخطر بباله من غير مدرك، ويكون صوابًا؛ لأن الله - تعالى - أخبره بذلك، أم لا؟ قال: ومذهبنا جوازه. قال ابن برهان الشافعي في كتاب (الأوسط): (مذهبنا جواز هذه المسألة ووقوعها، وهو خلاف ما نقل المصنف عن الشافعي من التوقف في الجواز. وقال أبو الخطاب الحنبلي في (التمهيد): (المنقول عن الشافعي في (الرسالة) أنه لما علم الله - تعالى - من نبيه ﵇ أن الصواب يتفق منه جعل ذلك إليه، ولم يقطع به. بل جوزه، وجوز غيره. وقال بعض المحققين من أصحابه لا يصح ذلك عن الشافعين وقوله في (الرسالة) مؤول بجواز الاجتهاد لا بهذه المسألة. **************

стр. 3979

المسألة السادسة مذهب الشافعي ﵁: أنه يجوز الاعتماد في إثبات الأحكام على الأخذ بأقل ما قيل ؛ فإنه حكى اختلاف الناس في دية اليهودي: فمنهم من قال: بمساواتها لدية المسلم، ومنهم من قال: هي نصف دية المسلم، ومنهم من قال: هي الثلث منها، فهو ﵁ أخذ بالأقل. واعلم أن هذه القاعدة مفرعة على أصلين: الإجماع، والبراءة الأصلية: أما الإجماع: فلأنا لو قدرنا أن الأمة انقسمت إلى أربعة أقسامٍ: أحدها: يوجب في اليهودي مثل دية المسلم، وثانيها: يوجب النصف، وثالثها: يوجب الثلث، ورابعها: لا يوجب شيئًا لم يكن الأخذ بأقل ما قيل واجبًا؛ لأن ذلك الأقل قول بعض الأمة؛ وذلك ليس بحجةٍ. أما إذا لم يوجد هذا القسم الرابع، كان القول بوجوب الثلث قولاً لكل الأمة؛ لأن من أوجب كل دية المسلم، فقد أوجب الثلث، ومن أوجب نصفها، فقد أوجب الثلث أيضًا، ومن أوجب الثلث، فقد قال بذلك؛ فيكون إيجاب الثلث قولا قال به كل الأمة؛ فيكون حجة. وأما البراءة الأصلية: فلأنها تدل على عدم الوجوب في الكل، ترك العمل به في الثلث، لدلالة الإجماع على وجوبه؛ فيبقي الباقي كما كان، ولهذه النكتة شرطنا في الحكم بأقل ما قيل عدم ورود شيءٍ من الدلائل السمعية؛ فإنه إن ورد شيء من ذلك، كان الحكم لأجله، لا لأجل الرجوع لأقل ما قيل؛ ولهذا

стр. 3980

السر اختلف الناس في العدد الذي تنعقد به الجمعة، فقال قائلون: أربعون، وقال قائلون: ثلاثة. فالشافعي ﵁ لم يأخذ بأقل ما قيل؛ لأنه وجد في الأكثر دليلاً سمعيًا، فكان الأخذ به أولى من الأخذ بالبراءة الأصلية، وكذلك اختلفوا في عدد الغسل من ولوغ الكلب؛ فقال بعضهم: سبعة، وقال آخرون: ثلاثة فالشافعي ﵁ لم يأخذ بالأقل؛ لأنه وجد في الأكثر دليلاً سمعيا. فإن قلت: (لم لا يجوز أن يقال: (كان يجب الأخذ بأكثر ما قيل؛ لأنه قد ثبت في الذمة شيء واختلفت الأمة في الكمية؛ فقال قوم: هو كل الدية، وقال آخرون: بل نصفها، وقال آخرون: بل ثلثها، فإذا لم تحصل مع واحدٍ من هذه الأقوال دلالة سمعية، تساقطت. ولا يحصل براءة الذمة باليقين إلا عند أداء كل دية المسلم؛ فوجب القول به؛ ليحصل الخروج عن العهدة بيقينٍ): والجواب: أنه لما كان الأصل براءة الذمة، امتنع الحكم بكونها مشغولة إلا بدليل سمعي، فإذا لم يوجد دليل سمعي سوى الإجماع، والإجماع لم يثبت إلا في أقل المقادير - لم يثبت شغل الذمة إلا بذلك الأقل. فإن قلت: (هب أنه لم يوجد دليل سوى الإجماع؛ لكنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول؛ فلعله ثبت في الذمة حق أزيد من أقل ما قيل، فإذا كان هذا الاحتمال قائمًا، لم يثبت الخروج عن العهدة باليقين، إلا بأكثر ما قيل): قلت: لما لم يوجد سوى الإجماع، والإجماع لم يدل إلا على أقل ما قيل

стр. 3981

فيه - كان الزائد على ذلك الأقل، لو ثبت، لثبت من غير دليلٍ؛ وذلك غير جائز؛ لأنه يصير ذلك تكليف ما لا يطاق. وأيضًا: فإن الله تعالى تعبدنا بالبراءة الأصلية، إذا لم نجد دليلاً سمعيا يصرفنا عنها، فإذا لم يوجد دليل سمعي يدل على الزيادة، علمنا أن الله تعالى تعبدنا بالبراءة الأصلية؛ وحينئذٍ: يحصل القطع بأنه لا يجب إلا ذلك القدر الذي هو أقل المقادير. (المسألة السادسة) الأخذ بالأخف يجوز الأخذ بالأخف قال القرافي: قوله: (الثلث قال به كل الأمة): قلنا: عليه سؤالان: الأول: أنه لم يقل به اقتصارًا لوجود الخلاف في الزائد، بل قال بثبوته من حيث الجملة. الثاني: أنه على هذا التقدير المسند في هذه المسألة - الإجماع، والبراءة الأصلية، وكلاهما متفق على التمسك به، فلا معني لجعل هذه المسألة في المدارك المختلف في اعتبارها.

стр. 3982

(فائدة) قال القاضي عبد الوهاب المالكي في (الملخص): (صورة هذه المسألة أن يجني رجل على سلعة، فيختلف المقومون في تقويمها ، أو يجرح جراحة ليس فيها تقدير، فيختلف في أرشها أرباب الخبرة في ذلك، فيأخذ الشافعي بأقل ما قيل. واختلف في تعليله، فقيل: لأن الاختلاف ليس بدليل، فيسقط الزائد، وقيل: لأنه مشكوك فيه، والشك ليس بحجة، فيبقي الزائد. قال: ومذهبنا التفصيل في هذه المسألة، فتارة يأخذ بالأقل، وتارة لا يأخذ به. فقال أصحابنا: إذا أوصى له بمائة وخمسين في كتاب واحدٍ بوصيتين. فقيل: يعطي الأكثر، وقيل: نصف كل واحدٍ منهما، وعلى قول أشهب: يعطي الأقل. وكذلك في التقويم، يؤخذ الوسط عندنا، وكذلك الخنثى المشكل يعطيه نصف الميراثين، وكذلك إذا اختلف الورثة في المولود، فقال بعضهم: ذكر، وقال بعضهم: أنثى، وقد مات بالدفن، يتخرج على الأقوال الثلاثة المتقدمة، وأوضح المثل قيمة المتلف. قال: وهذه المسألة: تتعلق باستصحاب الحال أكثر من تعلقها بالإجماع؛ لأن غير الإجماع يقوم مقامه في الشغل، ونفى الزائد، وهو بالأصل المقتضى لبراءة الذمة. قال: والدليل على أنه لا يؤخذ بالأقل أن الأخذ به يؤدي إلى اطراح الاجتهاد من الفريق الآخر في القيمة. والأصل ألا يطرح الاجتهاد ليس البعض أولى من البعض، والاجتهاد دليل

стр. 3983

ظاهر في الإصابة - لاسيما - والأصل عدم مصادفة القائل بالأقل، كقيمة السلعة، وأن الذي زاد اطلع على ما لم يطلع عليه القائل بالأقل من رغبات الناس. واتفقنا على تقديم المثبت على النافي في البينات، وغيرها، والذمة قد اشتغلت بقيمة المتلف. ونحن نشك في براءتها بالأقل، فكما لم نجد دليلاً على المشتغل لم نجد دليلاً على المبرئ للذمة. قلت: وهذه المثل، والمباحث توضح المسألة، وتعين مدركًا يمكن وقوع الخلاف فيه؛ لأن المقومين للسلعة ليسوا كل الأمة حتى يكون متفقا على كونه مدركًا. بخلاف ما في (المحصول)، لا يتصور منه أن يكون مختلفًا فيه، كما تقدم السؤال. *************************

стр. 3984

المسألة السابعة قال الرازي: قال قوم: يجب على المكلف الأخذ بأخف القولين؛ للنص والمعقول: أما النص: فقوله تعالى:﴾ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ﴿وقوله تعالى:﴾ وما جعل عليكم في الدين من حرجٍ ﴿وقوله ﵊: (لا ضرر في الإسلام) وقوله: (بعثت بالحنيفية السهلة السمحة) وكل ذلك ينافي شرع الشاق الثقيل. وأما القياس: فهو: أنه تعالى كريم غني، والعبد محتاج فقير، وإذا وقع التعارض بين هذين الجانبين، كان التحامل على جانب الكريم الغني أولى منه على جانب المحتاج الفقير، وربما قالوا: (الأخذ بالأخف أخذ بالأقل؛ فوجب العمل به). واعلم أن هذا المذهب يرجع حاصله إلى أن الأصل في الملاذ: الإباحة، وفي الآلام: الحرمة، وقد تقدم الكلام فيه. فأما قوله: (الأخذ بالأخف أخذ بالأقل): قلنا: هذا ضعيف؛ لأنا إنما نوجب الأخذ بأقل ما قيل، إذا كان ذلك جزءًا من الأصل؛ كما ذكرناه في المثال؛ فإن الثلث جزء من النصف ومن الكل، والموجب للكل والنصف موجب للثلث؛ فيصير وجوب الثلث بهذا الطريق مجمعًا عليه. أما إذا كان الأخف ليس جزءًا من ماهية الأصل، لم يصر الثلث مجمعًا عليه، فلا يجب الأخذ به.

стр. 3985

وقال قوم: يجب الأخذ بأثقل القولين؛ لقوله ﵊: (الحق ثقيل قوى، والباطل خفيف وبي). وهذه الدلالة ضعيفة؛ لأنه لا يلزم من قولنا: (كل حق ثقيل) أن يكون كل ثقيل حقا. ولا من قولنا: (الباطل خفيف) أن يكون كل خفيف باطلاً، وهاهنا طريقة أخرى يسمونها طريقة الاحتياط، وهي: إما الأخذ بأكثر ما قيل، أو بأثقل ما قيل، ولما تقدم الكلام فيها، فلا فائدة في الإعادة. المسألة السابعة (الأخذ بأخف القولين) قال القرافي: قوله: (وأما القياس، والتحامل على المعنى أولى من الفقير): قلنا: هذا ليس قياسًا؛ بل استدلال بالمناسبة المطلقة، والقياس لابد فيه من أصل يقاس عليه، ولا أصل هنا فلا قياس. قوله: (يدل عليه قوله تعالى:﴾ يريد الله بكم اليسر ﴿،﴾ وما جعل عليكم في الدين من حرجٍ ﴿. وقوله ﵇: (بعثت بالحنيفية السمحة) (لا ضرر ولا ضرار): قلنا: الجواب عن الأول من وجهين: أحدهما: أن هذه الآية لا يمكنكم العمل بظاهرها؛ لأن الله - تعالى - إنما أخبر عن نفي الإرادة، لا عن نفي المشروعية والحكم، والمشروعية عندكم غير الإرادة. وثانيهما: أن الذي يصدق عليه أنه عسير لغة، وعرفًا، هو ما يثقل حمله، فقد يكون القولان يمكن حمل كل واحدٍ منهما من غير ضررٍ، ولا عسر، وإن كان أحدهما أخف، فلا تتناول الآية واحدًا منهما.

стр. 3986

والجواب عن الثاني: أن الحرج هو نوع مخصوص من الأفعال، فقد يكون أخف، والخفيف من القولين ليس بحرجٍ؛ بل سهل على النفس، فلا تتناوله الآية، كما نقول: تحريك الإنسان أصابعه فقط أخف من تحريك يده بجملتها، ومع ذلك فليس في ذلك كله حرج لا عرفًا، ولا عادًة. وهو الجواب عن قوله ﵇: (لا ضرر ولا ضرار)، (وبعثت بالحنيفية السهلة)؛ فتكون هذه الأدلة خاصة ببعض أنواع الثقل، والدعوى عامة، فلا تسمع عند النظار. *********************

стр. 3987

المسألة الثامنة الاستقراء المظنون: هو إثبات الحكم في كلى؛ لثبوته في بعض جزئياته . مثاله قول أصحابنا في الوتر: (إنه ليس بواجبٍ؛ لأنه يؤدي على الراحلة، ولا شيء من الواجب يؤدي على الراحلة): أما المقدمة الأولي: فثابته بالإجماع، وأما الثانية: فنثبتها بالاستقراء، وهو: أنا لما رأينا القضاء وسائر أصناف الواجبات، لا تؤدي على الراحلة - حكمنا على كل واجبٍ لا يؤدي على الراحلة. وهذا النوع لا يفيد اليقين؛ لأنه يحتمل أن يكون الوتر واجبًا؛ بخلاف سائر الواجبات في هذا الحكم، ولا يمتنع عقلاً أن يكون بعض أنواع الجنس مخالفًا لحكم النوع الآخر من ذلك الجنس. وهل يفيده الظن، أم لا؟ الأظهر: أن هذا القدر لا يفيد إلا بدليلٍ منفصلٍ، ثم بتقدير حصول الظن: وجب الحكم بكونه حجة؛ لقوله ﵊: (أقضى بالظاهر). المسألة الثامنة: الاستقراء المظنون قال القرافي: قوله: (هو إثبات الحكم في كلى؛ لثبوته في بعض جزئياته):

стр. 3988

......................................................

стр. 3989

قلنا: قد تقدم - أول الكتاب - الفرق بين الكل، والكلية، والكلي، والجزء، والجزئية، والجزئي. فالكل: هو القدر المشترك، والمراد - هاهنا - أن ثبوت الحكم في بعض الجزئيات يقتضي ثبوته في الكلية، هذا هو المطلوب. أما ثبوته في الكل إذا ثبت في جزئي فضروري؛ لأن الأعم في الأخص، لكن الكلية ليست في ضمن الجزئي. قوله: (الوتر ليس بواجب؛ لأنه يؤدي على الراحلة، أما المقدمة الأولي فبالإجماع، وأما الثانية فبالاستقراء؛ لأنا رأينا أنواع الفرض من القضاء، والأداء لا يؤدي على الراحلة): قلنا: هذه العبارة مشكلة؛ لأنها تقتضي أن الوتر ليس بواجب بالإجماع؛ لأنها المقدمة الأولي فيما ذكر. والثانية: قولكم: يؤدي على الراحلة. وهذه لم يثبتوها بالاستقراء؛ لأنكم ذكرتم في استقراء أنواع الواجب، وهذا ليس بواجب. وتقريره: أن إحدى المقدمتين حذفها المصنف؛ لأجل فهم السامع، وأصل الكلام أن الدعوى أن الوتر ليس بواجبِ، وعلى هذا يتم قوله. (سؤال) الاستدلال على عدم وجوب الوتر بكونه ﷺ كان يؤديه على الراحلة مشكل ؛ لأن المنقول أن الوتر كان واجبًا على رسول الله ﷺ فما أدى على الراحلة إلا واجبًا. جوابه: أن الوتر لم يكن واجبًا على النبي ﵇ فصح الاستدلال. ************************

стр. 3990

المسألة التاسعة في المصالح المرسلة اعلم أن المصالح بالإضافة إلى شهادة الشرع ثلاثة أقسام: أحدها: ما شهد الشرع باعتباره، وهو: القياس الذي تقدم شرحه. وثانيها: ما شهد الشرع ببطلانه؛ مثاله قول بعض العلماء لبعض الملوك، لما جامع في نهار رمضان: عليك صوم شهرين متتابعين، فلما أنكر عليه؛ حيث لم يأمره بإعتاق رقبةٍ، قال: لو أمرته بذلك، لسهل عليه، ولاستحقر إعتاق رقبة في قضاء شهوته. واعلم أن هذا باطل؛ لأنه حكم على خلاف حكم الله تعالى؛ لمصلحة تخيلها الإنسان بحسب رأيه، ثم إذا عرف ذلك من جميع العلماء، لم تحصل الثقة للملوك بفتواهم، وظنوا أن كل ما يفتون به، فهو تحريف من جهتهم بالرأى. القسم الثالث: ما لم يشهد له بالاعتبار، ولا بالإبطال نص معين، فنقول: قد ذكرنا في كتاب القياس: أن المناسبة: إما أن تكون في محل الضرورة، أو الحاجة، أو التتمة: فقال الغزالي ﵀: أما الواقع في محل الحاجة، أو التتمة، فلا يجوز الحكم فيها بمجرد المصلحة؛ لأنه يجري مجرى وضع الشرع بالرأي، وأما الواقع في رتبة الضرورة، فلا يبعد أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد. ومثاله: أن الكفار إذا تترسوا بجماعة من أساري المسلمين، فلو كففنا عنهم، لصدمونا، واستولوا على دار الإسلام، وقتلوا كافة المسلمين، ولو رمينا الترس، لقتلنا مسلمًا لم يذنب؛ وهذا لا عهد به في الشرع.

стр. 3991

ولو كففنا لسلطنا الكفار على جميع المسلمين، فيقتلونهم، ثم يقتلون الأساري. فيجوز أن يقول قائل: هذا الأسير مقتول بكل حالٍ، فحفظ كل المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع من حفظ المسلم الواحد. قال: وإنما اعتبرنا هذه المصلحة؛ لاشتمالها على ثلاثة أوصافٍ، وهي: أنها ضرورية، قطعية، كلية. واحترزنا بقولنا: (ضرورية) عن المناسبات التي تكون في مرتبة الحاجة، أو التتمة. وبقولنا: (قطعية) عما إذا لم نقطع بتسلط الكفار علينا، إذا لم نقصد الترس، فإن هاهنا: لا يجوز القصد إلى الترس، وكذلك: قطع المضطر قطعة من فخذه لا يجوز؛ لأنا لا نقطع بأنه يصير ذلك سببًا للنجاة، وبقولنا: (كلية) عما لو تترس الكافر في قلعة بمسلمٍ، فإنه لا يحل رمي الترس؛ إذ لا يلزم من عدم استيلائنا على تلك القلعة فساد يعم كل المسلمين. وكذا: إذا كان جماعة في سفينة، ولو طرحوا واحدًا، لنجوا، وإلا، غرقوا بجملتهم، فهاهنا لا يجوز؛ لأن ذلك ليس أمرًا كليا؛ فهذا محصل ما قاله الغزالي ﵀. ومذهب مالك ﵀: أن التمسك بالمصلحة المرسلة جائز. واحتج عليه بأن قال: كل حكمٍ يفرض: فإما أن يستلزم مصلحة خاليةً عن المفسدة، أو مفسدةً خالية عن المصلحة، أو يكون خاليًا عن المصلحة والمفسدة بالكلية، أو يكون مشتملاً عليهما معًا:

стр. 3992

وهذا على ثلاثة أقسامٍ: لأنهما إما أن يكونا متعادلين، وإما أن تكون المصلحة راجحة، وإما أن تكون المفسدة راجحة، فهذه أقسام ستة: أحدها: أن يستلزم مصلحة خالية عن المفسدة، وهذا لابد وأن يكون مشروعًا؛ لأن المقصود من الشرائع رعاية المصالح. وثانيها: أن يستلزم مصلحة راجحة، وهذا أيضًا لابد وأن يكون مشروعًا؛ لأن ترك الخير الكثير، لأجل الشر القليل - شر كثير. وثالثها: أن يستوى الأمران، فهذا يكون عبثًا؛ فوجب ألا يشرع. ورابعها: أن يخلو عن الأمرين؛ وهذا أيضًا يكون عبثًا؛ فوجب ألا يكون مشروعًا. وخامسها: أن يكون مفسدةً خالصة؛ ولا شك أنها لا تكون مشروعة. وسادسها: أن يكون ما فيه من المفسدة راجحًا على ما فيه من المصلحة؛ وهو أيضًا غير مشروعٍ؛ لأن المفسدة الراجحة واجبة الدفع بالضرورة. وهذه الأحكام المذكورة في هذه الأقسام الستة: كالمعلوم بالضرورة أنها دين الأنبياء؛ وهي المقصود من وضع الشرائع؛ والكتاب والسنة دالان على أن الأمر كذلك تارةً بحسب التصريح، وأخرى بحسب الأحكام المشروعة؛ على وفق هذا الذي ذكرناه. غاية ما في الباب: أنا نجد واقعة داخلة تحت قسمٍ من هذه الأقسام، ولا يوجد لها في الشرع ما يشهد لها بحسب جنسها القريب؛ لكن لابد وأن يشهد الشرع بحسب جنسها البعيد على كونه خالص المصلحة، أو المفسدة، أو غالب المصلحة، أو المفسدة؛ فظهر أنه لا توجد مناسبة، إلا ويوجد في الشرع ما يشهد لها بالاعتبار: إما بحسب جنسه القريب، أو بحسب جنسه البعيد.

стр. 3993

إذا ثبت هذا، وجب القطع بكونه حجة؛ للمعقول والمنقول: أما المعقول: فلأنا إذا قطعنا بأن المصلحة الغالبة على المفسدة - معتبرة قطعًا عند الشرع، ثم غلب على ظننا أن هذا الحكم مصلحته غالبة على مفسدته - تولد من هاتين المقدميتن ظن أن هذه المصلحة معتبرة شرعًا؛ والعمل بالظن واجب، لقوله ﵊: (أقضى بالظاهر). ولما ذكرنا أن ترجح الراجح على المرجوح من مقتضيات العقول؛ وهذا يقتضي القطع بكونه حجة. وأما المنقول: فالنص، والإجماع. أما النص: فقوله تعالى:﴾ فاعتبروا ﴿أمر بالمجاوزة، والاستدلال بكونه مصلحة على كونه مشروعًا مجاوزة؛ فوجب دخوله تحت النص. وأما الإجماع: فهو أن من تتبع أحوال مباحثات الصحابة، علم قطعًا أن هذه الشرائط التي يعتبرها فقهاء الزمان في تحرير الأقيسة، والشرائط المعتبرة في العلة، والأصل، والفرع - ما كانوا يلتفتون إليها؛ بل كانوا يراعون المصالح؛ لعلمهم بأن المقصد من الشرائع رعاية المصالح؛ فدل مجموع ما ذكرنا على جواز التمسك بالمصالح المرسلة. المسألة التاسعة في المصالح المرسلة قال القرافي: قوله: (ومن المصالح ما شهد الشرع ببطلانه مثاله: إفتاء

стр. 3994

...............................................................

стр. 3995

...................................................................
следующие страницы →