← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

كتاب نفائس الأصول في شرح المحصول تأليف الإمام الفقيه شهاب الدين أبي العباس أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي المصري المشهور بالقرافي المتوفى سنة ٦٨٤هـ دراسة وتحقيق وتعليق الشيخ عادل أحمد عبد الموجود - والشيخ علي محمد معوض قرظه الأستاذ الدكتور: عبد الفتاح أبو سنة الأستاذ بجامعة الأزهر الشريف وعضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية وخبير التحقيق بمجمع البحوث الإسلامية مكتبة نزار مصطفى الباز الطبعة الأولى ١٤١٦هـ - ١٩٩٥م

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وما توفيقي إلا بالله عليه توكَّلتُ قال سيدنا ومولانا الشيخ الإمام العالم العلامة بقية السلف، وقدوة الخلف، لسان المتكلمين، سيف المناظرين، فريدُ دهره، ووحيد عصره شهابُ الدينِ أحمدُ بنُ إدريسَ المالكىُّ، المعروفُ بـ ((القَرَافيِّ)) متع الله المسلمين ببقائه: الحمد الله الذي تفرد في عظم ألوهيته بكمال المجد والعلاء، وتوحد في جلال صمديته بغايات شرف الصفات والأسماء، وتمجد بجلال أزليته في صفاته وهويته عن إمكان الحدوث والابتداء، وتقدَّس في وجوب ديمومية أبديتهِ عن عواض التغير والفناء، الذي عجز عن إدراك كنه حقيقته غايات

стр. 3

عقول العقلاء، وتاهت في سُرَادقات عظمة جلاله نهايات ألباب الألباء، أحاط عمله القديم بكل موجود ومعدوم، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، نفذت سوابق مشيئته في بريته، فلا يكون إلا ما يشاء في حالتي السراء والضراء، وطوري الشدة والرخاء، حليت بمدارج معارج شرف تقريبه أرواح خاصته الأنبياء، وتنعمت بتجليات مواهب ملكوته صدور الأولياء، وخضع لعواصف قواصف رهبوته من في الغبراء والزرقاء، عظمت مواهب آلائه، فالدنيا والآخرة في بحار جوده أيسر العطاء، أعطى الجزيل، وأظهر الجميل، فأعظم به في بسط العطاء، وسبل الغطاء، أنزل الرسائل، وشرع الوسائل؛ فحاز أيسرها حكمة الحكماء، نوع آدابها، وفرع أسبابها، وأرشد طلابها بأوضح الأنباء،

стр. 4

فرسخت أصولها، وبسقت فروعها، وأينعت ثمارها في صدور العلماء، وأفضل الصلوات الطيبات على محمد سيد النُّجباء، وواسطة عِقْد الأصفياء، اختار الله تعالى له من المقامات القدسية أعلاها، ومن الصفات النفسانية أسناها، ومن الرسائل الربانية أسماها، ومن الصحابات والقرابات أوفاها، ومن الأمم العاملة أقواها، وأفضلها في برِّها وتقواها، وقدمه على جميع الملائكة والأنبياء ليلة الإسراء، فهو الرسول الأعظم، والإمام الأقوم، والشفيع المقدم. إذا اشتدت إليه حاجات الأمم يوم الفصل والقضاء، آدم فمن دونه تحت لوائه وسيادته على الثقلين، من صفاته وأسمائه شمس الوجود، معدن الجود، وجامع الحمد، وحائز الجِدّ في جميع التصرفات والآراء، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه ومحبيه صلاةً يجزيه الله بها عن أمته أحسن

стр. 5

الجزاء، وأسلم بها من دَرَك الشقاء، وضَنْك البلاء، وشماتة الأعداء، وأحوز بها منازل السعداء في دار البقاء. أمَّا بعدُ: فأفضل ما اكتسبه الإنسان علْماً يسعد به في عاجل معاشه، وآجل معاده، ومن أفضل ذلك علم أصول الفقه؛ لاشتماله على المعقول والمنقول، فهو جامع أشتات الفضائل، والواسطة في تحصيل لباب الرسائل، ليس هو من العلوم التى هي رواية صرفة لا حَظَّ لشرف النفوس فيه، ولا من المعقول الصرف الذي لم يَحُضَّ الشرع على معانيه، بل جمع بين الشرفين، واستولى على الطرفين، يحتاج فيه إلى الرواية والدراية، ويجتمع فيه معاقد النظر، ومسالك العبر، من جهله من الفقهاء فتحصيله أجاج، ومن سُلِبَ ضوابطه عُدم عند دعاويه الحِجَاج، فهو جدير بأن ينافس فيه، وأن يشتغل بأفضل الكتب في تلخيصاته ومبانيه، ورأيت كتاب ((المحصول)) للإمام الأوحد فخر الدين أبي عبد الله محمد بن الشيخ الإمام العلامة أبى حفصٍ عُمَرَ الرَّازيِّ، قدَّس الله روحه، جمع قواعد الأوائل ومستحسنات الأواخر بأحسن العبارات، وألطف الإشارات، وقد عظم نفع الناس به

стр. 6

وبمختصراته، وحصل لهم بسببه من الأهليَّة، والاستعداد ما لم يحصل لمن اشتغل بغيره. بسبب أنه ألفه من أحسن كتب السنة، وأفضل كتب المعتزلة: ((البرهان)) و ((المستصفي)) للسنة، ((والمعتمد)) و ((شرح العمد)) للمعتزلة، فهذه الأربعة هي أصله، مُصانا بحسن تصرف الإمام، وجود ترتيبه وتنقيحه، وفصاحة عبارته، وما زاده فيه من فوائد فكره وتصرفه وحسن ترتيبه، وإيراده وتهذيبه، فاستخرت الله -تعالى - في أن أضَعَ له شرحاً أودعه بيان مشكله، وتقييد مهمله، وتحرير ما اختل من فهرسة مسائله، والأسئلة الواردة على متنه، وما عساه يوجد من الفوائد في غيره، وجمعت له نحو ثلاثين تصنيفا في أصول الفقه للمتقدمين والمتأخّرين من أهل السنة والمعتزلة، وأرباب المذاهب الأربعة منها ((البرهان)) و ((المُستصفي)) و ((الإحكام)) لسيف الدين الآمدى،

стр. 7

وكتاب ((الترجيحات)) له، و ((منتهي السُّول)) له، و ((المعتمد)) لأبي الحسين، و ((شرح العمد)) له، و ((القياس الكبير)) له، و ((القياس الصغير)) له، و ((شرح البرهان)) للأبيارى، و ((شرح البرهان)) للمَازِريِّ، و ((الإفادة)) للقاضي عبد الوهاب في مجلدين و ((الملخص)) له، و ((الفصول)) للباجى في مجلدين، و ((الإشارة)) له، و ((اللُّمع)) للشيخ أبي إسحق وشرحه له , و ((المعالم))، وشرحها للتِّلمسانى،

стр. 8

و ((المحصول)) لابن العربى، و ((العمْدة)) لأبي يعلى مجلدان، و ((الواضح)) لأبى عبيد مجلدان، و ((التمهيد)) لأبى

стр. 9

الخَطَّاب مجلدان، و ((التنقيحات)) للسهروردي، و ((الأوسط)) لابن برهان مجلدان. و ((الوافي)) لابن حمدان الحرَّاني مجلدان، و ((تعليق على المحصول)) لابن يونس الموصلى، و ((شرح النَّقْشَوَاني للمحصول))، و ((كتاب ابن

стр. 10

القاص))، و ((كتاب الإحكام)) لابن حزم، و ((كتاب الرَّوضة)) للشيخ موفق الدين، و ((شفاء الغليل)) للغزاليِّ، وتعاليق لجماعة من العلماء المعتبرين في أصول الفقه لا أطول بذكرهم، والتزمت من

стр. 11

مختصراته ((بالمنتخب)) و ((الحاصل)) لضياء الدين حسن، و ((الحاصل)) لتاج الدين، و ((التحصيل)) لسراج الدين. و ((التنقيح)) للتبريزى، والتزمت أن أعزو كل قول لقائله، وكل سؤال لمورده، وكل جواب لمفيده، ليكون المطالع لهذا الشرح ينقل عن تلك الكتب العديدة الجليلة الغريبة، فيكون ذلك أجمل من النقل عن كتاب واحد في التدريس والإفادة، وعند المناظرات، وليكون إذا وقع خلل فيما نقلته وقد أعزيته إلى موضع يستدرك من الموضع الذي أعزيته إليه، ويمكن استدراكه من أصله، فيكون ذلك أيسر لتحقيق الصواب ورفع الخطأ وما فتح الله تعالى به من المباحث والأسئلة والأجوبة والقواعد والتنبيهات أسرده سردا من غير إعزاء، ولعلي قد أكون صادفت خاطر غيرى في ذلك، ولم أعلم به، غير أن الله تعالى أعلم بمواهبه في صدور عباده، غير أنى أذكر ما وقع لي من ذلك بفضل الله - تعالى - وفتحه، رجاء النفع به إن شاء الله تعالى، وقد يتفق لى بعد ذلك أن أجده لغيرى فلا أعيد ذكره خشية الإطالة، وقد يقع الخاطر على الخاطر في القصائد المنظمة، فكيف بموارد العقول، فإنه أقرب لأنها كالمرائي، إذا استوت في الجلاء، تجلَّى في جميعها الصورة الواحدة، ولا أورد من الأسئلة إلا ما هو حق عندى لا جواب عنه، أو ما عنه جواب، غير أن كثيرا من الفضلاء يعسر عليهم الجواب عنه، فأذكره لجوابه لا لذاته، وليحترز منه، ويتنبه به على أمثاله، وأما الأسئلة الضعيفة فلا أوردها؛ لأنها تطويل بغير فائدة مهمة، والعمر أقصر شُقة من أن يطول بالعتاب، وكذلك إذا وقع جواب حق، أو سؤال حق لا أورد عليه الأسئلة الضعيفة، ثم أجيب عنها، فتصير أجوبة وأسئلة، وأسئلة وأجوبة فيتسلسل الحال، فهذا لا يليق إلا بعلم الخلاف للتمرُّن على الجدال والمناظرات، أما بغيره فلا، ومهما كان لفظ ((المحصول)) غنيا عن البيان تركته، إلا أن يكون عليه سؤال، متى كان محتاجا لبيان، وهو يحصل من أثناء إيراد الأسئلة عليه تركت بيانه لحصوله من الأسئلة طلبا

стр. 12

لتقليل الحجم، وترك التطويل، وأبدأ بالمحصول. فإذا تلخص كلامه، وما عليه ثنيت بمختصراته، فإن زاد بعضها لفظا، أو غيّر وضعها، فأذكر ما يتعلق بذلك التغيير، أو بتلك الزيادة من إيراد وتحرير وغير ذلك، ثم أثلث بتصانيف الناسِ المتقدم ذكرها، فأنقل ما فيها جميعها في كل مسألة تكون فيها من زيادة فائدة إن وجدتها، والمتكرر أسقطه، ويصير هذا الكتاب شرحا لـ ((المحصول)) ولمختصراته من ال ((المنتخب))، و ((الحاصل)) وغيره، فيعظم نفعه، ويجل في الوضع وقعه، مستعينا بالله - تعالى - على خلوص النية وحصول البغية وسميته ((نَفَائس الأصُولِ في شَرْحِ المَحْصُولِ))، وقد أقدم قبل الخوض في شرح الكتاب أربعة أبحاث يناسب تقديمها: البحث الأول قال ((السيف الآمدي)): حق على كل من حاول علما أن يتصور معناه بالحد والرسم، ليتميز له مطلوبه عن غيره، وأن يعرف موضوعه، ليتميز عن غيره من الموضوعات، وغايته المقصودة من تحصيله، حتى لا يكون سعيه عبثا، والذي يبحث فيه عنه من المسائل ليتصور طلبها، وما منه يستمد ليحصله من تلك المادة، وما هي مبادئه ليبنى عليها.

стр. 13

أما حدُّ أصول الفقه فسيأتى إن شاء الله -تعالى -في الشرح. وأمَّا موضوعه، فموضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه لذاته، فموضوع أصول الفقه الأدلة الموصلة للأحكام الشرعية، وأقسامها، واختلاف مراتبها، وكيفية الاستدلال بها على الأحكام الشرعية على وجه الإجمال دون التفصيل، وكيفية حال المستدل بها، فالموضوع لعلم أصول الفقه كله ثلاثة أجزاء الأدلة والاستدلال، وهو باب التعارض والترجيح، وصفة المستدل، وهو باب المجتهد والمقلّد، والمفتي والمستفتِي، كما أن موضوع الفقه الأفعال من جهة أنها يعرض لها حكم شرعي في مكلف، أو لا يعرض لها حكم شرعي كالنائم والساهي، وأسباب الأحكام والشروط والموانع، والحجاج الكائنة عند الحكام كالبينات والأقارير ونحوها. وموضوع علم التفسير ألفاظ الكتاب العزيز ومعانيه. وموضوع علم الحديث ألفاظ الحديث وأسانيدها ورواتها. وموضوع علم الطب مزاج الإنسان من حيث يصح ويسقم، وعلى هذا المِنوَال يُعرف موضوع كل علم، فهذا بسط كلام سَيْفِ الدِّينِ، وإنما هو اختصره. وأما غايته، فالوصول إلى معرفة الأحكام الشرعيَّة. وأما مسائله، فهي أحوال الأدلة المبحوث عنها فيه. وأما استمداده، فعلم الكلام والعربية والأحكام الشرعيَّة. أما الكلام فلتوقُّفه على أن الناطق بهذه الأدلة رسول صادق. وأما العربية؛ فلأن من جهلها جهل دلالات الألفاظ في الكتاب والسنة، وأقوال إجماع الأمة من جهة الحقيقة والمجاز والعموم والخصوص وغير ذلك.

стр. 14

وأما الأحكام الشرعية، فلا بد من تصورها ليعلم كيف يفيدها أصول الفقه، ولا يتوقف على الأحكام من جهة أنها حاصلة للأفعال؛ لأن الأحكام متوقفة على أصول الفقه، وهو أدلته من هذا الوجه، فيلزم الدور، بل من الوجه الذي ذكرناه. وأما مبادئه، فمبادئ كل علم التصورات، والتصديقات المسلمة في ذلك العلم من غير برهان ليبنى عليها ذلك العلم، كانت مسلمة في نفسها كمبادئ علم أصول الدين التى هي البدهيات، أو مقبولة على سبيل المصادرة، وتكون مبرهنة في علم آخر قبل هذا العلم، وهي هاهنا ما يحتاجه أصول الفقه من الكلام والعربية والأحكام الشرعية على ما تقدم. قال الأبيارىُّ في ((شرح البرهان)): أصول الفقه له معنيان: يطلق لقبا، ويطلق مضافا. فإنْ أطلق لقبا فهو من الفنون مشتمل على جملة من الأحكام الشرعية، وحقائقها، وأقسامها، والمميز لها، وهو أدلتها، وأقسام الأدلة، وشرائطها، وكيفية الاستدلال بها، وكيفية المستدل. وإذا أطلق مضافا فهو الأدلة خاصة من هذا الوجه، لا يتوقف على الكلام والعربية والفقه، إنما يتوقف من الوجه الأول الذي هو لقب.

стр. 15

وفى كلامه نظر. أما اللقب فيتوقف على تلك الأمور؛ لأن بعضها جزء، وبعضها لازم للمجموع، وأما المضاف فلأن خصوص المضاف إنما يعرف بالمضاف إليه من حيث هو كذلك، والمضاف إليه الفقه، فيتوقف المضاف الذي هو الأصل على معرفته، والفقه هو الأحكام، وهو يستلزم من الكلام صدق الرسول والعربية وغيرها، فالقِسْمَان متوقفان؛ والتوقف أعم من توقف الجزء، وتوقف اللزوم، غير أن اللوازم منها قريب لا بدّ من معرفته، وحضوره في الذهن، وبعيد قد يستغنى عنه. البحث الثاني في فضيلة هذا العلم، وقد أجمع قوم من الفقهاء الجهال على ذمّه، واهتضامه، وتحقيره في نفوس الطلبة، بسبب جهلهم به، ويقولون: إنما يتعلم للرياء، والسُّمعة، والتغالب، والجدال، لا لقصد صحيح، بل للمضاربة والمغالبة، وما علموا أنه لولا أصول الفقه لم يثبت من الشريعة قليل ولا كثير، فإن كل حكم شرعى لا بُدَّ له من سبب موضوع، ودليل يدل عليه وعلى سببه، فإذا ألغينا أصول الفقه ألغينا الأدلة، فلا يبقى لنا حكم ولا سبب، فإن إثبات الشرع بغير أدلته، وقواعدها بمجرد الهوى خلاف الإجماع، ولعلهم لا يعبئون بالإجماع، فإنه من جملة أصول الفقه، أو ما علموا أنه أول مراتب المجتهدين، فلو عدمه مجتهد لم يكن مجتهدا قطعا، غاية ما في الباب أن الصحابة والتابعين ﵃ لم يكونوا يتخاطبون بهذه الاصطلاحات، أما المعاني فكانت عندهم قطعا، ومن مناقب الشافعى ﵁ أنه أول من صنف في أصول الفقه.

стр. 16

وأما قولهم: إنه جدال، فليت شعرى كيف يليق بهم ذم الجدال والجدل، وهو شأن الله تعالى، وشأن خاصته، فقد أقام الله - تعالى - الحجج، وعامل عباده بالمناظرة، قال الله تعالى: ﴿فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين﴾، وقال تعالى: ﴿لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾، ﴿بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه﴾، وقال للملائكة: ﴿ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض﴾، لما قالوا له: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾، وقامت الحجة له - تعالى - عليهم لما أنبأهم آدم بالأسماء وتناظرت الملائكة بقوله تعالى: ﴿ما كان لي

стр. 17

من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون﴾، وتجادل الأنبياء ﵈. وفي الصحيح: ((تحاجّ آدم وموسى ﵉ فقال موسى لآدمَ -صلواتُ الله عليهم أجمعين - أنتَ آدَمُ خلقك الله بيدهِ وأسجدَ لكَ الملائكة، وعاتبه على أكل الشجرة، فقال له آدم في آخر كلامه: أتلومني على أمر قد قُدّر علىَّ؟ قالَ رسول الله ﷺ : فحجَّ آدم موسى)) أى ظهرت حجته عليه. الحديث. وحاجت الأنبياء أممها، وجادلتها قال الله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه﴾، وحكى المجادلة إلى آخرها إلى قوله تعالى: ﴿فبهت الذي كفر﴾، وقال تعالى: ﴿قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا﴾، وقال تعالى: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾، وقال تعالى ﴿وجادلتهم بالتي هي أحسن﴾، وقال تعالى: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن﴾ وهو كثير جدا. فالجدال أصله اللَّىُّ والفَتْلُ، وجَدَلت الحبل إذا فتلته، ومنه سمى الصَّقر أجدل لانبرام جسمه وشدته، فمن لوى إلى الحق فهو محمود، ومن لوى إلى الباطل فهو مذموم، فالجدال كالسَّيف آلة عظيمة حسنة في نفسها، وإنما يَعْرض لها الذم من جهة ما تعمل فيه، فمن قطع به الطريق، وأخاف به السبيل على المسلمين ذُمّ، فكما لا يذم السيف في نفسه لا يذم الجدال في

стр. 18

نفسه، وإنما يُذَمُّ القصد الصارف له إلى الباطل، فما من شيء في العالم إلا هو كذلك، قال الله تعالى: ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون﴾، فجعل الجميع فتنة إشارة لما ذكرته، وأصول الفقه وأصول الدين من الفروض المتعين إقامتها وضبطها، لوجوب الحجة لله - تعالى - على خلقه، وإيضاح أحكام شريعته، وسيأتى في ((المحصول)) أنه من فروض الكفايات الحسنة الجليلة التى لها شئون، وشرف عظيم على غيرها. البحث الثالث في تسمية الكتاب بـ ((المحصول))، وهو مشكل، لأن الفعل إن كان حَصَلَ فهو قاصر ليس له مفعول، فلا يقال: محصول لأنه اسم مفعول، وإن كان حصَّل بالتشديد فاسم المفعول منه مُحصَّل، نحو كسَّرته فهو مكسَّر، وجرَحْته فهو مُجَرَّح، فمحصول لا يتأتى منه، وليس للعرب هاهنا إلا حَصَلَ وحصَّل، فعلى هذا لفظ محصول ممتنع لغة، والجواب من وجوه: أحدها: أن صيغة مفعول تكون لغة للمصدر، تقول العرب: فلانٌ لا معقول له أى لا عقل له، وكذلك قيل: في قوله تعالى: ﴿بأيكم المفتون﴾، أى الفتنة، فيكون المحصول بمعنى الحصول، ولا شك أن هذا الكتاب فيه حصول لأنواع من العلوم والفوائد. وثانيها: أن ((حصل)) القاصر يتعدى بحرف جر تقول: حصل بكذا، فيكون هذا الكتاب قد حصل به العلم للمشتغل به، ولا شك أن كذلك، فيصدق عليه أنه محصول به.

стр. 19

وثالثها: أن ((حصل)) يتعدى للظرف من الزمان، والظرف من المكان، فيكون هذا الكتاب محصولا فيه، ولا شك أنه كذلك؛ لأنه مكان حصل فيه العلم مسطورا لمن يقرؤه. ورابعها: أنه يتعدّى للمفعول من أجله، فتقول: حصل له أى لأجله، فيكون هذا الكتاب حصل العلم لأجله، ولا شك أنه كذلك؛ لأن مصنفه لما أراد وضعه حصَّل، واستحضر في نفسه علما كثيرا لأجل وضعه. فهذه وجوه أربعة، وعلى الثلاثة الأخيرة منها سؤال وهو: أن اسم المفعول متى كان له صلة من حرف جر، فلا بد وأن ينطق به معه، فلا تقول: زيد ممرور وتسكت، بل تقول: ممرور به، وكذلك مدخول عليه؛ لأن اسم المفعول في تقدير ما لم يسم فاعله، والذي يقام مقام الفاعل هو ذلك المضمر المجرور فلا يجوز حذفه، وقد جوزوه لقوله تعالى: ﴿إن العهد كان مسؤولا﴾، وقوله: ﴿في ليلة مباركة﴾ أى فيها، وقوله تعالى: ﴿شجرة مباركة﴾ أى فيها، فإن (بارك) لا يتعدى إلا بحرف جر. وأجابوا عن قول الأولين بأن حرف الجر حذف على السعة، فاستتر الضمير في الصفة كما حذف في قوله تعالى: ﴿افعل ما تؤمر﴾ و ﴿اصدع بما تُؤمر﴾ حذف حرف الجر فصار تؤمر، ثم حذف وهو منصوب؛ لأن المجرور لا يحذف على الصحيح لما فيه من حذف كلمتين، وقيل: حذفا معا، كذلك حذف حرف الجر هاهنا، ويؤكده إجماع النحاة على قولهم: جار ومجرور، وهو مجرور إليه أى: انجر له المصدر بالحرف، فإذا قلت: مررت بزيد انجرَّ المرور لزيد بالباء، ومع ذلك لم يقولوا: مجرور إليه، بل سكتوا عن إليه.

стр. 20

وكذلك قال صاحب ((الجمل))،:كان متصرفه، تقول: كان فهو كائن ومكون، ومعناه فيه، ولم يذكر فيه. وكذلك قال سيبويه في ((كتابه)) كما نقله صاحب ((الجمل)) عنه، ولم يذكر فيه، فتخرج هذه الأجوبة على هذا. البحث الرابعُ أخبرنى ((الشيخ شمس الدين الِخسْرُوشَاهي)) أنّ الإمام فخر الدين

стр. 21

اختصر من ((المحصول)) كراسين فقط، ثم كمله ((ضياء الدين حُسين)) فلما كمل وجد عبارته تخالف الكراسين الأولين، فغيرهما بعبارته، وهذا هو ((المنتخب))، فـ ((المنتخب)) لضياء الدين حسين لا للإمام فخر الدين، ويوجد في بعض النسخ: قال محمد بن عمر إشارة للإمام فخر الدين، وهو وَهْم، وليس للإمام فخر الدين في اختصاره شيء.

стр. 22

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعينُ قال مولانا الصدر الإمام: ((سلطان المحققين، ناصر الإسلام والمسلمين، بحر العلوم، أستاذ الورى، علم الهدى، أستاذ الشرق والغرب حجة الله على العباد، الداعي إلى الله أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين الرَّازى متّع الله المسلمين بطول عُمْرِه، وَشَكَر في الدين سَعْيَه)): الحمدلله حقَّ حمْدِهِ، وصلى الله على محمد وآله، وعلى جميع الأنبياء والمُرسلين. الكلام في المقدمات وفيه فُصول المقدمات: جمع مقدِّمة، ويقال: مقدَّمة - بفتح الدال وكسرها - اسم مفعول، واسم فاعل، ملاحظة أمرين مختلفين، إن لاحظت أن المقدمة تُقدِّمُنَا لمقصودنا، كسرنا الدال، لأنها فاعلة، أونحن نقدمها لنبنى عليها مقصودنا، فتحنا الدال؛ لأنها اسم مفعول. قال صاحب ((الصحاح)) وغيرُه: مقدمة الجيش مكسورة

стр. 23

الدال، وهي أول الجيش، ولم أرهم حكوا فيها خلافا، فكأنه غلب عليها اسم الفاعل، من جهة أنها تقدم الجيش والجيش يتبعها، وهي تشجعه وتستتبعه، وهذا البحث بعينه يأتى في مقدمات الدليل بتجويز الوجهين. الفصل الأول في تفسير أصول الفقه [قال الرَّازي]: اعلم أن المركَّب: لا يُمكن أن يُعلم إلا بعد العلم بمفرداته، لا من كل وجه، بل من الوجه الذي لأجله يصحُّ أن يقع التركيب فيه.

стр. 24

فيجب علينا تعريف الأصلِ والفقه، ثم تعريف أصول الفقه. أما الأصل: فهو المُحتاج إليه. وأمَّا الفقه: فهو في أصلِ اللغة عبارة: عن فهم غرض المتكلم من كلامه. وفي اصطلاح العلماء عبارة: عن العلم بالأحكام الشرعية العملية، المستدل على أعيانها، بحيث لا يُعلم كونها من الدين ضرورة. فإن قلتَ: الفقه من باب الظنون، فكيف جعلته عِلما. قلت: المجتهد إذا غلب على ظنه مشاركة صورة لصورة في مناط الحكم، قطع بوجوب العمل بما أدَّى إليه ظنه، فالحكم معلوم قطعا، والظن واقع في طريقه. وقولنا: ((العِلم بالأحكام)): احتراز عن العلم بالذوات والصفات الحقيقية. وقولنا: ((الشرعية)): احتراز عن العلم بالأحكام العقلية؛ كالتماثل، والاختلاف والعلم بقبح الظلم، وحسن الصدق عند من يقول بكونهما عقليين. وقولنا: ((العملية)): احتراز عن العلم بكون الإجماع وخبر الواحد والقياس حُجَّة؛ فإن كل ذلك أحكام شرعية، مع أن العلم بها ليس من الفقه، لأن العلم بها ليس علما بكيفية عمل. وقولنا: ((المستدل على أعيانها)): احتراز عما للمقلد من العلوم الكثيرة المتعلقة بالأحكام الشرعية العلميّة؛ لأنه إذا علم أن المفتى أفتى بهذا الحكم، وعلم أن ما أفتى به المفتى هو: حكم الله تعالى في حقه، فهذان العلمان يستلزمان العلم بأن حكم الله تعالى في حقه ذلك، مع أن تلك العلوم لا تسمى فقها؛ لمَّا لم يكن مستدلا على أعيانها. وقولنا: ((بحيث لا يُعلم كونها من الدين ضرورة)): احتراز عن العلم

стр. 25

بوجوب الصلاة والصوم؛ فإن ذلك لا يُسمّى فقها؛ لأن العلم الضروري حاصل بكونهما من دين محمد ﷺ . وأمَّا أصول الفقه، فاعلم أنَّ إضافة اسم المعنى تُفيد اختصاص المضاف بالمضاف إليه في المعنى الذي عُيِّنَتْ لهُ لفظة المضاف، يُقال: هذا مكتوب زيد، والمفهوم ما ذكرناه. وعند هذا نقول: أصول الفقه: عبارة عن مجموع طرق الفقه على سبيل الإجمال وكيفية الاستدلال بها، وكيفية حال المستدل بها. فقولنا: ((مجموع)): احتراز عن الباب الواحد من ((أصول الفقه)) فإنه، وإن كان من أصول الفقه، لكنّه ليس أصول الفقه؛ لأن بعض الشيء لا يكون نفس ذلك الشىء. وقولنا: ((طرق الفقه)) يتناول: الأدلة والأماراتِ. وقولنا: ((على طريق الإجمال)): أردنا به بيان كون تلك الأدلّة أدلَّة؛ ألا ترى أنا إنما نتكلم في أصول الفقه في بيان أن الإجماع دليل؟! فأمّا أنه وجد الإجماع في هذه المسألة فذلك لا يُذكر في أصول الفقه. وقولُنا: ((وكيفية الاستدلال بها)) أردنا به: الشرائط التى معها يصحُّ الاستتدلال بتلك الطُّرُقِ. وقولنا: ((وكيفية حال المستدل بها)) أردنا به: أنَّ الطالب لحكم الله تعالى، إن كان عاميا، وجب أن يستفتي؛ وإن كان عالما، وجب أن يجتهد، فلا جرم وجب في أصول الفقه أن يبحث عن حال الفتوى، والاجتهاد، وأنَّ كل مجتهد هل هو مصيب، أم لا.

стр. 26

قال القرافي: تقريره: أنّ أصول الفقه مركب من المضاف والمضاف إليه، والعلم بالمركبات يتوقف على العلم بالمفردات، لأن من جهل الحيوان، أو الناطق استحال أن يعرف الإنسان، أو جهل الخلَّ أو السُّكّر استحال أن يعرف السَّكَنْجَبِين الذي يتركب منهما، ولكن يعرف الحيوان والناطق من جهة أنهما حيوان وناطق، فإن تركب الإنسان منهما، إنما هو من هذا الوجه، لا من جهة أن الحيوان جسم ولا ممكن، ولا من جهة أن الناطق متحيز، ولا قابل للأعراض، وكذلك جميع أجزاء المركبات، يجب أن يقف العلم بالمركب عليها من جهة أنها يصح منها التركيب، لا من كل وجه، وترد عليه أربعة أسئلة: السؤال الأول: أنَّ العلم قسمان: إجمالي وتفصيلي. فالإجمالي: العلم بالشيء من بعض وجوهه. والتفصيلي: العلم بالشيء من جميع وجوهه، وكذلك تقول: أمر فلان أعرفه من حيث الجملة، وأمر فلان أعرفه مفصلا، والجَمْل: الخلط، ومنه قوله ﷺ : ((لعن الله اليهود حُرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها)) أى: خلطوها بالسبك على النار. ومنه لفظ ((مُجمَل)) لاختلاط المراد فيه بغير المراد، والعلم الإجمالى: اختلط الوجه المعلوم بالوجه المجهول في تلك الحقيقة.

стр. 27

إذا تقرر هذا، فالعلم بالمركب إنما يتوقف على العلم بمفرداته إذا كان تفصيليا، أما الإجمالى فلا، فكم في العالم من يعلم التِّريَاق والفاروق بالسماع، ولا يعرف أن حوائجه نَيِّف وسبعون حاجة، بل يعرف سقف بيته ولا يعرف عدد خشبه، ولا ما رُصَّ فيه من اللَّبِنِ، بل يعرف نفسه، ولا يعرف أن فيه خمسمائة عضلة تحركه، ولا عدد عظامه، وأوردته، وشرايينه، وغير ذلك من أجزائه، وهذه نفس الإنسان، فما ظنُّك بغيرها، نعم العلم التفصيلي متوقف، لكنه أطلق القول، فيرد عليه القسم الأول الإجمالى. الثاني: أنه إذا سُلِّمَ له ما قال، واحتاج كما قال إلى معرفة الفقه، والأصل يلزمه أن الفقه جزء كما قال، وأن الحقيقة لا تثبت به، وأن الحقيقة لا تثبت بدون جميع أجزائها، فلا يسمى أحد أصوليا، إلا إذا قام به أصول الفقه، ومن جملة أجزائه الفقه، فلا يكون أحد أصوليا حتى يكن فقيها، وليس كذلك لإطباق أهل العرف علي قولهم: فلان أصولى، وليس بفقيه، وإنما يحتاج في الأصول إلى معرفة تصور أصل الأحكام الفقهية، أو التمثيل ببعض أفرادها، وذلك ليس كافيا في مسمى الفقه على ما يأتى في حد الفقه إن شاء الله تعالى. الثالث: في قوله: من الوجه الذي يصح التركيب فيه، مع أن الجزء لا يقع التركيب فيه، بل منه، والذي يقع التركيب فيه إنما هو المركب لا مفرداته، فمقتضى قوله: أن يكون التركيب في الجزء، فيكون كل جزء مركبا، فيلزم التركيب في كل مركب من أجزاء لا نهاية لها، وهو محال لاقتضاء صيغته أن كل جزء وقع التركيب فيه. الرابع: أن أصول الفقه مركب من المضاف الذي هو الأصول، ومن الفقه الذي هو المضاف إليه، فاللازم عن هذا التركيب معرفة الأصول، ومعرفة نسبته الخاصة إلى الفقه لا نفس الفقه، فالمضاف إليه لا يدخل في حقيقة المضاف، بل نسبته إليه فقط، فقوله بعد ذلك: فيجب علينا تعريف الأصل،

стр. 28

والفقه ليس كذلك، بل تعريف الأصل ونسبته إلى الفقه، وأما الفقه فلا، وهذا هو السر في أن أصول الفقه قد يوجد بدون الفقه، وفي قوله: هذا أصولى، وليس بفقيه؛ لأن الفقه لم يدخل في حقيقة الأصول، بل النسبة فقط، كقولهم: غذاء الإنسان، ونومه، ومسكنه، لم يدخل الإنسان في شىء من تلك الحقائق، بل النسبة إليه فقط. تنبيه وفي ((الحاصل)) سكت عن قوله: لا من كل وجه، بل من الوجه الذي يصح التركيب فيه، فيسقط عنه السؤال الثالث، ويرد عليه أنه أهمل، كيف يعرف جزآه؟ فيبقى الكلام دائرا بين ما هو شرط، وهو الوجه الذي يقع منه التركيب، وما ليس بشرط، وهو معرفة الجزء من غير ذلك الوجه. وقال سراج الدين: من حيث يصح تركيبها، فلا يرد عليه شىء مما ورد على تاج الدين، ولا على الإمام في السؤال الثالث.

стр. 29

وقال التبريزى لا بد من معرفة الأصول والفقه، ومعرفة وجه الإضافة، ولم يذكر الوجه الذي يقع منه التركيب، بل عبر عنه بوجه الإضافة، فهو نحو من ((الحاصل))، وسكت ((المنتخب)) عن هذه المسألة بالكلية. قوله: ((الأصل هو المحتاج إليه)) تقريره: أن الأصل والفقه لما احتاج إلى تعريفهما، وهما لكل واحد منهما معنى في اللغة، ومعنى في اصطلاح العلماء، احتاج إلى تعريف هذه المعانى الأربعة، فهذا الذي ذكره هو معنى الأصل في اللغة عنده؛ لأن أصل السُّنبلة بُرّة، وهي تحتاج إليها، وأصل النخلة نواة وهي يحتاج إليها، وأصل الإنسان نطفة، وهو محتاج في تخليقه إليها، ولا شك أن كل أصل يُحتاج إليه، غير أن كل حقيقة كما يحتاج لأصلها يحتاج لشرطها، وانتفاء مانعها والشروط وعدم الموانع ليست أصولا لتلك الحقائق. فكما تحتاج السنبلة للبرة تحتاج للهواء اللَّين والندى المتواصل، وعدم دابة تقلعها من أصلها، وعدم عَفَن يحصل لها من منبتها، ولا يقال: أصلها الهواء، ولا عدم الحيوان المهلك، وكذلك الإنسان يحتاج لهواء يتنفس فيه، وقوت يغذيه، وبيت يؤويه، وثوب يحميه، ولا يقال: أصله الهواء ولا الثوب، فالحاصل أن كل أصل مُحتاج إليه، ليس كل محتاج إليه أصلا،

стр. 30

فيكون حده جامعا ليس مانعا؛ لاندراج حصول الشرائط، وانتفاء الموانع فيه، وليست أصولا، ووافقه على هذا التفسير سراج الدين، وصاحب ((المنتخب))، وتاج الدين غيَّرَ الحد فقال: أصل الشيء ما منه الشيء، فلا يَردُ عليه الشروط، وعدم الموانع؛ لأن الشروط ليس من شرطه، ولا من عدم مانعه، فهذا هو الباعث له على التغير في ظاهر الحال، ويرد عليه سؤالان: أحدهما: أنَّ ((مِنْ)) لفظ مشترك بين ثمانية معانٍ، كما تقرر في كتب النحو: ابتداء الغاية وانتهاؤها وغير ذلك، والمشترك يمتنع وقوعه في الحدود لإجماله، والحدود مرادة للبيان. وثانيهما: سلمنا أن الاشتراك ليس مانعا، لكن معانيها كلها لا تصح في هذا الموضع. أما ابتداء الغاية، فيصير معنى الكلام: كل ما منه ابتداء الغاية فهو أصل، وليس كذلك، كقولك: سرت من ((مصر)) إلى ((مكة))، وليس ((مصر)) أصل السير في اللغة. وأمَّا انتهاء الغاية كقولك: رأيت الهلال في دارى من خلال السَّحاب، فانتهاء رؤيتك إلى السحاب على ما قاله البعض. وقال آخرون: بل ابتدأت الرؤية من السحاب، فتكون لابتداء الغاية لا لانتهائها، ومثله شممت المِسْكَ في دارى من السوق، وعلى الأول ليس السحاب أصل رؤيتك لغة، وأما التبعيض فلأن معناه أن المجرور بـ ((مِن)) كل، والمتعلق بالمجرور جزؤه، كقولك: قبضت من الدراهم عشرة فالعشرة بعض المال، والمال أكثر منه، ولا يصدق فيما هو أصل لغة أنه أكثر، فإن البرة ليست أعظم من السنبلة، وليست السنبلة جزءا منها بل السنبلة مؤلفة من أجزاء مخلوقة لله تعالى، إما من الماء والتراب أو غيرهما قدر البرة

стр. 31

مرارا كثيرة وأجزاء البرة كلها إلا قشرها، نبتت من السنبة فالقضية بالعكس السنبلة كل والأصل بعض، وكذلك النواة في النخلة والنطفة في الإنسان وأما بيان الجنس نحو قوله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾. وقولنا: خاتم من فضة، وباب من الساج، فلأن معناه أن الأول أعم من المجرور فبين المتكلم أن المراد من ذلك العام هذا المخصوص، وأنه ليس مراده مطلق الباب، بل الباب الكائن من السَّاج، وكذلك بقية الصور. والأصل في اللغة لا يمكن وجود فرعه بدونه، فلا توجد السنبلة من غير بُرَّة، ولا إنسان من غير نطفة في جارى عادة الله، وقد تنخرق العادة كما في آدم، وعيسى ﵉، لكن اللغة إنما وضعت للعادة لا لما خرقها، وإذا بطل معنى العموم بطل بيان الجنس. وأما الزيادة لتأكيد العموم نحو: ما جاءنى من أحد. أو تنصيص العموم نحو: ما جاءنى من رجل. أو بمعنى ((عند)) نحو: قوله تعالى: ﴿ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة .... يخلفون﴾ أو غيرها مما ذكره النحاة فبعيد جدا عن هذا الموطن، وإنما بينت الذي يقرب لتوهم إرادته، أما البعيد جدا فلا أطول بذكره. قال الآمدىُّ: أصل الشىء ما يستند تحقق ذلك الشى إليه، وينبغي أن يقول: في مجرى العادة، وإلا فيشكل عليه الخالق العالم ، فإن وجود كل شىء يستند إليه، ولا يسمى في اللغة أصلا للبرة ولا لغيرها، بل يقال له تعالى: خالق ولا يقال: أصل.

стр. 32

وقال أبو الحسين في ((شرح العمد)): ((أصل الشرع ما بينى عليه غيره)) وهي أشد من العبارة الأولى. قوله: ((الفقه في اللغة: فهم غرض المتكلم من كلامه)).

стр. 33

يرِدُ عليه أن المنقول عن اللغة، أن الفقه هو مطلق الفهم. قال المازرى في ((شرح البرهان)): الفقه، والفَهْم، والطِّب، والشِّعر، والعِلم، خمس عبارات لمعنى واحد، غير أنه اشتهر بعضها في بعضه أنواع الفهم، فاشتهر الطِّب في معرفة أحوال مِزاج الإنسان، والشِّعر في معرفة الأوزان، والفقه في معرفة الأحكام، وإلا فالعرب تقول: رجل طبيب إذا كان عالما. قال الشاعر [الطويل]: وإن تَسْألُونِى بِالنِّسَاءِ فَإنَّنِى ... خَبِيرٌ بِأَدْوَاءِ النِّسَاءِ طَبيبُ

стр. 34

أي عارف، وقال الله تعالى: ﴿ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾، أى لا تعرفون، وقال ﵇: ((رُبَّ حاملِ فقهٍ إلى مَن هُوَ أفقهُ مِنْهُ)) الحديث، أى أفهم. إذا تقرر هذا، فحدّه حينئذ غير جامع لخروج فهم الصنائع وغيرها منه، وتقول العرب: فلان يفقه الخير والشر، وهو عكس حده للأصل، فإنه كان غير مانع فكان ينبغى أن يقول: هو في اللغة الفهم، كما قال غيره، ووافقه ((المنتخب)) على ذلك، وسكت سِراجُ الدين وتاج الدين عن هذا التفسير جملة ولم يذكراه البتة. ((فائدة)) قال الشيخ أبو إسحاق في ((شرح اللمع)): الفقه في اللغة: فهم

стр. 35

الأشياء الدقيقة، ولذلك تقول: فهمت كلامك، وفقهته، ولا تقول: فقهت أن السماء فوقنا والأرض تحتنا، وقاله غيره أيضا، وعلى هذا لا يكون مرادفا للعلم كما قاله المَازِرى، بل مباين، ومسماه بعض أنواع مسمى العلم. ((فائدة)) قال ابنُ عَطيَّة في ((تفسيره)): يقال: فَقَهَ وَفَقِهَ وَفقُه - بفتح القاف وكسرها وضمها. فبالفتح إذا سبق غيره للفهم، كَوزْن غَلَبَ. وبالكسر إذا فهم. وبالضمِّ إذا صار الفِقْهُ له سجيةً، فيكون على وزن فَعُلَ بالضم؛ لأنه شأن أفعال السَّجَايا الماضية نحو ظَرُفَ فهو ظريف، وشَرُفَ فهو شريف، وكَرُمَ فهو كريم.

стр. 36

واسم الفاعل من الأولين فاعل نحو: سمع فهو سامع وغلب فهو غالب، ومن الثالث فعِيل نحو: شرف فهو شريف، وكذلك تقول: فَقُهَ فهو فقيه. قوله: والفِقْهُ في اصطلاح العلماء: ((أنه العلم بالأحكام الشرعية العملية المستدل على أعيانها، بحيث لا يعلم كونها من الدين ضرورة)). تقريره: أنه قال: بعد هذا ما هو شرح الحد، ويكمل إيضاحه أيضا بالإيراد عليه من الأسئلة، وهي ثمانية: السؤال الأول: في احترازه بالعميلة عن كون الإجماع حجة، وخبر الواحد والقياس حجة، فهو إشارة منه إلى أن الله - تعالى - أوجب علينا أن نتعلم أصول الفقه لضبط الشريعة، وكذلك جلّ أصول الدين، وهي أمور تعلم ولا تعمل، ولا يقال للعالم بها: فقيه في العرف، بل أصولى، فاحتاج لإخراجها عن الحد، فهذا يتجه غير أن كل قيد في حدٍّ إنما يذكر ليحترز به من ضده، هذه قاعدة الحدود فقوله: ((العملية)) يقتضى الاحتراز عن الأحكام الشرعية العملية الكائنة بالقلب دون عمل الجوارح، وعلى هذا يخرج بعض الفقه من الحد؛ لأن الفقيه كما يكون فقيها بالعلم بوجوب الصلاة والصوم، يكون فقيها بالعلم بوجوب النية، والإخلاص، وتحريم الربا والحسد، وأمور كثيرة لا توجد إلا في القلب، فقد تعلَّق الفقه بعمل الجوارح والقلب أيضا، فإخراجه يقتضى إخراج بعض المحدود، فلا يكون الحدُّ جامعا.

стр. 37

وسيف الدين قال: الفروعية إلى آخر الحد، فبقوله: الفروعية دخلت الأعمال والنيات، وجميع ما ورد نقضا؛ لأنها تسمى فروعية، ولا يرد عليه نقض، وخرج بالفروعية علم الأصلين، فاستقام حده بقوله: الفروعية، فإن قلت: بل هذه داخلة في حده؛ لأنها تعمل بالقلب، وهو قد أخرج غير العملية فقط، وأخذ جميع العمليات كانت بالجوارح أو بالقلب قلت: سؤال حسن، غير أنه يبطل بما ذكره من الإجماع والقياس وخبر الواحد، فإنها أمور يتصرف فيها وبها في القلب، ويقدم ويؤخر، ويحقق اعتقاداتها وأنها معتبرة شرعا، فللقلب فيها أعمال كثيرة، والأصولى يعمل بقلبه وبفكره فيها تحقيقا وإلغاء، ومع ذلك لا يُسمّى فقيها، فعمل القلب إن كان معتبرا دخل عمل الأصولى بقلبه، أو غير معتبر خرج الإخلاص والنية وغيرهما. السؤال الثانى: ثم الألف واللام في قوله: العملية مشكلة؛ لأن الألف واللام تستعمل لاستغراق الجنس، نحو ﴿لا تقربوا الزِّنا﴾ وللمعهود من الجنس نحو قوله تعالى: ﴿كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول﴾، أى الرسول المعهود بتقدم ذكره الآن. ولبيان حقيقة الجنس نحو قول السيد لعبده: اذهب إلى السوق، فاشتر لنا الخبز واللحم، أى هذه الحقيقة، ولم يرد جميع الأفراد، ولا معهودا منها، وهذا هو غالب استعمالها، وهو الذي يمكن أن يفسر به في هذا الموضع. ولها عند النحاة مواضع أخر لا تحسن هاهنا. كالتسوية نحو هذا الرجل يسوونه بين النَّعتِ والمنعوت.

стр. 38

والتزين نحو دل الدليل على حدوث العالم أى دليل دل على حدوثه. واللام حلية في الدليل، وزينة في النطق، وفي الفعل على معنى الزيادة نحو قول الشاعر [الطويل]: يَقُولُ الخَنَا وَأَبغَضُ العُجْمِ نَاطِقاً ... إلى رَبِّنَا صَوتُ الحِمَارِ اليُجَدَّعُ وموصولة: وهي الكائنة في الصفات نحو: الضارب والضاربة، أى: الذي ضرب والتى ضربت. فنقول: إنْ كان المراد هاهنا استغراق الجنس، والقاعدة أن صيغة العموم كلية لا كل.

стр. 39

والفرق بينها أن الكلية هي الحكم على كل واحد بحيث لا يبقى واحد نحو: قولنا: كل رجل يشبعه رغيفان غالبا، فتصدق باعتبار الكلية، وتكذب باعتبار الكل، الذي هو المجموع، والكل نحو قولنا: كل رجل يشيل ألف قنطار فتصْدُقُ باعتبار الكل، وتكذب باعتبار الكلية، فإن أراد باللام الكلية كان معنى الفقه صادقا بكل فرد فرد على حاله، فيكون من قام به العلم، بأى حكم - كان وحده يسمى فقيها، وليس كذلك في العرف، وإِنْ أراد باللام الكل لا الكلية لزم ألا يسمى أحد فقيها؛ لأن مجموع الأحكام العملية لم يحصله أحد، وإن أراد العهد تعذر؛ لأنه لا معهود بيننا، ولأنه لو نشأ مجتهد، واتبعه في تصانيفه طلبة سموا فقهاء، مع أنَّ ما اشتغلوا به غير معهود. قال الشيخ أبُو عَمرِو بنُ الحَاجِب:

стр. 40

((المراد: أقل الجمع ثلاثة))، ورد عليه أنه يلزم أن من عرف ثلاثة أحكام ينبغى أن يسمى فقيها في العرف وليس كذلك.
следующие страницы →