Полный текст (4 032 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
واسم الفاعل من الأولين فاعل نحو: سمع فهو سامع وغلب فهو غالب، ومن الثالث فعِيل نحو: شرف فهو شريف، وكذلك تقول: فَقُهَ فهو فقيه.
قوله: والفِقْهُ في اصطلاح العلماء: ((أنه العلم بالأحكام الشرعية العملية المستدل على أعيانها، بحيث لا يعلم كونها من الدين ضرورة)).
تقريره: أنه قال: بعد هذا ما هو شرح الحد، ويكمل إيضاحه أيضا بالإيراد عليه من الأسئلة، وهي ثمانية:
السؤال الأول: في احترازه بالعميلة عن كون الإجماع حجة، وخبر الواحد والقياس حجة، فهو إشارة منه إلى أن الله - تعالى - أوجب علينا أن نتعلم أصول الفقه لضبط الشريعة، وكذلك جلّ أصول الدين، وهي أمور تعلم ولا تعمل، ولا يقال للعالم بها: فقيه في العرف، بل أصولى، فاحتاج لإخراجها عن الحد، فهذا يتجه غير أن كل قيد في حدٍّ إنما يذكر ليحترز به من ضده، هذه قاعدة الحدود فقوله: ((العملية)) يقتضى الاحتراز عن الأحكام الشرعية العملية الكائنة بالقلب دون عمل الجوارح، وعلى هذا يخرج بعض الفقه من الحد؛ لأن الفقيه كما يكون فقيها بالعلم بوجوب الصلاة والصوم، يكون فقيها بالعلم بوجوب النية، والإخلاص، وتحريم الربا والحسد، وأمور كثيرة لا توجد إلا في القلب، فقد تعلَّق الفقه بعمل الجوارح والقلب أيضا، فإخراجه يقتضى إخراج بعض المحدود، فلا يكون الحدُّ جامعا.
стр. 37
وسيف الدين قال: الفروعية إلى آخر الحد، فبقوله: الفروعية دخلت الأعمال والنيات، وجميع ما ورد نقضا؛ لأنها تسمى فروعية، ولا يرد عليه نقض، وخرج بالفروعية علم الأصلين، فاستقام حده بقوله: الفروعية، فإن قلت: بل هذه داخلة في حده؛ لأنها تعمل بالقلب، وهو قد أخرج غير العملية فقط، وأخذ جميع العمليات كانت بالجوارح أو بالقلب قلت: سؤال حسن، غير أنه يبطل بما ذكره من الإجماع والقياس وخبر الواحد، فإنها أمور يتصرف فيها وبها في القلب، ويقدم ويؤخر، ويحقق اعتقاداتها وأنها معتبرة شرعا، فللقلب فيها أعمال كثيرة، والأصولى يعمل بقلبه وبفكره فيها تحقيقا وإلغاء، ومع ذلك لا يُسمّى فقيها، فعمل القلب إن كان معتبرا دخل عمل الأصولى بقلبه، أو غير معتبر خرج الإخلاص والنية وغيرهما.
السؤال الثانى: ثم الألف واللام في قوله: العملية مشكلة؛ لأن الألف واللام تستعمل لاستغراق الجنس، نحو ﴿لا تقربوا الزِّنا﴾ وللمعهود من الجنس نحو قوله تعالى: ﴿كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول﴾، أى الرسول المعهود بتقدم ذكره الآن.
ولبيان حقيقة الجنس نحو قول السيد لعبده: اذهب إلى السوق، فاشتر لنا الخبز واللحم، أى هذه الحقيقة، ولم يرد جميع الأفراد، ولا معهودا منها، وهذا هو غالب استعمالها، وهو الذي يمكن أن يفسر به في هذا الموضع.
ولها عند النحاة مواضع أخر لا تحسن هاهنا.
كالتسوية نحو هذا الرجل يسوونه بين النَّعتِ والمنعوت.
стр. 38
والتزين نحو دل الدليل على حدوث العالم أى دليل دل على حدوثه.
واللام حلية في الدليل، وزينة في النطق، وفي الفعل على معنى الزيادة نحو قول الشاعر [الطويل]:
يَقُولُ الخَنَا وَأَبغَضُ العُجْمِ نَاطِقاً ... إلى رَبِّنَا صَوتُ الحِمَارِ اليُجَدَّعُ
وموصولة: وهي الكائنة في الصفات نحو: الضارب والضاربة، أى: الذي ضرب والتى ضربت. فنقول: إنْ كان المراد هاهنا استغراق الجنس، والقاعدة أن صيغة العموم كلية لا كل.
стр. 39
والفرق بينها أن الكلية هي الحكم على كل واحد بحيث لا يبقى واحد نحو: قولنا: كل رجل يشبعه رغيفان غالبا، فتصدق باعتبار الكلية، وتكذب باعتبار الكل، الذي هو المجموع، والكل نحو قولنا: كل رجل يشيل ألف قنطار فتصْدُقُ باعتبار الكل، وتكذب باعتبار الكلية، فإن أراد باللام الكلية كان معنى الفقه صادقا بكل فرد فرد على حاله، فيكون من قام به العلم، بأى حكم - كان وحده يسمى فقيها، وليس كذلك في العرف، وإِنْ أراد باللام الكل لا الكلية لزم ألا يسمى أحد فقيها؛ لأن مجموع الأحكام العملية لم يحصله أحد، وإن أراد العهد تعذر؛ لأنه لا معهود بيننا، ولأنه لو نشأ مجتهد، واتبعه في تصانيفه طلبة سموا فقهاء، مع أنَّ ما اشتغلوا به غير معهود.
قال الشيخ أبُو عَمرِو بنُ الحَاجِب:
стр. 40
((المراد: أقل الجمع ثلاثة))، ورد عليه أنه يلزم أن من عرف ثلاثة أحكام ينبغى أن يسمى فقيها في العرف وليس كذلك.
стр. 41
............................................................................
стр. 42
...........................................................................
стр. 43
...........................................................................
стр. 44
قال الشيخ شرف الدين بن أبى الفضل المرسى: ((اللام)) لمطلق الحقيقة، ويكون المراد أنها تصدق بحكم واحد، ولا يشكل أن أهل العرف لا يسمون من علم حكما واحدا فقيها، فإنَّ صيغة فَعِيل إنما هي للمعنى تفيد كونه سجية، والحدود إنما وضعت لأجل المعنى الأعم، أمَّا بقيدِ كونِهِ سجيَّةً فلا، والذي يستحقه أصل المعنى الأعم فاقِهٌ لا فَقِيهٌ، فلا يضر الحد سلب فقيه، وهذا جواب جيد حسن، ويمكن الجواب بأنها للعهد.
وتقريره: أن الخاصة والعامة مجمعون على سَلْب الفقه عن طوائف من
стр. 45
أهل الحِرَف وغيرهم، ومجمعون على إثباته لطائفة هي عند أهل العرف معروفة، ومن تحدد واتصف عندهم بتلك الصفة سموه فقيها، وإن لم يتصف قالوا: ليس بفقيه، والقضاء على المحال بالنفي أو الإثبات من جميع الناس فرع تصورهم ما لأجله ينفون، وما لأجله يثبتون، فتكون هذه الصورة التي لأجلها ينفون ويثبتون معلومة عند جميعهم، فهي معهودة، والمراد باللام تلك الصورة فصح أنها للعهد، فهذا تقرير هذه الصورة من حيث الإجمال، وأما من حيث التفصيل فقد أشار إليه سَيْفُ الدين بقوله في حده: جملة غالبة من الأحكام احترازا من الحكم الواحد ونحوه، ولم تتعيَّن هذه الجملة بمذهب معين، ولا بتصنيف معين، ولو طرأ مجتهد كما تقدم في السؤال صح أن مذهبه من حفظه منه جملة غالبة يسمى فقيها، وهذا أحسن الأجوبة، فإن جواب شرف الدين يَرد عليه أن أهل العرف إذا قيل لهم: مَن عرف حكما واحدا هل هو من أهل الفقه أو من العوام؟
قالوا: ليس هو من أهل الفقه، فيسلبون عنه الفقه، ولفظ الفقه لأصل المعنى لا لكونه سجيَّة، فلا يجد عنه جوابا كما وجده في لفظ فقيه، وهذا الجواب الأخير لا يَرِد عليه شيء من ذلك، ولا بد من تصور ورود هذه الأسئلة، والجواب عنها من استحضار قاعدة، وهو أن كل معنى قائم بمحل وجب أن يشتق له من لفظ ذلك المعنى لفظ، كمن قام به السَّوَاد سمى أسود، ومن قامت به الحركة سمِّى متحركاً، ويمتنع الاشتقاق لغيره كما يأتى تقريره، فلهذه القاعدة استدللنا بالسلب على عدم معنى الفقه، وبثبوت الاسم المشتق من لفظ المعنى الذي هو فقيه على ثبوبته، وإيراد السؤال في ((لام)) العملية أولى من إيراده في ((لام)) الأحكام؛ فإن ((لام)) الأحكام ليس المراد بها أحكام الفقه فقط، بل العقلية والفقهية، فالإيراد فيها غير
стр. 46
متجه لأنه أخرج بعد هذا العقلية بقوله: الشرعية، ثم أخرج هنا أيضا أحكام أصول الفقه وأصول الدين بقوله: ((العملية)) بل لا ينبغى إيراد هذا السؤال إلا على لام العملية؛ لأنه قصد بها الفقه وحده.
السؤال الثالث: على قوله: ((المستدل على أعيانها))، قال: إنه احتزر به عما للمقلد من العلوم الكثيرة المتعلقة بالأحكام الشرعية العملية؛ لأنه إذا علم أن المفتى أفتى بهذا الحكم، وأن ما أفتى به المفتى، فهو حكم الله تعالى في حقه لعلم أن هذا حكم الله - تعالى - في حقه، مع أنه لا يسمى فقيها؛ لأنه لا يستدل على أعيانها، فنقول: صيغة المستدل على أعيانها صيغة مفعول ما لم يسم فاعله، وإذا كان الفاعل لم يذكر فنقول: هذه الأحكام التى حصلت للمقلد هي مستدل على أعيانها؛ لأن المجتهدين استدلوا على أعيانها، فما خرج المقلد بهذا القيد فإن قلت: يرد عليه أيضا أن العلم ليس حاصلا للمقلد، فإن إحدى المقدمتين غيرُ معلومة وهي الكبرى.
أما قوله: هذا أفتانى به المفتى، فمعلوم له بالجنس.
وأما قوله: وكل ما أفتى به المفتى، فهو حكم الله تعالى قطعا، فهذا إنما يحصل لمن علم أن الإجماع انعقد على أن حكم الله - تعالى - في حق المقلدين ما أفتاهم به المجتهدون، وهذا الإجماع أولا غير صحيح، فإن الإمام قد حكى في كتاب ((الاجتهاد)) أن معتزلة ((بغداد)) قالوا: لا يجوز للعامى تقليد المجتهدين.
وقال الجُبَّائى: لا نجوزه في غير مسائل الاجتهاد، سلمنا حصول
стр. 47
الإجماع، لكن من أين لهذا العامى العلم به؟ بل أكثر الفقهاء لا يعرفه ولا شعور له به، وإذا لم يحضر العلم بالإجماع في ذهن العامى، لا تكون المقدمة الثانية معلومة له لعدم موجب للعلم من ذهنه، فلا يكون العلم حاصلا للعامى، بل عنده ظن نشأ عن ظاهر حال المفتى، وهو أن الظاهر من حال من انتصب للفتيا بين المسلمين ألا يفتى إلا بحكم الله تعالى، أما القطع فلا، فعلى هذا يكون العامى خارجا عن الحد بقوله في القيد الأول العلم بالأحكام، فهذا القيد حَشْو في الحد، والحشو في الحدود لا يجوز.
قلت: أما خلاف معتزلة ((بغداد))، فمسبوق بإجماع الصحابة ﵃ فإنهم ما كانوا يُنكرِون على جُلف الأعراب وعوام الناس استفتاءهم لفقهاء الصحابة، بل لو أقدموا على التصرفات بغير استفتاء ذموهم، فالإجماع حاصل. وأمَّا أنَّ هذا الإجماع يجهله كثير من الفقهاء فضلا عن العوام فصحيح، غير أن الحدود يحترز فيها عن النقوض، وإن كان وقعها نادرا جدا، وليس من المستحيل في مجارى العادات اطِّلاع جماعة من العوام الذين يخالطون الفقهاء والفضلاء من غير اشتغال بالفقه أن يطلعوا على هذا الإجماع، فتلك الطائفة إذا استفتت حصل لها العلم، لأن المقدمتين عندها معلومتان، فاندفع السؤال بهذه الطائفة وإن قلَّت.
السؤال الرابع: على قوله: ((على أعيانها)) لفظ العَيْن ظاهر في إرادة أشخاص الأحكام، وحينئذ يقال: ما مرادك بقولك: على أعيانها؟ أتريد أن على كل عَيْن من أعيان الاحكام دليلا يخصه؟ أو تريد أن الاستدلال يقع في كل عين ولو بدليل عام؟
إنْ أردت الأول خرج الفقه من الحد، فإنه لا يوجد غالبا أدلة خاصة بأعيان المسائل، بل إنما تثبت الأحكام في أعيان المسائل بعموم الأدلة، وفتجب الزكاة في هذا المال المخصوص بعموم قوله تعالى: ((وآتوا الزكاة))
стр. 48
ويجب حد الزنا بعموم قوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ وكذلك بقية الأحكام، وإن أردت أن الاستدلال يقع في أعيان الأحكام بالدليل العام به من العامى في كل مسألة جزئية فأحد الأمرين لازم.
إما خروج الفقهاء من الحد، أو دخول العوام، وكلاهما يبطل الحد، فلو قال المستدل على أعيانها بأدلة تخص أنواعها استقام، فإن الأدلة المختصة بالأنواع لم توجد إلا في أنفس الفقهاء.
السؤال الخامس: على قوله: بحيث لا يُعلم كونها من الدين ضرورة، وقال: احترزت به عن وجوب الصلاة والصوم، فإن ذلك لا يسمى فقها، فنقول: إذا كانت شعائر الإسلام ضرورية من الدين كيف يبقى بعد قولكم: المستدل على أعيانها؟ فإن العلم الضرورى إذا حصل بالشيء تعذّر اكتسابه بالدليل، فحينئذ قد خرجت شعائر الإسلام بقولك: المستدل على أعيانها، فيكون هذا القيد حشوا تأباه الحدود.
فإنْ قلت: الضرورة لا تمنع الاستدلال لا في العقليات ولا في الشرعيات.
أما في العقليات فإن حدوث العالم وغيره تقام عليه الأدلة الكثيرة واحدا بعد واحدٍ، مع أنه قد حصل العلم الضرورى بالأوّل.
وأما في الشرعيات فلأنا نستدل في جميع الأعصار والأمصار على وجوب الصلاة بقوله تعالى: ﴿أقيموا الصلاة﴾ وبِقولِه ﵇: ((بُنىَ الإسلامُ على خمسٍ)) عقلا وشرعا، فعلمنا أن الضرورة لا تنافي الاستتدلال كان الضرورى عقليا، أو شرعيا.
стр. 49
قلت: الذي تقرر في علم المعقول أن العلم الضرورى لا يقبل الزيادة.
قال الإمام في ((المحصل)): إذا أقمنا على المطلب دليلا، وحصلت الضرورة به، ثم أقمنا أدلة أخر بعده، فليس المقصود حصول العلم بذلك المطلوب، وإلا لزم تحصيل الحاصل، بل المطلوب كون تلك الأدلة أدلة على ذلك المطلوب، فالمتحصل بها كونها في أنفسها أدلة، لا حصول العلم بذلك المطلوب، كما إذا طلبت دار الأمير فعرفت الذهاب إليها بطريق وعلمت دار الأمير والطريق إليها، فلك أن تسأل عن أخرى، وهل هذه الطريق أيضا
стр. 50
تُفضِى إلى دار الأمير كما أفضت الطريق الأولى؟ وليس مقصودك تعرف دار الأمير، بل كون الطريق الثانية هل هي طريق أم لا؟
وكذلك شعائر الإسلام العلم بها حصل، وإنما يقصد معرفة ما ورد فيها من الأدلة الشرعية نصا، أو قياسا، وكيف يمكن غير ذلك، وهي إنما تفيد بعمومها الظن، والقطعى يستحيل اكتسابه من الظنى؟
السؤال السادس: قال النَّقْشَوَانى: احتزاره بالشرعية عن الأحكام العقلية لا يصح؛ لأن التماثل والاختلاف، وكل ما في العالم مخلوق لله تعالى، والله - تعالى - هو الشارع، فكلها شرعية.
стр. 51
...............................................................................
стр. 52
وجوابه من وجهين:
أحدهما: أنّ قولنا: الشرعية إشارة إلى الشرعيات الصادرة عن الله تعالى، لا إلى الله - تعالى - من حيث هو هو، وما في العالم إنما يضاف إلى الله - تعالى - من حيث قدرته لا من حيث شرائعه، فليس في العقلية نسبة الشرعية، بل نسبة القدرة والتأثير.
وثانيها: أن من المعقولات ما لا مدخل لقدرة فيه ألبتة، بل هو كذلك بذاته، ولا يضاف إلى شيء، ولا يُنْسب إليه في تحصيله على تلك الهيئة كاستحالة المستحيلات، ووجوب الواجبات، وإمكان الممكنات، ومناقضة العدم للوجود، ومضادة السواد للبياض دون الحركة، ونحو ذلك كثير، ولو قطعنا النظر عن إثبات الصانع لجزمنا بهذه الأمور، فليست ناشئة عن الربوبية ألبتة، بل هي في نفس الأمر كذلك، وإن جُهلت لنا، فأمكن الاحتراز عنها.
السؤال السابع: قال التبريزى والنقشوانى: لا يحسن الاحتراز عن شعائر الإسلام التى هي ضرورية من الدين كالصلاة والصوم، فإن الفقه كان
стр. 53
حاصلا للصحابة رضوان الله عليهم، ولم تكن ضرورية حينئذ، وفقه الصحابة ﵃ يجب أن يتناوله الحد.
وجوابه إنما حدُّ الفقه في اصطلاح العلماء اليوم في عصرنا، وفقه الصحابة ﵃ لم يكن يسمى فقها ذلك الوقت باصطلاح، بل بوضع اللغة فقط، واصطلاحنا اليوم يتناوله من جهة أنه نظرى، ولما صار ضروريا من الدين لم يصدق عليه حينئذ فقه اصطلاحا، كما أن الظن إذا صار علما لم يصدق عليه اسم الظن بسبب انتقاله لحالة أخرى، وكذلك علم الصحابة رضوان الله عليهم بأصول الفقه، وأصول الدين وجميع المعلومات، كان يسمى فقها لغة، ولا يتناوله اصطلاح العلماء في لفظ الفقه.
السؤال الثامن: قال ((صاحب الوافي)): الحد ينتقض بعلم الله - تعالى - وعلم جبريل ﵇؛ لأنه متعلق بهذه الأحكام الشرعية المخصوصة، ولا يسمى فقها في العرف، ولا يرد هذا النقض على صاحب ((التحصيل)) لقوله: ((الاستدلال)) ولم يقل: ((المستدل على أعيانها))، بل قال: الفقه العلم بالأحكام التى هي كذا وكذا بالاستدلال؛ لأن هذا العلم ليس بالاستدلال.
((تنبيه))
وافق صاحب الكتاب ((المنتخب))، وقال سراج الدين: الفقه العلم بالأحكام الشرعية العملية التى لا يعرف بالضرورة كونها من الدين، إذا حصل بالاستدلال على أعيانها فيسقط عنه ما في السؤال الثالث من
стр. 54
الأحكام التقليدية استدل عليها المجتهد؛ لأنه إنما ورد لأن الصيغة منفية لما لم يسم فاعله، وهاهنا ليس كذلك.
وقال في الحاصل: الشرعية المدلولة مع جملة قيود الكتاب، وهي في معنى لفظ الكتاب، فإنَّ اسم المفعول في معنى الفعل الذي لم يسم فالعه.
وقال التبريزىٌّ: ((الفقه فهم الأحكام الشرعية العملية)).
ويرد عليه ما احترز عنه الإمام من أصول الدين، وأصول الفقه المطلوبين للشرع، وما عند المقلد وشعائر الإسلام.
قولُه: ((فإنْ قلت: الفقه من باب الظنون فكيف جعلته علما؟)).
قلت: المجتهد إذا غلب على ظنه مشاركة صورة لصورة في مناط الحكم قطع بوجوب العمل بما أدى إليه ظنه، فالحكم معلوم قطعا، والظن وقع في طريقه.
تقريره بيان أن الأحكام الشرعية معلومة بأن تقول: يدل على ذلك برهانان قطعيان:
الأول: أن نقول: كل حكم شرعى ثابت بمقدمتين قطعيتين، وكل ما هو ثابت بمقدمتين قطعيتين فهو معلوم، فكل حكم شرعى معلوم إنما قلنا: إنه ثابت بمقدمتين قطعيتين؛ لأنا نفرض الكلام في حكم، ونقرر فيه تقريرا نجزم باطراده في جميع الأحكام.
فنقول: وجوب النية في الصوم مظنون لمالك قطعا عملا بالوجدان؛
стр. 55
لأنه يجد الظن في نفسه قطعا، وكل ما هو مظنون لمالك، فهو حكم الله تعالى قطعا في حقه، وحق من قلده إذا حصل له سببه.
وهذا التقرير نجزم باطراده في جميع الأحكام، فيكون كل حكم شرعة ثابتا بمقدمتين قطعيتين:
الأولى: وجدانية.
والثانية: إجماعية، وكلاهما قطعي، فتثبت أن كل حكم شرعة ثابت بمقدمتين قطعيتين.
وأما أن كل ما هو ثابت بمقدمتين قطعيتين فهو معلوم؛ فلأن النتيجة تابعة للمقدمات، فيكون كل حكم شرعى معلوما وهو المطلوب.
وقولنا: في حقه وحق من قلده لانعقاد الإجماع على أن وجوب البسملة لا يلزم المالكية ولا مالكا، ووجوب مسح جميع الرأس لا يلزم الشافعية ولا الشافعى، ولا يعصون بترك ذلك.
стр. 56
.....................................................................
стр. 57
.....................................................................
стр. 58
بل كل منهم مطيع بفعل ما غلب على ظنه، كالمجتهدين في جهات الكعبة إذا غلب على ظن أحد منهم ضد ما غلب على ظن الآخر، فإنه لا يعصى بترك ما غلب على ظن صاحبه، بل يعصى بترك ما غلب على ظنه، وكل واحد منهما حكم الله - تعالى - في حقه ما أدى إليه اجتهاده من الجهات، فكذلك أفعال المكلفين يكون الفعل الواحد حراما حلالا بالنسبة إلى شخصين، كما تكون الميتة حراما حلالا بالنسبة إلى شخصين: المختار والمضطر، ونزل الشرع ظنون المجتهدين منزلة أحوال المكلفين من الاضطرار والاختيار، فالظنان المختلفان كالصفتين من الاضطرار والاختيار، والكل طرق إلى الله تعالى وأسباب السعادة الأبدية.
وقولنا: ((إذا حصل له سببه)) احترازا من أن يجتهد المجتهد في أحكام الصرف ولا مال له، أو في الزكاة ولا نصاب عنده، أوفي الجنايات ولا مجنى له أو في الأقضية ولا حكم له، أوفي أحكام الحيض والعدد، وهو رجل لا يتأتى ذلك منه، لكنه بحيث لو حصل له ذلك السبب كان حكم الله - تعالى - في حقه بمقتضى ذلك السبب.
وينبغى أن يعلم أنه ليس من شرط الوجوب أن يكون ممكنا، بل قد يكون مستحيلا، كقولنا: إن كان الواحد نصف العشرة، فالعشرة اثنان، وهو كلام صحيح، فقد قال الله تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾، فغلبوا الفساد على وجود الشريك، وهو مستحيل، فعلى هذا قولنا: ((إذا حصل له سبب)) يدخل فيه الممكن كمِلْك النصاب، والمستحيل عادة كأحكام الحيض، ونحوها في حق المجتهدين الرجال، ويصير القيد شاملا لجميع الأحكام.
стр. 59
وقولنا: ((حكم الله - تعالى - في حقه))، ولم نقل: يجب عليه العمل بمقتضى ظنه؛ لأن الاجتهاد قد يُفضِى إلى إباحة مباح، فلا يجب العمل لتعذر الوجوب في المباح، وكذلك المندوب والمكروه والحرام.
فإن قلت: هذه الأحكام كلها وإن لم يجب فيها مباشرة الفعل، لكنه يجب اعتقاد الإباحة والندب ونحوهما.
قلت: الاجتهاد ما وقع في الاعتقاد، إنما وقع في الفعل ما حكم الله - تعالى - فيه، فأداه اجتهاده إلى إباحة ذلك الفعل، فالفعل هو المحترز منه، لا اعتقاد حكمه، وإن كان الاعتقاد قد وقع فيه الاجتهاد أيضا، لكن معنا أمران مُجتهد فيهما:
أحدهما: يجب وهو الاعتقاد.
والآخر: لا يجب وهو الفعل، فيجب الاحتزار عنه، وهذا التقرير يظهر بطلان قول من يقول: الثابت بالإجماع إنما هو وجوب العمل لا الحكم، وهل وجوب العمل إلا الحكم؟ وكيف ينطقون بوجوب العمل ولا يعتقدونه حكما؟ وكيف يخصصون وجوب العمل مع أن الاجتهاد قد يقع في المباح وغيره؟ ولا يمكن حمله على وجوب الفتوى، فإن المجتهد قد يتعين له الحكم بالإجماع، ولا يفتى به لكونه خاصا به في واقعة وقعت له، أو أنه لم يسئل عنه، أو يسئل ولا يجيب لكون غيره قد قام مقامه في الفتوى، فسقط عنه الوجوب، فالقول بوجوب العمل لا يصح كما قاله الإمام وغيره، ومن قال بوجوب العمل فهي هفوَةٌ منه، فليراجع ذهنه.
البرهان الثاني: نقول: ((كل حكم شرعى ثابت بالإجماع، وكل ما هو ثابت بالإجماع فهو معلوم، فكل حكم شرعى معلوم)).
إنما قلنا: إن كل حكم شرعى ثابت بالإجماع، لأن الأحكام قسمان:
стр. 60
منها: ما اتفقت الفتاوى عليه، وظاهر أنه ثابت بالإجماع.
ومنها: ما اختلفت الفتاوى فيه، وقد انعقد الإجماع على أن كل مجتهد إذا استفرغ جهده في طلب الحكم الشرعي، وغلب على ظنه حكم فهو حكم الله - تعالى - في حقه وحق من قلده، إذا حصل له سببه، فقد صارت الأحكام في مواقع الخلاف ثابتة بالإجماع عند الظنون، فثبت أن كل حكم شرعى ثابت بالإجماع.
وأما أن كل ما هو ثابت بالإجماع، فهو معلوم، فلأن الإجماع معصوم على ما يأتى تقريره في كتاب الإجماع إن شاء الله تعالى، فثبت أن كل حكم شرعى معلوم وهو المطلوب.
وعلى البرهانين ستة أسئلة:
أحدها: لا نسلم انقعاد الإجماع على أن ما غلب على ظن المجتهد هو حكم الله تعالى في حقه، وحق من قلده إذا حصل له سببه.
وثانيها: سلمنا انقعاد الإجماع على ذلك، لكن الإجماع ظنى عند الإمام، ولأن أدلته ظنية فهو ظنى، فإن ظواهر النصوص إنما تفيد الظن، وإذا كان ظنيا لايحصل العلم؛ لأن النتيجة تابعة للمقدمات.
وثالثها: سلمنا أنه قطعى، لكنه ادَّعى في كتاب الإجماع أنه ظنى، فكيف يدعى هاهنا أن الحكم الشرعى معلوم بناء، فإنه تناقض، فنحن نلزمه مذهبه في الإجماع، وإن كان مذهبا باطلا، فإن النقض والإلزام يردان بمعتقد من يرد عليه ذلك، ولا يشترط وقوع ذلك الأمر في نفس الأمر.
ورابعها: أن الأمارات أكثرها غير متفق عليها، فإذا افتى مفت بناء على أمارة مختلف فيها، كيف يوافقه غيره إلا أن ذلك حكم الله تعالى، مع اعتقاده بطلان مستنده، وأنه أفتى غير مستند، والفُتيا بغير مستند باطلة
стр. 61
إجماعا؟ فلا يتصور حصول الإجماع في هذه الصورة، فلا تصدق الكلية وهي أن كل حكم شرعى ثابت بالإجماع؛ لأنكم تعنون بالحكم الشرعى:
ما أفتى به المجتهدون لا الواقع في نفس الأمر.
وخامسها: أنَّ من الأحكام ما ينقض إذا حكم به حاكم، وهو ما خالف أحد أمور أربعة:
الإجماع والنص والقياس الجلى والقواعد، على ما بُسط وقرر في الفقه، وما لا يقرر بعد تأكده بحكم الحاكم أولى ألا يقرر في الشريعة قبل تأكده بالحكم، فلا يتكون تلك الفتاوى مُتَّفقا على أنها حكم الله تعالى، فلا تصدق الكلية أن كل حكم أفتى به المفتى ثابت بالإجماع.
وسادسها: سلمنا جميع ما ذكرتموه، لكنه إنما يتم إذا قلنا: إن كل مجتهد مصيب، أما إذا قلنا: إن المصيب واحد ليس مرسلا، وهو الصحيح، تكون جميع الفتاوى ما عداه خطأ، والخطأ لا يكون حكم الله تعالى بالإجماع، بل معفو عنه، أما أنه حكم الله تعالى في نفس الأمر فلا، فضلا عن دعوى الإجماع فيه.
والجواب عن الأول: أن الحكم بالراجح من الدليلين معلوم بالضرورة من دين محمد ﷺ فإن الاجتهاد مشروع بالضرورة، فعند التعارض محال بالضرورة أن يقال بترك الراجح لأجل المرجوح، فيتعين ترك المرجوح لأجل الراجح، ولأنه ليس مطلوب المجتهدين في جميع الأعصار والأمصار إلا الراجح ليحكموا به، فإن التعارض معلوم الوقوع بالضرورة بين الظواهر والأقيسة، والقواعد، وطلب السالم عن المعارض محال، بل المطلوب الراجح ليس إلا، ومن استقرأ هذه الأمور علم أن القضاء بالراجح معلوم من الدين بالضرورة. وفي التفاوى، والأقضية، وقيم الُمتلفات، وأُرُوش الجنايات، وإذا كان القضاء بالراجح معلوما من الدين بالضرورة،
стр. 62
فالأولى أن يكون مجمعا عليه، لاستحالة حصول الخلاف فيما هو معلوم منا لدين بالضرورة، وقد نقل هذا الإجماع جماعة من الأصوليين.
وعن الثاني: أن الإجماع قطعى ومخلافه كافر، بل قواعد أصول الفقه كلها قطعية، غير أن القطع لا يحصل بمجرد الاستدلال ببعض الظواهر، بل بكثرة الاستقراء لموارد الأدلة، ومن كثرت مطالعته لأقضية الصحابة رضوان الله عليهم، واستقراؤه لنصوص الكتاب والسنة حصل القطع، غير أن ذلك يتعذر وضعه في كتاب، فوضع في الكتب ما تيسر وضعه، وما ذلك إلا كشجاعة على وسخاء حاتم.
لو لم نجد فيهما حكاية موضوعة في كتاب واحد لم يحصل لنا القطع بهما، لكن القطع حاصل بهما بكثرة الاستقراء، والمطالعة التى لا يوجد مجموعهما في كتاب واحد، فلذلك قلنا: إنا قاطعون بشجاعة على وسخاء حاتم، كذلك من أراد القطع بقواعد أصول الفقه من الإجماع والقياس وغيرهما، فلتيوجه للاستقراء التام في أقضية الصحابة، ومناظراتهم، وأجوبتهم وفتاويهم، ويكثر من الاطلاع على نصوص السنة والكتاب، فيحصل له من جميع ذلك ومن القرائن الحالية، والسياقات اللفظية، القطع بهذه القواعد، الغفلة عن هذا المُدرك هو الموجب لقول من قال: الإجماع ظني، لأنه لم يطلع إلا على نصوص يسيرة في بعض الكتب، فهو كم لم ير لحاتم غير حكايات يسيرة في بعض الكتب، فلا يجد في نفسه غير الظن،
стр. 63
فيقول سخاء حاتم مظنون، مع أنه في نفس الأمر مقوطع به عند غيره ممن كمُل استقراؤه.
هذه قاعدة جليلة شريفي ينبغى أن يتفطَّن لها، فإنها أصل كبير من أصول الإسلام، وهو سر قول العلماء: إن قواعد الدين قطعية، وعدم العلم بها هو سبب المخالفين في ذلك، ومثال الفريقين كفريقين تواتر عند أحدهما قضية لم تتواتر عند الآخر، ففتى كل واحد منهما على مدركه من الظن والقطع، وقد تكون الرسالة المحمدية لم تبلغ لبعض الناس، وقد تبلغ بأخبار الآحاد، ولا يقدح ذلك في أنها قد قطع بها في نفس الأمر.
وعن الثالث: أنه وإن ادعى ذلك، فإنَّه لم يفرع عليه، بل فرع على مذهب الجماعة، فالتفريع صحيح، والإلزام صحيح.
وعن الرابع: أن الأمارة وإن اختلتف فيها فالفتيا عليها، كالفتيا بالحكم المختل فيه، فحكم الله - تعالى - في حق كل مجتهد ما أدى إليه اجتهاده في المدرك المختلف فيه، والحكم المختلف فيه، نعم لو حكم لمدرك مجمع على بطلانه لم نقل إنه حكم الله - تعالى - في حقه، إلا أن يكون قد التبس عليه، أما مع العلم بأنه غير مدرك فليس بحكم الله - تعالى - في حقه إجماعا.
وقد حكى الغزالى في ((المستصفى)) على أن المجتهد إذا أخطأ
стр. 64
الإجماع فحكم الله - تعالى - في حقه ذلك الحكم المخالف للإجماع بالإجماع حتى يطلع على مخالفته للإجماع، ولأجل للبس، وإذا انعقد الإجماع في المخالف للإجماع بسبب اللبس فغيره بطريق الأولى، فالحكم في المدارك كالحكم في الفتاوى، لأن كونه مدركا فتيا مختلف فيها فالبابان واحد، والمختلفون سواء في ذلك، وحكم الله - تعالى - ما غلب على الظنّ، فالأمارة ومدلولها بالإجماع فهما كلاهما سواء، ولو اقتضى الخلاف في الأمارة أن يعتقد المخالف أنه أفتى بغير دليل لاعقتد في فتياه في الحكم الذي يخالف فيه أنه أفتى بغير حكم الله تعالى، ومتى أفتى بغير حكم الله - تعالى - لا يجوز اتباعه، لكن الإجماع منعقد على وجوب الاتباع في مسائل الخلاف وغيرها ما لم تخالف الأمور الأربعة الموجبة لنقض الحكم المتقدم ذكرها.
نعم إن كان المفتى بالمدرك المختلف فيه يعتقد بطلانه وغلط فيه، فهذا ينقض إذا اطلع عليه، وهو حكم الله - تعالى - في حقه حتى يطلع عليه، كما قلنا في مخالف الإجماع حتى يطلع عليه.
وعن الخامس: أن ما ينفقض من الأحكام هو حكم الله - تعالى - في حق من لم يطلع على سبب النقض حتى يطلع عليه، وحكى الإجماع في ذلك، والعجب ممن ينكر الإجماع في الحكم بالراجح في مواطن الخلاف مع وجوده في الحكم بما يخالف الإجماع لأجل الراجح في ظن المجتهد.
وعن السادس: أنّ كل حكم شرعى معلوم على التقديرين، أما إن قلنا: إن كل مجتهد مصيب فظاهر، وأما القول بأن المصيب واحد، فالفقه إنما هو العلم بما ظهر على ألسنة المجتهدين، لا بما عند الله تعالى.
فإذا قلنا في الحد: الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية إنما نريد ذلك؛ لأنا
стр. 65
نحُدُّ الفقه في العرف وهذا هو الذي في العرف، وإذا انعقد الإجماع على أن من غلب على ظنه ما هو على خلاف الإجماع أن حكم الله - تعالى - في حقه ما غلب على ظنه حتى يطلع على الإجماع، فأولى أن يكون في حكم الله - تعالى - في حقه ما هو على خلاف شيء في نفس الأمر لم يطلع عليه، ويكون نظير هذه المسألة أن الكعبة معينة في نفس الأمر للصلاة بالإجماع، ومع ذلك إذا اجتهد فيها عشرة فصلوا العشر جهات، فحكم الله - تعالى - في حق كل مجتهد منهم أن يصلى لجهته التى غلبت على ظنه؛ وكذلك من قلده ممن يجوز له التقليد حتى يطلع على بطلانها، كذلك هاهنا غاية هذا الحكم في نفس الأمر أن يكون كالكعبة إذا أحيطت، فإنه مختلف فيه وتعيين الكعبة متفقه عليه، فهذه الأحكام المختلف فيها الصادرة عن ألسنة المجتهدين وفكرهم، وبذل جهدهم معلومة مجمع عليها حتى يعلم أنها مخالفي لحكم الله - تعالى - في نفس الأمر.
واعلم أنك إذا لاحظت مسألة القبلة والأوانى والاجتهاد فيها، ومسألة
стр. 66
الميتة وكونها حراما حلالا لشخصين باعتبار صفتين، وأن الصفتين كالظنين في المجتهدين، ولاحظت أنَّ من وجد جلابا فظنه خمرا، فإنه يحرم عليه بالإجماع حتى يطلع عليه أو خمرا يظنه جلابا، فإنه مباح له بالإجماع، حتى يطلع على كونه خمرا، أو أجنبية يظنها امرأته، أو امرأته يظنها أجنبية، ونحو ذلك من الصور والنظائر، فإن الأحكام فيها تابعة لما في النفوس دون ما في نفس الأمر، فإنَّ ذلك يسهل عليه معرفة هذه المسألة، وقد أطلت الكلام فيها بتقارير جليلة رجاء إيضاحها، واقتصرت عليها مع القدرة على الزيادة في ذلك، فإنى رأيت كثيرا من الفضلاء ينكرونها، ويقولون: كيف يتصور أن تكون جميع الأحكام الشرعية معلومة، مع أنها مبنية على ظواهر العمومات، وأقيسة الشبه وغيرهما؟ وفيما ذكرته كفاية في إزالة هذه الشبهة من بواطنهم.
стр. 67
((تنبيه))
وافق الإمام في دعوى أن الأحكام الشرعية معلومة شيخ الأصوليين القاضى أبا بكر الباقلانى.
حكاه المَازَرىُّ عنه في ((شرح البرهان))، ووافقه إمام الحرمين والغزالى، وابن برهان، وسيف الدين الآمدى، والأبيارى.
وحكى الإجماع في أن الراجح يجب الحكم به، وصاحب ((المعتمد)) وصاحب ((الوافي)) جمهور من تحدث في هذا العلم، كلهم يقولون:
стр. 68
الأحكام الشرعية معلومة، ووافقه من المختصرين للمحصول ((المنتخب)) و ((الحاصل)) و ((التحصيل))، وخالفه التبرزى، فقال: من الأحكام ما يعلم ومنها ما يظن، ووقع في الوهم الذي وقع فيه غيره.
قال ابنُ بُرْهَان في كتاب ((الأوسط)): والحكم عند ظن المجتهد الناشيء عن الأمارة معلوم مقطوع به بالإجماع، كما أن الحاكم إذا شهدت عنده البينة غلب على ظنه صدقهم، وقطع بوجوب الحكم عليه بالإجماع عند ذلك الظن، حتى لو استحل عدم الحكم حينئذ كفر لتركه مقطوعا به وكذلك إذا قال الله تعالى: إذا شككتم في يوم هل هو من رمضان في آخر أم لا؟
أوجبته عليكم، فنحن نقطع بوجوبه علينا عند الشك، ويصير الحكم متعلق الشك، والقطع من وجهين مختلفين، وهذا كلام حسن.
وأما قوله: ((الظن واقع في طريقه)).
فوافقه على هذه العبارة ((المنتخب)) و ((التحصيل))، وخالفه صاحب ((الحاصل))، فقال: المظنون طرائقها لا هي، فجمع الطرائق، وغيره وحد كما وحد صاحب الأصل في ((المحصول)) فيظن أن الجمع إشارة إلى الطرق المثيرة للظن الذي يحكم عنده الإجماع بأنه المظنون حكم الله - تعالى - في
стр. 69
حق المجتهد كالعموم والقياس، ونحو ذلك، وعبارة الوحدة تحتمل ذلك، وتحتمل أن الظن وقع في الطريق الدال على كون الأحكام معلومة، وقد تقدم طريقان، بمعنى أن الظن متعلق المقدمة الوجدانية التى تقدم ذكرها وواقع عند المقدمة الإجماعية، فإن الإجماع متعلقه الحكم لا الظن، بل هو واقع عند الظن بخلاف الوجدان متعلقه الظن، وهذا أقرب للفظ المحصول؛ لأنه قال: ((الظن واقع في طريقه))، وتلك الأمارات من العموم، والقياس، ونحوهما مثيرة للظن، لأن الظن واقع فيها، بل بها لا فيها.
وقول صاحب ((الحاصل)): ((المظنون طرائقها)) عبارة حائدة عن السنن، فإن الطرائق إن أراد بها ما ذكرته من الأدلة الدالة على كون الأحكام معلومة، فليست مظنونة، وإنْ أراد القياس ونحوه، فوجودها أيضا معلوم واستلزامها مظنون، فلا يقال: هي مطنونة، فعبارة الإمام والجماعة أسد. ظ
وفي كلام الإمام إشارة أخرى حسنة، وهي أن الظن إنما يقدح في النتيجة إذا كان جراء الطريق بأن تكون إحدى المقدمتين ظنيَّة، أما إذا لم يكن جراء الطريق، بل واقعا فيه لا يقدح في النتيجة، والظن هاهنا خارج عن المقدمتين، والمقدمتان معلومتان.
((تنبيه))
إذا اجتمع في الحكم الشرعى دليلان يدلان عليه ؛ القياس مثلا، وهو ظنى، والبرهان المتقدم ذكره، وهو قطعى؛ فكان الحكم معلوما لأجل الدليل القطعى، ولم يكن ظنيا. لأجل الدليل الظنِّى، ولو اجتمع مقدمتان ظنية وقطعية، كان المطلوب ظنيا لأجل المقدمة الظنية، ولم يكن قطعيا لأجل المقدمة القطعية، والفرق أن المقدمة القطعية تتوقف إفادتها على المقدمة الظنية، فلا نقطع بالمطلوب لتوقف القطعى على الظنى، فلا يوثق بهما معا.
стр. 70
والدليل القطعى لا تتوقف إفادته للعلم على الدليل الظنَّى، فويق به للعلم بالمطلوب، فلو شهد عدل أن الواحد نصف الاثنين، لم يقدح كون شهادته لا تفيد إلا الظن في كون الواحد نصف الاثنين، لم يقدح كون شهادته لاتفيد إلا الظن في كون الواحد نصف الاثنين معلوما، أو شهد أنَّ الشمس مشرقة، لم يقدح ذلك في إفادة الحسَّ كونها مشرقة، فتأمل الفرق، وبه يظهر لك أن دلالة الأدلة الظنية من العموم والقياس، وغيرهما لا يقدح في إفادة البراهين المفيدة للعلم، ولا في العلم المستفاد من انعقاد الإجماع على أن ذلك المظنون حكم الله - تعالى - في حق من ظنه من المجتهدين.
((فائدة))
متى قال الإمام في السؤال: لا يقال فالسؤال عنده ضعيف ؛ لأنه أتى بصيغة النفي في أوله فلا قدم للسؤال في الثبوت.
ومتى قال: ولقائل أن يقول: فهو عنده قوى؛ لأنه ابتدأه بلام الاختصاص التى هي للثبوت، فهو متمكن القدم في الثبوت.
ومتى قال: فإن قيل؛ أو فإن قلت فهو عنده متقارب في البعد من ظهور الفساد، وللصحة؛ لأن ((إن)) في لسان العرب للشك فلا تدخل ولا يعلق عليها إلا مشكوك فيه، فلا تقول: إن زالت الشمس أكرمتك، فلذلك قال: لا يقال: العلم من باب الظنون لقوة ضعف السؤال عنده.
قوله: إضافة اسم المعنى يفيد اختصاص المضاف بالمضاف إليه في المعنى الذي عينت له لفظة المضاف.
تقريره: أن الإضافة تقع بين الألفاظ وبين المعانى.
أما في الألفاظ فلظهور الأثر بين اللفظين، فتجرد الأول من لام التعريف والتنوين ويتعرف اللفظ الثانى باللفظ الأول.
وأما في المعانى؛ فلأن المعنى الأول يتعرف بالمعنى الثانى وينتقل إليه معناه.
стр. 71
فالمضاف للمصدر يصير مصدرا نحو: ضربته أشد الضرب، وإلى الظرف يصير ظرفا نحو: مرت سبع ليال ونحو ذلك، وإذا تقررت الإضافة بين الألفاظ والمعانى، واللفظ متقدم في إضافته على إضافة المعنى؛ لأنه سببه، فلو لم يركب اللفظ لم يتعرف المعنى، فيكون متقدما طبعا، فيتعين تقديمه وضعا، فلذلك قال: إضافة اسم المعنى ولم يقل: المعنى، ومتى أضيف فقيل: زيد كاتب الأمير، وحاجب الوزير، وعدو خالد، وصديق بكر فلا يفهم من الإضافة الأولى إلا اختصاص الكتابة بالأمير، ومن الثانية إلا اختصاص الحجة بالوزير، ومن الثالثة إلا اختصاص العداوة بخالد، ومن الرابعة إلا اختصاص الصداقة ببكر دون ما عدا ذلك، فهو معنى قوله: ((يفيد اختصاص المضاف بالمضاف إليه في المعنى الذي عينت له لفظة المضاف)).
أى: لا يقع الاختصاص إلا في مسمى لفظة المضاف فقط، من ذلك الوجه، ومقصوده بهذا التنبيه أن أصول الفقه مضاف ومضاف إليه، فيختص الأصول بالفقه من جهة أنها أدلة له لا من وجه آخر، فإنها أصوات وأعراض وممكنة ومصادر سيَّالة وغير ذلك، ومع ذلك فلا تختص بالفقه إلا من جهة أنها أدلة، وهي الجهة التى عينت لها لفظة المضاف.
قوله: ((أصول الفقه مجموع ((طرق)) الفقه على سبيل الإجمال وكيفية الاستدلال بها، وكيفية حال المستدل ((بها)) إلى آخر الفصل.
تقريره: أن الأصل له أربعة معانٍ:
واحد منها لُغوى، وثلاثة اصطلاحية.
فاللغوى: أصل الشىء منشؤه الذي تفرع عنه، نحو أصل النخلة نواة، والإنسان نطفة كما تقدم في تعريف الأصل.
والاصطلاحية: أصل الشئ دليله، ومنه أصل هذه المسألة الكتاب والسنة
стр. 72
والإجماع أى أدلتها، ومنه أصول الفقه، وأصل الشئ رجحانه عند العقل، ومنه الأصل براءة الذمة أى الراجح؛ لأن الإنسان ولد بريئا من الحقوق كلها، فإذا خطر ببالنا أن ذمته اشتغلت بحق الله تعالى، أو للخلق، أو لم تشتغل؛ ولم يقم دليل على شئ من ذلك كان احتمال عدم الشغل راجحا على احتمال الشغل في العقل، ومنه الأصل في الكلام الحقيقة، أى هي الراجحة عند السامع على المجاز، والأصل عدم الاشتراك أى الراجح عدم الاشتراك على الاشتراك، والأصل بقاء ما كان على ما كان أى الراجح بقاؤه على تغيره عن حاله، والأصل الرابع الصورة المقيس عليها في القياس، فإنهم يسمونها أصلا، وليست من هذه الأقسام، فالأصول حينئذ أربعة متباينة بالحد، والحقيقة واللفظ بينهما مشترك.
((تنيبه))
مقتضى قوله أن تكون أصول الفقه كلها ثلاثة أجزاء لا رابع لها ، وإن طالت المصنفات فيها وكثرت، الأدلة والاستدلال والمستدل.
فالأول: الأوامر والنواهي والعموم والقياس والإجماع ونحوها.
والثانى: التعارض والترجيح.
والثالث: هو باب المجتهد وصفته والمقلد وصفته، وعلى كلامه خمسة أسئلكة:
الأول: أن قوله: ((مجموع طرق الفقه))، وقال: احترزت به عن الباب الواحد يلزمه أحد الأمرين: إما أن يقول في حد الفقه: مجموع أبواب الفقه، ألا يقول هاهنا لفظ المجموع.
وتقريره: أن للفقه أبوابا أكثر من أبواب أصول الفقه بكثير، وأهل العرف يسمون فقيها من عرف جملة غالبة من الفقه كما تقدم تقريره،
стр. 73
وكذلك من عرف جملة غالبة من أصلو الفقه سمونه أصوليّاً، ولا يمكن لأحد أن يقول: إن من جهل بابا واحدا من أصول الفقه وإن صغر، وإن قل أن أهل العرف يمتنعون من إطلاق الفظة الأصولى عليه، بل بعض الكتب المختصرة لم تستوعب فيها أبواب أصول الفقه، ومع ذلك يسمون العالم بها أصوليا كما يسمون العالم بمختصرات الفقه فقبها لكونه حصَّل جملة غالبة في الموضعين، بل المخالف في صيغة العموم والأمر كالقاضى ونحوه يلزم ألا يسمى أصوليّا عند خصومه، وكذلك كل أصولى خالف أصلا لا ختلال المجموع بالقياس إليه، وإذا استوى البابان لزم احد الأمرين ضرورة، والذي يظهر أن الإسقاط في اشتراط المجموع هو الصواب، وقد أسقطه كثير من المصنفين ووافقه أبو الحسين في شرح ((العمد)) وغيره.
الثانى: قوله: على سبيل الإجمال مع أنَّ القاعدة أن كل قيد في حد إنما يُحتَرَزُ به من ضده، وقد تقدم أن العلم الإجمالي معرفي الشئ من بعض وجوهه، والتفصيلي معرفة الشيء من جميع وجوهه، تقدم ذلك في أول الشرح مبسوطاً، فحينئذ الإجمال إنما يحترز به عن التفصيل، وقد قال: إنه احترز به عن حال الفقيه في علمه بوجود الأدلة في الصور المعينة، مع أن الفقيه فاته بعض الوجوه، وهو كون تلك الأدلة التى هي حظ الأصولى، فحينئذ كل واحد من الفقيه والأصولى إنما حصل له العلم بهذه الطرق على سبيل الإجمال، فاندرك الفقيه في حد الأصول فما قصد أن يكون مخرجا انعكس موجباً.
الثالث: أن وجود الأدلة في صور الأحكام كوجود الحقائق في البقاع والأزمان، ووجود الحقائق في البقاع والأزمان لا يكون وجوها فيها حتى بعد الجهل بها يخل بالعلم بتلك الحقيقة؛ لأن من جهل حقيقة الإنسان وعلم أن منه في الأرض الفلانية، أو الزمان الفلانى أفراداً لا يقال: إنه جاهل بحقيقة
стр. 74
الإنسان، وكذلك من علم حقيقة السواد، فكذلك من علم حقيقة الإجماع، وجهل انقعاده في مسألة القراض لا يقال: إنه جاهل بحيقة الإجما ع؛ لأن وجوده في القراض كوجود السواد في ثوب زيد، وإنما يعد وجها في الحقيقة ما كان قارا فيها، كمن علم الإنسان من جهة كونه ناطقا لا من جهة كونه ضاحكا بالقوة، أو كاتبا بالقوة، ونحو ذلك، فإنه لم يعلم الإنسان على التفصيل، فظهر أن إخراج حظ الفقيه من الأدلة لا يصير العلم بأصول الفقه إجماليا بغير هذا الوجه، أما بهذا الوجه فلا.
الرابع: أن من جملة أصول الفقه كيفية حال من لم يجز له الاستدلال بهذه الأدلة على الأحكام ليعتمد على ما يظهر له وهو المقلد، فإن صفته إنما تذكر في أصول الفقه، وما ذكرها كما ذكر صفة المستدل، فإن قال: إن صفته تعلم بطريق اللزوم من معرفة صفة المستدل، بمعنى أن من ليس موصوفا بصفة الاجتهاد فهو المقلد.
قلنا: وكذلك تُعْلم صفة المجتهدين من صفة المقلد بطريق اللزوم، بمعنى أن من ليس بمقلد فهو مجتهد، وهذا التعريف المتضارب الشئ لا يجوز في الحدود، فلا يقال في الحركة: ما ليس بسكون، ولا لسكون ما ليس بحركة؛ لأنه تعريف الشئ بما لا يعرف إلا بعد معرفته.
الخامس: قال النًّقْشَوَانى: إنه فسَّر الطريق بما يكون النظر الصحيح فيه مقصيا للعلم، أو الظن بالحكم الشرعى، والذي ينظر لتحصيل العلم، أو الظن الخاص هو الفقيه، فيلزم أن يكن أصول الفقه فقهاً، وهذا السؤال غير متجه؛ لأنا إذا قُلْنا في حد الماء: هو الذي إذا شربه الحيوان روى به، فهذا تعريف بخاصة، ولا يلزم دخول الحيوان في حد الماء، وكذلك إذا قلنا:
стр. 75
الشمس هو المستدير الذي يضئ منه العالم، وتغيب لأجله الكواكب، لا يدخل العالم ولا جميع الكواكب في حد الشمس، بل هذا تعريف بخاصة وحيثية في الشمس، أى هو بحيث يكون كذلك، ومتعلق الحيثية لا يدخل فيها، وكذلك هذه حيثيثة في طريق الفقه، ومتعلقها وثمراتها، وجيمع ذلك لا يدخل فيها.
((تنيبه))
وافقه ((المنتخب)) في عبارته ((والحاصل)) أيضا، وقال صاحب ((التحصيل)): جميع طرق الفقه من حيث هي طرق إلى آخره فيرد عليه جميع ما على الأصل إل سؤال الجمال، فعبارته أقرب للصواب.
وقال التبريزى: مجموع أدلة الفقه غير أنها لها أجناسا لقولنا: الإجماع وخبر الواحد والقياس واحدا وأشخاصا كهذا الإجماع، وهذا الخبر المعين والعلم بماهية الجنس، وكونه حجة، وشروط اعتباره، وكيفية دلالته هو الملقب بعلم أصول الفقه، وهو المراد بقولههم: على سبيل الإجمال، والعلم بالأشخاص، ووجه دلالتها هو علم الفقه والخلاف، فكذلك هو مجموع أدلة الفقه على سبيل الإجمال، وكيفية دلالتها، وشروط اعتبارها، وكيفية حال المستدل بها، والمقلد له، هذه عبارته، ويرد عليه السؤال الأول والثاني والثالث فقط؛ لأنه ذكر المقلد، ولم يتعرض لتحديد الطرق.
((تنبيه))
قد تقدم من كلام الأبيارى في ((شرح البرهان)) أن أصول الفقه تطلق اسما علماً لعلم مخصوص، وتطلق مضافا للفِقْه.
والقسمان مشكلان.
следующие страницы →