← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 14284

ثم أبصرت الحقيقة

محمد سالم الخضر

Полный текст (554 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ثم أبصرت الحقيقة تأليف محمد سالم الخضر الطبعة الثانية ١٤٢٨هـ - ٢٠٠٧م شبكة أنصار أهل البيت WWW.ANSAR.ORG

стр. 2

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف الطبعة الثانية ١٤٢٨هـ - ٢٠٠٧م لمراسلة المؤلف أو المساهمة في طبع الكتاب يمكنك التواصل معنا على العنوان التالي: ص. ب ١٢٤٢١ - الشامية ٧١٦٥٥ - الكويت أو على البريد الالكتروني ALBOSHRA١٩٧٥@yahoo.com شبكة أنصار أهل البيت WWW.ANSAR.ORG

стр. 3

إهداء إلى رسول الله الذي أنار الله به حياتي ... إلى أهل بيته الأطهار وصحابته الكرام الذين ظلمهم المؤرخون وقصّر في حقهم أهل الأهواء ... إلى أبي الذي لم تمتلئ عيناي بالنظر إليه قبل رحيله ... إلى أمي جبل العطاء وعنوان التضحية وبرج الشموخ ... إلى كل من أسدى إليّ نصيحة أو وجّه لي نقداً بناءاً ... إلى كل مسلم يحب الحقيقة ولا يرضى باستغلال الدين ولا بالطائفية المقيتة ... إلى هؤلاء جميعاً أهدي كتابي هذا ... راجياً من الله أن يلهمني الإخلاص ويجزيني عليه حسن الثواب.

стр. 4

((فهرس مواضيع الكتاب)) الموضوع ... الصفحة المقدمة ....................................................................... ... ١١ الفصل الأول: خطوات إلى الأمام الوحدة التي نريد ............................................................. ... ١٥ دين موروث ................................................................. ... ١٧ حبك للشيء يعمي ويصم .................................................... ... ٢٠ هذا ديني وذاك مذهبي ....................................................... ... ٢٢ سهام رمتني وأخرى سترميني ................................................ ... ٢٣ نحن مع الحق وإن قاله خصومنا .............................................. ... ٢٦ لماذا لا نتحاور؟ ............................................................. ... ٢٩ نريده حواراً من أجل الحقيقة ................................................. ... ٣١ من هنا كانت البداية .......................................................... ... ٣٤ في السيدة زينب .............................................................. ... ٤١ الفصل الثاني: في حب أهل البيت حب أهل البيت .............................................................. ... ٤٩ حبهم إيمان وتُقى وبغضهم نفاق وضلال ...................................... ... ٥٣ مَنْ هم آل البيت؟ ............................................................ ... ٥٧ أهل البيت بين الشرف والخصوصية .......................................... ... ٧٥

стр. 5

الموضوع ... الصفحة حين ينقلب الحب بغضاً وعداوةً ............................................ ... ٨٠ تحت أي بند يُصنّف هذا الحب؟! ........................................... ... ٨٧ الغلو في أمهات كتب الشيعة ................................................ ... ٩٩ كيف ينظر كبار علماء الشيعة إلى الأئمة الإثنى عشرية؟ ....................... ... ١٠٢ ١ - آية الله العظمى الخميني ................................................. ... ١٠٢ ٢ - آية الله العظمى الخوئي .................................................. ... ١٠٩ ٣ - آية الله العظمى جواد التبريزي .......................................... ... ١٠٩ ٤ - آية الله العظمى محمد الحسيني الشيرازي ................................. ... ١١١ ٥ - آية الله العظمى محمد محمد صادق الصدر ................................ ... ١١٢ ٦ - آية الله العظمى وحيد خراساني .......................................... ... ١١٥ ٧ - آية الله العظمى ميرزا حسن الحائري الإحقاقي ........................... ... ١١٨ ٨ - آية الله العظمى ميرزا عبد الرسول الإحقاقي ............................ ... ١١٩ ٩ - آية الله العظمى محمد الحسيني الشاهرودي .............................. ... ١٢١ ١٠ - الإمام الأكبر محمد الحسين آل كاشف الغطاء ........................... ... ١٢١ ١١ - العلامة جعفر التستري ............................................... ... ١٢٢ الفصل الثالث: الخلافة والإمامة الخلافة والإمامة ............................................................ ... ١٣١ المرجعيات ولغة التكفير .................................................... ... ١٣٤ خطوات نحو إصلاح ما أفسدته الطائفية .................................... ... ١٣٨

стр. 6

الموضوع ... الصفحة لماذا لم يذكر الأئمة في القرآن؟ .............................................. ... ١٤١ الإمام والإمامة في القرآن الكريم ............................................ ... ١٤٣ القرآن وعقيدة الإمامة الشيعية .............................................. ... ١٤٩ القول بالإمامة الإلهية بعد النبي طعن في ختم نبوته ........................... ... ١٥١ نصوص شيعية اشترطت العدل في الحاكم لا العصمة ........................ ... ١٥٩ الأحلام لا تصلح لأن تكون دستوراً ........................................ ... ١٦٢ نهج البلاغة ينقض عقيدة الإمامة التي يعتقدها الشيعة ....................... ... ١٦٩ عندما يمتزج وهم الإمامة النصية بالخرافة الحسية! .......................... ... ١٧٣ مناقشة أدلة الإمامة عند الشيعة الإثنى عشرية ................................ ... ١٧٨ مَنْ الأفضل أبو بكر أم علي؟ ............................................... ... ١٨٠ الإمامية أضعف حجة قرآنية من أهل الكتاب ................................ ... ١٩٦ آية ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين﴾ ............................................... ... ٢٠٤ آية ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ .................................. ... ٢٣٢ آية ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ ........................... ... ٢٤٦ آية التطهير وحديث الكساء ................................................. ... ٢٥٧ آية المباهلة .................................................................. ... ٢٩٢ آية ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَاد﴾ ......................................... ... ٣٠٠ مناقشة ما يُستدل به على الإمامة من السنة النبوية ............................. ... ٣٠٦ أ- حديث غدير خُم ........................................................ ... ٣٠٦

стр. 7

الموضوع ... الصفحة ب- حديث الاستخلاف على المدينة ........................................ ... ٣٢٥ ج- حديث الطائر .......................................................... ... ٣٣٤ د- حديث الدار ............................................................ ... ٣٤٠ هـ - حديث (علي مني وأنا من علي) ........................................ ... ٣٥٢ و- أحاديث الإثنى عشر إماماً .............................................. ... ٣٥٧ لا أحاديث صحيحة في النص على الأئمة الإثنى عشر بأسمائهم ............... ... ٣٦٥ روايات شيعية دامغة! ...................................................... ... ٣٧١ المرتضى لا يستبعد كون الأئمة أكثر من إثني عشر! ........................... ... ٣٧٥ اعتراف خطير للشيخ حسين المدرسي الطباطبائي ............................ ... ٣٧٦ واعتراف أخطر من الشيخ محمد الباقر البهبودي ............................ ... ٣٧٨ من هم الخلفاء الإثنى عشر؟ ............. .................................. ... ٣٧٩ الفصل الرابع: مع صحابة رسول الله مع صحابة رسول الله ....................................................... ... ٣٨٩ حوار مع زميل ............................................................. ... ٣٩٠ المَرءُ على دين خليله ......................................................... ... ٣٩٣ ماذا عن امرأتي نوح ولوط ﵉؟ .................................. ... ٣٩٦ حديث (قرن الشيطان) هل أُريد به عائشة ﵂؟ ................... ... ٣٩٩ أم المؤمنين عائشة وموقعة الجمل ............................................ ... ٤٠١ مع مبغض لعمر بن الخطاب ﵁ ................................... ... ٤٠٥

стр. 8

الموضوع ... الصفحة شرعنة الكذب وعقلنة اللا معقول .......................................... ... ٤٠٩ مخلوقات في كواكب أخرى ... لكنها تتبرأ من أبي بكر وعمر! ................ ... ٤١٠ المحقق الثاني وعادة لعن الشيخين (أبي بكر وعمر)!! ........................ ... ٤١١ أحسن طريقة لسب صحابة نبيك!! ......................................... ... ٤١٢ ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَامُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِين﴾ ............................... ... ٤١٤ تشبيه الاسترابادي أم المؤمنين عائشة بحيوان! ............................... ... ٤١٧ سب صحابة رسول الله كفر عند أئمة أهل البيت ............................ ... ٤٢١ الإمام علي بن الحسين (زين العابدين) يتبرأ من مبغضي الصحابة ............. ... ٤٢٢ من هو جد الإمام جعفر الصادق؟ .......................................... ... ٤٢٣ حب الإمام عليّ للصحابة ................................................... ... ٤٢٥ نهج البلاغة والثناء العطر على عمر بن الخطاب .............................. ... ٤٢٦ هل يُسمّي الرجل أبناءه بأسماء أعدائه؟! ................................... ... ٤٣٠ مالك الأشتر والشيخين أبو بكر وعمر ...................................... ... ٤٣٢ بيعة الرضوان تشهد لعثمان بن عفان بالرضوان .............................. ... ٤٣٣ شرف صحبة رسول الله .................................................... ... ٤٣٥ المقدّس الأردبيلي - من الذي قدّسه؟ ....................................... ... ٤٣٨ صحابة رسول الله كما تصورهم كتب الشيعة وعلمائها ...................... ... ٤٣٩ صورتان متضادتان ........................................................ ... ٤٤٢ الطعن في الصحابة يستلزم الطعن في الدين الذي نقلوه لهذه الأمة ............. ... ٤٤٧

стр. 9

الموضوع ... الصفحة لابد من التمييز بين الصحبة اللغوية والصحبة الشرعية ...................... ... ٤٥٦ هل في الصحابة منافقون؟ .................................................. ... ٤٦٠ عدالة الصحابة ............................................................. ... ٤٧٥ منقلبون على أعقابهم ومرتدون مِنْ أجل ماذا؟! ............................. ... ٥٠٦ من المرتد - صحابة رسول الله أم هؤلاء؟ ................................... ... ٥٠٩ هل بَشَّر القرآن الصحابة بردتهم وكفرهم؟ .................................. ... ٥١٢ نموذجان حيّان للمزاجية في تفسير النصوص الشرعية ....................... ... ٥١٤ أ- آية آل عمران ...................................................... ... ٥١٤ ب- حديث المذادة عن الحوض ........................................ ... ٥٣٠ التعامل مع الصحابة من خلال أخطائهم .................................... ... ٥٣٩ وبالمكيال الذي تكيل يُكال لك .............................................. ... ٥٤١ رؤية ناصبيّ للإمام علي ..................................................... ... ٥٤٢ خاتمة ....................................................................... ... ٥٤٨ المراجع ..................................................................... ... ٥٥٠

стр. 10

مقدمة لا أدري أترى وريقاتي هذه فجراً تشرق بعده أم تبقى حبيسة الدفتر فأُحرم أجرها وبركتها؟ لقد مرت عليّ السنون وأنا أقلب صفحات الكتب .. أتفكر وأتساءل .. أقرأ وأدوّن .. أضيف وأمحو .. تلتها أخرى عجاف أملت عليّ أن تبقى خواطري وأفكاري بعيدة عن القلم الذي يدوّنها ويصيغها ويسبك عباراتها. فكنت أتصفح كل يوم ما دوّنته في دفتري لعل الله الفتاح العليم يفتح على قلبي فتحاً تجيش به مشاعري وتتوقد فيه أفكاري فأسل قلمي من غمده وأسطر ما أختزنته حافظتي بالأريحية التي ينبغي أن أسطرها به. ثم شاء الله تعالى أن تتجمع لدي الخواطر من جديد، ويسيل حبر القلم على الورق ليسطر لك أيها القارئ هذه الكلمات. فهذه رسالة نسجتها لك الزهور، عنوانها المحبة وموضوعها طلب الحقيقة. فالحقيقة اليوم ومنذ زمن بعيد باتتْ حبيسة التعصب والإدعاء .. وكلٌّ يدّعي وصلاً بليلى وليلى لا تُقر لهم بذاك وأحسب أنّ كتابي هذا سيُرضي أقواماً ويسخط آخرين، شأنه شأن الحقيقة المجردة ترضي الباحثين المتجردين وتُسخط المتعصبين المنحازين. لكني على يقين مِنْ أَنَّ الكلمة الحرة التي لا تعرف الزيف هي شمعة تضيء أبداً .. فإن كُتِب لي أن أُعادى فأي صاحب كلمة حق يَسلم في زماننا فضلاً عن من مضى. محمد الخضر

стр. 11

خطوات إلى الأمام ... (ينبغي من كل مكلّف أن يطرح العصبية ويصحح النية ويستعمل النظر بالفطرة التي فطر الله الناس عليها ولا يقدّم عليها ما لقنه أهل مذهبه) الإمام ابن الوزير

стр. 12

الوحدة التي نريد .. ننادي بالوحدة فلا نجني إلا الفرقة، وننشد الاجتماع فلا نجني إلا الشتات. ها نحن نزرع الشوك فلا نحصد إلا الألم ... ونشتكي من عمق جراحات الأمة ونحن السكين التي تُقطّع أوصالها. كأيِّ مسلم .. حُق لي أن أتحسر على تاريخ عظيم وبطولات وتضحيات قادتنا بالأمس إلى الرفعة فتناسيناها وما عدنا نذكرها إلا في كتبنا المدرسية أو مسابقاتنا الرمضانية أو وسائلنا الإعلامية كمسلسلات وتمثيليات هي إلى تشويه التاريخ والرموز أقرب منها إلى النطق بالحقيقة. حُق لي أن أتحسر على همم عالية تربت في أحضان الإسلام فأخرجت لنا جهابذة الناس على مر التاريخ وفي شتى الميادين، لكنها باتت اليوم أمجاداً نتغنى بها ونذرف عليها الدموع في أحسن أحوالنا. نعم .. حُق لي ولك أن نحزن، وأن نستحث إيماننا وهمتنا وعاطفتنا للعودة إلى الصدارة من جديد. لقد كانت عيناي تتطلعان إلى الوحدة ... تترقبان اليوم الذي تنكشف فيه عن الأمة الغمة ... تمنيت لو أنّ بيدي أن أجمّع هذا الشتات .. وأنّ أحل عقدة لم يجرؤ مسلمو اليوم على حلها حتى الآن .. لكن صوتي كان ضعيفاً .. تماماً كإدراكي لأسباب هذه الفرقة ... كنت عاطفياً جداً .. أريد لوضع الأمة أن يتغير بغمضة عين .. كأنّ الفرقة والاختلاف على قضايا هامشية يُمكن أن تُهمّش وأن تُطرح بعيداً عن الطريق.

стр. 13

كبرت وكبر معي هذا الهم .. وبت أدرك ما لم أدركه من قبل .. وبت أتساءل عن الوحدة التي نتكلم عنها ونتطلع إليها .. أهي الوحدة الصورية التي نعيشها للحظة ونفتقدها طوال العمر أم تلك التي تضمن لبنياننا البقاء متماسكاً وصلباً أمام التحديات؟ أهي الوحدة التي تكون مبنية على كتاب الله وسنة نبيه ﵊ أم تلك التي تكون على حساب كتاب الله وسنة نبيه؟! لقد كُنتُ أستحضر أمامي دائماً علاقتنا مع أهل الكتاب الذين أنزل الله عليهم الكتب وأرسل إليهم الرسل، عندما انحرفوا عن دين أنبيائهم ووصايا ربهم، جاءهم الإسلام مصححاً لما ورثوه من الضلال، داعياً إياهم إلى تصحيح المسار وإلى الاندماج في لواء الحق فلم يرتض ما هم عليه من الضلال بحجة أنهم أتباع أنبياء بل دعاهم إلى المصارحة مع النفس وإلى عرض عقائدهم على وحي السماء. فللوحدة مقاييس شرعية ... وإذا أراد المنتسبون إلى الإسلام من شتى الفرق الاتحاد مع بعضهم البعض فلا بد أن تكون الوحدة على عقيدة الإسلام التي جاء بها محمد ﵌ لا على عقائد شتى لا تمت للإسلام بصلة. وتأمل قول الله للمؤمنين عنهم ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١) وتأمل سيرة النبي ﵌، ففيها العبرة والعظة. ففي زمن رسول الله ﵌ كانت فئة ممن تتلبس بلباس الإسلام وتنطق بالشهادتين نطقاً دون أن تعيش معنى تلك الشهادتين في حياتها ... كان لتلك الفئة

стр. 14

من يستمع لها من المؤمنين إحساناً للظن بها، فقال الله ﴿لَوْخَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ (١) لكننا نغفل عن هذه الحقيقة أو نتغافل عنها فنجعل عواطفنا هي الحكم، والإسلام هو التبع لهذه العواطف ... دين موروث .. لو وُلدت في منطقة (النجف) أو (القطيف) أو (قُم) فإنك حتماً ستكون شيعياً إثنى عشرياً، لأنّ البيئة التي نشأتَ بها هي بيئة شيعية وأبواك بلا شك كذلك شئت أم أبيت والحال معك كذلك لو أنك وُلدت في (الرياض) أو (القاهرة) أو (وهران)، فإنك حتماً ستكون سنياً، لأنّ البيئة والأسرة أملتْ عليك أن تكون كذلك. لكن أترى الحق فيما تحدده لنا بيئتنا؟ أم بما يعرفه المرء من دلائل وبراهين؟ حاول أن تتفكر إن كنت سنياً بزميل شيعي إثني عشري يُكثر جدالك ومحاجتك ويتهمك بالنصب وبغض أهل البيت، لو أنّ هذا الشيعي وُلد لأبوين سنيين وفي بلد سني، ألا ترى أنه سيكون أول مَنْ يساندك ويشد على عضديك وربما يتحمس للرد على الشيعة الإثني عشرية أكثر منك!، في حين أنه اليوم أشد الناس جدالاً لك وعصبية في حوارك؟ ألا ترى أننا نبني قناعاتنا الدينية مِن منطلق ما وجدنا عليه آباءنا لا مِن منطلق التجرد للحق واتباعه؟

стр. 15

وأنّ حديث (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يُهوِّدانِهِ أو يُنصِّرانِهِ أو يُمَجِّسانِهِ ...) (١) ينطبق أحياناً على قناعاتنا المذهبية؟ الدين والمذهب بالنسبة لكثير من المسلمين اليوم كأثاث المنزل أو كالأموال والأراضي .. ورثوه عن آبائهم وأجدادهم .. وهم على خطاهم سائرون .. هذا إن لم يكن الدين في حياتهم أقل من الدينار والدرهم ومتاع الدنيا الزائل. بالأمس كانت الأمم السابقة المكذّبة للرسل تجابه الحق الذي جاءت به الرسل قائلة ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ (٢) فكان جواب الرسول ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ﴾ فكان رد هؤلاء المتعصبين لباطلهم، الجاهلين لحقيقة أمرهم هو ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾! المشهد يتكرر، لكن ليس بين رسل الله وبين قوم كفار وثنيين، وإنما بين كلمة حق وبين متعصبين ألفوا ما وجدوا عليه آباءهم، فردّوا الحق وتشبثوا بالباطل. وللأمير الصنعاني ﵀ كلمات جميلة في هذا المعنى يقول فيها: (ولنقدم قبل المقصود أصلاً مهماً وهو أنّ الله ﵎ قد أخبر عن الكفار بأنّ نظرهم مقصور على اتباع الآباء في كتابه العزيز في غير آية عايباً عليهم ذلك، مثل: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ (٣)، ﴿قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا

стр. 16

وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُون﴾ (١)، ﴿مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ﴾ (٢) أي ليس لهم مستند سوى ذلك ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (٣)، ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا﴾ (٤) فهم في جميع الآيات قاصرون نظرهم على اتباع الآباء لحسن الظن بهم حتى صار ذلك عادة لهم بل فخراً يُعَيّرون به مَنْ خالفهم، ويضربون به المثل حتى سمّوا محمداً ﵌ ابن أبي كبشة، لأنه عبد ما لم يعبد آباؤه كما عبد أبو كبشة الشِّعرى (٥)، وحتى ذكرّوا بذلك أبا طالب وهو في طريق الموت وقالوا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟! ولذلك خص الأبوين في الإخبار عن تغيير الفطرة "وإنما يهودانه أو ينصرانه" ولذلك مقت الله الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، وفسَّر رسول الله ﵌ اتخاذهم بأنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه وإذا حَرَّموا عليهم شيئاً حرموه كما أخرجه الترمذي عن عَدِّي بن حاتم ﵁. فمن عقل وأنصف فلينظر إلى جميع بني آدم في القديم والحديث في الملل الكفرية ثم المذاهب الإسلامية! بعد إخراجه للأنبياء صلى الله عليهم ومن سار على سيرتهم من السابقين

стр. 17

والتابعين وقليل ما هم بالنظر إلى الخليقة، فإنه يجد الناسَ تبعاً لما ألفوه من اتباع الآباء بمجرد تقليد وهوى ومحبة للجمود على دين الآباء!!) (١) حبك للشيء يعمي ويصم .. إنّ ورقة بيضاء تضعها أمام عينيك كفيلة بأن تحجب عنك رؤية العالم بأسره ... هذا العالم الفسيح المترامي الأطراف الذي عجز الإنس والجان عن اختراقه والوصول إلى أقصاه يمكن أن تحجبه قصاصة ورق صغيرة بحجم كف اليدِّ إذا ما وُضعت أمام العينين ... كذلك هو الوهم يحجب ما وراءه. وما مِنْ وهم أعظم وأشأم على صاحبه من وهم الحب، (فإنه إذا استحكم الحب وقوي أسكر المحب) (٢). فالعاشق الولهان لا يرى في معشوقته إلا الكمال والتمام ولا يقف على عيب فيها يُنكره لأجل ذلك عَرَّّف الفيلسوف أرسطاطاليس (٣) العشق بأنه (عمى الحس عن إدراك عيوب المحبوب).

стр. 18

هذا في العشق، والخَطْبُ في العقائد أشد وأنكى، فإنّ المرء يرتبط بعقيدته ارتباطاً مصيرياً لا يكاد يُتصور في غيره، ولعل الحروب العقائدية بين أهل الملل والمساجلات الكلامية فيما بينهم خير شاهد على ذلك. وحديث النبي ﵌ الذي رواه أبو داود في "السنن": (حُبُّكَ للشيء يُعمي ويُصِمّ) (١) أحسن ما في هذا الباب، وفيه ما يفيد معنى زائداً على كلام الحكماء، فإنّ حب الشيء والتعلق به قد لا يعمي البصر فحسب بل يصمّ الآذان عن سماع عيوب المحبوب ولو نبهه إليها منبّه! يقول أبو الطيب محمد شمس الحق في شرح الحديث: (أي يجعلك أعمى عن رؤية معايب الشيء المحبوب بحيث لا تبصر فيه عيباً ويجعلك أصم عن سماع قبائحه بحيث لا تسمع فيه كلاماً قبيحاً لاستيلاء سلطان المحبة على فؤادك) (٢). ولما سُئِل اللغوي ثعلب عن معنى الحديث قال: يَعمي العين عن النظر إلى مساويه ويصم الأذن عن سماع العذل فيه، وأنشأ يقول:

стр. 19

وكَذَّبت طرفي فيك والطرفُ صادقٌ ... وأَسْمعتُ أذني فيك ما ليس يسمع (١) ولكي يتحرر عقل الإنسان من الانقياد لغير الحق، ومن العمى الذي يحجبه عن الحقيقة فلا بد له أن يقتصد في عاطفته، فلا يُطلق لها العنان لتقوده إلى مهاوي الردى ولا يتجاهلها فيصير جاف الطبع صلب الفؤاد بل يريها بعيني البصيرة ما لا تراه بعيني البصر. هذا ديني وذاك مذهبي (٢) فإن سألتني عن ديني ومذهبي أجبتك بقولي: (اللهم إنه لا مذهب لي إلا دين الإسلام فمن شمله فهو صاحبي وأخي، ومن كان قدوة فيه عرفت له حقه، وشكرت له صنعه، غير غال فيه ولا مقصر، فإن استبان لي الدليل، واستنار لي السبيل، كنت غنياً عنهم في ذلك المطلب، وإن ألجأتني الضرورة إلى الرجوع إليهم وضعتهم موضع الإمارة على الحق واقتفيت الأقرب في نفسي إلى الصواب بحسب الحادثة، بريئاً من الانتساب إلى إمام معين، يكفيني أني من المسلمين، فإن ألجأني إلى ذلك الله، ولم يبق لي من إجابتهم بد، قلت: مسلم مؤمن، فإن مزّقوا أديمي، وأكلوا لحمي، وبالغوا في الأذى، واستحلوا البذا، قلت ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ (٣)، ﴿لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾ (٤)، وأجعلك اللهم في نحورهم، وأعوذ

стр. 20

بك من شرورهم، رب نجني مما فعله المفرّقون لدينك، وألحقني بخير القرون من حزب أمينك ﵌ (١) سهام رمتني وأخرى سترميني .. لا يستطيع أحد أن يدعو إلى إصلاح فكر أو ثورة على موروث باطل دون أن يُرمى بسهم أو يُجرح بكلمة. هذا رسول الله ﵌ أكرم الخلق وأتقاهم لم يسلم من بهت الباهتين وظلم الظالمين، قيل عنه: كاهن .. ساحر .. مجنون .. شاعر، فمن أكون أنا وأنت حتى نستكبر أن يُقال في حقنا ما هو دون ما قيل في حقه ﵌ وهو النبي المرسل؟! مَنْ خلال معايشتي وحواراتي مع المتعصبة من شتى الطوائف نلت الكثير من الأذى فأعظم الأذى أن يُتهم المرء في دينه وصدق انتمائه إليه. فلما كنت أحاور بعض الجفاة مظهراً حبي لأهل البيت، راداً على من يُقلل من شأنهم بالأحاديث الصحيحة الثابتة أو بما عُرف من حقهم في شرع الله، قيل عني: (رافضي)! ولما كنت أحاور بعض الشيعة منتقداً طرحهم المغالي في أهل البيت، قيل عني: ناصبي كبير ... فلست ناصبياً فحسب بل عريق في النصب ولا حول ولا قوة إلا بالله!

стр. 21

ولما تحاورت مع بعض المتصوفة حول غلوهم في رسول الله ﵌ مستدلاً بأحاديث صحيحة ثابتة في بيان حقه صلوات الله وسلامه عليه تدعو إلى محبته وحفظ حقه بأبي هو وأمي، من غير غلو ولا جفاء، قيل عني: مبغض لرسول الله! وهكذا صرت بين المتعصبة جامعاً لكل النقائض. رافضي مبغض لصحابة رسول الله ﵌ ومغالٍ في أهل البيت ... وناصبي مبغض لأهل البيت ومغالٍ في الصحابة .. ومبغض لرسول الله ومن باب أولى مبغض لأهل بيته ولأصحابه. وما حصل لي حصل للإمام المُقبلي ﵀ أكثر منه بكثير، ومثلي لا يُقارن بمثله فضلاً وعلماً وتضحية، فأين جهد ذاك الإمام الجهبذ من جهد المقل؟ فقد تجرع ﵀ مرارة التعصب المذهبي وناله الأذى فصبر ومضى في طريقه غير آبه للتخذيل ولا للتحذير. حرص على إعلان تنصُّله من الإنتماء إلى أي من المذاهب الإسلامية والتأكيد على براءته من التعصُّب لها في معظم مؤلفاته شعراً ونثراً، ومن ذلك قوله: برئت من التمذهب طول عمري ... وآثرت الكتاب على الصحاب ومالي والتمذهب وهو شيء ... يروح لدى المماري والمحابي كرَّس جهده ووقته لمحاربة الجمود والتعصُّب الفكري، فلقي من مقلِّدي ومتعصِّبي عصره أذى شديداً، وناصبوه العداء، واتَّهموه بأنه ناصبي، معادٍ لمذهب أهل البيت (المذهب الزيدي)، مما اضطره إلى بيع ممتلكاته والرحيل بأهله إلى مكة (١٠٨٠هـ) فجاور بها وانقطع فيها للعلم والتأليف والدعوة إلى التجديد وإشاعة روح التسامح ونبذ الفرقة والتقليد

стр. 22

والتعصُّب، فعلا ذكره هناك وعظُم صيته بين علماء مكة والقادمين إليها من مختلف بلدان العالم الإسلامي، وتباينت الآراء حوله بين مؤيِّد ومعارض، فنسبه المتعصبة إلى الزندقة لتمرُّده على التقليد وعدم تمسُّكه بمذهب معين، واعتماده على كتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ فحسب، وخاصة بعد انتشار كتابه "العلم الشامخ في إيثار الحق على الآباء والمشائخ" لما فيه من النقد للمتعصِّبين للأسلاف، والحط من شأن التقليد والمقلِّدين، فقال قولته المشهورة: سبحان الله .. ناصبي في صنعاء وزنديق في مكة! وهذا هو الإمام الشاطبي بدوره يحكي عن محنته مع المتعصبة فيقول: (فقامت عليّ القيامة وتواترت عليّ الملامة، وفوّق إليّ العتاب سهامه، ونُسِبتُ إلى القول بأنّ الدعاء لا ينفع، ولا فائدة فيه، كما يُعزى إلى بعض الناس بسبب أني لم ألتزم الدعاء بهيئة الاجتماع في أدبار الصلاة – حالة الإمامة - .. وتارة نُسبت إلى الرفض وبغض الصحابة ﵃، بسبب أني لم ألتزم ذكر الخلفاء الراشدين منهم في الخطبة .. وتارة أضيف إليّ القول بجواز القيام على الأئمة، وما أضافوه إلا من عدم ذكري لهم في الخطبة .. وتارة أُحمل على التزام الحرج والتنطع في الدين، وإنما حملهم على ذلك أني التزمت في التكليف والفُتيا الحمل على مشهور المذهب الملتزم لا أتعداه، وهم يتعدونه ويفتون بما يسهل على السائل ويوافق هواه – وإن كان شاذاً-وتارة نُسبت إلى معاداة أولياء الله، وسبب ذلك أني عاديت بعض الفقراء – يقصد الصوفية – المبتدعين المخالفين للسنة، المنتصبين – بزعمهم – لهداية الخلق ...) (١).

стр. 23

ويعزّي الشاطبي نفسه بما أصاب العلامة ابن بطة مع أهل زمانه ناقلاً ما حكاه ابن بطة عن نفسه بقوله: (عجبت من حالي في سفري وحضري مع الأقربين مني والأبعدين والعارفين والمنكرين، فإني وجدت بمكة وخراسان وغيرهما من الأماكن أكثر من لقيت بها موافقاً أو مخالفاً، دعاني إلى متابعته على ما يقوله، وتصديق قوله والشهادة له. فإن كان صدقته فيما يقول وأجزت له ذلك - كما يفعله أهل هذا الزمان - سماني موافقاً. وإن وقفتُ في حرف من قوله أو في شيء من فعله سماني مخالفاً. وإن ذكرتُ في واحد منها أنّ الكتاب والسنة بخلاف ذلك وارد، سماني خارجياً. وإن قرأتُ عليه حديثاً في التوحيد سماني مشبّهاً .. وإن كان في الرؤية سماني سالمياً .. وإن كان في الإيمان سماني مرجئياً .. وإن كان في الأعمال سماني قدرياً، وإن كان في المعرفة سماني كرامياً، وإن كان في فضائل أبي بكر وعمر سمّاني ناصبياً، وإن كان في فضائل أهل البيت سماني رافضياً. وإن سكتُ عن تفسير آية أو حديث فلم أجب فيهما إلا بهما سماني ظاهرياً .. وإن أجبت بغيرهما سماني باطنياً .. وإن أجبت بتأويل سماني أشعرياً .. وإن جحدتهما سماني معتزلياً .. إلى أن يقول: (ومهما وافقت بعضهم عاداني غيره، وإن داهنت جماعتهم أسخطتُ الله ﵎ ..). نحن مع الحق وإن قاله خصومنا مشكلة الكثير من أرباب الفرق والجماعات أنهم يريدونك نسخة منهم، تنطق بما يؤمنون به هم وآباؤوهم الأولون، لا يريدون لضميرك ولعقلك أن يقول كلمته ولو على وجه التساؤل والبحث عن الحقيقة.

стр. 24

ومن آفاتهم النظر إلى المرء قبل النظر في قوله، يقولون: (مَنْ فلان حتى يعلّمنا؟) أو (أوليس هذا الذي أخطأ في مسألة كذا وكذا) فيعممون خطأه في مسألة على كل ما يقوله من صواب، فلا يستمعون إلى حجته ولا يريدون حقاً من ورائه. وهذه النظرة الفوقية الاستعلائية تقصم ظهر صاحبها قبل الآخرين، فمن الخاسر سواه وهو يَصدُّ الناس عن الحق ويتجنبه هو في نفسه لا لشيء إلا لعصبية جاهلية ملأ بها دماغه. والأَولى بالمرء أن يطلب الحق حيث كان، وأن لا يحجبه عن الحق كونه قد أتى من خصمه. يقول أبو حامد الغزالي ﵀: (فانظر إلى مناظري زمانك، كيف يسودّ وجه أحدهم إذا اتضح الحق على لسان خصمه، وكيف يخجل به، وكيف يجتهد في مجاحدته بأقصى قدرته وكيف يذم من أفحمه طول عمره) وإنما ينبغي في المحاور (أن يكون في طلب الحق كناشد ضالة لا يفرّق بين أن تظهر على يده أو على يد من يعاونه، ويرى رفيقه معيناً لا خصماً ويشكره إذا عرّفه الخطأ وأظهر له الحق ..) (١) ولله در الإمام مالك بن أنس إذ يقول: (ما في زماننا شيء أقل من الإنصاف) (٢). نعم والله .. إنها أزمة الإنصاف. والإمام مالك هاهنا يتحدث عن زمانه الذي انتشر فيه العلم وسادت الفضيلة فكيف بزماننا وقد قلّّ العلماء واتخذ الناس رؤوساً جهالاً فضلوا وأضلوا، وعمّ الفساد وبيعت الذمم.

стр. 25

ولتقي الدين ابن تيمية ﵀ كلمات جميلة في وجوب تحري المرء الحق واتباعه يقول فيها: (فإنّ الإنسان لا يزال يطلب العلم والإيمان، فإذا تبين له من العلم ما كان خافياً عليه اتبعه، وليس هذا مذبذباً، بل هذا مهتد زاده الله هدى ... والواجب على كل مؤمن موالاة المؤمنين وعلماء المؤمنين، وأن يقصد الحق فيتّبعه حيث وجده) (١). ويقول: (وانتقال الإنسان من قول إلى قول لأجل ما تبيّن له من الحق هو محمود فيه بخلاف إصراره على قول لا حجة معه فيه، وترك القول الذي وضحت حجّته، أو الانتقال من قولٍ إلى قولٍ لمجرد عادة واتباع هوى فهو مذموم) (٢). فالعبرة بالحق لذاته لا بمن قاله، وعلى المسلم أن ينفض عنه غبار التعصب والتقديس لغير كلام الله وكلام رسوله صلوات الله وسلامه عليه، فإنّّ الناس لم يفترقوا ويزيغوا عن الهدى إلا لأمرين: هوى متبع، وإعجاب كل ذي رأي برأيه. ولسلطان العلماء العز بن عبد السلام عبارة ذهبية يقول فيها: (ولم يزل الناس يسألون من اتفق من العلماء من غير تقيد بمذهب ولا إنكار على أحد من السائلين إلى أن ظهرت هذه المذاهب ومتعصبوها من المقلّدين، فإنّ أحدهم يتبع إمامه مع بُعد مذهبه عن الأدلة، مقلّداً له فيما قال كأنه نبي أُرسل إليه، وهذا نأي عن الحق وبعد عن الصواب لا يرضى به أحد من أولي الألباب) (٣).

стр. 26

وهذا الإمام الشوكاني يوجه كلامه لمتعصبي المذاهب قائلاً: (فدعوا- أرشدكم الله وإياي- كتباً كتبها لكم الأموات من أسلافكم واستبدلوا بها كتاب الله خالقهم وخالقكم ومتعبّدهم ومتعبّدكم) (١). نعم لندع التعصب المقيت، ولنحتكم إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه. لماذا لا نتحاور ؟ وإن أردت أن تعجب أكثر فاعجب من أمر مسلمي اليوم ... علّمهم القرآن الحوار مع أهل الكتاب الذين شتموا الله وشتموا رسوله، وهم اليوم يستكثرون على أنفسهم الحوار مع من انتقص من هم دون الله ودون رسوله! يأتي المتعصب السني فيقول: (لا حوار مع من شتم صحابة رسول الله، هؤلاء روافض لا ينبغي لنا حوارهم ولا حتى دعوتهم (٢)!

стр. 27

ويأتي المتعصب الشيعي فيقول: (هؤلاء نواصب (١) لا ينبغي الحوار معهم!). وقد عايشت الفئتين، وأوذيت منهما أيما إيذاء.

стр. 28

فعجباً لهذه العقول، جعلت الصحابة وأهل البيت أعظم من الله ورسوله حين تتقبل الحوار مع اليهودي والنصراني الكافر بالله ورسوله والشاتم لهما ولا تتقبل الحوار مع المخالف! والحقيقة أننا لن نستطيع فك رموز الخلاف السني الشيعي بهذه العقول المغلقة التي لا تريد الفهم ولا التفاهم. فإنّ الإمام علي بن أبي طالب وهو أحد فقهاء الصحابة الكبار عند السنة والشيعة، لم يجد حرجاً في التحاور مع الخوارج الذين كفّروه، فأرسل إليهم حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس محاوراً، وعلي يعلم أنّ رسول الله ﵌ قد وصف الخوارج بأنهم (كلاب أهل النار)، فأين هؤلاء المتعصبة من الفقه والفهم لهذه المعاني الجليلة؟ نريده حواراً من أجل الحقيقة الديكة تتصارع وتتطارح أرضاً، لأنها تؤمن بلغة العضلات، أما الإنسان العاقل فاللغة التي يرتضيها لنفسه ولمجتمعه هي لغة الحوار. والناظر في عالمنا العربي والإسلامي المعاصر والذي ابتعد في ممارسته كثيراً عن التعاليم الإسلامية القويمة، ينتابه الأسى وتعلوه المرارة، على نمط الحوار المتبع بين جميع الفئات المختلفة على جميع المستويات. كثيرة هي الحوارات التي تجسد لنا هذا المثال ... جمهور يستمع وديكان يتصارعان ... كل منهما يريد الفتك بالآخر، والانتصار للرأي لا للحقيقة. إننا لم نتعود على الموضوعية والحوار والواقعية في حواراتنا وأدبياتنا ومداخلاتنا، بل اعتدنا على الرؤية الأُحادية التي لا تتقبل رأي الآخر ولا تتفهم ما يريد، وما على الآخرين إلا

стр. 29

أن يقولوا (آمين) ثمانين مرة، لا سيما إذا كان البعض منا في موقع يسمح له بفرض رأيه الواحد على الآخرين (١). ومثل هذه الحوارات جعجعة بلا طحن .. لا يُرتجى من ورائها هداية لأحد، أو نتيجة محمودة يستفيد منها الطرفان، لأنها تفريغ مخزون آفات نعيشها في أنفسنا. فالمظلوم عندنا يشتكي من الظالم، لأنّ السَّوط بيد الظالم .. يذكّره بالله ويدعو عليه الليل والنهار، لكن سرعان ما ينقلب المظلوم ظالماً حينما يسقط السوط من يد ظالمه وينتقل إلى يده يتناسى الرب الذي كان يخوّف الناس به، فيجور على الخلق وينتزي على حقوقهم بلا رحمة. هكذا تجلت لي صراعات المتعصبين من أهل الطوائف. ولكي ننهض من جديد كأمة إسلامية، ولكي نستطيع أن نتدارك بجدية الصدع الذي أضعف الأمة فانقسمت لأجله إلى فرق وطوائف متناحرة لا بد لنا من الإخلاص والصراحة، والرغبة في أن تكون راية الإسلام هي العليا لا راياتنا الطائفية. ما أحوجنا اليوم إلى الإنصاف وإلى التجرد الذي بثه الإسلام في النفوس المؤمنة، التجرد للحقيقة لا للأشخاص. ألم نقرأ قول الله ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (٢)؟

стр. 30

فأي مسلم يرى الهدى في غير الله وغير رسوله؟! وهل يشك رب العباد أنّ الحق معه ومع رسوله؟! – معاذ الله -. لكن الله يرشدنا إلى أدبيات الحوار .. إلى التجرد مع الخصم .. لا تفترض منذ البداية أنك أتيت لتملي عليه وأنّ عليه أن يقبل! .. إنما جُعل الحوار لبيان الحق ولكشف الشبهة. والحوار يبتدئ بالحسنى ويكون بالحسنى كما قال الله تعالى ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (١) ما دام الطرف المقابل يحتفظ بأمرين: أولهما: التأدب مع مقدسات الطرف الآخر، فلا يشتمها ولا يستطيل في الكلام عنها بل يوضح موضع النقد الذي يراه بكل موضوعية وتأدب. والثاني: طلب الحق وعدم العناد والمكابرة، فإذا وُجد العناد ووجدت المكابرة استخدم مع صاحبها أسلوب ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُم﴾. ولو أنّ حواراتنا قامت على هذا المنهج القويم الذي نادى به القرآن الكريم لكان الناس غير الناس والحال غير الحال، لكن نشكو إلى الله تعالى.

стр. 31

من هنا كانت البداية لقد نشأتُ في بيئة تمازج فيها السنة والشيعة وغلب عليها التسامح الطائفي. فوالدي ﵀ من أهل السنة وكذلك والدتي، لكن البيت الذي نشأتْ فيه والدتي منذ الصغر كانت له طبيعته الخاصة ذات الأثر الواضح في علاقة أسرتي السنية مع الشيعة. فمربية والدتي كانت شيعية وكذا إخوان والدتي من الرضاعة، وقد كانت والدتي تُجلها كثيراً وتبرّها حتى بعد وفاتها من خلال علاقتها الوثيقة بعائلة تلك المربية، نشاركهم أفراحهم وأحزانهم ويشاركونا، ونمد إليهم يد المساعدة إن وجدنا إلى ذلك سبيلاً. هذا بخلاف الصداقات التي جمعت والدتي بالكثير من الشيعيات، أقربهنّ إليها امرأة من عرب إيران (١)، طيبة المعشر، بسيطة الفكر والثقافة، قضت معظم حياتها في الكويت ولا زالت. وكنتيجة طبيعية لهذا الارتباط الوثيق بالشيعة آنذاك، كانت أمي تصطحبني صغيراً في بعض الأحيان إلى الحسينية حيث يُقرأ العزاء وتوزع أطباق الطعام أيام المحرم. لا زلت أتذكر يوم أن اصطحبتني مرة في فترة النهار إلى إحدى الحسينيات. قدور في باحة المكان ونساء يغرفن الطعام ... حينها طلبتْ مني والدتي أن أجلس في غرفة مقابلة للباحة حتى تنتهي من الحديث مع الملاّيه (٢)، لم أكن أعلم ولا زلت لا أعلم ماذا كانت تريد منها.

стр. 32

لكني أتذكر أني قد جلست على كرسي بجانبه صندوق كبير، وحلّقت ببصري هنا وهناك فكان مما لفت نظري آنذاك وانطبع في ذاكرتي أقراص من طين كانت موضوعة في الصندوق. لم يُترك لي المجال طويلاً للتخمين أو العبث فيها كسائر الأطفال، إذ سمعت نداء والدتي: (هيا يا محمد، لنذهب). حين خرجنا سألتها عن المكان الذي كنا فيه، ما هو؟ وما الذي يفعله النساء في الباحة؟ فأخبرتني أنّ البيت الذي كنا فيه يسمى "حسينية" وهو بيت متعدد الأغراض، يُقرأ فيه عزاء عاشوراء وتقدم فيه الولائم ويُستخدم لمناسبات أخرى. سألتها عن الأقراص التي رأيتها في الصندوق، ما هي؟ فأخبرتني أنها "تربة حسينية" وهي تربة مأخوذة من قبر الإمام الحسين بالعراق، يضع عليها الشيعة جباههم في سجدتي الصلاة. فسألتها بكل تلقائية: ولماذا هم شيعة ونحن سنة؟! فكانت إجابتها أكثر تلقائية وأكثر عجباً إذ قالت: لأنهم لا يحبون الصحابة، فهم يسبون عائشة ولا يحبون أبا بكر وعمر، ونحن نحب الصحابة ولا نرضى بسبهم، ولأنهم في عاشوراء يلطمون ويبكون ويلبسون السواد ونحن لا نعتقد مثل هذه الأمور بل نراها خطأ ولأنهم لا يصلون مثل صلاتنا بل يسدلون أيديهم في الصلاة ويسجدون على التربة الحسينية. فسألتها: ولماذا يفعلون ذلك؟ وقد كنت كأي طفل قد تعلمت في المدرسة شيئاً من السيرة النبوية، وأنّ عائشة هي زوج رسول الله وأنّ أبا بكر هو صاحبه في الغار وفي الهجرة، وتعلمت شيئاً عن قصة إسلام عمر وفضله، فبالنسبة لطفل قد تعلم هذا كله لا يُمكن له أن يتصور مسلماً يشتم هذه الشخصيات، فتعجبت جداً من كلامها، لكن سني آنذاك كان كافياً لصرفي عن الاهتمام بمثل هذه الأمور رغم كونها قد انطبعت في ذهني منذ ذلك الزمن.

стр. 33

مضت السنون تلو السنون لأجد نفسي مرة أخرى وجهاً لوجه مع الخلاف السني الشيعي. ففي الجامعة، تعرفتُ على أحد السادة الموسوية أثناء دراستي لإحدى مقررات اللغة الإنجليزية (١)، كان يكبرني نحو عشر سنوات، وقد حرصتُ منذ بداية تعرفي عليه أن لا أفتح معه موضوع الخلاف السني الشيعي لحساسية مثل هذه المواضيع بالنسبة للناس بصورة عامة، لكن زميلاً لنا كان مشاكساً للغاية، لم يعتد أن يترك أحداً من الناس في حاله فاجأنا بسؤال مضحك وجريء في الوقت ذاته يسأل فيه السيد: لماذا أنت شيعي؟! سؤال عفوي غريب قذفنا به زميلنا فوجدنا أنفسنا بعده مباشرة قد دخلنا في نقاش مذهبي ما كنا نتصور أننا سنخوضه. فقد استهل (السيد) كلامه بالإشارة إلى كونه قد درس في إيران لعدة سنوات ولهذا فهو ملمٌ بالخلاف السني الشيعي بشكل كبير ولديه الاستعداد لمناقشة أي مسألة. كنت في الحقيقة أكثر من اهتم بكلامه فقد مسّ شيئاً في نفسي تجاهلته منذ سنوات، أما بقية زملائنا فكانوا إلى العبث والإثارة أكثر منهم إلى الجد والحزم. ولذلك لما ذكر الموسوي من جملة كلامه (حديث الكساء) طالبته بالمصدر وحملت المسألة محل الجد، ورجعت إلى المصدر الذي عزا إليه وهو "رياض الصالحين" للإمام النووي لأتأكد من صحة الحديث، لأنّ الموضوع بالنسبة لي دين، لا مجال للتهريج أو العبث فيه.

стр. 34

ورغم أنّ نقاشنا المذهبي انقطع بعد هذه الدقائق المعدودة التي تكلمنا بها وكان للسيد نصيب الأسد فيها بحكم اطلاعه على الخلاف السني والشيعي أكثر منا إلا أنّ نفسي باتت متشوقة لمعرفة أبعاد هذا الموضوع أكثر من أي وقت مضى. وكأنّ الله تعالى أراد لي أن أدخل هذا المعترك بقوة، فما زالت التساؤلات والمواقف تجرني جراً حتى جاء اليوم الذي أهدتني فيه إحدى الشيعيات كتاباً اسمه "ثم اهتديت" لمحمد التيجاني السماوي، أرسلته لي عن طريق صديقة والدتي الإيرانية، سائلة المولى أن يهديني ويرشدني إلى الحق! ولا أخفيك حديثاً إذا ما قلت بأنّ الكتاب كان قوياً بالنسبة لي لأول وهلة، إذ لم أكن قد قرأت أو تعلمت قبل قراءتي لهذا الكتاب شيئاً عن تاريخ الفتنة أو حادثة السقيفة أو بعض أحاديث فضائل الإمام علي التي يستدل بها الشيعة الإثنى عشرية على إمامته ﵁. لكني أفقت من هذا الاستغراب على جُملة من الصدمات التي لا يمكن السكوت حيالها فالكتاب يطال كبار الصحابة ورموز الإسلام ويشهد عليهم بالردة والإحداث في الدين هكذا وبكل بساطة ودون حياء من الله ولا من الناس! إنّ من حق التيجاني أن يعتقد أنّ عبد القادر الجيلاني هو سيد الأولياء وأنّ الكعبة تطوف بخيامه كما كان يعتقد ذلك أيام تصوفه (١) أو يرى العذر لليهود والنصارى في عنادهم للحق ويجّرم بالمقابل أصحاب محمد ﵌ كما اعتقد ذلك بعد هدايته المزعومة (٢)، فله ربٌ يحاسبه ويجازيه على ما اعتقد.

стр. 35

لكن المجاهرة بتكفير الصحابة والتشكيك في نزاهتهم وبهذه الصورة المخزية ونشر ذلك في كتب تروّج بين الناس مورثة بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة من شأنه أن يستوقفنا قليلاً عند هذه الشخصية التي تتناول هؤلاء الصحابة، لنتساءل: من هي وإلى ماذا تصبو؟ لقد حدّثنا التيجاني عن شهرته التي تعدّت الحارة إلى المدينة بأسرها أيام طفولته! (١) حتى أصبح لاحقاً أعلم من أهل زمانه بل أعلم من مفتي الجمهورية التونسية نفسه! (٢) لكنه لم يقنع بهذا كله فزعم أن لم يكن أحد يجاريه حتى شيوخ الأزهر الذين كانوا – على حد زعمه- يحضرون جلساته ودروسه ومحاضراته ويعجبون مما يحفظ من أحاديث وآيات وما يملكه من حجج دامغة لدرجة أنّ الغرور قد ركبه وباعترافه (٣). ثم تتفاجئ به بعد ذلك بصفحات قليلة يصرّح بعجزه التام عن محاورة صبي من صبية النجف قائلاً: (وعجبت لهذا الصبي الذكي الذي يحفظ ما يقول مثل ما يحفظ أحدنا سورة من القرآن، وقد أدهشني أكثر عندما كان يسرد علي بعض المصادر التاريخية التي يحفظ عدد أجزائها وأبوابها، وقد استرسل معي في الحديث وكأنه أستاذ يعلم تلميذه، وشعرت بالضعف أمامه، وتمنيت لو أني خرجت مع صديقي ولم أبق مع الصبيان) (٤) في إشارة منه إلى أنّ صبية النجف أكثر علماً من علماء الأزهر ومن مفتي الجمهورية التونسية!

стр. 36

لكن التيجاني الذي أظهر نفسه بصورة ذاك المحاور الذي لا يُشق له غبار مع فطاحل علماء أهل السنة يفاجئك بمفاجآت أخرى لا تقل عن سابقتها. فقد اعترف ذلك العالم الجهبذ بعد ذلك بصفحات بأنه لم يقتنِ دواوين السنة المشهورة التي لا يخلو منها بيت أصغر طالب علم إلا بعد زيارته المكوكية التي أفحم بها شيوخ الأزهر وتأثر فيها بصبيان النجف ثم بالكبار ثم عودته إلى وطنه ليتلقى بعد ذلك بعض الكتب الشيعية التي تناقش الخلاف السني الشيعي حيث يقول بالنص: (وفوجئت عند دخولي إلى منزلي بكثرة الكتب التي وصلت قبلي وعرفت مصدرها ... فرحت كثيراً ونظمت الكتب في بيت خاص سميته بالمكتبة (١)، واسترحت أياماً، وتسلمت جدول أوقات العمل بمناسبة بداية السنة الدراسية الجديدة فكان عملي ثلاثة أيام متوالية من التدريس وأربعة أيام متوالية من الراحة في الأسبوع. وبدأت أقرأ الكتب فقرأت كتاب عقائد الإمامية، وأصل الشيعة وأصولها وارتاح ضميري لتلك العقائد وتلك الأفكار التي يرتئيها الشيعة، ثم قرأت كتاب المراجعات للسيد شرف الدين الموسوي) إلى أن قال: (وازدادت دهشتي وحيرتي عندما رأيت العالم الشيعي ينقلها من صحيح البخاري وصحيح مسلم، وقلت في نفسي: (إن وجدت هذا في صحيح البخاري فسيكون لي رأي). وسافرت إلى العاصمة ومنها اشتريت صحيح البخاري وصحيح مسلم ومسند الإمام أحمد وصحيح الترمذي وموطأ الإمام مالك وغيرها من الكتب الأخرى المشهورة) (٢).

стр. 37

فإذا كان التيجاني لم يقتنِ دواوين السنة المشهورة إلا في هذا الوقت المتأخر فبأي علم كان يُفحم شيوخ الأزهر، وأي أحاديث تلك التي كان يحفظها ويحاجج بها دون أن يقتنِ كتاباً من كُتبها، اللهم إلا أن تكون الأحاديث التي كنا نحفظها في المدارس؟! إنّ رجلاً يصرّح بنفسه بتحسّره على الأموال التي تُغدق على ضريح الإمام علي في النجف وتمنيه لو أنّ له نصيباً منها (١) لا يرتجى من ورائه حرصاً على الحقيقة، فللمال بريق ساطع يُذهب بأبصار الطامعين. إنه لمن العجيب أن يأتي شخص مثل التيجاني بهذا المستوى العلمي والعقلي معاً ليثير الشبهات على الصحابة ويؤصل للأمة طريقاً مظلماً يعني بكل اختصار قلب كل الانتصارات والفتوحات والمشاهد الإيمانية والنصوص الإلهية إلى صورة قاتمة لا تمت بصلة للوحي ولا للواقع ولا العقل. إيهٍ أيها التيجاني، لقد حمّلتني حِمْلاً عظيماً كنت أتحاشاه، وأورثتني همّاً كنت أخشاه، وكيف تقرُّ لي عينٌ وأنا أرى السهام تتقاذف من أوصل إليّ الإسلام؟! وكيف لنفسي أن تهنأ وعِرضُ محمدٍ ﵌ يُنال ويُقذف؟! لقد أدركت أنّ من الواجب عليّ أن أقف وقفة مشرّفة أمام الله تعالى وأمام نفسي وأمام الأمة الإسلامية، فأنذر نفسي للحقيقة المجرّدة التي لا تعرف الزيف، باذلاً كل ما في الوسع والطاقة لانتشال الحقيقة منك ومن أمثالك من المتاجرين بها أو المأجورين.

стр. 38

في السيدة زينب كانت الساعة تقترب من العاشرة صباحاً عندما حطت الطائرة التي تقلني على أرض سوريا لأول مرة في حياتي. زرت المسجد الأموي وتجولت في ضواحي دمشق متأملاً مساجدها القديمة وكنائسها العتيقة، لكن قدماي قادتني بعد هذه الجولة إلى منطقة "السيدة زينب" لينفتح لي بذلك أفق جديد في عالم الخلاف السني الشيعي. ففي مسجد "السيدة زينب" رأيت عجباً ... ألوف من الزائرين، بعضهم جالسٌ على الأرض في باحة المسجد، وبعضهم عند المرقد يضع نذره أو يركع ركعتي الزيارة، وبعضهم في ناحية أخرى من المسجد في صالة كبيرة أظنها حسينية يستمع لمحاضرة أحد علماء الشيعة. لقد شاهدت وكلي عجب، بعض زائري المرقد وهم يدخنون السجائر في باحة المسجد دون أدنى شعور بالإثم وبحُرمة المكان الذي تُدخن فيه السجائر! ومما زاد عجبي أنني لم أر إنكاراً من بقية الزائرين أو المصلّين لمثل هذا الفعل، وكأنّ المسألة مألوفة عندهم لا تُستنكر! (١)

стр. 39

لقد كانت الساعات تمر عليّ دون أن أشعر بها، قضيت ساعات طوالاً في "السيدة زينب" بين مطالعة الكتب وتأمل زوار الضريح، وقد كنت أمر في طريقي إلى مسجد "السيدة زينب" بحوزة الشيرازي - وهي حوزة كبيرة تطل على الشارع المؤدي إلى المسجد – فأشاهد بعضاً من سادة وعلماء الشيعة وقوفاً عند الحوزة أو خارجين منها، فتتحرك في نفسي الرغبة في الالتحاق بهذه الحوزة، لولا إصرار والدتي عليّ ألا أفعل. لكني لن أنسى أبداً شاباً عراقياً تعرفت عليه في "السيدة زينب" وصحبته برهة من الزمن كان له أثره الجيد في نفسي وفي التعرف على واقع الشيعة أكثر. بدا لي شاباً من عامة الشيعة، لكنه ابن عالم شيعي هاجر من العراق إلى إيران منذ أكثر من خمس عشرة سنة، فنشأ وترعرع في إيران ثم قدم إلى سوريا مع أبيه ليعمل في احدى مكتبات "السيدة زينب" (١). أبديت له إعجابي بصراحته ووضوحه، فهو شخص لم تستخفه الطائفية المقيتة التي ابتلي بها أكثر الناس اليوم، فلم يكذبني القول في حديثه بل كان صريحاً معي للغاية بخلاف غيره ممن التقيت بهم من الشيعة. قلت له: اعلم قبل كل شيء أنه من السهل عليّ أن أكون متحاملاً على الشيعة فأكتفي بكتب خصومهم وأحكم عليكم بالضلال وأُغلق باب النقاش منذ البداية كما يفعل ذلك كثير من الناس، لكني ناشد حق، يبحث عن ضالته بين ركام من التهم والأباطيل. فرحّب بي وقال لي: أنا مستعد لكل ما تريده.

стр. 40

كان يتكلم بتلقائية متناهية، لا زلت أتذكر قوله: (لا أدري كيف خرجت الثورة الإسلامية في إيران .. الناس هناك بعيدة عن الدين، الكثيرون يفطرون في نهار رمضان دون مبالاة بإثم أو بفريضة، فضلاً عن تقصيرهم في الصلوات، لو كانت الثورة قد خرجت في العراق لكان الأمر أكثر واقعية، لأنّ الشيعة هناك شيعة بحق، بخلاف إيران التي أرى أن حكومتها شيعية لكن شعبها بعيد كل البعد عن الدين). بعد أيام من الجلوس معه سألته أسئلة أخرى كان أحدها عن موقفه من علماء الشيعة الذي صرّحوا بوقوع التحريف في القرآن الكريم، فأجابني بقوله: أبداً، لم يقل عالم من علمائنا بتحريف القرآن! فقلت له: أخي الكريم، نحن الآن في منطقة المكتبات والكتب الشيعية متوفرة، فهل لي أن أريك هذه الأقوال؟ وقد كنت حينها لا أتذكر إلا موضعاً واحداً من تلك المواضع، فخرجنا إلى مكتبة من المكتبات فقال لي: أي كتاب تريد؟ فقلت: "تفسير الصافي" للعلامة الشيعي الكاشاني (١).
следующие страницы →