← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 14284

ثم أبصرت الحقيقة

محمد سالم الخضر

Полный текст (554 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

لكن التيجاني الذي أظهر نفسه بصورة ذاك المحاور الذي لا يُشق له غبار مع فطاحل علماء أهل السنة يفاجئك بمفاجآت أخرى لا تقل عن سابقتها. فقد اعترف ذلك العالم الجهبذ بعد ذلك بصفحات بأنه لم يقتنِ دواوين السنة المشهورة التي لا يخلو منها بيت أصغر طالب علم إلا بعد زيارته المكوكية التي أفحم بها شيوخ الأزهر وتأثر فيها بصبيان النجف ثم بالكبار ثم عودته إلى وطنه ليتلقى بعد ذلك بعض الكتب الشيعية التي تناقش الخلاف السني الشيعي حيث يقول بالنص: (وفوجئت عند دخولي إلى منزلي بكثرة الكتب التي وصلت قبلي وعرفت مصدرها ... فرحت كثيراً ونظمت الكتب في بيت خاص سميته بالمكتبة (١)، واسترحت أياماً، وتسلمت جدول أوقات العمل بمناسبة بداية السنة الدراسية الجديدة فكان عملي ثلاثة أيام متوالية من التدريس وأربعة أيام متوالية من الراحة في الأسبوع. وبدأت أقرأ الكتب فقرأت كتاب عقائد الإمامية، وأصل الشيعة وأصولها وارتاح ضميري لتلك العقائد وتلك الأفكار التي يرتئيها الشيعة، ثم قرأت كتاب المراجعات للسيد شرف الدين الموسوي) إلى أن قال: (وازدادت دهشتي وحيرتي عندما رأيت العالم الشيعي ينقلها من صحيح البخاري وصحيح مسلم، وقلت في نفسي: (إن وجدت هذا في صحيح البخاري فسيكون لي رأي). وسافرت إلى العاصمة ومنها اشتريت صحيح البخاري وصحيح مسلم ومسند الإمام أحمد وصحيح الترمذي وموطأ الإمام مالك وغيرها من الكتب الأخرى المشهورة) (٢).

стр. 37

فإذا كان التيجاني لم يقتنِ دواوين السنة المشهورة إلا في هذا الوقت المتأخر فبأي علم كان يُفحم شيوخ الأزهر، وأي أحاديث تلك التي كان يحفظها ويحاجج بها دون أن يقتنِ كتاباً من كُتبها، اللهم إلا أن تكون الأحاديث التي كنا نحفظها في المدارس؟! إنّ رجلاً يصرّح بنفسه بتحسّره على الأموال التي تُغدق على ضريح الإمام علي في النجف وتمنيه لو أنّ له نصيباً منها (١) لا يرتجى من ورائه حرصاً على الحقيقة، فللمال بريق ساطع يُذهب بأبصار الطامعين. إنه لمن العجيب أن يأتي شخص مثل التيجاني بهذا المستوى العلمي والعقلي معاً ليثير الشبهات على الصحابة ويؤصل للأمة طريقاً مظلماً يعني بكل اختصار قلب كل الانتصارات والفتوحات والمشاهد الإيمانية والنصوص الإلهية إلى صورة قاتمة لا تمت بصلة للوحي ولا للواقع ولا العقل. إيهٍ أيها التيجاني، لقد حمّلتني حِمْلاً عظيماً كنت أتحاشاه، وأورثتني همّاً كنت أخشاه، وكيف تقرُّ لي عينٌ وأنا أرى السهام تتقاذف من أوصل إليّ الإسلام؟! وكيف لنفسي أن تهنأ وعِرضُ محمدٍ ﵌ يُنال ويُقذف؟! لقد أدركت أنّ من الواجب عليّ أن أقف وقفة مشرّفة أمام الله تعالى وأمام نفسي وأمام الأمة الإسلامية، فأنذر نفسي للحقيقة المجرّدة التي لا تعرف الزيف، باذلاً كل ما في الوسع والطاقة لانتشال الحقيقة منك ومن أمثالك من المتاجرين بها أو المأجورين.

стр. 38

في السيدة زينب كانت الساعة تقترب من العاشرة صباحاً عندما حطت الطائرة التي تقلني على أرض سوريا لأول مرة في حياتي. زرت المسجد الأموي وتجولت في ضواحي دمشق متأملاً مساجدها القديمة وكنائسها العتيقة، لكن قدماي قادتني بعد هذه الجولة إلى منطقة "السيدة زينب" لينفتح لي بذلك أفق جديد في عالم الخلاف السني الشيعي. ففي مسجد "السيدة زينب" رأيت عجباً ... ألوف من الزائرين، بعضهم جالسٌ على الأرض في باحة المسجد، وبعضهم عند المرقد يضع نذره أو يركع ركعتي الزيارة، وبعضهم في ناحية أخرى من المسجد في صالة كبيرة أظنها حسينية يستمع لمحاضرة أحد علماء الشيعة. لقد شاهدت وكلي عجب، بعض زائري المرقد وهم يدخنون السجائر في باحة المسجد دون أدنى شعور بالإثم وبحُرمة المكان الذي تُدخن فيه السجائر! ومما زاد عجبي أنني لم أر إنكاراً من بقية الزائرين أو المصلّين لمثل هذا الفعل، وكأنّ المسألة مألوفة عندهم لا تُستنكر! (١)

стр. 39

لقد كانت الساعات تمر عليّ دون أن أشعر بها، قضيت ساعات طوالاً في "السيدة زينب" بين مطالعة الكتب وتأمل زوار الضريح، وقد كنت أمر في طريقي إلى مسجد "السيدة زينب" بحوزة الشيرازي - وهي حوزة كبيرة تطل على الشارع المؤدي إلى المسجد – فأشاهد بعضاً من سادة وعلماء الشيعة وقوفاً عند الحوزة أو خارجين منها، فتتحرك في نفسي الرغبة في الالتحاق بهذه الحوزة، لولا إصرار والدتي عليّ ألا أفعل. لكني لن أنسى أبداً شاباً عراقياً تعرفت عليه في "السيدة زينب" وصحبته برهة من الزمن كان له أثره الجيد في نفسي وفي التعرف على واقع الشيعة أكثر. بدا لي شاباً من عامة الشيعة، لكنه ابن عالم شيعي هاجر من العراق إلى إيران منذ أكثر من خمس عشرة سنة، فنشأ وترعرع في إيران ثم قدم إلى سوريا مع أبيه ليعمل في احدى مكتبات "السيدة زينب" (١). أبديت له إعجابي بصراحته ووضوحه، فهو شخص لم تستخفه الطائفية المقيتة التي ابتلي بها أكثر الناس اليوم، فلم يكذبني القول في حديثه بل كان صريحاً معي للغاية بخلاف غيره ممن التقيت بهم من الشيعة. قلت له: اعلم قبل كل شيء أنه من السهل عليّ أن أكون متحاملاً على الشيعة فأكتفي بكتب خصومهم وأحكم عليكم بالضلال وأُغلق باب النقاش منذ البداية كما يفعل ذلك كثير من الناس، لكني ناشد حق، يبحث عن ضالته بين ركام من التهم والأباطيل. فرحّب بي وقال لي: أنا مستعد لكل ما تريده.

стр. 40

كان يتكلم بتلقائية متناهية، لا زلت أتذكر قوله: (لا أدري كيف خرجت الثورة الإسلامية في إيران .. الناس هناك بعيدة عن الدين، الكثيرون يفطرون في نهار رمضان دون مبالاة بإثم أو بفريضة، فضلاً عن تقصيرهم في الصلوات، لو كانت الثورة قد خرجت في العراق لكان الأمر أكثر واقعية، لأنّ الشيعة هناك شيعة بحق، بخلاف إيران التي أرى أن حكومتها شيعية لكن شعبها بعيد كل البعد عن الدين). بعد أيام من الجلوس معه سألته أسئلة أخرى كان أحدها عن موقفه من علماء الشيعة الذي صرّحوا بوقوع التحريف في القرآن الكريم، فأجابني بقوله: أبداً، لم يقل عالم من علمائنا بتحريف القرآن! فقلت له: أخي الكريم، نحن الآن في منطقة المكتبات والكتب الشيعية متوفرة، فهل لي أن أريك هذه الأقوال؟ وقد كنت حينها لا أتذكر إلا موضعاً واحداً من تلك المواضع، فخرجنا إلى مكتبة من المكتبات فقال لي: أي كتاب تريد؟ فقلت: "تفسير الصافي" للعلامة الشيعي الكاشاني (١).

стр. 41

فسلّم على صاحب المكتبة وطلب منه المجلد الأول من تفسير "الصافي" ثم خرجنا من المكتبة ووقفنا بجانبها، فأريته الموضع وجلس طويلاً يعيد قراءته وهو لا يكاد يصدّق (١). فقلت له: عزيزي، لست أقصد من وراء إرشادك لهذا الموضع أن أستعرض عضلاتي أو أن أشكك في عقيدتك، قصدي واضح لا غبار عليه، أريدك أن تنتصر للإسلام من كل من يطعن فيه وينتقصه كائناً من كان، سنياً كان أو شيعياً، لا تقرأ وتزن الأمور بعيني شيعي يريد الانتصار للمذهب بحق أو بباطل وإنما ردّ الأمر إلى كتاب الله وسنة رسوله واجعلهما الحاكمين. فاكتفى بقوله: سأسأل عنه أبي وأخبرك. بعد يوم من هذا اللقاء أخبرني بأنه ذهب لأبيه وذكر له أني أرشدته إلى موضع في تفسير الصافي يدّعي فيه الكاشاني أنّ قرآن المسلمين الذي بين أيدينا اليوم محرّف!

стр. 42

يقول: قبل أن أخبر أبي عن الموضع بالضبط، بادرني بإخباري عن رقم المجلد ورقم الصفحة والموضع بالذات، ثم قال لي: أخطأ الكاشاني في المسألة ونحن لا نوافقه على خطئه وانتهى الأمر. فقلت للشاب: وأنت ما رأيك؟ أتوافق أباك فيما قاله؟ قال: نعم، الكاشاني أخطأ ونحن لا نوافقه. فقلت له: القرآن هو المصدر الأول الذي يقوم عليه التشريع الإسلامي، والتشكيك فيه والقول بوقوع التحريف فيه هدم للدين، لو كنا نتكلم عن مسألة فقهية بسيطة لكان كافياً أن يُقال (فلان أخطأ وانتهى الأمر)، أما أن يطعن الكاشاني في كتاب الله بهذه الصورة وتقول عنه أخطأ، فليس هذا بصحيح أبداً. يا صاحبي، انس للحظات أنّ الكاشاني شيعي وانتصر لكتاب الله، إن لم يكن الطعن في كتاب الله والتشكيك فيه أو القول بزيادته أو نقصانه كفراً، فما هو الكفر؟ صمتّ ولم أشأ أن أحرجه وأثقل عليه، فأغلقت الموضوع، وبقيت معه زمناً أتناقش معه في أمور أخرى حتى فاجأني يوماً باعتذار على استيحاء يقول لي فيه بأنّ أحد السادة طلب منه أن لا يجالسني، لم أطلب منه تفسيراً مقنعاً لهذا الطلب فقد تفهمت وضعه فشكرته شكر مودع على أمل اللقاء به في يوم من الأيام. رجعت من "السيدة زينب" محمّلاً بالكتب بعد شهر كامل قضيته في سوريا، وبت متشوقاً لقراءة ما قدمت به من هناك. لقد كانت هذه الزيارة كنزاً نفيساً أهداني إياه الزمان، لكنه لم يكن الوحيد. فقد كان للنقاشات الفردية أيضاً دورها في هذا الإثراء المعرفي كما سيأتي بيانه بين طيات هذا السِفر.

стр. 43

في حب أهل البيت ... (أحبونا حب الإسلام لله فإنه ما برح بنا حبكم حتى صار علينا عاراً). الإمام علي بن الحسين

стр. 44

حب أهل البيت .. كنت مستعداً لأن أكون شيعياً منذ الوهلة الأولى، إن كان الخلاف بين أهل السنة والشيعة خلافاً بين فئة تحب أهل البيت وبين أخرى تبغضهم وتبخسهم حقهم. كنت مستعداً لنسيان ثلاثة عقود مضت من عمري واستبدالها بأخرى إن اكتشفت بأني قد أخطأت الطريق والخُطا طوال تلك السنين. لكن الخلاف الحقيقي بين أهل السنة والشيعة ليس بهذه السطحية. إنّ علماء الشيعة يدركون أن جُل الأحاديث التي يستدلون بها على مكانة أهل البيت وعلى رفعتهم هي أحاديث سنية ترويها كتب أهل السنة، ويدركون كذلك مدى إكبار أهل السنة لمقام أهل البيت وحفظهم لفضائلهم حتى إنّ الأحاديث النبوية المادحة لهم قد سُجّلت ودوّنت في أصح كتبهم بدءاً من البخاري وانتهاء بأقل كتب الحديث عناية بالإسناد. ومن يتصفح صحيحي البخاري ومسلم أو جامع الترمذي مثلاً فإنه سيجد حتماً أبواباً بعضها في فضائل علي بن أبي طالب والحسن والحسين أو فاطمة أو العباس وابنه عبد الله أو جعفر بن أبي طالب وغيرهم من آل البيت، هذا إلى جانب المصنفات السُنية الكثيرة التي صُنفت في آل البيت خصيصاً كـ"فضائل الحسن والحسين" (١) للإمام أحمد بن حنبل (٢٤١هـ) و"خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب" للحافظ النسائي (٣٠٣هـ) و"ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى" للمحب الطبري (٦٩٤هـ) و"استجلاب ارتقاء الغُرف بحب أقرباء الرسول ﷺ وذوي الشرف" للحافظ السخاوي (٩٠٢هـ) و"إحياء الميت

стр. 45

في فضائل أهل البيت" لجلال الدين السيوطي (٩١١هـ) و"جواهر العقدين في فضل الشّرفين" لنور الدين الشريف السمهودي (٩١١هـ) وله أيضاً "الجوهر الشّفاف في فضائل الأشراف" و"در السحابة في مناقب القرابة والصحابة" للشوكاني (١٢٥٠هـ) وهناك الكثير والكثير. ولذلك لم يجد آية الله العظمى الميرزا محمد حسين المامقاني إلا أن يعترف بهذه الحقيقة قائلاً: (وخلاصة القول: أنّ مقصودنا من هذه الخاتمة هو أن يتضح الأمر للجميع، بأنّ أهل السنة والجماعة وإنْ لم يكونوا قائلين بأنّ الإمام أمير المؤمنين ﵇ هو خليفة رسول الله ﵌ بلا فصل - ولم يعترفوا بالخلافة الظاهرية للعترة الطاهرة، وهم بهاتين الفقرتين يخالفون الشيعة الإثنى عشرية، لكنهم يقرون بولاية الإمام أمير المؤمنين ﵇ المطلقة (١) ويعترفون بجميع فضائل ومناقب الأئمة الأطياب ﵈. وهذا المعنى ملتبسٌ على أغلب الناس ومشتبه عليهم، حيث يظنون بأنّ السنة ينكرون فضائل أئمتنا) (٢)، إذن ما قضية الخلاف والكل يحب أهل البيت ويدعو إلى محبتهم؟! لقد أدركت من خلال دراستي لأبعاد الخلاف السني الشيعي أنّ هناك قضايا كثيرة طرحتها الشيعة الإثنا عشرية كانت ولا زالت سبباً في ظهور الشُقة بين الطائفة وبين أهل السنة، منها:

стр. 46

(القول بردة وانقلاب الصحابة على أعقابهم بعد وفاة الرسول ﵊ ولعن الشيخين (أبي بكر وعمر)! (القول بعصمة الأئمة الإثنى عشر وإدعاء أنهم لا يسهون ولا ينسون! (القول بأنّ للأئمة الإثنى عشر ولاية تكوينية تخضع لها ذرات الكون! (القول بأنّ إمامة الأئمة من الله، وأنّ الله نصّبهم على العباد كما نصّب الأنبياء والمرسلين! (وصف أئمة أهل البيت ببعض الأوصاف التي لا تنبغي إلا لله تعالى! هذا إلى جانب قضايا عقائدية أخرى أو تاريخية عالقة في التاريخ ساهمت بشكل مباشر في تنافر القلوب وفي إثارة الضغائن بين الفريقين حتى صار أهل السنة والشيعة الإثنا عشرية رفيقي درب ولكن على طريقين لا يلتقيان فيه أبداً. فقد باتت الصورة العالقة في أذهان كثير من الشيعة أنهم وحدهم الذين يحبون أهل البيت ويتولونهم وأنّ من ينتسب إلى أهل السنة ناصبي مبغض لأهل البيت أو في أحسن أحواله محب لأعداء أهل البيت! فإن كنت في شك من ذلك فاقرأ ما قاله العلامة يوسف البحراني (١) في كتابه "الشهاب الثاقب في معنى الناصب"عن أهل السنة حيث يقول: (وبالجملة فالمستفاد من الأخبار أنّ

стр. 47

محبتهم ﵈ (١) إنما هي عبارة عن القول بإمامتهم، وجعلهم في مرتبتهم، وأنّ اعتقاد تأخيرهم عن تلك المرتبة وتقديم غيرهم عليهم بغض وعداوة لهم صلوات الله عليهم، فما يدّعيه بعض المخالفين من المحبة أو يدّعيه بعض أصحابنا لهم، دعوى لا دليل لها ولا برهان بل الدليل على خلافها واضح البيان، كما دريته من أمثال هذه الأخبار الحسان) (٢). ويقول نعمة الله الجزائري (٣) في "الأنوار النعمانية ٢/ ٣٠٧" ما نصه: (ويؤيد هذا المعنى أنّ الأئمة ﵈ وخواصهم أطلقوا لفظ الناصبي على أبي حنيفة وأمثاله مع أنّ أبا حنيفة لم يكن ممن نصب العداوة لأهل البيت ﵈ بل كان له انقطاع إليهم وكان يُظهر لهم التودد). ولن تجد مغالياً في الحب يرضى بحب من لم يكن مغالياً مثله. ولذا مهما قرأ علماء الشيعة في كتب أهل السنة من ثناء عطر على أهل البيت أو إشادة بموقف أحد منهم فإنّ هذا لن يغير نظرتهم تجاه أهل السنة، طالما أنّ كاتب هذه الكلمات لا

стр. 48

يدين الله بعقيدة الإمامة التي تنادي بها الشيعة، ويضلل من أجلها أبا بكر وعمر وعثمان وبقية الصحابة! حبهم إيمان وتُقى وبغضهم نفاق وضلال إنّ حب أهل بيت النبي ﵌ إيمان وتُقى وبغضهم نفاق وضلال، من أحبهم فبحب رسول الله ﵌ أحبهم، ومن أبغضهم فببغض رسول الله ﵌ أبغضهم. مبغضهم في الدنيا ملعون وفي جهنم على وجهه مكدوس، وفي هذا يقول النبي ﵌ (والذي نفسي بيده، لا يبغضنا أهل البيت أحدٌ إلا أدخله الله النار) (١). يقول ابن الوزير ﵀: (وقد دلت النصوص الجمة المتواترة على وجوب محبتهم وموالاتهم، وأن يكون معهم، ففي الصحيح: (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا)، وفيه (المرء مع من أحب)، ومما يخص أهل بيت رسول الله ﵌ قول الله تعالى ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ فيجب لذلك حبهم وتعظيمهم وتوقيرهم واحترامهم والاعتراف بمناقبهم، فإنهم أهل آيات المباهلة والمودة والتطهير، وأهل المناقب الجمّة والفضل الشهير) (٢).

стр. 49

أما الإمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجري فقد استخلص لك من رحيق هذه الأقوال عبيراً يُعطرّ به الأسماع إذ يقول: (واجب على كل مؤمن ومؤمنة محبة أهل بيت رسول الله ﵌ بني هاشم، علي بن أبي طالب وولده وذريته وفاطمة وولدها وذريتها، والحسن والحسين وأولادهما وذريتهما، وجعفر الطيار وولده وذريته، وحمزة وولده (١)، والعباس وولده وذريته ﵃، هؤلاء أهل بيت رسول الله ﵌، واجب على المسلمين محبتهم وإكرامهم واحتمالهم وحسن مداراتهم، والصبر عليهم والدعاء لهم، فمن أحسن من أولادهم وذراريهم فقد تخلّق بأخلاق سلفه الكرام الأخيار الأبرار، ومن تخلق منهم بما لا يحسن من الأخلاق دُعي له بالصلاح والصيانة والسلامة، وعاشره أهل العقل والأدب بأحسن المعاشرة، وقيل له: نحن نجلك عن أن تتخلق بأخلاق لا تشبه سلفك الكرام الأبرار، ونغار لمثلك أن يتخلق بما نعلم أنّ سلفك الكرام الأبرار لا يرضون بذلك، فمن محبتنا لك أن نحب لك أن تتخلق بما هو أشبه بك وهي الأخلاق الشريفة الكريمة، والله الموفق لذلك) (٢).

стр. 50

ويقول في ص٨١١: (فإن قال قائل: فما تقول فيمن يزعم أنه محب لأبي بكر وعمر وعثمان، متخلف عن محبة علي بن أبي طالب ﵃، وعن محبة الحسن والحسين ﵄، غير راضٍ بخلافة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، هل تنفعه محبة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃؟ قيل له: معاذ الله، هذه صفة منافق، ليست بصفة مؤمن، قال النبي ﵌ لعلي بن أبي طالب ﵁: (لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق) (١) وقال ﵇: (من آذى علياً فقد آذاني) (٢)، وشهد النبي ﵌ لعلي ﵁ بالخلافة وشهد له بالجنة وبأنه شهيد، وأنّ علياً ﵁ محب لله ولرسوله، وأنّ الله ورسوله ﵌ محبان لعلي ﵁ وجميع ما شهد له به رسول الله ﵌ من الفضائل التي تقدم ذكرنا لها وما أخبر النبي ﵌ من محبته للحسن والحسين ﵄ مما تقدم ذكرنا له. فمن لم يحب هؤلاء ويتولهم فعليه لعنة الله في الدنيا والآخرة، وقد بريء منه أبو بكر وعمر وعثمان ﵃، وكذا من زعم أنه يتولى علي بن أبي طالب ﵁ ويحب أهل بيته، ويزعم أنه لا يرضى بخلافة أبي بكر وعمر ولا عثمان ولا يحبهم ويبرأ منهم ويطعن عليهم، فنشهد بالله يقيناً أنّ علي بن أبي طالب والحسن والحسين ﵃ براء منه، لا تنفعه محبتهم حتى يحب أبا بكر وعمر وعثمان ﵃، كما قال علي بن أبي طالب

стр. 51

رضي الله عنه فيما وصفهم به، وذكر فضلهم، وتبرأ ممن لن يحبهم. فرضي الله عنه وعن ذريته الطيبة، هذا طريق العقلاء من المسلمين). ويقول تقي الدين ابن تيمية: (واتباع القرآن واجب على الأمة بل هو أصل الإيمان وهدى الله الذي بُعث به رسوله، وكذلك أهل بيت رسول الله ﵌ تجب محبتهم وموالاتهم ورعاية حقهم. وهذان الثقلان اللذان وصّى بهما رسول الله ﵌. فروى مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم قال: خطبنا رسول الله ﵌ بغدير يدعى خُمّاً بين مكة والمدينة، فقال: (يا أيها الناس، إني تارك فيكم الثقلين – وفي رواية: أحدهما أعظم من الآخر – كتاب الله فيه الهدى والنور) فرغّب في كتاب الله، وفي رواية: (هو حبل الله، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على الضلالة، وعترتي أهل بيتي. أذكّركم الله في أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي) فقيل لزيد ابن أرقم: من أهل بيته؟ قال: أهل بيته من حرم الصدقة، آل العباس، وآل علي، وآل جعفر وآل عقيل. والنصوص الدالة على اتباع القرآن أعظم من أن تذكر هنا. وقد روي عن النبي ﵌ من وجوه حسان أنه قال عن أهل بيته: (والذي نفسي بيده، لا يدخلون الجنة حتى يحبوكم من أجلي)، وقد أمرنا الله بالصلاة على آل محمد، وطهرهم من الصدقة التي هي أوساخ الناس، وجعل لهم حقاً في الخمس والفيء، وقال ﵌ فيما ثبت في الصحيح: (إنّ الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى كنانة من بني إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم، فأنا خيركم نفساً

стр. 52

وخيركم نسباً). ولو ذكرنا ما رُوي في حقوق القرابة وحقوق الصحابة لطال الخطاب، فإنّ دلائل هذا كثيرة من الكتاب والسنة. ولهذا اتفق أهل السنة والجماعة على رعاية حقوق الصحابة والقرابة، وتبرؤوا من الناصبة الذين يكفرون علي بن أبي طالب ويفسقونه، وينتقصون بحرمة أهل البيت، مثل من كان يعاديهم على الملك، أو يعرض عن حقوقهم الواجبة، أو يغلو في تعظيم يزيد بن معاوية بغير الحق. وتبرؤوا من الرافضة الذين يطعنون على الصحابة وجمهور المؤمنين، ويكفّرون عامة صالحي أهل القبلة، وهم يعلمون أنّ هؤلاء أعظم ذنباً وضلالاً من أولئك) (١). مَنْ هم آل البيت ؟ إنّ أول خطوة ينبغي أن يخطوها المرء بُغية الوصول إلى حوار مثمر مفيد هي خطوة (تحرير المصطلحات). وإذا ما رزقك الله تعالى حيادية في الطرح وإنصافاً في النظرة للخصم فإنك ستدرك بلا شك أنّ الأزمة التي نعيشها في حل خصوماتنا المذهبية قد لا ترجع عادة إلى خبث نية أحد الطرفين بقدر ما يكون الخلل فيها في تحرير مسائل الخلاف وعلى رأسها فهم (المصطلح). وإذا ما يسّر الله تعالى لك حضور مجلس يُتناول فيه الخلاف السني الشيعي فإنك ستلاحظ أنّ الحوار الدائر بين الطرفين: السني والشيعي، ربما يبتدأ هادئاً بعض الشيء ثم ما يلبث أن يتحول إلى صياح واتهامات متبادلة أو ربما مباهلة يحسم بها الطرفان الحوار.

стр. 53

لكنك إذا ما سألت أحد الطرفين بعد انفضاض المجلس عن (أهل البيت) الذين يتكلم عنهم، ثم التفت للآخر وسألته السؤال ذاته لحصلت على إجابتين مختلفتين! ولأدركت أنّ القوم قد خاضوا في نقاش طويل وعريض وفي تشعبات ومسائل خلافية لا حصر لها دون أن يحرروا قبل هذا كله مصطلح (آل البيت) الذي يتناقشون فيه ويؤصلون ويفرّعون عليه! لهذا كان لازماً عليّ كباحث وعلى كل من يريد الحديث عن (أهل بيت النبي ﵌ أن يحرر قبل كل شيء مصطلح (الآل)، وإلا كان الحديث عن (آل البيت) حديثاً عاطفياً مجرداً عن الدليل والبرهان. تحرير المصطلح المتأمل لكتب اللغة وللآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة يلاحظ أنّ لفظ (الآل) له معان باعتبار مقامات لا يحسن تجاهلها أو عدّها أقوالاً مختلفة كما ذهب إلى ذلك الكثيرون قديماً وحديثاً. فإنّ النصوص الشرعية لا تتناقض ولا يصح أن يُنظر إلى مصطلح (آل البيت) على أنه مصطلح غامض أو مختلف فيه، لا يُعرف له سطح من قاع! لهذا حرصتُ أن أتتبع النصوص الشرعية الذاكرة لأهل البيت وموارد استخدامها لهذا المصطلح ثم نظرت في كلام العلماء العارفين بهذا الشأن، فخلصت بعد هذا الاستقراء بنتيجة مفادها أنّ آل البيت إجمالاً ودون الخوض في التفاصيل والأدلة مصطلح يضم ثلاثة بيوت: (بيت النسب، بيت السكنى، بيت الولادة). فبنو هاشم أولاد عبد المطلب هم أهل بيت له ﵌ من جهة النسب ويُقال لأولاد الجد القريب: بيت، ويُقال: بيت فلان كريم شريف.

стр. 54

وأزواج النبي ﵌ أهل بيت له من جهة السكنى، وإطلاق هذا اللفظ على نساء الرجل أخص وأعرف بحسب العرف والعادة. وأولاده ﵌ هم أهل بيته من جهة الولادة، ومع شمول هذا اللفظ لجميع أولاده فيدخل كل من فاطمة ابنته ﵂ وعلي زوج ابنته ﵁ وابناهما في أهل بيته. فإن شئت التوسع في الكلام عن مصطلح (آل البيت) وإطلاقاته فاعلم أنّ لفظ (الآل) في الشرع يُطلق ويراد به مقامان اثنان: أولهما (مقام الاتباع والنصرة) والثاني (مقام من تحرم عليهم الصدقة). وفيما يلي بيان ذلك بالتفصيل: أولاً: مقام (الاتباع والنصرة) فقد استخدم العرب لفظ (الآل) في الدلالة على الأتباع. وفي هذا يقول عبد المطلب في الفيل وأصحابه: وانصُر على آلِ الصِّليب وعابديهِ اليَومَ آلَكَ (١) ومراده هنا أن يقول: وانصر اللهم أتباعك وأنصارك اليوم على أتباع الصليب وعابديه. وقد ورد لفظ (الآل) في القرآن والسنة أحياناً بهذا المعنى، ومثاله قول الله ﵎ ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ﴾ (٢)، والمراد بالآية لوط ﵇ وأتباعه المؤمنون به من أقاربه وغيرهم.

стр. 55

ومنه قول الله تبارك تعالى عن فرعون ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (١) وقوله تعالى ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ (٢) وقوله تعالى ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (٣). والمقصود بـ (آل فرعون) هنا (فرعون وأتباعه)، فإنه لم يكن لفرعون ولد أصلاً – باتفاق المفسرين وأرباب التواريخ- ولذلك حكى الله تعالى قول امرأته آسية عن موسى ﵇ ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (٤) ولا خلاف كذلك أنّ الذين كانوا يذّبحون أبناء بني إسرائيل والذين أغرقهم الله تعالى هم جند فرعون وأتباعه. يقول الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾: ("آل فِرْعَوْن" قَوْمه وَأَتْبَاعه وَأَهْل دِينه، وَكَذَلِكَ آل الرَّسُول ﷺ مَنْ هُوَ عَلَى دِينه وَمِلَّته فِي عَصْره وَسَائِر الأعْصَار سَوَاء كَانَ نَسِيبًا لَهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى دِينه وَمِلَّته فَلَيْسَ مِنْ آلِهِ وَلا أَهْله وَإِنْ كَانَ نَسِيبه وَقَرِيبه) (٥).

стр. 56

وقد قيل للإمام جعفر الصادق (الناس يقولون المسلمون كلهم آل النبي ﵊، فقال: كذبوا وصدقوا، فقيل له: ما معنى ذلك؟ فقال: كذبوا في أنّ الأمة كافتهم آله وصدقوا في أنهم إذا قاموا بشرائط شريعته آله) (١). ثانياً: مقام (من تحرم عليهم الصدقة) و (الآل) في هذا المقام قسمان: أصل وفرع. فأما الأصل فالمراد به (بنو هاشم) (٢) لحديث (حديث الثقلين) والذي فيه قول النبي ﵊: (أما بعد، ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما: كتاب الله، فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه. ثم قال: وأهل بيتي، أُذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي. فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟، أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهلُ بيته من حُرم الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال: هم آل عليّ، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس، قال: كل هؤلاء حُرم الصدقة؟ قال: نعم) (٣).

стр. 57

ولما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله ابن الحارث بن نوفل الهاشمي (١) أنّ عبد المطلب بن ربيعة (٢) أخبره أنّ أباه ربيعة بن الحارث قال لعبد المطلب بن ربيعة وللفضل بن العباس ﵄: ائتيا رسول الله ﵌ فقولا له استعملنا يا رسول الله على الصدقات – فذكر الحديث – وفيه: فقال لنا: (إنّ هذه الصدقة إنما هي أوساخ الناس وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد). وزاد الإمام الشافعي على بني هاشم "بني المطلب" لقول النبي ﵊ (إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد) (٣) وفي رواية: (إنا وبنو المطلب لا نفترق في جاهلية ولا إسلام) (٤). وقد رد ابن قدامة المقدسي القول بدخول (بني المطلب) في مسمى (آل البيت) فقال: (ولا يصح قياس (بني المطلب) على (بني هاشم)، لأنّ بني هاشم أقرب إلى النبي ﵌ وأشرف وهم آل النبي ﷺ ، ومشاركة بني المطلب لهم في خمس الخمس ما استحقوه بمجرد القرابة بدليل أنّ بني عبد شمس وبني نوفل يساوونهم في القرابة ولم يعطوا شيئاً، وإنما شاركوه بالنصرة أو بهما جميعاً) (٥).

стр. 58

وحجة ابن قدامة في هذا ظاهرة، فالنبي ﵊ علل إدخاله (بني المطلب) في حكم (الخمس) كونهم لم يفارقوا بني هاشم في جاهلية ولا إسلام بل كانوا سنداً لهم في كل الأحوال، فاستحقوا لذلك (الخمس) مع (بني هاشم) دون غيرهم من القرابة. أما تحريم الصدقة عليهم كسائر آل بيت النبي ﵌ فلا دليل عليه والأصل أنّ الصدقة عليهم جائزة، وأنّ من تحرم عليهم الصدقة هم بنو هاشم. أزواج النبي من آل بيته وأما فرع (آل البيت) فالمراد به (زوجات النبي ﵌ وهن من (آله) لاتصالهنّ بالنبي ﵌ بالمصاهرة. وقد حرمن على غيره من الرجال في حياته وبعد مماته، وهنّ زوجاته في الدنيا والآخرة فالسبب الذي لهن بالنبي ﵌ قائم مقام النسب. وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على دخولهن في مسمى (آل البيت). أول هذه الأدلة: تسمية الله أزواج الأنبياء بأهل البيت، فقد قال تعالى عن موسى ﵇ ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ﴾ (١) ومعلوم أنه لم يكن معه في سفره هذا إلا زوجته. يقول الطباطبائي في تفسيره: (قوله تعالى ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِه﴾ المراد بأهله إمرأته وهي بنت شعيب على ما ذكره الله تعالى في سورة القصص) (٢).

стр. 59

ويقول القمي في تفسير قوله تعالى ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾: (.. فلما حال عليه الحول حمل موسى امرأته، وزوّده شعيب من عنده، وساق غنمه، فلما أراد الخروج ... قال له (شعيب): اذهب فقد خصّك الله بها، فساق غنمه فخرج يريد مصر، فلما صار في مفازة ومعه أهله أصابهم برد شديد وريح وظلمة وجنّهم الليل فنظر موسى إلى النار قد ظهرت كما قال الله ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾) (١). ومن هذا أيضاً قول الملائكة لامرأة إبراهيم ﵇ (سارة) لما بُشرت بإسحاق ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ﴾ (٢) يقول الراغب الأصفهاني في "مفردات غريب القرآن": (أهل الرجل مَنْ يجمعه وإياهم نسب أو دين أو ما يجرى مجراهما من صناعة وبيت وبلد، فأهل الرجل في الأصل من يجمعه وإياهم مسكن واحد ثم تجوّز به فقيل أهل بيت الرجل لمن يجمعه وإياهم نسب، وتعورف في أسرة النبي ﵊ مطلقاً إذا قيل (أهل البيت) لقوله عزوجل ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْت﴾ وعبّر بأهل الرجل عن امرأته) (٣). يقول ابن منظور في كتابه لسان العرب: (أهل البيت: سكّانه، وأهل الرجل: أخص الناس به، وأهل بيت النبي ﵌: أزواجه وبناته وصهره، أعني علياً ﵇ (٤)

стр. 60

ويقول الفيروز أبادي في "القاموس المحيط": (أهل الأمر: ولاته، وللبيت: سكّانه وللمذهب: من يدين به، وللرجل: زوجته كأهلته، وللنبي ﵌: أزواجه وبناته وصهره علي ﵁ (١). ويقول الزبيدي في "تاج العروس" (والأهل للبيت سكانه ومن ذلك أهل القرى: سُكانها، والأهل للمذهب من يدين به ويعتقده، ومن المجاز: الأهل للرجل زوجته ويدخل فيه الأولاد، وبه فُسّر قوله تعالى أيضاً ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ أي زوجته وأولاده كأهلته بالتاء والأهل للنبي ﵌ أزواجه وبناته وصهره علي أو نساؤه، وقيل أهله الرجال الذين هم آله ويدخل فيه الأحفاد والذريات، ومنه قوله تعالى ﴿وَامُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (٢) وقوله تعالى ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ و ﴿رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ﴾) (٣). الثاني: الآيات التي تخاطب نساء النبي ﵌ في سورة الأحزاب والتي فيها ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ فإنّ سياق الآيات في نساء النبي ﵌، وما ذُكر من أنّ المراد بها هم (أصحاب الكساء) دون غيرهم سيتم مناقشته بالتفصيل في موضوع آية التطهير في (فصل الإمامة) بإذن الله تعالى. الثالث: ما رواه البخاري عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة ﵁ فقال: ألا أهدي لك هدية سمعتها من النبي ﵌؟ فقلت: بلى

стр. 61

فأهدها لي، فقال: سألنا رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله، كيف الصلاة عليكم أهل البيت؟ فإنّ الله قد علمنا كيف نسلم عليكم، قال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد) (١). وقد علّم النبي ﵌ صحابته عدة صيغ للصلاة على آله ذاكراً منها الصيغة التالية: عن عمرو بن سُليم الزرقي قال: أخبرني أبو حميد الساعدي ﵁ أنهم قالوا: يا رسول الله، كيف نصلي عليكم؟ فقال رسول الله ﵌: (قولوا: اللهم صلِّ على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد) (قولوا اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد) (٢). وإذا كان إطلاق مسمى (أهل البيت) على زوجات النبي ﵌ مذكوراً في الصلاة الإبراهيمية، فإنّ التصريح بكون نساء النبي ﵌ من آل بيته أوضح ما يكون في هذا الحديث الشريف. عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: (بُني على النبي ﵌ بزينب بنت جحش بخبز ولحم، فأرسلت على الطعام داعياً ... فخرج النبي ﵌ فانطلق إلى حُجرة عائشة فقال: (السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله)، فقالت:

стр. 62

وعليك السلام ورحمة الله، كيف وجدت أهلك؟ بارك الله لك، فتقرّى حُجَرَ نسائه كلهن يقول لهن كما يقول لعائشة ويقلن له كما قالت عائشة ...) (١) وفي حديث (الإفك) قال رسول الله ﵌ وهو على المنبر حاكياً اتهام عبد الله بن أبي سلول لأم المؤمنين عائشة: (يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي، فوالله! ما علمت على أهلي إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً -أي صفوان بن المعطّل- ما علمت عليه إلا خيراً وما كان يدخل على أهلي إلا معي) (٢). وعن إبراهيم قال: قلت للأسود (هل سألت أم المؤمنين عمّا يُكره أن يُنتبذ فيه؟) قال: نعم، قلت: يا أم المؤمنين، أخبريني عما نهى عنه رسول الله ﵌ أن يُنتبذ فيه، قالت: نهانا أهل البيت أن ننتبذ في الدّباء والمزفّت) (٣). كل هذه الأحاديث تشير بجلاء إلى أنّ أزواج النبي ﵌ من آل بيته. لكن زيد بن الأرقم ﵁ رغم إقراره بكون أزواج رسول الله ﵌ من آل بيته إلا أنه كان يرى أنّ (تحريم الصدقة) حكم خاص ببني هاشم (عصبة رسول الله ﵌ وأصله) لا يشاركهم فيه زوجات رسول الله ﵌.

стр. 63

وقد عبّر عن هذا صراحة في حديث مسلم والذي فيه: (فقلنا: مَنْ أهل بيته؟ نساؤه، قال: لا، وايم الله إنّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها أهل بيته أصله وعصبته الذين حُرموا الصدقة بعده). وقد أشكل هذا الحديث على بعض من قصرت أفهامهم عن مراد زيد بن أرقم ﵁ فظنوا أنّ هذه الرواية معارضة لسابقتها التي قال فيها: (نساؤه من أهل بيته، ولكن أهلُ بيته من حُرم الصدقة بعده)، ولا تعارض بين الروايتين، فعلة التفريق في الحديثين ظاهرة وهي أنّ نساء رسول الله ﵌ لسن من آل بيته الذين حُرّمت عليهم الصدقة وإن كانوا في الحقيقة من آل البيت (إجمالاً). قال الإمام النووي ﵀ في شرح هذا الحديث: (تتأول الرواية الأولى على أنّ المراد أنهن من أهل بيته الذين يساكنون ويعولهم، وأمر باحترامهم وإكرامهم وسماهم ثقلاً ووعظ في حقوقهم وذكّر، فنساؤه داخلات في هذا كله ولا يدخلن فيمن حرم الصدقة، وقد أشار إلى هذا في الرواية الأولى بقوله: (نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة) فاتفقت الروايتان) (١). روايات الشيعة تؤكد ما ذكرناه ما ذكرته آنفاً من شمول مصطلح (آل البيت) لبني هاشم تشهد عليه روايات شيعية كثيرة قد تبلغ حد التواتر، إليك بعضاً منها:

стр. 64

روى ابن بابويه القمي (١) في "الأمالي" عن ابن عباس أنه قال: قال علي (ع) لرسول الله ﵌: يا رسول الله، إنك لتحب عقيلاً، قال: إي والله، إني لأحبه حبين حباً له وحباً لحب أبي طالب له وإنّ ولده لمقتول في محبة ولدك فتدمع عليه عيون المؤمنين وتصلي عليه الملائكة المقربون ثم بكى رسول الله ﵌ حتى جرت دموعه على صدره ثم قال: إلى الله أشكو ما تلقى عترتي من بعدي) (٢). فأثبت رسول الله بهذا الحديث أنّ عقيلاً وابنه من عترته ﵊. وفي "بحار الأنوار" للمجلسي (٣) عن الإمام الحسين أنه قال بعد أن جمع ولده وإخوته

стр. 65

وأهل بيته ونظر إليهم فبكى ساعة: (اللهم إنا عترة نبيك) (١). فلم يحصر الحسين العترة في نفسه وفي ولده زين العابدين بل عمم اللفظ لسائر من كان معه من أهل البيت. وقد خاطب أحد الشيعة زيد بن علي بن الحسين ﵈ قائلاً: (يا ابن رسول الله ألست صاحب هذا الأمر؟ قال: أنا من العترة) (٢). وقد روى ابن بابويه القمي شهادة ولدي مسلم بن عقيل الصغيرين والتي فيها: (فقال له الغلام الصغير: يا شيخ، أتعرف محمداً؟ قال: فكيف لا أعرف محمداً وهو نبيي؟ قال: أفتعرف جعفر بن أبي طالب؟ قال: وكيف لا أعرف جعفراً وقد أنبت الله له جناحين يطير بهما مع الملائكة كيف يشاء، قال: أفتعرف علي بن أبي طالب؟ قال: وكيف لا أعرف علياً وهو ابن عم نبيي وأخو نبيي؟ قال له: يا شيخ، فنحن من عترة نبيك محمد ﵌ ونحن من ولد مسلم بن عقيل بن أبي طالب بيدك أسارى، نسألك من طيب الطعام فلا تطعمنا، ومن بارد الشراب فلا تسقينا ...) (٣). ومنها حديث أكثر صراحة في بيان العترة. فقد روى محمد بن سليمان الكوفي في كتابه "مناقب أمير المؤمنين (ع) " عن يزيد بن حيان قال: انطلقت أنا وحصين بن عقبة إلى زيد بن أرقم فجلسنا إليه فقال له حصين: يا زيد، قد أكرمك الله ورأيت خيراً كثيراً، حدثنا يا زيد ما سمعت عن رسول الله صلى الله عليه وآله

стр. 66

وسلم؟ فقال زيد: قام رسول الله ﵌ يوماً فخطبنا بماء يدعى بـ"خم" بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكّر ثم قال: (أما بعد، أيها الناس، إنما أنا بشر أنتظر أن يأتي رسول ربي فأجيب وإني تارك فيكم الثقلين: أحدهما كتاب الله، فيه الهدى والنور فاستمسكوا بكتاب الله وخذوا به. فرغّب في كتاب الله وحثّ عليه ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي – (قالها) ثلاث مرات. فقال له حصين: يا زيد، من أهل بيته؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: إنّ نساءه من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرّم عليهم الصدقة بعده، فقال له حصين: من هم يا زيد؟ قال: هم آل علي وآل جعفر وآل عقيل وآل العباس. فقال له حصين: أكُلّ هؤلاء حُرم عليهم الصدقة بعده؟ قال: نعم) (١). وقال الأربلي (٢) في بيان المراد بآل البيت: (فإن قال قائل فما حقيقة الآل في اللغة عندك؟ وقد بين رسول الله ﵌ حيث سئل فقال: إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي، فانظروا كيف تخلفونني فيهما، قلنا: فمن أهل بيته؟ قال: آل علي وآل جعفر وآل عقيل وآل عباس) (٣).

стр. 67

ويؤكد ذلك الحافظ يحيى بن الحسن الأسدي الحلي (١) في "عمدة عيون صحاح الأخبار" فيقول: (ومن ذلك ما ذكره الثعلبي أيضاً في تفسير قوله تعالى ﴿مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ يعني من أموال كفار أهل القرى ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ يعني قرابة النبي ﵌، قال: وهم آل علي ﵇ وآل العباس ﵁ وآل جعفر وآل عقيل ﵄ ولم يشرك بهم غيرهم، وهذا وجه صحيح يطرد على الصحة لأنه موافق لمذهب آل محمد صلى الله عليه وآله يدل عليه ما هو مذكور عندهم في تفسير قوله تعالى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ لأنّ مستحق الخمس عندهم آل علي (ع) وآل العباس ﵁ وآل جعفر وآل عقيل (ع) ولا يشرك بهم غيرهم) (٢). وروى الطبرسي (٣) في "الاحتجاج" عن أبي المفضل محمد بن عبد الله الشيباني بإسناده الصحيح عن رجال ثقات أنّ النبي ﵌ خرج في مرضه الذي توفي فيه إلى الصلاة متوكئاً على الفضل بن عباس وغلام له يقال له ثوبان، وهي الصلاة التي أراد

стр. 68

التخلف عنها لثقله ثم حمل على نفسه وخرج، فلما صلى عاد إلى منزله، فقال لغلامه: اجلس على الباب ولا تحجب أحداً من الأنصار وتجلاه الغشي وجاءت الأنصار فأحدقوا بالباب وقالوا: استأذن لنا على رسول الله ﵌، فقال: هو مغشي عليه وعنده نساؤه فجعلوا يبكون، فسمع رسول الله ﵌ البكاء، فقال: من هؤلاء؟ قالوا: الأنصار، فقال: من هاهنا من أهل بيتي؟ قالوا: علي والعباس، فدعاهما وخرج متوكئاً عليهما) (١). وروى شيخ الطائفة الطوسي عن الإمام جعفر الصادق قال: لما زوّج رسول الله ﵌ فاطمة علياً ﵉ دخل عليها وهي تبكي، فقال لها: ما يبكيك؟ فوالله لو كان في أهل بيتي خير منه زوّجتك) (٢). وعن سلمان الفارسي قال: (كنت جالساً عند النبي صلى الله عليه وآله في المسجد إذ دخل العباس بن عبد المطلب فسلّم، فردّ النبي ﵌ ورحّب به، فقال: يا رسول الله، بم فضل علينا أهل البيت علي بن أبي طالب والمعادن واحدة، فقال النبي: إذن أخبرك يا عم ...) (٣). وفي هذا الحديث إقرار من رسول الله للعباس بأنه من أهل البيت ثم إخبار له بسبب تفضيل علي بن أبي طالب عليه وعلى سائر رجال أهل البيت.

стр. 69

وعن الباقر (ع) قال: لما أُمر العباس بسد الأبواب، وأُذن لعلي (ع) بترك بابه، جاء العباس وغيره من آل محمد ﵌، فقالوا: يا رسول الله، ما بال علي يدخل ويخرج؟ فقال رسول الله: ذلك إلى الله فسلّموا له حكمه (١). والشاهد هو قول الباقر (جاء العباس وغيره من آل محمد) وهو واضح جلي في دخول العباس وغيره في مسمى أهل البيت والعترة وعدم انحصار مسمى (آل محمد) بأصحاب الكساء أو بالأئمة الإثني عشر. وعن ابن عباس قال: خرج رسول الله ﵌ ذات يوم وهو آخذ بيد علي بن أبي طالب ﵇ وهو يقول: يا معشر الأنصار، يا معشر بني هاشم، يا معشر بني عبد المطلب، أنا محمد رسول الله، ألا إني خلقت من طينة مرحومة في أربعة من أهل بيتي أنا وعلي وحمزة وجعفر) (٢). وروي عن النبي ﵊ أنه قال: (ألا وإنّ إلهي اختارني في ثلاثة من أهل بيتي وأنا سيد الثلاثة وأتقاهم لله ولا فخر، اختارني وعلياً وجعفر ابني أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب كنا رقوداً بالأبطح ليس منا إلا مسجى بثوبه على وجهه) (٣). وروي أنه قال في مرض موته لابنته فاطمة الزهراء: (علي بعدي أفضل أمتي، وحمزة وجعفر أفضل أهل بيتي بعد علي) (٤).

стр. 70

وفي غزوة بدر لما نُقل عبيدة بن حارث بن عبد المطلب إلى رسول الله ﵌ جريحاً يحتضر قال: (يا رسول الله ألست شهيداً؟ قال: بلى، أنت أول شهيد من أهل بيتي) (١). أهل البيت بين الشرف والخصوصية أما وقد علمت أنّ (أهل البيت) هم (بنو هاشم بجميع فروعهم) وكذا (أزواج النبي ﵌، فاعلم أنّ الله تعالى قد فضل أهل البيت بعضهم على بعض درجات فمنهم من ذُكر بمناقب خاصة وأُشير إليه بشرف خاص ومنهم من هو كسائر آل البيت في المنقبة العامة لا يفضل على أحد منهم بمنقبة. وآل البيت في هذا المقام قسمان: قسم حاز (الشرف العام) وهم (المؤمنون من بني هاشم) ولهؤلاء من المكانة والشرف والتقدير والإجلال ما يميزهم عن سائر المسلمين، يُحب المرء منهم على قدر دينه وإيمانه، فمن ضم إلى قرابته لرسول الله ﵌ علماً في الدين وتقوى لله كان أحب إلينا ممن هو أقل منه ديناً وعلماً، ومن كان منهم أقرب من رسول الله ﵌ كان أحب إلى قلوبنا ممن بعُد نسبه. ودليل (هذا التشريف) ما روي من أنّ العباس (عم رسول الله) شكا إلى رسول الله ﵌ ما يَلقون من قريش من تعبيسهم في وجوههم وقطعهم حديثهم عند لقائهم، فغضب رسول الله ﵌ غضباً شديداً حتى احمّر وجهه ودرّ

стр. 71

عرقٌ بين عينيه وقال: (والذي نفسي بيده، لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله) (١). وما ورد بسند صحيح عن النبي ﵌ أنه قال: (والذي نفسي بيده، لا يبغضنا أهل البيت أحدٌ إلا أدخله الله النار) (٢) أما المسيء منهم المفارق لهدي النبي ﵌ فإنه يُبغض على قدر ضلاله وبعده عن هدي محمد ﵊ إن لم يذهب به ضلاله إلى حد الكفر أو الزندقة فيُوالى الرجل منهم لإسلامه وقرابته ويُبغض لمعصيته وهواه. ولا يقدّم الهاشمي الضال على التقي الصالح من غير بني هاشم، إذ إنّ ميزان التفاضل هو التقوى لا النسب ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٣) والرسول ﵌ يقرر هذه الحقيقة فيقول: (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) (٤) فالنسب لن ينقذ أحداً من الناس ويشفع له عند الله إن أساء العمل وخالف هدي رسول الله ﵌. أما الكافر أو المرتد من (بني هاشم) فلا يُنسب إلى آل بيت النبي ﵌ ولا كرامة، ولا يعني ذلك إنكار قرابته النسبية من رسول الله ﵌ فإنّ

стр. 72

هذه لا يستطيع أحد إنكارها، وإنما المستنكر هو إطلاق مسمى (أهل البيت) -الذي اقترن بالتشريف من رب العالمين -على المرتدين أو الكفار. ولهذا لا يُقال بأنّ أبا لهب وأمثاله من الكفار والمعاندين من آل بيت النبي ﵌ وإن كان (أبو لهب) في الحقيقة هو عم رسول الله ﵌. ومثل هؤلاء يُبغَضون كـ (سائر الكفار) بل أشد، وقد أنزل الله تعالى في أبي لهب (عم رسول الله ﵌ آيات تتلى إلى يوم القيامة لما كفر وعاند وحارب الإسلام وأهله. ولو كان النسب عاصماً أحداً من الضلالة لعصم ابن نوح ﵇ لما ناداه نوح ﵇ ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ﴾ (١) فآثر الغرق على الهدى أو آزر لما قال له ابنه ابراهيم ﵇ ﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً. يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً﴾ (٢) فقابل النصح بالعناد والمكابرة إنّ ديننا قائم على ما وقر في القلب وصدقته الأعمال لا على ما سطرته كتب الأنساب! خصوصية أصحاب الكساء والأزواج وأما القسم الثاني من (آل البيت) فهم أصحاب الكساء (علي وفاطمة والحسن والحسين) وأزواج رسول الله ﵌ وذريته، ويُضاف إليهم كل هاشمي وردت في حقه فضائل خاصة كالعباس وحمزة وجعفر مثلاً، فإنه قد وردت فيهم فضائل خاصة تُميزهم عن سائر بني هاشم.

стр. 73

فلهؤلاء خصوصية لا يشركهم فيها عامة بني هاشم فضلاً عن غيرهم. فأما أهل الكساء فقد برزت خصوصيتهم بقول النبي ﵊ في حديث الكساء (هؤلاء أهل بيتي، وأهل بيتي أحق)، فنص بهذا رسول الله ﵌ على كونهم خاصة أهل بيته وأقربهم إليه، فحرص على تجليلهم بالكساء والدعاء لهم لينالهم التطهير، وسيأتي تفصيل هذا في موضعه من الكتاب. وقد اختارهم دون سائر أهل بيته للمباهلة لأنهم أخص أهل بيته وأقربهم إليه، فخرجوا معه لمباهلة (عبد المسيح) ومن معه من وفد نجران. وأما ذرية النبي ﵌ وأزواجه فلهم خصوصية الصلاة عليهم في (الصلاة الإبراهيمية) التي وردت بعدة صيغ عن النبي ﵌، منها (قولوا اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد) (١). ولأزواج النبي ﵌ مزايا أخرى منها أنّ الله تعالى جعلهن أمهات للمؤمنين وهي أمومة يترتب عليها حرمة الزواج منهن بعد رسول الله ﵌ لأنهن زوجاته في الدنيا والآخرة، ووجوب احترامهن والتأدب معهن. ومن مزاياهن أنّ الله تعالى فضّلهن على سائر نساء المؤمنين، فلهن من المكانة والفضل وعلو المقام والرتبة ما ليس لغيرهن من النساء كما قال الله تعالى ﴿يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ (٢).

стр. 74

وقد شرفهن الله تعالى بتلاوة آياته والحكمة في بيوتهن فقال ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً﴾ (١). ولمكانتهن من رسول الله ﵌ ومن المسلمين جعل الله تعالى الأجر لهن مضاعفاً إِنْ عملن صالحاً والعذاب مضاعفاً إن أتين بفاحشة (٢)، فقال عز من قائل ﴿يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَاتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً. وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً﴾ (٣). وقد روى الشيخ الطبرسي (٤) في تفسيره "مجمع البيان ٨/ ١٥٣" عن أبي حمزة الثمالي عن زيد بن علي (ع) أنه قال: (إني لأرجو للمحسن منا أجرين، وأخاف على المسئ منا أن يضاعف له العذاب ضعفين، كما وعد أزواج النبي ﵌. وروى عن علي بن عبد الله بن الحسين عن أبيه عن الإمام علي بن الحسين (زين العابدين) أنه قال له رجل: إنكم أهل بيت مغفور لكم، قال: فغضب وقال: نحن أحرى أن يجري فينا

стр. 75

ما أجرى الله في أزواج النبي ﵌ من أن نكون كما تقول، إنا نرى لمحسننا ضعفين من الأجر ولمسيئنا ضعفين من العذاب. ثم قرأ الآيتين). وروى الإمام محمد بن عاصم الأصبهاني ﵀ عن الفضيل بن مرزوق قال: سمعت (الحسن بن الحسن) أخا (عبد الله بن الحسن) وهو يقول لرجل ممن يغلو فيهم: (ويحكم ... أحبونا لله، فإن أطعنا الله فأحبونا وإن عصينا الله فأبغضونا) ثم قال: (والله إني لأخاف أن يُضاعف للعاصي منا العذاب ضعفين، والله إني لأرجو أن يؤتى المحسن منا أجره مرتين) (١). فهذه روايات ثلاث بأسانيد سنية وشيعية تشير إلى احتساب أئمة آل بيت النبي ﵌ أن يؤتي الله تعالى للمحسن منهم أجره مرتين والمسيء منهم العذاب ضعفين إن أساء العمل. حين ينقلب الحب بغضاً وعداوة .. إنّ حب آل بيت النبي ﵊ وموالاتهم ونصرتهم والذب عنهم معنى إيماني رائع، تجيش له مشاعر المؤمنين الصادقين، طالما بقي الحب حباً إيمانياً شرعياً لا تكدره تحريفات المبطلين. لكنه حين يتعدى حدود الشرع فإنه ينقلب ولا بد بغضاً وعداوة لآل البيت النبوي. ذلك لأنّ التقوّل على الأتقياء الصالحين ونسبة ما يضاد دينهم وأخلاقهم إليهم، لا يُمكن بحال من الأحوال أن يُعتبر حباً وولاء وإنما يُصنّف مباشرة تحت عنوان (البغض والمعاداة)!
следующие страницы →