← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 14284

ثم أبصرت الحقيقة

محمد سالم الخضر

Полный текст (554 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

١ – قال تعالى ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين﴾ فكل ما يخالف الحق يصح أن يطلق عليه الظلم فكل فاسق ظالم، وكل منحرف عن الحق كذلك) (١). وغير خافٍ عنك أنّ استشهاد المنتظري بهذه الآية على شرط العدالة دون العصمة دالٌ على اعتقاده بأنّ الآية ليست بدالة على اشتراط العصمة في إمام المسلمين، وكفى بذلك إلزاماً للمتعصبين. أما آية الله الشيخ محمد آصف المحسني فقد أعلن بكل صراحة أنّ الشرط الذي تضمنته الآية بيقين هو العدالة وليس العصمة فيقول في كتابه "صراط الحق في أصول الدين" عند كلامه عن الآية: (لكن القدر المتيقن من دلالة الآية الكريمة هو اشتراط العدالة في الإمام من أول عمره إلى آخره، إذ العدالة تكفي لأن يصدق عليه أنه غير ظالم، ولذا لا يصدق على الأخيار وأفاضل العلماء الأبرار أنهم ظالمون صدقاً عرفياً، وكلام الله أيضاً منزل على فهمهم) (٢). الوقفة الثالثة: الآية ذكرت منقبة لإبراهيم ﵇ فقلبها الشيعة الإثنا عشرية إلى منقصة! لقد ادّعى الشيعة الإثنا عشرية بأنّ في الآية دلالة صريحة على كون الإمامة أعظم من النبوة.

стр. 212

وفي هذا يقول آية الله العظمى كاظم الحائري في كتابه "الإمامة وقيادة المجتمع": (إنّ الذي يبدو من الروايات أنّ مقام الإمامة فوق المقامات الاُخرى - ما عدا مقام الربوبية طبعاً التي يمكن أن يصل إليها إنسان) ويقول في موضع آخر: (فمقام الإمامة - إذن - فوق مقام النبوة) (١). وهو ما يؤكده آية الله ناصر مكارم الشيرازي في تفسيره "الأمثل" بقوله: (فمنزلة الإمامة أفضل مما ذُكر، بل أسمى من النبوة والرسالة!) (٢). ومما يزيده هذه التقريرات بياناً ما رواه الكليني في الكافي عن الإمام جعفر بن محمد أنه قال: (إنّ الله ﵎ اتخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتخذه نبياً، وإنّ الله اتخذه نبياً قبل أن يتخذه رسولاً، وإنّ الله اتخذه رسولاً قبل أن يتخذه خليلاً، وإنّ الله اتخذه خليلاً قبل أن يجعله إماماً فلما جمع له الأشياء قال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ قال: فمن عِظمها في عين إبراهيم قال: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ قال: ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين﴾ قال: لا يكون السفيه إمام التقي) (٣). وهنا إشكال لطيف يرِد على دعوى الشيعة الإثنى عشرية أنّ إبراهيم ﵇ كان نبياً ثم ارتقى فصار رسولاً ثم ارتقى فصار إماماً، وهو إشكال لا يتنبه له إلا من فتح الله تعالى على قلبه وبصره (٤).

стр. 213

فبتأمل الفرق بين الإمام والنبي والرسول والذي ورد بروايات شيعية عن الأئمة المعصومين في معتقد الإمامية، نلحظ مفارقة عظيمة بين الارتقاء المزعوم في حق إبراهيم ﵇ وبين ما ينص عليه الأئمة المعصومين! فقد روى الكليني عن إسماعيل بن مرّار قال: كتب الحسن بن العبّاس المعروفي إلى الرضا (ع): جعلت فداك، أخبرني ما الفرق بين الرسول والنبي والإمام؟ قال: فكتب أو قال: الفرق بين الرسول والنبي والإمام أنّ الرسول الذي ينزل عليه جبرئيل فيراه ويسمع كلامه وينزل عليه الوحي وربما رأى في منامه نحو رؤيا إبراهيم ﵇، والنبي ربما سمع الكلام وربما رأى الشخص ولم يسمع، والإمام هو الذي يسمع الكلام ولا يرى الشخص (١). وروى محمد بن الحسن الصفار عن بريد العجلي قال: سألتُ أبا عبد الله (ع) عن الرسول والنبي والمحدث، قال: الرسول الذى تأتيه الملائكة ويعاينهم وتبلغه عن الله ﵎ والنبي الذي يرى في منامه فهو كما رأى، والمحدّث الذي يسمع كلام الملائكة وينقر في أذنه وينكت في قلبه). وعنه عن زرارة قال: سألتُ أبا جعفر (ع) عن قول الله عزوجل ﴿وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً﴾ قلت: ما هو الرسول من النبي؟ قال: النبي هو الذي يرى في منامه ويسمع الصوت ولا يعاين الملك، والرسول يعاين الملك ويكلمه، قلت: فالإمام ما منزلته؟ قال: يسمع الصوت ولايرى ولا يعاين ...) (٢) والروايات في هذا كثيرة (٣).

стр. 214

فوفقاً لهذه الروايات فإنّ الفرق بين الرسول والنبي والإمام أنّ الرسول يرى المَلَك ويكلمه وربما رأى في منامه أحياناً وأنّ النبي يسمع صوت المَلَك لكنه لا يراه في أغلب الأحوال (١) وربما رأى في منامه أحياناً أما الإمام فإنه يسمع صوت المَلَك لكنه لا يراه ولا يعاينه أبداً! فعلى دعوى الشيعة الإثني عشرية بأنّ إبراهيم ﵇ كان نبياً رسولاً ثم صار إماماً فإنّ ذلك يعني أنّ إبراهيم ﵇ كان نبياً يرى في منامه ويسمع كلام الملك، ثم ارتقى إلى منصب أعلى وأسمى وهو الرسالة فصار يرى في منامه ويسمع كلام الملك ويراه عياناً، ثم ارتقى إلى منصب أعلى وأسمى -على دعوى الشيعة بأنّ الإمامة أعلى وأسمى من النبوة والرسالة- فصار يسمع كلام الملك ولا يرى في منامه ولا يرى الملك!! فهل كانت الإمامة بالنسبة لإبراهيم ﵇ ارتقاء – كما يزعم الشيعة الإثنا عشرية- أم أنها صارت انحداراً إلى مرتبة فقد بسببها إبراهيم ﵇ مزيتين في الفضل كانتا له وهما (رؤية المَلَك عياناً والرؤية في المنام) كما نصت على ذلك الروايات الشيعية؟! إنّ هذا التساؤل المحيّر الذي لا يعرف له العقلاء جواباً، قد حيّر أيضاً آية الله الشيخ محمد آصف مُحسني إذ يُصرّح في كتابه "مشرعة بحار الأنوار ١/ ٢٧١" في معرض حديثه عن إمامة إبراهيم ﵇ بهذا قائلاً: (... لكن في الروايات الواردة في حق الإمام أنه يسمع الصوت ولا يرى الشخص، والرسول يرى الشخص، فإعطاء الإمامة بهذا المعنى لا يمكن للرسول. وهذا السؤال ذكرناه في الجزء الثالث من صراط الحق الذي ألّفناه في أيام شبابنا في النجف الأشرف ولم أفز على جوابه لحد الآن، وما أوتينا من العلم إلا أقل من القليل).

стр. 215

الوقفة الرابعة: لقد ادّعى الشيعة الإثنا عشرية أنّ الإمامة التي هي (قيادة المجتمع) هي منزلة أعظم من النبوة، ونسبوا إلى الإمام الصادق قوله: (إنّ الله ﵎ اتخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتخذه نبياً، وإنّ الله اتخذه نبياً قبل أن يتخذه رسولاً، وإنّ الله اتخذه رسولاً قبل أن يتخذه خليلاً، وإنّ الله اتخذه خليلاً قبل أن يجعله إماماً، فلما جمع له الأشياء قال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾، قال: فمن عِظمها في عين إبراهيم قال: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾) (١)، وهم لأجل هذه الإمامة المعظّمة والمصروفة عن آل البيت قد أقاموا الدنيا ولم يقعدوها، وكفّروا لأجل ذلك الصحابة ومن والاهم (٢)، بينما نجد أنّ الإمام علي بن أبي طالب ﵁ نفسه يشبه الإمامة التي يفضلونها على النبوة بـ (النعال) كما في الخطبة رقم (٣٣) من "نهج البلاغة" والتي يقول فيها عبد الله بن عباس: (دخلت على أمير المؤمنين (ع) بذي قار وهو يخصف نعله، فقال لي: ما قيمة هذا النعل؟ فقلت: لا قيمة لها، فقال (ع): والله لهي أحب إلي من إمرتكم إلا أن أقيم حقاً أو أدفع باطلاً). بل شبهها بـ (عفطة عنز!) إذ يقول في الخطبة الشقشقية في معرض تحسره على الخلافة (٣):

стр. 216

(أما والذي فلق الحبة. وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر. وما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم. لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أولها. ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز). يقول المرتضى في "الرسائل ٢/ ١١٣": (والعرب تقول: عفطت الناقة تعفط عفطاً وعفيطاً وعفطاناً فهي عافطة، وهو نثرها بأنفها كما ينثر الحمار. ويقال: عفطت ضرطت. وكلا من المعنيين تحتملهما اللفظة في هذا الموضع)! فكيف عظمت الإمامة في عين إبراهيم ﵇ وحقرت في عين علي بن أبي طالب ﵁؟! وكيف تكون المنزلة التي هي أدنى من النعل أو عفطة العنز هي تلك المنزلة التي يراها الإمامية أنها أعظم من النبوة؟! الوقفة الخامسة: ما المراد بالظلم في الآية الكريمة؟ وهل الخطيئة مانعة من نيل الإمامة؟ لقد اشترط أرباب الشيعة الإثني عشرية للإمامة أن لا يقع من الإنسان ذنب ولو لبرهة من حياته وإن تاب وأصلح! وجعلوا الذنب والخطأ مانعاً من الإمامة، وبتدبر يسير للكتاب والسنة النبوية نلاحظ أنّ الحق بخلاف ما ذهبوا إليه. فهذا آدم ﵇ قد وقع في الخطيئة كما قال الله تعالى ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِين﴾ (١).

стр. 217

فالأكل من الشجرة يجعل الآكل من الظالمين كما نصت على ذلك الآية وكما نص الله تعالى على ذلك بقوله ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ (١) وقد أكل آدم ﵇ منها ولذلك اعترف هو وحواء بوقوع الظلم منهما قائلين ﴿قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢) فكيف على قواعد الإمامية يستقيم هذا مع إمامته والنص على خلافته بقوله تعالى ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَة﴾ (٣)؟! فإنّ كل خليفة منصوص عليه شرعاً هو إمام شرعي واجب الاتباع ولا بد. لقد نال آدم ﵇ العهد لما تاب وأناب كما قال الله تعالى ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم﴾ (٤) فهو ليس من الظالمين الذين لا ينالهم عهد الله وإن صدرت منه خطيئة أعقبتها توبة. ولذلك اصطفاه الله تعالى كما اصطفى غيره من الأنبياء والمرسلين لإمامة الناس فقال عز من قائل ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِين﴾ (٥). وكذلك داود ﵇ الذي صرّح الله تعالى بـ (جعله) خليفة في قوله ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْض﴾ (٦) جاءت هذه الآية فيه بعد أن ذكر الله تعالى عنه ارتكاب الخطيئة.

стр. 218

فقد تحدثت الآيات عن قصة الخصمين اللذين تسورا عليه المحراب، وانتهت بقول الله تعالى ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآب﴾ (١). قال الطوسي: (قال أصحابنا: كان موضع الخطيئة أنه قال للخصم ﴿لقد ظلمك﴾ من غير أن يسأل خصمه عن دعواه، وفي آداب القضاء ألا يحكم بشيء ولا يقول حتى يسأل خصمه عن دعوى خصمه) (٢). وكذلك سليمان ﵇، قال الله تعالى عنه ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّاب﴾ (٣) وقبلها ذكر الله تعالى قصة انشغاله بالخيل حتى فاتته صلاة العصر، وروي عن الإمام جعفر الصادق أنه قال: (إنّ سليمان بن داود ﵇ عُرض عليه ذات يوم بالعشي الخيل فاشتغل بالنظر إليها حتى توارت الشمس بالحجاب فقال للملائكة: ردوا الشمس عليّ حتى أصلي صلاتي في وقتها) (٤). فالتوبة بعد الخطيئة لا تحرم العبد من الفضل أو الفضيلة بل ترتفع فيه فيكون أقرب من الله تعالى الذي ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِين﴾ ولولا الذنب لما حصلت التوبة والتطهير الذي به ينال العبد حب الرب.

стр. 219

(ومن المعلوم أنه قد يكون التائب من الظلم أفضل ممن لم يقع منه، ومن اعتقد أنّ كل من لم يكفر ولم يُذنب أفضل من كل من آمن بعد كفره واهتدى بعد ضلاله وتاب بعد ذنوبه، فهو مخالف لما عُلم بالاضطرار من دين الإسلام، فمن المعلوم أنّ السابقين أفضل من أولادهم (١) وهل يُشبّه أبناء المهاجرين والأنصار بآبائهم عاقل؟!) (٢). إنّ أول ما يُبطل دعوى مفسري الشيعة الإثني عشرية بأنّ المراد بـ (الظالمين) في الآية الكريمة مطلق من صدر عنه ظلم ما من شرك أو معصية وإن كان منه في برهة من عمره ثم تاب وأصلح، أنها دعوى بلا دليل. إنّ (الظالمين) جمع (ظالم) والظالم اسم للمتلبس بالظلم المقيم عليه أما من تاب وانخلع منه فلا يُسمى ظالماً وإلا لم يدخل أحد من التائبين الجنة لأنهم (ظالمون)، والله تعالى يقول ﴿أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِين﴾ (٣) وتوعدهم بالعذاب فقال ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ (٤) ومثله في القرآن كثير. فكيف يصح أن يُقال: (إنّ المراد بالظالمين في هذه الآية مُطلق من صدر عنه ظلم ما من شرك أو معصية وإن كان في برهة من عمره ثم تاب وأصلح)؟! إذن كل المسلمين في النار! إنّ التائب من الذنب في شرعنا كمن لا ذنب له، والله يقول ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ

стр. 220

وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ (١). إنها ليست سوى محاولة يائسة لإخراج أبي بكر الصديق وغيره من الصحابة من شرف الإمامة واستحقاق الإمامة بدعوى أنهم كانوا مشركين فهم من (الظالمين) وإن تابوا وجاهدوا وضحوا من أجل الإسلام والمسلمين! ولعله يكفي حجة على من يستدل بآية ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين﴾ على الإمامة، أن تذكّره بقول الله تعالى عن نبيه إبراهيم ﵇ ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ. وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِين﴾ (٢). ففي هذه الآيات الكريمات إجابة واضحة على من يدّعي أنّ المراد من الآية مطلق الذنب! فإنّ الله ذكر في الآيات الكريمات أنه قد بارك على ابراهيم وإسحاق ﵉ ثم ذكر بأنّ من ذريتهما من هو محسن ومن هو ظالم لنفسه مبين، فأي عاقل يستطيع الادعاء بأنّ المراد هو أنّ من ذريتهما من هو معصوم ومن هو كباقي الصالحين يعصي ويتوب! بل المراد هو أنّ منهم من هو صالح عادل، ومنهم من هو طالح ظالم قد بان ظلمه وشركه. ودلائل ذلك كثيرة في بني إسرائيل الذين وُجد فيهم الصالحون المتقون، ووجد فيهم قتلة الأنبياء ومحرفو الكتب السماوية والمعاندون المكذبون لله ورسله. فإذا علمت هذا كله، فاعلم أنّ المراد بقوله تعالى ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين﴾ أن لا ينال عهد الله تعالى مشرك.

стр. 221

وفي هذا يقول العلامة ابن قيّم الجوزية: (وقال لإمامهم وشيخهم إبراهيم خليله ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين﴾ أي لا ينال عهدي بالإمامة مشرك، ولهذا أوصى نبيه محمداً أن يتبع ملة إبراهيم وكان يعلّم أصحابه إذا أصبحوا أن يقولوا أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد وملة أبينا إبراهيم حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين، فملة إبراهيم التوحيد ودين محمد ما جاء به من عند الله قولاً وعملاً واعتقاداً، وكلمة الإخلاص هي شهادة أن لا إله إلا الله وفطرة الإسلام هي ما فطر الله عليه عباده من محبته وعبادته وحده لا شريك له والاستسلام له عبودية وذلاً وانقياداً وإنابة) (١). وهو ما نصت عليه روايات الشيعة الإثني عشرية أيضاً وتصريحات بعض علمائهم. روى محمد بن الحسن الصفّار في "بصائر الدرجات" عن هشام بن سالم ودرست بن أبي منصور الواسطي عنهما عن أبي جعفر وأبي عبد الله ﵉ أنهما قالا: (الأنبياء والمرسلون على أربع طبقات) إلى أن قال: (وقد كان ابراهيم نبياً وليس بإمام حتى قال الله ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ بأنه يكون في ولده كلهم ﴿قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين﴾ أي من عبد صنماً أو وثناً) (٢). وفي كتاب "الاحتجاج" للطبرسي في حديث طويل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قال: (إذ كان الله قد حظر على من ماسه الكفر تقلد ما فوضه إلى أنبيائه وأوليائه، بقوله

стр. 222

لابراهيم ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين﴾ أي المشركين، لأنه سمّى الظلم شركاً بقوله ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم﴾ فلما علم ابراهيم ﵇ أنّ عهد الله ﵎ اسمه بالامامة لا ينال عبدة الأصنام، قال ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَام﴾) (١). وفي الأمالي للطوسي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: قال رسول الله ﵌: (أنا دعوة أبي إبراهيم. فقلنا: يا رسول الله، وكيف صرت دعوة أبيك إبراهيم؟ قال: أوحى الله إلى إبراهيم إني جاعلك للناس إماماً، فاستخف إبراهيم الفرح، فقال: يا رب، ومن ذريتي أئمة مثلي؟ فأوحى الله إليه أن يا إبراهيم، إني لا أعطيك عهداً لا أفي لك به. قال: يا رب، ما العهد الذي لا تفي لي به؟ قال: لا أعطيك لظالم من ذريتك. قال: يا رب، ومن الظالم من ولدي الذي لا ينال عهدك؟ قال: من سجد لصنم من دوني لا أجعله إماماً أبداً، ولا يصح أن يكون إماماً. قال إبراهيم ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَام. رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاس﴾) (٢). وفي هذا يقول ابن شهرآشوب في "مناقب آل أبي طالب ١/ ٢١٣" ما نصه: (قوله ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ فقال ابراهيم من عِظم خطر الإمامة عنده ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ قال ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين﴾، وفي خبر إنه قال: ومن الظالم من ولدي؟ قال: من سجد لصنم من دوني فقال ابراهيم ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَام﴾). وقال الحافظ شمس الدين يحيى بن الحسن الحلي في كتابه "العمدة": (ونظيره في استحقاق الإمامة، لأنه يستحقها على طريق استحقاق النبي صلى الله عليه وآله للنبوة سواء بدليل قوله

стр. 223

سبحانه وتعالى لابراهيم ﵇ ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين﴾ والظلم هاهنا هو الشرك، وحد الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، والمشرك قد وجه عبادته إلى غير مستحقها، وهو عبادة الأصنام وهي غير مستحقة للعبادة) (١). وقال في "خصائص الوحي المبين": (وكذلك من عبد الأصنام من ولد إبراهيم ﵇ لم ينف عنهم النسب، وإنما نفى عنهم استحقاق الإمامة على مقتضى نفي الوحي العزيز للإمامة عمن عبد الأصنام بدليل قوله تعالى ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين﴾) (٢). وقال أيضاً: (فقال تعالى مجيباً له ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين﴾ وأراد بالظلم هنا عبادة الأصنام وأنّ من عبد الأصنام لا يكون إماماً ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِين﴾ (٣) (٤). وكل هذا يلتقي التقاء واضحاً مع ما نص عليه كتاب الله تعالى من اعتناء إبراهيم ﵇ بقضية التوحيد ونبذ الشرك بشكل خاص، فقد كان إبراهيم الخليل إمام الموحدين كلهم، ولذلك كان اليهود والنصارى يتنازعون إمامة إبراهيم ﵇ لهم فقال لهم رب العالمين ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين. إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِين﴾ (٥).

стр. 224

ولذا كثيراً ما ترى أنبياء الله يشيرون إلى ابراهيم ﵇ وإلى ملته، في إشارة منهم إلى تلك الإمامة الدينية. فهذا يوسف ﵇ يقول لصاحبه في السجن ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ﴾ (١). وهذا يعقوب ﵇ وهو على فراش الموت يجمع بنيه ليسألهم عن التوحيد اقتداء بأبيه إبراهيم ﵇ الذي جمعه وإخوته ليُحضهم على التمسك بالدين كما أخبر الله تعالى عنه بقوله ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ. إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ. أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون﴾ (٢). وحتى محمد ﵌ مأمور من الله تعالى باتباع ملة إبراهيم ﵇ إمام التوحيد كما قال الله تعالى ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين﴾ (٣) فأين هذا كله مما يدّعيه الشيعة الإثنا عشرية في أنّ المراد بالظلم في الآية الكريمة هو الذنب؟!

стр. 225

ولماذا أغفلوا ما ترويه تفاسيرهم من كلام النبي ﵌ والإمامين الباقر والصادق وهم يزعمون أنهم أتباع العترة الطاهرة والمدافعون عن تعاليمهم؟! إنه الهوى وما يفعله في أصحابه! آية ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ لعل من أبرز ما يستدل به علماء الشيعة على إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والنص عليه من الله هو قوله تعالى ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُون﴾ (١) حتى اشتهر تسميتها عند الشيعة الإثني عشرية باسم (آية الولاية). ووجه استدلال الشيعة الإثني عشرية بالآية كما يقول الحلي (يتوقف على مقدمات: أحدها أنّ لفظ (إنما) للحصر، وذلك معلوم عند أهل اللغة. الثانية: أنّ المراد بالولي هنا المتصرف، والمستحق لوصف الأولى، وهو معلوم من أهل اللغة حيث يُقال: فلان ولي المرأة لمن هو أولى بالعقد، ويصفون العصبة بأنهم أولياء الدم لأنهم أولى بالمطالبة. الثالثة: أنّ المراد بذلك هو علي ﵇ ويدل عليه وجوه: أحدها: اتفاق المفسرين على أنها نزلت فيه ﵇.

стр. 226

الثاني: أنها تدل على ثبوت الإمامة لمن اجتمعت فيه صفة إتيان الزكاة حين الركوع ولم يتصف بذلك غير علي ﵇ لما تصدق بخاتمه في صلاته حال الركوع بالإجماع. الثالث: قد بيّنا أنها ليست عامة في حق المؤمنين كافة، وإلا لكان كل واحد ولي نفسه وهو محال وكل من خصّها ببعض المؤمنين قال: المراد بها علي ﵇ (١). فما مدى صحة ما ذهبت إليه النظرية الإمامية الإثنا عشرية؟ المناقشة: أولاً: قول الحلي بأنّ المفسرين متفقون على أنّ الآية نزلت في علي بن أبي طالب (٢) يفتقد إلى الدقة على أقل أحواله، حيث لا اتفاق بين المفسرين على أنّ الآية نزلت في علي بن أبي طالب ولو أنّ الحلي قال: (قال بعضهم أنها نزلت فيه) لكان ذلك أدق وأصوب. فقد ذكر القرطبي في تفسيره للآية أكثر من سبب نزول ولم يجزم بأنّ الآية نزلت في علي دون الآخرين ممن ذكرهم، بل ذكر القرطبي ما يوجب نفي أن تكون الآية قد نزلت في علي دون غيره بنقله رواية عن الإمام الباقر وقد سُئل عن معنى ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ هل هو علي بن أبي طالب؟ فقال: علي من المؤمنين، يذهب إلى أنّ هذا لجميع المؤمنين (٣). وأما الرازي فقد ذكر عدة أقوال في سبب نزول الآية ثم تعرض إلى رواية التصدق بالخاتم

стр. 227

فنفى صحتها لقرائن ودلائل كثيرة (١) والحال كذلك في تفسير ابن كثير (٢)، وقد ذكر البيضاوي في تفسيره القول بنزولها في علي بصيغة التمريض (٣). أما الطبري فذكر في تفسيره روايات تؤكد نزولها في عبادة بن الصامت كما سيأتي، وذكر كذلك ما روي أنها نزلت في الإمام علي، وقد عبر عن اختلاف العلماء في سبب نزول الآية بقوله (وأما قوله ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُون﴾ فإنّ أهل التأويل اختلفوا في المعني به) (٤) وكذلك هو الحال في تفسير البغوي (٥). وأما الواحدي فعلى ما عُرف عنه من عدم العناية بالحديث كحال الثعالبي وأبي السعود إلا أنه قد نقل في أسباب نزول الآية سببين مختلفين فقال: (﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُه﴾ نزلت لما هجر اليهود من أسلم منهم فقال عبد الله بن سلام: يا رسول الله، إنّ قومنا قد هجرونا وأقسموا ألا يجالسونا فنزلت هذه الآية، فقال: رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء، وقوله ﴿وَهُمْ رَاكِعُون﴾ يعني صلاة التطوع) (٦). وذكر سبباً ثانياً لنزول الآية وهو تصدّق علي بن أبي طالب ﵁ بخاتم من ذهب وهي رواية مردودة كما سيأتي.

стр. 228

وأما ابن الجوزي فقال في تفسيره زاد المسير: (اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال ..) ثم ذكر الأقوال الأربعة (١). وذكر الشوكاني في تفسير الآية قولين: الأول: أنها نزلت في عبادة بن الصامت، والثاني: أنها نزلت في علي بن أبي طالب دون ترجيح (٢). وفي هذا دلالة قاطعة على أنّ ادعاء إجماع أو اتفاق المفسرين على أنها نزلت في علي بن أبي طالب كذب على هؤلاء المفسرين. وغاية ما ينقله علماء الشيعة الإثنا عشرية عن المفسرين الذين تبنوا الرأي في نزولها في علي ابن أبي طالب دون غيره، فهو مذكور في تفسير الثعالبي (٣) وأبي السعود وغيرهما. والثعالبي وأبو السعود على فضلهما وجلالة قدرهما لا خبرة لهما بالصحيح والسقيم من الأحاديث، ولذا كثر في تفسيريهما الروايات الضعيفة والموضوعة، فهما حاطبا ليل، لا يميزان بين الرطب واليابس. والمتكلم والمفسّر والمؤرخ ونحوهم إذا نقل نقلاً مجرداً بلا إسناد ثابت لم يُعتمد عليه حتى يأتي بإسناد الحديث فيُحكم عليه صحة وضعفاً. ورواية تصدق الإمام علي بن أبي طالب بالخاتم المذكورة قد ناقشها كثير من العلماء وحسبي أن أشير إلى ما ذكره في ذلك محقق تفسير القرطبي.

стр. 229

قال الشيخ عبد الرزاق المهدي عن الرواية (باطلة. أخرجها الطبراني كما في المجمع ٧/ ١٧ من حديث عمار بن ياسر، وقال الهيثمي: وفيه من لم أعرفهم. وأخرجها الواحدي ٣٩٧ بسنده عن ابن عباس، وفيها الكلبي متهم بالكذب، وكذا محمد بن مروان السدي الصغير وأخرجها الطبراني ١٢٢١٥ عن السدي من قوله، وهذا معضل) (١). وقال أيضاً: (وكذلك أنّ الواحدي في روايته عن ابن عباس أنّ علياً تصدق بخاتمه الذي هو من ذهب. نعم هكذا ذكره في الأسباب ص١٤٩وهذا لا يكون. لأنّ الذهب حرام والآية غير منسوخة حتى نقول كان في أول الإسلام، بل هي محكمة تتكلم عن توجيهات قرآنية لا عن أحكام فقهية .. وأيضاً في الآثار هذه أنّ الرجل صار يسأل الناس في المسجد والناس ما بين راكع وساجد، وهذا أيضاً يؤدي إلى رفع الصوت في المسجد، أو هو من باب إنشاد الضالة وغيره في المسجد، وهو منهي عنه) (٢). ويقول الحافظ ابن كثير: (وليس يصح شيء منها بالكلية لضعف أسانيدها وجهالة رجالها) (٣). وبالمقابل وجدنا أنّ رواية عبادة بن الصامت التي أخرجها الطبري في تفسيره وغيره من المفسرين صحيحة السند، وبهذا يظهر كونها سبب نزول الآية الكريمة. وذلك أنه لما خانت بنو قينقاع الرسول صلى الله عليه وآله ذهبوا إلى عبادة بن الصامت ﵁، وأرادوه أن يكون معهم فتركهم وعاداهم وتولى الله ورسوله، فأنزل الله تبارك

стр. 230

وتعالى قوله ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُون﴾ أي والحال أنهم خاضعون في كل شؤونهم لله ﵎، ولذلك قال الله ﵎ في أول الآيات ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ يعني عبد الله بن أبي بن سلول لأنه كان موالياً لبني قينقاع، ولما حصلت الخصومة بينهم وبين النبي ﵌ والاهم ونصرهم ووقف معهم وذهب إلى النبي صلى الله عليه وآله يشفع لهم، أما عبادة بن الصامت ﵁ وأرضاه فإنه تبرأ منهم وتركهم فأنزل الله ﵎ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين﴾ ثم عقّب ﵎ بذكر صفة المؤمنين وهو عبادة بن الصامت ومن سار على دربه ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾. ومما يؤكد كونها نازلة في عبادة بن الصامت ﵁ وفي المنافق عبد الله بن أبي بن سلول وبني قينقاع سياق الآيات لمن تدبرها، فإنه تعالى قد قال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين﴾ فهذا نهي عن موالاة اليهود والنصارى. ثم قال ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَن يَاتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِه﴾ إلى قوله تعالى ﴿فَأَصْبَحُوا خَاسِرِين﴾ فهذا وصف الذين في قلوبهم مرض، الذين يوالون الكفار كالمنافقين، ثم قال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَاتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيم﴾ فذكر فعل المرتدين وأنهم لن يضروا الله شيئاً، وذكر من يأتي به بدلهم، ثم قال ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ

стр. 231

وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُون. وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُون﴾ (١). فتضمن هذا الكلام ذكر أحوال من دخل في الإسلام من المنافقين، ومن يرتد عنه، وحال المؤمنين الثابتين عليه ظاهراً وباطناً (٢). ثانياً: إنّ في رواية تصدق الإمام علي بخاتمه ما يدعو للعجب والاستغراب. فالإمام علي كان فقيراً في عهد النبي ﵌، بالكاد يملك قوت يومه وكسوة أهله حتى اشتكت من ذلك فاطمة الزهراء ﵍ كما هو معروف في كتب الشيعة الإثني عشرية قبل كتب أهل السنة، فمن أين إذاً بلغ ماله الحول حتى يخرج منه الزكاة؟! ثم إنّ الأصل في الزكاة أن يبدأ بها المُزكّي لا أن ينتظر الفقراء حتى يأتونه ويسألونه حقهم في ماله، وليس الإمام علي بالذي يحتفظ بالزكاة عنده ويحجزها عن فقراء المدينة أو عن أهل الصفة الذين سكنوا المسجد النبوي والذين يراهم ليلاً ونهاراً حين دخوله بيته وحين خروجه منه. وقد سأل الإمام جعفر الصادق إسحاق بن عمار يوماً: يا إسحاق، كيف تصنع بزكاة مالك إذا حضرت؟ قال: يأتوني إلى المنزل فأعطيهم. فقال له: ما أراك يا إسحاق إلا قد أذللت المؤمنين، فإياك إياك، إنّ الله تعالى يقول) من أذل لي ولياً فقد أرصد لي بالمحاربة (٣).

стр. 232

أما أنا فأبرئ الإمام علياً أن يكون ممن يذل المؤمنين بحبسه الزكاة عنهم حتى يطلبوها هم وأبرئه من الانشغال عن الصلاة وهو الخاشع الطائع ... وأبرئه من رواية كهذه لا تصح لا سنداً ولا تُعقل معنىً، وعليك أن تكون منصفاً وتنتصف للإمام علي من هذه الروايات التي تسيء له أكثر مما تمتدحه. وفضائل علي بن أبي طالب كثيرة ومثله غني عن هذه الروايات السقيمة التي تضع صاحبها ولا ترفعه. ثالثاً: إنّ الآية على فرض كونها قد نزلت في الإمام علي فإنه لا دلالة فيها على معنى الإمامة أو الإمارة، فالولاية (بالفتح) المذكورة في الآية هي ضد العداوة، والاسم منها (مولى، ووليّ) بينما الولاية (بالكسر) تعني الإمارة، والاسم منها (والي، ومتولي)، والآية إنما ذكرت لفظ (ولي) وفي هذا إثبات النصرة والمحبة لا الإمارة، فكيف تُتجاهل هذه الحقيقة اللغوية هكذا بكل بساطة؟! فلفظ (الولي) تشترك فيه معان كثيرة ... ولا يمكن أن يُراد من اللفظ المشترك معنى معين إلا بقرينة خارجة والقرينة هاهنا من السياق (يعني ما سبق هذه الآية) فهو مؤيد لمعنى الناصر لأنّ الكلام في تقوية قلوب المؤمنين وتسليتها، وإزالة الخوف عنها من المرتدين (١). ولو كان المراد من الآية الإمارة لقال الله (إنما يتولى عليكم الله ورسوله والذين آمنوا) بدل ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُه﴾ فإنه لا يُقال لمن ولي عليهم وال أنهم (تولوه) بل يُقال: (تولى عليهم)، وهذا ظاهر لمن يعرف العربية.

стр. 233

وتفسير قوله تعالى ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُم﴾ بالإمارة لا يتفق مع وصف الله تعالى نفسه بأنه ولي المؤمنين، فإنّ الله لا يُوصف بأنه أمير المؤمنين على عباده أو خليفتهم أو أنه إمامهم!! لأنه خالقهم ورازقهم وربهم ومليكهم، له الخلق والأمر، فالولاية هنا تعني النصرة والمحبة، فإنّ الله يتولى عباده المؤمنين فيحبهم ويحبونه، ويرضى عنهم ويرضون عنه، وكذلك الحال في رسول الله ﵌ وفي المؤمنين الذين عبّر الله عنهم بـ (الذين آمنوا) سواء كان علي بن أبي طالب أو غيره. فهذه هي الولاية المقصودة في الآية، ومن يأبى إلا الإصرار على أنها في الإمامة فنحن نطالبه بأن يستبدل لفظ (وليكم) بـ (إمامكم) أو (خليفتكم) ويرينا هل يستقيم له المعنى. وللألوسي كلام نفيس في هذا الموضوع يقول فيه: (ووجه استدلال الشيعة بخبر (من كنت مولاه فعلى مولاه) أنّ المولى بمعنى الأولى بالتصرف وأولوية التصرف عين الإمامة ولا يخفى أنّ أول اللفظ فى هذا الاستدلال جعلهم المولى بمعنى الأولى، وقد أنكر ذلك أهل العربية قاطبة بل قالوا: لم يجاء مفعل بمعنى أفعل أصلاً ولم يجوّز ذلك إلا أبو زيد اللغوى متمسكاً بقول أبى عبيدة فى تفسير قوله تعالى ﴿هِيَ مَوْلَاكُمْ﴾ أي أولى بكم، ورُدّ بأنه يلزم عليه صحة (فلان مولى من فلان) كما يصح (فلان أولى من فلان) واللازم باطل إجماعاً فالملزوم مثله، وتفسير أبى عبيدة بيان لحاصل المعنى يعنى النار مقركم ومصيركم والموضع اللائق بكم وليس نصاً فى أنّ لفظ المولى ثمة بمعنى الأولى. والثانى: لو سلمنا أنّ المولى بمعنى الأولى لا يلزم أن يكون صلته بالتصرف بل يحتمل أن يكون المراد أولى بالمحبة وأولى بالتعظيم ونحو ذلك، وكم جاء الأولى فى كلام لايصح معه تقدير التصرف كقوله تعالى ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ

стр. 234

آمَنُوا﴾ (١) على أنّ لنا قرينتين على أنّ المراد من الولاية من لفظ المولى أو الأولى بالمحبة إحداهما ما روينا عن محمد بن إسحاق فى شكوى الذين كانوا مع الأمير كرم الله تعالى وجهه فى اليمن كبريد الأسلمى وخالد بن الوليد وغيرهما ولم يمنع ﵌ الشاكين بخصوصهم مبالغة فى طلب موالاته وتلطفاُ فى الدعوة إليها كما هو الغالب فى شأنه ﵌ فى مثل ذلك، وللتلطف المذكور افتتح الخطبة ﵌ بقوله (ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم). وثانيهما قوله ﵊ على ما في بعض الروايات (اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) فإنه لو كان المراد من (المولى) المتصرف فى الأمور أو الأولى بالتصرف لقال ﵊ (اللهم وال من كان فى تصرفه وعاد من لم يكن كذلك)، فحيث ذكر ﵌ المحبة والعداوة فقد نبه على أنّ المقصود إيجاب محبته كرم الله تعالى وجهه والتحذير من عداوته وبغضه لا التصرف وعدمه ولو كان المراد الخلافة لصرح ﵌ بها، ويدل لذلك ما رواه أبو نعيم عن الحسن المثنى بن الحسن السبط رضى الله تعالى عنهما أنهم سألوه عن هذا الخبر هل هو نص على خلافة الأمير كرم الله تعالى وجهه فقال: لوكان النبى ﵌ أراد خلافته لقال: (أيها الناس، هذا ولي أمرى والقائم عليكم بعدى فاسمعوا وأطيعوا) ثم قال الحسن: (أقسم بالله سبحانه أنّ الله تعالى ورسوله ﵌ لو آثرا علياً لأجل هذا الأمر، ولم يُقدّم علي كرم الله تعالى وجهه عليه، لكان أعظم الناس خطأ.

стр. 235

وأيضاً ربما يستدل على أنّ المراد بالولاية المحبة بأنه لم يقع التقييد بلفظ بعدي والظاهر حينئذ اجتماع الولايتين فى زمان واحد ولايتصور الاجتماع على تقدير أن يكون المراد أولوية التصرف بخلاف ما إذا كان المراد المحبة، وتمسك الشيعة فى إثبات أنّ المراد بالمولى الأولى بالتصرف باللفظ الواقع فى صدر الخبر على إحدى الروايات وهو قوله ﵌ (ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم)، ونحن نقول المراد من هذا أيضاً (الأولى بالمحبة) يعنى (ألست أولى بالؤمنين من أنفسهم بالمحبة) بل قد يقال (الأولى) ههنا مشتق من الولاية بمعنى المحبة والمعنى (ألست أحب إلى المؤمنين من أنفسهم) ليحصل تلاؤم أجزاء الكلام ويحسن الانتظام ويكون حاصل المعنى هكذا (يا معشر المؤمنين إنكم تحبونى أكثر من أنفسكم فمن يحبنى يحب علياً، اللهم أحب من أحبه وعاد من عاداه). ثم يقول: (ولو فرضنا كون الأولى في صدر الخبر بمعنى الأولى بالتصرف، فيحتمل أن يكون ذلك لتنبيه المخاطبين بذلك الخطاب ليتوجهوا إلى سماع كلامه ﵌ كمال التوجه، ويلتفتوا إليه غاية الالتفات فيقرر ما فيه من الإرشاد أتم تقرر، وذلك وكما يقول الرجل لأبنائه في مقام الوعظ والنصيحة (ألست أباكم) وإذا اعترفوا بذلك يأمرهم بما قصده منهم ليقبلوا بحكم الأبوة والبنوة ويعملوا على طبقهما فقوله ﵊ في هذا المقام (ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم) مثل (ألست رسول الله تعالى إليكم) أو (ألست نبيكم) ولا يمكن إجراء مثل ذلك فيما بعده تحصيلاً للمناسبة، ومن الشيعة من أورد دليلاً على نفي المحبة، وهو أنّ محبة الأمير كرم الله تعالى وجهه أمر ثابت في ضمن آية والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، فلو أفاد هذا الحديث ذلك المعنى كان لغواً، ولا يخفى فساده ومنشؤه أنّ المستدل لم يفهم أنّ إيجاب محبة أحد في ضمن العموم شيء وإيجاب محبته بالخصوص شيء آخر، والفرق بينهما مثل الشمس ظاهر، ومما يزيد ذلك ظهوراً

стр. 236

أنه لو آمن شخص بجميع أنبياء الله تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام ولم يتعرض لنبينا محمد ﷺ بخصوصه بالذكر لم يكن إيمانه معتبراً. وأيضاً لو فرضنا اتحاد مضمون الآية والخبر لا يلزم اللغو بل غاية ما يلزم التقرير والتأكيد وذلك وظيفة النبي ﵌، فقد كان ﵊ كثيراً ما يؤكد مضامين القرآن ويقررها بل القرآن نفسه قد تكررت فيه المضامين لذلك ولم يقل أحد إنّ ذلك من اللغو والعياذ بالله تعالى، وأيضا التنصيص على إمامة الأمير كرم الله تعالى وجهه تكرر مراراً عند الشيعة فيلزم على تقدير صحة ذلك القول اللغوي ويجل كلام الشارع عنه) (١). رابعاً: لفظ الركوع المذكور في الآية يُراد به الخضوع كنحو قوله تعالى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُون﴾ (٢) والمراد أي اخضعوا واستسلموا لأمر الله ﵎. يقول الطبري (وأما تأويل – أي تفسير – الركوع فهو الخضوع لله بالطاعة، يُقال منه ركع فلان لكذا وكذا إذا خضع له، ومنه قول الشاعر: بيعت بكسر لتيم واستغاث بها ... من الهزال أبوها بعدما ركعا يعني: بعدما خضع من شدة الجهد والحاجة) (٣).

стр. 237

وقال الراغب الأصفهاني في "المفردات في غريب القرآن": (الركوع: الانحناء فتارة يُستعمل في الهيئة المخصوصة في الصلاة كما هي وتارة في التواضع والتذلل إما في العبادة وإما في غيرها) (١). (وكانت العرب تُسمي من آمن بالله تعالى ولم يعبد الأوثان راكعاً، ويقولون: ركع إلى الله أي اطمأن إليه خالصاً ...) (٢). ولذلك ذكر الله في الآية الركوع في حال الزكاة بعد ذكره لإقامة الصلاة مع أنّ الركوع إنما يكون في الصلاة لا الزكاة، ومن هنا ظهر أنّ المراد بأنهم يؤتون الزكاة وهم خاضعون مستسلمون لله، إذ المرء قد يشح عن أداء الزكاة ويستكثر أن يخرج من ماله للفقراء، والذي يخضع لله ويستسلم لأحكامه ويقبل بقلبه وبجوارحه على أدائها يكون حينئذ خاضعاً مستسلماً لله وهو المراد من الآية. خامساً: إنّ قول الحلي بأنّ (إنما) في الآية تفيد الحصر قد لا يُسلّم له، فـ (إنما) لا تفيد الحصر مطلقاً. قال الرازي في "تفسيره ١٢/ ٣٠": (لا نسلّم أنّ كلمة (إنما) للحصر والدليل عليه قوله ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء﴾ (٣) ولا شك أنّ الحياة الدنيا لها أمثال أخرى سوى هذا المثل). ولو أننا سلّمنا بأنّ (إنما) في الآية تفيد الحصر فإنّ ذلك لن يخدم النظرية الإمامية أبداً.

стр. 238

فالحصر كما يلزم أهل السنة من جهة إخراجه أبا بكر وعمر وعثمان من استحقاق الخلافة ويحصر الاستحقاق في علي وحده، يلزم الشيعة أيضاً. فالأداة (إنما) إن أفادت الحصر فذلك يعني أحد أمرين: إما حصر الخلافة في علي فقط ونفي إمامة غيره حتى الأحد عشر الذين تنص عقيدة الشيعة على إمامتهم، لأنّ الحصر لن يخرج أبا بكر وعمر وعثمان فقط ويُدخل غيرهم وإنما يُخرج الجميع، وفي هذا بطلان إمامة كل من هم سوى الإمام علي بن أبي طالب، وهذا ما لا يطيقه أرباب النظرية الإمامية. أو أنها تحصر الخلافة فيمن يؤدي الزكاة وهو راكع وهذا أعظم من الأول لأمرين اثنين وهما: الأول: يستطيع كل أحد أن يؤدي الزكاة وهو راكع فهل أهلية إمامة المسلمين مقيدة بهذا؟!! هل كل من يؤدي الزكاة وهو راكع يستحق بمقتضى فعله هذا أن يكون خليفة للمسلمين؟!! الثاني: لم يثبت عن الأئمة الأحد العشر الباقين أنهم تصدقوا أو أدوا الزكاة وهم راكعون وفي ذلك نفي لإمامتهم، بل على فرض صحة الرواية في تصدق علي وهو راكع، فإنا نعلم أن التوافق بين كون الإمام علي يؤدي الصلاة وبين دخول الفقير إلى المسجد وطلبه الزكاة أمر لا يتكرر إلا بمحض الصدفة لا أن يتكرر لاثني عشر رجلاً إلا إذا قُصد تعمد تكرار هذا المشهد!! فالنص قد حُمّل بالفعل أكثر مما يحتمل، معناه واضح جلي والسياق الذي أتى فيه أوضح وسبب النزول المعروف في عبادة بن الصامت يزيده وضوحاً فلماذا لا نستسلم للحقيقة؟

стр. 239

آية ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ واستدل الشيعة الإثنا عشرية بقوله تعالى ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير﴾ (١). وروى الكليني في "الكافي" والصّفار في "بصائر الدرجات" في تفسيرها عن الإمام جعفر الصادق قوله: (السابق بالخيرات: الإمام والمقتصد: العارف للإمام، والظالم لنفسه: الذي لا يعرف الإمام) (٢). المناقشة: أولاً: إنّ الآية الكريمة ليس فيها ما يشير إلى آل البيت ﵈ والرضوان فضلاً عن أن يوجد فيها ما يشير إلى الأئمة الإثني عشر، وكذلك السنة النبوية بصحيحها وضعيفها ليس فيها ما يشير إلى ارتباط الآية بآل البيت فضلاً عن الأئمة الإثني عشر، فبأي دليل يأتي مدّعٍ مكابر ليحاجج بهذه الآية على أنها دليل على إمامة الأئمة الإثني عشر؟! ثانياً: قال الإمام ابن كثير في تفسير الآية: (يقول تعالى: ثم جعلنا القائمين بالكتاب العظيم المصدّق لما بين يديه من الكتب الذين اصطفينا من عبادنا وهم هذه الأمة ثم قسمهم إلى ثلاثة أنواع، فقال تعالى (فمنهم ظالم لنفسه) وهو المفرط في فعل بعض الواجبات المرتكب لبعض المحرمات (ومنهم مقتصد) هو المؤدي للواجبات التارك للمحرمات وقد يترك بعض

стр. 240

المستحبات ويفعل بعض المكروهات (ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله) وهو الفاعل للواجبات والمستحبات التارك للمحرمات والمكروهات وبعض المباحات. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ قال: هم أمة محمد ﷺ ورثهم الله تعالى كل كتاب أنزله، فظالمهم يُغفر له ومقتصدهم يُحاسب حساباً يسيراً وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب) (١). إنّ الله تعالى قد وصف أمة محمد ﵌ بأصنافها الثلاثة المذكورة في الآية بأنها خير أمة أخرجت للناس دون استثناء لصنف منها من هذه الخيرية على باقي الأمم فقال عزّ من قائل ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِالله﴾ (٢) ووصفها بالأمة الوسط الشهيدة على الأمم السابقة فقال ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ (٣) فأي عجب في أن تكون أمة محمد ﵌ المثني عليها والمرحومة هي وارثة الكتاب من بعد نبيها؟! وأي غرابة في أن يذكر الله تعالى اصطفاء هذه الأمة لوراثة الكتاب من بعد نبيها ﵌، وقد كانت الأمم السابقة ترث كتب أنبيائها وتقوم فيها؟ لقد أشار القرآن الكريم إلى هذه السنة الإلهية القائمة في السابقين في سورة غافر بقوله

стр. 241

﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَاب﴾ (١) وقال ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيب﴾ (٢) وقال ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَاخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَاتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَاخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقّ﴾ (٣). وفي هذا يقول الطباطبائي – وهو من كبار مفسري الشيعة المعاصرين-: (ويمكن تأييد أول الاحتمالين بأن لا مانع من نسبة الوراثة إلى الكل مع قيام البعض بها حقيقة كما نجد نظيره في قوله تعالى ﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَاب﴾ وما في الآية من المقابلة بين الظالم لنفسه والمقتصد والسابق بالخيرات يعطي أنّ المراد بالظالم لنفسه من عليه شئ من السيئات وهو مسلم من أهل القرآن لكونه مصطفى ووارثاً، والمراد بالمقتصد المتوسط الذي هو في قصد السبيل وسواء الطريق والمراد بالسابق بالخيرات بإذن الله من سبق الظالم والمقتصد إلى درجات القرب فهو إمام غيره بإذن الله بسبب فعل الخيرات قال تعالى ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُون. أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُون﴾) (٤). ثالثاً: لقد وقفت على كلام غاية في الروعة لموسى الجار الله يصب في هذا المعنى مُجمله ما يلي: (كل ما أنعم الله به على نبيه من فضل ونعمة، وكل ما نزل من عرش الله العظيم إلى نبيه

стр. 242

الكريم فكله بعده لأمته، والأمة شريكة لنبيها في كل كمال كان له في حياته، ثم ورثته بعد مماته، وكل فضل وكل نعمة ذكرها القرآن لنبيه فقد ذكرها لأمته، ومثاله: ١ - الاصطفاء والاجتباء والذكر والتشريف فقد قال سبحانه عن اصطفاء الملائكة والأنبياء ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاس﴾ (١)، ثم ذكر تشريفه لأمته بهذا الفضل وهذا الاصطفاء فقال جل من قائل ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾. فذكر الإيراث، والميراث تأخذه الأحياء بعد الأموات، والكتاب محفوظ إلى الأبد، فالأمة أحياء إلى الأبد واصطفى سبحانه الأمة بنون العظمة بنفسه لنفسه ولم يكل الاصطفاء إلى غيره، وأضاف العباد إلى نون العظمة لقطع إمكان الانحراف والضلال بالإغواء أو بغيره ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَان﴾ فلا يمكن الضلال في الأمة لأنها في حمى الله بنص آية سورة الحجر. وقال سبحانه عن الأنبياء السابقين قوله ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم﴾ (٢) وذكر في هذه الأمة ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْل﴾ (٣).

стр. 243

وأخبر أنّ هذا الكتاب فيه عز وتشريف للنبي ﵌ فقال ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِك﴾ (١) وقال في تشريف الأمة ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ (٢). ٢ - الشراكة بالشهادة إنّ الله تعالى أشرك الأمة مع نبيها في الشهادة على الأمم فقال سبحانه ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ (٣). ٣ - الشراكة بالصلاة من الله والتسليم وأشرك هذه الأمة مع نبيها في الصلاة فقال ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (٤) وقال ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ (٥). ٤ - الشراكة في الظهور والنصر والتمكين فقد قال سبحانه لنبيه ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّه﴾ (٦) وقال عن أمته ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ (٧) فقد أضاف الدين إلى

стр. 244

الأمة وأكَّد التمكين بالقسم وقال ﴿دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ فدل على أنّ دين الأمة وسياسة الخلافة الراشدة بعد النبي ﵌ هو الذي ارتضاه الله لهم. وقال لنبيه ﴿وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً﴾ (١) وقال لأمته ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِين﴾ (٢) فأوجب النصر على نفسه بقسم مؤكد. وقال لنبيه ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾ (٣) وقال عن أمته ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ (٤) وقال لنبيه ﴿هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِه﴾ (٥) وقال لأمته ﴿وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ (٦) ٤ - الشراكة في إتمام النعمة وأشرك الأمة مع نبيها ﵌ في النعمة العامة التي أنعمها عليه فقال الله تعالى لنبيه ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْك﴾ (٧) وقال لأمته المرحومة ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ (٨) (٩).

стр. 245

رابعاً: يزعم الإثناعشرية أنّ الأئمة الإثني عشر مستحقون للإمامة دون سائر الأمة استدلالاً بقوله تعالى ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين﴾ فقد فسّروا الظلم في الآية بالذنب، واعتبروا الأمة كلها داخلة في مسمى الـ (ظالم) لاقترافها الذنوب واستثنوا الأئمة الإثني عشر لاعتقادهم العصمة فيهم. وفي الآية التي نحن بصدد شرحها ومناقشة استدلال الإثني عشرية بها ما ينقض أحد الاستدلالين على أقل تقدير. لقد قسّم الله تعالى الناس في الآية إلى ثلاثة أقسام فقال ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَات﴾ ومن الواضح بأنّ الفئة الأولى وهي فئة (الظالم لنفسه) هي فئة العصاة المذنبين ولذلك اختصها الله بهذه التسمية دون باقي الفئات الثلاث، ولو كانت فئة (المقتصدين) أو (السابقين بالخيرات) مستحقتان لهذا الوصف لذكرهما الله به، فعُلِم من ذلك أنّ فئة (المقتصدين) وهي بإجماع الشيعة لا يُراد بها الأئمة الإثنا عشر مستحقة للإمامة لأنها غير موصوفة بالظلم بنص كتاب الله تعالى. قال الفخر الرازي في "تفسيره ٢٠/ ٥٨": (ثبت بالدليل أنّ كل الناس ليسوا ظالمين لأنه تعالى قال ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ أي: فمن العباد من هو ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق، ولو كان المقتصد والسابق ظالماً لفسد ذلك التقسيم، فعلمنا أنّ المقتصدين والسابقين ليسوا ظالمين، فثبت بهذا الدليل أنه لا يجوز أن يُقال كل الخلق ظالمون). خامساً: ذكر ابن بابويه القمي الملقّب بـ (الصدوق) في "معاني الأخبار" عن أبي جعفر محمد بن علي عن أبي عبد الله الكوفي العلوي الفقيه بإسناد متصل إلى الصادق جعفر بن محمد ﵉ أنه سئل عن قول الله ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا

стр. 246

فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فقال: الظالم يحوم حوم نفسه، والمقتصد يحوم حوم قلبه، والسابق يحوم حوم ربه (١). قال الطباطبائي في "تفسيره الميزان ١٧/ ٥٠": (الحوم والحومان الدوران، ودوران الظالم لنفسه حوم نفسه اتباعه أهواءها وسعيه في تحصيل ما يرضيها، ودوران المقتصد حوم قلبه اشتغاله بما يزكى قلبه ويطهره بالزهد والتعبد، ودوران السابق بالخيرات حوم ربه إخلاصه له تعالى فيذكره وينسى غيره فلا يرجو إلا إياه ولا يقصد إلا إياه). قلت: وفي الرواية كما ترى ما ينقض دعوى الشيعة الإثنى عشرية اختصاص الأئمة الإثني بها، إذ فسّرها الإمام جعفر الصادق تفسيراً عاماً ينطبق على كثير من العلماء والصالحين على مر الزمان، فما الذي جعل الآية حكراً على الإثني عشر دون غيرهم؟! هذا عدا ما يُلاحظ في روايات الأئمة الإثنى عشر في تفسير هذه الآية من كون أغلبها متناقض مع النظرية الإثنى عشرية التي تحصر الإمامة في (تسعة من ولد الحسين ﵁ دون غيرهم من أبناء علي وفاطمة ﵄. فقد روى ابن بابويه القمي في "معاني الأخبار" عن أبي حمزة الثمالي قال: كنت جالساً في المسجد الحرام مع أبي جعفر ﵇ إذ أتاه رجلان من أهل البصرة فقالا له: يا ابن رسول الله، إنا نريد أن نسألك عن مسألة فقال لهما: اسألا عما جئتما. قالا: أخبرنا عن قول الله ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير﴾ إلى آخر الآيتين. قال: نزلت فينا أهل البيت. قال أبو حمزة فقلت: بأبي أنت وأمي فمن الظالم لنفسه؟ قال: من استوت حسناته

стр. 247

وسيئاته منا أهل البيت فهو ظالم لنفسه. فقلت: من المقتصد منكم؟ قال: العابد لله ربه في الحالين حتى يأتيه اليقين. فقلت: فمن السابق منكم بالخيرات؟ قال: من دعا والله إلى سبيل ربه، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، ولم يكن للمضلين عضداً، ولا للخائنين خصيماً، ولم يرض بحكم الفاسقين إلا من خاف على نفسه ودينه ولم يجد أعواناً) (١). وروى ابن حمزة الطوسي (٢) في "الثاقب في المناقب" عن أبي هاشم قال: كنت عند أبي محمد ﵇ فسألته عن قول الله تعالى ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فقال ﵇: كلهم من آل محمد ﵈، الظالم لنفسه الذي لا يقر بالإمام، والمقتصد العارف بالإمام، والسابق بالخيرات بإذن الله الإمام). وروى الكليني في "الكافي" عن أحمد بن عمر قال: سألت أبا الحسن الرضا ﵇ عن قول الله ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ الآية، قال: فقال: ولد فاطمة ﵍ والسابق بالخيرات: الإمام، والمقتصد: العارف بالإمام، والظالم لنفسه: الذي لا يعرف الإمام) (٣). فهذه الروايات الثلاث قد حصرت (الظالم لنفسه والمقتصد والسابق بالخيرات) بآل محمد ﷺ ولم تحدد وجهاً يتميز فيه الأئمة الإثنا عشر عن سائر إخوتهم من

стр. 248

آل محمد، فقد يكون من أبناء الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁ مثلاً العشرات من السابقين بالخيرات ولا عجب! وروى الطبرسي في تفسيره "مجمع البيان" عن زياد بن المنذر عن الإمام الباقر قوله: (أما الظالم لنفسه منا فمن عمل عملا صالحاً وآخر سيئاً، وأما المقتصد فهو المتعبد المجتهد وأما السابق بالخيرات فعلي والحسن والحسين ﵈ ومن قتل من آل محمد شهيداً) (١). وروى ابن طاووس (٢) في "سعد السعود" عن أبي إسحاق أنه قال: خرجت حاجاً فلقيت محمد بن علي –الباقر- فسألته عن هذه الآية ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فقال (ع): ما يقول فيها قومك يا أبا إسحاق؟ يعنى أهل الكوفة، قال: قلت: يقولون إنها لهم، قال: فما يخوفهم إذا كانوا من أهل الجنة؟ قلت: فما تقول أنت جعلت فداك؟ فقال: هي لنا خاصة يا أبا إسحاق. أما السابق في الخيرات فعلي بن أبي طالب والحسن والحسين والشهيد منا، وأما المقتصد فصائم بالنهار وقائم بالليل، وأما الظالم لنفسه ففيه ما في الناس وهو مغفور له) (٣). فكل هذه الروايات تدل دلالة صريحة على أنّ المراد بالآيات هم آل محمد ﵊ بإطلاق، فمنهم الظالم لنفسه ومنهم المقتصد ومنهم السابق بالخيرات، وقول الإمام الباقر في السابق بالخيرات بأنه (من دعا والله إلى سبيل ربه، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر

стр. 249

ولم يكن للمضلين عضداً ولا للخائنين خصيماً، ولم يرض بحكم الفاسقين إلا من خاف على نفسه ودينه ولم يجد أعواناً) يستحقه كثيرون من آل محمد ﵌ ومن ولد فاطمة ﵂ على وجه الخصوص كما في الروايات. ولو أنّ زيدياً احتج بهذه الروايات على إمامة زيد بن علي بن الحسين فأي إثني عشري سيستطيع الصمود أمامه ومحاججته؟ فالروايات تصرّح بأنّ السابق بالخيرات هم (علي والحسن والحسين ﵈ ومن قتل من آل محمد شهيداً)، والزيدية وأغلب الإثني عشرية اليوم متفقون على أنّ الإمام زيداً مات شهيداً ﵁ فبأي حق يُسلب شرف هذا الانتساب ويوضع مكانه أناس يعتقد الإثني عشرية أنهم كانوا يتعاملون بالتقية ويهابون الموت؟! أليس الإمام زيد من آل محمد؟ أليس هو من ولد فاطمة ﵂؟ ألم يُقتل شهيداً؟ فلم يبقى حينئذ إلا الإذعان للحق.

стр. 250

آية التطهير وحديث الكساء تعتبر آية التطهير من أهم أدلة الشيعة الإثني عشرية على عصمة الأئمة، بل أستطيع القول بأنها أهمها على الإطلاق. فقد استدل علماء الشيعة الإثنى عشرية بقول ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ في سورة الأحزاب آية ٣٣، وحديث الكساء الذي رواه مسلم في صحيحه عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أنها قالت: (خرج النبي ﵌ غداة وعليه مرطٌ مرَحَّلٌ من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء عليٌّ فأدخله، ثم قال ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾) (١). وما رواه الترمذي عن عمر بن أبي سَلَمة - ربيب النبي ﵌ قال: (لما نزلت هذه الآية على النبي ﷺ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ في بيت أم سلمة فدعا فاطمة وحسناً وحسيناً فجلّلهم بكساء وعليٌ خلف ظهره فجلّله بكساءٍ ثم قال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهِبْ عنهم الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تطهيراً). قالت أم سلمة: وأنا معهم يا نبي الله؟ قال: أنتِ على مكانِكِ، وأنتِ على خير) (٢) على عصمة أصحاب الكساء وتنزيههم عن الذنوب صغيرها وكبيرها بل عن الخطأ والنسيان البشري!
следующие страницы →