ورأينا عمر بن الخطاب يقول (يرحم الله أبا بكر ما سبقته إلى خير قط إلا سبقني إليه) (١) وهكذا.
كل رجل منهم كان يدفع الفضل عن نفسه، وينسبه إلى صاحبه إذ كان هاجسهم العمل وخدمة هذا الدين لا المفاضلة والافتخار على بعضهم البعض.
وإني أقول هذا وأنا أعلم أنّ من الناس من سيقرأ كلامي هذا غير آبه به، فالقضايا الهامشية التي ننتقد التركيز عليها وإثارتها هي أكبر قضايا الإسلام عنده!
ولهؤلاء أهدي لهم الحوار اللطيف الذي دار بين الحسين بن إسماعيل المحاملي وأبو بكر الداوودي في المفاضلة بين أبي بكر وعلي ﵄.
فقد ذكر ابن الجوزي في كتابه "المنتظم في تاريخ الملوك والأمم" أنّ أبا بكر الداوودي قال يوماً في مجلس قد جمعه مع الحسين بن إسماعيل: والله ما تقدر تذكر مقامات علي مع هذه العامة، فقال له الحسين بن إسماعيل: أنا والله أعرفها، مقامه ببدر وأحد والخندق ويوم خيبر قال: فإن عرفتها فينبغي أن تقدّمه على أبي بكر وعمر.
قلت: قد عرفتها ومنه قدّمت أبا بكر وعمر عليه، قال: من أين؟
قلت: أبو بكر كان مع النبي ﵌ على العريش يوم بدر، مقامه مقام الرئيس، ينهزم به الجيش، وعليّ مقامه مقام مبارز، والمبارز لا ينهزم به الجيش، وجعل يذكر فضائله وأذكر فضائل أبي بكر، فقلت: لا تنكر لهما حقاً، ولكن الذين أخذنا عنهم القرآن والسنن وأصحاب رسول الله ﵌ قدّموا أبا بكر فقدّمناه لتقديمهم فالتفت أحمد بن خالد فقال: ما أدري لم فعلوا هذا؟ قلت: إن لم تدر فأنا أدري، قال: لم
стр. 177
فعلوا؟ فقلت: إنّ السؤدد والرياسة في الجاهلية كانت لا تعدو منزلتين إما رجل كانت له عشيرة تحميه وإما رجل كان له فضل مال يفضل به، ثم جاء الإسلام فجاء باب الدين، فمات النبي ﵌ وليس لأبي بكر مال، ولم تكن تيم لها مع عبد مناف ومخزوم تلك الحال (١)، فإذا بطل اليسار الذي كانت ترأس به قريش أهل الجاهلية فلم يبق إلا باب الدين فقدّموه له، فأُفحم الداوودي (٢).
أقول: قد أحسن الحسين المحاملي فيما ذكره لكن بقي الإشارة إلى مسائل أخرى.
إنّ الشيعة الإثني عشرية يقارنون بين الإمامين أبي بكر وعلي فيقولون: إنّ علياً أول الناس إسلاماً ولذا فهو أحق من أبي بكر بالخلافة.
لقد تتبعت أقوال المؤرخين في المسألة فوجدتهم قد اختلفوا في أول الناس إسلاماً اختلافاً لا يُمكن الترجيح فيه ترجيحاً تاماً، وسواء أكان إسلام أبي بكر متقدماً على إسلام علي أو العكس، فإنّ هذا لن يغيّر شيئاً.
فالتاريخ يشهد بأنّ الإمام علياً كان صغير السن في بداية البعثة النبوية (٣)، وعطاء الصبي ليس كعطاء الكبير، فالصبي قد يُستعان به في قضاء بعض الحوائج التي يطيقها الصغار لكنه
стр. 178
لا يتصور فيه أن تقام على يديه دعوة أو نصرة دين، وإنما يُتصور ذلك في الكبار بقدر ما لديهم من العطاء والصمود.
ولهذا جاء في حديث عمرو بن عبسة السلمي ﵁ وهو يحكي قصة إسلامه ما يدل على هذا المعنى حيث يقول: (كنت وأنا في الجاهلية أظن أنّ الناس على ضلالة وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يخبر أخباراً فقعدت على راحلتي فقدمت عليه، فإذا رسول الله ﵌ مستخفياً جُرآءُ (١) عليه قومه، فتلطّفت حتى دخلت عليه بمكة، فقلت له: ما أنت (٢)؟ قال: أنا نبي فقلت: وما نبي؟ قال: أرسلني الله، فقلت: وبأيّ شيء أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يُوحّد الله لا يُشرك به شيء، قلت له: فمن معك على هذا؟ قال: حر وعبد قال: -ومعه يومئذ أبو بكرٍ وبلالٌ ممن آمن به-، فقلت: إنّي مُتّبِعُكَ، قال: إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالي وحال الناس؟ ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتِني ...) (٣) وفي مسند أحمد (قلت: آلله أرسلك، قال: نعم، قلت: بأي شيء أرسلك؟ قال: بأن يُوحّد الله ولا يُشرك به شيء، وكسر الأوثان وصلة الرحم، فقلت له: من معك على هذا، قال: حر وعبد أو عبد
стр. 179
وحر، وإذا معه أبو بكر بن أبي قحافة وبلال مولى أبي بكر) (١).
فلم يقل النبي ﵌ لعمرو بن عبسة وهو يعرض عليه الإسلام بأنه يتقوّى بطفل في دعوته لهذا الدين، لأنّ الطفل ضعيف لا يُتقوّى به ولا يُنتصر به عند عامة العقلاء، اللهم إلا عند أهل العناد والمكابرة والتعصب المقيت، فهؤلاء لهم مقاييس أخرى لا تخضع لدين ولا لعقل ولا لمنطق!
ولهذا لم يذكر التاريخ للإمام علي في بداية البعثة النبوية أمراً تنتصر به الدعوة الإسلامية في بداية ظهورها سوى مساندته للنبي ﵌ في تكسير بعض الأصنام سراً (٢) وهي مسألة لا يمكن أن تقارن بمجابهة أبي بكر الصدّيق للكفار وجهاً لوجه في أكثر من موطن، حين يدافع عن نبي الله (٣) أو ينفق أمواله في سبيل الله لعتق رقاب المعذبين في الله
стр. 180
كبلال الحبشي وأمه حمامة وعامر بن فهيرة (١) وأم عبيس (٢) وزنّيرة (٣) والنهدية وابنتها (٤) وجارية بني مؤمِّل وجارية بني عَدِي ﵃.
لقد تحمّل أبو بكر من الإهانة بمكة بعد العناء والعذاب في الله ، والصبر على أعداء الله والسكون على الإقامة بالجوار بعد أن كان يذمُ ويَشفَعُ في الناس، ولا يستطيع أحد دفعه.
فمِن ذلك أنه قام يوماً خطيباً عند الكعبة يدعوهم إلى الله تعالى وإلى اتباع النبي ﵌ فضربه المشركون ضرباً شديداً، وممن ضربه عتبة بن ربيعة حيث جعل يضربه على وجهه بنعلين مخصوفتين حتى ما يُعرف وجهه من أنفه (٥).
حتى جاء بنو تيم يتعادون، فأجلوا عنه ضاربيه وحملوه في ثوب إلى منزله، ولا يشكون في موته، لكن الله تعالى حفظه.
أقول هذا وأنا أعلم أنّ هناك عقولاً جوفاء ستتهمني مباشرة بالنصب أو بالإساءة للإمام علي وعدّ ما شئت من تهم، لأنّ المشكلة الحقيقية التي تعتري هذا النوع من النقاش هي أنك تتناقش مع عقول لا تريد أن تفهم، وإنما بُرمجت منذ أمد بعيد على أن ترى الإمام علياً فوق
стр. 181
مستوى البشرية، وأن لا تقبل الحقيقة كما هي ولا ترضخ حتى للتاريخ الذي لا يحابي أحداً من الناس.
إنّ التاريخ ليشهد بأنّ أول من أسلم من الصحابة ونصر الإسلام بنفسه وأهله وماله هو أبو بكر الصدّيق، فكان أول من صدّقه حين كذَّبه الناس، وواسى رسولنا الكريم بنفسه وماله، كما قال ﵌ وهو يخاطب الصحابة: (إنّ الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي) (١).
أما المسارعة إلى الإسلام وعدم التردد فتفوق فيها الإمام أبو بكر الصدّيق ﵁ على الإمام علي بن أبي طالب ﵁.
وفي هذا يقول النبي ﵌: (ما عرضت الإسلام على أحد إلا كانت له عنده كبوة وتردد غير أبي بكر (٢)، فإنه لم يتلعثم) (٣).
стр. 182
أما الإمام علي فقد روى ابن إسحاق أنه جاء النبي ﵌ بعد إسلام خديجة ﵂، فوجدهما يصليان، فقال علي: ما هذا يا محمد؟ فقال النبي ﵌: (دين الله الذي اصطفاه لنفسه، وبعث به رسله، فأدعوك إلى الله وحده وإلى عبادته، وتكفر باللات والعزى)، فقال له علي: هذا أمر لم أسمع به من قبل اليوم، فلست بقاض أمراً حتى أحدّث أبا طالب، فكره رسول الله ﵌ أن يفشي سره قبل أن يستعلن أمره، فقال له: (يا علي، إذا لم تسلم فاكتم)، فمكث علي تلك الليلة، ثم إنّ الله أوقع في قلب علي الإسلام، فأصبح غادياً إلى رسول الله ﵌، حتى جاءه فقال: ما عرضت عليّ يا محمد؟ فقال له رسول الله ﵌: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وتكفر باللات والعزى، وتبرأ من الأنداد، ففعل عليّ وأسلم (١).
والغريب أنّ الشيعة الإثني عشرية على غلوهم المعروف في الإمام علي قد رووا تردده ﵁ في قبول الإسلام أول مرة، وطلبه من الرسول ﵌ الإمهال قائلاً: (إنّ هذا مخالف دين أبي، وأنا أنظر فيه) (٢).
стр. 183
فإذا ثبت من طريق الفريقين أنّ أبا بكر قد أسلم طوعاً ودون تردد وتلعثم وأنّ علياً ﵁ طلب من رسول الله ﵌ إعطاءه فرصة للتفكير لأنّ دعوة النبي ﵌ جديدة بالنسبة له، فعن أي مفاضلة يتكلم الشيعة الإثنا عشرية؟!
على أني أقولها وبضرس قاطع: إنّ إسلام أبي بكر قبل علي أو إسلام علي قبل أبي بكر، لن يجعل أحدهما مستحقاً للخلافة على الآخر، فالخلافة وقيادة الناس لها شروطها ومؤهلاتها وليس من هذه المؤهلات أن يكون الرجل قد أسلم قبل الذين سيحكمهم بيومين أو ثلاثة!
أما مبيت الإمام علي بن أبي طالب ﵁ في فراش النبي ﵌ الذي كان في نهاية الفترة المكية فليس بأفضل من هجرة الإمام أبي بكر الصدّيق ﵁ مع النبي ﵌ إلى المدينة بما صاحبها من مخاطر ومشقة وعناء.
ولذلك ذكر الله تعالى فضيلة نصرة أبي بكر الصدّيق للنبي ﵌ بالهجرة في القرآن الكريم فقال ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيم﴾ ولم يذكر مبيت علي بن أبي طالب ﵁ بالفراش، لأنّ خروج أبي بكر الصدّيق مع النبي ﵌ فيه مخاطرة بالحياة ومشقة ومطاردة أما المبيت فلم يكن كذلك إذ إنّ النبي ﵌ كما في روايات المبيت قد أخبر الإمام علي بأنه لن يمسه سوء.
قال ابن إسحاق: (فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه متى ينام فيثبون عليه فلما رأى رسول الله ﷺ مكانهم قال لعلي بن أبي طالب: نم على فراشي
стр. 184
وتسج ببردي هذا الحضرمي الأخضر فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم) (١).
فأخبره الصادق المصدوق ﵊ بأنه لن يمسّه مكروه.
وهو ما يقرّ به كبار علماء الشيعة الإثني عشرية في كتبهم عند تقريرهم لهذه المسألة.
يقول الشيخ جعفر السبحاني: (روى المحدثون أنّ رسول الله ﵌ لما أراد الهجرة خلّف علي بن أبي طالب ﵇ بمكة لقضاء ديونه ورد الودائع التي كانت عنده، وأمره ليلة خرج إلى الغار وقد أحاط المشركون بالدار أن ينام على فراشه فقال ﵌ له: يا علي، اتشح ببردي الحضرمي الأخضر ثم نم على فراشي فإنه لا يخلص إليك منهم مكروه إن شاء الله ، ففعل ذلك ﵇ (٢).
ونصّ على ذلك أيضاً الشيخ محمد باقر الخرسان في تعليقه على عبارة: (أنا وقيت رسول الله ﵌ بنفسي في الغار) من كتاب "الاحتجاج" للطبرسي (٣).
فهل تستوي تضحية من يعلم يقيناً بأنّ القوم لن يمسوه بسوء بمن أقدم على الموت بنفسه وعرّض أهله للخطر والهلاك معه في رحلة الهجرة (٤)؟
стр. 185
وإذا ضُمّ إلى ذلك كله ما يعتقده الشيعة الإثنا عشرية في الإمام علي من أنه إمام منصوص عليه كوصي للنبي ﵌ بحديث الدار (١) وأنّ الوصي لا يكون وصياً إلا بعد وفاة النبي ﵌ فإنّ هذا مُلزمٌ للشيعة الإثني عشرية بأن يعترفوا بأنّ تضحية الإمام علي ﵁ في المبيت بفراش النبي ﵌ لا تقارن بتضحية أبي بكر ﵁ في رحلة الهجرة.
بل إننا نستطيع إلزام الشيعة الإثني عشرية بالإقرار بأنّ علياً ﵁ قد بات في فراش النبي ﵌ وهو مطمئن النفس إلى أنّ أحداً لن يمسه بسوء دون حتى أن يحتاج إلى طمأنة النبي ﵌ له، كيف لا وهم يزعمون بأنّ الأئمة يعلمون متى يموتون وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم (٢)، وأنهم يعلمون علم ما كان وما يكون وأنه لا يخفى عليهم الشيء (٣)، وأنه لا يُغسّل الإمام ولا يدفنه إلا إمام مثله (٤)
стр. 186
والإمام علي ﵁ لم يكن إذ ذاك قد تزوج أصلاً (١) حتى يغسّله إمام من أبنائه إذا ما قتله المشركون، فهو وفقاً لنظرية الإمامية يعلم علم اليقين أنه لن يمسه سوء!
فإن قائل: إنّ الإمام علي بن أبي طالب أشجع الصحابة وعدّد مآثره العظيمة في خيبر وغيرها، مستدلاً بذلك على أحقيته بالخلافة من أبي بكر الصدّيق ﵁.
أجبته بقولي: لا ريب بأنّ الإمام علياً من أشجع الصحابة وأربطأهم جأشاً، فمنازلاته في المعارك تشهد له بذلك، لكننا نتكلم عن مؤهلات خلافة وحكم، فالإمام علي تميّز بكونه محارب من الطراز الأول، فهو من هذه الناحية قد تفوق على أبي بكر الصدّيق ﵁ ولا ريب، لكن الخلافة والحكم لا يحتاجان إلى جندي محارب حتى يُستشهد ببطولات الإمام علي وتميزه في القتال وإنما يحتاجان إلى قيادة فاعلة وذات سيادة، وفي هذه تفوق أبو بكر الصدّيق على علي بن أبي طالب، فإنّ أبا بكر الصدّيق وهو من قبيلة (تيم) الضعيفة التي لا تمثل بالنسبة لقريش الكثير استطاع أن يقود المسلمين بعد وفاة النبي ﵌ وظهور أمر مسيلمة الكذاب والأسود العنسي وسجاح وأمثالهم فانتصر وأعطى للجزيرة العربية الثبات والاستقرار بعد انفلات الأمر وظهور حركات المرتدين المذكورة، بينما لم يستطع الإمام علي وهو من بني هاشم الذين لهم ثقلهم السياسي والقبلي في العرب أن يسيطر على الأوضاع عند اختلاف المسلمين فيما بينهم إثر مقتل الخليفة عثمان بن عفان رضي الله
стр. 187
عنه، هذا أمر واقعي سطّره التاريخ ولا بد لنا أن نتمعن فيه، إنّ الإمام علي قد تفوق على الإمام أبي بكر في المبارزة والقتال لكنه لم يتفوق عليه في القدرة على قيادة الأمة واحتواء التيارات السياسية المتنافسة في المجتمع الإسلامي وجمعها على كلمة واحدة، هذه هي الحقيقة دون تجميل أو محاباة.
أما مسألة الشجاعة فمن الذي قال بأنّ الشجاعة يُمكن أن تقاس بالقتال فقط؟
(إنّ الشجاعة ليست بكثرة قتل اليد ولا قوة البدن، فإنّ نبينا ﵌ أشجع الخلق كما قال علي بن أبي طالب ﵁: كنا إذا احمرّ البأس ولقي القومُ القومَ كنا نتّقي برسول الله ﵌، فكان يكون أقرب إلى القوم منا.
وقد انهزم أصحابه يوم حنين وهو على بغلة يسوقها نحو العدو، ويتسمّى بحيث لا يُخفي نفسه ويقول:
أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطّلب
ومع هذا فلم يقتل رسول الله ﵌ بيده إلا واحداً وهو أُبيّ بن خلف قتله يوم أحد.
وكان في الصحابة من هو أكثر قتلاً من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وإن كان لا يفضل عليهم في الشجاعة، مثل البراء بن مالك أخي أنس بن مالك، فإنه قتل مئة رجل مبارزة غيرَ من شركَ في دمه.
ولم يقتل أحدٌ من الخلفاء على عهد النبي ﵌ هذا العدد، بل ولا حمزة سيد الشهداء - وهو أسد الله ورسوله – لم يقتل هذا العدد، وهو في الشجاعة إلى الغاية) (١).
стр. 188
وثبات أبي بكر الصدّيق وحده مع رسول الله ﵌ في بداية البعثة حيث لم يكن مع رسول الله ﵌ من الرجال سواه، وثباته بعد وفاة رسول الله ﵌ إذ تزلزل الناس إلى حد حسمه الأمر بالوقوف خطيباً في الناس قائلاً: (أيها الناس، من كان يعبد محمداً فإنّ محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإنّ الله حي لا يموت) كله يؤكد أهلية أبي بكر الصدّيق لتولي قيادة الأمة الإسلامية على غيره وهو ما فعله المهاجرون والأنصار دون تردد.
هذه بعض الردود التي ارتئيتها في حسم مسألة المفاضلة مع ما أشعر به من الضيق من الاسترسال في مثل هذه الأمور التي لا تفيد ولا تنفع، يكفيني أنهما فاضلان مؤمنان نصرا الإسلام حين خذله الآخرون، قدّما أنفسهما وأهليهما وأموالهما في سبيل نصرة هذا الدين، فما ينفعني بعد ذلك من كان أفضل منهما من الآخر؟!
стр. 189
الإمامية أضعف حجة قرآنية من أهل الكتاب (١)
لقد وردت في القرآن الكريم آيات كثيرة تدل في ظاهرها على صحة دين أهل الكتاب من اليهود والنصارى وغيرهم كالصابئة. وقد احتجوا بها على عدم وجوب إسلامهم وشرط متابعتهم لنبينا محمد ﵌.
وهي أقوى في دلالتها بمراتب كثيرة من الآيات التي احتج بها الإمامية على إثبات أصل (الامامة).
ومع ذلك فلا نرى لهم -أي اليهود والنصارى- فيها حجة على ما يقولون بل نجزم بأنهم صرفوا معاني الآيات إلى غير معانيها الحقيقية!
من هذه الآيات:
١ - قول الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٢).
إنّ ظاهر هذه الآية يدل على صحة دين اليهود والنصارى. إذ لم يشترط للنجاة يوم القيامة إلا الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح. دون الإيمان بنبوة محمد ﵌ وغير ذلك من شروط الإسلام. فهل لأي دليل من أدلة (الإمامة) التي احتجوا بها مثل هذه القوة والوضوح في الدلالة على المراد؟!
стр. 190
أما موضع الخلل في الاستدلال بهذه الآية، فيكمن في عزلها عن الآيات المحكمة التي تشترط الإسلام ومتابعة النبي ﵌ والتي من شأنها أن تجعل الآية خاصة بمن مات ولم يبلغه الإسلام، مع أنّ هذا القيد غير موجود في الآية وإنما يتبين من إرجاعها إلى الأصل. وهو الآيات المحكمة (أم الكتاب).
ولنا أن نسأل فنقول: هل يوجد في القرآن كله نص واحد يدل بظاهره دلالة واضحة على (إمامة) علي ﵁ أو الإثني عشر كدلالة نص هذه الآية في ظاهرها على صحة دين اليهود والنصارى والصابئين. التي لولا وجود آيات أخرى محكمة تقيدها، لكانت نصاً صريحاً في نجاتهم وصحة دينهم؟!
٢ - قوله تعالى ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلْ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (١) وقوله تعالى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٢).
قال اليهود والنصارى: نحن أهل الذكر فنحن المرجع والأصل فكيف نكون كفاراً؟!
ولا شك أنّ سياق الآية يدل على أنّ المقصود بـ (أهل الذكر) أهل الكتاب. لأنّ قريشاً استدلت على بطلان نبوة محمد ﵌ ببشريته. وأنه يأكل الطعام ويمشي في الأسواق. فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لاَ يَاكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ (٣). أي
стр. 191
تستطيعون- إن لم تكونوا تعلمون- أن تسألوا أهل الكتاب (الذكر) فيخبروكم هل الأنبياء بشر أم لا؟
فقوله ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْر﴾ يساوي قوله ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ﴾. وقوله ﴿إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُون﴾ يساوي قوله ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ وقد جاء قبلها مباشرة قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّانَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ﴾ (١). وهذا مدح. بل قال الله: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٢).
إنّ هذه الآية أقوى دلالة وأليق بما قال اليهود والنصارى منها بما قاله الإمامية من أنّ مقصود الله فيها بـ (أهل الذكر) هم (الأئمة الإثنى عشر)!
إذ لا علاقة بين منطوق الآية وذكر (الأئمة) البتة، ولا قرينة تدل عليهم فيها لا من قريب ولا بعيد!
ولو اختلف اليهود والنصارى مع (الإمامية) في هذه الآية: أيهما أحق بها وأولى؟ لكان الرجحان واضحاً في جانب اليهود والنصارى. ونحن نقول للإمامية: استخلصوا حقكم في الآية من اليهود والنصارى. ثم احتجوا بها على ما تريدون!!
٣ - قوله تعالى ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (٣) مرتين في القرآن، وفيها تنصيص على أفضليتهم واختيارهم على العالمين.
стр. 192
وقوله تعالى أيضاً في سورة الدخان ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ الْعَذَابِ الْمُهِينِ. مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًاً مِنْ الْمُسْرِفِينَ. وَلَقَدْ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (١) ففي هذه الآيات تنصيص على اختيارهم وتفضيلهم على العالمين.
أليس فيه حجة لهم على أنهم شعب الله المختار؟! فلماذا لا نقر لهم بذلك؟
سؤال نوجهه إلى (الإمامية) الذين فضّلوا أنفسهم على الأمة وعلى العالمين.
وليس عندهم من نص قرآني بذلك، متشابه ولا غير متشابه.
وأي رد يصلح أن يكون رداً على اليهود، يكون رداً على غيرهم من باب أولى!
تصور لو أنّ الله قال: ("يا شيعة علي" اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين) أو قال: (ولقد نجينا "الإمامية" من العذاب المهين ولقد اخترناهم على علم على العالمين) ماذا سيقولون؟
ألن يجعلوا الحق في اتباع مذهبهم ويستدلوا بهذه الآيات على أحقية هذا المذهب؟
إنّ المنطق العلمي الاستدلالي يقضي بأنه حتى لو قال – سبحانه - ذلك لما كان لهم به من حجة. لأنّ القول نفسه لم يصلح حجة اليهود الذين نزل فيهم. فكذلك لو نزل في غيرهم.
فكيف والله تعالى لم يقل مثله في حق الإمامية ولم يشر إلى ذلك أدنى إشارة؟ !
ضع بدل "بني اسرائيل" في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ (٢) لفظ "الإمامية" أو "بني علي" وتصور ماذا ستكون النتيجة؟!
стр. 193
﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ (١). تخيل أن الله تعالى قال: (وأورثنا شيعة علي الكتاب)؟ !
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ (٢).
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلاَ تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (٣).
ولو جاء ذكر الإمامية بدل بني إسرائيل لقالوا: هذا نص في (الإمامة) و (الأئمة) (٤).
والحقيقة أنّ الإمامية احتجوا بهذا النص دليلاً على (الإمامة) مع أنه في حق بني إسرائيل!!
стр. 194
٤ - قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ (١).
تصور لو أنّ الله قال: (ولقد أخذنا ميثاق "آل محمد" وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً). ماذا سيقولون؟
سيقولون: هذه الآية نص في الأئمة الإثني عشر. وأنّ الأئمة منصوص عليهم في الكتاب!
ولكن الآية نص في بني إسرائيل. وليس لبني إسرائيل فيها حجة.
فهل عند الإمامية نص قرآني بقوة هذه الآية ووضوحها ودلالتها؟!
ولقد ذكر الله تعالى أنه اختار امرأة منهم وفضلها على نساء العالمين، هي مريم ابنة عمران. ورزقها بولد من دون زوج. وجعله نبياً كما قال سبحانه ﴿وَإِذْ قَالَتْ الْمَلاَئِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) وأنزل في حقها الكثير من الآيات مصرحة باسمها كقوله سبحانه ﴿وَمَرْيَمَ ابنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنْ الْقَانِتِينَ﴾ (٣).
كل هذا لا يشفع لليهود، وليس فيه حجة لهم لأنهم مقطوعو الصلة بذلك السلف الصالح كما قال تعالى ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤).
стр. 195
وقال ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالانجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١) وأوله الإيمان بمحمد ﵌ ومتابعته.
إنّ الألقاب والانتساب لا ينفع صاحبه دون عمل ومتابعة لمن انتسب إليه كما قال الرب جل وعلا ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ (٢) وليس الذين أحبوه، أو انتسبوا إليه.
فحب اليهود ليعقوب وانتسابهم إليه، وحبهم لداود وموسى وسليمان وغيرهم. وحب النصارى للمسيح وانتسابهم إليه ليس بنافعهم لانقطاعهم عن المنهج والتعاليم التي جاء بها هؤلاء الأنبياء الكرام ﵈: قال تعالى ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾.
هذا هو الانتساب الأجوف الذي لا قيمة له. لذلك عقب الله عليه بقوله ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣).
إنّ الله يريد الملة والدين الصحيح. أما الاسم والنسب فلا قيمة له عنده.
ومع هذا كله انتقل إلينا هذا المرض الخطير فصار فينا من يتعصب للأسماء والطوائف، ويفخر بالانتساب إلى مشاهير الملة دون العمل بما دعوا إليه، وجاهدوا من أجله. وهذا ليس بنافعهم بل هو ضار بهم: في الدنيا تفرقة وتمزقاً وفتناً. وفي الآخرة خسراناً مبيناً.
إنّ الانتساب إلى محمد ﵌ نفسه لن ينفع صاحبه من دون عمل واتباع كما قال سبحانه ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ (٤).
стр. 196
فحب الله تعالى نفسُه لا وزن له عنده من دون اتباع صحيح لما أنزل على نبيه ﵌.
فما بالك بالانتساب إلى من هو دون محمد ﵌ كالإمام علي أو غيره وادعاء حبه والتعصب له؟!
ولو افترضنا أنّ الله تعالى أمر بذلك صراحة فلا شك أنه لم يقصد الانتساب المجرد عن المتابعة. فكيف إذا كان المنتسب مخالفاً لصريح القرآن منهجاً وتطبيقاً. وأول ذلك اتباع المتشابهات وترك المحكمات؟!
стр. 197
آية ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين﴾
لا يكاد يُطرح موضوع الإمامة في كتب الشيعة الإمامية عادة إلا مقروناً بالاستدلال بقوله تعالى ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين﴾ (١).
وتأتي بعد ذلك النظرية الإمامية للآية لتحاول من خلالها إثبات إمامة الأئمة الإثني عشر وبطلان إمامة من سواهم.
قد تتساءل كيف؟ ومن حقك أن تتساءل طالما لم تر في النص ما يدل على إمامة الإثني عشر من بعد رسول الله ﵌، لكن النظرية الإمامية صاغت استدلالها بالآية من خلال الجزئية الأخيرة منها (لا ينال عهدي الظالمين).
تقول النظرية: إنه لا ينال الإمامة ظالم، والذنب ظلم، وما دام الأمر كذلك فيتعين أن يكون خليفة المسلمين معصوماً عن اقتراف الذنوب والخطايا حتى ينال عهد الله (الإمامة) بل ينبغي لإمام المسلمين فوق هذا كله أن لا يخطئ ولا يسهو ولا ينسى، ولا يتحقق هذا إلا في الأئمة الإثنى عشر.
قال الطبرسي في تفسيره "مجمع البيان": (واستدل أصحابنا بهذه الآية على أنّ الإمام لا يكون إلا معصوماً عن القبائح، لأنّ الله سبحانه نفى أن ينال عهده الذي هو الإمامة ظالم ومن ليس بمعصوم فقد يكون ظالماً إما لنفسه، وإما لغيره) (٢).
стр. 198
وفي تقرير مسألة عصمة الإمام وتحديد مفهوم الإمامة في الآية الكريمة يقول الشيخ جعفر السبحاني: (والاستدلال بالآية على عصمة الامام، يتوقّف على تحديد مفهوم الإمامة الواردة في الآية والمقصود منها غير النبوّة وغير الرسالة، فأمّا الأوّل فهو عبارة عن منصب تحمّل الوحي، والثاني عبارة عن منصب ابلاغه إلى الناس. والإمامة المعطاة للخليل في أُخريات عمره غير هذه وتلك، لأنّه كان نبياً ورسولا وقائماً بوظائفهما طيلة سنين حتّى خوطب بهذه الآية، فالمراد من الإمامة في المقام هو منصب القيادة، وتنفيذ الشريعة في المجتمع بقوة وقدرة. ويعرب عن كون المراد من الإمامة في المقام هو المعنى الثالث، قوله سبحانه ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى مَا آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظيماً﴾. فالإمامة الّتي أنعم بها الله سبحانه على الخليل وبعض ذرّيته هي الملك العظيم الوارد في هذه الآية. وعلينا الفحص عن المراد بالملك العظيم، إذ عند ذلك يتّضح أنّ مقام الامامة، وراء النبوّة والرسالة، وانّما هو قيادة حكيمة، وحكومة إلهية، يبلغ المجتمع بها إلى السعادة (١).
وقد فات الشيخ السبحاني أنّ ابراهيم ﵇ نفسه لم يكن ملكاً في يوم من الأيام كبعض آله ﵈!
فإنّ يوسف ﵇ قد نال الملك العظيم كما قال الله تعالى في كتابه المجيد ﴿رَبِّ قَدْ اَتَيْتَنِى مِنَ المُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِنْ تَأويلِ الأحاديث﴾ (٢).
стр. 199
وإنّ داود ﵇ قد نال الملك العظيم كما في قوله تعالى ﴿وَآتاهُ اللهُ المُلْكَ وَالحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشآء﴾ (١) ويقول سبحانه ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وآتَيْنَاهُ الحِكْمَةَ وَفَصْلَ الخِطَاب﴾ (٢).
وإنّ سليمان ﵇ قد نال أعظم ملكاً لم ينله أحد من بعده كما حكى الله تعالى عن سليمان أنّه قال ﴿وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لأحَد مِنْ بَعْدِى إنَّكَ أنْتَ الوَهَّاب﴾ (٣).
فإن كان تفسير الآية كما يدّعي السبحاني فإنّ أولى الناس بنيل هذا الملك العظيم نصاً وعقلاً وواقعاً هو إبراهيم ﵇ نفسه الذي جعله الله بنص الآية إماماً للناس لكن أبى الله تعالى إلا أن يخيب آمال أرباب النظرية الإمامية الإثنى عشرية.
فإنهم يعجزون عن إثبات نيل إبراهيم ﵇ الإمامة التي يدّعونها ويحاولون إثباتها من هذه الآية، ولن يستطيعوا إثباتها حتى ولو اجتمعت الإنس والجن لذلك وكان بعضهم لبعضٍ ظهيراً.
ولنا في نقد استدلالهم بهذه الآية على الإمامة النصية بل وجعلها مرتبة أعلى وأجل من النبوة والرسالة عدة وقفات:
الوقفة الأولى: لا يصلح الاستدلال بالمتشابهات في إثبات العقائد!
فإنّ الآية الكريمة ليست محكمة وقطعية بحيث لا يختلف فيها إثنان بل وقع في كل جزئية منها خلاف كبير دوّنته كتب التفسير على اختلافها واختلاف مشارب واتجاهات كاتبيها.
стр. 200
وقد عرّف الطوسي المحكم والمتشابه بقوله: (فالمحكم هو ما علم المراد بظاهره من غير قرينة تقترن إليه ولا دلالة تدل على المراد به لوضوحه، نحو قوله ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً﴾ وقوله ﴿لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّة﴾ لأنه لا يحتاج في معرفة المراد به إلى دليل. والمتشابه: ما لا يعلم المراد بظاهره حتى يقترن به ما يدل على المراد منه. نحو قوله ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْم﴾ فإنه يفارق قوله ﴿وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيّ﴾ لأنّ إضلال السامري قبيح، وإضلال الله بمعنى حكمه بأنّ العبد ضال ليس قبيح بل هو حسن) (١).
فالخوض في المتشابهات زلة ومهلكة، وأداة للخلاف يتسع بها إلى حيث يشاء الله، (فإنّ أكثر الاختلافات الواقعة في الفروع (٢) إنما نشأت من الخوض في المتشابهات التي يضطر الناظر فيها إلى الاستمداد بالرأي المتلون السيال الذي لا يقف على حد ولا على حال) على حد قول الشيخ عبد الله الجزائري في التحفة السنية ص٦.
وإنما سبيل المؤمن البصير في التعامل مع الآيات المتشابهات أن يسلك فيها القاعدة الشرعية الأصيلة القائلة: (إنّ الآيات المتشابهات إذا وردت وجب ردها إلى الآيات المحكمات) (٣).
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَاوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا
стр. 201
الألْبَاب﴾ (١)، (فإنه يُعلم منها: أنّ المتشابهات مستمسك أهل الفتنة، دون أهل الفهم والعلم والمعارف والمحققين مثلاً) (٢).
فإن عاند معاند وشاغب مشاغب، زاعماً أنّ الآية صريحة وقطعية في الدلالة على الإمامة التي اصطلحت عليها الشيعة الإثنا عشرية مخالفة بذلك جميع طوائف المسلمين ألزمناه باحدى الاحتمالات التفسيرية القوية للإمامة المذكورة في الآية، والتي لن يجد في دفعها وإثبات بطلانها مستنداً سوى الهذيان والافتراضات الواهية!
فإنّ تفسير الإمامة المذكورة في الآية بكونها إمامة النبوة لا يُقارن أبداً بدعوى الشيعة الإثنى عشرية الظنية، وإليك بيان هذه الأدلة:
أولاً: إنّ دعوى نيل نبي الإمامة بعد أن لم تكن عنده دعوى فاسدة كاسدة لا تليق بالأنبياء، فالأنبياء هم أئمة لأقوامهم يأتمون بهم في كل ما يأمرون به وينهون عنه، ومن المحال أن يُراد بالإمامة هنا وجوب الاتباع لأنّ كل نبي لا بد أن يكون مطاعاً كما قال الله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله﴾ (٣).
فكل رسول إمام ولا بد – وإلا كيف كان رسولاً؟ - وليس كل إمام رسولاً.
فالإمام وصف لازم للرسالة وليست شيئاً خارجاً عنها حتى يصح القول بأنّ الرسول يمكن أن يتدرج به الحال فيكون رسولاً أول الأمر ثم يكون من بعد إماماً أو لا يكون. إذ بمجرد أن يكون العبد رسولاً يكون إماماً لأنّ الإمامة من الأوصاف اللازمة للرسالة.
стр. 202
وذلك كقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً﴾ (١).
فإنّ الشاهد والمبشر والنذير والداعي والسراج المنير ليست مناصب مستقلة عن النبوة وإنما هي أوصاف لازمة لكل رسول، فإذا كان النبي كذلك كان إماماً ولا بد.
ولذلك فرّق الله تعالى بين داود وإبراهيم ﵉ في الخطاب.
فقال لداود ﵇ ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّه﴾ (٢) بينما قال لإبراهيم ﵇ ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾، لأنّ داود ﵇ كان خليفة وحاكماً متصرفاً، وإبراهيم ﵇ لم يكن كذلك.
ولا بأس بالاستئناس بكلام للمحقق الأردبيلي - وهو من كبار علماء الشيعة الإثني عشرية - في شرحه لقوله تعالى ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ يذهب فيه إلى أنّ الإمامة المذكورة لغوية لا اصطلاحية حيث يقول: (والإمام: المقتدى به في أفعاله وأقواله، وهو أحد معنيي الإمام في مجمع البيان وفي الكشاف هو اسم لمن يؤتم به كالإزار لما يؤتزر به، يعني يأتمون بك في دينهم) (٣).
وبهذا يكون قوله تعالى ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ جملة مفسرة للجملة السابقة وهي قوله تعالى ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنّ﴾ فتكون إمامة النبوة هي احدى تلك
стр. 203
الابتلاءات التي ابتلي بها ثم تتابعت بقية الابتلاءات كبناء البيت العتيق وذبح ولده والصبر على إلقاءه بالنار وغيرها.
ولا عجب في هذا، فإنّ الابتلاء كما يكون بالضراء فإنه يكون بالسراء كذلك.
ثانياً: أنّ الله تعالى قد قال في كتابه الكريم واصفاً الإمامة التي نالها إبراهيم ﵇ وذريته من بعده ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَاب﴾ (١) ولم يقل (الإمامة والكتاب)، وهذه قرينة قوية قد تصلح لتفسير الآية.
ومن غير المعقول أن يكون لدى هؤلاء الأنبياء ما هو أعظم من النبوة (أي الإمامة في المنظور الشيعي الإثنى عشري) ثم لا يذكرون بها.
وقد ذكر الشيخ عبد الله دشتي – وهو من علماء الشيعة المعاصرين - في كتابه (الإمامة في جذورها القرآنية) ما يؤكد المعنى الذي ذهبنا له في تفسير الإمامة بإمامة النبوة من دون أن يشعر بذلك إذ يقول: (ومن الآيات التي صرحت في اختيار الله الأنبياء من ذرية إبراهيم ﵇ قوله تعالى عن إبراهيم ﵇ ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِين﴾ ومثله قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُون﴾. والواضح أنّ الذين أوتوا الكتاب هم من المحسنين من ذريته. وأما المنطلق الذي يذكره القرآن لانتقال تلك الإمامة إلى ذرية إبراهيم ﵇ فتتضح من قوله تعالى ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي
стр. 204
الظَّالِمِين﴾ (١) حيث دعا إبراهيم ربه لتكون الإمامة في عقبه وذريته، وقد قبل الله تعالى ذلك وبيّن له اختصاصها بغير الظالمين منهم، وقد صرّح القرآن بانقسام ذريته إلى محسن وظالم في قوله تعالى ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِين﴾ (٢) بل إنّ الله تعالى قد صرّح بأنّ الأمر باقٍ في عقبه بقوله ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِه﴾ (٣)(٤).
فلاحظ هذا النسيج المترابط بين دعوة إبراهيم ﵇ ربه أن تكون الإمامة في ذريته وإجابة الله تعالى له بأنه لن ينالها الظالمون من ذريته وإنما سينالهم المستحقون لها ثم إشارة الله تعالى إلى مباركته على إبراهيم ﵇ واصطفاه جملة من ذريته بالنبوة والكتاب.
ولاحظ هذا التجانس العجيب بين قوله تعالى عن إبراهيم ﵇ ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ وبين قوله عن ذريته ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَاب﴾ فالجعل في الآيتين واحد والإجابة على طلب إبراهيم ﵇ في جعل الإمامة في ذريته كان بالنبوة!
قال الإمام ابن كثير في تفسير قوله تعالى ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَاب﴾: (فكل نبي أرسله الله وكل كتاب أنزله الله بعد إبراهيم ففي ذريته صلوات الله وسلامه عليه) (٥).
стр. 205
بل تأمل وصف الله تعالى لإسحاق ويعقوب ﵉ بالإمامة في قوله ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلّاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ. وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِين﴾ (١) وتكراره الحديث عنهم في سورة مريم باستبدال كلمة (الإمامة) بكلمة (النبوة) حيث يقول عزّ من قائل ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلّاً جَعَلْنَا نَبِيّاً﴾ (٢) فإنه مُشعِرٌ بأنّ الإمامة المذكورة هي إمامة النبوة، فهناك نصّ على أنهم أئمة يُوحي إليهم وهنا نصّ على كونهم أنبياء.
ومما يزيد هذا كله بياناً ما ورد في سورة الأنعام في ذِكر إبراهيم ﵇ وذريته حيث ترى بجلاء أنّ الإمامة التي جُعلت في ذرية إبراهيم هي إمامة النبوة حيث يقول تعالى ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ. وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ. وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ. وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ. أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِين﴾ (٣).
стр. 206
فقد ختم الله تعالى الحديث عنهم بقوله ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ ولو كانت الإمامة مرتبة فوق النبوة وقد نالها إبراهيم ﵇ وذريته المعصومين من بعده (١) لذُكِروا بهذا الوصف، فإنّ الأسماء المذكورة في الآية كلها أسماء أنبياء معصومين!
وإزاء ذلك لم يجد عالماً كبيراً من علماء الشيعة الإثنى عشرية كآية الله العظمى محمد باقر الصدر سوى الاعتراف بأنّ الإمامة المذكورة في حق الأنبياء في الآيات هي إمامة النبوة.
يقول محمد باقر الصدر في كتابه "الإسلام يقود الحياة": (والإمامة ظاهرة ربانية ثابتة على مر التاريخ وقد اتخذت شكلين ربانيين: أحدهما شكل النبوة التابعة لرسالة النبي القائد فقد كان في كثير من الأحيان يخلف النبي الرسول أنبياء غير مرسلين يكلفون بحماية الرسالة القائمة ومواصلة حملها. وهؤلاء أنبياء يوحى إليهم، وهم أئمة بمعنى أنهم أوصياء على الرسالة وليسوا أصحاب رسالة ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلّاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ. وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾، ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُون﴾ (٢) والشكل الآخر هو الوصاية بدون نبوة وهذا هو الشكل الذي اتخذه رسول الله ﵌ بأمر من الله تعالى فعين أوصياءه الإثني عشر ...) (٣).
стр. 207
وهو اعتراف صريح من هذا العالم الشيعي الكبير بأنّ الإمامة في الآيات محمولة على معنى النبوة، فالأنبياء الذين نص الله تعالى على إمامتهم هم أنبياء يحرسون رسالة من سبقهم ويدعون إليها، وأنّ الإمامة بالمعنى الذي يفهمه الشيعة الإثنى عشرية خاصة بأئمة أهل البيت الإثنى عشر لا غيرهم.
وقد سبقه إلى هذا مير علي الحائري الطهراني في تفسيره لقوله تعالى ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِين﴾ (١) إذ يقول: (والمراد بهذه الإمامة النبوة) (٢).
ثالثاً: هناك من علماء الشيعة الإثني عشرية من أذعن للحق فصدع به مبيناً أنّ الإمامة في الآية الكريمة هي النبوة أو الرسالة صراحة أو ضمناً، ومن هؤلاء:
*المحقق الحلي حيث يقول في كتابه "المسلك في أصول الدين" عن عصمة النبي: (وأما قبل النبوة فهو معصوم عن تعمّد المعصية صغيرة كانت أو كبيرة، ويدلّ عليه من القرآن قوله ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين﴾).
ويقول في "الرسالة الماتعية": (وإذا عرفت أنّ الأنبياء نصبوا لإرشاد الخلق، وجب أن يكونوا معصومين من الذنوب كبيرها وصغيرها لأنهم قدوة الخلق، فلو جاز وقوع الخطأ منهم لحمل ذلك على اتّباعهم فيه. ويدل على ذلك من القرآن قوله تعالى ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين﴾) (٣).
стр. 208
رابعاً: أنّ دعوى تقدّم الابتلاء على الإمامة وأنها حصلت كجزاء على النجاح في الابتلاء لا يستقيم لغة، فإنه لو كان الأمر كذلك لقال الله (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهنّ فقال إني جاعلك للناس إماماً) فيؤتى بالفاء كرابطة ليكون ما قبلها (وهو الابتلاء) سبباً لما بعدها (وهي الإمامة)، وبعدم وجود (الفاء) يترجح كون العبارة تفسيراً وليس جزاءً لما قبلها.
ومما يؤيد ذلك أنّ الجملة إذا جاءت جزاءاً لجملة تقدمت عليها، ولم تتأخر عنها.
أما إذا تأخرت عنها فهي سبب أو تفسير لما قبلها.
فالجملة المتأخرة التفسيرية كقوله تعالى ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا. أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا﴾ (١) فجملة (أخرج) تفسير لجملة (دحاها).
وأما السببية فكقوله تعالى ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ. ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ. ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ لماذا؟ ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ. وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِين﴾ (٢)
فجملة ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ سبب لما قبلها من قوله ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ..﴾ فالجملة الجزائية تتقدم على الجملة السببية.
فتأخير قوله ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ مع انعدام حرف (الفاء) يضعف كونها جزاءاً لما قبلها، وأنّ ما قبلها سبب لها (٣).
стр. 209
خامساً: إنَّ تفسيرنا للإمامة في الآية بأنها النبوة لا يتعارض مع كون إبراهيم ﵇ نبياً قبل هذا البلاغ، لاحتمالين اثنين لا يخرج الحق منهما إن شاء الله تعالى:
الاحتمال الأول: أن يكون المراد أنه ﵇ كان نبياً مكلّماً يدعو إلى الله تعالى لكنه لم يكن مأموراً إذ ذاك بالبلاغ العام كحال نبينا محمد ﵌ قبل نزول قوله تعالى ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِين﴾ (١) فكان إخبار الله تعالى بأنه سيجعله إماماً للناس يأتمون به في أمر دينهم ودنياهم كنحو أمر الله تعالى نبينا محمد ﵌ بإنذار قومه وبالتصدي للدعوة جهرة بعد كانت خفية مرهونة بأشخاص محددين.
الاحتمال الثاني: أن يُقال إنه ﵇ كان نبياً مكلّماً يأتم به قومه الذين بُعث فيهم فوسّع الله تعالى دائرة إمامته بهذا الخطاب بحيث شملت من بُعث فيهم ومن آمن برسالته إلى يوم القيامة، فنال ﵇ شرف الإمامة لمن بعده في مسائل عدة كالتوحيد (٢) والولاء البراء (٣) وإمامة الحج (٤) وبعض السنن النبوية التي شرعها لقومه ولجميع من جاء بعده كسنن
стр. 210
الفطرة المعروفة (١).
الوقفة الثانية: لقد عَدَّدَ آية الله العظمى المنتظري في كتابه (نظام الحكم في الإسلام ص١٠٩) الشروط الواجب توفرها بالخليفة فذكر ثمانية اتفق الفقهاء عليها وستة أخرى اختلفوا فيها.
لكن الملفت للنظر هو استشهاد هذا المرجع الشيعي الكبير بقوله تعالى ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين﴾ على اشتراط (العدالة) في إمام المسلمين، بينما تكلم عن اشتراط (العصمة) في الإمام دون استشهاد ولا إشارة إلى هذه الآية الكريمة مكتفياً ببعض الروايات الشيعية الدالة على اشتراط العصمة!
يقول المنتظري: (٣ - العدالة، فلا ولاية للظالم والفاسق على المسلمين، ويدل عليه مضافاً إلى حكم العقل، الآيات والروايات الكثيرة:
стр. 211
١ – قال تعالى ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين﴾ فكل ما يخالف الحق يصح أن يطلق عليه الظلم فكل فاسق ظالم، وكل منحرف عن الحق كذلك) (١).
وغير خافٍ عنك أنّ استشهاد المنتظري بهذه الآية على شرط العدالة دون العصمة دالٌ على اعتقاده بأنّ الآية ليست بدالة على اشتراط العصمة في إمام المسلمين، وكفى بذلك إلزاماً للمتعصبين.
أما آية الله الشيخ محمد آصف المحسني فقد أعلن بكل صراحة أنّ الشرط الذي تضمنته الآية بيقين هو العدالة وليس العصمة فيقول في كتابه "صراط الحق في أصول الدين" عند كلامه عن الآية: (لكن القدر المتيقن من دلالة الآية الكريمة هو اشتراط العدالة في الإمام من أول عمره إلى آخره، إذ العدالة تكفي لأن يصدق عليه أنه غير ظالم، ولذا لا يصدق على الأخيار وأفاضل العلماء الأبرار أنهم ظالمون صدقاً عرفياً، وكلام الله أيضاً منزل على فهمهم) (٢).
الوقفة الثالثة: الآية ذكرت منقبة لإبراهيم ﵇ فقلبها الشيعة الإثنا عشرية إلى منقصة!
لقد ادّعى الشيعة الإثنا عشرية بأنّ في الآية دلالة صريحة على كون الإمامة أعظم من النبوة.
стр. 212
وفي هذا يقول آية الله العظمى كاظم الحائري في كتابه "الإمامة وقيادة المجتمع": (إنّ الذي يبدو من الروايات أنّ مقام الإمامة فوق المقامات الاُخرى - ما عدا مقام الربوبية طبعاً التي يمكن أن يصل إليها إنسان) ويقول في موضع آخر: (فمقام الإمامة - إذن - فوق مقام النبوة) (١).
وهو ما يؤكده آية الله ناصر مكارم الشيرازي في تفسيره "الأمثل" بقوله: (فمنزلة الإمامة أفضل مما ذُكر، بل أسمى من النبوة والرسالة!) (٢).
ومما يزيده هذه التقريرات بياناً ما رواه الكليني في الكافي عن الإمام جعفر بن محمد أنه قال: (إنّ الله ﵎ اتخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتخذه نبياً، وإنّ الله اتخذه نبياً قبل أن يتخذه رسولاً، وإنّ الله اتخذه رسولاً قبل أن يتخذه خليلاً، وإنّ الله اتخذه خليلاً قبل أن يجعله إماماً فلما جمع له الأشياء قال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ قال: فمن عِظمها في عين إبراهيم قال: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ قال: ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين﴾ قال: لا يكون السفيه إمام التقي) (٣).
وهنا إشكال لطيف يرِد على دعوى الشيعة الإثنى عشرية أنّ إبراهيم ﵇ كان نبياً ثم ارتقى فصار رسولاً ثم ارتقى فصار إماماً، وهو إشكال لا يتنبه له إلا من فتح الله تعالى على قلبه وبصره (٤).
стр. 213
فبتأمل الفرق بين الإمام والنبي والرسول والذي ورد بروايات شيعية عن الأئمة المعصومين في معتقد الإمامية، نلحظ مفارقة عظيمة بين الارتقاء المزعوم في حق إبراهيم ﵇ وبين ما ينص عليه الأئمة المعصومين!
فقد روى الكليني عن إسماعيل بن مرّار قال: كتب الحسن بن العبّاس المعروفي إلى الرضا (ع): جعلت فداك، أخبرني ما الفرق بين الرسول والنبي والإمام؟ قال: فكتب أو قال: الفرق بين الرسول والنبي والإمام أنّ الرسول الذي ينزل عليه جبرئيل فيراه ويسمع كلامه وينزل عليه الوحي وربما رأى في منامه نحو رؤيا إبراهيم ﵇، والنبي ربما سمع الكلام وربما رأى الشخص ولم يسمع، والإمام هو الذي يسمع الكلام ولا يرى الشخص (١).
وروى محمد بن الحسن الصفار عن بريد العجلي قال: سألتُ أبا عبد الله (ع) عن الرسول والنبي والمحدث، قال: الرسول الذى تأتيه الملائكة ويعاينهم وتبلغه عن الله ﵎ والنبي الذي يرى في منامه فهو كما رأى، والمحدّث الذي يسمع كلام الملائكة وينقر في أذنه وينكت في قلبه).
وعنه عن زرارة قال: سألتُ أبا جعفر (ع) عن قول الله عزوجل ﴿وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً﴾ قلت: ما هو الرسول من النبي؟ قال: النبي هو الذي يرى في منامه ويسمع الصوت ولا يعاين الملك، والرسول يعاين الملك ويكلمه، قلت: فالإمام ما منزلته؟ قال: يسمع الصوت ولايرى ولا يعاين ...) (٢) والروايات في هذا كثيرة (٣).
стр. 214
فوفقاً لهذه الروايات فإنّ الفرق بين الرسول والنبي والإمام أنّ الرسول يرى المَلَك ويكلمه وربما رأى في منامه أحياناً وأنّ النبي يسمع صوت المَلَك لكنه لا يراه في أغلب الأحوال (١) وربما رأى في منامه أحياناً أما الإمام فإنه يسمع صوت المَلَك لكنه لا يراه ولا يعاينه أبداً!
فعلى دعوى الشيعة الإثني عشرية بأنّ إبراهيم ﵇ كان نبياً رسولاً ثم صار إماماً فإنّ ذلك يعني أنّ إبراهيم ﵇ كان نبياً يرى في منامه ويسمع كلام الملك، ثم ارتقى إلى منصب أعلى وأسمى وهو الرسالة فصار يرى في منامه ويسمع كلام الملك ويراه عياناً، ثم ارتقى إلى منصب أعلى وأسمى -على دعوى الشيعة بأنّ الإمامة أعلى وأسمى من النبوة والرسالة- فصار يسمع كلام الملك ولا يرى في منامه ولا يرى الملك!!
فهل كانت الإمامة بالنسبة لإبراهيم ﵇ ارتقاء – كما يزعم الشيعة الإثنا عشرية- أم أنها صارت انحداراً إلى مرتبة فقد بسببها إبراهيم ﵇ مزيتين في الفضل كانتا له وهما (رؤية المَلَك عياناً والرؤية في المنام) كما نصت على ذلك الروايات الشيعية؟!
إنّ هذا التساؤل المحيّر الذي لا يعرف له العقلاء جواباً، قد حيّر أيضاً آية الله الشيخ محمد آصف مُحسني إذ يُصرّح في كتابه "مشرعة بحار الأنوار ١/ ٢٧١" في معرض حديثه عن إمامة إبراهيم ﵇ بهذا قائلاً: (... لكن في الروايات الواردة في حق الإمام أنه يسمع الصوت ولا يرى الشخص، والرسول يرى الشخص، فإعطاء الإمامة بهذا المعنى لا يمكن للرسول. وهذا السؤال ذكرناه في الجزء الثالث من صراط الحق الذي ألّفناه في أيام شبابنا في النجف الأشرف ولم أفز على جوابه لحد الآن، وما أوتينا من العلم إلا أقل من القليل).
стр. 215
الوقفة الرابعة: لقد ادّعى الشيعة الإثنا عشرية أنّ الإمامة التي هي (قيادة المجتمع) هي منزلة أعظم من النبوة، ونسبوا إلى الإمام الصادق قوله: (إنّ الله ﵎ اتخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتخذه نبياً، وإنّ الله اتخذه نبياً قبل أن يتخذه رسولاً، وإنّ الله اتخذه رسولاً قبل أن يتخذه خليلاً، وإنّ الله اتخذه خليلاً قبل أن يجعله إماماً، فلما جمع له الأشياء قال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾، قال: فمن عِظمها في عين إبراهيم قال: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾) (١)، وهم لأجل هذه الإمامة المعظّمة والمصروفة عن آل البيت قد أقاموا الدنيا ولم يقعدوها، وكفّروا لأجل ذلك الصحابة ومن والاهم (٢)، بينما نجد أنّ الإمام علي بن أبي طالب ﵁ نفسه يشبه الإمامة التي يفضلونها على النبوة بـ (النعال) كما في الخطبة رقم (٣٣) من "نهج البلاغة" والتي يقول فيها عبد الله بن عباس: (دخلت على أمير المؤمنين (ع) بذي قار وهو يخصف نعله، فقال لي: ما قيمة هذا النعل؟ فقلت: لا قيمة لها، فقال (ع): والله لهي أحب إلي من إمرتكم إلا أن أقيم حقاً أو أدفع باطلاً).
بل شبهها بـ (عفطة عنز!) إذ يقول في الخطبة الشقشقية في معرض تحسره على الخلافة (٣):