← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 14284

ثم أبصرت الحقيقة

محمد سالم الخضر

Полный текст (554 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وقد قال الله تعالى أيضاً عن لوط ﵇ ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُون﴾ (١) ولم تكن ابنتا لوط ﵇ معصومتين مع أنهما من الآل الذين وُصفوا بالتطهير. وقد قال تعالى عن رواد مسجد قباء من الصحابة ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (٢) ولم يكن هؤلاء معصومين من الذنوب بالاتفاق. وقال تعالى عن أهل بدر وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً ﴿وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَان﴾ (٣) ولم يكن في هذا إثبات لعصمته مع أنه لا فرق يُذكر في الألفاظ بين قول الله تعالى عن أهل البيت ﴿لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْت﴾ وبين قوله عن أهل بدر ﴿وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَان﴾ فالرجز والرجس متقاربان، وإذهاب الرجس مشترك، لكن الهوى هو الذي جعل من الآية الأولى دليلاً على العصمة دون الأخرى! والعجيب في علماء الشيعة أنهم يتمسكون بالآية ويصرفونها إلى أصحاب الكساء ثم يصرفون معناها من إرادة التطهير إلى إثبات عصمة أصحاب الكساء ثم يتناسون في الوقت نفسه آيات أخرى نزلت في إرادة الله لتطهير الصحابة بل هم بالمقابل يقدحون فيهم ويقولون بانقلابهم على أعقابهم مع أنّ الله نص على إرادة تطهيرهم بنص الآية، مفارقات عجيبة يُحار فيها العقل ولا تجد لها إلا إجابة واحدة، إنه التعصب وما يفعله في أصحابه.

стр. 282

ثامناً: إرادة التطهير لا تعني بالضرورة وقوع التطهير ما ذكرته آنفاً يستند إلى أنّ المعنى من إرادة الله للتطهير وقوع التطهير، وقد يكون المراد من الآية الأمر بلزوم طاعة الله حتى يقع التطهير. وسياق الكلام الموجه لنساء النبي ﵌ كان يتضمن توجيهاً إلهياً لهن بفعل أمور واجتناب أخرى (١)، وبيّن الله أنه يريد منهن التزام هذه التوجيهات ليذهب عنهم الرجس بمقتضى أمره لهم، وبامتثالهم لأمر الله وحفظهم لوصاياه يحصل التطهير، وهذا النمط من الخطاب استخدمه الله في آخرين كما في قوله تعالى للمؤمنين ﴿مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ﴾ (٢) وقوله تعالى ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ (٣) وقوله تعالى ﴿يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ﴾ (٤) فالإرادة هنا متضمنة للأمر والمحبة والرضا لا أنها حصلت فعلاً، ولو كان الأمر كذلك لتطهر كل من أراد الله طهارته وأبسط مثال يوضح ذلك هو أنّ الله يريد على سبيل المثال للبشر كلهم أن يدخلوا الجنة وهذه الإرادة هي إرادة محبة، وهناك إرادة له سبحانه كونية قدرية في هذا الشأن وهي أنه

стр. 283

سيكون من البشر مؤمن وكافر وأنه ليس كل البشر سيدخلون الجنة، لأنّ الله أعطى البشر الحرية في عمل الخير أو الشر لكي يحصل العدل بمجازاته، ولو كان الإنسان مجبوراً على الخير فقط لما كان من العدل مجازاته أصلاً لأنه لو أراد الشر ما وجد إلى ذلك سبيلاً، فإرادة الله إدخال البشر كلهم إرادة محبة ولكن لا يلزم تحققها لأنّ الله نفسه لم يوجب حدوثها. تاسعاً: الاستدلال بالآية على عصمة أصحاب الكساء لا يخلو من العجب لأمر بديهي يعرفه كل أحد وهو أنّ حديث الكساء يذكر فاطمة الزهراء رضوان الله عليها كطرف من الأطراف الذين نزلت فيهم الآية، والشيعة الاثنا عشرية يقولون بأنّ الله أضفى على الأئمة صفة العصمة لاحتياج المهمة المناطة بهم لذلك، وهي إمامة الناس وتحكيم شرع الله والسؤال: إذا كان الأمر كذلك فهل السيدة فاطمة نبية أو من الأئمة لكي تُضفى عليها صفة العصمة؟!! وما الغاية التي لأجلها أُضفيت لها العصمة؟ هل كل من يحبه الله وله مقام عند الله يكون معصوماً؟ إنّ الله لمّا أضفى صفة العصمة على الأنبياء أضفاها عليهم لأنهم مبلغو الوحي وأمناء الرسالة السماوية، ولو أننا قبلنا عصمة الأئمة دون أن نناقشها، فإنّ ما لا يمكن تقبله لا عقلاً ولا شرعاً أن يتصف بالعصمة من ليس بنبي ولا حتى إمام!! وإذهاب (الرجس) حتى لو دل على العصمة فإنه لا يدل على استحقاق الإمامة بحال من الأحوال، ونحن بصدد البحث عن دليل على الإمامة، فإن قيل بأنّ من مستلزمات الإمامة العصمة وأنّ من كان معصوماً وجبت إمامته، قيل: وماذا تقول في فاطمة الزهراء التي هي أحد أصحاب الكساء؟ أتستطيع تطبيق نفس المبدأ عليها والقول بأنها من الأئمة؟

стр. 284

فإن قال: (لا) وهي الإجابة الوحيدة التي سيستطيع أن يجيب بها، قيل له: قال الله تعالى ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْض﴾ (١) فإما أن تطبق ما تدّعيه مائة بالمائة أو تقر ببطلانه، لكن التشبت بالدليل بما يوافق الهوى وطرح ما يخالفه ما هو في الحقيقة إلا تلاعب بالقرآن الكريم وبسنة رسوله الكريم، وما أرى من يسلك هذا الطريق يطلب الحق وهو يدّعي ما يدّعيه، ويجره التعصب إلى الإصرار على الخطأ في فهم دين الله.

стр. 285

آية المباهلة (١) تعتبر آية المباهلة التي نزلت في وفد نجران وهي قول الله ﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِين﴾ (٢) إحدى أهم أدلة الشيعة الإثنى عشرية على الإمامة ويرى الإثنا عشرية أنّ وجه دلالة الآية على إمامة علي بن أبي طالب أنّ النبي ﵌ جعله مثل نفسه بقوله ﴿أَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ﴾ لأنه أراد بقوله ﴿أَبْنَاءنَا﴾ الحسن والحسين ﵉ وبقوله ﴿نِسَاءنَا﴾ فاطمة وبقوله ﴿أَنفُسَنَا﴾ نفسه ونفس علي ﵉ ... وإذا جعله مثل نفسه وجب أن لا يدانيه ولا يقاربه في الفضل أحد). وقبل مناقشة هذه الدعوى: لي مع هذه الآية الكريمة حادثة لا تُنسى .. فقد اتصل بي أحد الأصدقاء يدعوني لحضور حوار سيتم بين شابين أحدهما سني والآخر شيعي في إحدى الديوانيات حول الخلاف بين السنة والشيعة الإثنى عشرية، فرحّبت بذلك وذهبت على أمل أن يكون النقاش علمياً وأن لا تعكره أجواء التعصب. وقد كان المحاور السني قريباً من الديوانية فحضر قبل المحاور الشيعي الذي كنا ننتظره فعرّفني المحاور السني على أحد الجالسين وأخبرني بأنه مؤذن في أحد المساجد وذكر لي اسم

стр. 286

عائلة شيعية عريقة في التشيع هي عائلة هذا الشاب، وقد كان صاحبنا هذا ممن يقوم بتمثيل دور الشبيه في الحسينية قبل أن يتحول إلى أهل السنة. فانتقلت مباشرة إلى الأخ ورحّبت به وسألته عن سبب انتقاله إلى أهل السنة ودار بيننا حديث عن الصعوبات التي واجهها بسبب تسننه. لكن الشاهد من هذا كله، حوار دار بينه وبين أحد علماء الشيعة حول هذه الآية بالذات. قال الأخ: ذكرت لابن عمي يوماً أنّ من عقائد الشيعة الإثني عشرية تفضيل الإمام علي على الأنبياء، فاستنكر هذا وقال لي: أنا شيعي ولا أعرف هذا الكلام، فقلت له: لأنك عامي ولا تعرف كل العقائد أما أنا فمطّلع على هذه الأمور. يقول: فاتفقنا على أن يحسم الأمر بيننا أحد علماء الشيعة الإثني عشرية على أن أخاطبه بصفتي شيعي اثني عشري كما كنت في السابق حتى لا يتوجس من قصدي من السؤال. يقول: فسألت الشيخ (من أفضل الإمام علي ﵇ أم الأنبياء ﵈؟). فأجاب الشيخ: الإمام علي ﵇ أفضل من الأنبياء جميعاً سوى محمد صلوات الله وسلامه عليه. فنظرت إلى ابن عمي وهو بجانبي وقلت: أرأيت؟ كلامي كان صحيحاً. ثم قلت للشيخ: ما الذي جعل الإمام علياً أفضل من الأنبياء سوى محمد ﵊؟ فقال: آية المباهلة، لأنّ الله قد جعله نفس محمد ﵌ بقوله ﴿وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُم﴾.

стр. 287

يقول: فوقع في قلبي أن أقول للشيخ: لكنّ الله قد قال في كتابه المجيد مخاطباً الكفار ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم﴾ (١) فهل يُقال بأنّ كفار مكة هم نفس رسول الله، لأنّ الله قد قال ﴿رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾. يقول: فصمت الشيخ. ثم ذكر لي بعد ذلك ما دار بينه وبين الشيخ حول النظرة إلى أبي بكر وعمر وحوادث أخر. ثم قدم المحاور الذي كنا ننتظره فأنهينا حديثنا الجانبي ورحّبنا بالضيف وابتدأ النقاش. إنّ آية المباهلة لا مستند فيها على ما يدّعيه الشيعة الإثني عشرية في موضوع الإمامة لعدة أسباب: أولاً: أنه على كثرة المعاني والمرادفات لكلمة (نفس) التي تستدل بها الإمامية على دلالة النص في خلافة علي بن أبي طالب لا يوجد معنى حقيقي أو مجازي يدل على الخلافة. قال الزَّبيدي: (قال ابن خالويه: النفس الأخ، قال ابن برّي: وشاهده قوله تعالى ﴿فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ (٢) وفسر ابن عرفة قوله تعالى ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً﴾ (٣) أي بأهل الإيمان وأهل شريعتهم) (٤). قال الدهلوي: (معنى (ندع أنفسنا) نحضر أنفسنا، وأيضاً لو قررنا الأمير – أي الإمام علياً– من قبل النبي ﵌ لمصداق (أنفسنا)، فمن نقرره من قبل الكفار

стр. 288

لمصداق (أنفسكم) في أنفس الكفار مع أنهم مشتركون في صيغة (ندع) ولا معنى لدعوة النبي إياهم وأبناءهم بعد قوله (تعالوا)) (١). وقوله تعالى ﴿وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ﴾ مثل قوله تعالى ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً﴾ (٢) نزلت في أم المؤمنين عائشة في حادثة الإفك، فإنّ الواحد من المؤمنين من أنفُس المؤمنين والمؤمنات. وكذلك قوله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ﴾ (٣) أي لا يُخرج بعضكم بعضاً، فالمراد بالأنفس الإخوان: إما في النسب وإما في الدين (٤). قلت: وقد قال الله عن رسوله الكريم ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم﴾ (٥) والحجة في هذه الآية على الإمامية ظاهرة في قوله تعالى ﴿أَنفُسَنَا﴾ على معنى المماثلة والتطابق، فهذه الآية تتكلم عن رسول الله وعن كفار مكة، وتقول ﴿مِّنْ أَنفُسِكُم﴾ فمن ذا الذي يقول بأنّ نفس رسول الله كـ (أنفس) كفار مكة – عياذاً بالله -؟!!

стр. 289

وهنا تظهر المزاجية في تفسير آية المباهلة حين يتجاهل علماء الشيعة كل هذه النصوص ثم يأتون إلى هذه الآية الكريمة فيبالغون في معناها إلى حد قولهم بأنّ علياً هو نفس محمد ﵌ سوى النبوة! ولعلي أشير هنا إلى رواية شيعية تبين أنّ إطلاق لفظ أنفسنا على الأخ أو القريب أو أرباب الفئة الواحدة شيء متعارف عليه عند الناطقين بالعربية. روى الكليني عن الإمام جعفر الصادق أنه قال: بعث أمير المؤمنين (ع) عبد الله بن العباس إلى ابن الكواء وأصحابه وعليه قميص رقيق وحُلّة، فلما نظروا إليه قالوا: يا ابن عباس، أنت خيرنا في أنفسنا وأنت تلبس هذا اللباس، فقال: وهذا أول ما أخاصمكم فيه ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْق﴾ وقال ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِد﴾ (١). فهل بعد هذه الدلائل القرآنية وبعد هذه الرواية الشيعية من كلمة يقولها المغالي؟ ثانياً: اعترف أحد أقطاب الشيعة وهو الشيخ الرضّي أنّ قوله تعالى ﴿أَنفُسَنَا﴾ لا يعني أنّ علياً ﵁ هو نفس رسول الله كما يقول الشيعة. يقول الشيخ الرضيّ في كتابه "حقائق التأويل في متشابه التنزيل ص١١٣" في تفسير الآية الكريمة: (قال بعض العلماء: إنّ للعرب في لسانها أن تخبر عن ابن العم اللاصق والقريب المقارب بأنه نفس ابن عمه، وأنّ الحميم نفس حميمه، ومن الشاهد على ذلك قول الله تعالى

стр. 290

﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَاب﴾ (١) أراد تعالى: ولا تعيبوا إخوانكم المؤمنين فأجرى الأخوة بالديانة مجرى الأخوة في القرابة، وإذا وقعت النفس عندهم على البعيد النسب كانت أخلق أن تقع على القريب السبب، وقال الشاعر: كأنا يوم قُرّى إنما نقتل إيانا. أراد: كأنما نقتل أنفسنا بقتلنا إخواننا، فأجرى نفوس أقاربه مجرى نفسه، لشوابك العصم ونوائط اللحم وأطيط الرحم، ولما يخلج من القربى القريبة، ويتحرك من الأعراق الوشيجة فأما قول الله تعالى في النور ﴿فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ فيمكن أن يجرى هذا المجرى، لأنه جاء في التفسير: أنّ معنى ذلك فليسلّم بعضكم على بعض لاستحالة أن يسلم الإنسان على نفسه، وإنما ساغ هذا القول، لأنّ نفوس المؤمنين تجري مجرى النفس الواحدة للاجتماع في عقد الديانة، والخطاب بلسان الشريعة، فإذا سلّم الواحد منهم على أخيه كان كالمسلم على نفسه، لارتفاع الفروق واختلاط النفوس) انتهى كلامه. وبهذا يتضح أنه لا حجة لدى الشيعة في دعواهم أنّ في هذه الآية ما ينص على المساواة بين رسول الله وعلي ﵁ وأرضاه، فلفظ (النفس) يُطلق في لغة العرب على البعيد النسب كما يُطلق على القريب، وليس في ذلك دلالة على الإمامة من قريب ولا بعيد! ثالثاً: أنّ دعوة النبي ﵌ علياً وفاطمة والحسنين جاءت من جهة القرابة لا لإظهار الإمامة أو النص عليها، إذ إنّ المباهلة إنما تحصل الرغبة والرهبة والشعور بصدق الداعي بجمعه نفسه وأهله الذين تحن إليهم النفوس بطبيعة الحال ما لا تحن إلى غيرهم من الأبعدين في الهلاك (٢).

стр. 291

ففيها مجال التضحية أكثر وضوحاً من مجال إضفاء الفضائل أو الإمامة، ففي التضحية تُقدّم الأنفس والأبناء والنساء ولكن لا يُقدّمون للخلافة! (١) رابعاً: قول الشيعة الإمامية إنّ الآية تدل على المساواة بينه وبين النبي ﵌ إلا النبوة، كلام لا يُسلّم له أبداً، إذ أنّ النبي ﵌ لا يساويه أحد في أمور الدين لا علي ولا غيره، فأين مقام رسول الله وكماله البشري من سائر الناس؟ إنّ الإمام علياً نفسه لا يرتضي ما يقول الشيعة الإمامية عنه، والمنصف العاقل يدرك هذه القضية بكل وضوح. روى الكليني في الكافي أنّ أمير المؤمنين علياً (ع) سئل (يا أمير المؤمنين، أفنبي أنت؟ فقال: ويلك، إنما عبد من عبيد محمد ﵌ (٢) يريد بذلك عبد الطاعة والخدمة لا عبد الخضوع والذل. فإذا كان هذا هو مقام الإمام علي من صريح كلامه الذي يرويه عنه الشيعة الإثنا عشرية وهو ما ينص العقل عليه وعلى كل أحد أنه تابع لرسول الله إن أطاع سنته وهديه دخل الجنة وإن عصاه دخل النار، فكيف يجرؤ أهل الغلو على مقولتهم الآثمة أنّ علياً هو نفس محمدٍ ﵊ سوى النبوة فقط! وهل كمال رسول الله ﵌ البشري ككمال علي البشري في نبوته صلوات الله وسلامه عليه أو حتى قبل نبوته؟!

стр. 292

هل يدّعي هؤلاء أنه لا فرق بين رسول الله قبل النبوة وبين علي بن أبي طالب، وأنّ النبوة حينما جاءت لم تجد فرقاً بين محمد ﵊ وبين علي بن أبي طالب، لكن الاختيار وقع على محمد ﵊ هكذا لحكمة ربانية لا نعلمها لا لكونه أكمل وأفضل وأشرف مقاماً وأعظم خُلقاً واستحقاقاً من علي بن أبي طالب؟! إنّ الشيعة الإثني عشرية اليوم يغضبون من متعصبة أهل السنة الذين ينسبون إليهم القول بأنّ جبريل أخطأ في إنزال النبوة على محمد وأنها كانت ستنزل على عليّ! وهذا باطل والشيعة الاثنا عشرية بريئون من هذا القول (١)، لكنهم في الوقت ذاته يساوون بين نفس رسول الله ونفس علي بن أبي طالب، ويستثنون النبوة، وكأنهم يقولون من حيث لا يشعرون أنّ الله لم يصطفِ محمداً ﵊ لتميزه عن سائر الخلق إذ إنّ علياً نفسه بالضبط لكن جاءت المشيئة الإلهية بأن يكون هو النبي وأن يكون عليٌّ وصياً له! وقد قال المجلسي تعليقاً على حديث (إنّ الله اتخذ محمداً ﵌ عبداً قبل أن يتخذه نبياً، وإنّ علياً (ع) كان عبداً ناصحاً لله ما نصه: (والغرض أنّ هذا الكمال الذي كان حاصلاً لنبينا قبل بعثته ونبوته، قد كان لعلي (ع) وكان في جميع الكمالات مشاركاً مع الرسول ﷺ سوى النبوة فقد أخذتم بولاية من هو هكذا) (٢). رحماك ربي ... إلى أي ضلالة يقودنا الغلو من حيث لا نشعر ...

стр. 293

آية ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَاد﴾ واستدل الشيعة الإثنا عشرية بما رواه ابن جرير الطبري في "تفسيره ١٣/ ٧٢" وابن عساكر في "تاريخه ١٢/ ١٥٤" عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَاد﴾ قال النبي ﵌: (أنا المنذر وعلي الهادي، بك يا علي يهتدي المهتدون بعدي) على أنّ الإمام علياً هو وصي رسول الله ﵌ والإمام من بعده. ولمعرفة المراد بالآية الكريمة ومدى صحة استدلال الشيعة الإثنى عشرية بهذا النص، فلا بد لنا في ذلك من طريقين: أولهما: يكون بالنظر إلى ألفاظ الآية الكريمة ومدى دلالتها على الإمام علي أو على غيره. وثانيهما: يكون بالنظر في سنة النبي ﵊ الثابتة الصحيحة، فإن ثبت فيها أنّ المراد بالآية علي بن أبي طالب أو غيره أخذنا بذلك دون تردد. فأما الطريق الأول، فمن الجلي أنّ الآية لا تدل بألفاظها على أنّ المراد بالهادي هو علي بن أبي طالب أو غيره من الصحابة كأبي بكر أو عمر أو عمار أو أبي ذر أو غيرهم. وأما الطريق الثاني فبالنظر إلى الرواية السابقة نلاحظ التالي في سند الحديث: ١ - أنّ أحد رواة السند وهو (معاذ بن مسلم) مجهول ٢ - أنّ في السند (الحسن بن الحسين الأنصاري العرني الكوفي) وهو متهم. قال عنه ابن عدي: (لا يشبه حديثه حديث الثقات) وقال ابن حبان: (يأتي عن الأثبات بالمُلزقات، ويروي المقلوبات)! ٣ - اختلاط عطاء بن السائب.

стр. 294

٤ - في رواية الحاكم في "المستدرك ٣/ ١٢٩ - ١٣٠" وابن عساكر في "تاريخه ١٢/ ١٥٤" جاء النص باللفظ التالي: (قال علي: رسول الله ﵌ المنذر، وأنا الهادي) وفي الرواية: (حسين الأشقر) وهو متروك الحديث. ومما يُنتقد في هاتين الروايتين (الأولى والثانية) أمور منها: أولاً: أنّ قوله (بك يهتدي المهتدون بعدي) يعني أنّ كل من اهتدى من أمة محمد ﵌ من بعد رسول الله ﵌ فبِالإمام علي بن أبي طالب، وفي هذا إجحاف بحق رسول الله ﵌ الذي هو قدوة وهداية للناس في حياته وبعد وفاته، فهو القائل ﵊ (قد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها. لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك) (١) فكيف لا يكون الرسول ﵊ مصدر هداية بعد وفاته، بينما يكون علياً مصدر هداية للأمة في حياته ومن بعد وفاته! فكأنّ الرسول ﵊ عند هؤلاء منذر فقط وليس بهادٍ، وإنما الهادي هو علي بن أبي طالب ﵁! وكون رسول الله هادياً مما لا يحتاج إلى إثبات أو تدليل أصلاً لكني أشير بهذا إلى قول الله تعالى عن نبيه محمد ﵌ ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم﴾ (٢). ولذلك يُقال لهؤلاء المجادلون: إنّ النبي ﵌ قد آمن به خلق كثير واهتدوا به ودخلوا الجنة بذلك، وأغلبهم لم يسمعوا من علي كلمة واحدة يهتدون بها أو من أبي بكر أو غيرهما، وكذلك لما فُتحت الأمصار ودخل الناس في دين الله أفواجاً واهتدوا بهذا

стр. 295

الدين وبما علموه من كلام الله وكلام رسوله لم يكن هؤلاء قد سمعوا من الإمام علي بن أبي طالب بلاغاً خاصاً يهتدون به بل اهتدوا بما علموه من كتاب الله وسنة نبيه ﵌. فهل يُقال عنهم مهتدون أم ضالون؟ فإن قيل (مهتدون) كان ذلك كافياً في إبطال الرواية، وإن قيل (ضالون) كان هذا خلاف ما دل عليه كتاب الله وسنة نبيه وإجماع المسلمين. كما أنّ في الرواية إجحافاً واضحاً بحق باقي الصحابة الذين اهتدى على أيديهم خلق لا يُحصون عدداً، فالرواية يُكذبها الواقع بلا ريب، فقد فتح الصحابة البلدان وانتشر العلم على يدي جماعة منهم كعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وعبد الله بن عباس وغيرهم فاهتدى الناس لسنة نبيهم وعرفوا تعاليم دينهم من خلال هؤلاء الصحابة، فما الذي جعل الهداية حكراً على الإمام علي ﵁ دون هؤلاء؟! ثانياً: قوله تعالى ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَاد﴾ نكرة في سياق الإثبات، وهذا لا يدل على شخص معين دون غيره، فدعوى دلالة هذه الآية على علي بن أبي طالب أو أبي بكر أو عمر أو غيرهم باطلة ما دام النص القرآني لا يدل على ذلك، وما دامت الرواية المذكورة في هذا الشأن لا تصح سنداً ولا متناً. ثالثاً: قال الشيخ محمد بن الحسن الحلي (الملقب بابن العلامة) في كتابه "إيضاح الفوائد في شرح إشكالات القواعد ١/ ٤" ما نصه: (نسبة الإرشاد إلى الأنبياء ونسبة التكميل إلى الأوصياء إشارة إلى قوله تعالى ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَاد﴾ وجعل النبي للتبليغ والوصي للتكميل!). وأقول: أي قلة حياء هذه في أن يُنسب إلى رسول الله ﵌ أنه ترك مهمة إكمال الدين لغيره؟!

стр. 296

ثم أين ابن العلامة وأمثاله من المتجاسرين على مقام رسول الله ﵌ من قوله تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾؟! (١) فقد تم الدين وأُكمل برسول الله ﵌، وإنكار كمال الدين على يدي النبي ﵌ إنكار لما عُلِم من الدين بالضرورة، وتكذيب صارخ لكتاب الله تعالى الذي نص على ذلك، والقائل بذلك كافر بإجماع المسلمين. رابعاً: استدل بعضهم بما أخرجه عبد الله بن أحمد في "زوائد المسند ١/ ١٢٦" عن السدي أنّ رسول الله ﵌ قال في تفسير الآية (المنذر والهادي: رجل من بني هاشم) على أنه دليل واضح على أنّ المراد بالهادي في الآية هو الإمام علي بن أبي طالب، وهو استدلال غريب عجيب ينبئ عن قلة فهم للآية والحديث معاً! فالله تعالى في الآية الكريمة يصف رسوله الكريم بأنه منذر فيقول ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِر﴾ و (أنت) هنا لا تخاطب علياً أو أبا بكر أو غيرهما وإنما تخاطب رسول الله ﵌، والرواية تجعل (المنذر والهادي) شخصاً واحداً هو رجل من بني هاشم، وهل يختلف إثنان في أنّ رسول الله ﵌ هو المنذر؟ بلا شك لا، وهل يختلف إثنان أنّ رسول الله من بني هاشم؟ بلا شك لا، إذن من هو الهادي؟ هو رسول الله ﵌ بلا شك. ويكون حينئذ قول الرواية (رجل من بني هاشم) كنحو قول النبي ﵌ عن نفسه قبل وفاته بفترة (إنّ الله سبحانه خيّر عبداً بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما

стр. 297

عند الله) (١) وقد كان ﵊ يعني بذلك نفسه الشريفة لكنه لم يصرّح بذلك لحكمة يعلمها هو ﵌. هذا على فرض قبول الرواية، وإلا فالسدي المذكور في الرواية وإن كان هو (السدي الكبير) إلا أنه يُتحفظ على رواياته كثيراً. قال عنه أبو زرعة: لين الحديث، وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه لكن لا يُحتج به، وقال عبد الرحمن مهدي: ضعيف، وقال يحيى بن معين: ضعيف، وهو متهم بالتفسير عند الشعبي وإبراهيم النخعي. خامساً: اختلفت أقوال المفسرين في المراد بقوله تعالى ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَاد﴾ على قولين: فذهب ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك وعكرمة والنخعي إلى أنّ المراد بالهادي هو (الله تعالى). وذهب الحسن وعطاء وقتادة وأبو الضحى إلى أنّ المراد بالهادي هو (النبي ﵌. وكلا القولين صحيح باعتبار ما يُراد من الآية، فإن أُريد بالهداية هنا (هداية السداد والتوفيق) فهذه لا تكون إلا لله . فيكون معنى الآية: (إنما عليك الإنذار، وعلينا الهداية). وإن أُريد بالآية (هداية الإرشاد والتبليغ) فهذه واقعة في حق رسول الله ﵌ دون غيره.

стр. 298

ولعله مما يُقوي قول القائلين بأنّ الهادي هو الله تعالى، التشابه الكبير بين قوله تعالى ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لولا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ (١) وهي الآية التي نتكلم عنها، وبين قوله تعالى في السورة نفسها ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لولا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَاب﴾ (٢) فكأنّ الآية هذه مفسرة للأخرى والله تعالى أعلى وأعلم.

стр. 299

مناقشة ما يُستدل به على الإمامة من السنة النبوية أ - حديث غدير خم يعتبر حديث الغدير أهم أدلة الشيعة على خلافة الإمام علي على الإطلاق، ولا يرتاب أحد في أنّ هذا الحديث من أبرز مناقب الإمام علي، فيكفيه فضلاً وشرفاً رضوان الله عليه أن تُقال في مثله هذه الكلمات العظيمة، ولسنا نناقش هل الحديث من مناقب وفضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أم لا، لأنّ هذا أمر مفروغ منه، ومحسوم من الطرفين (السنة والشيعة)، لكن نقاشنا يدور حول دلالة الحديث على الإمامة بالمعنى الذي تذهب إليه الشيعة الإثنا عشرية. وحديث غدير خم رواه ابن ماجة في "السنن" بسنده عن البراء بن عازب ﵁ قال: (أقبلنا مع رسول الله ﵌ في حجته التي حج، فنزل في بعض الطريق فأمر الصلاة جامعة، فأخذ بيدِ علي ﵁، فقال: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى، قال: ألست أولى بكل مؤمن من نفسه؟، قالوا: بلى، قال: فهذا وليُّ من أنا مَوْلاهُ اللهم والِ من والاهُ، اللهم عادِ من عاداهُ) (١). المناقشة: سُمّي الحديث باسم حديث الغدير لوقوع مكانه عند غدير خم. وهو غدير يبعد عن الجحفة ميلان (٢) أو (ثلاثة أميال من الجحفة يسرة عن الطريق وهذا الغدير فيه عين وحوله شجر كثير ملتف وهي الغيضة التي تسمى خم) (٣).

стр. 300

وقد حدد آية الله لطف الله الصافي الكلبايكاني المسافة بين مكة وبين الجحفة في رسالته العملية "مناسك الحجّ" بـ «مائتين وعشرين كيلو متراً تقريباً» (١). والمتأمل لحديث الغدير ولملابساته يعلم علم اليقين أنه ليس في الحديث دلالة على معنى الخلافة بل المعنى المراد هو النصرة والمحبة، وإليك بيان ذلك: أولاً: حديث الغدير باعتراف عالمين من علماء الشيعة الإثني عشرية ليس دليلاً صريحاً أو نصاً جلياً على إمامة علي بن أبي طالب بل هو دليل ظني محتمل للتأويل، تأولته الطائفة الإثنا عشرية على ما أرادته من إثبات النص على الإمام علي بينما تأوله جمهور المسلمين على اختلاف طوائفهم ومشاربهم الفكرية على خلاف ذلك! فقد صرّح الإمام المرتضى (٢) في "رسائله" بهذه الحقيقة قائلاً: (إنّ النص على ضربين: موسوم بالجلي، وموصوف بالخفي. وأما الجلي: فهو الذي يستفاد من ظاهر لفظه النص بالإمامة كقوله ﵇ (هذا خليفتي من بعدي) و (سلّموا على علي ﵇ بأمرة المؤمنين). وليس معنى الجلي أنّ المراد منه معلوم ضرورة، بل ما فسّرناه. وهذا الذي سمّيناه

стр. 301

(الجلي) يمكن دخول الشبهة في المراد منه وإن بعدت، فيعتقد معتقد أنه أراد بخليفتي من بعدي بعد عثمان، ولم يرد بعد الوفاة بلا فصل ... وأما النص الخفي: فهو الذي ليس في صريحة لفظه النص بالإمامة، وإنما ذلك في فحواه ومعناه، كخبر الغدير، وخبر تبوك) (١). فعدّ خبر الغدير وخبر تبوك من النصوص التي لا تدل ألفاظها بشكل صريح على معنى الإمامة. وفي هذا يقول الشيخ أحمد القبانجي–وهو أحد شيوخ الشيعة المعاصرين– في كتابه "خلافة الإمام علي بن أبي طالب (ع) بالنص أم بالنّصب؟ " ما نصه: (وقد رأيت في بعض كتابات الأصحاب أنّ المرتضى مع كونه من أساطين الإمامية ومتكلميهم إلا أنه لا يرى في كتابه (الشافي) أنّ حديث الغدير نص جلي على نصب الإمام علي بل عدّه من النص الخفي) (٢). وقد ذكر العلامة الشيعي أبو المجد الحلبي (٣) في كتابه "إشارة السبق إلى معرفة الحق" أنّ حديث غدير خم من الأحاديث المحتملة للتأويل فقال: (ومنها: الخفية المحتملة للتأويل أولها: نص يوم الغدير، قوله صلى الله عليه وآله (من كنت مولاه فعلي مولاه)) (٤).

стр. 302

ثانياً: غدير خم يبعد عن مكة ما يقارب المائتين وعشرين كيلو متراً أو أكثر أو أقل بقليل فإن كان مراد رسول الله ﵌ تنصيب علي بن أبي طالب إماماً من بعده فلِمَ لم يعلن ذلك في حجة الوداع أو يوم عرفة إذ فيهما من اجتماع المسلمين والفضيلة ما لا يتأتى في غيرهما؟ والقول بأنّ الجحفة أو غدير خم مفترق طرق الحجيج جهل أو بالأحرى محض كذب على الشرع، لأنّ مجتمع الحجيج هو مكة ومفترقهم هو مكة أيضاً، وكيف يجوز لعاقل أن يتصور أن يكون مفترق الحجيج بعيداً عن مكة أكثر من مائتين وعشرين كيلو متراً؟ ولذلك لم يكن مع النبي ﵌ في طريق عودته إلى المدينة إلا أهل المدينة ومن كان على طريق المدينة فقط، ولو أراد رسول الله صلى الله عليه وآله أن يوصي بالإمامة من بعده فإنه لا يعقل أن ينتظر تفرق الناس من بعد الحج بين ماكث في مكة وعائد إلى اليمن أو الطائف، ثم يعلن بعد ذلك عن هذه القضية الهامة في منطقة تبعد عن مكة المكرمة كل هذا البعد، فلا ينصت إلى خطبته إلا أهل المدينة ومن كان على دربهم فقط؟!! ثالثاً: حديث الغدير لم يأت من فراغ بل لسبب وعلة لا ينبغي إغفالها. فقد أرسل النبي ﵌ علي بن أبي طالب ﵁ خلف خالد بن الوليد ﵁ إلى اليمن ليخمّس الغنائم ويقبض الخُمس. لكن قسمة الخمس كانت سبباً في إثارة الجيش على الإمام علي بن أبي طالب. روى الإمام أحمد في مسنده عن بريدة بن الحصيب قال: أبغضت علياً بغضاً لم يبغضه أحد قط، قال: وأحببت رجلاً من قريش لم أحبه إلا على بغضه علياً، قال: فبعث ذلك الرجل على خيل فصحبته ما أصحبه إلا على بغضه علياً، قال: فأصبنا سبياً، قال: فكتب إلى رسول الله

стр. 303

صلى الله عليه وآله وسلم ابعث إلينا من يخمّسه، قال: فبعث إلينا علياً، وفي السبي وصيفة هي أفضل من السبي فخمّس، وقسم فخرج رأسه مغطى، فقلنا: يا أبا الحسن ما هذا؟ قال: ألم تروا إلى الوصيفة التي كانت في السبي، فإني قسّمت وخمّست، فصارت في الخمس ثم صارت في أهل بيت النبي ﵌ ثم صارت في آل علي ووقعت بها، قال: فكتب الرجل إلى نبي الله ﵌، فقلت: ابعثني فبعثني مصدقاً، قال: فجعلت أقرأ الكتاب وأقول: صدق، قال: فأمسك يدي والكتاب، وقال: أتبغض علياً؟ قال: قلت: نعم، قال: فلا تبغضه وإن كنت تحبه فازدد له حباً، فوالذي نفس محمد بيده لنصيب آل علي في الخمس أفضل من وصيفة، قال: فما كان من الناس أحد بعد قول رسول الله ﵌ أحب إليّ من علي) (١). وفي رواية عن بريدة أيضاً أنه مرّ على مجلس وهم يتناولون من علي، فوقف عليهم فقال: إنه قد كان في نفسي على عليّ شيء، وكان خالد بن الوليد كذلك، فبعثني رسول الله ﵌ يعني في سرِيّة عليها علي فأصبنا سبياً، قال: فأخذ علي جارية من الخُمس لنفسه، فقال خالد بن الوليد: دونك، قال: فلما قدمنا على النبي ﵌ جعلت أحدثه بما كان، ثم قُلت: إنّ علياً أخذ جارية من الخُمس، قال: وكنت رجلاً مِكباباً قال: فرفعت رأسي، فإذا وجه رسول الله ﵌ قد تغيّر، فقال: من كنت وليه فعلي وليه) (٢).

стр. 304

وفي رواية عن بريدة أيضاً أنه قال: غزوتُ مع علي اليمن فرأيت منه جفوة فلما قدمت على رسول الله ﵌ ذكرت علياً فتنقصته فرأيتُ وجه رسول الله ﵌ يتغير فقال: يا بريدة، ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: من كنت مولاه فعلي مولاه) (١). ولم يكن هذا الأمر هو الأمر الوحيد الذي أثار الناس على الإمام علي بن أبي طالب آنذاك. فلما كانت حجة الوداع، رجع علي من اليمن ليدرك الحج مع النبي ﷺ وساق معه الهدي (٢) واستخلف على الجند رجلاً من أصحابه، فكسا ذلك الرجل كل رجل حلة البزّ دون أذن علي بن أبي طالب، فلما قدم عليهم علي انتزعها منهم فسخط الناس عليه. قال ابن إسحاق في السيرة: (لما أقبل علي ﵁ من اليمن ليلقى رسول الله ﵌ بمكة تعجل إلى رسول الله ﵌ واستخلف علي جنده الذين معه رجلاً من أصحابه فعمد ذلك الرجل فكسا كل رجل من القوم حلة من البز الذي كان مع علي ﵁، فلما دنا جيشه خرج ليلقاهم فإذا عليهم الحلل، قال: ويلك ما هذا؟ قال: كسوت القوم ليتجملوا به إذا قدموا في الناس، قال: ويلك، انزع قبل أن تنتهي به إلى رسول الله ﵌، قال: فانتزع الحلل من الناس فردها في البز، قال: وأظهر الجيش شكواه لما صنع بهم) (٣).

стр. 305

قال الواقدي: قال أبو سعيد الخدري – وكان معه في تلك الغزوة –: وكان علي ﵇ ينهانا أن نركب إبل الصدقة، فسأل أصحاب علي ﵇ أبا رافع أن يكسوهم ثياباً فكساهم ثوبين ثوبين، فلما كانوا بالسدرة داخلين مكة، خرج علي ﵇ يتلقاهم ليقدم بهم فيّنزلهم، فرأى علي أصحابنا ثوبين ثوبين على كل رجل، فعرف الثياب فقال لأبي رافع: ما هذا؟ قال: كلموني ففرقت من شكايتهم، وظننت أنّ هذا يسهل عليك، وقد كان من كان قبلك يفعل هذا بهم، فقال: رأيت إبائي عليهم ذلك وقد أعطيتهم!، وقد أمرتك أن تحتفظ بما خلّفت، فتعطيهم!، قال: فأبى علي ﵇ أن يفعل ذلك حتى جرّد بعضهم من ثوبيه، فلما قدموا على رسول الله ﵌ شكوا، فدعا علياً فقال: ما لأصحابك يشكونك؟ فقال: ما اشتكيتهم، قسمت عليهم ما غنموا وحبست الخمس حتى يقدم عليك وترى رأيك فيه، وقد كانت الأمراء يفعلون أموراً، فيُنفّلون من أرادوا من الخمس، فرأيت أن أحمله إليك لترى فيه رأيك، فسكت النبي ﵌ (١). ومما أثار الجيش أيضاً ما ذكره الواقدي في المغازي عن عمر بن علي أنه قال: (وجمع علي ﵇ ما أصاب من تلك الغنائم فجزأها خمسة أجزاء فأقرع عليها، فكتب في سهم منها (لله)، فخرج أول السهام سهم الخمس ولم ينفل أحداً من الناس شيئاً، فكان من قبله يعطون أصحابهم – الحاضر دون غيرهم– من الخمس، ثم يخبر بذلك رسول الله ﵌ فلا يرده عليهم، فطلبوا ذلك من علي ﵇ فأبى، وقال: الخمس أحمله إلى رسول الله ﵌ فيرى فيه رأيه، وهذا رسول الله صلى الله عليه وآله

стр. 306

وسلم يوافي الموسم ونلقاه ويصنع فيها ما أراه الله، فانصرف راجعاً، وحمل الخمس وساق معه ما كان ساق فلما كان بالفتق تعجل) (١). وقد تجلى سخط الجيش على علي بن أبي طالب فيما رواه الترمذي في جامعه عن عمران بن حصين قال: بعث رسول الله ﵌ جيشاً واستعمل عليهم علي بن أبي طالب فمضى في السرية فأصاب جارية فأنكروا عليه، وتعاقد أربعة من أصحاب رسول الله ﵌ فقالوا: إذا لقينا رسول الله ﵌ أخبرناه بما صنع علي، وكان المسلمون إذا رجعوا من السفر بدءوا برسول الله ﵌ فسلموا عليه ثم انصرفوا إلى رحالهم، فلما قدمت السرية سلموا على النبي ﵌ فقام أحد الأربعة فقال: يا رسول الله، ألم تر إلى علي بن أبي طالب صنع كذا وكذا فأعرض عنه رسول الله ﵌ ثم قام الثاني فقال مثل مقالته فأعرض عنه ثم قام الثالث فقال مثل مقالته فأعرض عنه ثم قام الرابع فقال مثل ما قالوا، فأقبل رسول الله ﵌ والغضب يعرف في وجهه، فقال: ما تريدون من علي؟ ما تريدون من علي؟ ما تريدون من علي؟ إنّ علياً مني وأنا منه، وهو وليُّ كل مؤمن من بعدي) (٢). قال المؤرخ ابن كثير: (إنّ علياً ﵁ لمّا كثر فيه القيل والقال من ذلك الجيش بسبب منعه إياهم استعمال إبل الصدقة واسترجاعه منهم الحلل التي أطلقها لهم نائبه لذلك

стр. 307

لما رجع الرسول ﵌ من حجته وتفرغ من مناسكه، وفي طريقه إلى المدينة مرّ بغدير خم فقام في الناس خطيباً فبرأ ساحة علي، ورفع قدره ونبّه على فضله ليزيل ما وقر في قلوب كثير من الناس) (١). ولذلك أخّر رسول الله صلى الله عليه وآله الكلام إلى أنّ رجع إلى المدينة ولم يتكلم وهو في مكة أو يوم عرفة حيث اجتمع المسلمون وإنما أرجأ الأمر إلى طريق العودة لأنّ الأمر متعلق بأهل المدينة الذين تكلموا في علي والذين كانوا مع علي في الغزو. رابعاً: (وهو الأهم): لفظ (مولى) لا يخدم النظرية الإمامية، والاستشهاد بلفظ (مولى) على معنى الوصاية والوزارة جهل باللغة العربية، فإنّ الولاية بالفتح هي ضد العداوة والاسم منها (مولى، ووليّ)، والولاية بكسر الواو هي الإمارة، والاسم منها (والي ومتولي) والموالاة ضد المعاداة، كقوله تعالى ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ (٢) وقال ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْض﴾ (٣) والآيات في هذا المعنى كثيرة (٤). ورسول الله ﵌ فصيح بليغ ولو أراد من الحديث معنى الإمامة كما يفهمها الشيعة الإثنا عشرية لصرّح بذلك بأنسب عبارة وأوضح تعبير دون استخدام لفظ بعيد عن معنى الإمامة والولاية ويحتمل أكثر من معنى، كل معنى من تلك المعاني أبعد ما يكون عن مدلول الإمامة.

стр. 308

ولمّا كان مقصود رسول الله ﵌ هو الشهادة لعلي بن أبي طالب بأنه يستحق الموالاة والنصرة ظاهراً وباطناً استخدم رسول الله ﵌ لفظ (مولى) في مكانه للدلالة على ذلك. فلو كان ما ذكره ﵌ في غدير خم بلاغاً للناس كافة لذكره في حجة الوداع التي اجتمع فيها المسلمون كافة تقريباً، ولو أنه ذكره في حجة الوداع لكان من اللازم أن يصرّح بأنّ علياً هو الإمام من بعده بكل بوضوح، فليست تلك الكلمات صعبة على النبي ﵌ كي يتفوه بها بدلاً من عبارة (من كنت مولاه فعلي مولاه). ولعله مما يؤكد ذلك هو تتمة حديث الغدير وهي بحد ذاتها تفسير لما أُشكل في الحديث ففي تتمة الحديث قول النبي ﵌: (اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه) فبيّن النبي ﵌ بهذه العبارة أنّ المراد بالتولي هنا ولاء المحبة والنصرة. خامساً: فهم صحابة رسول الله للنص: فالصحابة لم يفهموا من حديث الغدير المعنى الذي يذهب إليه الشيعة الإثنا عشرية بل إنّ أقرب الناس إلى الإمام علي كأبي أيوب الأنصاري ومن معه من الأنصار قد فهموا أنّ المراد بالمولى أو الولي هو (الحب والولاء والطاعة) ولذلك عبّروا عن طاعتهم وإجلالهم لسيد أهل البيت علي بن أبي طالب بمناداته (يا مولانا). فعن رياح الحارث قال: جاء رهط إلى علي بالرحبة فقالوا: السلام عليك يا مولانا، فقال: كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟ قالوا: سمعنا رسول الله ﵌ يقول يوم غدير خم (من كنت مولاه فهذا مولاه)، قال رياح: فلما مضوا اتبعتهم فسألت من

стр. 309

هؤلاء؟ قالوا: نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري (١). إنّ أهم ما يُستفاد من هذا الحديث هو أنّ علي بن أبي طالب نفسه لم يكن يفهم من لفظ (مولى) معنى الإمامة والإمارة! فمن الملاحظ أنّ الإمام علياً قد استنكر منهم مناداته بـ (يا مولانا) ظناً منه أنهم يريدون بهذا النداء أنه سيدهم وهم عبيده كنحو مناداة العبد الأعجمي لسيده، فسألهم متعجباً: (كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟) فأخبروه بمرادهم من هذه العبارة. ومن الواضح في كلام الإمام علي أنه كان بعيداً عن ربط كلمة (المولى) بالإمارة، فهو عربي فصيح يدرك أنّ لفظ (مولى) لا يمكن بحال من الأحوال أن يراد به الإمارة. أما الأنصار فالأمر بالنسبة لهم طبيعي، فعلي بن أبي طالب ﵁ هو الرجل الذي أمر النبي ﵌ بحبه ونصرته، ولذلك عبّروا عن حبهم ونصرتهم وولائهم لعلي بن أبي طالب ﵁ بهذه الكلمات. ولقد رأينا الأنصار الذين رووا حديث الغدير وعملوا بمضمونه فنادوا الإمام بـ (يا مولانا) تطبيقاً لمعنى الحديث الشريف، هم الذين وقفوا جنباً إلى جنب مع الإمام علي في حربه ضد أهل الشام، في حين أنهم لم يجدوا أدنى حرج في تنصيب أبي بكر الصدّيق ﵁ خليفة على المسلمين. ولو كانوا قد فهموا من الحديث معنى الإمامة لكانوا هم أول من سلّم الإمامة لعلي فالإمامة ستخرج من أيديهم لا محالة إما لأبي بكر وإما لعلي، ولا مصلحة لهم تقتضي أن ينكروا حق علي وهم يعلمونه من رسول الله.

стр. 310

سادساً: روت كتب الفريقين (السنة والشيعة) أقوالاً لبعض أئمة وعلماء أهل البيت ينفون فيها أن يكون المراد بحديث الغدير النص على إمامة علي من بعد رسول الله ﵌. فقد روى الإمام محمد بن عاصم الأصبهاني عن الفضيل بن مرزوق قوله: (سألت عمر ابن علي وحسين بن علي عمّي جعفر (١) فقلت: هل فيكم إنسان من أهل البيت أحد مفترض طاعته تعرفون له ذلك؟ ومن لم يعرف له ذلك فمات، مات ميتة جاهلية؟ فقال: لا والله، ما هذا فينا، من قال هذا فينا فهو كذّاب. قال: فقلت لعمر بن علي: رحمك الله، إنّ هذه منزلة، إنهم يزعمون أنّ النبي ﵌ أوصى إلى علي وأنّ علياً أوصى إلى الحسن، وأنّ الحسن أوصى إلى الحسين وأنّ الحسين أوصى إلى ابنه علي بن الحسين، وأنّ علي بن الحسين أوصى إلى ابنه محمد بن علي. قال: والله لقد مات أبي (٢) فما أوصاني بحرفين، مالهم قاتلهم الله!، إنّ هؤلاء متأكلين بنا هذا خُنيس، وهذا خُنيس الحُرّ، وما خُنيس الحُرّ. قال: قلت له: هذا المعلّى بن خُنيس؟ قال: نعم، المعلّى بن خُنيس، والله لقد أفْكرت على فراشي طويلاً أتعجب من قومٍ لبس الله عقولهم حتى أضلهم المعلّى بن خُنيس (٣).

стр. 311

وقد قيل للإمام الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الذي كان كبير الطالبيين في عهده وكان وصي أبيه وولي صدقة جده: ألم يقل رسول الله: (من كنت مولاه فعلي مولاه؟ فقال: بلى، والله لو يعني بذلك رسول الله ﵌ الإمارة والسلطان لأفصح لهم بذلك، فإنّ رسول الله ﵌ كان أنصح للمسلمين، لقال: (يا أيها الناس هذا ولي أمركم، والقائم عليكم من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا)، والله لئن كان الله ورسوله اختار علياً لهذا الأمر وجعله القائم للمسلمين من بعده ثم ترك علي أمر الله ورسوله لكان علي أول من ترك أمر الله وأمر رسوله) (١). وفي رواية: (أما والله إنّ رسول الله ﵌ لو كان يعني بذلك الإمرة والسلطان، والقيام على الناس بعده لأفصح لهم بذلك، كما أفصح لهم بالصلاة والزكاة وصيام رمضان وحج البيت، ولقال لهم: إنّ هذا ولي أمركم من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا فما كان من وراء هذا شيء، فإنّ أنصح الناس كان للمسلمين رسول الله ﵌ (٢). وكان ابنه الإمام عبد الله يقول: (من هذا الذي يزعم أنّ علياً كان مقهوراً؟ وأنّ رسول الله ﵌ أمره بأمور لم ينفذها؟ فكفى بهذا إزراء على عليّ ومنقصة بأن يزعم قومٌ أنّ رسول الله ﵌ أمره بأمر فلم يُنفذه) (٣).

стр. 312

وكان يقول: (ما لنا في هذا الأمر ما ليس لغيرنا) (١) نافياً أن تكون الإمامة حقاً لأهل البيت أو لبعضهم دون سائر الناس فضلاً عن كونها من الله تعالى. فإذا كان هذا كلام أهل البيت وهم أبناء علي والناصرون له، فما ترى غيرهم يقولون؟ سابعاً: قرأت كلاماً نفيساً للباقلاني ﵀ في شأن هذا الحديث يقول فيه: (إنّ ما أثبته لنفسه ﵌ من كونه أولى بهم ليس هو من معنى ما أوجبه لعلي بسبيل لأنه قال: (من كنت مولاه فعلي مولاه)، فأوجب الموالاة لنفسه ولعلي وأوجب لنفسه كونه أولى بهم من أنفسهم وليس معنى أولى من معنى (مولى) في شيء، لأنّ قوله (مولى) يحتمل في اللغة وجوهاً ليس فيها معنى (أولى) فلا يجب إذا عُقّب كلام بكلام ليس من معناه أن يكون معناهما واحداً. ألا ترون أنه لو قال: ألست نبيكم والمخبر لكم بالوحي عن ربكم وناسخ شرائع من كان قبلكم؟ ثم قال: فمن كنت مولاه فعلي مولاه، لم يوجب ذلك أن يكون قد أثبت لعلي من النبوة وتلقي الوحي ونسخ الشرائع على لسانه ما أوجبه في أول الكلام لنفسه ولا أمر باعتقاد ذلك فيه من حيث ثبت أنه ليس معنى نبي معنى مولى فكذلك إذا ثبت أنه ليس معنى أولى معنى مولى لم يجب أن يكون قد أثبت لعلي ما أثبته لنفسه وإنما دخلت عليهم الشبهة من حيث ظنوا أنّ معنى مولى معنى أولى وأحق، وليس الأمر كذلك. وعلى أنه لو ثبت أنّ معنى (مولاه) معنى (أولى) وإن كان محتملاً لوجوه أُخر، لم يجب أن يكون المراد بقوله (فمن كنت مولاه فعلي مولاه): من كنت أولى به، وإن نُسق بعض الكلام

стр. 313

على بعض وكان ظاهره يقتضي ذلك لدليل صرفه عما يقتضيه وهو أنّ الأمة مجمعة على أنّ النبي صلوات الله وسلامه عليه أوجب ما أوجبه بقوله (ما كنت مولاه فعليّ مولاه) في وقت وقوع هذا القول في طول أيام حياة النبي ﵌ فلو كان إنما أثبت له الولاية عليهم وجعله أولى بهم وألزمهم طاعته والانقياد لأوامره لوجب أن يكون قد أثبته إماماً وأوجب الطاعة له آمراً وناهياً فيهم مع وجوده سائر مدته ﵌ فلما أجمعت الأمة على فساد ذلك وإخراج قائله من الدين، ثبت أنه لم يرد به (فمن كنت مولاه): من كنت أولى به، ولم يرد بقوله (فعلي مولاه) أنه أولى به. ويدل على ذلك أيضاً ويؤكده ما يروونه من قول عمر: (أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن) (١) فأخبر أنه قد ثبت كونه مولى له ولكل مؤمن فلم ينكر ذلك النبي ﵌ فدلّ على أنه قد أثبت له في ذلك الوقت ما أثبته لنفسه وليس هو الولاية عليهم ولزوم طاعتهم له فهذه دلالة تصرف الكلام عن مقتضاه لو كان معنى (مولى) معنى (أولى) وكان نسق الكلام يقتضي ذلك، فسقط ما تعلقوا به (٢).

стр. 314

فإن قالوا: فما معنى مولى عندكم؟ وما الذي أثبته النبي ﵌ بهذا الكلام لعليّ وقصد به؟ قيل لهم: أما معنى (مولى) فإنه يتصرف على وجوه: فمنها المولى بمعنى الناصر، ومنها المولى بمعنى ابن العم، ومنها المولى بمعنى الموالي المحب، ومنها المولى بمعنى المكان والقرار، ومنها المولى بمعنى المعتق المالك للولاء، ومنها المولى بمعنى المعتق ومنها المولى بمعنى الجار، ومنها المولى بمعنى الصهر، ومنها المولى بمعنى الحليف، فهذا جميع ما يحتمله قوله (مولى)، وليس من معنى هذه اللفظة أنّ المولى إمام واجب الطاعة، قال تعالى في المولى بمعنى الناصر ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِين﴾ (١) يعني ناصره. وقال الأخطل: فأصبحت مولاها من الناس كلهم ... وأحرى قريش أن تُهاب وتُحمدا أي فأصبحت ناصرها وحامي ذمارها. وأما المولى بمعنى ابن العم فمشهور، قال الله تعالى ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَاءِي﴾ (٢) يعني بني العم، قال الفضيل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب يخاطب بني أمية: مهلاً بني عمنا مهلاً موالينا ... لا تُنبتوا بيننا ما كان مدفونا لا تحسبوا أن تُهينونا ونُكرمكم ... وأن نكف الأذى عنكم وتُؤذونا

стр. 315

الله يعلم أنا لا نُحبكم ... ولا نلومكم ألا تحبونا وأما المولى بمعنى المُعتق والمُعتق، فأظهر من أن يُكشف، يُقال: فلان مولى فلان يعني مُعتقه ومالك ولائه، وفلان مولى فلان يراد به مُعتق له، وأما المولى بمعنى الموالى المُحب فظاهر في اللغة، يُقال فلان مولى فلان أي محب له وولي له، وقد روي في قول النبي ﵌: (مُزينة وجُهينة وأسلم وغِفارُ وأشجع موالٍ، ليس لهم مولى دون الله ورسوله) (١) أي مُحبون موالون لهما. وأما المولى بمعنى الجار فمعروف في اللغة، قال مربع بن دعدعة، وكان جاور كُليب بن يربوع فأحسنوا جواره: جزى الله خيراً والجزاء بكفّه ... كُليب بن يربوع وزادهم حمدا هم خلطونا بالنفوس وألجموا ... إلى نصر مولاهم مسومة جُردا أي إلى نصر جارهم. وأما المولى بمعنى الصهر فمعروف أيضاً، قال أبو المختار يزيد بن قيس الكلابي في ظلامته إلى عمر في أمرائه: فلا تنسينّ النافعين كليهما ... وهذا الذي في السوق مولى بني بدر وكان الرجل صهراً لبني بدر. وأما المولى بمعنى الحليف فمذكور أيضاً، قال بعض الشعراء: موالي حلف لا موالي قرابة ... ولكن قطيناً يعصرون الصنوبرا

стр. 316

فأما ما قصد به النبي ﵌ بقوله: (من كنت مولاه، فعلي مولاه)، فإنه يحتمل أمرين: أحدهما: من كنت ناصره على دينه وحامياً عنه بظاهري وباطني وسري وعلانيتي فعلي ناصره في نصره الدين والمؤمنين سواء والقطع على سريرته وعلو رتبته، وليس يُعتقد ذلك في كل ناصر للمؤمنين بظاهره، لأنه قد ينصر الناصر بظاهره طلب النفاق والسمعة وابتغاء الرفد ومتاع الدنيا، فإذا أخبر النبي ﵌ أنّ نُصرة بعض المؤمنين في الدين والمسلمين كنصرته هو ﵌ قُطع على طهارة سريرته وسلامة باطنه وهذه فضيلة عظيمة) (١). ثامناً: وردت في روايتين عبارة (وهو وليكم من بعدي) بزيادة (بعدي) عن سائر الروايات، وفي سندي هاتين الروايتين كلٌّ من (جعفر بن سليمان) و (أجلح الكندى)، فأما (أجلح الكندي) فقد قال فيه الإمام أحمد: أجلح ومجالد متقاربان في الحديث وقد روى الأجلح غير حديث منكر، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي يُكتب حديثه ولا يُحتج به، وقال النسائي: ضعيف ليس بذاك وكان له رأي سوء، وقال أبو داود: ضعيف، وقال ابن سعد: كان ضعيفاً جداً، وقال العقيلي: روى عن الشعبي أحاديث مضطربة لا يُتابع عليها، وقال ابن حبان: كان لا يدري ما يقول جعل أبا سفيان أبا الزبير (٢). وأما (جعفر بن سليمان) فقد اختلف فيه علماء الجرح والتعديل إلا أنّ للحافظ الذهبي عبارة أراها والله أعلم أوسط الأقوال في جعفر حيث يقول (فإنّ جعفراً قد روى أحاديث من

стр. 317

مناقب الشيخين ﵄، وهو صدوق في نفسه، وينفرد بأحاديث عُدّت مما يُنكر واختُلف في الاحتجاج بها، منها: حديث أنس: إنّ رجلاً أراد سفراً فقال: زوّدوني. ومنها حديث: لينتهينّ أقوام عن رفع أبصارهم عند الدعاء في الصلاة .. الخ) (١). فجعفر بن سليمان قد أخذ عليه انفراده بأحاديث مُنكرة، فلا عجب أن تكون زيادة (من بعدي) من مناكيره. ومما يؤيد ذلك أنّ زيادة (بعدي) لم تذكر في كل طرق الحديث سوى طريق هذين الراويين (جعفر بن سليمان والأجلح الكندي). ولو فرضنا صحة الزيادة المذكورة فإنها تخالف التفسير الشيعي لقوله تعالى ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُون﴾ لأنّ الآية – وفقاً للمفهوم الشيعي الإثني عشرية – قد أثبتت إمامة علي بن أبي طالب في حياة رسول الله ﵌ فما فائدة النص على إمامته من بعد الرسول وقد نُص عليها في حياته؟!

стр. 318

ب - حديث الاستخلاف على المدينة واستدل الشيعة الإثنا عشرية بما أخرجه النسائي في خصائص عليّ عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: (لما غزا رسول الله ﵌ غزوة تبوك خلّف علياً كرم الله وجهه في المدينة، قالوا فيه: ملّه وكره صحبته، فتبع عليّ ﵁ النبي ﵌ حتى لحقه في الطريق، قال: يا رسول الله خلفتني بالمدينة مع الذراري والنساء، حتى قالوا: ملّه وكره صحبته؟ فقال النبي ﵌: يا عليّ إنما خلّفتك على أهلي، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي) (١). قال عبد الحسين شرف الدين في "المراجعات": (ولا يخفى ما فيه من الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة، على أنّ علياً ولي عهده، وخليفته من بعده، ألا ترى كيف جعله ﵌ وليه في الدنيا والآخرة؟ آثره بذلك على سائر أرحامه، وكيف أنزله منه منزلة هارون من موسى؟ ولم يستثن من جميع المنازل إلا النبوة، واستثناؤها دليل على العموم) (٢). المناقشة: أقول: إن جاز أن يُستدل بهذا الحديث على الخلافة فلتعلم أيها القارئ أنّ في هذا الحديث عجباً .. فالحديث إن أُريد أن يُستدل به على الإمامة والخلافة فسيكون من أبرز الأدلة على أحقية أبي بكر الصدّيق بالخلافة!! ستقول لي: كيف ... وستتعجب من قولي، ومن حقك ذلك، فالحديث في الظاهر لا دخل له في أبي بكر من قريب ولا بعيد، لكن التأمل فيه بدقة سيأتيك بما لم يخطر على بالك من قبل.

стр. 319

إن سألتك مجرد سؤال: من كان الخليفة بعد موسى ﵇؟ فستجيبني قائلاً: يوشع ﵇. لكن من هو يوشع ﵇؟ هو صاحب موسى ﵇ ورفيق هجرته (١) الذي ذهب معه للقاء الخضر ﵇ كما بينت ذلك سورة الكهف وحكى ذلك المفسرون من أهل السنة ومن الشيعة الإثني عشرية. وأبو بكر الصديق كان كذلك (صاحب رسول الله ورفيق هجرته)، والخلافة لم تحصل لهارون ﵇ الذي تربطه بموسى ﵇ رابطة النسب وإنما حصلت ليوشع ﵇ صاحب موسى ﵇ ورفيق دربه. فاستخلاف هارون ﵇ كان مؤقتاً لفترة ذهاب موسى ﵇ لمناجاة ربه في الطور، بينما كانت الخلافة من بعد موسى ﵇ تامة ليوشع ﵇. وكذلك الحال في أبي بكر وعلي. قال الإمام القرطبي: (لا خلاف أنّ النبي ﷺ لم يُرِد بمنزلة هارون من موسى الخلافة بعده، ولا خلاف أنّ هارون مات قبل موسى ﵉، وما كان خليفة بعده، وإنما كان الخليفة يوشع بن نون، فلو أراد بقوله: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" الخلافة، لقال: أنت مني بمنزلة يوشع من موسى، فلما لم يَقُل هذا دل على أنه لم يُرِد

стр. 320

هذا، وإنما أراد أني استخلفتك على أهلي في حياتي وغيبوبتي عن أهلي كما كان هارون خليفة موسى على قومه لما خرج إلى مناجاة ربه) (١). فهارون ﵇ قد مات قبل موسى ﵇ فلا يصح في الأذهان أن يشبّه النبي ﵌ علياً ﵁ بهارون ﵇ إذ ما أراد النص على خلافته من بعده لأنّ هارون ﵇ لم يخلف موسى ﵇ سوى زمناً يسيراً عند ذهاب موسى ﵇ إلى الطور وهو ما يتوافق بشكل واضح مع استخلاف النبي ﵌ الإمام علي على أهله في المدينة للذهاب إلى تبوك، فمن أين أتت فكرة الاستخلاف العام؟! وللمفيد (٢) كلام جميل في الرد على فرقة (الفطحية) (٣) الشيعية من المهم أن نسلّط عليه الضوء.
следующие страницы →