فأما ما قصد به النبي ﵌ بقوله: (من كنت مولاه، فعلي مولاه)، فإنه يحتمل أمرين: أحدهما: من كنت ناصره على دينه وحامياً عنه بظاهري وباطني وسري وعلانيتي فعلي ناصره في نصره الدين والمؤمنين سواء والقطع على سريرته وعلو رتبته، وليس يُعتقد ذلك في كل ناصر للمؤمنين بظاهره، لأنه قد ينصر الناصر بظاهره طلب النفاق والسمعة وابتغاء الرفد ومتاع الدنيا، فإذا أخبر النبي ﵌ أنّ نُصرة بعض المؤمنين في الدين والمسلمين كنصرته هو ﵌ قُطع على طهارة سريرته وسلامة باطنه وهذه فضيلة عظيمة) (١).
ثامناً: وردت في روايتين عبارة (وهو وليكم من بعدي) بزيادة (بعدي) عن سائر الروايات، وفي سندي هاتين الروايتين كلٌّ من (جعفر بن سليمان) و (أجلح الكندى)، فأما (أجلح الكندي) فقد قال فيه الإمام أحمد: أجلح ومجالد متقاربان في الحديث وقد روى الأجلح غير حديث منكر، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي يُكتب حديثه ولا يُحتج به، وقال النسائي: ضعيف ليس بذاك وكان له رأي سوء، وقال أبو داود: ضعيف، وقال ابن سعد: كان ضعيفاً جداً، وقال العقيلي: روى عن الشعبي أحاديث مضطربة لا يُتابع عليها، وقال ابن حبان: كان لا يدري ما يقول جعل أبا سفيان أبا الزبير (٢).
وأما (جعفر بن سليمان) فقد اختلف فيه علماء الجرح والتعديل إلا أنّ للحافظ الذهبي عبارة أراها والله أعلم أوسط الأقوال في جعفر حيث يقول (فإنّ جعفراً قد روى أحاديث من
стр. 317
مناقب الشيخين ﵄، وهو صدوق في نفسه، وينفرد بأحاديث عُدّت مما يُنكر واختُلف في الاحتجاج بها، منها:
حديث أنس: إنّ رجلاً أراد سفراً فقال: زوّدوني.
ومنها حديث: لينتهينّ أقوام عن رفع أبصارهم عند الدعاء في الصلاة .. الخ) (١).
فجعفر بن سليمان قد أخذ عليه انفراده بأحاديث مُنكرة، فلا عجب أن تكون زيادة (من بعدي) من مناكيره.
ومما يؤيد ذلك أنّ زيادة (بعدي) لم تذكر في كل طرق الحديث سوى طريق هذين الراويين (جعفر بن سليمان والأجلح الكندي).
ولو فرضنا صحة الزيادة المذكورة فإنها تخالف التفسير الشيعي لقوله تعالى ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُون﴾ لأنّ الآية – وفقاً للمفهوم الشيعي الإثني عشرية – قد أثبتت إمامة علي بن أبي طالب في حياة رسول الله ﵌ فما فائدة النص على إمامته من بعد الرسول وقد نُص عليها في حياته؟!
стр. 318
ب - حديث الاستخلاف على المدينة
واستدل الشيعة الإثنا عشرية بما أخرجه النسائي في خصائص عليّ عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: (لما غزا رسول الله ﵌ غزوة تبوك خلّف علياً كرم الله وجهه في المدينة، قالوا فيه: ملّه وكره صحبته، فتبع عليّ ﵁ النبي ﵌ حتى لحقه في الطريق، قال: يا رسول الله خلفتني بالمدينة مع الذراري والنساء، حتى قالوا: ملّه وكره صحبته؟ فقال النبي ﵌: يا عليّ إنما خلّفتك على أهلي، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي) (١).
قال عبد الحسين شرف الدين في "المراجعات": (ولا يخفى ما فيه من الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة، على أنّ علياً ولي عهده، وخليفته من بعده، ألا ترى كيف جعله ﵌ وليه في الدنيا والآخرة؟ آثره بذلك على سائر أرحامه، وكيف أنزله منه منزلة هارون من موسى؟ ولم يستثن من جميع المنازل إلا النبوة، واستثناؤها دليل على العموم) (٢).
المناقشة: أقول: إن جاز أن يُستدل بهذا الحديث على الخلافة فلتعلم أيها القارئ أنّ في هذا الحديث عجباً .. فالحديث إن أُريد أن يُستدل به على الإمامة والخلافة فسيكون من أبرز الأدلة على أحقية أبي بكر الصدّيق بالخلافة!!
ستقول لي: كيف ... وستتعجب من قولي، ومن حقك ذلك، فالحديث في الظاهر لا دخل له في أبي بكر من قريب ولا بعيد، لكن التأمل فيه بدقة سيأتيك بما لم يخطر على بالك من قبل.
стр. 319
إن سألتك مجرد سؤال: من كان الخليفة بعد موسى ﵇؟ فستجيبني قائلاً: يوشع ﵇.
لكن من هو يوشع ﵇؟
هو صاحب موسى ﵇ ورفيق هجرته (١) الذي ذهب معه للقاء الخضر ﵇ كما بينت ذلك سورة الكهف وحكى ذلك المفسرون من أهل السنة ومن الشيعة الإثني عشرية.
وأبو بكر الصديق كان كذلك (صاحب رسول الله ورفيق هجرته)، والخلافة لم تحصل لهارون ﵇ الذي تربطه بموسى ﵇ رابطة النسب وإنما حصلت ليوشع ﵇ صاحب موسى ﵇ ورفيق دربه.
فاستخلاف هارون ﵇ كان مؤقتاً لفترة ذهاب موسى ﵇ لمناجاة ربه في الطور، بينما كانت الخلافة من بعد موسى ﵇ تامة ليوشع ﵇.
وكذلك الحال في أبي بكر وعلي.
قال الإمام القرطبي: (لا خلاف أنّ النبي ﷺ لم يُرِد بمنزلة هارون من موسى الخلافة بعده، ولا خلاف أنّ هارون مات قبل موسى ﵉، وما كان خليفة بعده، وإنما كان الخليفة يوشع بن نون، فلو أراد بقوله: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" الخلافة، لقال: أنت مني بمنزلة يوشع من موسى، فلما لم يَقُل هذا دل على أنه لم يُرِد
стр. 320
هذا، وإنما أراد أني استخلفتك على أهلي في حياتي وغيبوبتي عن أهلي كما كان هارون خليفة موسى على قومه لما خرج إلى مناجاة ربه) (١).
فهارون ﵇ قد مات قبل موسى ﵇ فلا يصح في الأذهان أن يشبّه النبي ﵌ علياً ﵁ بهارون ﵇ إذ ما أراد النص على خلافته من بعده لأنّ هارون ﵇ لم يخلف موسى ﵇ سوى زمناً يسيراً عند ذهاب موسى ﵇ إلى الطور وهو ما يتوافق بشكل واضح مع استخلاف النبي ﵌ الإمام علي على أهله في المدينة للذهاب إلى تبوك، فمن أين أتت فكرة الاستخلاف العام؟!
وللمفيد (٢) كلام جميل في الرد على فرقة (الفطحية) (٣) الشيعية من المهم أن نسلّط عليه الضوء.
стр. 321
يقول المفيد: (أما الفطحية فالحجة عليها أوضح من أن تخفى لأنّ اسماعيل مات قبل أبي عبد الله ﵇، والميت لا يكون خليفة الحي وإنما يكون الحي خليفة الميت، ولكن القوم عملوا على تقليد الرؤساء وأعرضوا عن الحجة وما في بابها، وهذا أمر لا يحتاج فيه إكثار لأنه ظاهر الفساد، بيّن الانتقاد) (١).
أقول: والكلام ذاته يُقال للشيعة الإثني عشرية، فهارون ﵇ قد مات قبل موسى ﵇، والميت لا يكون خليفة للحي وإنما يكون الحي خليفة الميت، فكيف جاز للشيعة أن يستدلوا بهذا الحديث على كون علي بن أبي طالب خليفة لرسول الله؟! لكن القوم عملوا على تقليد الرؤساء وأعرضوا عن الحجة وما في بابها.
ثانياً: الحديث المذكور له سبب هام لا ينبغي أن يُغفل وأن يُفهم الحديث دونه، وقد ورد السبب الذي من أجله قال رسول الله ﵌ هذا الحديث النبوي الشريف عند الفريقين السنة والشيعة.
وحسبي هاهنا أن أكتفي بروايات شيعية ذكرت السبب لئلا يظن ظان أنّ روايات أهل السنة قد جاءت بما لم تأت به روايات الشيعة.
يقول المفيد في كتابه "الإرشاد": (فلما بلغ أمير المؤمنين (ع) إرجاف المنافقين به أراد تكذيبهم وإظهار فضيحتهم فلحق بالنبي ﵌ فقال: يا رسول الله إنّ المنافقين يزعمون أنك إنما خلفتني استثقالاً ومقتاً، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله:
стр. 322
ارجع يا أخي إلى مكانك، فإنّ المدينة لا تصلح إلا بي أو بك، فأنت خليفتي في أهلي ودار هجرتي وقومي أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) (١).
وقد روى الطوسي روايات كثيرة في هذا المعنى منها ما رواه أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﵌ لعلي بن أبي طالب (ع) في غزوة تبوك اخلفني في أهلي. فقال علي: يا رسول الله، إني أكره أن يقول العرب خذل ابن عمه، وتخلف عنه، فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، قال: بلى، قال فاخلفني) (٢).
ورويت كذلك الحادثة بهذا النص (وغزونا تبوك مع رسول الله ﵌ فودع علي النبي ﵌ على ثنية الوداع وبكى، فقال له النبي ﵌ ما يبكيك، فقال: كيف لا أبكي ولم أتخلف عنك في غزاة منذ بعثك الله، فما بالك تخلفني في هذه الغزاة فقال له النبي ﵌ أما ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، فقال علي (ع) بل رضيت) (٣).
وفي "الأمالي ص٣٠٧" كذلك من حديث عامر بن سعد عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول لعلي (ع) ثلاثاً، فلأن تكون لي واحدة منهن أحب إليّ من حمر النعم سمعت رسول الله ﵌ يقول لعلي، وخلفه في بعض مغازيه فقال: يا رسول الله، تخلفني مع النساء والصبيان، فقال رسول الله ﵌ أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي).
стр. 323
وروى محمد بن سليمان الكوفي في "مناقب الإمام أمير المؤمنين (ع) " عن أسماء أنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب خرج مع رسول الله ﵌ حتى إذا جاء ثنية الوداع وهو يريد تبوك وعلي يبكي ويقول: يا رسول الله، أتجعلني مع الخوالف؟ فقال رسول الله ﵌: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس بعدي نبي؟) (١).
وقد أشار لذلك الطبرسي في "إعلام الورى" فقال: (فلما انتهى إلى الجرف لحقه علي وأخذ بغرز رحله وقال: يا رسول الله، زعمت قريش أنك خلفتني استثقالاً مني، فقال طالما آذت الأمم أنبياءها، أما أن ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، فقال: قد رضيت فرجع إلى المدينة، وقدم رسول الله تبوك في شعبان يوم الثلاثاء) (٢).
فكل هذه الروايات والمصادر الشيعية تؤكد وتقرر حقيقة أنّ قول النبي ﵊ (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) إنما هو ترضية للإمام علي لما طعن واستخف به المنافقون.
ثالثاً: لقد استخلف النبي ﵌ على المدينة غير الإمام علي بن أبي طالب (٣) فليس مجرد الاستخلاف على المدينة يجعل المستخلف خليفة على المسلمين من بعد رسول الله ﵌.
стр. 324
فقد (سافر النبي ﵌ من المدينة قريباً من ثلاثين سفرة وهو يستخلف فيها من يستخلفه كما استخلف في غزوة الأبواء (سعد بن عبادة) واستخلف في غزوة بواط (سعد بن معاذ) ثم لما رجع وخرج في طلب كرز بن جابر الفهري استخلف (زيد بن حارثة). واستخلف في غزوة العشيرة (أبا سلمة بن عبد الأشهل) وفي غزوة بدر استخلف (ابن أم مكتوم) واستخلف (أبا لبابة) في غزوة بني قينقاع وغزوة السويق واستخلف (عثمان بن عفان) في غزوة غطفان التي يُقال لها غزوة أنمار، واستخلفه في غزوة ذات الرقاع، واستخلف (ابن رواحة) في غزوة بدر الموعد واستخلف (سباع بن عرفطة الغفاري) في غزوة دومة الجندل وفي غزوة خيبر، واستخلف (زيد بن حارثة) في غزوة المريسيع، واستخلف (أبا رهم) في عمرة القضية) (١).
أضف إلى ذلك أنّ استخلاف عليّ على المدينة لم يكن الأخير فقد استخلف النبي ﵌ على المدينة في حجة الوداع غير عليّ، بينما نجد في المقابل أنّ النبي ﵌ أمّر أبا بكر على الحج، واختصه أيضاً بإمامة الصلاة وحده، ولم يكن اختصاصه بسبب قرابة أو لأجل استرضائه، كما كان مع عليّ، بل اختصاص مطلق من أجل الفضيلة والاستحقاق فحسب.
رابعاً: ورد عند السنة والشيعة تشبيه رسول الله ﵌ أبا بكر وعمر ﵄ بنوح وإبراهيم وموسى وعيسى ﵈، فإن كان في تشبيه النبي ﵌ علي بن أبي طالب ﵁ بهارون ﵇ ما يفيد المعنى الذي
стр. 325
يريده الشيعة فماذا يقولون في تشبيه أبي بكر وعمر بأولي العزم من الرسل الذين هم بلا شك أفضل من هارون ﵇؟
روى شيخ الطائفة الطوسي في كتابه "الأمالي" عن ابن مسعود قوله: لما كان يوم بدر وأُسرت الأسرى، قال رسول الله ﵌: ما ترون في هؤلاء القوم؟ فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله هم الذين كذّبوك وأخرجوك فاقتلهم، ثم قال أبو بكر: يا رسول الله هم قومك وعشيرتك ولعلّ الله يستنقذهم بك من النار، ثم قال عبد الله بن رواحة: أنت بواد كثير الحطب، فاجمع حطباً فالهب فيه ناراً وألقهم فيه، فقال العباس بن عبد المطلب: قطعك رحمك، قال: ثم إنّ رسول الله ﵌ قام فدخل وأكثر الناس في قول أبي بكر وعمر، فقال بعضهم: القول ما قال أبو بكر، وقال بعضهم: القول ما قال عمر، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ما اختلافكم يا أيها الناس في قول هذين الرجلين: إنما مثلهما مثل إخوة لهما ممن كان قبلهما: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ﵈، قال نوح ﴿رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً﴾ (١) وقال ابراهيم ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيم﴾ (٢) وقال موسى ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيم﴾ (٣) وقال عيسى ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ (٤)(٥).
стр. 326
ويُلاحظ في صيغة تشبيه النبي ﵌ أبي بكر وعمر بالأنبياء أنها أقوى من صيغة تشبيه علي بهارون ﵇، فالتشبيه في قوله ﵇ (بمنزلة) أقل درجة في التشبيه من كلمة (مثل) التي هي أساس التمثيل والتشبيه في اللغة العربية.
стр. 327
جـ - حديث الطائر
ومن أهم أدلة الشيعة الإمامية في موضوع الإمامة ما رواه الحاكم في "المستدرك" عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنت أخدم رسول الله ﵌، فقُدّم لرسول الله ﵌ فرخ مشوي فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير)، قال: فقلت: اللهم اجعله رجلاً من الأنصار، فجاء علي ﵁ فقلت: إنّ رسول الله ﵌ على حاجة ثم جاء فقال رسول الله ﵌ (افتح، فدخل، فقال رسول الله ﵌: ما حبسك يا علي؟
فقال: إنّ هذه آخر ثلاث كرّات يردني أنس، يزعم أنك على حاجة، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقلت: يا رسول الله، سمعت دعاءك، فأحببت أن يكون رجلاً من قومي، فقال رسول الله ﵌: (إنّ الرجل قد يحب قومه) (١).
روي هذا الحديث بأسانيد لا تخلو من ضعف، ولعل من الملفت للنظر في الحديث إضافة إلى ضعف أسانيده هو كثرة الروايات المسندة إلى أنس بن مالك ﵁ ومع ذلك عدم صحة سند واحد منها وهو أمر يدعو للعجب والدهشة!
فأين أصحاب أنس عن هذا الحديث وقد صحبوه السنين الطوال؟ لم نر أي واحد منهم قد روى هذا الحديث، وهم أوثق الناس وأضبطهم رواية عن أنس ﵁ كأمثال الحسن البصري وثابت البناني وحميد الطويل وحبيب بن أبي ثابت وبكر بن عبد الله المزني وأسعد بن سهل بن حنيف، وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة وأبان بن صالح وإبراهيم بن
стр. 328
ميسرة وغيرهم كثير ممن يروي عن أنس ولا يُعرف عن أحد هؤلاء الثقات طريق ثابت لهذا الحديث! وهذا ما دعا كثيراً من الحفاظ إلى الحكم بضعف أو كذب هذا الحديث، منهم:
١ - القاضي أبو بكر الباقلاني
ذكر ابن كثير في "البداية والنهاية ٧/ ٣٥٤" ما نصه (ثم وقفت على مجلد كبير في رده وتضعيفه – أي حديث الطير – سنداً ومتناً للقاضي أبي بكر الباقلاني المتكلم).
٢ - أبو يعلى الخليلي صاحب الإرشاد:
نقل عنه ابن حجر في التهذيب (١/ ٣٠٣ - ٣٠٤) قوله: (ما روى حديث الطير ثقة، رواه الضعفاء مثل إسماعيل بن سلمان الأزرق وأشباهه)، زاد محقق الخصائص النسائي (ص٣٥) نقلاً عن الخليلي في الإرشاد قوله: (ويرده جميع أئمة الحديث).
٣ - محمد بن طاهر المقدسي
قال عن حديث الطير: (كل طرقه باطلة معلولة) (١)
٤ - محمد بن ناصر السلامي:
نقل عنه ابن الجوزي في "المنتظم ٧/ ٢٧٥" قوله عن حديث الطير: (حديث موضوع إنما جاء من سقّاط أهل الكوفة، عن المشاهير والمجاهيل، عن أنس وغيره).
٥ - ابن الجوزي
ذكر الحديث في "العلل المتناهية ١/ ٢٢٥ - ٢٣٤" وقال: (قد ذكره ابن مردويه من نحو عشرين طريقاً كلها مظلم، وفيها مطعن، فلم أر الإطالة بذلك).
стр. 329
٦ - أبو العباس ابن تيمية
قال في "منهاج السنة ٤/ ٩٩": (حديث الطائر من المكذوبات والموضوعات عند أهل العلم والمعرفة بحقائق النقل).
٧ - جمال الدين الزيلعي
ذكر المباركفوري في "تحفة الأحوذي ١٠/ ٢٢٤" أنّ الزيلعي قال في نصب الراية (كم من حديث كثرت رواته وتعددت طرقه، وهو حديث ضعيف كحديث الطير).
٨ - الفيروز أبادي صاحب القاموس
نقل الشوكاني في "الفوائد المجموعة ص٣٨٢" عنه قوله عن هذا الحديث: (له طرق كثيرة كلها ضعيفة) (١).
ولعل من الأمور المستنكرة في الحديث والتي تؤكد عدم صحة نسبته إلى رسول الله ﵌ هو ما يطرحه الحديث ذاته من معنى، إذ إنّ أكل الطير ليس فيه أمر عظيم يناسب أن يجيء أحب الخلق إلى الله ليأكل منه، فإنّ إطعام الطعام مشروع للبر والفاجر، وليس في ذلك زيادة وقربة عند الله لهذا الأكل، ولا معونة على مصلحة دين ولا دنيا، فأي أمر عظيم هنا يناسب جعل أحب الخلق إلى الله يفعله؟!
وكذلك يُقال إما أن يكون النبي ﵌ يعرف أنّ علياً أحب الخلق إلى الله أو ما كان يعرف، فإن كان يعرف ذلك، كان يمكنه أن يرسل يطلبه، كما كان يطلب الواحد من الصحابة أو يقول: اللهم ائتني بعليّ فإنه أحب الخلق إليك.
стр. 330
فأي حاجة إلى الدعاء والإبهام في ذلك والشخص معروف؟! ولو سمّى علياً لاستراح أنس من الرجاء الباطل، ولم يغلق الباب في وجه علي (١).
يضاف إلى ذلك معارضة حديث الطائر لأحاديث صحيحة ثابتة أجمع المحدّثون والحفّاظ على صحتها.
يبيّن هذا كل من تأمل ما في الصحيحين عن رسول الله ﵌ أنه قال: (لو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلاً) (٢)، وهذا الحديث مستفيض بل متواتر عند أهل العلم بالحديث، فإنه قد أُخرج في الصحاح من وجوه متعددة من حديث ابن مسعود وأبي سعيد وابن عباس وابن الزبير، وهو صريح في أنه لم يكن من أهل الأرض أحد أحب إليه من أبي بكر، فإنّ الخلة هي كمال الحب، وهذا لا يصلح إلا لله، فإذا كانت ممكنة ولم يصلح لها إلا أبو بكر، عُلم أنه أحب الناس إليه (٣).
وكون علياً محبوباً عند النبي ﵊ لا يعني أنه الإمام من بعده، ولا يعني كذلك أنّ إمامته من الله، فالمحبة شيء والخلافة شيء آخر، وعند هذه النقطة سنقف وقفة جديرة بالاهتمام.
فهذا الإمام جعفر الصادق عُرف عنه أنه كان أحب أبنائه إليه هو إسماعيل وأكثرهم قرباً إلى نفسه.
стр. 331
يقول الشيخ عباس القمي في كتابه "منتهى الآمال ص٢٠٧": (وكان إسماعيل أكبر إخوته – أي أكبر إخوة موسى -، وكان أبو عبد الله ﵇ شديد المحبة له والبر به والإشفاق عليه وكان قوم من الشيعة يظنون أنه القائم من بعد أبيه والخليفة من بعده، إذ كان أكبر إخوته سناً، ولميل أبيه إليه وإكرامه له).
وقد احتار الشيعة آنذاك في هذه المسألة ... كيف يكون الإمام هو موسى في حين أنّ إسماعيل هو أحب الأبناء إلى أبيه (١).
فجاء نص صريح وجميل جداً ليضع النقاط على الحروف في هذه المسألة وهو ما رواه الكليني بسنده عن الإمام موسى الكاظم أنه حدّث ابن سليط عن رغبته في أن تكون الإمامة لابنه القاسم قائلاً: (ولو كان الأمر إليّ لجعلته في القاسم ابني لحبّي إيّاه ورأفتي عليه ولكن ذلك إلى الله ثم ذكر لابن سليط رؤيا منام رأى فيها النبي ﵌ يخبره بخروج الأمر منه إلى ابنه قائلاً: (والأمر قد خرج منك إلى غيرك، فقلت – أي الإمام الكاظم -: يا رسول الله أرنيه أيّهم هو؟ فقال رسول الله ﵌: (ما رأيت من الأئمة أحداً أجزع على فراق هذا الأمر منك ولو كانت الإمامة بالمحبة لكان إسماعيل أحب إلى أبيك منك ولكن ذلك من الله ..) (٢).
стр. 332
ولذلك من يستدل على الإمامة بالمحبة يغالط نفسه، فهو يرتضي مبدأ المحبة ليجعل علياً إماماً من دون الناس، ثم يقف عند إمامة إسماعيل ومحبة أبيه جعفر الصادق له فيدير لها ظهره، ويقول بإمامة موسى متناسياً أنّ المحبة دليل على الإمامة!
ودين الله لا يحكمه المزاج، يكون بالمحبة تارة وبالتنصيب الإلهي تارة أخرى فإما أن تكون المحبة دليلاً على الإمامة أو لا تكون.
стр. 333
د - حديث الدار
ومن أهم الأحاديث التي يستدل بها الشيعة الاثنا عشرية على نصية الإمامة حديث الدار حيث يرى الشيعة أنّ رسول الله ﵌ نص على إمامة علي منذ بداية البعثة وأثناء عرضه الإسلام على كفار مكة ومنذ مطالبته إياهم بترك الأوثان وإفراد الواحد القهّار بالعبادة!
وفيما يلي نص الرواية: (لما نزلت هذه الآية على رسول الله ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِين﴾ (١) دعاني رسول الله ﵌ فقال: يا علي، إنّ الله أمرني أن أنذر عشيرتك الأقربين فضقت بذلك ذرعاً وعرفت أني متى أباديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره، فصمتُّ عليها حتى جاءني جبريل، فقال: يا محمد، إنك إن لم تفعل ما تؤمر به يعذِّبك ربك، فاصنع لنا صاعاً من طعام واجعل عليه رحل شاة، واملأ لنا عُسّاً من لبن، ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أكلّمهم وأُبلّغهم ما أُمرت به، ففعلت ما أمرني به، ثم دعوتهم له، وهم يومئذ أربعون رجلاً، يزيدون رجلاً أو ينقصون، فيهم أعمامه: أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم، فجئت به، فلما وضعته تناول رسول الله حِذيةً (٢) من اللحم فشقّها بأسنانه، ثم ألقاها في نواحي الصحفة
ثم قال: خذوا باسم الله فأكل القوم حتى ما لهم بشيء حاجة، وما أرى إلا موضع أيديهم وايم الله الذي نفس علي بيده، وإن كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدمت لجميعهم، ثم قال: اسق القوم، فجئتهم بذلك العُس فشربوا حتى رووا منه جميعاً، وايم الله إن كان الرجل
стр. 334
الواحد منهم ليشرب مثله فلما أراد رسول الله ﵌ أن يكلّمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال: لَهَدّ ما (١) سحركم صاحبكم! فتفرّق القوم ولم يكلّمهم رسول الله، فقال: الغد يا علي، إنّ هذا الرجل سبقني إلى ما قد سمعت من القول فتفرّق القوم قبل أن أكلّمهم فعِد لنا من الطعام بمثل ما صنعت، ثم اجمعهم إليّ.
قال: ففعلت، ثم جمعتهم ثم دعاني بالطعام فقرّبته لهم ففعل كما فعل بالأمس فأكلوا حتى ما لهم بشيء حاجة، ثم قال: اسقهم فجئتهم بذلك العُسّ فشربوا حتى رووا منه جميعاً، ثم تكلّم رسول الله فقال: يا بني عبد المطلب، إني والله ما أعلم شابّاً في العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم.
قال: فأحجم القوم عنها جميعاً وقلت: وإني لأحدثهم سناً وأرمصهم (٢) عيناً وأعظمهم بطناً وأحمشهم ساقاً (٣) أنا يا رسول الله أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي، ثم قال: إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا، فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع) (٤).
وفي سياق آخر (... وبدرهم رسول الله ﵌ الكلام فقال: أيكم يقضي عني ديني ويكون خليفتي في أهلي؟ قال: فسكتوا وسكت العباس خشية أن يحيط ذلك
стр. 335
بماله، قال: وسكت أنا لسِن العباس، ثم قالها مرة أخرى فسكت العباس، فلما رأيت ذلك قلت: أنا يا رسول الله، قال: أنت؟ قال: وإني يومئذ لأسوأهم هيئة وإني لأعمش العينين ضخم البطن خمش الساقين) (١).
أقول: وحديث الدار المذكور آنفاً باطل سنداً ومتناً، فأما سنداً ففيه عبد الغفار بن القاسم وعبد الله بن عبد القدوس، فأما عبد الغفار بن القاسم فهو متروك لا يُحتج به، قال عنه علي بن المديني: كان يضع الحديث، وقال يحيى بن معين: ليس بشيء، وروى عباس بن يحيى: ليس بشيء، وقال البخاري: ليس بالقوي عندهم (أي عند علماء الجرح والتعديل)، وقال عنه ابن حبان: (يقلّب الأخبار ولا يجوز الاحتجاج به، تركه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين) (٢) وقال النسائي: متروك الحديث (٣).
وليس عبد الله بن عبد القدوس بأحسن حالاً من سابقه بل هو مجروح أيضاً عند عامة علماء الحديث، قال النسائي: ليس بثقة، وقال الدارقطني: ضعيف (٤).
وأما من ناحية المتن فالحديث واضح البطلان لأسباب وهي:
١ـ في الحديث أنّ بني عبد المطلب (هم يومئذ أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصونه) والتاريخ يشهد أنهم لم يبلغوا العشرين رجلاً فضلاً عن الأربعين!
стр. 336
(فإنّ بني عبد المطلب لم يُعقِب منهم كما هو معلوم إلا أربعة: العبّاس، وأبو طالب والحارث، وأبو لهب. وجميع ولد عبد المطلب من هؤلاء الأربعة وهم بنو هاشم، ولم يدرك النبوة من عمومته إلا أربعة: العباس وحمزة وأبو طالب وأبو لهب، وأما العمومة وبنو العمومة فأبو طالب كان له أربعة بنين: طالب وعقيل وجعفر وعليّ.
وأما العباس فبنوه كلهم صغار، إذ لم يكن فيهم بمكة رجل، وهَبْ أنهم كانوا رجالاً فهم: عبد الله وعبيد الله والفضل، وأما قثم فوُلد بعدهم، وأكبرهم الفضل، وبه كان يكنَّى، ولم يُولد للعباس في حياة النبي ﵌ إلا الفضل وعبد الله وعُبيد الله، وأما سائرهم فوُلدوا بعده.
وأما الحارث بن عبد المطلب وأبو لهب فبنوهما أقل، والحارث كان له ابنان: أبو سفيان وربيعة، وبنو أبي لهب ثلاثة ذكور، فأسلم منهم اثنان: عتبة ومعتب (١)(٢).
٢ـ رواية الدار المذكورة آنفاً معارضة برواية أخرى اتفق أهل الحديث على صحّتها وثبوتها فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن عباس ﵄ قال (لمّا نزلت ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِين﴾. صعد النبي ﵌ على الصّفا، فجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عدِي، لبطون قريش، حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش فقال: أرأيتكم أنّ خيلاً بالوادي تريد أن تُغير عليكم أكنتم مصدقِّي، قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقاً، قال: فإنِّي نذير
стр. 337
لكم بين يديْ عذابٍ شديدٍ، فقال أبو لهب: تباًّ لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا، فنزلت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾) (١).
٣ـ الشيعة الإثنا عشرية طالماً ادعوا النص الصريح على خلافة عليّ وأنه هو الوصي والمستحق الوحيد لهذا المنصب، وأنّ النصوص متظافرة في إثبات ذلك، وهذا الحديث يدحض قولهم، إذ فيه أنّ النبي ﵌ دعا قومه لنصرته وأنّ من يقبل نصرته فسيصبح أخاه ووصيه وخليفته من بعده ولم يخص علياً بذلك بل وأعرض عنه ثلاث مرات، ولمّا لم يجد ناصراً غير عليّ قال له ما قال، وهذا يعني أنّ علياً لا يستحق هذا المنصب ابتداءً، وأنّ النبي ﵌ اضطر مع إحجام قومه أن يجعل هذا الأمر في عليّ، فهل يتوافق هذا مع ما يدّعيه الشيعة الإثنا عشرية من أنّ علياً منصوص عليه من السماء؟!
٤ـ لقد جعل النبي ﵌ هذا المنصب من نصيب من يؤازره على هذا الأمر وهو الإسلام والنطق بالشهادتين، وأنا أتساءل هل مجرد إسلام الشخص ونطقه بالشهادتين يستحق به أن يصبح وزيراً ووصياً وخليفة الرسول ﵌؟!
ومعنى ذلك أيضاً أنّ جميع من أسلم وآزر النبي ﵌ على هذا الأمر يستحق أن يصبح خليفة له، فأي ميزة لعلي عن جميع من أسلم حتى يصبح وصي وخليفة الرسول صلى الله عليه وآله بعد ذلك؟ ثم لو فرضنا أنّ اثنين أو أكثر من قومه أجابوه إلى
стр. 338
ذلك، فهل سيكون للنبي صلى الله عليه وآله ثلاثة خلفاء في وقت واحد؟! أم سيجري انتخابات لترشيح واحدٍ منهم (١)؟!
٥ـ لو كانت الآية قد نزلت بشأن تنصيب عليّ إماماً على المسلمين، فما السر في إجلاس النبي ﵌ علياً أكثر من مرة كلما قام معلناً تأييده له؟! أكان ينتظر من غيره أن يقوم مقامه؟ ولماذا يأمل ذلك من غيره وهو الإمام المنصوص عليه من الله؟!
ثم أين أبو طالب من هذا كله؟ فأبو طالب عند الشيعة الإثني عشرية كان مسلماً موحداً بل إنّ المسلمين مجمعون على أنه كان (مؤازراً للنبي ﵌ ومحامياً عنه) فأين هو من حديث الدار؟ ولماذا أحجم عن مساندة النبي ﵌ وعن هذا الفضل العظيم؟
كيف وقد ذكر القمي في "تفسيره" والمجلسي في "بحاره" أنه (نزلت النبوة على رسول الله ﵌ يوم الإثنان، وأسلم علي ﵇ يوم الثلاثاء، ثم أسلمت خديجة بنت خويلد زوجة النبي صلى الله عليه وآله، ثم دخل أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وآله وهو يصلّي وعلي بجنبه وكان مع أبي طالب جعفر، فقال له أبو طالب: صلِ جناح ابن عمّك، فوقف جعفر على يسار رسول الله صلى الله عليه وآله، فبدر رسول الله صلى الله عليه وآله من بينهما، فكان يصلّي رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي وجعفر وزيد بن حارثة وخديجة إلى أن أنزل الله عليه ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَر﴾) (٢).
стр. 339
فالمسألة لا تقف حينئذ عند أبي طالب بل تتعداه إلى جعفر ابنه أيضاً، فأين الإثنان من واقع حديث الدار؟!
٦ - تزعم الرواية الأولى أنّ النبي ﵌ قال لعلي بعدما أحجم القوم عن مؤازرته (إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم) وليس من بعدي!
فأي وجه للدلالة على إمامة علي بعد وفاة النبي ﵊؟
فإنه يصح أن يستخلف الرجل أحداً على قومه أو أهله وهو حي كما استخلف النبي أحد صحابته على المدينة عند ذهابه إلى مكة لأداء مناسك الحج، فالحديث يذكر (خليفتي فيكم) وليس (خليفتي من بعدي) والفرق واضح.
أما الرواية الثانية فتوضح بأنّ المراد الاستخلاف على أهله لا الناس جميعاً، وفي تفسير الحديث يقول الإمام ابن كثير: (ومعنى قوله في هذا الحديث من يقضي عني ديني ويكون خليفتي في أهلي يعني إذا مت، وكأنه ﷺ خشي إذا قام بإبلاغ الرسالة إلى مشركي العرب أن يقتلوه فاستوثق من يقوم بعده بما يصلح أهله ويقضي عنه، وقد أمنه الله من ذلك في قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاس﴾ الآية) (١).
ثم إنّ في الرواية ما نصه: (فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع)؟!
стр. 340
وأنا أتساءل متعجباً، كيف يقول النبي ﵌ لقومٍ رفضوا مؤازرته ونصرته بل وحاربوه: (هذا خليفتي فاسمعوا له وأطيعوا؟!)، هم أنفسهم لم يطيعوا النبي المرسل فهل سيطيعون صبياً صغيراً؟!
ولو فرضنا أنّ النص كان كالتالي: (إنّ هذا أخي وخليفتي من (بعدي)) وليس (فيكم) كما في الرواية الثانية، فهل هم أطاعوا النبي في الحاضر حتى يطيعوا خليفته من بعده؟! كأنّ الخطاب لجمع من المسلمين وليس لجمع من رؤوس الكفر!
سبحان الله حتى المشركون أكثر فهماً من هؤلاء الذي يستدلون بالحديث على معنى الإمامة، لذلك خرجوا يضحكون على مثل هذا الكلام العجيب، ويقولون لأبي طالب، قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع!
٧ - ذكر المجلسي في "بحار الأنوار" روايتين مهمتين في وصية النبي ﵌ قُبيل وفاته، وهما تثبتان بما لا يدع مجالاً للشك بأنّ حديث الدار لا يدل من قريب ولا بعيد على النص على الإمام علي.
فروى عن الإمام زيد بن علي ﵇ قال: لما حضرت رسول الله صلى الله عليه وآله الوفاة ورأسه في حجر علي ﵇، والبيت غاصّ بمن فيه من المهاجرين والأنصار والعباس قاعد قدّامه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا عبّاس، أتقبل وصيّتي وتقضي ديني وتنجز موعدي؟ فقال: إني امرؤ كبير السن، كثير العيال، لا مال لي، فأعادها عليه ثلاثاً كل ذلك يردها عليه، فقال رسول الله: سأعطيها رجلاً يأخذها بحقّها لا يقول مثل ما تقول ثم قال: يا علي، أتقبل وصيتي وتقضي ديني وتنجز موعدي؟ قال: فخنقته العبرة، ولم يستطع أن يجيبه، ولقد رأى رأس رسول الله صلى الله عليه وآله يذهب ويجيء في حجره، ثم أعاد
стр. 341
عليه فقال له علي ﵇: نعم، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فقال: يا بلال، ائت بدرع رسول الله ﵌، فأتى بها، ثم قال: يا بلال، ائت براية رسول الله صلى الله عليه وآله فأتى بها، ثم قال: يا بلال، ائت ببغلة رسول الله بسرجها ولجامها فأتى بها، ثم قال: يا علي، قم فاقبض هذا بشهادة من في البيت من المهاجرين والأنصار، كي لا ينازعك فيه أحد من بعدي، قال: فقام علي ﵇ حتى استودع جميع ذلك في منزله، ثم رجع) (١).
وفي رواية الإمام جعفر الصادق عن أبيه عن جده أنه قال: لما حضرت رسول الله صلى الله عليه وآله الوفاة دعا العباس بن عبد المطلب وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ فقال للعباس: يا عمّ محمد، تأخذ تراث محمد وتقضي دينه وتنجز عداته؟ فردّ عليه وقال: يا رسول الله، أنا شيخ كبير، كثير العيال، قليل المال، من يطيقك وأنت تباري الريح؟ قال: فأطرق ﵇ هنيئة ثم قال: يا عباس، أتأخذ تراث رسول الله وتنجز عداته، وتؤدّي دينه؟ فقال: بأبي أنت وأمي، أنا شيخ كبير، كثير العيال، قليل المال، من يطيقك وأنت تباري الريح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أما أنا سأعطيها من يأخذ بحقها، ثم قال: يا علي يا أخا محمد، أتنجز عداة محمد وتقضي دينه وتأخذ تراثه؟ قال: نعم بأبي أنت وأمي) إلى آخر الرواية (٢).
فمن الواضح– على فرض صحة حديث الدار- أنّ النبي ﵌ لم يعنِ بقضاء الدين وإنجاز العدة وأخذ تراثه ﵊ الخلافة أو الإمامة من بعده
стр. 342
وإنما أراد بذلك المعنى الحرفي لتلك الكلمات، ولهذا أمر بلالاً كما في الروايتين أن يُعطي علياً ﵁ الراية والدرع والمغفر والدواب وما أشبهها.
وكل هذا منصوص عليه في الروايتين.
كما أنّ الإمامة لو كانت من الله تعالى فهل يُعقل أن يعرضها النبي ﵌ على غير من نصّ الله تعالى عليه؟!
فيعرضها على العباس في حديث الدار مرة وقُبيل وفاته ﵊ مرة أخرى!
هذا إذا أعرضنا عن رواية خطيرة جداً ذكرها الشيخ الرضي في "خصائص الأئمة ص٧٨" عن الإمام الحسن بن علي ﵉ قال: حدثني أمير المؤمنين ﵇ قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وآله، ودعا الناس في مرضه، فقال: من يقضي عني ديني وعداتي ويخلفني في أهلي وأمتي من بعدي؟ (١) فكف الناس عنه، وانتدبت له، فضمنت ذلك فدعا لي بناقته العضباء، وبفرسه المرتجز، وببغلته، وحماره، وسيفه، وذي الفقار، وبدرعه ذات الفضول، وجميع ما كان يحتاج إليه في الحرب) إلى آخر الرواية.
فهذه الرواية - رغم التحفظ على مضمونها – تثبت أنّ الخلافة والإمامة من بعد رسول الله ﵌ ليست بالنص بدليل عرض النبي ﵌ إياها على الناس إلى جانب قضاء دينه والاستخلاف على الأهل.
والإمام علي كما في الرواية يقول وبكل صراحة: (فكف الناس عنه، وانتدبت له، فضمنت ذلك)، ولسائل أن يسأل: لو أنّ العباس أو غيره من الصحابة انتدب وضمن ذلك، أيتصور حينها الشيعة الإثني عشرية أنّ الإمامة ستنتقل إليه؟
стр. 343
٨ - لم يصح في شأن الدار حديث كما بيّنتُ لكن أقوى ما ورد من الروايات في هذا الباب روايتان:
الأولى: ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن عبّاد بن عبد الله الأسدي عن علي بن أبي طالب قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِين﴾ قال: جمع النبي ﵌ من أهل بيته، فاجتمع ثلاثون، فأكلوا وشربوا، قال: فقال لهم: (من يضمن عني ديني ومواعيدي، ويكون معي في الجنة، ويكون خليفتي في أهلي؟) فقال رجل – لم يسمِّه شريك: يا رسول الله، أنت كنت بحراً، من يقوم بهذا؟! قال: ثم قال لآخر، قال: فعرض ذلك على أهل بيته، فقال علي: أنا) (١).
والحديث ضعيف كما هو معلوم لضعف شريك بن عبد الله النخعي وعبّاد بن عبد الله الأسدي، لكنه أقوى سنداً بل متناً من الحديث الذي يستدل به علماء الشيعة الإثني عشرية عادة.
والثانية: رواها الإمام أحمد في مسنده عن ربيعة بن ناجذ عن علي ﵁ أنه قال: (جمع رسول الله ﵌ أو دعا رسول الله ﵌ بني عبد المطلب فيهم رهط كلهم يأخذ الجذعة ويشرب الفرق، قال: فصنع لهم مُداً من طعام فأكلوا حتى شبعوا، قال: وبقي الطعام كما هو كأنه لم يُمس ثم دعا بغمر فشربوا حتى رووا وبقي الشراب كأنه لم يُمس أو لم يُشرب، فقال: يا بني عبد المطلب، إني بُعثت إليكم خاصة وإلى الناس عامة، وقد رأيتم من هذه الآية ما رأيتم، فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي؟ قال: فلم يقم إليه أحد، قال: فقمت وكنت أصغر القوم، قال: فقال: اجلس، ثم
стр. 344
قال ثلاث مرات، كل ذلك أقوم إليه، فيقول لي: اجلس، حتى كان في الثالثة ضرب بيده على يدي) (١).
والروايتان على ضعفهما توضحان أنّ النبي ﵌ قد عرض على قرابته أمراً لا دخل له بالخلافة أو الإمامة بمفهومها الشيعي الإثني عشري، فقد عرض على من يبايعه ويسانده أن يكون معه في الجنة وأن يكون خليفته على أهله عند موته ﵊ أو خروجه خارج أرضه، وكان ﵊ مستعداً لقبول أي شخص من بني عبد المطلب لا علي بن أبي طالب تحديداً كما يريد الشيعة الإثنا عشرية تصوير الأمر ولذلك ردّه ثلاث مرات لأنه يريد غيره، فلما أن رأى منهم الخذلان، ضرب بيده على يد علي ابن أبي طالب ﵁، فهل يرضى الشيعة الإثنا عشرية بما تشير إليه الروايات؟
стр. 345
هـ - حديث (علي مني وأنا من علي)
ومن الأدلة التي استدل بها الشيعة الإثنا عشرية أيضاً على إمامة علي بن أبي طالب ﵁ ما رواه أبو إسحاق السبيعي عن حُبْشُي بن جُنادة ﵁ أنّ رسول الله ﵌ قال: (عليٌّ مني وأنا من عليٍّ ولا يُؤَدّي عَنّي إلا أنا أو علي) (١).
وقد ذكر محمد طاهر الشيرازي أنّ دلالة هذا الحديث على إمامة علي بن أبي طالب ﵁ ظاهرة (لأنا لا نريد بالإمامة إلا المؤدي عن الرسول القائم مقامه، فحصر التأدية فيه يفيد بطلان إمامة غيره) (٢).
المناقشة: أولاً: الحديث المذكور اختُلِف في ثبوته، فإنّ الحديث مداره على أبي إسحاق السبيعي وهو مدلّس مشهور، يُكثر التدليس عن الضعفاء، فإذا صرّح بالتحديث فحديثه صحيح وإن لم يصرّح بالتحديث فإنه يُتوقف في قبول حديثه مع ما عُلِم من اختلاطه بآخره.
والحديث المذكور رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" وأحمد بن حنبل في "مسنده" والطبراني في"المعجم الكبير" وابن أبي عاصم في "السنة" كلهم عن أبي إسحاق السبيعي معنعناً، وانفرد النسائي في "فضائل الصحابة" و"السنن الكبرى" بروايته الحديث عن أبي إسحاق مصرّحاً بالتحديث، لكن حديث النسائي من طريق إسرائيل حفيد أبي إسحاق السبيعي وهو حافظ ثقة لكنه لم يرو عن جده إلا بعد اختلاطه (٣).
стр. 346
وزاد الأستاذ أبو مريم الأعظمى على ما ذكرناه: (أنّ الحديث جاء بلفظ آخر وهو: (عليّ مني وأنا من عليّ ولا يقضي ديني إلاّ أنا أو عليّ) عند الإمام أحمد (٤/ ١٦٤) والطبراني في (الكبير) (٣٥١٢) وقد رواه بهذا اللفظ عن أبي إسحاق حفيده إسرائيل وهو حافظ ثقة وقيس بن الربيع، ورواه عن إسرائيل يحيى بن أبي بكير وهو ثقة من رجال الصحيحين فتبقى فيه علة أبي إسحاق السبيعي فقط، وليس اللفظ الأول بأولى بالقبول من اللفظ الآخر هذا بالنسبة لحديث حبشي. إلاّ أن ما يرجح اللفظ الثاني وهو (عليّ مني وأنا من عليّ ولا يقضي ديني إلاّ أنا أو عليّ) أنّ له شواهد من حديثين آخرين غير حبشي، وهو حديث أنس عند البزار (ص٢٦٨) ولفظه: (عليّ يقضي ديني)، وحديث سعد بن أبي وقاص عند البزار أيضاً (ص٢٦٦) والنسائي في (الخصائص) (ص٣) بلفظ: (هذا وليّ ويؤدي عني ديني وأنا موالي من والاه ومعادي من عاداه). وهذا الحديثان وإن كان في إسناديهما مقال وضعف إلاّ أنهما يصلحان شاهدين للفظ الثاني من حديث حبشي وترجيحه على اللفظ الأول، فإن كان يمكن أن يصح حديث حبشي فبهذا اللفظ فقط: (عليّ منيّ وأنا من عليّ ولا يقضي ديني إلاّ أنا أو عليّ). وهو ما فعله المحدّث الشيخ الألباني فصحح هذا اللفظ في (الصحيحة) (١٩٨٠) ومنه استفدنا هذا التصحيح) (١).
ثانياً: صدْر الحديث ثابت من وجه آخر وهو حديث البراء بن عازب ﵁ في قصة تنازع علي وزيد وجعفر على كفالة ابنة حمزة، وفيه أنّ النبي ﷺ قال
стр. 347
لعلي: «أنت مني وأنا منك» والحديث في الصحيحين، لكن هذه الفضيلة ليست من فضائل علي التي اختُصّ بها عن غيره من الصحابة.
فقد قال النبي ﵌ في الأشعريين: (إنّ الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قلّ طعامُ عيالِهِم بالمدينة، جمعوا ما كان عِندهم في ثوبٍ واحدٍ، ثمّ اقتسَمُوهُ بينهم في إناءٍ واحدٍ، بالسّوِيَّة، فهُم مِنّي وأنا مِنْهُمْ) (١) فذكر فيهم العبارة ذاتها التي ذكرها في الإمام علي.
وخصّ بها رجلاً من أصحابه هو جُليبيب ﵁ كذلك.
فعن أبي برزة ﵁ أنّ النبي ﵌ كان في مغزى له (٢)، فأفاء الله عليه، فقال لأصحابه: هل تفقِدون من أحدٍ؟ قالوا: نعم، فلاناً وفلاناً وفلاناً، ثم قال: هل تفقِدون من أحدٍ؟ قالوا: نعم، فلاناً وفلاناً وفلاناً، ثم قال: هل تفقِدون من أحدٍ؟
قالوا: لا، قال: لكنّي أفقد جُليبيباً فاطلبوه، فطُلِبَ في القتلى، فَوَجدُوهُ إلى جَنْبِ سَبْعةٍ قد قَتَلَهُمْ ثم قَتَلوهُ، فأتى النبي ﵌ فوقف عليه، فقال: قَتَلَ سَبْعَةً ثمّ قَتلُوهُ، هذا مِنّي وأنا مِنْه، هذا مِنّي وأنا مِنه) (٣)
فإن كان في حديث (علي مني وأنا من علي) أو حديث (أنت مني وأنا منك) ما يفيد معنى الإمامة لكانت الأحاديث التي ذكرت جليبيب والأشعريين تفيد المعنى ذاته فكانت الخلافة فيهم وربما في أعقابهم!
стр. 348
ثالثاً: على فرض ثبوت زيادة (ولا يؤدي عني إلا علي) المذكورة في الحديث فإنه يُقال: إنّ العبارة مبهمة، لم يُنص فيها على المؤدى عن النبي ﵌ ما هو؟
ومن المحال أن يعني بها النبي ﵌ أنه لا يبلّغ عنه الدين مطلقاً إلا علي ﵁، فإنّ ذلك معارض لأصل عظيم من أصول الدين وهو وجوب نشر العلم وتبليغه كما قال ﵊: (نضّر الله عبداً سمع مقالتي هذه فحملها، فرُبّ حامل الفقه فيه غير فقيه ورب حامل الفقه إلى من هو أفقه منه) (١) بل ومعارضٌ لما تواتر من كونه ﵌ قد بعث غير عليِّ ﵁ إلى الناس لتبليغهم تعاليم الدين فقد بعث النبي ﵌ معاذ بن جبل ﵁ إلى اليمن، وبعث مصعب بن عمير ﵁ إلى أهل المدينة قبل مقدمه ﵌، وغيرهم كثير.
ولكن المراد هو تأدية أمر مخصوص وهو نبذ العهد مع المشركين وإعلان البراءة منهم كما دلت على ذلك بعض الأحاديث بمجموعها.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: (روى الترمذي وحسّنه وأحمد من حديث أنس قال: بعث النبي ﵌ براءة مع أبي بكر ثم دعا علياً فأعطاها إياه وقال: (لا ينبغي لأحد أن يبلّغ هذا إلا رجل من أهلي) وهذا يوضّح قوله في الحديث الآخر (لا يبلغ عني) ويُعرف منه أنّ المراد خصوص القصة المذكورة لا مطلق التبليغ) (٢).
стр. 349
وقال في موضع آخر: (ولهذا قال العلماء: إنّ الحكمة في إرسال عليّ بعد أبي بكر أنّ عادة العرب جرت بأن لا ينقض العهد إلاّ من عقده أو من هو منه بسبيل من أهل بيته، فأجراهم في ذلك على عادتهم، ولهذا قال: (لا يبلغ عني إلاّ أنا أو رجل من أهل بيتي) (١).
وقال المباركفوري في "تحفة الأحوذي ١٠/ ١٥٢": ((ولا يؤدي عني) أي نبذ العهد (إلا أنا أو علي) كان الظاهر أن يُقال لا يؤدي عني إلا علي فأدخل (أنا) تأكيداً لمعنى الاتصال في قوله (علي مني وأنا منه)، قال التوربشتي: كان من دأب العرب إذا كان بينهم مقاولة في نقض وإبرام وصلح ونبذ عهد أن لا يُؤدي ذلك إلا سيد القوم أو من يليه من ذوي قرابته القريبة ولا يقبلون ممن سواهم فلما كان العام الذي أمر رسول الله ﷺ أبا بكر ﵁ أن يحج بالناس رأى بعد خروجه أن يبعث علياً كرم الله وجهه خلفه لينبذ إلى المشركين عهدهم ويقرأ عليهم سورة براءة وفيها ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٢) إلى غير ذلك من الأحكام فقال قوله هذا تكريماً له بذلك).
стр. 350
و - أحاديث الإثني عشر إماماً
يحتج الشيعة الإمامية الإثنا عشرية في تحديدهم عدد الأئمة (بإثني عشر رجلاً من آل البيت) بما جاء في صحيح البخاري عن جابر بن سمرة قال: (يكون إثنا عشر أميراً - فقال: كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنه قال: كلهم من قريش) (١).
وفي مسلم عن جابر قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: (لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة) ثم قال كلمة لم أفهمها، فقلت لأبي: ما قال؟ فقال: (كلهم من قريش) (٢).
وعند أبي داود ونصه كالتالي: (لا يزال هذا الدين قائماً حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم تجتمع عليهم الأمة) (٣).
وبالتأمل في النصوص بكل حيادية وموضوعية نلاحظ عدة أمور من شأنها أن تفنّد مثل هذا الاستدلال.
أولاً: عندما درست الحديث السابق دراسة وافية فتتبعت طرقه وألفاظه للوقوف على معناه وجدت أنّ الحديث قد ذُكر بالألفاظ التالية:
(لا يزال هذا الأمر صالحاً حتى يكون اثنا عشر أميراً) (٤).
стр. 351
وفي رواية أخرى (لا يزال هذا الأمر ماضياً حتى يقوم اثنا عشر أميراً) (١) وفي رواية أخرى (لا يزال هذا الأمر قائماً حتى يمضي اثنا عشر أميراً) (٢).
(إنّ هذا الدين لا يزال عزيزاً إلى اثني عشر خليفة) (٣) وفي رواية أخرى (لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة) (٤).
(لا يزال هذا الدين عزيزاً إلى اثني عشر خليفة) (٥) وفي رواية أخرى (لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة) (٦).
(لا يزال هذا الدين عزيزاً أو قال لا يزال الناس بخير (٧) إلى اثني عشر خليفة) (٨).
وفي رواية أخرى (لا يزال هذا الأمر عزيزاً منيعاً يُنصرون على من ناواهم عليه إلى اثني عشر خليفة) (٩).
(لا يزال هذا الأمر مؤاتى أو مقارباً حتى يقوم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش) (١٠).
стр. 352
(لا يزال هذا الأمر في مسكة وفي علياء حتى يملك اثنا عشر من قريش) (١).
(لا يزال هذه الأمة مستقيم أمرها حتى يكون اثنا عشر خليفة) (٢).
(لا يزال أمر هذه الأمة هادئاً على من ناوأها حتى يكون عليكم اثنا عشر أميراً) (٣).
(لا يزال أمر هذه الأمة ظاهراً حتى يقوم اثنا عشر خليفة) (٤).
(لا يزال هذا الدين ظاهراً على من ناوأه لا يضره مخالف ولا مفارق حتى يمضى من أمتي اثنا عشر أميراً كلهم من قريش) (٥).
وفي رواية أخرى (لا يزال هذا الأمر ظاهراً على من ناوأه لا يضره مخالف ولا مفارق حتى يمضي اثنا عشر خليفة من قريش) (٦).
وفي رواية (لن يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً ظاهراً على من ناوأه لا يضره من فارقه أو خالفه حتى يملك اثنا عشر كلهم من قريش) (٧).
(لا يزال أمر هذه الأمة ظاهراً حتى يقوم اثنا عشر خليفة) (٨).
والناظر لهذه الروايات بصحيحها بل وضعيفها يلاحظ أنها لا تدل على مدح هؤلاء الإثني عشر جزماً بل قد تدل على ذمهم وكون خلافتهم بداية لهوان الأمة وضياع عزها.
стр. 353
ويشهد لهذا أنّ (حتى) و (إلى) تفيدان الغاية وقد جاءتا في كل ألفاظ الحديث تقريباً، فما قبلهما يختلف عما بعدهما، كقوله تعالى ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْر﴾ (١) فما قبل (حتى) يختلف عما بعدها، وعلى هذا يكون ما قبل هؤلاء الأمراء عزة ومنعة وصلاحاً ويكون الذل والفساد من أول توليهم الأمور، كما يكون الإمساك من أول ظهور الفجر فتأمل هذا جيداً.
أما المعنى الآخر المحتمل فهو كون خلافة الإثني عشر هي آخر فترة العزة والمنعة ثم من بعدهم يفشو القتل المعبّر عنه بالحديث بـ (الهرج).
فكما أنّ المرء يقول: أكلت السمكة حتى ذيلها، ويحتمل قوله هذا أنه أكل السمك كلها باستثناء ذيلها، يحتمل أيضاً أنّ المراد بأنه أكل السمكة كلها من أولها إلى آخرها (أي مع ذيلها).
فما الذي جعل الحديث صريحاً في الدلالة على عِظم هؤلاء الإثني عشر بل وجعل الشيعة الإثني عشرية يذهبون إلى أنّ فيه النص على إمامة إثني عشر هم (علي بن أبي طالب والحسن والحسين وتسعة من أبناء الحسين)؟!
ثانياً: إنّ هؤلاء الإثني عشر المشار إليهم في الحديث النبوي قد وُصفوا بأنهم (خلفاء) أو (أمراء) أما الأئمة الإثنا عشر الذين يدّعي الشيعة النص عليهم هم أئمة وعلماء وفضلاء لكنهم ليسوا خلفاء (٢) ولا أمراء إذ لا خليفة بلا خلافة ولا أمير بلا إمارة.
стр. 354
فحينما تناقش عالماً من علماء الشيعة عن إمامة الإمام الصادق مثلاً وتقول له: كيف يكون جعفر الصادق إماماً ولم يكن خليفة؟ فسيجيبك على الفور بأنّ الإمامة منصب إلهي لا يُشترط فيه أن يتولى الإمام الخلافة، لكن المرء لا يكون خليفة إلا بخلافة.
فإذا علمت أنّ الأئمة الإثني عشر الذين يذكرهم الشيعة لم يلِ منهم الخلافة سوى إمامين فقط هما: (علي بن أبي طالب والحسن بن علي) ظهر تهافت وبطلان استدلالهم بالحديث.
ولذا أقول: لو أراد النبي ﵌ النص على إمامة الأئمة الإثني عشر عند الشيعة لقال في حديثه الشريف (اثنا عشر إماماً) أو نصّ على الإثني عشر بأسمائهم بدلاً من قوله: (اثنا عشر أميراً) أو (اثنا عشر خليفة)!
لقد دلّت صيغة الحديث الذي نطق به محمد ﵌ الذي أُوتي جوامع الكلم بكل وضوح على أنّ الإثني عشر في الحديث لا يختصون بالإمام علي وأولاده دون غيرهم، ألا ترى أنه لم يقل النبي أنهم (كلهم من ولد إسماعيل) ولم يقل (كلهم من العرب) وإن كانوا في الحقيقة كذلك، ولكنه ذكر ما يميزهم عن غيرهم وهو القبيلة، فلو امتازوا بأنهم كلهم من أهل البيت أو من أبناء الإمام علي بالذات لذُكروا بذلك فلما جعلهم رسول الله ﵌ من قريش مطلقاً، عُلم أنهم من قريش ولا يختصون ببطن دون آخر، فقد يكون بعضهم من بني أسد أو بني تيم أو بني عدي أو بني زُهرة أو بني هاشم.
ثالثاً: روى الطبراني من طريق أبي الطفيل عامر بن واثلة عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﵌: (إذا ملك اثنا عشر من عمرو بن كعب كان النقف والنقاف إلى يوم القيامة) (١) يعني القتل.
стр. 355
والإسناد ضعيف لكن له متابعة رواها الحافظ نعيم بن حمّاد في "الفتن ١/ ٩٥" عن يحيى ابن سليم (صدوق سيء الحفظ) (١) عن عبد الله بن عثمان بن خثيم (صدوق) عن أبي الطفيل ﵁ عن عبد الله بن عمرو ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﵌: (إذا ملك إثنا عشر من عمرو من كعب كان النقف والنقاف إلى يوم القيامة).
قال ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري ١٣/ ١٨٤": (وفي قوله (من بني كعب بن لؤي) إشارة إلى كونهم من قريش لأنّ لؤياً هو ابن غالب بن فهر وفيهم جماع قريش).
والرواية إن قلنا باعتبارها فهي-كما هو ظاهر- دالة على سوء ملك هؤلاء الإثني عشر وأنّ ملكهم سبب للبأس بين الناس وكثرة الاقتتال والخراب، فتأمل!
فإن قال قائل: إنّ رواية مسروق والتي فيها: (كنا جلوساً عند عبد الله بن مسعود وهو يقرؤنا القرآن فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، هل سألتم رسول الله ﷺ كم تملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال عبد الله بن مسعود: ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك ثم قال: نعم، ولقد سألنا رسول الله ﷺ فقال: (اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل) (٢) تدل على أنّ الإثني عشر فضلاء وأنّ خلافتهم مرضيّة.