← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 14284

ثم أبصرت الحقيقة

محمد سالم الخضر

Полный текст (554 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

عرقٌ بين عينيه وقال: (والذي نفسي بيده، لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله) (١). وما ورد بسند صحيح عن النبي ﵌ أنه قال: (والذي نفسي بيده، لا يبغضنا أهل البيت أحدٌ إلا أدخله الله النار) (٢) أما المسيء منهم المفارق لهدي النبي ﵌ فإنه يُبغض على قدر ضلاله وبعده عن هدي محمد ﵊ إن لم يذهب به ضلاله إلى حد الكفر أو الزندقة فيُوالى الرجل منهم لإسلامه وقرابته ويُبغض لمعصيته وهواه. ولا يقدّم الهاشمي الضال على التقي الصالح من غير بني هاشم، إذ إنّ ميزان التفاضل هو التقوى لا النسب ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٣) والرسول ﵌ يقرر هذه الحقيقة فيقول: (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) (٤) فالنسب لن ينقذ أحداً من الناس ويشفع له عند الله إن أساء العمل وخالف هدي رسول الله ﵌. أما الكافر أو المرتد من (بني هاشم) فلا يُنسب إلى آل بيت النبي ﵌ ولا كرامة، ولا يعني ذلك إنكار قرابته النسبية من رسول الله ﵌ فإنّ

стр. 72

هذه لا يستطيع أحد إنكارها، وإنما المستنكر هو إطلاق مسمى (أهل البيت) -الذي اقترن بالتشريف من رب العالمين -على المرتدين أو الكفار. ولهذا لا يُقال بأنّ أبا لهب وأمثاله من الكفار والمعاندين من آل بيت النبي ﵌ وإن كان (أبو لهب) في الحقيقة هو عم رسول الله ﵌. ومثل هؤلاء يُبغَضون كـ (سائر الكفار) بل أشد، وقد أنزل الله تعالى في أبي لهب (عم رسول الله ﵌ آيات تتلى إلى يوم القيامة لما كفر وعاند وحارب الإسلام وأهله. ولو كان النسب عاصماً أحداً من الضلالة لعصم ابن نوح ﵇ لما ناداه نوح ﵇ ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ﴾ (١) فآثر الغرق على الهدى أو آزر لما قال له ابنه ابراهيم ﵇ ﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً. يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً﴾ (٢) فقابل النصح بالعناد والمكابرة إنّ ديننا قائم على ما وقر في القلب وصدقته الأعمال لا على ما سطرته كتب الأنساب! خصوصية أصحاب الكساء والأزواج وأما القسم الثاني من (آل البيت) فهم أصحاب الكساء (علي وفاطمة والحسن والحسين) وأزواج رسول الله ﵌ وذريته، ويُضاف إليهم كل هاشمي وردت في حقه فضائل خاصة كالعباس وحمزة وجعفر مثلاً، فإنه قد وردت فيهم فضائل خاصة تُميزهم عن سائر بني هاشم.

стр. 73

فلهؤلاء خصوصية لا يشركهم فيها عامة بني هاشم فضلاً عن غيرهم. فأما أهل الكساء فقد برزت خصوصيتهم بقول النبي ﵊ في حديث الكساء (هؤلاء أهل بيتي، وأهل بيتي أحق)، فنص بهذا رسول الله ﵌ على كونهم خاصة أهل بيته وأقربهم إليه، فحرص على تجليلهم بالكساء والدعاء لهم لينالهم التطهير، وسيأتي تفصيل هذا في موضعه من الكتاب. وقد اختارهم دون سائر أهل بيته للمباهلة لأنهم أخص أهل بيته وأقربهم إليه، فخرجوا معه لمباهلة (عبد المسيح) ومن معه من وفد نجران. وأما ذرية النبي ﵌ وأزواجه فلهم خصوصية الصلاة عليهم في (الصلاة الإبراهيمية) التي وردت بعدة صيغ عن النبي ﵌، منها (قولوا اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد) (١). ولأزواج النبي ﵌ مزايا أخرى منها أنّ الله تعالى جعلهن أمهات للمؤمنين وهي أمومة يترتب عليها حرمة الزواج منهن بعد رسول الله ﵌ لأنهن زوجاته في الدنيا والآخرة، ووجوب احترامهن والتأدب معهن. ومن مزاياهن أنّ الله تعالى فضّلهن على سائر نساء المؤمنين، فلهن من المكانة والفضل وعلو المقام والرتبة ما ليس لغيرهن من النساء كما قال الله تعالى ﴿يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ (٢).

стр. 74

وقد شرفهن الله تعالى بتلاوة آياته والحكمة في بيوتهن فقال ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً﴾ (١). ولمكانتهن من رسول الله ﵌ ومن المسلمين جعل الله تعالى الأجر لهن مضاعفاً إِنْ عملن صالحاً والعذاب مضاعفاً إن أتين بفاحشة (٢)، فقال عز من قائل ﴿يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَاتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً. وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً﴾ (٣). وقد روى الشيخ الطبرسي (٤) في تفسيره "مجمع البيان ٨/ ١٥٣" عن أبي حمزة الثمالي عن زيد بن علي (ع) أنه قال: (إني لأرجو للمحسن منا أجرين، وأخاف على المسئ منا أن يضاعف له العذاب ضعفين، كما وعد أزواج النبي ﵌. وروى عن علي بن عبد الله بن الحسين عن أبيه عن الإمام علي بن الحسين (زين العابدين) أنه قال له رجل: إنكم أهل بيت مغفور لكم، قال: فغضب وقال: نحن أحرى أن يجري فينا

стр. 75

ما أجرى الله في أزواج النبي ﵌ من أن نكون كما تقول، إنا نرى لمحسننا ضعفين من الأجر ولمسيئنا ضعفين من العذاب. ثم قرأ الآيتين). وروى الإمام محمد بن عاصم الأصبهاني ﵀ عن الفضيل بن مرزوق قال: سمعت (الحسن بن الحسن) أخا (عبد الله بن الحسن) وهو يقول لرجل ممن يغلو فيهم: (ويحكم ... أحبونا لله، فإن أطعنا الله فأحبونا وإن عصينا الله فأبغضونا) ثم قال: (والله إني لأخاف أن يُضاعف للعاصي منا العذاب ضعفين، والله إني لأرجو أن يؤتى المحسن منا أجره مرتين) (١). فهذه روايات ثلاث بأسانيد سنية وشيعية تشير إلى احتساب أئمة آل بيت النبي ﵌ أن يؤتي الله تعالى للمحسن منهم أجره مرتين والمسيء منهم العذاب ضعفين إن أساء العمل. حين ينقلب الحب بغضاً وعداوة .. إنّ حب آل بيت النبي ﵊ وموالاتهم ونصرتهم والذب عنهم معنى إيماني رائع، تجيش له مشاعر المؤمنين الصادقين، طالما بقي الحب حباً إيمانياً شرعياً لا تكدره تحريفات المبطلين. لكنه حين يتعدى حدود الشرع فإنه ينقلب ولا بد بغضاً وعداوة لآل البيت النبوي. ذلك لأنّ التقوّل على الأتقياء الصالحين ونسبة ما يضاد دينهم وأخلاقهم إليهم، لا يُمكن بحال من الأحوال أن يُعتبر حباً وولاء وإنما يُصنّف مباشرة تحت عنوان (البغض والمعاداة)!

стр. 76

ولو جاز لنا أن نسأل المسيح ﵇ على سبيل المثال عن رأيه وموقفه ممن غلا فيه ونسب إليه ما لم يقل – باسم حبه وتوليه – أتراه يصرّح بحب هذا المغالي وتمني الاجتماع به في الجنان عند مليك مقتدر؟ أم يذكره بالسوء ويبرأ إلى الله تعالى منه ومن صنيعه بما أفسد به دين الله وعقائد الناس؟ إنّ أبغض الناس عند المسيح ﵇ هم الذين غالوا فيه وجعلوه نداً لله تارة، وابناً له تارة أخرى، واستبدلوا رسالته التي بُعث من أجلها إلى (مسخ) من عقائد وثنية وضعية أقنعوا أنفسهم والناس بأنها دين المسيح ﵇! وقد أخبر الله تعالى عن موقف المسيح ﵇ من النصارى يوم يدعوه ويسأله ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؟! فيتبرأ قائلاً ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَن اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (١). نعم ... لقد ادعى النصارى ذلك وصنعوا له الروايات، والقصص والأحلام والمنامات. وبنوا الكنائس، وصنعوا الصلبان. وصوروا الصور، ونصبوا التماثيل التي تصور صلب المسيح -الإله! وصرفوا الأموال، وبذلوا الجهود والأوقات. وسفكوا الدماء ... كل ذلك من أجل وهم لا وجود له، ولا دليل عليه. اللهم إلا المتشابهات!

стр. 77

فالحب الذي لا ضابط له هو شؤم على صاحبه وعلى الناس، وإن لم يلجم المؤمن حبه للأخيار بلجام من التقوى والوقوف عند الشرع الحنيف فإنه سيبتعد عن الدين أميال وفراسخ. والحال في أهل البيت لا يختلف كثيراً عن الحال في المسيح ﵇، فأبغض الناس عند أهل البيت ﵈ ليس النواصب الذي جهروا بمعاداتهم ونصبهم، فهؤلاء أعداء واضحون مفضوحون ومخذولون. لكن الخوف كل الخوف من الذي تلبسوا بلباس أهل البيت ونطقوا باسمهم وغالوا فيهم وأسبغوا عليهم صفات الإلوهية، واستبدلوا دعوتهم المستمدة من معين سيدهم محمد ﵌ بدعوة أخرى لا تشترك مع الأولى إلا بالعنوان أو بالشعارات الرنانة! وفي هذا يقول الإمام جعفر الصادق: (لقد أمسينا وما أحد أعدى لنا ممّن ينتحل مودّتنا!) (١). ويقول أيضاً: (إنّ ممن ينتحل هذا الأمر (٢) لمن هو شر من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا!!) (٣). ويقول أيضاً: (ما أنزل الله سبحانه آية في المنافقين إلا وهي فيمن ينتحل التشيع!!) (٤).

стр. 78

إنّ أهل بيت النبي ﵊ لا يتحملون مسؤولية ما أحدثه الناس في زمانهم ومن بعدهم من العقائد والأفكار التي لا تمت إلى عقيدتهم ودينهم وأخلاقهم بصلة، وإنما يتحملها الغلاة وحدهم. وسيسألهم الله تعالى عنها يوم القيامة. .. بل قد يسأل الإمام علي نفسه: أأنت قلت للناس استغيثوا بي عند الشدائد وتناسوا الحي الذي لا يموت (١)؟ وربما يسأل الأئمة واحداً بعد واحد: أأنتم قلتم للناس فضّلونا على الأنبياء والمرسلين واستثنوا منهم محمداً ﵌؟

стр. 79

أأنتم قلتم للناس بأنّ ولايتكم عُرضتْ على الأنبياء والمرسلين وجعلتموها شرطاً لقبول أعمال العباد؟ وسيتبرأ هؤلاء جميعاً من الدعاوى الباطلة التي نُسبت إليهم زوراً وبهتاناً وممن نسبها إليهم. إنّ أهل البيت لا يتحملون مسؤولية ما نسبه إليهم أدعياء التشيع لهم من التكفير لخصومهم (١) والطعن في أعراضهم بغير حق (٢) واستحلالهم اللعن والسباب لصحابة رسول الله ﵌.

стр. 80

كما أنهم بمنأى عن استغلال البسطاء وسرقة أموالهم كما يفعل أرباب الزعامات والتحزبات اليوم من استحلاب الرزق السريع باسم ولاية أهل البيت (١)!

стр. 81

إنّ التوسط في حب أهل البيت ومعرفة حقهم هو المطلوب. فقد أرشدنا الله إلى أنه ما من أمر يأمر به سبحانه عباده بفعله إلا كان للشيطان فيه حظان كلاهما حبيب إلى نفسه: إما غلو وإفراط وإما تقصير وتفريط. ولأقف هاهنا على رائعة من روائع الإمام علي وهو يصف الناس في نظرتهم له فيقول: (وسيهلك فيّ صنفان: محب مفرط يذهب به الحب إلى غير الحق، ومبغض مفرط يذهب البغض به إلى غير الحق، وخير الناس فيّ حالاً: النمط الوسط فالزموه، والزموا السواد الأعظم فإنّ يد الله مع الجماعة وإياكم والفرقة فإنّ الشاذ من الناس للشيطان كما أنّ الشاذ من الغنم للذئب) (١)، ويظهر للمتمعن بالنص أنّ الفئات الثلاث المشار إليها هي: الشيعة والنواصب وجمهور المسلمين (أهل السنة).

стр. 82

فإذا كان النواصب يمثلون جانب البغض والعداء للإمام علي حتى جرهم بغضهم له إلى شتمه ولعنه والبراءة منه! وإذا كان الشيعة الإثنا عشرية يمثلون جانب الغلو في الحب حتى قالوا بعصمة الإمام علي وكون إمامته أعظم من إمامة الأنبياء سوى محمداً ﵊ حتى جعلوا الإيمان بإمامته شرطاً لصحة قبول الأعمال! فمن الواضح أنّ السواد الأعظم من المسلمين المعبّر عنهم بـ (النمط الوسط) هم الذين أحبوا علياً وشهدوا له بالإيمان والصدق فقالوا هو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسيد أهل البيت، فحفظوا له مآثره العظيمة في تاريخ الإسلام، مقرين بفضائله بخلاف النواصب الجاحدين، غير راضين بالغلو والمبالغة فيه خلافاً للشيعة، فقالوا: لا عصمة لأحد بعد رسول الله ﵌، فـ (نبي واحد خير من ألف ولي وصالح). تحت أي بند يُصنّف هذا الحب ؟! حين يبلغ الغلو مداه .. وتغيب الموازين الشرعية تظهر الاستهانة بمقام رسول الله ﵌ بصورتها المقززة، حين ترى الروايات الشيعية وعلماء الشيعة يبالغون في وصف الأئمة وذكر أحوالهم مبالغة تحوي بين طياتها انتقاصاً مبطّناً أو ظاهراً لرسول الله ﵌! لقد حاولت مراراً وتكراراً أن ألطّف عباراتي وأنا أطرق هذا المبحث بالذات مستحضراً كل معاني الصبر التي تعلمتها في حياتي فلم أستطع، فالموضوع لا يحتمل تلطيفاً للعبارات إذ إنه لا يمس شخص رسول الله ﵌ فحسب بل الذات الإلهية أيضاً!

стр. 83

فالله وعبده ورسوله محمد ﵌ أعظم في أعيننا من كل أحد، كائناً من كان. ولهذا أقول: ليتحمل مني القارئ الكريم بعض الغلظة وقسوة العبارة، وليتفكر فيما سأذكره وليزنه بميزان الإسلام الذي يرفض مثل هذه الكفريات سواء أصدرت من منتسب لأهل السنة أم للشيعة أو لغيرهما. فإن شئت أن نبدأ الحديث عن الإمام علي بن أبي طالب فإليك رواية ولادته ففيها من التفضيل المبطّن لعلي بن أبي طالب ﵁ ما فيها. تقول الرواية الشيعية: (فقمت (١) فوجدت أمه بين النساء والقوابل من حولها وإذا بسجاف وقد ضربه جبرائيل بيني وبين النساء فإذا هي قد وضعته فاستقبلته، قال: ففعلت ما أمرني به جبرائيل ومددت يدي اليمنى بنحو أمه فإذا بعلي قد أقبل على يدي واضعاً يده اليمنى في أذنه يؤذن ويقيم بالحنيفية ويشهد بالوحدانية لله، ولي بالرسالة ثم انثنى إليّ وقال: السلام عليكم يا رسول الله، أأقرأ يا أخي؟، فوالذي نفسي بيده قد ابتدى بالصحف التي أنزلها الله على آدم وأقام بها ابنه شيث فتلاها من أولها إلى آخرها حتى لو حضر آدم لأقر له أنه ألفظ لها منه، ثم تلا صحف إبراهيم، ثم قرأ التوراة حتى لو حضر موسى لشهد له أنه ألفظ لها منه، ثم قرأ إنجيل عيسى حتى لو حضر لأقر له أنه أحفظ لها منه، ثم قرأ القرآن الذي أُنزل عليّ من أوله إلى آخره ثم خاطبني وخاطبته بما تخاطب الأنبياء ثم عاد إلى طفوليته) (٢).

стр. 84

ويقول الشيخ محمد كاظم القزويني في "الإمام علي من المهد إلى اللحد" (١): (استقبل سيدنا أبو طالب السيدة فاطمة بنت أسد مهنئاً، وأخذ أبوطالب وليده الحبيب وضمّه إلى صدره ثم ردّه إلى أمه، وأقبل رسول الله وذلك قبل أن يُبعث، فلما رآه علي جعل يهش ويضحك كأنه ابن سنة، من حيث المشاعر والإدراك، فأخذه النبي ﵌ وقبّله وحمد الله على ظهور هذا المولود الذي كان يعلم أنه سيكون له أحسن وزير وخير أخ وأول مؤمن به وتحقق به آمال رسول الله وأمانيه بنشر دينه الذي سيُبعث به فسلّم علي على رسول الله ثم قرأ هذه الآيات ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ إلى آخر الآيات، فقال رسول الله ﵌: قد أفلحوا به، وقرأ تمام الآيات إلى قوله ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ. الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، فقال رسول الله ﵌: أنت والله أميرهم تميرهم من علومك فيمتارون، وأنت والله دليلهم وبك يهتدون)! وهكذا يُؤصل هؤلاء وبلا حياء لفكرة نزول الوحي على الإمام علي بن أبي طالب قبل رسول الله ﵌، فإنّ رسول الله ﵌ لم يُبعث إلا بعد ولادة علي بن أبي طالب بزمن، فمن أين عرف الإمام علي القرآن حتى يتلوه مع باقي الكتب السماوية عند ولادته؟! هل أُوحي إليه قبل محمدٍ ﵌ أم ماذا؟! ومن أين حفظ سورة المؤمنون ولم تنزل بعد آية ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾؟! ألا يحترم هؤلاء مقام رسول الله ﵌ فيخجلون من ذكر هذه القصص المكذوبة!

стр. 85

وكيف لهم أن يحترموا رسول الله ﵌ وقد رووا أنه ﵊ قال للإمام علي: (ولقد أنزل الله إليّ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّك﴾ يعني في ولايتك يا علي ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَه﴾ ولو لم أبلّغ ما أُمرت به من ولايتك لحبط عملي!!) (١) إلى هذا الحد بلغ الاستخفاف برسول الله ﵌ والعياذ بالله. أما فاطمة الزهراء ﵂ سيدة نساء العالمين وبضعة المصطفى الطاهرة، فلها نصيبها الخاص من هذا الغلو. فهذا آية الله العظمى الخميني يصفها في احدى خطبه وبكل جراءة بأنها (امرأة لو كانت رجلاً لكانت نبياً، امرأة لو كانت رجلاً لكانت مكان رسول الله ﵌!) (٢) فانظر إلى هذه الجرأة على مقام رسول الله ﵌ حين يدّعي الخميني أنّ أحداً يُمكن أن يحل مكان رسول الله ﵌ أو يستحق مقامه! ولو دققت النظر لرأيت أنّ العبارة تشير إلى أفضيلتها على رسول الله ﵌، وإلا فما الداعي عند افتراض كونها رجلاً أن يتم استبدال رسول الله ﵌ بها، لو كان محمداً ﵊ أفضل منها؟! ليس هذا فحسب، فقلة الحياء مع رسول الله ﵌ لا تقف عند هذا الحد!

стр. 86

فهذا آية الله العظمى محمد الصدر يُسئل –كما في كتاب "مجمع مسائل وردود": (لو دار الأمر بين زيارة النبي ﵌ وزيارة الإمام الرضا (ع) فأيهما أفضل وأكثر أجراً؟) فيجيب قائلاً: (قد يظهر من الروايات أفضلية زيارة الإمام الرضا (ع) على زيارة سائر الأئمة ولكن لم نعثر على أفضليتها على زيارة النبي ﵌ (١). فهو مستعد لتفضيل زيارة الإمام الرضا على زيارة نبي الله لكن المشكلة أنّ الروايات لم تُسعفه، فلم يعثر على دليل أفضليتها على زيارة رسول الله ﵌! أي قلة حياء هذه؟! وأي دين هذا الذي يرتضي مقارنة زيارة رسول الله ﵌ بزيارة غيره من الناس؟! ولا تعجب كثيراً، فهناك ما هو أدهى وأمرّ! فقد روتْ كتب الإمامية عن جابر بن عبد الله الأنصاري عن رسول الله ﵌ عن الله ﵎ أنه قال: (يا أحمد، لولاك لما خلقت الأفلاك، ولولا عليّ لما خلقتك، ولولا فاطمة لما خلقتكما) (٢). فأي كرامة بقيت لرسول الله ﵌ وهم يتجرأون عليه مثل هذه الجرأة؟ إنّ الروايات في هذا كثيرة بل وكثيرة جداً، كل ما عليك هو اقتناء الكتب التي اعتنت بذكر فضائل الأئمة كـ"كتاب بصائر الدرجات" للصفار و"بحار الأنوار" للمجلسي وغيرها لتقف على حجم المأساة.

стр. 87

فالمسألة لا تقف أحياناً عند التفضيل المبطّن للأئمة على نبينا الكريم ﵌ بل تصل إلى حد إسباغ بعض صفات الله تعالى على الأئمة! وهذه أعظم من سابقتها، فالنبي ﵌ بشر، والتطاول عليه ليس كالتطاول على خالقه وخالقنا (العزيز الجبار). فقد نسبت الروايات إلى الإمام علي قوله (أنا الأول أنا الآخر) (١)، وقوله (أنا عين الله وأنا يد الله، وأنا جنب الله، وأنا باب الله) (٢). وقد ذكر المجلسي ستاً وثلاثين رواية (٣) في كون الإمام علي هو وجه الله ويد الله! وفي رجال الكشي (٤) وردت الرواية بصيغة أخرى هي (أنا وجه الله، أنا جنب الله، وأنا الأول والآخر، وأنا الظاهر والباطن)! وقد ذكر هذه الروايات ابن بابويه القمي في كتابه "التوحيد!! " لكنه حاول جاهداً إيجاد تأويلات سائغة لها بعد أن عجز عن تضعيفها أو الطعن فيها! فإن جاز لك أن تتصوركتاباً صُنِف في (التوحيد) يُمكن أن يذكر مثل هذه الشركيات ويبررها ويبحث لها عن المخارج، فما بالك بغيرها من الكتب؟ لقد نسبوا للإمام علي أنه قال أيضاً: (والله قد كنت مع إبراهيم في النار، وأنا الذي جعلتها برداً وسلاماً، وكنت مع نوح في السفينة فأنجيته من الغرق، وكنت مع موسى فعلّمته

стр. 88

التوراة، وأنطقت عيسى في المهد وعلمته الإنجيل، وكنت مع يوسف في الجبّ فأنجيته من كيد إخوته، وكنت مع سليمان على البساط وسخّرت له الرياح) (١). حتى علم الغيب شاركوه فيه! فنسبوا للإمام الصادق قوله (إنّ الإمام لا يخفى عليه شيء مما في الأرض ولا مما في السماء وأنه ينظر في ملكوت السماوات فلا يخفى عليه شيء، ولا همهمة ولا شيء فيه روح، ومن لم يكن بهذه الصفات فليس بإمام) (٢) وقوله: (إني لأعلم ما في السماوات وما في الأرض وأعلم ما في الجنة وأعلم ما في النار وأعلم ما كان وما يكون) (٣). بينما يقول الله تعالى عن نفسه ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٤). ويأمر أفضل الخلق وخاتم الأنبياء والمرسلين أن يقول للناس ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوء﴾ (٥). أما التحكم بالكون وتسيير أموره فحدّث ولا حرج! فقد نسبوا للإمام جعفر الصادق قوله (إنّ الدنيا تمثل للإمام في مثل فلقة الجوز، فلا يعزب عنه منها شيء، وإنه ليتناولها من أطرافها كما يتناول أحدكم من فوق مائدته ما يشاء) (٦).

стр. 89

وليس هذا بغريب، أمام ما ذكره الشيخ هاشم البحراني من أنّ ضربة الإمام علي لمرحب اليهودي كادت أن تشق الأرض نصفين!! قال هاشم البحراني (١) في "حلية الأبرار" في بيان قوة الإمام علي بن أبي طالب ﵁ ما نصه: (وفي ذلك اليوم لما شطر مرحب شطرين وألقاه مجدّلاً جاء جبرئيل من السماء متعجباً، فقال له النبي ﵌: مِمَ تتعجب؟ فقال: إنّ الملائكة تنادي في مواضع جوامع السماوات: لا فتى إلا علي، لا سيف إلا ذو الفقار. وأما إعجابي فإني لما أمرني ربى أن أدمر قوم لوط حملت مدائنهم، وهي سبع مدائن، من الأرض السابعة السفلى إلى الأرض السابعة العليا على ريشة من جناحي، ورفعتها حتى سمع حملة العرش صياح ديكتهم، وبكاء أطفالهم ووقفت بها إلى الصبح أنتظر الأمر ولم أنتقل بها واليوم لما ضرب علي ﵇ ضربته الهاشمية، وكبّر أُمِرت أن أقبض فاضل سيفه حتى لا يشق الأرض، ويصل إلى الثور الحامل لها فيشطره شطرين فتنقلب الأرض بأهلها!! فكان فاضل سيفه عليّ أثقل من مدائن لوط) (٢). ومن أنّ الرعد والبرق إنما يصدران عن الإمام علي بن أبي طالب كما في رواية ينسبونها للإمام الصادق يقول فيها: (أما إنه ما كان من هذا الرعد ومن هذا البرق، فإنه من أمر صاحبكم، قلت: من صاحبنا؟ قال: أمير المؤمنين ﵇!) (٣).

стр. 90

والأئمة في روايات الشيعة هم علة الوجود! إذ نسبوا إلى الإمام الصادق قوله: (نحن علة الوجود وحجة المعبود لا يقبل الله عمل عامل جهل حقنا) (١). بل هم الكاف والنون التي يخلق الله بها الأشياء!! فقد نُسِب إلى الإمام علي قوله في حديث طويل عن صفات الإمام (الإمام كلمة الله وحجة الله ووجه الله ونور الله وحجاب الله وآية الله، يختاره الله ويجعل فيه ما يشاء ويوجب له بذلك الطاعة والولاية على جميع خلقه، فهو وليه في سماواته وأرضه ... فهو يفعل ما يشاء وإذا شاء الله شاء ... مفزع العباد في الدواهي والحاكم والآمر والناهي، مهيمن الله على الخلائق ... خلقهم الله من نور عظمته، وولاهم أمر مملكته، فهم سر الله المخزون وأولياؤه المقربون وأمره بين الكاف والنون – وفي نسخة – لا بل هم الكاف والنون، إلى الله يدعون وعنه يقولون وبأمره يعملون، مبدأ الوجود وغايته وقدرة الرب ومشيئته وأم الكتاب وخاتمته!!) (٢) وبعد هذا كله يتساءل المسلم الموحّد، ماذا أبقى هؤلاء لله تعالى؟! الجواب يجده المنصف في الزيارة الرجبية والتي فيها (إنه لا فرق بينك وبينهم إلا أنهم عبادك) (٣) فانظر إلى هذه الجرأة وإلى هذا التطاول على رب العالمين!

стр. 91

لا فرق بين الأئمة وبين ربهم سوى أنهم عباده ... فهو معبود وهم عبّاد، أما الاختلاف فبدرجة الكمال فقط، ولذا صار هو معبوداً وهم عبيداً له، هذا ما أستطيع أن أفسّر به كل ما قرأته وعبّر عنه هذا النص، تماماً كما كان يقول مشركو مكة في تلبيتهم (لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وماملك)! اختلفت الألفاظ وتطابقت المعاني! فقد شاركوه في كل شيء تقريباً، من الإحاطة بكل شيء علماً، ومن عدم السهو والغفلة وما إلى ذلك. والعجب كل العجب من آية الله العظمى أبي القاسم الخوئي، وقد سُئِل عن العبارة المشار إليها في دعاء رجب، فأجاب دون أدنى استنكار للفظ العبارة ومعناها: (لعلها تشير إلى أنهم مع بلوغهم في مرتبة الكمال إلى حد نفوذ التصرف منهم في الكون بإذنك، فهم مقهورون لك، لأنهم مربوبون لك، لا حيلة لهم دون إرادتك ومشيتك فيهم بما تشاء) (١)! حتى الأسماء الحسنى التي لرب العباد لم يشاركوه فيها فحسب بل ذكرت الروايات أنّ الأئمة هم الأسماء الحسنى (٢)، فالإمام علي بن أبي طالب كما بيّنا هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم!

стр. 92

حتى خلق الكون قد أسنده الشيعة الإثنا عشرية إلى الأئمة! ففي صيغة زيارة الحسين (ع) التي رواها ابن قولويه بإسناد صحيح عند الشيعة الإثنى عشرية عن الإمام الصادق أنه قال: (بكم يباعد الله الزمان، وبكم يمحو الله ما يشاء ويثبت وبكم تنبت الأرض أشجارها، وبكم تُخرج الأرض أثمارها، وبكم تنزل السماء قطرها ورزقها، وبكم ينزل الله الغيث، إرادة الرب في مقادير أموره تهبط إليكم وتصدر من بيوتكم) (١). وفي الزيارة الجامعة المشهورة (بكم فتح الله وبكم يختم وبكم ينزل الغيث) (٢). وإذا كان الخلق للأئمة وهم من يدير الكون ويسيره وهم الأسماء الحسنى التي يُدعى الله بها، وهم الذين لا يخفى عليهم شيء في الأرض ولا في السماء، فلم يبقى حينئذ سوى الحساب الأخروي. وهو ما نصت عليه كتب الإمامية أيضاً حيث صرّحت بأنّ الإمام هو الديّان الذي يحاسب الخلائق يوم القيامة! روى المجلسي في "بحار الأنوار ٢٤/ ٢٧٢" عن البرقي في كتابه "الآيات" عن الإمام جعفر الصادق أنّ رسول الله ﵌ قال لأمير المؤمنين (ع): يا عليّ أنت ديّان هذه الأمة! والمتولي حسابهم! وأنت ركن الله الأعظم يوم القيامة! ألا وإنّ المآب إليك! والحساب عليك! والصراط صراطك!، والميزان ميزانك!، والموقف موقفك!!

стр. 93

بينما يقول رب العزة والجلال عن نفسه في القرآن ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ (١) فجعلها هؤلاء للأئمة بكل بساطة، هكذا دون حياء من الله تعالى أو من الناس. لتقف بعد هذا كله متسائلاً: لماذا لا يصرّح هؤلاء بألوهية الأئمة ويريحوا أنفسهم بدلاً من تعداد صفات الله وأسمائه وتوزيعها على الأئمة بهذه الصورة؟!

стр. 94

الغلو في أمهات كتب الشيعة لا يقتصر الغلو الذي أشير إليه على بضعة أحاديث هنا وهناك يمكن للمرء أن يتنصل منها مدّعياً عدم صحة نسبتها إلى عقيدة الشيعة، بل إنّ الغلو طال أبواباً كاملة يحوي كل باب منها عدداً لا يُستهان به من الأحاديث المغالية، وإليك نموذجاً على ذلك كتاب "الكافي" للكليني الذي يعتبر أهم كتب الحديث عند الطائفة على الإطلاق. ليس ذلك ادّعاء مني بل إنّ ما ذكرته هو ما يقرره محققو الطائفة وعلماؤهم وعلى رأسهم عبد الحسين شرف الدين الموسوي في "المراجعات" حيث يقول: (الكتب الأربعة التي هي مرجع الإمامية في أصولهم وفروعهم من الصدر الأول إلى هذا الزمان، وهي الكافي والتهذيب والاستبصار ومن لا يحضره الفقيه، وهي متواترة ومضامينها مقطوع بصحتها، والكافي أقدمها وأعظمها وأحسنها وأتقنها) (١). ويقول آية الله العظمى محمد سعيد الطباطبائي الحكيم في كتابه "في رحاب العقيدة" عن الكافي (ويمتاز هذا الكتاب - مضافاً إلى جامعيته للأصول والفروع- بأمرين: أحدهما: أنه الكتاب الوحيد التام الموسع الذي وصل إلينا مما أُلف في عصور الأئمة ﵈، فإنه أُلف في أواخر عصر الغيبة الصغرى، الذي يعتبر من عصور حضور الأئمة ﵈ لإمكان الرجوع فيه للإمام من طريق نوابه الخاصين الذين كانوا على اتصال مباشر به. ثانيهما: أنّ مؤلفه (قدس الله تعالى روحه) قد صرّح في مقدمته بأنه توخى جمع الأخبار الصحيحة عن المعصومين عليهم أفضل الصلاة والسلام.

стр. 95

ولا يريد بصحة أخباره أنه رواها بطرق صحيحة كل رجالها ثقات، لعدم ظهور هذا المصطلح في عصره بل الظاهر أنه يريد أنه رواها من كتب مشهورة معروفة في عصور الأئمة ﵈ معوّل عليها عند الشيعة، على مرأى من الأئمة ومسمع منهم. بل قد ثبت عرض بعضها على الأئمة ﵈ وتصحيحهم لها. ويشهد بصدقه في ذلك، وبحسن اختياره للأحاديث ثناء قدماء علماء الطائفة – ممن تأخر عنه- على الكتاب المذكور وعلى مؤلفه، وأنه جليل القدر عارف بالأخبار عالم بها، وأنه أوثق الناس في الحديث وأثبتهم، حتى عرف بين علماء الشيعة بثقة الإسلام. ولا نعني بذلك التعهد بصحة كل خبر من أخباره. فإنّ ذلك أمر متعذر مع بُعد العهد وخفاء كثير من قرائن الصحة وشواهدها علينا، وتعرض الإنسان للخطأ والغفلة. بل نعني أنّ الكتاب يصلح أن يعكس صورة عامة إجمالية عن مفاهيم أهل البيت ﵈، ويعطي ملامح واضحة لها، في المجالات التي طرقها. فإنّ الواقع الإجمالي للكتاب هو الصحة، وصدق الخبر) (١). ونخلص من كلام عبد الحسين شرف الدين وآية الله العظمى محمد سعيد الحكيم أنّ ما يتضمنه الكافي من عقائد وأحكام هو من الصحيح قطعاً، فإنه يجوز للمشكك أن يشكك في حديثين من كل باب، ثلاثة، أربعة، أكثر، لا أن ينسف كتاباً بأكمله انبنت عليه عقائد الشيعة وأحكامهم منذ عصر غيبة القائم! وإذا ما ألقينا نظرة سريعة على بعض أبواب "الأصول من الكافي" فإننا سنفاجئ بعدد كبير من الأبواب ذات الاتجاه المغالي الذي لا يتفق مع منهج أهل البيت المعتدل الرصين منها:

стр. 96

باب- أنّ الأئمة (ع) ولاة أمر الله وخزنة علمه باب- أنّ الأئمة (ع) خلفاء الله في أرضه وأبوابه التي منها يؤتى باب- أنّ الأئمة (ع) نور الله باب- ما فرض الله ورسوله (ص) من الكون مع الأئمة (ع) باب- أنّ الأئمة إذا شاؤوا أن يعلموا علموا باب- أنّ الأئمة (ع) يعلمون متى يموتون وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم باب- أنّ الأئمة (ع) يعلمون علم ما كان وما يكون وأنه لا يخفى عليهم شيء باب- أنّ الله لم يُعلم نبيه علماً إلا أمره أن يُعلّمه أمير المؤمنين (ع) وأنه كان شريكه في العلم باب- أنّ الأئمة (ع) لو سُتر عليهم لأخبروا كل امرئ بما له وعليه باب- التفويض إلى رسول الله (ص) وإلى الأئمة (ع) في أمر الدين باب- أنّ النعمة التي ذكرها الله في كتابه هي الأئمة (ع) باب- أنّ الأئمة (ع) معدن العلم وشجرة النبوة ومختلف الملائكة باب- أنّ الأئمة ورثوا علم النبي وجميع الأنبياء والأوصياء الذين قبلهم باب- أنّ الأئمة (ع) عندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله وأنهم يعرفونها على اختلاف ألسنتها. باب- أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة (ع) وأنهم يعلمون علمه كله باب- أنّ الأئمة (ع) يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل (ع). هذا بخلاف الكثير من الكتب التي انتهجت هذا المنهج ككتاب "بصائر الدرجات" للصفار و"بحار الأنوار" للمجلسي وغيرها.

стр. 97

كيف ينظر كبار علماء الشيعة إلى الأئمة الإثنى عشر ؟ وإذا كان الغلو في الأئمة واقعاً في روايات الشيعة وفي أبرز كتب الطائفة العقائدية فإنّ ذلك الغلو أوضح ما يكون في أقوال ومصنفات مراجع الشيعة وعلمائهم الكبار الذين غربلوا المرويات الشيعية في تلك الكتب وأثبتوا في رسائلهم وفتاويهم العقائدية ما يوافق المذهب ورفضوا ما لا يصح نسبته إليه من عقائد! إنّ القارئ المتجرد للحقيقة ليجد نفسه حائراً بين تبرئة الشيعة الإثني عشرية من الغلو في الأئمة على اعتبار أنه ليس كل ما في الكتب صحيح، وأنّ من مقتضى الإنصاف أن لا نُحمّل الطائفة كل ما في كتبها من صحيح وسقيم، وبين تصريحات المرجعيات وكبار علماء المذهب التي لا تحتمل التأويل والتي تنطق تماماً بما نطقت به كتب العقيدة والحديث لدى الطائفة. فللإنصاف حد لا ينبغي تجاوزه وإلا انقلب سذاجة ونوعاً من التعامي عن الحقيقة. وإليك هذه التصريحات مدعمة باسم الكتاب ورقم الصفحة. ١ - آية الله العظمى الخميني يستهل الخميني حديثه عن الأئمة فيقول: (إنّ من ضرورات مذهبنا أنّ لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرّب ولا نبي مرسل ... وقد ورد عنهم ﵈ أنّ لنا مع الله حالات لا يسعها ملك مقرّب ولا نبي مرسل) (١).

стр. 98

وفي هذا التصريح بتفضيل أئمة أهل البيت على أنبياء الله تعالى مطلقاً، فالأئمة الإثنا عشر عند الشيعة الإثني عشرية أفضل من الأنبياء جميعاً ما عدا محمداً ﵊ كما هو مقرر عندهم. وغلو الخميني في الأئمة لا يقف عند حد التفضيل بل يتجاوزه إلى حد نفي السهو والنسيان والغفلة عنهم إذ يصرّح بهذا الاعتقاد قائلاً: (الأئمة الذين لا نتصور فيهم السهو أو الغفلة، نعتقد فيهم الإحاطة بكل ما فيه مصلحة المسلمين) (١) بل يذكر أنّ جميع ذرات الكون خاضعة لهم فيقول: (إنّ للإمام مقاماً محموداً، ودرجة سامية وخلافة تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون) (٢) والغريب أن تجد عالمين من قدماء علماء الشيعة قد صرّحا في زمانهما بأنّ القول بعدم جواز السهو على الأئمة هو أول درجات الغلو (٣) إلا أنّ هذه العقيدة الآن صارت مقررة في المذهب وصار من يخالفها من أعداء أهل البيت أو المقصّرين في حقهم في أحسن أحواله! ولعل في هذا ما يؤكد مقولة أنّ مذهب الشيعة يتطور عقائدياً على مر الزمان، فكما تطور بالأمس من اختلاف سياسي مع بني أمية حتى صار فيما بعد خلافاً عقائدياً بين الشيعة

стр. 99

وجمهور المسلمين بل بين الشيعة أنفسهم (١)، فإنه تطور كذلك عقائدياً من غلو إلى غلو أكبر على مر الزمن. حين تجد آية الله العظمى محمد الحسيني الشيرازي يصرّح في موسوعته "الفقه" (٢) بقوله: (وأما الغالي:- بمعناه الذي أراده الصدوق تبعاً لابن الوليد حتى إنه جعل أول درجة في الغلو نفي السهو عن النبي ﵌ فليس بكافر، بل قد ثبت بالأدلة خلافه، بل أصبح مثل هذا الاعتقاد اليوم من ضروريات المذهب)!! ترى لو كان محمد بن الحسن وتلميذه القمي في زماننا هذا، ماذا تراهم يقولون في كبار علماء مذهب الشيعة ومراجعهم بدءً بالخميني وانتهاء بأحدث مرجعية في عالم الحوزات العلمية، حين ترى المرجعيات التي تدّعي أنها تمثل خط أهل البيت مجمعة فيما بينها على هذا الغلو وهو عندها أساس للاعتقاد! بل ماذا سيقولون للشيخ علي الميلاني الذي ذكر في رسالته "العصمة" رواية الكافي (إنّ الله خلقنا فأحسن خلقنا، وصوّرنا فأحسن صورنا، وجعلنا عينه في عباده، ولسانه الناطق في خلقه، ويده المبسوطة على عباده بالرأفة والرحمة، ووجهه الذي يؤتى منه، وبابه الذي يدل عليه، وخزانه في سمائه وأرضه، بنا أثمرت الأشجار وأينعت الثمار وجرت الأنهار، وبنا ينزل غيث السماء ونبت عشب الأرض، وبعبادتنا عُبد الله، ولولا نحن ما عبد الله) ثم علّق على

стр. 100

الرواية بقوله: (فمن يكون عين الله في عباده ولسانه الناطق في خلقه ويده المبسوطة على عباده، يشتبه ويسهو وينسى؟!) (١). نعم ... إنه لا يجوز لنا أيها الميلاني أن نفترض في أئمة أهل البيت السهو والاشتباه والنسيان وقد بلغوا مقام الألوهية عندك، وإلا فما وجه الربط بين هذه الرواية المغالية وبين تعليقك المغالي إن لم يكن الأمر تأليهاً صريحاً لأئمة أهل البيت؟! لقد روى ابن بابويه القمي عن أبي الصلت الهروي قوله: قلت للرضا ﵇، يا ابن رسول الله، إنّ في سواد الكوفة قوماً يزعمون أنّ النبي ﵌ لم يقع عليه السهو في صلاته، فقال: كذبوا، لعنهم الله، إنّ الذي لا يسهو هو الله الذي لا إله إلا هو) (٢). فحسبنا أن نقول بقول الإمام الرضا فيمن نسب إلى أئمة أهل البيت ما لله تعالى. ولماذا نقف عند هذه النقطة بالذات ولدينا ما هو أعجب؟ إنّ الأئمة - كما في الروايات وتصريحات علماء المذهب - قد خُلقوا من النور ولم يُخلقوا من أصل الخلقة التي خُلق منها آدم وهي التراب! تلك معادلة صعبة لم أستطع فك رموزها، إذ ما الغاية التي من أجلها تُغيّر خلقة أهل البيت من صورتها الطبيعية التي فطر الله الناس عليها وفطر عليها الأنبياء من لدن آدم ﵇، إلى هذه الصورة الملائكية؟! سيجيبك أحدهم بإجابة باردة: (أليس الله على كل شيء قديراً؟).

стр. 101

نعم .. إنّ الله على كل شيء قدير ... لكنه قد جعل لكل شيء سبباً، وليست هذه العبارة ولا غيرها من التبريرات شماعة نعلّق عليها عقائدنا، فلأي غاية يُخلق أهل البيت من نور بينما يُخلق أنبياء الله تعالى على جلالة أقدارهم ومكانتهم عند الله تعالى من طين؟ فإن قيل: ذاك تكريم لهم، قلنا: وأي نقص وعيب في خِلقة الأنبياء وقد خُلِقوا من طين؟! ولك أن ترى إلى أي حد ذهب الغلو بالخميني حينما تقرأ قوله: (اعلم أيها الحبيب، أنّ أهل بيت العصمة ﵈، يشاركون النبي ﵌ في مقامه الروحاني الغيبي قبل خلق العالم، وأنوارهم كانت تسبّح وتُقدّس منذ ذلك الحين، وهذا يفوق قدرة استيعاب الإنسان، حتى من الناحية العلمية، ورد في النص الشريف: (يا محمد، إنّ الله ﵎، لم يزل منفرداً بوحدانيته، ثم خلق محمداً وعلياً وفاطمة، فمكثوا ألف دهر، ثم خلق جميع الأشياء، فأشهدهم خلقها، وأجرى طاعتهم عليها، وفوّض أمورها إليهم (١)!! فهم

стр. 102

يحلّون ما يشاؤون أو يحرّمون ما يشاؤون إلا أن يشاء الله تعالى!! ثم قال: يا محمد، هذه الديانة التي من تقدّمها مرق، ومن تخلف عنها محق، ومن لزمها لحق، خذها إليك يا محمد) هذا ما ورد في حقهم ﵈ في الكتب المعتبرة، يبعث على تحير العقول، حيث لم يقف أحد على حقائقهم وأسرارهم إلا أنفسهم (١)، صلوات الله وسلامه عليهم!!) (٢) ويقول الخميني في مناسبة ولادة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: (أنا لا أستطيع ولا يستطيع غيري التحدث في شخصية أمير المؤمنين (ع). نحن لا نتمكن من إدراك الجوانب المختلفة من هذا الإنسان العظيم. إنه الإنسان الكامل ومظهر جميع أسماء الله وصفاته وبالتالي فإنّ أبعاده وجوانب شخصيته تكون ألفاً حسب أسماء الله تعالى ونحن لا نستطيع أن نوضح واحداً منها. هذا الإنسان الذي يجمع في نفسه الأضداد، لا يتمكن أحد من التحدث حوله. لذا أرى من الأفضل أن أصمت وأسكت ..) ثم يقول بعد هذا:

стр. 103

(هذا الموجود، معجزة إلهية لا يستطيع أحد الوصول إلى حقيقته بل الجميع يتكلمون حسب فهمهم ومقدار إدراكهم والإمام علي (ع) غير ما يتصورونه ويتوهمونه أي أننا لا نستطيع أبدا أن نمدحه بما هو هو (١). ولهذا فالكل يأخذ بضعة من صفاته المتضادة ويخيل إليه أنه قد عرف أمير المؤمنين ﵇ ... إذ ذاك فالأفضل علينا غض الطرف عن التحدث حوله بل نأمل أن نسير في مسير هدايته ونصل إلى بعض هذا الصراط) (٢). بل يذهب إلى أكثر من هذا حين يقول عن أمير المؤمنين علي: (خليفته - أي خليفة الرسول ﵌ القائم مقامه في الملك والملكوت، المتحد بحقيقته في حضرت الجبروت واللاهوت، أصل شجرة طوبى وحقيقة سدرة المنتهى، الرفيق الأعلى في مقام أو أدنى، معلم الروحانيين ومؤيد الأنبياء والمرسلين علي أمير المؤمنين) (٣). وأنت تعلم أنّ قوله (المتحد ... باللاهوت) هو كقول النصارى في المسيح ﵇ حيث يقولون باتحاد اللاهوت بالناسوت (٤).

стр. 104

ومن منطلق دعوى حلول الرب بعلي بن أبي طالب ينسب الخميني لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب قوله: (لنا مع الله حالات هو هو ونحن نحن، وهو نحن ونحن هو) (١)!! وهذا عين مذهب القائلين بوحدة الوجود، فالله هو علي وعلي هو الله، لم يبقى إلا التصريح بهذا!! ٢ - آية الله العظمى الخوئي سئل في "صراط النجاة" السؤال التالي (ترشد بعض الروايات إلى أنّ رسول الله ﵌ والزهراء ﵍ يحضران مآتم عزاء الإمام الحسين ﵇، فما رأي مولانا الكريم، وعلى فرض الورود فهل يشمل حضور بقية الأئمة ﵈؟ أجاب الخوئي: هذا أمر ممكن، وبعض الروايات دلّت عليه، والله العالم! (٢) ٣ - آية الله العظمى جواد التبريزي يقول في تعليقاته وفتاويه المطبوعة مع "صراط النجاة" للخوئي إجابة على سائل يقول: (ما رأيكم فيمن يعتقد بأنّ النبي وأهل بيته ﵈ كانوا موجودين بأرواحهم وأجسامهم المادية قبل وجود العالم، وأنهم كانوا مخلوقين قبل خلق آدم ﵇ لا أنّ الله تعالى جعل صورهم حول العرش، فما هو الجواب؟ أجاب التبريزي: كانوا ﵈ موجودين بأشباحهم النورية قبل خلق آدم ﵇، وخلقتهم المادية متأخرة عن خلقة آدم، كما هو واضح، والله العالم!!

стр. 105

وسئل أيضاً: هل يجوز الاعتقاد بأنّ الصدّيقة الطاهرة السيدة الزهراء ﵍ تحضر بنفسها في مجالس النساء في آن واحد، في مجالس متعددة بنفسها ودمها ولحمها؟ أجاب التبريزي: الحضور بصورتها النورية في أمكنة متعددة في زمان واحد لا مانع منه فإنّ صورتها النورية خارجة عن الزمان والمكان، وليست جسماً عنصرياً ليحتاج إلى الزمان والمكان، والله العالم!!! (١) وسئل أيضاً: هل هناك خصوصية للزهراء ﵍ في خلقتها، وبالنسبة للمصائب التي جرت عليها بعد أبيها ﵌ من ظلم القوم لها، وكسر ضلعها وإسقاط جنينها، ما رأيكم بذلك؟ أجاب التبريزي: نعم، فإنّ خلقتها كخلقة سائر الأئمة (سلام الله عليهم أجمعين) بلطف من الله ، حيث ميّزهم في خلقهم عن سائر الناس ... وكانت فاطمة (ع) في بطن أمها محدّثة وكانت تنزل عليها الملائكة بعد وفاة الرسول ﵌!!! (٢) وسئل أيضاً: بالنظر إلى آية المباهلة، وما تضافرت به الروايات والزيارات (كزيارة الجامعة الكبيرة مثلاً) هل يُمكن القول بأنّ الأئمة الإثني عشر والزهراء ﵍ هم أفضل من الخلق كافة، سوى الرسول الأكرم ﵌؟ أجاب التبريزي: نعم القول في المزبور متعين بالنظر إلى الآية، والروايات المشار إليها وبريدها الزيارات (٣).

стр. 106

وهذا تصريح من التبريزي بكون الأئمة والزهراء أفضل من الأنبياء ﵈ سوى محمد ﵊، وقد صرّح بهذا القول في "الأنوار الإلهية في المسائل العقائدية" حيث أجاب على سؤال وُجّه له عن تفضيل الأئمة على أنبياء الله تعالى بقوله: (أئمتنا ﵈ أفضل من الأنبياء ما عدا الرسول ﵌ (١) ولا يخفى ما في هذا الغلو في أئمة أهل البيت من الإساءة إلى أنبياء الله تعالى الذين اصطفاهم الله تعالى لحمل رسالته وفضلهم على العالمين. إنّ هذه العقائد نموذج حَيَّ للغلو الذي دخل على التشيع لأهل البيت باسم حبهم ومناصرتهم. ٤ - آية الله العظمى محمد بن مهدي الحسيني الشيرازي يقول في كتابه "من فقه الزهراء" ما نصه: (ثم إنهم ﵈ ومنهم فاطمة (صلوات الله وسلامه عليها) يحيطون علماً وقدرة - بإذن الله تعالى - بالكائنات جميعاً إلا ما استثني وقد تقدّم في الزيارة الرجبية ما يدل على ذلك، كما في جملة من الأحاديث (يعلمون ما كان وما يكون وما هو كائن) فإنه ليس بمحال عقلاً! ويشبه ذلك في الماديات الهواء والحرارة والجاذبية وغيرها) ويقول أيضاً: (كما أنها (صلوات الله عليها) - يعني السيدة فاطمة - تعلم الغيب كسائر المعصومين ﵈ حسب مشيئته سبحانه. (٢)

стр. 107

ولها ولهم ﵈ الولاية التكوينية ومعناها: أنّ زمام العالم بأيديهم ﵈ ومنهم فاطمة (سلام الله عليها) حسب جعل الله سبحانه، كما أنّ زمام الإماتة بيد عزرائيل فلهم ﵈ التصرف فيها إيجاداً وعدماً، لكن من الواضح أنّ قلوبهم أوعية مشيئة الله تعالى، فكما منح الله سبحانه القدرة للإنسان على الأفعال الاختيارية منحهم ﵈ القدرة على التصرف في الكون. وما نذكره يشمل كل المعصومين ﵈، فإنّ كل الصلاحيات التي كانت للأنبياء ﵈ ثابتة للمعصومين ﵈ أيضاً، لأنهم أفضل منهم، وفاطمة (صلوات الله عليها) أفضل من جميع الأنبياء ﵈ إلا الرسول ﵌ (١). ٥ - آية الله العظمى محمد محمد صادق الصدر أما محمد الصدر فلديه ما هو أعجب. فهو يقارن بين صبر الإمام الحسين وبين صبر أنبياء الله تعالى بل وصبر أولي العزم من الرسل الذين أُطلق عليهم هذا الإسم لشدة صبرهم في دعوتهم وعلى ابتلائهم. وتبلغ المقارنة حداً تقشعر منه جلود الموحدين، حين يستخف محمد الصدر بأنبياء الله تعالى بأسلوب فج قبيح لا يمكن أن يُفسر إلا بأنه استهزاء صريح بأنبياء الله تعالى وملائكته. ففي خطب الجمعة المنشورة له يقول: (الحسين ﵇ صبر أكثر من آدم ﵇، يقول في القرآن ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى. ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ (٢) الحسين

стр. 108

صبر أكثر من نوح ﵇، الذي من أنبياء أولي العزم ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً. فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَاراً. وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً﴾ (١)، نوح صبر مئات السنين، مع ذلك المتوقع منه أن لا يفتح فمه بالشكوى أمام الله !!!، الحسين لم يفتح فمه بالشكوى أمام الله . ثم يقول: (الحسين ﵇ صبر أكثر من ذي النون، فإنّ الأخير لم يستطع الصبر عدة سنوات، وانهزم من مجتمعه الذي كان مكلفاً حسب الرواية بالدعوة فيه، أي بالنبوة فيه ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢) مريم بشرتها الملائكة بوجود عيسى وولادته. مع ذلك استشكلت ولم تسكت إلا أن تشكل ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً. قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً﴾ (٣)، قضاه الله وقدره رغماً عنك! وليس باختيارك وإنما اختيار رب العالمين، لماذا تفتحين فمك بما لا ينبغي؟! فهل فتح واحد من المعصومين فمه بما لا ينبغي؟ حتى بالدقة العقلية لا يوجد مثل هذا الشيء. زكريا ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ. قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ

стр. 109

وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (١). الملائكة تقول له وجهاً لوجه وحساً بحس مع ذلك تأخذه الأسباب الطبيعية! وتصعب في نفسه أهمية هذه الأسباب فيفتح فمه بالإشكال أمامهم) (٢). هكذا يتكلم محمد الصدر عن أنبياء الله تعالى والبتول مريم بكل احتقار وسوء أدب، المهم أنّ الإمام الحسين أفضل من الكل وكفى، حتى لو كان في ذلك انتقاص لأنبياء الله وانتقاد لهم وتقليل من شأنهم وقلة حياء في الحديث عنهم. لكن يبدو أنّ محمد الصدر يرى نفسه أتقى من الملائكة وأورع منهم، فبعد أن قال في خطبته (صَبَر الحسين أكثر من الملائكة) أعقب ذلك بقوله: (﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَة﴾ (٣) انفتحت ألسنتهم هذا ليس بكلام جيد منك. سمعت أحداً يقول لله مثل هذا الكلام؟ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)!! (٤)

стр. 110

ولا يكتفي آية الله العظمى محمد الصدر بكل هذا بل يعقد مقارنة بين مرقد الإمام علي وبين الكعبة المشرفة فيقول: (وقع الكثير من هذا الكلام بين المؤمنين الواعين أنّ الكعبة أفضل أم حرم أمير المؤمنين؟ أنا أقول: حرم أمير المؤمنين، بماذا تريد أن تجيب فأجب وكذلك المصلى مصلى أمير المؤمنين، وكذلك مسكن أمير المؤمنين، الله ما هي صداقته مع الكعبة؟ ولكن له صداقة مع أمير المؤمنين، ولي الله حقاً، فقط هذه؟ لا .... أكثر) (١). ٦ - آية الله العظمى وحيد خراساني يخاطب الوحيد الخراساني الإمام المهدي بقوله: (يا فاعل ما به الوجود، ويا من أينما كان ما منه الوجود] أي الله تعالى [كنت أنت أيضا هناك، فلا يخلو مكان - بحكم البرهان - (من فاعل ما منه الوجود)، ولا يخلو مكان منك أنت أيضاً، لأنّ أفعاله تعالى وإن كانت أفعاله ولكنها بواسطتك، فمنه تعالى كل شيء، لأنّ كل شيء منه لا إله إلا الله، ومنك كل شيء، لأنّ كل شيء يكون بواسطتك. إننا موحدون ... لا نعرف شيئاً منك، بل نعرف أن كل شيء من الله تعالى، ولكن في عين الحال التي نرى أن كل شيء منه هو، نرى أيضاً أن أنفاس صدورنا منه ولكن بك أنت، والنظرة والرؤية التي نتمتع بها، والخطوة التي نخطوها، كلها منه ، ولكنها بك أنت ... أيتها الرحمة التي وسعت كل شيء) (٢).
следующие страницы →