← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 14285

الأصل لمحمد بن الحسن - ت بوينوكالن

محمد بن الحسن الشيباني

Полный текст (6 738 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

بِسْمِ اللَّهِ الرَحَمَن الرَّحِيمِ (١) كتاب الإكراه أبو سليمان قال: أخبرنا محمد عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم في الرجل يجبره السلطان على الطلاق أو العتاق فيطلق أو يعتق وهو كاره أنه جائز واقع، وقال: لو شاء الله لابتلاه بأشد من هذا، وهو يقع كيفما كان (٢). محمد قال: أخبرنا عباد بن العوام قال: أخبرنا داود بن أبي هند عن عطاء الخراساني أن عمر بن عبد العزيز أجاز طلاق المكره (٣). محمد عن عباد بن العوام قال: أخبرنا يحيى بن سعيد عن رجل من

стр. 3957

الأنصار قال: ذكر لسعيد بن المسيب أن رجلاً ضرب غلامه حتى طلق امرأته، فقال سعيد: بئس ما صنع، قال يحيى: أي: أنه جائز عليه (١). محمد قال: أخبرنا إسماعيل بن عياش الحمصي قال: حدثنا الغار بن جبلة عن صفوان بن عمران الطائي أن رجلاً كان مع امرأته، فأخذت سكيناً وجلست على صدره، فوضعت السكين على حلقه فقالت له: طلقني ثلاثاً البتة أو لأذبحنك، فناشدها الله فأبت عليه، فطلقها ثلاثاً، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "لا قيلولة في الطلاق" (٢). قال محمد: وذكر أيضاً الفَرَج بن فَضَالة أبو فَضَالة قال: حدثني عمرو (٣) بن شَرَاحِيل أن امرأة كانت مبغضة لزوجها فراودته (٤) على الطلاق فأبى أن يطلقها، فلما رأته نام قامت إلى سيفه فأخذته ثم وضعته على بطنه، ثم حركته برجلها، فلما استيقظ قالت: والله لأُنْفِذَنك به أو لتطلقني، فطلقها ثلاثاً، فأتى عمر بن الخطاب فاستغاث به، فشتمها وقال: ويحك! ما حملك على ما صنعت؟ قالت: بغضي إياه، فأمضى طلاقه (٥). قال: أخبرنا محمد قال: وذكر رجل عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة قال: طلاق المكره جائز (٦).

стр. 3958

قال: أخبرنا عباد بن العوام قال: حدثنا الحجاج بن أرطأة عن سليمان بن سحيم عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب أنه قال: أربع واجبات على من تكلم بهن، الطلاق والعتاق والنكاح والنذر (١). قال محمد: وبه نأخذ، نجيز ذلك كله عليه إن جد أو هزل أو أكره أو لم يكره. محمد قال: وذكر شريك عن عبد الله بن جابر الحنفي عن عبد الله بن يحيى عن علي بن أبي طالب قال: ثلاث لا لعب فيهن، العتاق والطلاق والصدقة (٢). محمد قال: حدثنا الثقة عن ابن لهيعة قال: حدثنا يزيد بن أبي حبيب (٣) عن عُمارة بن عبد الله بن طُعْمَة أنه أخبره أنه سمع سعيد بن المسيب يخبر عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: أربع مُبْهَمات مُقْفَلات (٤) ليس فيهن رِدِّيدَى (٥)، الطلاق والعتاق والنكاح والنذر (٦). محمد قال: وذكر حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: ثلاث ليس فيهن لعب، الطلاق والعتاق والنكاح (٧). قال محمد: وذكر هشام قال: أخبرنا يونس عن الحسن عن أبي الدرداء قال: ثلاث لا لعب فيهن، واللعب كالجد، النكاح والعتاق (٨) والطلاق (٩).

стр. 3959

محمد قال: أخبرنا إسماعيل بن جعفر عن (١) حبيب (٢) بن أَرْدَك (٣) أو ابن حبيب بن أَرْدَك (٤) عن ابن أبي رباح (٥) عن يوسف (٦) بن ماهك (٧) عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد، الطلاق والنكاح والرجعة" (٨). محمد قال: وذكر أبو عوانة عن (٩) المغيرة عن إبراهيم قال: طلاق المكره جائز (١٠). محمد قال: وذكر أبو بكر ابن عياش قال: حدثنا حُصَين عن الشعبي قال: إذا أجبر السلطان على الطلاق فهو جائز، وإن كان لصاً فلا شيء (١١). محمد قال: حدثنا أبو معاوية المكفوف عن الأعمش عن إبراهيم عن عَابِس (١٢) بن ربيعة قال: قال علي بن أبي طالب: كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه (١٣). قال محمد: فيدخل في هذا طلاق المكره وغيره.

стр. 3960

محمد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة في سلطان أكره رجلاً حتى طلق أو أعتق أو نكح، قال: جائز، وإذا أكرهه حتى باع لم يجز. محمد قال: حدثنا جعفر بن بُرْقَان الجزري عن الزهري أن فتى أسود كان مع أبي بكر الصديق وكان يقرأ القرآن، فبعث أبو بكر رجلاً (١) يسعى في الصدقة (٢)، فقال له: اذهب بهذا الغلام معك، يرعى عليك ويعينك وتعطيه من سهمك. فذهب الفتى فرجع وقد قطع يده. فقال له أبو بكر: ويحك! ما لك؟ قال: زعموا أني قد (٣) سرقت فريضة من فرائض الإبل فقطعني. فقال أبو بكر: والله لئن وجدته قطعك بغير حق لأُقيدنك منه. قال: فلبثوا ما لبثوا، ثم إن متاعاً لأبي بكر (٤) سرق، وذلك الأسود قائم يصلي. قال: فرفع الأسود يده إلى السماء فقال: اللهم أظهر على السارق، اللهم أظهر على السارق. قال: فوجد ذلك المتاع عنده. فقال أبو بكر: ويحك! ما كان أجهلك بالله! ثم أمر به فقطعت رجله، فكان أول من قطعت رجله (٥). قال محمد: وبه نأخذ، إذا بعث الخليفة رجلاً عاملاً فتعدى على رجل فأمر به فقطعت يده أو قتل بغير حق اقتص من القاتل (٦) الذي أمر به كما قال أبو بكر ﵁: والله لئن وجدته قطعك بغير حق لأقيدنك منه. وكذلك يقول محمد. قال: وذكر موسى بن أَعْيَن الجزري قال: حدثنا عبد الكريم عن أبي عُبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب رسول الله ﷺ وذكر آلهتهم، ثم تركوه. فلما أتى

стр. 3961

رسول الله ﷺ قال: "ما وراءك؟ " قال: شر، ما تركوني حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير. فقال ﵇: "كيف تجد قلبك؟ "، قال: أجده مطمئناً بالإيمان، قال: "فإن عادوا فعد" (١). قال: وذكر موسى بن أَعْيَن قال: حدثنا عبد الكريم عن أبي عُبيدة (٢) بن محمد بن عمار بن ياسر في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾، قال: ذلك عمار بن ياسر، ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ (٣)، قال: ذلك عبد الله بن أبي سَرْح (٤). قال: وذكر أبو عَوَانَة عن جابر الجُعْفِي أنه سأل عامراً (٥) الشعبي عن الرجل يأمر عبده أن يقتل رجلاً، قال: قد قيل فيها ثلاثة أقاويل، فقيل: يقتل العبد، وقد قيل: يقتل العبد والمولى، وقيل: يقتل المولى (٦). قال: وذكر مروان بن معاوية الفَزَارِي (٧) قال: حدثنا عوف عن الحسن البصري قال: التقية جائزة للمؤمن إلى يوم القيامة، إلا أنه كان لا يجعل في القتل تقية (٨). قال محمد: وحدثني الثقة عن ابن جريج عن رجل عن ابن عباس:

стр. 3962

إنما التقية باللسان ليس باليد (١). قال محمد: وذكر عبد الوارث بن سعيد البصري عن عمرو بن عبيد عن الحسن في رجل أمر عبده فقتل رجلاً، فقال: يقتل السيد (٢). محمد قال: وذكر أبو معاوية المكفوف قال: حدثنا الأعمش عن شقيق (٣) عن حذيفة قال: لفتنة السوط أشد من فتنة السيف. قالوا له: وكيف ذلك؟ (٤) قال: إن الرجل ليُضرب بالسوط حتى يركب الخشبة (٥). قال محمد: وبه نأخذ، نرى الإكراه بالضرب فيما يخاف فيه التلف بمنزلة السيف. وذكر أبو معاوية المكفوف قال: حدثنا الأعمش عن شقيق عن مسروق قال: بعث رجل بتماثيل من صُفْر تباع (٦) بأرض الهند، فمر بها على مسروق، فقال: والله لو أني أعلم أنه يقتلني لفرقتها (٧)، ولكني أخاف أن (٨) يعذبني فيفتنني (٩)، والله فما أدري أي الرجلين ذاك، أرجل زُيِّنَ سوء عمله [أو رجل] (١٠) قد يئس (١١) من الآخرة فهو يتمتع من الدنيا (١٢). محمد قال: حدثنا ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: لا جناح علي من طاعة الظالم إذا أكرهني عليها.

стр. 3963

باب ما يكره عليه اللصوص غير المتأولين قال محمد: لو أن قوماً من لصوص المسلمين غير المتأولين أو من لصوص أهل الذمة تجمّعوا فغلبوا على مصر من أمصار المسلمين وأمّروا عليهم أميراً فأخذوا رجلاً فقالوا له: لنقتلنك أو لتشربن هذه الخمر أو لتأكلن هذه الميتة أو لتأكلن لحم هذا الخنزير، ففعل شيئاً من ذلك كان عندنا من ذلك في سعة. وكذلك لو قالوا له: أما القتل فإنا لا نقتلك ولكنا نقطع يدك أو لتشربن هذه الخمر أو لتأكلن لحم هذه الميتة أو لتأكلن لحم هذا الخنزير، كان عندنا في سعة من ذلك. وكذلك فقء العين وكل عضو من الأعضاء من قطع أذن أو أصبع أو نحو ذلك. ولو قالوا له: لتفعلن ذلك أو لنضربنك مائة سوط، كان (١) عندنا أيضاً في سعة من الدخول في ذلك. وكذلك كل ضرب أقل من مائة سوط يخاف منه تلف أو ذهاب عضو من الأعضاء. فإن قال المسلّط منهم: لأضربنك سوطاً أو سوطين أو لتشربن هذه الخمر أو قال: لتأكلن لحم هذا الخنزير أو هذه الميتة، لم يسعه عندي أكل ذلك ولا شربه. وكذلك كل ضرب من نحو هذا لا يخاف منه تلف. وليس عندنا في الضرب حد نحده (٢) أكثر مما وصفت لك مما يخاف منه تلف النفس أو ذهاب بعض الأعضاء، ويكون عليه أكبر (٣) الرأي. وقد وقّت بعضهم، فقال: أدنى الحدود أربعون (٤) سوطاً، فإن (٥) تهدّد بأقل من ذلك فليس ينبغي له أن يقدم على ذلك، وإن تهدد بها أو بأكثر منها فليقدم. وأما في قول محمد فهو على ما يقع في نفسه، فرب رجل يخاف التلف على نفسه أو على بعض أعضائه في أقل من أربعين سوطاً، ورب رجل لا يخاف ذلك، فهو عندنا على ما يقع في القلب من ذلك. وكذلك

стр. 3964

هؤلاء اللصوص لو كانوا لم يظفروا بمصر ولكنهم أخذوا رجلاً في طريق من طرق المسلمين ففعلوا هذا به، أو أخذوه (١) في مصر في دار لا يقدر فيها على غوث كان بمنزلة ما وصفت لك من اللصوص الأولين في جميع ما وصفت لك. ولو أن هؤلاء اللصوص غير المتأولين الذين وصفت لك الظاهرين على المصر أو غيرهم قالوا لرجل: لنحبسنك في سجن سنة أو لتشربن هذه الخمر أو لتأكلن لحم (٢) هذا الخنزير أو هذه الميتة أو قالوا: لنقيّدنك مع ذلك أبداً فلا نخرجك من السجن حتى تفعل ذلك، لم ينبغ (٣) له أن يفعل هذا؛ لأنه لا يخاف من هذا تلف نفس ولا غير ذلك إذا كان لا يمنع من طعام ولا شراب. فإن قالوا: لنجيعنك أو لتفعلن بعض ما ذكرنا فليس ينبغي له أن يفعل ذلك حتى يجيء من الجوع أمر يخاف منه التلف، فإذا جاء ذلك فلا بأس بأكل ذلك وشربه. وإنما يقاس الإكراه في ذلك بالضرورة في هذه الأشياء، فكما يجوز للمضطر الذي يخاف على نفسه من العطش والجوع أن يشرب الخمر إذا كان يرد عطشه ويأكل الميتة ولحم الخنزير ليرد جوعه فكذلك الإكراه. ولو أنه خاف أن يذهب بصره من العطش أو يَعْطِب بعض أعضائه وتسلم نفسه في موضع الضرورة لم يكن (٤) بأكل (٥) ذلك أيضاً وبشربه (٦) في الضرورة بأس (٧) كما لا بأس به في الإكراه. فكل شيء جاز له فيه شرب الخمر أو أكل الميتة أو أكل لحم الخنزير من الإكراه فكذلك يجوز له فيه عندنا الكفر إذا أكره عليه وقلبه مطمئن بالإيمان. قال: وبلغنا عن ابن مسعود أنه قال: ما من كلام أتكلم به يدرأ عني ضربتين بسوط عند ذي سلطان إلا كنت متكلماً به. محمد قال: أخبرنا بذلك مهران (٨) بن أبي عمر قال: حدثنا أبو حيان التيمي عن أبيه عن

стр. 3965

الحارث بن سويد عن عبد الله بن مسعود (١). وإنما نضع (٢) هذا من عبد الله بن مسعود على الرخصة منه فيما فيه من الألم الشديد وإن كان سوطين. فأما أن نقول (٣): إن السوطين اللذين لا يخاف منهما تلف ولا وجع لا بأس بأن يكفر بالله لمكانهما، فهذا لا يجوز عندنا أن يقال على عبد الله بن مسعود، ولكن هذا (٤) عندنا من عبد الله بن مسعود شبيه بالمَثَل يريد به الرخصة فيما وصفت لك. ولو أن هؤلاء الذين ذكرت لك من اللصوص الغالبين أو غيرهم قالوا ذلك لرجل في بعض ما وصفنا والرجل يرى أنهم لا يقدمون عليه بذلك لم يجز هذا له؛ لأن هذا إنما يجوز للإنسان على قدر ما يقع في قلبه، فإن وقع في قلبه أن القوم يقدمون على ما (٥) يهددونه به فعل، وإن كان الواقع في قلبه (٦) أن القوم لا يقدمون عليه بما قالوا فليس يسعه أن يقدم على شيء من ذلك. ولو أن رجلاً أكرهه هؤلاء اللصوص الغالبون بشيء مما وصفت لك من قتل أو قطع عضو أو استهلاكه فقالوا: لنفعلن (٧) ذلك بك أو لتقرن (٨) لهذا الرجل بألف درهم، فأقر له بذلك فالإقرار باطل. وكذلك لو قالوا له: لنضربنك مائة سوط أو لتقرن له بألف درهم فأقر له بها فالإقرار باطل. وكذلك لو قالوا له: لنحبسنك حتى تقر (٩) له أو لنقيّدنك حتى تقر له، فأقر له فالإقرار باطل. ولا يشبه هذا في الحبس والتقييد ما وصفت لك قبله من شرب الخمر وأكل الميتة وغير ذلك؛ لأن ذلك إنما يحل بالضرورة، وهذا يبطل بالإكراه وإن لم يكن فيه ضرورة. محمد قال: أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي عن القاسم بن

стр. 3966

عبد الرحمن عن شريح أنه قال: القيد كَرْه (١)، والوعيد كَرْه، والضرب كَرْه، والسجن كَرْه (٢). محمد قال: أخبرنا (٣) عباد بن العوام قال: أخبرنا أبو إسحاق الشيباني عن علي بن حنظلة عن أبيه حنظلة بن خويلد قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: ليس الرجل على نفسه بأمين إذا ضربت أو جوّعت (٤). ولو كانوا قالوا له: لنضربنك سوطاً أو لنحبسنك يوماً أو لنقيّدنك يوماً أو لتقرن له بألف درهم عليك، ولا يخاف أكثر من ذلك، فأقر له بها كان الإقرار جائزاً، وليس هذا بإكراه. ألا ترى لو (٥) أنهم قالوا: لنَطْرُقن لك طَرْقَة (٦) أو لنشتمنك أو لتقرن له بألف درهم، فأقر له كان الإقرار جائزاً ولم يكن هذا إكراهاً. فإن قال قائل (٧): فما الوقت في الضرب الذي يكون إكراهاً؟ قيل: لما يجد منه الألم الشديد أو ما (٨) يخاف منه تلف النفس أو تلف بعض الأعضاء. وأما الحبس والتقييد فليس فيهما أيضاً عندنا حد نحده، ولكن على ما يجيء منه الاغتمام البين بالحبس والتقييد، ولسنا نعرف من هذا الحد الذي لا يزاد عليه ولا ينقص منه. وذلك على ما يرى

стр. 3967

الحاكم إذا رفع ذلك إليه (١)، فما رأى أنه كَرْه جعله كَرْهاً، وما رأى أنه ليس بكَرْه ألزمه فيه الإقرار. ولو جعلنا اليوم الواحد من الحبس والتقييد كرهاً لم نجد (٢) بداً من أن نقول: إن قال له: أحبسك إلى أن تقوم من مجلسي، أن هذا كره، أو قال له: إن لم تقر له جعلت هذا القيد في رجلك ثم أنزعه حين أجعله، أن هذا كره. فهذا وشبهه يقبح أن يكون كرهاً، فالأمر فيه على ما وصفت لك. فإن قالوا: لنقتلنك أو لتقرن لهذا الرجل بألف درهم، فأقر له بخمسمائة درهم فالإقرار باطل؛ لأنهم حين أكرهوه على ألف فقد أكرهوه على أقل منها. فإن أكرهوه على أن يقر له بألف درهم فأقر له بألفين لزمته (٣) ألف وبطلت عنه ألف. وإن أكرهوه على أن يقر له بألف فأقر له بمائة دينار فالإقرار جائز. وكذلك إذا أقر له بصنف (٤) غير ما أكرهوه عليه جاز الإقرار؛ لأنهم لم يكرهوه على الذي أقر به. وإن أكرهوه على أن يقر له بألف درهم فقال: له ولفلان الغائب علي ألف درهم، فإن هذا الإقرار كله باطل في قياس قول أبي حنيفة. وإن أنكر الغائب الذي أقر له معه أن يكون هذا شريكه في هذا أو أقر به شريكه فهو سواء. وأما في قول محمد فإن قال الغائب الذي أقر له مع هذا الرجل: قد صدق المقر والمال بيننا نصفين، بطل إقرار المكره كله؛ لأن المقر له الغائب لا يأخذ شيئاً إلا شركه (٥) فيه الآخر. فإن (٦) قال المقر له الغائب: لي على المقر نصف هذا المال، وليس بيني وبين الذي أكره على الإقرار له شركة، جاز نصف المال على المقر للمقر له الغائب وبطل (٧) النصف الذي أقر به للآخر الذي أكره على الإقرار له. ولو أكرهوه على أن يهب جاريته هذه لفلان ويدفعها (٨) إليه أو لم

стр. 3968

يذكروا دفعها ففعل ودفعها إلى فلان فالهبة باطل لا تجوز. وكذلك لو أكرهوه على البيع والدفع. فإن أكرهوه (١) على هبة جاريته لعبد الله فوهبها لعبد الله ولزيد جميعاً وقبضاها جميعاً بأمره جازت حصة زيد وبطلت حصة عبد الله. ولو أكرهوه على هبة ألف درهم لعبد الله فوهبها جملة لعبد الله ولزيد ودفعها إليهما بطلت الهبة كلها في قول أبي حنيفة؛ لأن هذا مما يقسم وقد وهبه لاثنين غير مقسوم. وقال محمد: الهبة أيضاً عندي لا تجوز في نصف الألف التي لزيد ولا فيما وهب لعبد الله؛ لأن هبة عبد الله وإن كان قد ملكها فقد كان (٢) وجب لصاحبها نقضها، فإذا نقضها بطلت الهبة كلها. ألا ترى أن رجلاً لو اشترى دارا وهو شفيعها ورجل آخر غائب فقبضها المشتري فوهبها لرجل وقبضها منه ثم حضر الشفيع الغائب فأخذ نصفها بالشفعة بطلت الهبة في النصف الآخر؛ لأن الشفيع الغائب قد كان له أن ينقض الهبة في النصف أول ما وقعت الهبة. وكذلك لو أن رجلاً وهب لرجل داراً وقبضها (٣) منه على أن يعوضه من نصفها خمراً وقبض ذلك كان قد ملك الدار كلها وتنتقض الهبة كلها: النصف الذي اشترط فيه العوض والنصف الآخر. قال: وسمعت محمداً قال: لو أن رجلاً وهب لرجل داراً له (٤) في مرضه وقبضها منه ولا مال له غيرها ثم مات الواهب نقض القاضي الهبة في الثلثين وجازت الهبة في الثلث؛ لأن الموهوبة له قد كان ملكها كلها هبة صحيحة وإن نقض ثلثاها بعد موت الواهب. ولو أنهم أكرهوه حتى وهب جارية له لرجل وأكرهوه على دفعها ففعل وقبضها الموهوب له فأعتقها جاز عتقه وغرم المعتق قيمتها؛ لأنه قد ملكها، ولو كان لم يملكها ما جاز عتقها. وكذلك لو دبّرها كانت مدبرّة له وغرم قيمتها لصاحبها (٥). وكذلك لو وطئها فولدت منه أو عَلِقَت منه كانت أم ولد وغرم قيمتها لصاحبها. وإن شاء المكره في هذا كله رجع على اللصوص

стр. 3969

الذين أكرهوه بقيمتها في هذه الوجوه كلها إذا أكرهوه بقتل أو تلف ويترك الموهوب له. فإن ضمن الذي أكرهه القيمة رجع على الموهوب له بها؛ لأن الذي أكرهه إنما ضمن حين قبض الموهوب له الجارية، والهبة كانت قبل ذلك، فلا يكون واهباً، وإن ضمن بعد وقوع الهبة. وإن ضمن الموهوبة له لم يرجع على الذي أكرهه بشيء. وإنما الذي أكرهه على الهبة والدفع بمنزلة غاصب غصبه الجارية فدفعها إلى رجل فاستهلكها الرجل، فللمغصوب منه أن يضمن أيهما شاء. وكذلك إذا أكرهه على البيع والدفع حتى يبيع ويدفع فالبيع باطل. فإن قبضها المشتري فأعتق أو دبّر أو وطئها فحملت منه لم يكن لصاحبها عليها سبيل، وكان لصاحبها أن يضمن أيهما شاء قيمة جاريته. فإن ضمن الذي أكرهه القيمة كانت له القيمة على المشتري؛ لأنه إنما ضمن (١) القيمة بالدفع بعد البيع، وتسلم الجارية للمعتق أو المدبر أو الواطئ. وإن ضمن مولى الجارية المعتق أو المدبر (٢) أو الواطئ القيمة حاسبه بالثمن إن كان قبضه منه وأعطاه بقية القيمة. ولو أن المكره وهب جاريته أو باعها ودفعها وقبض (٣) الثمن وهو مكره على ذلك فباعها الموهوب له أو المشتري من آخر أو وهبها وقبضها الموهوب له أو تصدق بها وقبضها المتصدق بها عليه أو كاتبها كان لمولى الجارية أن ينقض ذلك كله حتى يأخذ جاريته حيثما وجدها. وليس من شيء يكره عليه الإنسان إلا وهو (٤) يرد إلا ما جرى فيه عتق أو تدبير أو ولادة أو طلاق أو نكاح أو نذر، فإن هذا يجوز في الإكراه ولا يرد. فإن أعتق الجارية المشتري الآخر أو الموهوب له الآخر أو المتصدق عليه أو دبّرها أو وطئها فولدت منه جاز ما صنع من ذلك، وكان مولى الجارية بالخيار، إن شاء ضمن الذي أكرهه قيمتها إن كان أكرهه بوعيد قتل أو ضرب يخاف منه تلف، وإن شاء ضمن الذي أخذها منه. وإن شاء ضمن الذي أعتق أو دبر أو وطئها

стр. 3970

فحملت منه. فأيهم ضمنه لم يرجع على صاحبه بشيء إلا في خصلتين، إن ضمن الذي أكرهه رجع بالقيمة على المشتري الأول، وإن ضمن المشتري الآخر رجع بالثمن على المشتري الأول وأخذ المشتري الأول الثمن من مولى الجارية إن كان أعطاه منها. ولو أن الذين أكرهوه قالوا له: لنقتلنك أو لنسجننك أو لنقيدنك حتى تبيع جاريتك من هذا الرجل بألف درهم، وقيمتها عشرة آلاف، فباعها منه بأقل من ألف درهم كان القياس في هذا أن البيع جائز؛ لأنه باع بأقل من ما أمروه به. وأما في الاستحسان فالبيع باطل؛ لأنهم حين أكرهوه على أن يبيع بألف فقد أكرهوه على أقل من ذلك. ولو باعها إياه بألفي درهم أو بثلاثة آلاف درهم لم يكن هذا إكراهاً؛ لأنه باعها بأكثر مما أكرهوه عليه. ولو أكرهوه على أن يبيعها إياه فوهبها له جاز ذلك. ولو أكرهوه على أن يقر له بألف درهم فوهب له ألف درهم جاز ذلك. ولو أكرهوه على بيع جاريته ولم يسموا له أحداً فباعها من إنسان كان البيع باطلاً. ولو أخذوه (١) بمال ليؤديه فأكرهوه على أدائه ولم يذكروا له جاريته بشيء، فباع جاريته ليؤدي ذلك المال، وذلك المال أصله باطل، فالبيع جائزة لأنهم لم يكرهوه على بيع. ولو أخذوه بالمال وأكرهوه على بيع الجارية حتى يستوفوا المال فباع الجارية كان البيع باطلاً. ولو أكرهوه على أن يبيع جاريته من فلان بألف درهم فباعها منه بقيمة الألف دنانير كان القياس في هذا أن البيع جائز، وفي الاستحسان البيع باطل؛ لأن الدنانير والدراهم شيء واحد في البيع.

стр. 3971

ولو أكرهوه على أن يبيعها بألف درهم فباعها بعرض من العروض أقل قيمة من ألف درهم أو أكثر من ذلك أو بحنطة أو بشعير أو بشيء مما يكال أو يوزن غير الدراهم والدنانير فذلك جائز. ألا ترى أن الرجل إذا باع جاريته بألف درهم نسيئة سنة لم يجز أن يشتريها بأقل من ذلك بالدنانير، وجاز بغير ذلك من العروض، فجعلت الدنانير والدراهم كأنها شيء واحد. … باب من الإكراه على العتق والطلاق والنكاح وغير ذلك ولو أن رجلاً أكرهه لصوص غالبون (١) على مصر من الأمصار لهم مَنَعَة بتوعّد بقتل أو تلف عضو على عتق عبده فأعتقه كان العتق جائزاً لا يرد، ولا سعاية على العبد. فإن أخذ المولى الذي أكرهه (٢) فرفعه إلى القاضي وأراد أن يضمنه قيمة عبده بإكراهه إياه على عتقه فإن القاضي يضمنه القيمة للمولى، ويكون الولاء للمولى. ألا ترى أن شاهدين لو شهدوا (٣) على رجل أنه أعتق عبده فأعتقه القاضي عليه ثم رجعا ضمنا قيمته لمولاه وكان الولاء للمولى ولا يبطل الولاء ضمان القيمة. فكذلك الولاء في الإكراه، ولا يبطل الضمان على الذي أكرهه وإن كان الولاء قد ثبت من المولى. ولو أن عبداً بين رجلين أُكره (٤) أحدهما بتوعّد بقتل أو قطع أو ضرب يخاف منه تلفاً حتى يعتقه فأعتقه كان حراً كله في قول أبي يوسف ومحمد، والولاء للمعتق. وقال محمد: فإن كان الذي أكرهه على العتق موسراً ضمن قيمة العبد بينهما نصفين، وإن كان معسراً ضمن نصف قيمة العبد للذي أكرهه على العتق، ويسعى العبد في نصف قيمته للشريك الذي لم يكره على العتق، ولا يرجع واحد منهما على صاحبه بشيء. وكذلك هذا في

стр. 3972

قياس قول أبي حنيفة إلا في خصلة واحدة: إذا كان الذي أكرهه موسراً فإن شاء الشريك الذي لم يكره ضمنه نصف قيمته، وإن شاء استسعى العبد في نصف قيمته. فإن ضمن الذي أكرهه رجع على العبد فاستسعاه في نصف قيمته، فإذا أدى ذلك إليه عتق وكان الولاء بين المعتق وبين الذي أكرهه نصفين. وكذلك الإكراه على الطلاق: لو أكره رجل على أن يطلق امرأته ثلاثاً بتوعّد بقتل أو ضرب يخاف منه تلفاً ففعل كان طلاقاً جائزاً ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره. فإن كان لم يدخل بها فلها نصف ما سمى لها إن كان سمى لها صداقا. وإن كان لم يسم (١) فلها المتعة على زوجها، ويرجع بذلك على الذي أكرهه. ألا ترى أن رجلاً لو تزوج صبيتين فجاءت امرأة فأرضعتهما (٢) متعمدة للفساد على الزوج بانتا (٣) من الزوج، وغرم الزوج لكل واحدة منهما نصف الصداق ورجع بذلك على المرأة التي أرضعتهما. أفلا ترى أن رجلاً لو تزوج امرأة فلم يدخل بها (٤) حتى استكرهها ابنه فجامعها يريد بذلك الفساد على أبيه كان عليه الحد بالزنى، وكان على أبيه نصف المهر للمرأة ويرجع على ابنه بذلك، فكذلك الذي أكرهه يرجع عليه بما ضمن للمرأة. فإن كان الزوج قد دخل بها وقد أكرهه على طلاقها فلها المهر بما استحل من فرجها، وليس له على الذي أكرهه ضمان. ولو أن رجلاً أكره بتوعّد بقتل أو حبس أو ضرب حتى تزوج امرأة على عشرة آلاف درهم ومهر مثلها ألف درهم كان النكاح جائزاً لا يرد ولا يبطل، ويكون للمرأة من العشرة آلاف مهر مثلها ألف درهم ويبطل الفضل؛ لأن الأثر المعروف جاء أن "ثلاث خصال هزلهن جد وجدهن جد: الطلاق والعتاق والنكاح" (٥)، فهذه الأشياء الثلاثة لا (٦) تبطل في هزل ولا جد ولا إكراه.

стр. 3973

ولو أن المرأة التي أكرهت ببعض ما ذكرنا حتى تزوجها الرجل على ألف درهم ومهر مثلها عشرة آلاف درهم زوّجها أولياؤها مكرهين فالنكاح جائز، ولا ضمان على المكره في شيء من هذا، ويقول القاضي للزوج: أنت بالخيار إن شئت فأتمم لها مهر مثلها وتكون امرأتك، إن كان الزوج كفؤًا لها، فإن أبى فرق بينهما ولا شيء لها، وإن رضي كانت امرأته بمهر مثلها، وإن لم يكن لها كفؤًا كان لها وللأولياء أن يفرقوا بينهما، رضي أن يتم لها مهر مثلها أو لم يرض. فإن فرقوا بينهما فلا شيء لها؛ لأنه لم يدخل بها. وإن كان قد دخل بها مكرهة وهو لها كفؤ فلها تمام مهر مثلها، وهي امرأته، إن شاء طلقها، وإن شاء أمسكها. وإن لم يكن لها بكفؤ فلها تمام مهر مثلها، ولها وللأولياء أن يفرقوا بينهما. فإن دخل بها غير مكرهة فهذا رضى منها بالنكاح. وأما في قياس قول أبي حنيفة فالأولياء بالخيار، إن شاءوا فرقوا بينهما إن كان لها كفؤا إلا أن يتم لها الزوج مهر مثلها، فإن أتم لها مهر مثلها فليس لهم أن يفرقوا بينهما على حال، وإن أبى أن يتم لها مهر مثلها كان لهم أن يفرقوا بينهما، ولا شيء لها غير ما سمى؛ لأنها رضيت به. وإن كان غير كفؤ فرقوا بينهما على كل حال، وليس لها إلا ما سمى لها. وأما في قياس قول أبي يوسف ومحمد فإذا دخل بها غير مكرهة وكان النكاح وهي مكرهة وهو لها كفؤ فالنكاح جائز على المهر الذي سمى الزوج (١) ولا شيء لها غير ذلك؛ وإن كان الزوج غير كفؤ كان للأولياء أن يفرقوا بينهما ولا يكون لها غير ما سمى الزوج من المهرة لأنها رضيت به. ولو أن رجلاً وجب له على رجل قصاص في نفس أو فيما دون النفس فأكره بتوعّد بقتل أو غيره من الحبس والتقييد حتى عفا فالعفو جائز، وليس له أن يقتل بعد العفو. فإن خاصم الذي أكرهه على العفو لم يكن له (٢) عليه شيء؛ لأنه لم يستهلك له مالاً؛ ألا ترى أن رجلاً لو وجب له قود في نفس

стр. 3974

أو في (١) يد أو غيرها فجنى رجل على اليد التي وجبت له أو جنى على النفس التي وجبت له فأتلفها بطل حقه، ولم يكن لصاحب الجناية الأولى حق [على] القاطع لليد التي وجبت له ولا على قاتل النفس التي وجبت له ويبطل حقه من القصاص، وكان الحق على الجاني الثاني، فيأخذ الذي جنى عليه وورثته إن كان مقتولًا كما لا يجب لصاحب القود الأول على الذي أبطل قوده حق. فكذلك المكره على العفو لا يجب له على الذي أكرهه حين عفا قليل ولا كثير. أولا ترى أن الشاهدين لو شهدا على رجل أنه عفا عن قصاص وجب له في نفس أو غيرها، فلما قضى القاضي بالعفو رجع الشاهدان عن شهادتهما أنه لا ضمان عليهما؛ لأنهما لم يستهلكا (٢) شيئاً، فكذلك ما وصفت لك من أمر المكره على العفو. ولو أن رجلاً له حق قبل رجل من مال أو كفالة نفس أو غير ذلك فأكرهوه بتوعّد بقتل أو حبس حتى أبرأ ذلك الذي عليه الحق كانت البراءة باطلة وكان حقه على حالة. وكذلك لو وجبت له شفعة فأكره (٣) حتى سلمها بعدما طلبها كان إكراهه باطلاً وكان الشفيع على شفعته. ولو أن الشفيع لم يطلب شفعته ولم يعلم بها فلما علم بها أراد أن يتكلم بطلبها فأكره حتى شدّ (٤) فمه فلم يُترَك يَنطق يوماً أو أكثر من ذلك أو أقل لم تبطل شفعته (٥) إذا خلي سبيله، فإن طلب عند ذلك كان على شفعته، وإلا بطلت شفعته. وكذلك لو أكره فقيل (٦) له: إن تكلمت بطلب شفعتك لنقتلنك أو لنسجننك أو لنقيّدنك فلم يتكلم لم تبطل (٧) شفعته. فإن قال المشتري: إنه لم يكف عن ذلك للإكراه ولكنه لم يكن يريد أخذها بالشفعة، وقال الشفيع: ما كففت إلا للإكراه، كان القول في ذلك قول الشفيع مع يمينه بالله ما منعه من طلب الشفعة إلا الإكراه، فإذا حلف على ذلك أخذ بشفعته.

стр. 3975

ولو أن رجلاً أكرهه أهل الشرك من العدو على أن يكفر بالله وله امرأة حرة مسلمة ففعل ثم خُلِّيَ سبيلُه وأتاها فقالت له (١): إنك قد كفرت بالله وقد بِنْتُ (٢) منك، فقال الرجل: إنما أظهرت إظهاراً وقلبي مطمئن بالإيمان، فالقول قوله مع يمينه على ما ادعى، وتكون (٣) امرأته على حالها لا يفرق بينهما، وقال أبو حنيفة ومحمد: هذا استحسان، وينبغي في القياس أن يفرق بينهما؛ لأنا لا نعلم من سره ما يعلم، ولكنا نستحسن فلا نفرق بينهما. … باب ما يكره فيه الرجل على أن يفعله بنفسه أو بماله ولو أن رجلاً أكرهه لص غالب على قطع يد نفسه أو على أن يطرح نفسه من فوق بيت أو على أن يطرح نفسه في ماء أو على أن يطرح نفسه في نار فقال له: لأقتلنك أو لتفعلن ذلك، كان إن شاء الله في سعة من ذلك، لأنه مكره. فإن فعل الرجل ذلك بنفسه ثم خوصم الذي أكرهه على ذلك إلى القاضي فإن القاضي يأخذه بذلك كله، فيقطع له يد (٤) الذي أكرهه بيده، ويقتله به إن كان ألقى نفسه في النار فاحترق. وهذا قياس قول أبي حنيفة ومحمد (٥). وقال محمد: وأما السقوط من فوق البيت والسقوط في الماء فإن كان أمره من ذلك بشيء يعلم أنه لا يعيش من مثله قتل به أيضاً، فإن كان أمره من ذلك بشيء قد يعاش من مثله ويمات ففعل فمات فالدية على عاقلة الذي أمره؛ لأن المقتول وإن كان فعل ذلك بنفسه فهو مكره عليه. وقد قال عمر بن الخطاب ﵁ في رجل أكرهه أميره حتى

стр. 3976

دخل الماء فغرق: لولا أن تكون سنة من بعدي لأَقَدْتُه (١) منك، وضمنه ديته. قال محمد: ذكر ذلك أبو معاوية المكفوف عن الأعمش عن زيد بن وهب قال: استعمل عمر بن الخطاب ﵁ رجلاً على جيش، قال: فخرج نحو الجبل فانتهى إلى نهر ليس عليه جسر في يوم بارد. فقال أمير ذلك الجيش (٢) لرجل: انزل فابْغِ لنا مَخَاضَة (٣) نَجُوز فيها. فقال الرجل: إني أخاف إن دخلت الماء أن أموت. قال: فأكرهه فدخل الماء. فقال: يا عمراه يا عمراه! ثم لم يلبث أن هلك. فبلغ ذلك عمر وهو في سوق المدينة، فقال: يا لبيكاه يا لبيكاه! (٤) فبعث إلى أمير ذلك الجيش فنزعه، وقال: لولا أن تكون سنة لأَقَدْتُه (٥) منك، فغرمه الدية، وقال: لا تعمل لي عملاً أبداً (٦). وإنما أمره الأمير بهذا (٧) على غير إرادة قتله، إنما أمره (٨) أن يدخل الماء لينظر لهم مخاضة الماء فيُخاض أو غير ذلك، فضمنه عمر ديته؛ فكيف بمن أمره وهو يريد قتله بذلك. ولو أن رجلاً أكره فقيل له لتقطعن يد نفسك أو لأقطعنها أنا، فقطعها (٩)، لم يسعه قطعها ولم يكن له على الذي أكرهه شيء؛ لأن هذا ليس بإكراه، إنما الإكراه أن يقال: لتفعلن كذا وكذا أو لنفعلن بك ما هو أعظم منه، فإذا أكره على هذا كان إكراهاً، فأما إذا قيل: لتفعلن كذا وكذا أو لنفعلنه بعينه نحن بك، فلهذا ليس بإكراه ولا يسعه أن يفعل ذلك. وكذلك لو قيل له: لتقتلن نفسك (١٠) بهذا السيف أو لنقتلنك به، لم يكن هذا إكراهاً، ولم يسعه أن يصنع هذا بنفسه، فإن صنعه بنفسه لم يكن على

стр. 3977

الذي أكرهه شيء. ولو قيل له: لنقتلنك بالسوط أو، أو لتقتلن نفسك بهذا السيف، فذكروا له نوعاً من القتل هو أشد عليه مما أمروه أن يفعله بنفسه فقتل نفسه قتل به الذي أكرهه. وكذلك ما دون النفس لو قالوا (١): لنحرقن يدك بالنار أو لتقطعنها بهذه الحديدة، فقطعها قطعت يد الذي أكرهه. ولو كان الذين أكرهوه على هذا عدداً (٢) لم يكن عليهم في قطع اليد قود (٣)، وكانت عليهم دية في أموالهم، وإن كان واحداً قطعت يده. وإن كان الذين أمروه بقتل بنفسه فأكرهوه على ذلك عدداً أو واحداً (٤) قتلوا به جميعاً. ولو أن رجلاً أكره بقتل أو ضرب يخاف منه تلف أو قطع يد على أن يطرح ماله في البحر أو على أن يحرق ثيابه (٥) أو على أن يكسر ماله (٦) ففعل ذلك ضمن الذي أكرهه ذلك لصاحب المتاع والثياب والمال وإن كان هو الذي فعل ذلك بماله؛ لأنه أكره على ذلك إكراهاً. فهو بمنزلة الغصب، كأن الذي أكرهه غصب ذلك ففعله بغير أمره، لأن يد الفاعل صارت كأنها يد الذي أكرهه. وكذلك (٧) في القتل صارت يد القاتل لنفسه كأنها يد الذي أكرهه، فلذلك ضمن ووجب عليه القود. وإن أكرهه على ذلك بحبس أو بقيد ففعله لم يكن على الذي أكرهه ضمان، ولا قود في شيء من ذلك. ولو أن رجلاً أكره أن يأكل طعاماً له فأكله مكرهاً أو على أن يلبس ثوباً له فلبسه مكرهاً حتى تخرّق وكان الإكراه بقتل أو غيره لم يضمن الذي أكرهه من ذلك شيئاً؛ لأنه ليس بفساد، إنما يضمن الذي أكرهه مما استهلك الرجل من مال نفسه ما كان فساداً، فأما ما (٨) لم يكن فساداً فإنه لا يضمنه. ولو أن رجلاً أكره بتوعّد بقتل على أن يقتل عبداً له بسيف أو على أن يقطع يد عبد له فقيل له: لنقتلنك أو لتفعلن هذا، لم يسعه أن يفعل هذا

стр. 3978

بعبده، ولا يشبه هذا شرب الخمر ولا أكل الميتة ولا لحم الخنزير؛ لأن هذا أحل في الضرورة، وقطع يد العبد وقتله من مظالم الناس لا يسع في ضرورة ولا غيرها، فإن فعل ذلك المولى بعبده فهو آثم، فإن أخذ الذي أكرهه على ذلك فقدّمه إلى القاضي (١) ضمنه دية يد العبد، وذلك نصف قيمة العبد في ماله، ويقتله بعبده إن كان قتله، ويكون الذي يلي قتله مولاه. ولا يبطل القود والضمان من الذي أكرهه على ذلك بمعصية المولى؛ لأن الذي أكرهه كأنه (٢) هو قتل بإكراهه، وكأنه هو الذي قطع بإكراهه وإن كان المولى آثماً فيما صنع. ولو كان إكراه المولى على ذلك بتوعّد بسجن أو قيد حتى فعل لم يكن على الذي أكرهه ضمان، ولم يكن عليه إلا الأدب بالضرب والحبس، والمولى آثم فيما صنع. … باب الإكراه على أن يقر بالحدود ولو أن رجلاً أكرهه قاض من القضاة بضرب أو تهديد بذلك أو حبس أو بقيد حتى يقر على نفسه بحد أو بقصاص أو بعض (٣) ذلك فإن هذا كله باطل، ولا ينبغي أن يؤخذ بشيء من هذا. وإن أكرهه حتى يقر ثم خلى سبيله ثم أخذ بعد ذلك فجيء به فأقر بما كان تهدّد عليه بغير إكراه مستقبل أخذ بذلك كله فأقيم (٤) عليه الحد. وإن كان لم يخل سبيله ولكنه قال له وهو في يده بعدما أقر: إني لا آخذك (٥) بإقرارك الذي أقررت به ولا أَعْرِض [لك] (٦)، ولا أضربك ولا أحبسك ولا أقيّدك، فإن شئت فأقر، وإن شئت فلا تقر، فأقر وهو في يدي القاضي على حالة لم يجز هذا الإقرار؛ لأن كينونته في يده حبس. ولكنه إن خَلَّى سبيله حتى يذهب ثم أُخذ بعد ذلك

стр. 3979

فأقر من غير كَرْه ولا تهدُّد أخذ بما (١) أقر به، وإن خَلَّى سبيله فلم يتوار عن بصر القاضي حتى بَعث من أخذه فرده إليه فأقر بالذي أقر به أول مرة من غير إكراه ولا تهدّد (٢) فإن هذا ليس بشيء. ألا ترى أنه لو خلى سبيله ثم بعث معه من (٣) يحفظه ثم رده إليه بعد ذلك فأقر لم يؤخذ بشيء من ذلك؛ لأنه في يده بعد. فإن كان حين أتي به أول مرة لم يحبسه ولكنه هدده بالضرب أو بالحبس (٤) أو بالتقييد فأقر، فلما أقر قال له: إني لست أصنع بك شيئاً مما قلت لك فإن شئت فأقر وإن شئت فدع، فأقر (٥) لم يأخذه بشيء من ذلك؛ لأنه ما دام في يده فهو على كَرْهه الأول وإن كان قد أخبره (٦) أنه لا يفعل به شيئاً من ذلك. ولو أن رجلاً أكرهه قاض فضربه (٧) حتى يقر بالسرقة أو حبسه حتى يقر بالسرقة أو الزنى أو بشرب الخمر أو بقتل فأقر بذلك فأقام عليه الذي أقر به من ذلك، فإن كان الذي أقيم ذلك عليه معروفاً بما أقر به إلا أنه لا بينة عليه بذلك فتحاكموا في ذلك، فإن القياس في هذا أن ما كان من ذلك فيه القصاص اقتص به من الذي أكرهه على الإقرار، وما كان لا يستطاع (٨) فيه القصاص مثل الضرب ونحوه جعل عليه أرش ذلك في ماله، ولكنا نستحسن ونجعل عليه أرش ما استطيع فيه القصاص وأرش ما لا يستطاع فيه القصاص في ماله، وندرأ عنه القصاص. فإن كان المكره على ذلك لا يعرف بشيء مما رمي به فأكرهه حتى أقر ثم أقام ذلك عليه أخذ فيه بالقياس فأقيم عليه القصاص فيما استطيع فيه القصاص وأخذ منه الأرش فيما لا يستطاع فيه القصاص في ماله؛ لأن هذا موضع شبهة. قال محمد: وكذلك أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم في الرجل

стр. 3980

يوجد قتيلاً في دار (١) الرجل فيقول: كابرني على مالى، فقتلته (٢) بالسيف، أنه ينظر في المقتول، فإن كان دَاعِراً (٣) متهماً بالسرقة بطل دمه وجعل على القاتل ديته، وإن كان لا يتهم بذلك قتل به. وهذا قول أبي حنيفة ومحمد. وكذلك الوجه الأول. … باب من الإكراه الذي (٤) يتعدى فيه العامل ما (٥) أمر به (٦) وإذا بعث الخليفة عاملاً على كُورَة (٧) من الكُوَر مثل خراسان أو غيرها فاعتدى على رجل فأمره أن يقتل رجلاً ظلماً فأبى المأمور أن يقتله، فقال العامل: لتقتلنه عمداً بالسيف أو لأقتلنك، فقتله المأمور فإن أبا حنيفة قال: القتل على الآمر العامل، وليس على المأمور قتل. وكذلك قال محمد. وقال أبو يوسف: أستحسن أن أجعل على الآمر الدية ولا أقتله. والقول ما قال أبو حنيفة. فإن قال قائل: فكيف تقتل (٨) الآمر ولم يقتل (٩) بيده؟ قيل له: فقد جاء الحكم أن يقتل قطاع الطريق كلهم وإن وَلِيَ القتلَ منهم رجلٌ واحد ولم يقتلوا بأيديهم كلهم. وقال الحسن البصري في أربعة شهدوا على رجل بالزنى فرجمه الناس فقتلوه ثم رجع بعض الشهود: إنه يقتل الراجع (١٠).

стр. 3981

عبد الوارث بن سعيد البصري عن عمرو عن الحسن في رجل أمر عبده أن يقتل رجلاً فقتله قال: يقتل السيد (١). وقد قال أهل المدينة في رجل أمسك رجلاً لرجل حتى قتله وهو يعلم أنه يريد قتله: إنهما يقتلان جميعاً. فليس ينبغي أن ينكر قتل الذي أَكْرَهَ على ذلك (٢) القتل. وقال محمد: المأمور آثم حين (٣) قتله وإن كان قد أكره على ذلك، كان ينبغي له أن لا يقتله بأمره، فإن قتله العامل حين لم يقتله (٤) أو أمر من يقتله قتل به؛ لأن هذا من مظالم الناس، فليس ينبغي للرجل أن يظلم أحداً مثل هذا وإن كان قد تُهُدِّد (٥) بالقتل. وكذلك لو قال له: لتقطعن يده أو لأقتلنك أو لتفقأن عينه أو لأقتلنك، فليس ينبغي له أن يفعل فإن كان قد أكره على ذلك، ولكنه إن فعل فلا شيء عليه إلا الإثم، وإن رأى الخليفة أن يعزره ويحبسه فعل (٦)، ويقتص من الآمر الذي أكره فيما كان فيه القصاص، ويأخذ منه الأرش في جميع (٧) ما كان فيه الأرش. وكذلك إذا كان أكرهه على ضرب يخاف منه التلف أو ذهاب عضو من الأعضاء أو أمره بقطع (٨) أصبع أو نحوها فليس (٩) ينبغي له أن يفعل ذلك، فإن فعل فهو آثم، ولا شيء عليه من قصاص ولا أرش، والقصاص فيما (١٠) فيه القصاص والأرش فيما لا يستطاع فيه القصاص على الآمر في ماله.

стр. 3982

وإن أمره أن يضربه سوطاً واحداً أو أمره أن يحلق رأسه ولحيته أو أمره أن يحبسه في السجن أو أمره أن يقيده فقال: لتفعلن أو لأقتلنك أو لأقطعن منك عضوًا من الأعضاء أو لأضربنك ضرباً يخاف منه تلف، ففعل، رجوت أن لا يكون آثماً في ذلك. وإن كان إنما تهدّده (١) فقال: إن لم تفعل لأحبسنك أو لأقيدنك أو لأضربنك سوطاً أو لأحلقن رأسك ولحيتك أو لأفعلن بك شيئاً مما لا يعرضه فيه لتلف، لم ينبغ (٢) له (٣) أن يقدم عليه بشيء من المظالم قل ذلك أو كثر (٤)، فإن فعل فهو آثم. ولو قال له (٥): لأحبسنك أو لتقتلنه أو لأقيدنك أو لتقتلنه، ولم يخفه على نفسه إلا بالتقييد أو بالحبس ولم يخفه على نفسه بقتل ولا استهلاك عضو ولا وجه تلف لم يسعه أن يقدم على الرجل بشيء من ذلك. فإن أقدم عليه فالقود فيما فيه القود والأرش فيما فيه الأرش على القاتل، وليس على الآمر من ذلك شيء إلا العقوبة والحبس. ألا ترى أنه لو أمره بذلك وهو لا يقدر على إكراهه ولا يصل منه إلى شيء فقتل بأمره أو قطع كان ذلك على المأمور دون الآمر. ولو أمره أن يقتله ولم يكرهه على ذلك إلا أنه يخاف إن لم يفعل أن يقتله أو يقطعه أو يضربه ضرباً مُبَرِّحًا (٦) يخاف منه التلف وهو تحت يديه لا يقدر على أن يمتنع منه فأقدم فقتل الذي أمر بقتله أو قطعه أو ضربه كان كله على الآمر (٧) دون المأمور، فاقتص منه الخليفة فيما فيه القصاص وأخذ

стр. 3983

منه الأرش فيما (١) فيه الأرش؛ لأن هذا لا يمتنع (٢) منه، وهو يخاف إن لم يفعل أن يقتله أو يصنع به بعض ما وصفت لك، فهو مثل المكره فيما يجب على الآمر من (٣) ذلك. وإنما الذي وصفت لك أنه يكون على المأمور دون الآمر الذي لا يخاف منه شيئاً (٤) إن عصاه أو الذي يعلم أنه لا يقدم عليه إلا بحبس أو قيد أو شتم (٥) أو نحو ذلك، فهذا إن أقدم على الرجل فقتله كان القود عليه دون الآمر؛ لأن الآمر صار في هذه الحالة بمنزلة من لا سلطان له. ولو أن رجلاً أكره بتهدّد بقتل أو قطع عضو من الأعضاء أو ضرب يخاف منه تلفاً (٦) حتى يفتري على رجل مسلم ففعل رجوت أن يكون في سعة من هذا، ولا يشبه هذا قتله ولا ضربه؛ لأن هذا ليس بفعل يفعل به. ألا ترى أنه لو أكره بتهدد بقتل حتى يكفر بالله ففعل وقلبه مطمئن بالإيمان لم يكن عليه شيء، فالكفر شتم منه لربه فهو أعظم من شتم المخلوق. ألا ترى أنه لو أكره على شتم محمد ﵇ بقتل كان في سعة إن شاء الله، فهذا أعظم من قذف امرئ مسلم. ولو أن رجلاً تهدّد (٧) بقتل حتى يكفر أو يشتم محمداً ﷺ أو يقذف امرًا مسلماً فلم يفعل حتى قتل كان إن شاء الله مأجوراً، وكان ذلك أفضل من إقدامه عليه وإن كان ذلك واسعًا. ولو تهدد بقتل أو بقطع اليد أو بضرب يخاف منه التلف حتى يشرب الخمر أو يأكل لحم الخنزير أو الميتة فلم يفعل حتى يقتل أو يفعل به ذلك خفت أن يكون آثماً؛ لأن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (٨)، فهذا مضطر بمنزلة الذي يخاف الموت على نفسه من العطش والجوع إن لم يأكل أو

стр. 3984

يشرب، فهو عندي آثم إن لم يفعل. ولا يشبه هذا الكفر وقذف المسلم؛ لأن الكفر وقذف المسلم أمر رخص فيه رخصة وتركه أفضل، ولم يجعل حلالاً إذا اضطر إليه كما جعلت الميتة ولحم الخنزير حلالاً لمن اضطر إليهما (١)، لأن شرب الخمر وأكل الميتة لم يحرم إلا بالنهي عنهما (٢)، فإذا جاءت الضرورة ذهب النهي فصار بمنزلة ما لم ينه عنه، فإذا صار بمنزلة ما لم ينه عنه صار كغيره من الأطعمة التي لم ينه عن أكلها؛ وإن الكفر بالله لم يحلّله الله تعالى لبشر ولا يستقيم أن يحل على حال، إلا أن في الضرورة رخصة، وكذلك القذف هو (٣) من مظالم الناس لا يحل من غير الضرورة بوجه من الوجوه. ولو أن رجلاً قيل له: لنقتلنك أو لتحلقن رأس فلان ولحيته أو لتحبسنه في السجن أو لتقيّدنه أو لتبرأن من دينه أو لتشهدن عليه بالكفر، فأبى أن يفعل حتى قتل كان عندي في سعة، وإن فعل شيئاً مما أمر به كان ذلك واسعًا أيضاً إن شاء الله. ولو أكره رجل رجلاً حتى يأخذ مال فلان فيدفعه إلى الذي أكرهه فإن كان الذي أكرهه يتهدّد بقتل أو بقطع (٤) عضو من الأعضاء أو بضرب يخاف منه تلفاً (٥) أو أمره بذلك أمراً ولم يتهدّده وهو يخاف إن قال: لا أفعل، صَنَعَ به بعض ما وصفت لك منه إلا أنه لم يتهدّده به رجوت أن يكون في سعة من أخذ مال الرجل ودفعه (٦) إليه، لأن هذا بمنزلة المضطر، والضمان في هذا على الآمر، وليس على المأمور في شيء من هذا ضمان. وإنما يسعه هذا ما دام حاضراً عند الآمر، فإن كان أرسله ليفعل (٧) فخاف إن ظفر به صَنَعَ به (٨) ما تهدّده به فليس يحل له أن يُقدم على شيء من هذا، إلا أن يكون رسول الآمر (٩) معه يخاف إن لم يفعل أن يؤدوه (١٠)

стр. 3985

إليه، فيكون هذا بمنزلة الذي كان حاضراً عنده سواء. وإنما وسعه في هذا أخذ مال الرجل لأنه مضطر. ألا ترى أن الرجل لا يحل له أن يَرْزَأ من مال الرجل المسلم قليلاً ولا كثيراً، ولو كانا في سفر ومع أحدهما طعام أو شراب وليس مع الآخر شيء فخاف الموت وأبى صاحبه أن يعطيه كان في سعة أن يأخذ (١) منه حتى يأكله، ويكره صاحبه عليه ويقاتله بما دون السلاح ما لم يأت على نفسه أو على عضو من أعضائه، ويعطيه قيمة ما أخذ منه. فكذلك المكره على ذلك إلا أن الضمان في المكره على الذي أكرهه، والضمان في المضطر على الذي أخذه. ولو أن المكره لم يتهدّد بشيء مما وصفت لك ولكنه تهدّد بالحبس أو الضرب الذي لا (٢) يخاف منه تلفاً أو تقييد (٣) لا يخاف منه غير ذلك لم يسعه أن يأخذ من ماله شيئاً، لأن هذا ظلم. والحبس والتقييد وما لا يخاف منه التلف من ضرب السوط الواحد ونحوه ليس من الضرورة. ولو هدده بالقتل على أن يأخذ ماله فيدفعه إليه فأبى حتى قتله كان عندنا في سعة من ذلك، فإن أخذه كان في سعة، وكل ذلك إن شاء الله تعالى واسع. … باب من الإكراه على قتل من يرثه وغير ذلك من القطع ولو أن لصاً غالباً أكره أبا رجل على قتله فقال: لأقتلنك ولتقتلنه، أو أكره أخاه على ذلك، وهو وارثه لا وارث له غيره، فقتله المكره على ذلك، لم يكن على القاتل المكره قود ولا دية، ولا يمنع الميراث القتل، وللقاتل الوارث أن يقتل الذي أكرهه على القتل في قياس قول أبي حنيفة. وهو قول محمد. وفي قياس قول أبي يوسف تكون الدية على الذي أكرهه على القتل، ويرثها القاتل لأنه مكره.

стр. 3986

وكذلك لو أن الذي أكرهه على القتل كان غلاماً لم يبلغ فأكرهه سلطان حتى قتل لم يكن على الغلام شيء، وكان القود على الذي أكرهه على ذلك في قياس قول أبي حنيفة ومحمد. وكذلك لو كان معتوهاً إلا أنه يعقل ما يؤمر به كان القود على الآمر بالقتل، ولا يبطل عنه القتل (١) بأن يكون القاتل (٢) لا قود عليه. ألا ترى أنه لو أمر رجلاً كبيراً عاقلًا أن يقطع يد نفسه فأكرهه على ذلك حتى فعل قطعت يده بيده، وهذا بمنزلة الغلام الذي لم يبلغ وبمنزلة المعتوه الذي يعقل ما أمر به وبمنزلة الأب يقتل ابنه. ولو كان الذي أمر بذلك غلام (٣) لم يحتلم إلا أنه يعقل وهو مسلط يجوز إكراهه ويطاع في ذلك، أو رجل به مِزَّة (٤) مختلط العقل وهو مسلط يجوز إكراهه، فأكره (٥) رجلاً على قتل رجل بتهدّد بقتل أو تلف حتى قتله، فلا قود على القاتل ولا دية، ولا يحرم الميراث بقتله إن كان وارثاً وإن قتله بالسيف، وتكون (٦) الدية على عاقلة الذي أكرهه في ثلاث سنين؛ فإن كان الذي أكرهه وارثاً للمقتول لم يحرم الميراث ولم تكن (٧) عليه كفارة، لأنه ممن لا يجري عليه القلم. ولو أن الذي أكرهه على قتله كان للمقتول أباً وهو يعقل فقتله المكره بأمر الأب فعلى الأب الدية في ماله في ثلاث سنين، ولا يرث من مال ابنه شيئاً ولا من ديته، لأنه كأنه قتله بيده. ولو أن رجلين لصين غالبين أمراً رجلاً واحداً أن يقطع يد رجل عمداً ظلمأ وأكرهاه على ذلك بقتل أو بضرب يخاف منه تلفاً (٨) فقطعها بأمرهما

стр. 3987

فلا شيء على القاطع، ودية اليد على الآمرين نصفين في أموالهما في سنتين، في السنة الأولى ثلثي نصف الدية؛ لأن ذلك ثلث جميع الدية، والثلث الباقي في السنة الثانية. ولا يكون على الآمرين قود؛ لأنه لا يقطع يدان بيد. ولو كان الآمر الذي أكره على ذلك واحداً والقاطعان رجلان فأكرههما حتى قطعاً اليد عمداً قُطعت يد الآمر ولم يُلتفت إلى القاطعين. ولو كان الآمر الذي أكره على ذلك رجلان والقاطع واحد فأكرهاه على قطع يد الرجل فقطعها عمداً بالسيف فمات المقطوعة يده من ذلك لم يكن على القاطع ضمان ولا قود (١)، وكان على الآمرين بالقطع القود، يقتلان جميعاً بالمقتول. وإن كان الآمران والقاتل بني (٢) عم المقتول [في القرابة] إليه شرعاً سواء ولا وارث له غيرهم كان للقاتل أن يقتل اللذين أكرهاه، والميراث له دونهما، ولا يحرم الميراث بقتله لأنه مكره، وكان اللذان أكرهاه هما القاتلين (٣). وكذلك إن كان الآمر (٤) بالقطع واحداً والقاطع اثنين (٥) فقطعا (٦) اليد فمات من ذلك والمسألة على حالها فعلى الآمر القود، وللقاطعين أن (٧) يقتلاه (٨)، ويرثان المقتول، ولا يرث الآمر من ذلك شيئاً. وإن كان الآمر أيضاً أقرب إليه منهما ولا وارث للمقتول بعده غيرهما كان لهما أن يقتلاه، ويرثان المقتول دونه. …

стр. 3988

باب من الإكراه على دفع المال وأخذه وهو يريد غير ما أخذ عليه ولو أن لصا غالباً أكره رجلاً بتهدد بقتل أو قطع أو ضرب يخاف منه تلف حتى أعطى رجلاً ماله ظلماً، وأكره الآخر أيضاً بمثل ذلك حتى يقبضه منه وديعة، فقبض ذلك المستودع، فهلك المال عنده، فلا ضمان عليه، لأنه لم يأخذه ليذهب به (١)، وإنما أخذه ليرده على صاحبه، وهو مكره في أخذه. فإن هلك في يدي (٢) المستودع قبل أن يدفعه (٣) إلى صاحبه كان لصاحب المال أن يضمن الذي أكرهه، ولا ضمان له على الذي قبض المال؛ لأنه لم يستهلكه. فإن قال قائل: وكيف (٤) لا يضمن وقد قبضه بغير أمر صاحبه؟ قيل له (٥): لأنه مكره على قبضه، فهذا عذر؛ ألا ترى أن رجلاً لو هلك منه مال أو أبق منه عبد فأخذه رجل وأشهد أنه يأخذه ليرده على صاحبه لم يكن عليه ضمان إن هلك عنده. فهذا قد أخذ المال بغير أمر من صاحبه، فكذلك هذا، والمكره أحسنهما حالاً. ولو كان الذي أكرههما على هذا لم يكره القابض على أن يأخذه وديعة لصاحب المال، ولكنه أكرهه على أن يأخذه ليدفعه إلى الذي أكرههما، فلما قبضه المكره على قبضه ضاع منه فلا ضمان عليه أيضاً، فإن كان قد قبضه على ما ذكرت، إذا حلف المكره على قبض المال بالله ما أخذه ليدفعه إليه طائعًا، وما أخذه إلا ليرده إلى صاحبه إلا أن يكره على دفعه، فلا ضمان عليه إذا حلف على ذلك. ولو أن الذي أكرههما لم يكرههما على ما وصفت لك، ولكنه أكره

стр. 3989

صاحب المال على أن يهب المال لصاحبه، فأبى صاحبه أن يقبل الهبة، فأكرهه على أن يقبل منه الهبة ويقبضها بتهدّد بقتل أو بأمر يخاف منه تلف، فقبض (١) منه الهبة، فضاعت عند الموهوبة له، ثم اختصموا جميعاً إلى القاضي، فأراد الواهب أن يضمن الموهوب له، فإن قال الموهوب (٢) له: إني أخذتها منه على الهبة لتسلم لي، فهو على ذلك، وهو ضامن لها، وللواهب الخيار: إن شاء ضمنه (٣)، وإن شاء ضمن الذي أكرههما. فإن ضمن الذي أكرههما رجع على الموهوبة له؛ لأنه إنما ضمن المال بقبض الموهوبة له، وقد كانت الهبة قبل القبض، فلا يجعل الذي أكرههما بمنزلة الواهب. وإن ضمن الموهوب له لم يكن على الذي أكرههما (٤) شيء؛ لأنه أخذه على أنه له فضمنه. فإن قال الموهوب له (٥): إني لم آخذه على الهبة لتسلم لي، ولكني أخذتها على أن تكون (٦) في يدي في مثل الوديعة حتى أرده على صاحبه (٧)، كان القول قوله مع يمينه؛ لأنه مكره لا يقدر على أن يتكلم بهذا فيقتل أو يعاقب، والضمان على الذي أكرهه. ولو كان يقدر على أن يتكلم بذلك عند الهبة يضمن، إلا أن يكون قال ذلك عند الهبة؛ ألا ترى أن المكره على الكفر إذا قال بعدما تكلم بالكفر: لم يعقد (٨) عليه قلبي، صدق بقوله، ولم تبن منه امرأته؛ أولا ترى أن عبداً آبقًا لرجل لو أراد رجل أن يأخذه فيذهب به إلى صاحبه، فلم يقدر على ذلك إلا بشراء أو هبة، فطلب ذلك حتى وهب له أو اشتراه، كان ضامناً له حتى يُشهِد عند ذلك أنه إنما يأخذه بالشراء أو الهبة (٩) ليرده على مولاه. فإذا أشهد بذلك لم يضمن، وكان أميناً فيه، إن مات في يده لم يضمن، وإن سلمة لمولاه أخذ منه جُعله. فكذلك المكره على الهبة، إلا أن المكره على الهبة يصدق بقوله بغير بينة.

стр. 3990

وكذلك لو أن رجلاً أكره رجلاً على بيع عبده وأكره رجلاً آخر على شرائه، فاشتراه المكره، وأكرههما على القبض أيضاً، فقبضه المشتري وأعطى البائع الثمن، فهلك العبد والثمن، ثم اختصموا إلى القاضي، فإن ضمان الثمن للذي نقد الثمن، وضمان العبد لصاحب العبد الذي باعه على الذي أكرههما على ذلك. فإن أراد أحدهما أن يضمن صاحبه سئل كل واحد منهما عن ما قبض على أي وجه قبضه. فإن قال: قبضته على البيع الذي أكرهنا عليه على أن يكون لي سالماً، فإن قالا ذلك جميعاً فالبيع جائز، ولا ضمان على الذي أكرههما؛ لأنهما زعما أنهما رضيا بذلك. فإن قال كل واحد منهما: قبضته على الإكراه لأرده إلى صاحبه (١) وآخذ ما أعطيته، استحلف كل واحد منهما بالله لصاحبه على ذلك. فإن حلفا لم يكن لواحد منهما على صاحبه ضمان (٢)، وكان الضمان (٣) لهما جميعاً على الذي أكرههما. وإن حلف أحدهما وأبى الآخر أن يحلف لم يضمن الذي حلف. وأما الآخر الذي لم يحلف فهو ضامن لما قبض. فإن كان هو الذي قبض العبد ضمن الذي أكرههما قيمته للبائع صاحب العبد إن شاء ذلك، ورجع الذي أكرههما بالقيمة التي (٤) ضمن على المشتري؛ لأن الذي أكرههما إنما ضمن بإكراهه إياهما على القبض، وقد كان البيع قبل القبض، فلا يكون بمنزلة البائع. فإن شاء البائع (٥) ضمن قيمة العبد الذي قبضه منه، ولم يرجع المشتري على الذي أكرهه بشيء؛ لأنه (٦) يقر أنه لم يقبضه على الإكراه (٧)، إنما قبضه على أن يكون له سالماً بالشراء، ولم يكن له أيضاً على البائع من الثمن شيء. وإن كان الذي أبى اليمين الذي قبض الثمن، وحلف الذي قبض العبد، فلا ضمان في العبد على الذي أكرههما؛ لأن

стр. 3991

الذي دفعه زعم أنه دفعه على أن يكون له الثمن. ولا ضمان له أيضاً على الذي قبضه؛ لأن الذي قبضه (١) حلف أنه قبضه ليرده. والذي دفع الثمن بالخيار: إن شاء ضمنه الذي أكرههما، وإن شاء ضمنه الذي قبضه. فإن ضمن الذي قبضه لم يرجع على الذي أكرههما؛ لأنه زعم أنه أخذه على أنه له فصار له ضامناً، وإن ضمنه الذي أكرههما رجع به الذي أكرههما على الذي قبضه؛ لأن الذي قبضه يزعم أنه أعطى عبده (٢) المشتري وأخذ الثمن لنفسه ليسلم له، فهذا إقرار منه بأنه أعطاه عبده (٣) على الرضى وأخذ الثمن (٤) على الرضى بغير إكراه، فكان الذي أكرههما لم يكرهه فيما أقر به. فإذا ضمن الذي أكرههما الثمن رجع به على الذي أخذه؛ لأن الذي قبض العبد حين لم يكن عليه ضمان في العبد فكأنه لم يقبضه، فصار البائع قابضاً للثمن بغير حق وهو غير مكره، فصار ضامناً له. وإن ضمنه الذي أكرههما رجع به على الذي قبضه. ولو أن الذي أكرههما إنما أكرههما على البيع والشراء ولم يذكر لهما قبضا، فلما تبايعا لم يتقابضا حتى فارقا الذي أكرههما، ثم تقابضا على ذلك البيع، فهذا جائز والبيع تام فيما بينهما؛ لأنهما لم يكرها على قبض، إنما أكرها على البيع بغير قبض، فإذا تقابضا على ذلك البيع بغير إكراه فهذا رضي منهما وإجازة له. ألا ترى أنهما لو أجازاه وقد كان أكرههما (٥) على البيع والقبض أو البيع بغير قبض، فلما تبايعا أجازا جميعاً البيع بغير إكراه جاز البيع فيما بينهما. ولو أن الذي أكرههما على البيع والتقابض لم يكرههما بتهدد بقتل ولا تلف، ولكنه أكرههما بحبس أو بقيد أو نحو ذلك مما ليس فيه تلف، فتقابضا على ذلك، فقبض المشتري العبد وقبض البائع الثمن، فإن

стр. 3992

البيع لا يجوز. فإن ضاع ذلك عندهما فكل واحد منهما ضامن لما قبض من صاحبه؛ لأنه لا يجوز ما صنعا في أموالهما إذا تهدد بالحبس والتقييد، فيكون ما أعطى من مالهما على وجه البيع والهبة والوديعة وغير ذلك لا يجوز عليهما، ويكون ما قبض كل واحد منهما على التهدد بالحبس والتقييد لا يجوز، فكذلك لا يجوز على واحد منهما البيع، ويضمن كل واحد منهما ما قبض من صاحبه. ولا ضمان في هذا على الذي أكرههما؛ لأنه لم يكرههما بأمر يخاف منه (١) التلف. ألا ترى أنه لو قال لرجل في يديه مال: أودع هذا الرجل مالك أو لأحبسنك أو لأقيدنك، وأبى الآخر أن يقبل الوديعة، فقال: لتقبلن الوديعة أو لأحبسنك أو لأقيدنك، ولا يخافان (٢) منه تلفاً إلا ما أكرههما به، ودفع صاحب الوديعة وديعته، وأخذها الآخر فضاعت عنده لم يكن على الآخر ضمان؛ لأنه لم يأخذها لنفسه، إنما أخذها للذي أعطاها إياه. ولا ضمان على الذي أكرههما أيضاً؛ لأنه لم يكرههما بأمر يخافان منه تلفاً. ولو قال: أكرهك بالحبس والتقييد حتى تهب مالك لهذا الرجل وتدفعه إليه، وأبى الآخر أن يقبل، فقال: أهددك بالحبس والتقييد حتى تقبل وتقبض، ففعلًا، فضاعت الهبة عند الموهوب له، فالموهوب له ضامن للهبة؛ لِأَخْذِهَا (٣) على أنها له. ولا ضمان على الذي أكرههما؛ لأنه أكره المعطي بغير تلف. ولو أكره المعطي بالحبس والتقييد (٤) وأكره الآخر بالسيف فقال (٥): لتأخذن الهبة أو لأقتلنك، فأخذ الهبة فضاعت عنده، فلا ضمان على الذي أكرههما؛ لأنه إنما أكره المعطي بغير تلف. ولا ضمان على الآخذة لأنه أكره على الأخذ بتلف، وقد بطل حق المعطي؛ لأنه فيه كأنه غير مكره حين أكره بغير تلف. ولو أكره المعطي بتلف فقال له: لتعطينه مالك هذا هبة أو لأقتلنك أو أقطع منك عضواً، وقال ذلك له قولًا وهو يخاف ذلك منه، وقال للقابض: لتأخذن منه (٦) أو لأحبسنك أو لأقيدنك، وليس يخاف منه غير ذلك، فقبض الهبة فضاعت عنده، فصاحب المال

стр. 3993

بالخيار: إن شاء ضمن الذي أكرهه قيمة هبته، وإن شاء ضمن ذلك القابض. فإن ضمن القابض لم يرجع على الذي أكرهه؛ لأن ذلك الإكراه ليس بإكراه يضمن به. وإن ضمن الذي أكرهه رجع على القابض بقيمة الهبة؛ لأن القابض لم يكن مكرهاً كَرْهاً يعذر فيه بقبض الهبة، لأنه لا يخاف تلفاً. وكذلك البيع. لو قال للبائع: لأقتلنك أو لتبيعن عبدك من هذا بألف درهم وتدفعه إليه وتقبض الثمن، فأبى الآخر أن يشتريه، فقال: لأحبسنك أو لتشترينه منه بألف درهم وتدفع إليه الثمن، ففعلًا وتقابضا، فضاع ما قبضا جميعاً، ثم اختصموا، فإن البائع لا ضمان عليه فيما قبض بعد أن يحلف بالله ما قبض المال لنفسه على أن يَسْلَم على البيع الذي كان بينهما، وما قبضه إلا ليرده إلى صاحبه. فإذا حلف على هذا فلا ضمان عليه، والمشتري ضامن لقيمة العبد للبائع. وإن شاء البائع ضمن الذي أكرهه قيمة العبد. فإن ضمنه ذلك رجع على المشتري بالقيمة، وإن ضمن المشتري لم يرجع المشتري على الذي أكرهه بشيء. فأما الثمن الذي غرمه المشتري فلا ضمان فيه على أحد؛ لأن المشتري لم يكرهه (١) على ذلك بتلف، فيضمن له ما أعطى. إنما التهدد بغير تلف مثل الحبس والتقييد ونحوه لا يجوز فيه ما صنع المكره من البيع والهبة ونحو ذلك. فأما أن يضمن له ذلك الذي أكرهه وهو الذي دفعه فليس في ذلك ضمان على الذي أكرهه. وإن كان الذي أكرهه (٢) بالتلف المشتري والذي أكرهه (٣) بالتقييد (٤) والحبس البائع والمسألة على حالها ضمن البائع الثمن للمشتري، وإن شاء المشتري ضمنه. فإن ضمن الذي أكرهه رجع به على الذي هلك عنده، وإن ضمنه البائع لم يرجع به على الذي أكرهه. ولا ضمان للبائع على المشتري ولا على الذي أكرهه في العبد؛ لأنه دفعه (٥) بغير إكراه. …

стр. 3994

باب من الإكراه على أن يقر بأمر ماض (١) ولو أن رجلاً أكرهه لص غالب على أن يقر بعتق عبده هذا، فقال: إني لم أعتقه، فقال له: لأقتلنك أو لأحبسنك في السجن أو لأقيدنك أو لتقرن أنك أعتقته أمس، فأقر بذلك، كان إقراره باطلاً. وكذلك لو قال له: لأقتلنك أو لأحبسنك في السجن أو لأقيدنك أو لتقرن أنك طلقت امرأتك أمس ثلاثاً، فأقر بذلك، لم يكن هذا طلاقاً، وكانت المرأة امرأته على حالها. وكذلك لو قال له: لأقتلنك أو لأحبسنك في السجن أو لتقرن أنك تزوجت هذه المرأة أمس، فأقر بذلك، كان الإقرار باطلاً كله، لا يجوز عليه إقراره بنكاح ولا على طلاق ولا على (٢) عتاق. ولا يشبه إكراهه إياه على أن يطلق طلاقاً مستقبلاً وعلى أن يتزوج تزويجًا مستقبلاً؛ لأنه إذا أكرهه على الإقرار بشيء ماض فإنما أكرهه على أن يكذب، والكذب إذا كان بإكراه فهو باطل. والطلاق المستقبل والعتاق المستقبل والنكاح المستقبل جده وهزله سواء، والإكراه عليه كله جائز. ألا ترى أن رجلاً لو طلق لاعباً أو أعتق لاعباً أو نكح لاعباً جاز عليه في القضاء وفيما بينه وبين الله تعالى، ولو أخبر عن شيء من ذلك وهو فيه كاذب لاعباً أو جاداً لم يلزمه شيء فيما بينه وبين الله تعالى (٣) ووسعه الإقامة على امرأته وعلى رقيقه، ولا يحل بهذا القول له النكاح، فلهذا افترقا. وكذلك لو وجب له قصاص على رجل في نفس أو ما دونها، فأكره على أن يقر بأنه (٤) قد عفا عنه، فقيل له: لنقتلنك أو لنسجننك (٥) أو لتقرن بأنك قد عفوت عنه أمس، فأقر بذلك ولم يكن عفا عنه، فالإقرار بذلك

стр. 3995

باطل لا يلزم، وله أن يقتله؛ لأنه أخبر بكذب أكره عليه. وهذا لا يشبه إكراهه إياه على أن يعفو عنه عفواً (١) مستقبلاً؛ لأن العفو المستقبل (٢) عفو لا يسعه في القضاء وفيما بينه وبين ربه أن يقتله بعد عفوه، والإقرار بأمر ماض لم يكن فهو كذب، فإنما أكرهه على أن يكذب، فالإقرار بالكذب وهو مكره عليه باطل. ولو أن رجلاً أكره على أن يقر بعبد له أنه ابنه، فأبى أن يقر بذلك، فقال له: لأقتلنك أو لأحبسنك أو لتقرن بذلك، فأقر به، لم يكن ابنه ولم يعتق؛ لأن هذا ليس بعتق مستقبل، إنما هذا خبر (٣) بأمر ماض، فإنما هو كذب أكره عليه. وكذلك لو أكره على أن يقر بأن هذه الجارية أم ولد له قد ولدت منه ولداً، فأقر بذلك، كان إقراره باطلاً. وكذلك لو أقر بتدبير ماض بإكراه كان إقراره باطلاً. ولو أن نصرانياً أكره على الإسلام حتى أسلم كان مسلماً، فلو رجع إلى النصرانية لم يترك وأجبر على الإسلام، فإن أبى أن يسلم حبس حتى يسلم، ولا يقتل للشبهة التي دخلت؛ لأنا لا نعلم من سره ما يعلم. ألا ترى أن أبا حنيفة قال في المكره على الكفر: القياس أن تبين منه امرأته؛ لأنا لا نعلم من سره ما يعلم (٤)، ولكني (٥) أستحسن أن لا أبينها (٦) منه. فإذا كان هذا استحساناً لم يجز في الاستحسان أن يرد المسلم إلى الكفر ويبطل إسلامه، ولكن يؤخذ في هذا بالقياس، فيجبر على الإسلام ولا يقتل. ولو لم يكرهه على الإسلام ولكنه أكرهه على أن يقر أنه أسلم أمس ووصف الإسلام وصلى مع المسلمين، فأكرهه على أن يقر بأن هذا قد كان منه فيما مضى، فأقر بذلك ثم رجع عنه، لم يعرض له، وكان على كفره
следующие страницы →