← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 14285

الأصل لمحمد بن الحسن - ت بوينوكالن

محمد بن الحسن الشيباني

Полный текст (6 738 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

الذي دفعه زعم أنه دفعه على أن يكون له الثمن. ولا ضمان له أيضاً على الذي قبضه؛ لأن الذي قبضه (١) حلف أنه قبضه ليرده. والذي دفع الثمن بالخيار: إن شاء ضمنه الذي أكرههما، وإن شاء ضمنه الذي قبضه. فإن ضمن الذي قبضه لم يرجع على الذي أكرههما؛ لأنه زعم أنه أخذه على أنه له فصار له ضامناً، وإن ضمنه الذي أكرههما رجع به الذي أكرههما على الذي قبضه؛ لأن الذي قبضه يزعم أنه أعطى عبده (٢) المشتري وأخذ الثمن لنفسه ليسلم له، فهذا إقرار منه بأنه أعطاه عبده (٣) على الرضى وأخذ الثمن (٤) على الرضى بغير إكراه، فكان الذي أكرههما لم يكرهه فيما أقر به. فإذا ضمن الذي أكرههما الثمن رجع به على الذي أخذه؛ لأن الذي قبض العبد حين لم يكن عليه ضمان في العبد فكأنه لم يقبضه، فصار البائع قابضاً للثمن بغير حق وهو غير مكره، فصار ضامناً له. وإن ضمنه الذي أكرههما رجع به على الذي قبضه. ولو أن الذي أكرههما إنما أكرههما على البيع والشراء ولم يذكر لهما قبضا، فلما تبايعا لم يتقابضا حتى فارقا الذي أكرههما، ثم تقابضا على ذلك البيع، فهذا جائز والبيع تام فيما بينهما؛ لأنهما لم يكرها على قبض، إنما أكرها على البيع بغير قبض، فإذا تقابضا على ذلك البيع بغير إكراه فهذا رضي منهما وإجازة له. ألا ترى أنهما لو أجازاه وقد كان أكرههما (٥) على البيع والقبض أو البيع بغير قبض، فلما تبايعا أجازا جميعاً البيع بغير إكراه جاز البيع فيما بينهما. ولو أن الذي أكرههما على البيع والتقابض لم يكرههما بتهدد بقتل ولا تلف، ولكنه أكرههما بحبس أو بقيد أو نحو ذلك مما ليس فيه تلف، فتقابضا على ذلك، فقبض المشتري العبد وقبض البائع الثمن، فإن

стр. 3992

البيع لا يجوز. فإن ضاع ذلك عندهما فكل واحد منهما ضامن لما قبض من صاحبه؛ لأنه لا يجوز ما صنعا في أموالهما إذا تهدد بالحبس والتقييد، فيكون ما أعطى من مالهما على وجه البيع والهبة والوديعة وغير ذلك لا يجوز عليهما، ويكون ما قبض كل واحد منهما على التهدد بالحبس والتقييد لا يجوز، فكذلك لا يجوز على واحد منهما البيع، ويضمن كل واحد منهما ما قبض من صاحبه. ولا ضمان في هذا على الذي أكرههما؛ لأنه لم يكرههما بأمر يخاف منه (١) التلف. ألا ترى أنه لو قال لرجل في يديه مال: أودع هذا الرجل مالك أو لأحبسنك أو لأقيدنك، وأبى الآخر أن يقبل الوديعة، فقال: لتقبلن الوديعة أو لأحبسنك أو لأقيدنك، ولا يخافان (٢) منه تلفاً إلا ما أكرههما به، ودفع صاحب الوديعة وديعته، وأخذها الآخر فضاعت عنده لم يكن على الآخر ضمان؛ لأنه لم يأخذها لنفسه، إنما أخذها للذي أعطاها إياه. ولا ضمان على الذي أكرههما أيضاً؛ لأنه لم يكرههما بأمر يخافان منه تلفاً. ولو قال: أكرهك بالحبس والتقييد حتى تهب مالك لهذا الرجل وتدفعه إليه، وأبى الآخر أن يقبل، فقال: أهددك بالحبس والتقييد حتى تقبل وتقبض، ففعلًا، فضاعت الهبة عند الموهوب له، فالموهوب له ضامن للهبة؛ لِأَخْذِهَا (٣) على أنها له. ولا ضمان على الذي أكرههما؛ لأنه أكره المعطي بغير تلف. ولو أكره المعطي بالحبس والتقييد (٤) وأكره الآخر بالسيف فقال (٥): لتأخذن الهبة أو لأقتلنك، فأخذ الهبة فضاعت عنده، فلا ضمان على الذي أكرههما؛ لأنه إنما أكره المعطي بغير تلف. ولا ضمان على الآخذة لأنه أكره على الأخذ بتلف، وقد بطل حق المعطي؛ لأنه فيه كأنه غير مكره حين أكره بغير تلف. ولو أكره المعطي بتلف فقال له: لتعطينه مالك هذا هبة أو لأقتلنك أو أقطع منك عضواً، وقال ذلك له قولًا وهو يخاف ذلك منه، وقال للقابض: لتأخذن منه (٦) أو لأحبسنك أو لأقيدنك، وليس يخاف منه غير ذلك، فقبض الهبة فضاعت عنده، فصاحب المال

стр. 3993

بالخيار: إن شاء ضمن الذي أكرهه قيمة هبته، وإن شاء ضمن ذلك القابض. فإن ضمن القابض لم يرجع على الذي أكرهه؛ لأن ذلك الإكراه ليس بإكراه يضمن به. وإن ضمن الذي أكرهه رجع على القابض بقيمة الهبة؛ لأن القابض لم يكن مكرهاً كَرْهاً يعذر فيه بقبض الهبة، لأنه لا يخاف تلفاً. وكذلك البيع. لو قال للبائع: لأقتلنك أو لتبيعن عبدك من هذا بألف درهم وتدفعه إليه وتقبض الثمن، فأبى الآخر أن يشتريه، فقال: لأحبسنك أو لتشترينه منه بألف درهم وتدفع إليه الثمن، ففعلًا وتقابضا، فضاع ما قبضا جميعاً، ثم اختصموا، فإن البائع لا ضمان عليه فيما قبض بعد أن يحلف بالله ما قبض المال لنفسه على أن يَسْلَم على البيع الذي كان بينهما، وما قبضه إلا ليرده إلى صاحبه. فإذا حلف على هذا فلا ضمان عليه، والمشتري ضامن لقيمة العبد للبائع. وإن شاء البائع ضمن الذي أكرهه قيمة العبد. فإن ضمنه ذلك رجع على المشتري بالقيمة، وإن ضمن المشتري لم يرجع المشتري على الذي أكرهه بشيء. فأما الثمن الذي غرمه المشتري فلا ضمان فيه على أحد؛ لأن المشتري لم يكرهه (١) على ذلك بتلف، فيضمن له ما أعطى. إنما التهدد بغير تلف مثل الحبس والتقييد ونحوه لا يجوز فيه ما صنع المكره من البيع والهبة ونحو ذلك. فأما أن يضمن له ذلك الذي أكرهه وهو الذي دفعه فليس في ذلك ضمان على الذي أكرهه. وإن كان الذي أكرهه (٢) بالتلف المشتري والذي أكرهه (٣) بالتقييد (٤) والحبس البائع والمسألة على حالها ضمن البائع الثمن للمشتري، وإن شاء المشتري ضمنه. فإن ضمن الذي أكرهه رجع به على الذي هلك عنده، وإن ضمنه البائع لم يرجع به على الذي أكرهه. ولا ضمان للبائع على المشتري ولا على الذي أكرهه في العبد؛ لأنه دفعه (٥) بغير إكراه. …

стр. 3994

باب من الإكراه على أن يقر بأمر ماض (١) ولو أن رجلاً أكرهه لص غالب على أن يقر بعتق عبده هذا، فقال: إني لم أعتقه، فقال له: لأقتلنك أو لأحبسنك في السجن أو لأقيدنك أو لتقرن أنك أعتقته أمس، فأقر بذلك، كان إقراره باطلاً. وكذلك لو قال له: لأقتلنك أو لأحبسنك في السجن أو لأقيدنك أو لتقرن أنك طلقت امرأتك أمس ثلاثاً، فأقر بذلك، لم يكن هذا طلاقاً، وكانت المرأة امرأته على حالها. وكذلك لو قال له: لأقتلنك أو لأحبسنك في السجن أو لتقرن أنك تزوجت هذه المرأة أمس، فأقر بذلك، كان الإقرار باطلاً كله، لا يجوز عليه إقراره بنكاح ولا على طلاق ولا على (٢) عتاق. ولا يشبه إكراهه إياه على أن يطلق طلاقاً مستقبلاً وعلى أن يتزوج تزويجًا مستقبلاً؛ لأنه إذا أكرهه على الإقرار بشيء ماض فإنما أكرهه على أن يكذب، والكذب إذا كان بإكراه فهو باطل. والطلاق المستقبل والعتاق المستقبل والنكاح المستقبل جده وهزله سواء، والإكراه عليه كله جائز. ألا ترى أن رجلاً لو طلق لاعباً أو أعتق لاعباً أو نكح لاعباً جاز عليه في القضاء وفيما بينه وبين الله تعالى، ولو أخبر عن شيء من ذلك وهو فيه كاذب لاعباً أو جاداً لم يلزمه شيء فيما بينه وبين الله تعالى (٣) ووسعه الإقامة على امرأته وعلى رقيقه، ولا يحل بهذا القول له النكاح، فلهذا افترقا. وكذلك لو وجب له قصاص على رجل في نفس أو ما دونها، فأكره على أن يقر بأنه (٤) قد عفا عنه، فقيل له: لنقتلنك أو لنسجننك (٥) أو لتقرن بأنك قد عفوت عنه أمس، فأقر بذلك ولم يكن عفا عنه، فالإقرار بذلك

стр. 3995

باطل لا يلزم، وله أن يقتله؛ لأنه أخبر بكذب أكره عليه. وهذا لا يشبه إكراهه إياه على أن يعفو عنه عفواً (١) مستقبلاً؛ لأن العفو المستقبل (٢) عفو لا يسعه في القضاء وفيما بينه وبين ربه أن يقتله بعد عفوه، والإقرار بأمر ماض لم يكن فهو كذب، فإنما أكرهه على أن يكذب، فالإقرار بالكذب وهو مكره عليه باطل. ولو أن رجلاً أكره على أن يقر بعبد له أنه ابنه، فأبى أن يقر بذلك، فقال له: لأقتلنك أو لأحبسنك أو لتقرن بذلك، فأقر به، لم يكن ابنه ولم يعتق؛ لأن هذا ليس بعتق مستقبل، إنما هذا خبر (٣) بأمر ماض، فإنما هو كذب أكره عليه. وكذلك لو أكره على أن يقر بأن هذه الجارية أم ولد له قد ولدت منه ولداً، فأقر بذلك، كان إقراره باطلاً. وكذلك لو أقر بتدبير ماض بإكراه كان إقراره باطلاً. ولو أن نصرانياً أكره على الإسلام حتى أسلم كان مسلماً، فلو رجع إلى النصرانية لم يترك وأجبر على الإسلام، فإن أبى أن يسلم حبس حتى يسلم، ولا يقتل للشبهة التي دخلت؛ لأنا لا نعلم من سره ما يعلم. ألا ترى أن أبا حنيفة قال في المكره على الكفر: القياس أن تبين منه امرأته؛ لأنا لا نعلم من سره ما يعلم (٤)، ولكني (٥) أستحسن أن لا أبينها (٦) منه. فإذا كان هذا استحساناً لم يجز في الاستحسان أن يرد المسلم إلى الكفر ويبطل إسلامه، ولكن يؤخذ في هذا بالقياس، فيجبر على الإسلام ولا يقتل. ولو لم يكرهه على الإسلام ولكنه أكرهه على أن يقر أنه أسلم أمس ووصف الإسلام وصلى مع المسلمين، فأكرهه على أن يقر بأن هذا قد كان منه فيما مضى، فأقر بذلك ثم رجع عنه، لم يعرض له، وكان على كفره

стр. 3996

على حالة. ولا يشبه إكراهه إياه على أن يسلم إسلاماً مستقبلاً إكراهه إياه على أن يقر بأمر ماض؛ لأن الإسلام المستقبل إسلام والإخبار بأمر ماض بإكراه كذب، فكأنه لم يتكلم به. فإن قال قائل: كيف جاز الإكراه على الطلاق المستقبل والنكاح المستقبل والعتاق المستقبل والعفو عن العبد ولم يجز على غير ذلك من البيوع ونحوه؟ قيل له: لا تشبه (١) هذه الأشياء البيوع ونحوها؛ ألا ترى أن رجلاً لو طلق امرأته على أنه بالخيار وقع الطلاق وبطل (٢) الخيار. وكذلك العتاق وكذلك النكاح؛ لأنه لا يجوز أن ينقض بالخيار بعدما وقع، والبيع ونحوه يجوز فيه الخيار وينقض بعدما وقع. أرأيت رجلاً أكره حتى باع عبداً له أليس (٣) له أن ينقض البيع؟ قالوا: بلى. قيل لهم: فإن هو قال بعدما ذهب عنه الإكراه: قد كنت أكرهت حين بعت، فقد أجزت ذلك البيع الآن بغير إكراه، أيجوز ذلك البيع؟ قالوا: نعم، ولا يكون للمشتري أن ينقضه (٤)؛ لأن المشتري لم يكن أكره. قيل لهم: أفلا ترون أن البيع قد وقع إلا أن للبائع فيه خياراً، فكذلك (٥) جاز الإكراه في الطلاق والعتاق والنكاح والعفو، لأنه لا يجوز فيه الخيار (٦). ولو كان القول في الطلاق والعتاق والنكاح أنه يبطل في الإكراه ما جاز البيع وإن أجازه الذي أكره عليه؛ لأنه ينبغي أن لا يكون بيعاً كما لا يكون طلاقاً ولا عتاقًا ولا نكاحاً ولا عفواً. ولو كان صاحب البيع أكره على أن يقر بأنه باع أمس عبده بألف

стр. 3997

درهم، فأقر بذلك ولم يكن فعل، فقال: أنا أجيز ذلك الآن، لم يجز هذا البيع أبداً وإن (١) أجازه؛ أولا ترى أن هذا الماضي (٢) لم يجز، وإن أجاز ذلك (٣) كان بمنزلة ما أكره عليه من الإقرار بطلاق ماض وعتاق ماض وعفو ماض، فبطل (٤) ذلك كله، فلهذا وشبهه جاز الإكراه على الطلاق المستقبل والعتاق والنكاح والعفو. ولو أكرهه على أن يقر بأنه لا قود له قبل هذا الرجل، فقال له: لأقتلنك أو لأحبسنك أو لأقيدنك أو لتقرن بأنه لا قود لك قبل هذا الرجل، ولا بينة له عليه بذلك، فأقر بذلك، ثم أقام على الرجل البينة بشيء يوجب عليه القود كان قبل الإكراه، فإن القاضي يبطل جميع ما أكره عليه من ذلك، ويقبل بينته، ويقتص له ممن كان له (٥) قبله القود. وكذلك لو أكرهه على أن يقر بأنه لم يتزوج هذه المرأة، ولا بينة له عليها بذلك، فأقر بذلك (٦)، ثم أقام البينة على التزويج، قبلت بينته، وقضي له عليها بالنكاح، وكان الإكراه باطلاً. وكذلك لو أكره على أن يقر أن هذا العبد ليس بعبده وأنه حر الأصل، فأقر بهذا، ثم أقام البينة أنه عبده، قبل ذلك منه وصار عبده، وبطل الإكراه. فهذا لا يشبه العتق المستقبل الذي يكره عليه ولا الطلاق المستقبل ولا النكاح المستقبل ولا العفو المستقبل. … باب الإكراه في الخلع والنكاح والعفو والصلح من دم العمد على المال والعتق ولو أن رجلاً أكره بوعيد بقتل أو تلف حتى خلع امرأته على ألف درهم، ومهرها الذي تزوجها عليه أربعة آلاف درهم، وقد دخل بها،

стр. 3998

والمرأة غير مكرهة، فالخلع واقع، وللزوج على المرأة ألف درهم، ولا شيء للزوج على الذي أكرهه. وكذلك لو كان لرجل على رجل دم عمد فأكرهه على أن يصالحه من ذلك على ألف درهم، والذي قِبَلَه الدم غير مكره، فالصلح جائز على ألف درهم، ولا شيء لصاحب الدم على الذي أكرهه، ولا شيء له أيضاً على الذي كان قِبَلَه الدم غير الألف التي (١) صالحة عليها. ولو أكرهه على أن يعتق عبده على مائة درهم، والعبد قيمته ألف في رهم، والعبد غير مكره، فأعتقه على ذلك، وقبل العبد، فالعتق جائز على المائة، ومولى العبد بالخيار: إن شاء ضمن الذي كرهه قيمة العبد ورجع الذي ضمن القيمة على العبد بالمائة فيأخذها منه، وإن شاء أخذ المائة من العبد ورجع على الذي أكرهه بتسعمائة درهم تمام القيمة. وإن كان أكرهه على أن يعتق العبد على ألفي درهم إلى سنة، وقيمة العبد ألف درهم، ففعل، والعبد غير مكره، فلم يحل المال حتى خاصمهم المولى إلى القاضي، فإن القاضي يخيره، فإن شاء (٢) رجع على الذي أكرهه بقيمة العبد حالة، وكانت الألفان التي على العبد للذي ضمن القيمة إلى أجلها يأخذ منها ألف درهم مثلما غرم ويتصدق بالفضل، وإن شاء رجع المولى على العبد بألفي درهم إلى الأجل ولم يكن له على الذي أكرهه شيء. فإن كانت الألفان (٣) نجوماً فحل نجم منها فطلب المولى بذلك النجم العبد بغير إكراه فقد اختار اتباع (٤) العبد، ولا ضمان له على الذي أكرهه. ولو أن امرأة أكرهت بوعيد بقتل أو تلف أو حبس أو بقيد حتى تَقْبَل من زوجها تطليقة يطلقها إياها على ألف درهم، فطلقها زوجها تطليقة على ألف درهم، وقبلت ذلك مكرهة، والزوج غير مكره، وقد كان الزوج دخل بها، ومهرها الذي تزوجها عليه أربعة آلاف درهم أو خمسمائة درهم، فالطلاق واقع، وهي تطليقة بملك (٥) الرجعة، ولا شيء على المرأة من المال. فإن قالت المرأة بعد ذلك حين قال لها: "إن الطلاق بملك (٦)

стр. 3999

الرجعة"، "فقد رضيتُ بتلك التطليقة بذلك المال بغير إكراه" فإن قياس قول أبي حنيفة أن يكون ذلك جائزاً، وتكون (١) تلك التطليقة بائنة بذلك المال، ويجب المال على المرأة. وقال محمد: إجازتها باطل، والتطليقة بملك (٢) الرجعة على حالها، ولا مال عليها. ولو كان مكان التطليقة خلع على ألف درهم كان الخلع واقعاً، وكان طلاقاً (٣) بائناً، ولا شيء عليها للزوج. ولا يشبه هذا في هذا (٤) الوجه النكاح إذا أكره عليه الزوج بأكثر من صداق مثلها. والطلاق يبطل الجعل الذي جعل له به، فإن كان طلاقا بائناً كان بائناً، وإن كان غير بائن كان طلاقاً بملك الرجعة؛ لأن النكاح لا يجوز إلا بمهر، فكأنه أكرهه على أن يتزوجها بغير شيء، والطلاق يكون بغير شيء، فيبطل ما أُكْرِهَتْ عليه من المال، ويوقع (٥) الطلاق بغير شيء. وكذلك الدم (٦) العمد لو أن رجلاً كان له على رجل دم عمد أو قود في غير نفس، فأكره الذي قِبَلَه القود بتوعد بقتل أو حبس على أن يصالح صاحب (٧) الحق على مال أكثر من أرش العمد أو أقل أو مثل ذلك، فصالحه وصاحب الحق غير مكره كان العفو جائزاً، وبطل (٨) القود، ولم يكن لصاحب القصاص على الذي كان قِبَلَه القود قليل ولا كثير؛ لأنه أكرهه على مال يغرمه، والإكراه على المال لا يلزم به صاحبه مال، وهذا بمنزلة الطلاق. ألا ترى أن رجلاً لو تزوج جارية لم تبلغ فدخل بها ثم خلعها على ألف درهم فقبلت ذلك كان الخلع واقعاً لازماً بغير مال. فإن كان طلاقاً أفصح به فهو يملك الرجعة، وإن كان خلعاً (٩) لم يفصح فيه بطلاق فهو بائن. وكذلك الكبيرة والمكرهة هي بمنزلة الصغيرة. [وكذلك لو كان لرجل دم عمد قبل رجل] (١٠) فصالحه عنه غلام قد راهق ولم يحتلم على مال

стр. 4000

على أن ضمنه الغلام لصاحب (١) القود على أن عفا عن العمد كان العفو جائزاً، ولا شيء لصاحب القود على أحد، فكذلك صلح المكره لا يجوز عليه أن يغرم مالاً بإكراه. وكذلك لو أن عبداً أُكره على أن يقبل من مولاه العتق على مال مثل قيمته أو أكثر أو أقل فقبل ذلك على ذلك المال مكرهاً ومولاه غير مكره عتق العبد ولا شيء عليه وولاؤه لمولاه؛ لأنه أكرهه على مال، ولا يلزم المال بالإكراه إلا في شيء لا يجوز على حال إلا بمال. ولو أن الذي أَكره على ذلك أكرههما جميعاً، فأكره الزوج على أن يطلق امرأته بألف درهم، وأكره المرأة على أن تقبل ذلك بإكراه وقع الطلاق على المرأة، ولم يلزمهما من المال قليل ولا كثير، فإن كان الطلاق تطليقة قد أفصح بها كانت تطليقة بملك الرجعة، وإن كان خلعاً (٢) كان طلاقاً بائناً. وكذلك لو أكرهه (٣) صاحب القود، فأكرههما جميعاً على أن يصطلحا على مال ففعلا، جاز العفو وبطل المال، كأنه أكرهه بغير مال. ولو أكره المولى على أن يعتق عبده على مال، وأكره العبد على قبول (٤) ذلك، فقبله عتق العبد، ولم يلزمه من المال شيء، ورجع المولى على الذي أكرهه بقيمة عبده إن كان أكرهه بتوعد بقتل أو تلف، وإن كان توعده بحبس أو قيد لم يرجع عليه بشيء. … باب من الإكراه على الزنى والقطع وقد أذن في ذلك المفعول به (٥) أو لم يأذن وقال محمد بن الحسن: كان أبو حنيفة يقول: لو أن سلطانًا أو

стр. 4001

غيره (١) أكره رجلاً حتى زنى كان عليه الحد؛ لأنه لم ينتشر (٢) إلا بلذة؛ وإن كان أكرهت المرأة لم يكن عليها حد. ثم رجع أبو حنيفة بعد ذلك، فقال: إذا أكره الرجل السلطان على ذلك فلا حد عليه، وإذا أكرهه غير سلطان فعليه الحد، وإذا درئ الحد وجب المهر، وإذا وجب الحد بطل المهر، فلا يجتمع حد ومهر في جماع واحد، ولا يكون جماع أبداً لا يجب فيه مهر ولا حد. وقال محمد بقول أبي حنيفة الآخر في ذلك كله. وقال أبو حنيفة: إذا أكره الرجل قوم غير السلطان أيضاً فكانوا في ذلك بمنزلة السلطان فأخذوه في طريق من طرق المسلمين أو في منزل لا يقدر فيه على المنعة فقالوا له: لنقتلنك أو لنقطعن منك عضواً أو لتزنين بهذه المرأة، فوقع في قلبه أنهم فاعلون، أو تهددوه بضرب يخاف على نفسه منه، فزنى بها، فلا حد عليه، وعليه المهر. فإن أذنت له في ذلك من نفسها حين أمروه أو استكرهها فهو آثم إن أقدم على ذلك؛ لأن (٣) في ذلك (٤) مظلمة لها إن استكرهها على ذلك. وإن لم تكن مستكرهة فليس يحل لها أن تأمر بذلك. ولا حد عليه في الوجهين، وعليه لها الصداق في الوجهين جميعاً. ولا يرجع على الذي أكرهه بصداق وإن وجب عليه؛ لأن الجماع لا يكون إلا بصداق، أو يجب به حد فيبطل به الصداق. وإن أكره الرجل بسجن أو بتقييد (٥) أو بضرب لا يخاف منه تلف على أن يزني بامرأة مطاوعة أو مستكرهة فليس يحل له أن يفعل هذا، فإن (٦) فعل فهو آثم، وعليه الحد. لا يدرأ الحد إلا في الضرورة التي يخاف منها التلف أو تلف بعض الأعضاء، فأما الإكراه بالسجن ونحوه فهذا لا يحل له الإقدام على الزنى من أجله. ولو أنه امتنع من الزنى وقد تهدد بالقتل والمرأة له مطاوعة أو مستكرهة حتى قتل كان مأجوراً في ذلك.

стр. 4002

وكذلك لو أن رجلاً أكره فقيل له: لنقتلنك أو لتقطعن يد هذا الرجل، فقال له الرجل: قد أذنت لك في القطع فاقطع، والآذن له غير مكره، فإن المكره لا يسعه أن يقطع يده بقول صاحب اليد؛ لأن صاحب اليد أمره بما لا يحل له أن يفعله. فإن قطعها فلا شيء عليه، ولا شيء على الذي أكرهه؛ لأن صاحب اليد أذن له في ذلك بغير إكراه. وإن أكرهه صاحب اليد بتوعد بقتل أو تلف حتى أمره بذلك فالمأمور بالقطع آثم إن أقدم على ذلك أيضاً. فإن فعل القاطع (١) فقطع اليد كان لصاحب اليد أن يقطع يد الآمر. وإن كان الذي أكره القاطع (٢) غير الذي أكره صاحب اليد وكلاهما يلزم إكراهه كان للمقطوعة يده أن يقطع يد الذي أكره القاطع، والقاطع آثم في جميع ما صنع من ذلك. وكذلك كل شيء أكره عليه مما يخاف منه (٣) التلف على المفعول به فليس يسعه أن يفعله. ولو قيل (٤) له: لنقتلنك أو لتقتلنه (٥)، فقال الذي أمر بقتله: اقتلني فأنت في حل من ذلك، وهو غير مكره فقتله عمداً بالسيف فهو آثم في ذلك، ولا شيء عليه، والدية في مال الآمر، لأنه (٦) قتله بأمره. ولو كان الذي فعل به بأمره شيئاً دون النفس فمات منه كان الفاعل لذلك آثماً، ولم يكن عليه ولا على الذي أمره من ذلك شيء. ولو أنه أكره على أن يصنع به شيئاً لا يخاف منه تلف من ضرب سوط أو نحوه ففعل ذلك به رجوت أن لا يكون عليه إثم (٧). فإن أتى (٨) عليه فمات منه، فإن كان المقتول أمره بأن يفعل ذلك به فلا ضمان عليه، ولا على الذي أكرهه. وإن كان لم يأمره بذلك فعلى الذي أكرهه الدية على عاقلته؛ لأن هذا بمنزلة الخطأ منه. فإن كان أكرهه على أن يأخذ مالاً من ماله فيرمي به في مَهْلَكَة بتوعد

стр. 4003

بقتل (١) أو تلف، فأذن له صاحبه في ذلك ففعل، فإن كان أذن له بغير إكراه أكره عليه فلا شيء عليه، ولا (٢) على (٣) الذي أكرهه على استهلاك ذلك. وإن كان أكره على أن يأمره بذلك بتوعد (٤) بقتل أو تلف فالضمان على الذي أكره الفاعل، يضمن لصاحب المال ماله، ولا ضمان على الفاعل لأنه مكره. ولا يبرأ الذي أكره الفاعل بأمر رب المال بالاستهلاك؛ لأنه مكره فكأنه لم يأذن له، وكأنه إنما أذن له الذي أكرهه على الإذن. وسواء إن علم الفاعل أن صاحب المال أكره أو لم يكره. ولا يكون على مستهلك المتاع إثم إن أمره صاحبه أن يستهلكه بإكراه أو غير إكراه إذا كان المكره أكره بأمر يخاف منه (٥) التلف. فإن كان إنما (٦) أكره بأمر لا يخاف منه (٧) التلف مثل الحبس والقيد ونحوهما فليس يحل (٨) له أن يستهلكه إلا أن يكون صاحب المال أمره بغير إكراه. فإن كان أمره بغير إكراه فلا شيء عليه. والأمة والعبد فيما يأذن فيه مولاهما من جميع ما وصفت لك مثل الحر والحرة. إن أذن المولى في جماع الأمة أو قطع اليد أو القتل أو غيره ورضي بذلك العبد والأمة فذلك كله سواء، ما حرم من ذلك من الحرة والحر فهو حرام من هذين، وما حل من الحر والحرة فهو حلال من هذين، وما غرم في الحر والحرة غرم في هذا إلا في خصلة واحدة: لا يغرم نفس الأمة والعبد إذا أمر بذلك المولى بغير إكراه كما يغرم من (٩) ذلك من الحر والحرة. … باب من الإكراه على البيع والشراء ثم يبيعه المشتري من آخر أو يعتقه ولو أن لصوصًا غالبين ممتنعين أكرهوا رجلاً على بيع عبد له يساوي

стр. 4004

عشرة آلاف على أن يبيعه من هذا الرجل بألف درهم، فأكرهوه بوجه تلف من قتل أو قطع عضو من الأعضاء أو ضرب يخاف منه تلف بعض ذلك، أو أمروه أمراً وهو يخاف إن لم يفعل أن يفعل ذلك به لما بداً له من حالهم، فأمروه أن يبيعه من هذا الرجل بهذا الثمن ويدفعه إليه ويقبض الثمن، ففعل ذلك، فتقابضا والمشتري غير مكره، فلما تفرقوا عن ذلك المجلس قال البائع المكره (١): قد أجزت ذلك البيع، كان البيع جائزاً. وكذلك لو لم يكن قبض الثمن فقبضه (٢) من المشتري بعد ذلك كان هذا إجازة منه للبيع. ولو أن البائع لم يجز البيع ولم يقبض الثمن حتى أعتق المشتري العبد فعتقه جائز؛ لأنه في يده بمنزلة الشراء الفاسد. فإن قال المكره بعد ذلك: قد أجزت البيع كانت إجازته باطلاً؛ لأن العبد قد وجب للمشتري (٣) بالقيمة، فلا يتحول عن ذلك. وكذلك لو دبره المشتري (٤). وكذلك لو كانت أمة فوطئها المشتري فعَلِقَت منه. ولو لم يكن شيء من هذا العتق والتدبير والولادة ولم يقبض المشتري العبد ولم يجز البائع البيع حتى لقي المشتري البائع فقال المشتري: إنك أيها (٥) البائع قد كنت أكرهت على البيع، فلا حاجة لي في بيعك، فقد نقضت البيع فيما بيني وبينك، فقال البائع: لا أجيز نقضك، وقد أجزت البيع، لم تكن (٦) إجازته بشيء وقد انتقض البيع؛ لأن البيع (٧) كان فاسداً حتى يجيزه البائع، فلما نقضه المشتري قبل إجازة البائع بطل، فلا يجوز بعد ذلك. وإنما هذا البيع في جميع ما وصفت لك بمنزلة بيع تبايع (٨) به رجلان مشترٍ (٩) وبائع، فاشترط فيه البائع لنفسه شرطًا أفسده، فهو بمنزلة البيع الفاسد ما لم يبطل البائع شرطه، فإذا أبطل شرطه (١٠) جاز البيع. ولو أن المشتري لم يبطل بيعاً ولم يبطله البائع أيضاً حتى قبض المشتري

стр. 4005

العبد من البائع والبائع مكره على ذلك، ثم باعه المشتري من إنسان آخر بيعاً صحيحاً وقد كان المشتري قبضه بإكراه البائع، فالبائع على حالة، إن شاء نقض البيع وأخذ العبد، وإن شاء أجاز البيع الأول. فإن أجازه جاز البيعان جميعاً؛ لأن البائع الثاني ما (١) يملك مما للبائع الأول أن يرده فإذا سلمة سلم. ألا ترى أن رجلاً لو اشترى من رجل عبداً بألف درهم حالة، فقبض المشتري العبد بغير أمر البائع فباعه كان بيعه جائزاً، وللبائع الأول إن لم يدفع إليه المشتري الثمن أن يأخذ العبد حتى يرده إلى يده (٢)، فإذا فعل ذلك انتقض البيع الثاني. وإن سلم البائع الأول للمشتري الأول قبضه جاز البيع الثاني، وجاز كل بيع كان في ذلك وإن تناسخ العبد عشرة يبيع بعضهم من بعض. فكذلك المكره لو تناسخ عبده عشرة يبيع بعضهم من بعض كان له أن ينقض البيوع كلها ويأخذ عبده؛ لأنه أخذه (٣) بغير رضاه ولا أمره طائعاً. فإن سلم البيع الأول أو الثاني أو الآخر (٤) أو بيع من البيوع جازت البيوع كلها، وكان له الثمن على المشتري الأول. فإن أعتقه المشتري الآخر قبل إجازة البيع وقد تناسخ البيع عشرة كان العتق جائزاً على الذي أعتقه قبضه أو لم يقبضه. فإن سلم البائع الأول المكره البيع بعد ذلك لم يجز تسليمه، وكان له أن يضمن قيمة عبده أيهم شاء، وإن شاء ضمنها الذي أكرهه. فإن ضمنها الذي أكرهه رجع بها على البائع الأول، وجازت البيوع الباقية كلها. وإن ضمنها البائع (٥) المشتري الأول (٦) برئ الذي أكرهه وتمت البيوع كلها الباقية. فإن ضمنها أحد الباعة الباقين سلم (٧) كل بيع كان بعد ذلك البيع، ورجع المشتري الذي (٨) ضمن على الذي باعه بالثمن الذي أعطاه، وتراجعوا بالأثمان حتى ينتهوا إلى المشتري الأول، ورجع المشتري الأول على البائع المكره بالثمن إن كان أعطاه إياه؛ لأن أخذ

стр. 4006

المكره القيمة بمنزلة أخذ العبد لو (١) كان حياً. ولو أن رجلاً أكره على أن يشتري من رجل عبداً له يساوي ألف درهم بعشرة آلاف درهم والبائع غير مكره، فأكره على الشراء والقبض والدفع للثمن ببعض ما وصفت لك من الكَرْه، فلما قبض المشتري العبد أعتقه أو دبره أو كانت أمة فوطئها فعَلِقَت منه أو لم تَعْلَقْ أو نظر إلى فرجها لشهوة أو قبلها لشهوة، فأقر بذلك، أو قال: قد رضيتها بذلك الثمن الذي أخذ منه، فهذا جائز عليه كله بذلك الثمن الذي أخذ منه. [وهذا] بمنزلة رجل اشترى جارية على أنه بالخيار أبداً فقبضها، فالبيع فاسد، فإن قبلها أو باشرها أو نظر إلى فرجها لشهوة أو قال: قد رضيتها، جاز البيع. فكذلك المكره على الشراء، فالبيع فيه فاسد بكَرْهه (٢)، فإن أجاز جاز، وإن رده بطل البيع فيه. ألا ترى أن رجلاً لو اشترى عبداً بألف درهم إلى الحصاد أو إلى الدِّيَاس كان البيع فاسداً لهذا الشرط، فإن أبطل المشتري الأجل وقال: أعطي الثمن حالا، جاز البيع. فكذلك المكره إنما بطل البيع لكَرْهه (٣)، فإذا أبطل كَرْهه ورضي فهو جائز. ولو كان الذي أكره البائع ولم يكره المشتري ولم يقبض المشتري العبد من البائع حتى أعتق المشتري العبد أو دبره كان عتقه وتدبيره باطلاً؛ لأن البيع فاسد حتى يجيزه البائع المكره (٤)، والبيع الفاسد لا يملك إلا بالقبض، فإن أجاز البائع البيع بعد عتق المشتري جاز البيع ولم يجز ذلك العتق الذي كان. ولو أعتقا (٥) العبد جميعاً معاً جاز عتق البائع وبطل عتق المشتري؛ لأن العبد في يدي البائع بعد فهو في ملكه (٦) حتى يجيز البيع. ولو كان المشتري قد قبض العبد ثم أعتقا العبد جميعاً معاً عتق العبد من المشتري ولم يلتفت إلى عتق البائع؛ لأنه في ملك المشتري حتى يقبضه البائع.

стр. 4007

ولو أن البائع والمشتري أكرها جميعاً على البيع والشراء والقبض ففعلًا ذلك، فقال أحدهما بعد ذلك: قد (١) أجزت البيع بغير إكراه، كان البيع جائزاً من قِبَلِه، وفي الآخر على حالة بمنزلته لو لم يكن أكره غيره. فإن أجازا جميعاً بغير إكراه جاز البيع. ولو لم يجيزا حتى أعتق المشتري العبد كان عتقه جائزاً، وكان ضامناً للقيمة. فإن أجاز الآخر بعد ذلك لم يلتفت إلى إجازته. وإن كانا لم يتقابضا وقد عقدا (٢) البيع بالإكراه فأجاز أحدهما بغير إكراه فالبيع فاسد على حالة، والعبد في ملك البائع على حالة حتى يجيز الآخر. فإن أعتقاه جميعاً معاً البائع والمشتري وقد أجاز أحدهما البيع البائع أو المشتري فإن كان العبد لم يقبض فعتق البائع (٣) فيه جائز وعتق المشتري فيه باطل؛ لأنه في ملك البائع على حالة، والبائع أولى بالعتق من غيره. وإن أعتقه أحدهما ثم أعتقه الآخر بعده فإن كان البائع هو الذي أجاز البيع وأعتق المشتري قبله فهذا إجازة منهما جميعاً للبيع، والثمن للبائع. وإن كان البائع أعتق أولاً فقد نقض البيع، ولا يجوز عتق المشتري. وإن كان الذي أجاز أول مرة المشتري ولم يجز البائع فعتق البائع جائز في ذلك، وقد انتقض البيع أعتقه البائع قبل المشتري أو بعده. وإنما مثل هذا في إجازة البائع البيع أول مرة ثم أعتقاه معاً أو أعتقه أحدهما قبل صاحبه مثل رجل اشترى من رجل عبداً بألف درهم على أن المشتري بالخيار أبداً ولم يقبض العبد المشتري حتى أعتقاه جميعاً معاً، فعتق البائع فيه جائز وعتق المشتري فيه باطل. وكذلك إن سبق البائع بالعتق. فإن سبق المشتري بالعتق عتق العبد وجاز البيع. والقياس في هذا أن عتق المشتري باطل؛ لأنه أعتقه وهو لا يملكه. ولكنا نستحسن فنجعل عتقه إياه رضي بالبيع وملكاً (٤) وعتقا معاً. ألا ترى أن رجلاً لو قال لرجل: قد أعتقت عبدي عنك (٥) على ألف درهم، فقال الآخر: قد رضيت، عتق العبد عن المعتق عنه، فوقع العتق والملك ورضاه بذلك معاً، وليس هذا بقياس، فكذلك الوجه الأول.

стр. 4008

ولو كان المشتري قبض العبد (١) الذي اشتراه في الإكراه وفي الخيار الفاسد ثم أجاز أحدهما البيع في الإكراه لم يجز عتق البائع فيه على حال من الحالات، وجاز عتق المشتري فيه. فإن كان الذي أجاز البيع في الإكراه البائع جاز العتق والبيع بالثمن. وإن كان الذي أجاز البيع المشتري جاز عتق المشتري وغرم القيمة للبائع، فإن كان قبض منه الثمن حاسبه به وأعطاه فضلاً إن كان له. ولو أن المشتري أكره على الشراء والقبض ودفع الثمن ولم يكره البائع على ذلك فتقابضا (٢) ثم لقي البائع المشتري فقال البائع: قد نقضت البيع الذي كان بيني وبينك، لم يلتفت إلى قول البائع في ذلك، وكان القول في ذلك قول المشتري. ولو أن المشتري قال للبائع: قد نقضت البيع الذي بيني وبينك، كان البيع منتقضًا. فإن قال المشتري بعد ذلك: أنا أريد أن آخذه بذلك الثمن، لم يكن له ذلك. وإن أعتقه (٣) بعد ذلك (٤) وهو في يده لم يجز عتقه. ولو كان العبد لم يقبض والمسألة على حالها فنقض (٥) البائع البيع كان منتقضًا، ولم يكن للمشتري رضي بعد ذلك. وكذلك إن نقضه المشتري لم يكن له بعدما نقضه إجازة؛ لأن البيع حين لم يقبض كان في (٦) ملك البائع على حالة. ألا ترى أن رجلاً لو اشترى من رجل عبداً بألف درهم إلى العطاء كان البيع فاسداً. فإن قبضه المشتري فقال البائع للمشتري: قد نقضت البيع، لم يلتفت إلى ذلك، وكان النقض إلى المشتري (٧). فإن قال المشتري للبائع: قد نقضت البيع، كان النقض جائزاً، ولم يجز البيع إلا ببيع مستقل. ولو كان المشتري (٨) لم يقبض العبد فنقض أحدهما البيع (٩) كان نقضه

стр. 4009

جائزاً. ولو كان البائع هو الذي أكره على البيع والدفع ودفع إليه الثمن بكَرْه (١) أيضاً ولم يكره المشتري على شيء من ذلك ثم التقى المشتري والبائع فنقض (٢) المشتري البيع لم يلتفت إلى نقضه؛ لأن الأمر إلى البائع، لأنه هو المكره، وهو الذي فسد البيع من قبله. فإن نقضه البائع فنقضه جائز. وكذلك كل بيع إنما يفسد من قِبَل شرط البائع فيه أو من قِبَل شرط للمشتري فيه. فإن كان لم يقبض فأيهما نقضه (٣) فهو جائز، وإذا قبض فقد تم الملك فيه. فإن نقضه الذي له الشرط فقبضه جائز (٤)، وإن نقضه الذي ليس له الشرط فليس له ذلك. ولو كان البيع فاسداً من أصله (٥) بغير شرط [كما لو] اشترى رجل من رجل جارية بخمر فتقابضا فأيهما (٦) نقض فنقضه جائز إذا التقيا، ولا يلتفت في هذا إلى الملك ولا إلى غيره. فإن أعتقه المشتري بعد ذلك لم يجز عتقه؛ لأن البيع قد انتقض، وعتق البائع فيه جائز. … باب من الإكراه على ما يجب فيه العتق والطلاق ويجب فيه (٧) الضمان ولم يكرهه على العتق والطلاق بعينه ولو أن لصوصاً غالبين أكرهوا رجلاً حتى اشترى عبداً من رجل بعشرة آلاف درهم وقيمة العبد ألف درهم فأكره بقتل أو بتلف حتى اشترى ودفع وقبض العبد الذي اشترى، وقد كان المشتري حلف أن كل عبد يملكه فيما يستقبل فهو حر أو حلف على ذلك العبد بعينه حين أكره على شرائه قبل أن يشتريه فقال: إن ملكه فهو حر، فإن العبد يعتق ويغرم المشتري قيمته للبائع، وتبطل (٨) عنه التسعة الآلاف وترد عليه إن كانت قبضت منه، ولا

стр. 4010

يرجع المشتري على الذي أكرهه بقليل ولا كثير من قيمة العبد؛ لأن الذي أكرهه لم يكرهه على العتق، إنما أكرهه على غير العتق فجاز ذلك الغير. وكذلك لو أكرهه على أن يشتري أخاه وأباه وابنه أو ذا رحم محرم منه أو أكرهه على أن يشتري أمة قد ولدت منه ففعل، أو أكرهه على أن يشتري جارية قد جعلها مدبرة إن ملكها، فإن هذا (١) يجوز على المشتري بقيمته في هذه الوجوه كلها، ويبطل ما ازدادوا عليه من الثمن. ولا يضمن الذي أكرهه مما غرم من قيمة العبد أو الجارية (٢) قليلاً ولا كثيراً. ولا يشبه هذا إكراهه إياه على أن يعتق. إذا أكرهه بشيء مما وصفت لك أعلى، أن يعتق عبده فأعتقه جاز العتق، وغرم الذي أكرهه قيمته للمكره؛ لأن ها هنا أكرهه على الذي أتلف به العبد، والأول لم يكرهه على الذي أتلف به العبد، إنما أكرهه على البيع فعتق حين ملكه. ألا ترى أن رجلاً لو شهد عليه شاهدان أنه أعتق عبده هذا فقضى القاضي بشهادتهما وأعتق العبد ثم رجع الشاهدان عن شهادتهما أنهما ضامنان لقيمة العبد للمشهود (٣) عليه. ولو شهدا على رجل قد قال لعبد: إن ملكته فهو حر، فشهدا عليه أنه اشتراه من البائع والبائع يدعي شهادتهما بألف درهم وقيمة العبد ألف درهم فقضى القاضي بذلك وأنفذه وأعتق العبد بقوله: إن ملكته فهو حر، ثم رجعا أنه لا ضمان عليهما؛ لأنهما أعطياه مثل ما أخذًا منه، ولم يشهدا على العتق، إنما عتق بيمين المشتري (٤) ولم يعتق بشهادتهما. ألا ترى أن رجلاً لو قال لعبده (٥): "حر إن دخل هذه الدار"، فأكره بالوعيد بالقتل حتى دخل فعتق عبده أنه لا يضمن الذي أكرهه من قيمة العبد شيئاً. أرأيت لو لم يكرهه أحد ولكن قوماً احتملوه وهو لا يملك من نفسه شيئاً حتى أدخلوه الدار وقد كان حلف فقال: إن صرت (٦) في هذه الدار فعبدي هذا حر، فصار فيها بإدخالهم إياه فعتق العبد أيغرم الذين أكرهوه قيمة

стр. 4011

العبد، ليس يضمن الذين أكرهوه من قيمة العبد شيئاً؛ لأنه لم يكره على ذلك. وكذلك لو كان قال: إذا تزوجت فلانة فهي طالق، فأكره حتى تزوجها بمهر مثلها فالنكاح جائز وهو ضامن لنصف المهر للمرأة، ولا ضمان على الذين أكرهوه في شيء من هذا. ألا ترى أنه لو قال لامرأة له لم يدخل بها: إن شجّني اليوم أحد فأنت طالق، أو قال ذلك لعبده فأُخذ كَرْهًا فشُجّ أنها طالق ويعتق العبد، ولا يغرم الذي أكرهه وشجّه من قيمة العبد ولا من نصف الصداق الذي غرم شيئاً. ولو أن رجلاً أكره حتى يجعل عتق عبده في يد هذا الرجل أو طلاق امرأته ولم يدخل بها، أكرهه على ذلك من يجوز إكراهه بقتل (١) أو تلف، ففعل ذلك، فطلقها الذي جعل ذلك إليه أو أعتق العبد الذي جعل عتقه إليه كان القياس في هذا أن يعتق العبد وتطلق المرأة، ولا يغرم الذي أكرهه من ذلك شيئاً؛ لأنه لم يكرهه على الطلاق والعتاق بعينه. ولكني أستحسن أن أضمن الذي أكرهه قيمة عبده، ونصف المهر الذي غرم لامرأته؛ لأن هذا أكره على الأمر الذي به العتق بعينه أو الطلاق بعينه حين أمره أن يجعله في يد غيره، فلذلك غرم ما أتلف له من ذلك. ألا ترى أنه لو أكرهه على أن يجعل ذلك في يده، ففعل فطلقها الذي أكرهه أو أعتق عبده ضمن، فكذلك إذا أمره أن يجعل ذلك في يد غيره. ولا يشبه الإكراه في هذا الوجه شهادة الشهود إذا قضي (٢) بشهادتهم أنه جعل أمرها بيدها ثم رجعوا. ألا ترى أن أربعة لو شهدوا على رجل بالزنى وشهد شاهدان بالإحصان فرجم الرجل،، ثم قال شاهدا (٣) الإحصان: شهدنا بالباطل ونحن نعلم أنه باطل (٤)، لم يكن عليهما غرم وكان عليهما الأدب. ولو لم يشهد شاهدا (٥) الإحصان وقال القاضي: قد علمت أنه لم يحصن ولكن أرجمه ظالمًا وأنا أعلم أنه لا رجم عليه، وأكره الناس حتى رجموه ضمنته ديته. وكان ينبغي

стр. 4012

في قياس قول محمد أن يقتل (١) القاضي، ولكنه (٢) استحسن أن يجعل على القاضي الدية في ماله لهذه الشبهة. ولو أن رجلاً أكره على أن يجعل كل مملوك يملكه فيما يستقبل حراً ففعل ذلك، ثم اشترى مملوكاً أو وهب له أو تصدق به عليه أو أوصي له به عتق ولم يغرم الذي أكرهه من قيمة المملوك قليلاً ولا كثيراً. وإن ورث مملوكاً كان القياس في ذلك أيضاً أن لا يضمن الذي أكرهه شيئاً، ولكن أستحسن أن أضمن الذي أكرهه قيمة المملوك الذي ورثه؛ لأن هذا دخل في ملكه بغير فعل ولا قبول، وما اشترى أو وهب له أو تصدق به عليه أو أوصي له به لم يدخل في ملكه إلا بقبول منه، ولا يغرم الذي أكرهه من ذلك شيئاً. ألا ترى أن الذي أكرهه لو قال له: قل (٣): كل مملوك أرثه فهو حر، فقال ذلك، ثم ورث مملوكاً فقبيح (٤) أن (٥) لا يضمن الذي أكرهه؛ لأنه أكرهه (٦) على الحلف بالعتق بعينه، وقد دخل العبد في ملكه بغير فعل منه، فلذلك غرم الذي أكرهه قيمته. ولو كان أكرهه في هذا كله بحبس أو بقيد لم يضمن في شيء من هذا. ولو أن رجلاً أكره بتوعد بقتل أو تلف عضو أو ضرب يخاف منه تلف على أن قال لعبده: إن شئت فأنت حر، فشاء عبده العتق عتق العبد وغرم الذي أكرهه قيمة العبد للمولى. وكذلك لو أكرهه على أن يقول لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر، فقال ذلك لعبده، ثم إن العبد دخل الدار فإنه يعتق ويغرم الذي أكرهه قيمته للذي أكره؛ لأن هذا لا عمل للمولى فيه. ولو أكره المولى على أن يقول لعبده: إن صليت فأنت حر، وإن أكلت فأنت حر، وإن شربت فأنت حر، فقال ذلك المولى ثم صنع شيئاً مما استحلفه عليه فإن العبد يعتق ويغرم الذي أكرهه قيمته؛ لأن الطعام والشراب أمر لا بد له منه يخاف على نفسه إن لم يفعل، والصلاة وصوم رمضان

стр. 4013

ونحو ذلك فريضة من فرائض الله تعالى لا يجد المكره بداً من أن يفعل ذلك، فالذي أكرهه ضامن لقيمة عبده، وكذلك كل فريضة من فرائض الله تعالى. وإن قال له: قل: إن تقاضيت ديني الذي على فلان، أو أكلت طعام كذا وكذا، لطعام خاص يجد منه بداً، أو دخلت دار فلان فأنت حر، وأكرهه على ذلك بتوعد بقتل، فقال المولى ذلك، ثم فعل الذي حلف عليه، عتق العبد، ولم يغرم الذي أكرهه من قيمته شيئاً. ألا ترى أنه لو أكرهه بقيد أو بسجن حتى يعتق عبده، فأعتقه، لم يغرم شيئاً؛ لأنه ليس بضرورة، فكذلك هذا. ولو أن رجلاً قَتل عبدُه قتيلاً خطأً فاختصموا في ذلك إلى القاضي، فأكره القاضي المولى على عتق عبده بتوعد بقتل (١) أو نحوه حتى أعتقه، وقد علم المولى بالجناية، فلا ضمان على المولى في الجناية، وإنما الضمان على الذي أكرهه، فيغرم الذي أكرهه القيمة، فيأخذها المولى فيدفعها إلى ولي الجناية، ولا يكون للمولى شيء. ولو كان أكرهه بقيد أو سجن ولم يخش منه قتلًا أو تلفاً (٢) فأعتق عبده لم يكن على القاضي ضمان، وعلى المولى قيمة العبد لصاحب الجناية، ولا يضمن المولى من أرش الجناية الباقي شيئاً وإن كان قد علم بالجناية؛ لأنه لم يستهلك ذلك، وإنما يغرم ما وجب له، وذلك قيمة العبد. فأما الفضل فلا يغرمه؛ لأنه كأنه أمره أن يغرم عشرة آلاف مكان عبده، فهذا يكون السجن فيه والقيد (٣) كَرْهاً (٤) يبطل ما أمره به من ذلك. ولو (٥) لم يكرهه (٦) على عتقه ولكنه أكرهه حتى قتله عمداً وهو يعلم بجنايته، فإن كان توعده بالقتل أو بالتلف حتى قتله كان للمولى أن يقتل به الذي أكرهه، ويبطل حق أصحاب الجناية. وإن كان أكرهه بالسجن أو بالتقييد كان على المولى قيمة العبد لأولياء الخطأ، ولا شيء على الذي أكرهه. …

стр. 4014

باب من الإكراه على ما يجعل الرجل لله على نفسه فيلزمه وعلى الإيلاء ولو أن لصاً غالباً أكره رجلاً حتى جعل على نفسه صدقة لله أو صوماً أو حجاً أو عمرة أو غزوا في سبيل الله أو بدنة أو شيئاً يتقرّب به إلى ربه، فتهدّده بقتل أو تلف أو غيره حتى أوجب ذلك على نفسه لله، فهو واجب عليه كله. وهذا عندنا بمنزلة الطلاق والعتاق، يكره عليه؛ لأن الطلاق والعتاق فيه تحريم فرج إن كانت امرأة أو أمة، وفيه عتق عبد وتحريم خدمته وأكل ماله، فصار هذا وما أوجب لله على نفسه سواء. وكذلك لو أكرهه على أن يجعل على نفسه المشي إلى بيت الله تعالى، أو حلف بذلك على شيء يقدر على أن يفعله أو لا يقدر، أو أكرهه على (١) أن يحلف بشيء من هذا على يمين معصية أوطاعة أوعلى أمر يخاف فيه التلف على نفسه من ترك الطعام أو الشراب أو غير ذلك، فحلف على ذلك بإكراه بالقتل أو بغيره، ثم حنث في يمينه، وجب عليه جميع ما أوجب على نفسه من ذلك. ألا ترى أنه لو أكرهه حتى حلف بالله لا يكلم فلاناً ثم كلمة حنث ووجبت عليه الكفارة. وكذلك لو استحلفه بقسم أو غيرها وجب عليه ما حلف عليه من ذلك. وكذلك لو أكرهه بوعيد بقتل أو غيره حتى يظاهر من امرأته كان مظاهرًا لا (٢) يقربها حتى يكفّر؛ فإن أجبره على أن يكفّر ففعل لم يرجع بذلك على الذي أكرهه؛ لأن هذا أمر يلزمه فيما بينه وبين الله تعالى. فإن أكرهه على عتق عبد له بعينه حتى أعتقه عن ظهاره، فإن كان أكرهه بتوعد بقتل أو ضرب يخاف منه تلف كان العبد حراً، وضمن الذي أكرهه قيمته ولم يجزه من الكفارة. فإن قال: أعتقته حين أكرهني وأنا أريد به كفارة الظهار ولم أعتقه لإكراهه، أجزأه من كفارة الظهار، ولم يكن له على الذي أكرهه قيمة العبد (٣). فإن قال: أردت به

стр. 4015

العتق عن الظهار كما أمرني ولم يخطر على بالي غير ذلك، لم يجزه عن كفارة (١) الظهار، وكان له عليه القيمة إلا أن يبرئه منها. وإن كان أكرهه بقيد أو حبس أجزأ عنه، ولم يكن (٢) على الذي أكرهه ضمان. وكذلك لو أكرهه حتى حلف لا يقرب (٣) امرأته بالله أو بيمين من الأيمان فهو مول (٤)، إن تركها أربعة أشهر بانت بالإيلاء، وإن قَرِبَها وجب عليه كفارة ما حلف به. وإن تركها ولم يكن دخل بها حتى بانت بالإيلاء ووجب لها نصف الصداق عليه لم يرجع على الذي أكرهه بشيء؛ لأنه قد كان يقدر على أن يَقْرَبَها فلم يفعل. ولو كان أكرهه على أن يقول: إن قَرِبْتُها فهي طالق ثلاثاً، بوعيد بقتل أو ضرب يخاف منه التلف فقال ذلك ولم يدخل بها، فإن قربها فهي طالق، وعليه المهر كاملاً، ولا يرجع على الذي أكرهه. وإن تركها حتى تمضي (٥) أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء، ولها نصف الصداق، ولا شيء على الذي أكرهه أيضاً؛ لأنه كان يقدر على أن يجامعها فيجب المهر بجماعه إياها ويبطل الإيلاء. والإكراه على الجماع لا يجب به (٦) ضمان على الذي أكرهه. وكذلك لو أكرهه على أن يقول: إن قربتها فعبدي حر، فإن قربها عتق عبده، ولم يغرم الذي أكرهه. وإن تركها حتى تمضي أربعة أشهر فبانت بالإيلاء غرم نصف الصداق، ولم يرجع على الذي أكرهه بشيء؛ لأنه قد كان يقدر على أن يبيع عبده في الأربعة الأشهر فيقربها بغير كفارة. ولو كان عبده مدبراً لا يقدر على بيعه أو كانت أم ولد فأكرهه على أن يقول: إن قرِبتها فهذا المدبر حر وهذه أم الولد حرة، فقال ذلك، فإن قربها في الأربعة الأشهر عتق العبد والأمة، ولم يغرم الذي أكرهه شيئاً. فإن تركها حتى تمضي أربعة أشهر بانت بتطليقة (٧)، وإن كان لم يدخل بها ضمن نصف الصداق ولم يرجع على الذي أكرهه بشيء في القياس، ولكنا

стр. 4016

نستحسن أن يرجع (١) على الذي أكرهه بالأقل من نصف الصداق ومن قيمة الذي استحلفه على عتقه؛ لأنه منعه من الجماع بعتق الذي استحلفه بعتقه، فهو إذا ترك جماعها مكرها على تركه باستهلاك رقيقه الذي استحلف بعتقه. وإن قربها عتق الذي استحلف بعتقه، ولم يغرم الذي أكرهه شيئاً؛ لأنه لم يكرهه على الجماع، إنما أكرهه على الترك. فإن كان قد دخل بامرأته والمسألة على حالها لم يضمن الذي أكرهه شيئاً إن تركها حتى (٢) تبين بالإيلاء (٣) أو قربها في الأربعة الأشهر في القياس والاستحسان؛ لأنه لا يكون (٤) مكرهاً له في البينونة بالإيلاء. ألا ترى أن رجلاً لو أكره رجلاً حتى طلق امرأته ثلاثاً وقد دخل بها لم يغرم الذي أكرهه من صداقها شيئاً، فكذلك هذا. ولو أنه أكرهه على أن يقول: إن قرِبتها فمالي صدقة في المساكين، فأكرهه على ذلك بتوعد القتل أو غيره، فقال ذلك، فهو مول (٥)، إن تركها أربعة أشهر بانت بالإيلاء. فإن كان لم يدخل بها وجب لها على الزوج نصف الصداق، وإن كان قد دخل بها قبل ذلك وجب لها على زوجها الصداق كاملاً. ولم يرجع على الذي أكرهه في الوجهين جميعاً من ذلك بشيء. وإن قربها في الأربعة الأشهر وجب عليه صدقة في (٦) ماله. ولا يجبره (٧) السلطان على ذلك. ولا ضمان على الذي أكرهه في ذلك؛ لأن هذا مما يتقرب به إلى ربه. ألا ترى أنه لو أكره بالتهدد بالقتل حتى جعل ماله في المساكين صدقة وجب عليه ما قال فيما بينه وبين ربه، فإن أدى ذلك لم يرجع به على الذي أكرهه. وكذلك لو أمره بذلك بغير تهدد وهو يخاف إن لم يفعل أن يقتل أو يضرب ضرباً يخاف منه التلف أو يقطع بعض أعضائه أصبع أو نحوها ففعل (٨) وجب عليه ما أوجب على

стр. 4017

نفسه. فإن أمضاه لم يرجع على الذي أكرهه بشيء؛ لأن (١) هذا ليس مما يلزمه غرمه في القضاء، إنما هذا أمر (٢) يلزمه فيما بينه وبين ربه، فلا يكون في هذا إكراه (٣). … باب إكراه الخوارج (٤) المتأولين وإذا غلب قوم من الخوارج من المتأولين على أرض وجرى فيها حكمهم ثم أكرهوا رجلاً على شيء مما وصفنا فيهم فما (٥) يحل للرجل أن يقدم (٦) عليه من ذلك بإكراههم وما يحرم عليه من جميع ما وصفت لك في إكراه غير المتأولين من اللصوص الغالبين؛ فما حل للرجل (٧) أن يقدم عليه بإكراه (٨) اللصوص الغالبين حل له أن يقدم عليه بإكراه الخوارج المتأولين، وما حرم عليه أن يقدم عليه بإكراه اللصوص الغالبين حرم عليه أن يقدم عليه بإكراه (٩) الخوارج المتأولين. وكذلك أهل الحرب من المشركين ما حل له أن يقدم عليه بإكراه اللصوص الغالبين وبإكراه الخوارج من المتأولين من شرب الخمر وأكل الميتة والخنزير والكفر بالله والقذف للمحصنات وغير ذلك فهو يحل له أن يقدم عليه بإكراه أهل الحرب إذا أكرهوه بتوعد بقتل أو بقطع أو بضرب يخاف منه التلف. وإن تهددوه (١٠) بحبس أو بتقييد (١١) ولا يخاف منهم إلا ذلك فليس يسعه أن يقدم على شيء من ذلك. وإن أمروه بذلك أمراً ولم يكرهوه، فإن كان لا يخاف أن يقدموا عليه حتى يعاودوه فيقولون له: إن (١٢) فعلت وإلا قتلناك أو قطعناك أو ضربناك، فليس ينبغي

стр. 4018

له أن يقدم على ذلك حتى يعاودوه. وإن خاف أن يقتلوه أو يقطعوه أو يتلفوا نفسه من غير أن يعاودوه كان عندنا في سعة من الإقدام على ذلك. وإنما هذا على ما يقع (١) في النفس على أكثر الظن والرأي، فلا بد في هذا من أن يؤخذ فيه بالرأي. ألا ترى أن رجلاً لو رأيته ينقب عليك بيتك من خارج أو دخل عليك دارك ليلاً بالسيف أو دخل من نَقْب قد نَقَبَه في بيتك وخفت إن أنذرته أن يضربك بالسيف وكان على ذلك أكثر ظنك ورأيك فلا بأس بأن تقتله (٢) قبل أن تعلم (٣) إذا خفت إن أعلمته أن يقتلك. ولا يجوز الأمر في هذا ونحوه إلا هكذا في نظائر لهذا كثيرة (٤). وما أكره عليه أهل الحرب الرجل المسلم مما لو أكرهه عليه اللصوص الغالبون (٥) أو الخوارج المتأولون (٦) لم يسعه أن يقدم عليه من قتل امرئ مسلم أو قطعه أو ضربه فكذلك لا يسعه أن يقدم عليه بإكراه أهل الحرب. واللصوص الغالبون والخوارج المتأولون وأهل الحرب في ذلك كله سواء. وأما ما يضمن فيه اللصوص الغالبون بإكراههم من أكرهوا من مال أمروا باستهلاكه أو غير ذلك فوجب به عليهم الضمان أو من قتل (٧) أمروا به أو قطع فوجب به القصاص أو من قتل (٨) خطأً أمروا به فوجب به عليهم الأرش على عاقلتهم أو عمداً لا يستطاع فيه القصاص فوجب فيه الأرش في مالهم بإكراههم فأكره على ذلك الخوارج المتأولون (٩) بتأويل أو أهل الحرب من المشركين رجلاً مسلماً حتى فعله ثم تاب المتأولون وأسلم أهل الحرب من المشركين (١٠) فلا ضمان عليهم في شيء من ذلك؛ لأن الحديث المعروف في هذا جاء (١١) أن الفتنة وقعت وأصحاب رسول الله ﷺ

стр. 4019

متوافرون، فأجمعوا أنه لا قود في دم استحل بتأويل القرآن، ولا حد في فرج استحل بتأويل القرآن، ولا ضمان في مال استحل بتأويل القرآن، إلا أن يوجد شيء (١) بعينه فيرد إلى أهله (٢). فكذلك نقول (٣). ولا ضمان أيضاً على الذين أمروه بذلك. ولو أن المتأولين الشاهدين علينا بالشرك المستحلين لمالنا أن يقتسموه أخذوا جواري من جوارينا فاقتسموهن فيما بينهم كما تقسم الغنيمة فوقعن في سهام قوم فوطئوهن (٤) فجئن بالأولاد، ثم تابوا وتفرقوا أو ظهر عليهم، فإن الجواري يرددن (٥) على مواليهن، ولا حد على من وطئ جارية منهن ولا عقر. أما الحد فلا يجب عليه لأنه استحل ذلك بالتأويل، ولا يجب عليه عقر أيضاً لأنه بمنزلة مال استهلكه. والأولاد أحرار لا سبيل عليهم؛ لأنهم أصابوهن على وجه الملك، وعلى أن ذلك جائز لهم في رأيهم. والأولاد أولادهم ثابت نسبهم بغير قيمة؛ لأن قيمة الأولاد بمنزلة (٦) مال استهلكوه. وكذلك ما أخذ أهل الحرب من مدبرة للمسلمين أو أم ولد أو مكاتبة فاقتسموها ووطئوها فولدن لهم أولاداً ثم أسلموا جميعاً، فإن المدبرات وأمهات الأولاد والمكاتبات مردودات على مواليهن، ولا عقر على أحد منهم فيما وطئ، والأولاد أحرار ثابت نسب آبائهم بغير قيمة. فالمتأولون وأهل الحرب من المشركين لا يشبهون اللصوص الغالبين فيما يلزمهم من الضمان. …

стр. 4020

باب من الإكراه الذي يخالف فيه المكره ما أمر (١) به وإذا أكره الرجل من يجوز إكراهه على أن يهب نصف داره غير مقسوم أولم يسموا له مقسومًا ولا غيره ويدفع، فأكره على ذلك بالوعيد بقتل أو قيد أوسجن فوهب الدار كلها ودفعها فهذا جائز؛ لأنه أُمر بنصف (٢) غير مقسومة لا تجوز، وأُمر بأن يدفع على ذلك، فوهب الواهب جائزهُ (٣)، فقد (٤) فعل غير ما أمروه. ألا ترى أنهم لو أمروه أن يهب لفلان ويدفعها إليه فتصدق بها على ذلك ودفعها إليه جازت الصدقة؛ لأنه قد خالف. وكذلك لو أمروه بالصدقة فوهب كان ذلك جائزاً؛ لأنه قد خالفهم فيما أكرهوه فيه (٥). ولو أكرهوه (٦) على أن يهبها ويدفعها فنَحَلَها نُحْلَى (٧) ودفعها أو أعمرها إياه عُمْرَى ودفعها كان هذا باطلاً؛ لأن الهبة والنحلى والعمرى شيء واحد، والصدقة غير ذلك. ألا ترى أن شاهدين لو شهدا لرجل على رجل فشهد. أحدهما أنه نحله هذه الدار وقبضها وشهد الآخر أنه أعمرها إياه عمرى وقبضها كان هذا جائزاً وقضي للمدعي بالدار. وكذلك لو شهد أحدهما أنه وهبها له وقبضها وشهد الآخر أنه نحلها أو أعمرها إياه وقبضها كان هذا كله جائزاً وقضي للمدعي بالدار. ولو شهد أحدهما أنه تصدق بها عليه وقبضها وشهد الآخر أنه وهبها له وقبضها كانت الشهادة باطلاً؛ لأنهما شهدا على أمرين متفرقين. وإن كان الموهوب له ذا رحم محرم أو غير ذي رحم محرم (٨) فهو سواء؛ لأن الصدقة غير الهبة. فكذلك الإكراه إذا أكرهه على الصدقة والدفع فوهب ودفع أو أكرهه على الهبة (٩) والدفع فتصدق

стр. 4021

ودفع كان هذا جائزاً، لأن الصدقة غير الهبة. وإن كان ذا رحم محرم أو غير ذي رحم محرم (١) فهو سواء. وكذلك لو أكرهه على أن يهب ويدفع فوهب (٢) على عوض ودفع وقبض العوض فهذا جائز، لأن هذا بمنزلة البيع. وكذلك لو أكرهه على أن يهب على عوض ويدفع فوهب بغير عوض فهذا جائز (٣)؛ لأنه كان أمره أن يبيع العبد فوهبه فقد خالفه فيما أمر به. ولو أكرهه على أن يهبه على عوض ويدفعه فباعه بذلك ودفع وقبض كان هذا باطلاً؛ لأن الهبة على العوض بمنزلة البيع إذا تقابضا، وقد أمره (٤) بالهبة والدفع. وكذلك لو أمره بأن يبيعه ويدفعه ويقبض الثمن فوهبه على عوض وتقابضا كان هذا باطلاً وكان هذا بيعاً؛ لأن البيع والهبة على العوض كل ذلك بيع. ولو أمره أن يهبه ويدفعه ففعل فعوّضه الآخر بغير إكراه عوضاً عن الهبة فقبل (٥) كان هذا إجازة منه لهبته حين رضي بالعوض، فإن (٦) سلم له العوض وقبضه فهذا جائز، وهو بمنزلة الهبة على اشتراط العوض. وإن أبى أن يسلم العوض وقال له: قد سلمت الهبة حين رضيت بالعوض فلا أدفع إليك العوض ولا سبيل لك على الهبة لم يكن له ذلك؛ لأنه إنما سلم الهبة على العوض، فهذا بمنزلة اشتراط العوض. ألا ترى أنه لو قال: قد سلمت لك الهبة التي أكرهت عليها على أن تعوضني كذا وكذا، وأبى (٧) لم يكن هذا تسليماً منه للهبة؛ لأنه إنما سلم بعوض. ألا ترى أن رجلاً لو وهب جارية لي لرجل بغير أمري وقبضها الموهوبة له فأجزت الهبة جازت، ولو لم أجز وقلت له: عوضني منها، فعوضني عوضاً فقبضته (٨) كان هذا إجازة مني للهبة، وإن أبى أن يعوض لم يكن هذا إجازة مني للهبة، فكذلك المكره في هبته.

стр. 4022

وكذلك لو أن رجلاً أكره على بيع عبده بألف درهم وعلى دفعه وقبض الثمن ففعل ذلك، ثم قال للمشتري: زدني في الثمن ألف درهم، لم يكن هذا بإجازة منه للبيع الأول (١). فإن زاده جاز البيع، وإن لم يزده كان له أن يبطل البيع. وكذلك لو قال: قد أجزت البيع على أن يزيدني ألف درهم، لم يكن هذا بإجازة منه للبيع الأول إلا أن يزيده كما اشترط عليه. ولو أن رجلاً أكره بالتوعد بقتل أو حبس أو قيد حتى يبيع ولم يؤمر بالدفع فقيل له: بع هذا العبد (٢) من هذا الرجل بألف درهم أو لنقتلنك، فباعه كما أمر ودفعه لم يكن على الذي أكرهه ضمان وإن كان لصاً غالباً؛ لأنه لم يأمره بالدفع، إنما أمره ببيع. وينبغي أن يجوز البيع إذا كان هو الدافع بغير إكراه؛ لأنه بمنزلة دفعه ذلك بعدما افترقوا من موضع الإكراه على ذلك البيع. ألا ترى أن لصاً غالباً لو قال له: لأقتلنك أو لتبيعنه عبدك هذا فإني قد حلفت لتبيعنه إياه، فباعه إياه خرج الذي أكرهه من يمينه، وكان إنما أكرهه على البيع. فإن أعطى البائع المشتري عبده على ذلك البيع بغير إكراه وقبض منه الثمن جاز البيع وخرج من الإكراه؛ لأنه لم يكرهه على شيء من هذا. ولو أكرهه على أن يهبه له بتوعد بقتل أو ضرب يخاف منه تلفاً (٣) ولم يأمره بدفعه ولم ينهه عن ذلك فوهبه الواهب ودفعه إلى الموهوب له فقال: قد وهبته لك فخذه، فأخذه الموهوب له فهلك عنده كان الذي أكرهه ضامناً (٤) للقيمة، يضمنها إياه المكره إن شاء؛ لأن من أمر بالهبة ولم ينه عن الدفع فقد أمر بالدفع. ألا ترى أن رجلاً لو أمر رجلاً أن يهب جاريته (٥) هذه لفلان فأخذها المأمور فوهبها ودفعها إلى الموهوبة له جاز ذلك، فكذلك الذي أكرهه حين أمره بالهبة فكأنه أمره بالهبة والدفع. ولا تشبه (٦) الهبة في هذا الوجه البيع في الدفع؛ لأن البيع قد يكون تاماً قبل

стр. 4023

القبض، والهبة لا تكون (١) تامة إلا بالقبض. ألا ترى أن رجلاً لو قال لصاحبه: قد وهبت لك هذه الجارية، فقال الموهوبة له: قد قبلتها، وقبضها بمحضر من الواهب والواهب لا يغير عليه أن الهبة جائزة وقبضه جائز؛ لأنه كان أمره بالقبض. ولو باعه عبداً فقبضه بمحضر منه ولم يأمره بقبضه لم يكن هذا إذنًا في القبض، وكان للبائع أن يأخذه منه حتى يعطيه الثمن. فلذلك افترق البيع والهبة في القبض في الإكراه في هذا. ولو أكرهه على أن يبيعه منه بيعاً فاسداً فباعه منه بيعاً جائزاً كان ذلك البيع جائزاً لازمًا للبائع. وكذلك لو أمره أن يبيعه إياه بيعاً فاسداً ويدفعه إليه فباعه إياه بيعاً جائزاً ودفعه إليه كان البيع جائزاً، ولم يكن على الذي أكرهه ضمان؛ لأنه خالفه حين باعه على خلاف ما أمره به (٢). ولو أمره أن يبيعه إياه بيعاً جائزاً ويدفعه إليه فباعه إياه بيعاً فاسداً ودفعه إليه فهلك في يدي المشتري، فإن كان أكرهه على ذلك بالتوعد بقتل (٣) أو قطع أو ضرب فالبائع بالخيار: إن شاء ضمن الذي أكرهه وإن شاء ضمن المشتري. فإن ضمن المشتري لم يرجع على الذي أكره البائع، وإن ضمن الذي أكرهه رجع على المشتري؛ لأنه إذا أكره على البيع الجائز والدفع فباعه بيعاً فاسداً ودفع فلم يخالفه؛ لأنه باعه بيعاً دون ما أمره به، إنما هذا بمنزلة رجل أمره أن (٤) يبيعه بألف درهم نَقْد بيت المال فباعه بألف غَلَّة (٥). ولو أمره بأن يبيعه بألف فباعه بألفين جاز، ولم يكن ذلك إكراها، فكذلك البيع الفاسد إذا أمره أن يبيعه بيعاً جائزاً ويدفعه فباعه بيعاً فاسداً ودفعه فليس هذا بخلاف، لأنه أراد أن يجوز له نقض البيع. وإذا أمره بالبيع الفاسد والدفع فباعه بيعاً جائزاً فكأنه أراد بهذا أن لا يرد (٦) عليه العبد. وإذا أكرهه على أن يهب له نصف هذه الدار مقسوماً ويدفعه إليه

стр. 4024

فوهب له الدار كلها ودفعها إليه فالهبة جائزة في القياس، ولا ضمان على الذي أكرهه؛ لأنه أمر أن يقسم ثم يهب، فوهب الدار كلها فخالفه فيما أمره به. وكذلك البيع لو أمره أن يبيعه نصف الدار مقسوماً ويدفعه إليه فباعه الدار كلها كان البيع جائزاً في القياس، ولم يضمن الذي أكرهه، لأنه لم يقسم، وإنما قال له: اقسم ثم بع، فلم يطعه فيما أمره به. ومما تبين (١) لك أنه قد خالفه فيما أمره به أنه لو وجب على الذي أكرهه الضمان لم يدر أي شيء يضمنه. أفلا ترى أنه قد خالفه، ولو قسم كما أمره ثم باعه أحد النصفين مقسوماً ودفعه إليه أو وهبه وقد أكرهه على ذلك في الهبة والبيع والدفع كان الذي أكرهه ضامناً إذا أكرهه بالتوعد بقتل أو قطع أو ضرب يخاف منه التلف. وهذا القياس في هذا، ولكن أستحسن فلا أجيز هبته ولا بيعه في شيء مما أكرهه عليه من بيع نصف دار مقسوم أو هبة نصف دار مقسوم ولا غير ذلك إذا باع أو وهب ذلك كله؛ لأنه قد أكرهه على بعض (٢) ذلك، فالبيع والهبة باطلان جميعاً. وكذلك لو أكرهه على أن يهب له أو يبيعه شيئاً من هذه البيوت فباعه البيوت كلها أو وهبها له كلها كان ذلك كله باطلاً في الاستحسان؛ لأنه قد أكرهه على بعضه. … باب من الإكراه على أن يعتق عبده عن غيره أكره المولى والمعتق عنه أو أحدهما ولو أن لصاً غالباً أكره رجلاً على أن يعتق عبداً له يساوي ألف درهم عن رجل بألف درهم، فأكرهه بتوعد بقتل أو بقطع عضومن الأعضاء أو بضرب يخاف (٣) منه التلف حتى فعل وقبل (٤) ذلك المعتق عنه (٥) وهو غير

стр. 4025

مكره فالعبد حر عن المعتق عنه، والولاء له، ورب العبد بالخيار: إن شاء ضمن قيمة عبده المعتق عنه (١)، وإن شاء ضمنها الذي أكرهه. فإن ضمنها الذي أكرهه رجع بها على المعتق عنه، وإن ضمنها المعتق عنه لم يرجع بها على الذي أكرهه. ولو كان الذي أكرهه (٢) على ذلك لم يكرهه عليه بتوعد بقتل ولا قطع ولا ضرب يخاف منه تلفاً (٣)، ولكنه أكرهه على ذلك بحبس أو بقيد حتى فعل والمسألة على حالها فالعبد حر عن المعتق عنه، والولاء له، وعليه قيمة العبد، ولا شيء له (٤) على الذي أكرهه؛ لأنه لم يكرهه بضرورة، فيضمن. ولو كان أكره المعتق لعبده والمعتق عنه حتى فعلًا ذلك بتوعد بقتل أو بقطع (٥) أو بضرب يخاف منه تلفاً (٦) فالعبد حر عن المعتق عنه، والولاء له، وليس لمولى العبد على المعتق عنه ضمان؛ لأنه أعتق عنه وهو مكره على ذلك، ولكن القيمة على الذي أكرههما لمولى العبد. وإنما هذا الذي وصفت في إكراه هذين الرجلين على العتق بمنزلة لص غالب أكره رجلاً على أن يبيع عبده من هذا الرجل بألف درهم ويدفعه إليه، وأكره الرجل الآخر على أن يشتريه ويقبضه ويعتقه (٧)، فأكرههما بتوعد بقتل أو تلف حتى فعلًا ذلك، فالعتق (٨) عن المعتق عنه، لأنه ملكه، ولا ضمان عليه في العبد، لأنه أكره على الشراء والقبض جميعاً، فكان الفاعل لذلك كله الذي أكرهه. فإن قال قائل: وكيف (٩) يشبه هذا الأول، والأول لم يقبض العبد؟ قيل له: إن الأول (١٠) وإن لم يقبض العبد فالعتق للعبد (١١) المعتق (١٢)

стр. 4026

عنه بمنزلة القبض. ألا ترى أن المشتري لو اشترى عبداً بيعاً فاسداً لم (١) يقبضه حتى أعتقه كان عتقه باطلاً، ولو قال لرجل (٢): أعتق عبدك هذا عني بألف رطل من خمر، ففعل، كان العتق على المعتق عنه، وكان ضامناً لقيمة عبده، فجعل العتق عنه بأمره بمنزلة القبض، فكذلك العتق عنه في الإكراه هو بمنزلة القبض (٣) والعتق بعد ذلك. ولو أن الذي أكرههما على العتق لم يكرههما بتوعد بقتل ولا قطع ولا تلف ولكنه أكرههما جميعاً بحبس أو بقيد ففعلًا كان العتق عن المعتق عنه والولاء له، ويضمن لمولى العبد قيمة العبد، ولا ضمان له ولا لمولى العبد (٤) على الذي أكرههما. ولو كان أكره (٥) المولى بتوعد بقتل أو قطع وأكره الآخر بحبس أو بقيد حتى فعلًا ذلك كان العتق عن (٦) المعتق عنه والولاء له، وكان مولى العبد بالخيار: إن شاء ضمن قيمة عبده الذي أكرهه، وإن شاء ضمن ذلك المعتق عنه. فإن ضمن المعتق عنه لم يرجع على الذي أكرهه، وإن (٧) ضمن الذي أكرهه رجع على المعتق عنه بالقيمة التي ضمن. وأيهما اختار ضمانه لم يكن له بعد ذلك أن يضمن الآخر شيئاً من ذلك أبداً؛ لأن الذي أكره المعتق عنه إنما أكرهه بسجن أو قيد، وهذا لا يضمن الذي أكرهه شيئاً، ولكن المعتق عنه لا يكون راضياً وقد أكره بالسجن والقيد. فأما أن يضمن الذي أكرهه ما استهلك المكره فليس له ذلك. وإن كان الذي أكره بالحبس والقيد مولى العبد وهو لا يخاف منه غير ذلك وأكره المعتق عنه بالوعيد بالقتل والقطع حتى فعلًا ذلك فالعبد حر عن المعتق عنه والولاء له، ويضمن الذي أكرهه قيمة العبد فيدفعها إلى مولى العبد، ولا سبيل للمعتق عنه عليها؛ لأن المولى لم يكره بضرورة يخاف منها تلفا (٨)، إنما أكره بالحبس والقيد. وأما المكره المعتق

стр. 4027

عنه فقد أكره على ملكه والعتق عنه بالوعيد بالقتل ونحوه. فهذا كان الفاعل لذلك الذي أكرهه، فيغرم القيمة فيدفعها إلى المولى. ولو لم يكن أكرهه على أن يعتق عنه ولكن أكرههما جميعاً بالوعيد بالقتل أو القطع (١) أو الضرب (٢) الذي يخاف منه التلف حتى دبره عن صاحبه بألف درهم وقبل ذلك صاحبه فالتدبير جائز عن الذي (٣) دبر العبد عنه، وهو مدبر له إذا مات عتق. ومولى العبد بالخيار: إن شاء ضمن الذي أكرهه قيمة عبده عبداً غير مدبر، ورجع الذي أكرهه على الذي دبر عنه بقيمة العبد مدبراً، ولا يرجع عليه بفضل ما بين التدبير وغيره؛ لأنه هو الذي أكرهه عليه. فإن شاء مولى العبد رجع (٤) بقيمة العبد مدبراً على الذي دبره، ورجع على الذي أكرهه بنقصان التدبير؛ لأن المدبر يصير عبداً للذي دبر عنه مملوكاً له يستخدمه، وإن كانت جارية كان له أن يستخدمها ويطأها، فلا بد من أن يلزمه قيمتها مدبرة. ولو كان اللص إنما أكرههما جميعاً بالحبس أو بالقيد حتى جعل العبد (٥) مدبراً عن الذي دبر عنه فلا ضمان لواحد منهما على الذي أكرههما (٦)، ولمولى العبد أن يرجع بقيمة عبده على الذي دبر عنه. ولو كان المولى أكره بالوعيد بالقتل أو القطع أو الضرب الذي يخاف منه التلف وأكره الآخر بالوعيد بالحبس أو بالقيد وليس يخاف منه غير ذلك ففعلًا ما أكرههما عليه من ذلك فالعبد مدبر للذي دبر عنه، ومولى العبد بالخيار: إن شاء ضمن الذي أكرهه قيمة عبده عبداً غير مدبر، وإن شاء ضمن الذي دبر عنه قيمته عبداً غير مدبر. فإن ضمن الذي أكرهه رجع الذي أكرهه على الذي دبر عنه العبد بقيمته عبداً غير مدبر، فإن لم يرجع بذلك الذي أكرههما على الذي دبر عنه العبد حتى أبرأ المولى الذي أكرههما من القيمة التي ضمنها إياه أو وهبها

стр. 4028

له أو أخرها (١) عنه شهراً كان للذي أكرههما أن يرجع بما ضمن من ذلك على الذي دبر عنه العبد. ولو كان الذي أكرههما أكره المولى بالوعيد بالحبس أو القيد وأكره الآخر بالوعيد بالقتل أو القطع أو الضرب الذي يخاف منه التلف حتى فعلًا ذلك كان لمولى العبد أن يرجع على الذي أكرههمابنقصان التدبير، ويرجع على الذي دبر عنه العبد بقيمة العبد مدبراً. وكذلك في هذه الوجوه كلها لو أكرههما على البيع والقبض بما أكره المشتري على التدبير كان بمنزلة ما وصفت لك من التدبير على المال في جميع الإكراه. ولو أن الذي أكرههما لم يكرههما على عتق ولا تدبير، ولكنه أكرههما بالوعيد بالقتل أو القطع أو الضرب الذي يخاف منه التلف على أن يتبايعا ويتقابضا ففعلًا، ثم أكره المشتري بالوعيد بمثل ذلك على أن يقتل (٢) العبد عمداً بالسيف، فإن القياس في هذا أن يقتل المولى البائع الذي أكرههما بعبده؛ لأن بيعه كان فاسداً، وقد أجبر القاتل على (٣) القتل. ولكن (٤) أستحسن أن أضمن الذي أكرههما قيمة العبد في ماله لمولى العبد البائع؛ لأن المشتري قد كان ملك العبد، فأكره أن يقتل البائع الذي أكرههما ولم يكن يملك العبد. ولو كان أكرههما على البيع بالوعيد بالسجن والحبس وأكره المشتري على القتل عمداً بالوعيد بالقتل أو القطع أو الضرب الذي يخاف منه تلفا (٥) حتى قتل العبد فإن للبائع قيمة العبد على المشتري، وللمشتري أن يقتل الذي أكرهه على القتل. ولو كان أكرهه بالسجن والحبس ولم يكرهه بقتل ولا قطع ولا ضرب (٦) فقتل لم يكن على الذي أكرهه ضمان، وكان الضمان على المشتري يضمن القيمة للبائع. ولو كان الذي أكرههما جميعاً أكره المولى البائع بالوعيد بالقتل وأكره المشتري في الشراء والقتل بالحبس والتقييد فالبائع بالخيار: إن (٧) شاء ضمن الذي أكرهه قيمة عبده ورجع بها على المشتري، وإن شاء ضمن

стр. 4029

المشتري قيمة عبده ولم يرجع (١) المشتري على الذي أكرهه بشيء. وإن كان الذي أكرههما جميعاً أكره المشتري على الشراء والقبض بالسجن والقيد وأكرهه على القتل بالوعيد بالقتل والمسألة على حالها فقتل المشتري فمولى العبد البائع بالخيار، إن شاء ضمن الذي أكرهه قيمة عبده. فإن ضمنه فلا شيء لواحد منهما على المشتري، لأن العبد كان للذي أكرهه قبله. وإن شاء مولى العبد ضمن المشتري قيمة عبده، لأنه إنما أكره على الشراء والقبض بالحبس أو بالقيد. فإن ضمنه قيمة عبده كان للمشتري أن يقتل (٢) الذي أكرهه على قتل عبده؛ لأن العبد تم (٣) ملكه له. وإن (٤) كان أكره المولى بالحبس والقيد على البيع والدفع وأكره المشتري على الشراء والقبض والقتل بالوعيد بالقتل ففعلا ذلك فلا ضمان على المشتري، ويغرم الذي أكرههما قيمة العبد لمولى العبد. فإن كان إنما أكره المشتري على الشراء والقبض بالوعيد بالقتل وأكرهه على القتل أو العتق أو التدبير بالحبس والقيد ففعلًا ذلك فلا ضمان على الذي أكرههما، والمشتري ضامن لقيمة العبد للبائع. وإن كان الثمن أكثر من القيمة لم يضمن الثمن، لأنه أكرهه على القتل أو العتق أو التدبير بالوعيد بالحبس أو القيد حتى فعل. فهذا لا يجوز به البيع، ولا يكون (٥) راضياً بالبيع بالقتل أو العتق أو التدبير، لأنه أكره على أن يرضى ذلك بالوعيد بالحبس. ولو كان صاحب العبد البائع غير مكره، ولكنه طلب إلى الذي أكره أن يكره المشتري على أن يشتري عبده بألفي درهم، وقيمته ألف درهم، ويقبضه على ذلك، فأكرهه على ذلك بتوعد بقتل حتى فعل، ثم أكرهه بعد ذلك على أن قتله عمداً، أو أعتقه بتوعد بقتل، فلا ضمان على المشتري في شيء من ذلك، والضمان على الذي أكرهه، فيضمن البائع قيمة عبده.

стр. 4030

ولو كان أكرهه بقتل حتى دبر العبد فالبائع بالخيار: إن شاء ضمن الذي أكرهه قيمة عبده غير مدبر، ورجع (١) الذي أكره على المشتري بقيمة العبد مدبراً. وإن شاء ضمن المشتري قيمة العبد مدبراً، أو ضمن الذي أكرهه فضل ما بين قيمة العبد مدبراً إلى قيمته عبداً، لأن البائع وإن كان طلب إلى الذي أكرهه أن يكرهه على البيع والقبض فلم يأمره أن يكرهه على قتل ولا عتق ولا تدبير. ولو أكره المشتري الذي أكرهه على الشراء والقبض بالتوعد بالحبس أو بالقيد والمسألة على حالها لم يكن للبائع على الذي أكره المشتري ضمان، وكان له أن يضمن المشتري قيمة عبده، وكان للمشتري أن يقتل الذي أكرهه على القتل بالوعيد بالقتل، ويضمنه قيمة عبده إن كان أكرهه على العتق. وإن (٢) كان أكرهه على التدبير ضمنه فضل ما بين قيمته عبداً (٣) إلى قيمته مدبراً. فإن مات الذي دبره والعبد يخرج من ثلثه كان لورثة الذي دبره أن يضمنوا الذي أكرهه على التدبير قيمة العبد مدبراً، لأنه أكرهه على القتل أو العتق أو التدبير بالتوعد بالقتل، فيضمن (٤) ذلك كله. ولو كان أكرهه في ذلك كله بالحبس والقيد والمسألة على حالها لم يكن على الذي أكرهه (٥) ضمان، وكان الضمان للبائع على المشتري، يضمنه قيمة عبده. ولو أن لصاً غالباً أكره رجلاً على أن يقبل من رجل أن يعتق عبده عنه بألف درهم وقيمة العبد ألفان وخمسمائة (٦) بطلب من رب العبد، فأكره المعتق عنه على ذلك بتوعد بقتل أو قطع أو ضرب يخاف منه تلفاً (٧) حتى قبل ذلك من مولى العبد، فالعبد حر عن المعتق عنه، والولاء له، ولا ضمان على المعتق عنه، ولا ضمان على الذي أكره المعتق عنه، [لأنه] لم
следующие страницы →