← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 14285

الأصل لمحمد بن الحسن - ت بوينوكالن

محمد بن الحسن الشيباني

Полный текст (6 738 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.

стр. 4726

فوافق من ذلك الحق وما يرضى به أهل الفضل والخير، من الوصية بالعتق والتدبير والوصية للقرابات والحج والزكاة، وبغير ذلك من الوصايا التي يتقرب بها إلى الله تعالى، والوصايا التي تكون على غير وجه الفسق، ولم يأت من ذلك بسرف (١) ولا أمر يستقبحه (٢) المسلمون، فإن وصيته في ذلك جائزة من ثلثه (٣) كما تجوز وصية غيره، ولا تشبه الوصايا في هذا غيرهاة (٤) لأن الوصايا قد جاءت فيها آثار عن شريح وعن الشعبي. وقد روى بعضهم في ذلك حديثاً عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه أجاز وصية غلام (٥) يافع (٦) وأن شريحاً سئل عن وصية غلام لم يبلغ، فقال: إذا أصاب الوصية فهو جائز (٧). وقال الشعبي نحو ذلك (٨). فإذاً وصية الذي لم يبلغ ولم (٩) تجر (١٠) عليه الأحكام جائزة عند هؤلاء. فكذلك وصية هذا الذي قد بلغ ولم يؤنس منه رشد جائزة عندنا إذا أصاب الوصية وأوصى كما يوصي المصلح غير المفسد. وليس ذلك بقياس. القياس فيه كما تبطل الأشياء التي صنع في حياته فكذلك تبطل بعد موته. ولو أن هذا الذي قد بلغ وهو مفسد غير مصلح جاءت جارية له بولد فادعاه وزعم أنه ابنه كان ابنه ثابت النسب منه حراً لا سبيل عليه، وكانت الأمة أم ولد له، وإن مات كانت حرة لا سبيل (١١) عليها. ولا يشبه

стр. 4727

هذا ما وصفت لك قبله من العتق. ألا ترى (١) أن رجلاً لو حضره الموت وعليه دين كثير وله جارية فولدت ولداً فادعاه كان ابنه وكانت أم ولد له، فإن مات عتقت من جميع ماله ولم تسع هي ولا ولدها في شيء من الدين، ولم يشبه في هذا الوجه المعتق في المرض. فكذلك الذي (٢) وصفت لك من الذي بلغ ولم يؤنس منه (٣) رشد دعوته جائزة، والغلام ابنه، والجارية أم ولد له. ولو كانت له جارية لا يعلم لها ولد، فقال: هذه أم ولدي، كانت بمنزلة أم ولده لا يقدر على بيعها، فإن مات سعت في جميع قيمتها؛ لأنها لما لم يكن معها ولد يثبت نسبه لم يصدق على ذلك، وكان بمنزلة رجل حضره الموت وعليه دين كثير فقال لجاريته ولا مال له غيرها: هذه أم ولدي، ثم مات، فهي حرة وتسعى في جميع قيمتها لغرمائه. فكذلك هذا الذي وصفت لك. ولو أن الغلام الذي قد بلغ كان له عبد لم يولد في ملكه، فقال: هذا ابني، ومثله يولد لمثله، فهو حر وهو ابنه ويعتق الغلام ويسعى في جميع قيمته. ألا ترى أن هذا الذي لم يؤنس منه (٤) رشد لو اشترى ابنه وهو معروف وقبضه كان شراؤه فاسداً ويعتق الغلام حين قبضه ويسعى في جميع قيمته للبائع، ولا يكون للبائع في مال المشتري من ذلك شيء. ألا ترى أن رجلاً مصلحاً غير مفسد لو وهب له ابنه وهو معروف، أو وهب له غلام في مرضه، فادعى [أنه] (٥) ابنه، ثم مات وعليه دين كثير وليس له مال غيره، سعى الغلام في جميع قيمته لغرماء أبيه. فكذلك الوجه الأول الذي وصفت لك من الذي لم يؤنس منه رشد. ولو أن الغلام الذي لم يبلغ إلا أنه يعقل تزوج امرأة وهو مفسد غير مصلح لم يؤنس منه رشد جاز نكاحه ولم يقض بفساده (٦)، ولكنه ينظر إلى

стр. 4728

ما تزوجها عليه وإلى مهر مثلها، فإن كان الذي تزوجها عليه مثل مهر مثلها أو أقل من ذلك فالنكاح جائز، ولها عليه (١) ذلك المهر دين عليه في ماله. وإن كان الذي تزوجها عليه أكثر من مهر مثلها بطل الفضل الذي زاد على مهر مثلها، وكان مهرها مقدار مهر مثلها بما سمى لها ديناً عليه، تأخذه من ماله. فإن طلقها قبل أن يدخل بها وجب لها نصف ذلك ديناً عليه في ماله. وكذلك لو تزوج أربعاً كان في تزوجه ذلك بمنزلة تزوجه الواحدة. وكذلك لو تزوج كل يوم واحدة ثم طلقها كان على ما وصفت لك، ولا يستقيم الأمر إلا على ذلك. ألا ترى أن رجلاً لو تزوج في مرضه أربع نسوة على مهور مثلهن ثم مات وعليه دين كثير حاصَصْن (٢) الغرماء بدينهم، فإن كان زادهن على مهور مثلهن شيئاً حط ذلك إلى مهور مثلهن. وكذلك ما وصفت لك من أمر هذا الغلام الذي بلغ ولم يؤنس منه رشد، ولا يشبه النكاح (٣) والطلاق والعتاق في هذا غيرها (٤) من الأشياء؛ لأن الطلاق والنكاح (٥) والعتاق (٦) هزلهن جد وجدهن جد، ومن أكره عليهن حتى يطلق أو يعتق أو يتزوج جاز ذلك عليه، ولم يجز عليه شيء مما أكره عليه سوى ذلك. فكما يجوز ذلك في الإكراه وفي اللعب فكذلك يجوز في هذا الذي وصفت لك. ولو أن هذا الرجل المحجور عليه حلف بيمين أو بأيمان كثيرة أو نذر نذوراً كثيرة من هدي أو صدقة أو غير ذلك لم ينفذ له القاضي شيئاً من ذلك الذي أوجب على نفسه. فإن حنث في أيمانه فأراد أن يكفر عنها من ماله منعه القاضي من ذلك، ووجب (٧) عليه لكل كفارة يمين صوم ثلاثة (٨) أيام متتابعات؛ لأنه لا يقدر على ماله وإن كان ذا مال. ألا ترى أن رجلاً مصلحاً غير مفسد لو حنث في يمين وماله غائب عنه أجزأه أن يصوم عن يمينه. ولو أن رجلاً غصبه إياه أو كان أدانه إياه فأبى أن يعطيه منه شيئاً

стр. 4729

أجزأه أن يصوم عن كفارة يمينه ثلاثة (١) أيام. وكذلك المحجور عليه الممنوع من ماله يجزيه الصوم في كفارة اليمين. وكذلك لو ظاهر من امرأته أجزأه من ذلك صوم شهرين متتابعين. ولو أعتق عبداً له عن ظهاره جاز عتقه وسعى الغلام في جميع قيمته، ولم يجزه ذلك العتق عن ظهاره للسعاية التي وجبت على العبد، ولكنه يصوم شهرين متتابعين عن ظهاره، فيجزيه ذلك من ظهاره. فإن قال قائل: وكيف لا تكون عليه كفارات أيمانه وظهاره من ماله وهذا مما يتقرب به إلى ربه؟ قيل له: لو جاز (٢) هذا له لكان إذا شاء أن يعتق عبداً من عبيده فقيل له: إن عتقك لا يجوز إلا بسعاية، ظاهر من امرأتك ثم أعتق عبداً من عبيدك، أو احلف بيمين فاحنث فيها ثم أعتق عبداً (٣) من عبيدك، فإذاً هو قد جاز له الذي (٤) أراد، فصار هذا والذي لم يظاهر ولم يحلف سواء. فهذا كله باطل، وهو على ما وصفت لك. ولو أن هذا المحجور عليه قتل رجلاً خطأً ببينة كانت ديته على عاقلته، وكانت عليه (٥) الكفارة (٦) صوم شهرين متتابعين وإن كان موسراً، لأنه ممنوع من ماله. ولو قتل رجلاً تعمده بعصا كانت الدية على عاقلته مغلظة، وكانت عليه كفارة صيام شهرين متتابعين (٧). فإن أعتق بعض رقيقه عن قتله جاز العتق وسعى في قيمته ولم يجز من كفارته للسعاية التي وجبت. ألا ترى أن رجلاً مصلحاً غير مفسد لو أعتق عبداً له في مرضه - ولا مال له غيره - من رقبة وجبت عليه من ظهار أو قتل، ثم مات من

стр. 4730

مرضه ذلك، سعى الغلام في ثلثي قيمته، ولم تجزه تلك الكفارة للسعاية التي وجبت عليه. فكذلك المحجور عليه لما وجبت السعاية على عبده الذي أعتقه لم يجز عتقه عن كفارته وكانت الكفارة عليه صوم شهرين متتابعين. فإن صام أحد الشهرين ثم صار (١) مصلحاً في صومه لم يجزه إلا العتق وبطلت كفارة الصوم، وصار بمنزلة مصلح معسر لم يقدر على عتق رقبة فصام ثم أيسر وهو يصوم، فهذا لا يجزيه إلا العتق. فكذلك المحجور عليه (٢) إذا صار مصلحاً وقد بقي عليه من الصوم قليل أو كثير لم يجزه إلا العتق. فأما ما وجب على المحجور عليه من أمر أوجبه الله تعالى عليه من زكاة ماله أو حجة الإسلام أو غير ذلك مما يوجبه المحجور على نفسه فإن المحجور عليه (٣) في ذلك والمصلح سواء. إنما يختلفان فيما أوجب على نفسه مما لم يجب عليه إلا بإيجابه، فأما ما أوجبه الله تعالى عليه فهما فيه سواء. فينبغي للحاكم أن ينفذ له ما أوجب الله عليه من ذلك إذا طلبه من زكاة ماله، ولكن الحاكم لا يخلي بينه وبين الأخذ حتى يعطيه المساكين بمحضر من أمينه. وكذلك إن طلب من القاضي مالاً يصل به قرابته من ذي الرحم المحرم الذي يجبر على نفقتهم فإن القاضي يجيبه إلى ذلك، ولا يدفع المال إليه، ولكنه يدفعه إلى ذي الرحم المحرم. ولا ينبغي للقاضي أن يأخذ بقوله في ذلك حتى تقوم البينة على العشرة والقرابة، إلا في الوالد والولد. فإنه إذا أقر بأن هذه ابنته وأن هذا أبوه، وصدقه بذلك المقر له، وعلم أن المقر له معسر - ولا يصدق المحجور عليه بقوله: إنه معسر، فإذا عرف أنه معسر

стр. 4731

وأقر بأنه والد أو ولد - يثبت النسب ووجبت النفقة؛ لأن النسب يثبت (١) هاهنا بقوله، ثم لا يتحول. وكذلك إقراره بالزوجة (٢) تكون بذلك زوجة، ويجب لها من المهر مقدار مثلها، ونفقة مثلها في كل شهر. فإن كان قد مضى بعد إقراره بذلك أشهر، ثم أقر بأنه (٣) قد كان فرض نفقة في أول تلك الأشهر، وطلبت المرأة أخذ النفقة لما مضى من الشهور، لم يصدق على ما مضى من ذلك، وفرض لها فيما يستقبل، إلا أن تقيم البينة أنه كان فرض (٤) لها في أول تلك الشهور. فإن أقامت على ذلك بينة أخذت بحقها من ماله. فإن أراد أن يحج حجة الإسلام لم يمنع من ذلك. وإن أراد عمرة واحدة لم يمنع منها أيضاً؛ لأن الناس مختلفون في العمرة، فمنهم من يقول: هي واجبة كالحج لقول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٥)، ومنهم من يقول: العمرة تطوع. فإذا أراد أن يعتمر استحسنا أن يجوز له ذلك - وإن كنا نرى أن العمرة تطوع - لاختلاف الناس. فإن أراد (٦) أن يقرن عمرةً وحجاً وأراد أن يسوق بدنة لم يمنع من ذلك - وإن كانت الشاة تجزيه - لاختلاف الناس في ذلك. ألا ترى أن بعضهم قال: لا ينبغي القران إلا أن يسوق. وقال عبد الله بن عمر: الهدي جزور أو بقرة (٧). وإنما يصنع هذا الرجل على غير وجه الفساد. فإذا أراد القران والخروج نظر الحاكم إلى رجل ثقة لا بأس به ممن يريد الخروج إلى مكة، فدفع إليه ما يكفي المحجور عليه لكرائه ونفقته ولهديه، فيكون ذلك الرجل يلي النفقة عليه وما أراد من الهدي وغيره بأمر المحجور عليه. ولا يدفع إلى المحجور عليه شيئاً

стр. 4732

من ذلك المال مخافة أن يتلفه (١) في بعض أمره ثم يقول: ضاع مني فأعطوني مالاً مثله. فإن هو أحرم بالحج أو قرن حجاً وعمرة، ثم أصاب في ذلك صيداً، أو حلق رأسه من أذى، أو صنع في ذلك شيئاً يجب فيه الصوم، أمر بأن يصوم مكان ذلك، ولم يعط من ماله لما صنع شيئاً. وإذا (٢) رأى الحاكم أن يأمر الرجل إذا ابتلي بأذى في رأسه أو أصابه وجع فاحتاج فيه إلى لبس قميص أو غير ذلك أن يذبح عنه أو يتصدق لم (٣) نر (٤) بهذا بأساً؛ لأنه لم يلزمه ذلك من فعل فعله. ولكن لا ينبغي للوكيل أن يفعل ذلك إلا بأمر المحجور عليه. فإذا أمره المحجور عليه ففعل ذلك فلا ضمان عليه. وإن كان المحجور عليه تطيب بطيب كثير أو قبل أو لمس لشهوة (٥) فوجب عليه لما صنع دم يهريقه، أو صنع في حجه أو عمرته أمراً يلزمه به دم أو طعام مما لا يجوز فيه الصوم، فعليه في ذلك الكفارة إذا صار مصلحاً غير مفسد. فأما وهو على فساده فلا ينبغي للحاكم ولا للذي ولاه الحاكم النفقة عليه أن يؤدي عنه تلك الكفارة؛ لأن هذا (٦) لو جاز له في حجه وعمرته لفعله في كل يوم مرة من الجماع والطيب وغير ذلك لفسقه وفساده ثم أدى كفارة ذلك عنه. فهذا ليس بشيء، وهذا له لازم يؤديه عن نفسه إذا صلح. وهو بمنزلة العبد المأذون له في الحج في جميع هذه الكفارات. وكذلك لو جامع امرأته بعدما يقف بعرفة كان حجه تاماً وكانت عليه بدنة إذا صلح، ولم يعط من ماله في حال فساده قليل ولا كثير. فإن جامع امرأته في حجه قبل أن يقف بعرفة أو في قرانه قبل أن يطوف لعمرته مضى في عمرة فاسدة وحجة فاسدة بنفقته. لا بد من ذلك؛ لأنه لا يحل إلا بها.

стр. 4733

فأما الكفارة التي تجب عليه من الدماء فإنه لا يعطى من ماله شيء لذلك، ولكنه يؤدي ذلك عن نفسه إذا صلح. فإن مضى في عمرة وحجة فاسدتين حتى قضاهما بنفقته ثم طلب من العام المقبل أن يمضي في عمرته وحجته لم يمنع من ذلك، وأمر بأن يعتمر ويحج؛ لأن الحج في هذا الوجه فريضة عليه، فلا بد من قضائه وإن كثر هذا منه. ألا ترى أن هذا المحجور عليه لو تزوج في كل يوم امرأة على مقدار مهر مثلها ثم طلقها قبل أن يدخل بها وجب لها نصف المهر في ماله وإن كثر ذلك منه. فهذا لا بد منه وإن كثر. فكذلك حجة الإسلام لا بد من قضائها وإن أفسدها مرة بعد مرة. ألا ترى أن المرأة ليس لها أن تحج إلا بإذن زوجها إلا حجة الإسلام خاصة؛ لأنها لو قدرت على ذلك أحرمت في كل سنة بحجة وفي كل شهر بعمرة فلم يصل زوجها منها إلى ما يريد. فقيل: ليس لها ذلك إلا في حجة الإسلام خاصة. فإنها إذا كان لها ولي لم يمنع مينى الخروج. فلو خرجت في حجة الإسلام ثم إن رجلاً جامعها فأفسد حجها مطاوعة أو مستكرهة مضت في حج فاسد حتى تقضيه. فإن أرادت (١) من قابل أن تقضي حجة الإسلام ومعها ولي لم تمنع من ذلك وإن كثر ذلك منها من فساد الحج حجة بعد حجة. فكذلك الذي وصفت لك من أمر المحجور عليه. ولو أن هذا المحجور عليه قضى حجه كله إلا طواف الزيارة ثم ترك الطواف ورجع إلى أهله ولم يطف طواف الصَّدَر (٢) فهو محرم من النساء أبداً حتى يطوف بالبيت. فإن طلب نفقة ليرجع إلى مكة حتى يطوف فهذا لا بد منه. ويصنع به في نفقته مثل ما يصنع به في ابتداء الحج. يدفع ذلك إلى من ينفقه عليه، ويؤمر الذي يلي النفقة عليه أن لا لنفق عليه راجعاً حتى يحضر حين يطوف بالبيت. فإن طاف بالبيت جنباً ثم رجع إلى أهله ثم طلب أن ينفق عليه حتى يعيد (٣) الطواف قيل له: هذا يجزئك فيه المقام فلا ينفق

стр. 4734

عليك ولا يردك إلى مكة للطواف ولكن أَحْلِلْ إن أحببت. وتكون عليك بدنة لطواف الزيارة وشاة لطواف الصدر، تؤدي ذلك إذا صلحت. ولا تعطى من مالك في ذلك شيئاً. وإن خرج مُهِلاًّ بحجة الإسلام فأُحْصِر فهذا ينبغي للذي أعطي نفقته أن يبعث بهدي عنه فيحل به؛ لأن هذا أمر أصابه لم يحدثه. ألا ترى أن العبد إذا أذن له مولاه في الحج فحج فأحصر وجب على مولاه أن يبعث عنه بهدي يحل به؛ فكذا (١) المحجور عليه. [ولو أن هذا المحجور عليه] (٢) أهل بحجة تطوعاً لم يكن ينبغي للحاكم أن ينفق عليه حتى يقضي حجته؛ لأن هذا لو استقام له أن يفعله لاستقام له أن يحج في كل سنة حجةً وفي كل شهر عمرةً، فيفسد ذلك الذي دخل فيه، ثم يريد أن يجدده وينفق من ماله في ذلك، فهذا لا يعطى من ماله لهذا شيئاً (٣). ألا ترى أنه لو قال: أعطوني شيئاً من مالي أتصدق به لم يعط ذلك، فكذلك هذا. فإن لم يقدر على نفقة وقد أحرم بحجة تطوعاً أو عمرة تطوعاً جعل له من النفقة ما يكفيه لبدنه لو كان مقيماً، ما كنت أجعل له وهو في منزله. ثم يقال له (٤): إن شئت فاخرج ماشياً (٥)، فأما أن نزيدك على ذلك شيئاً فلا. فإن كان موسراً كثير المال وقد كان الحاكم (٦) يوسع عليه وهو مقيم لكثرة ماله وكان فيما يعطيه من النفقة فضل عن قوته، فقال: أتكارى (٧) بذلك، وأنفق على نفسي القوت، فعلت ذلك. ولكني لا (٨) أدفع إليه النفقة، وأدفعها إلى ثقة ينفقها عليه على ما أراد. فإن كانت نفقته هذه لا تسعه لركوبه ومؤنته ولم يقدر على الخروج إلا بنفقة كثيرة لم ينفق عليه الحاكم،

стр. 4735

وأقام حراماً على حاله حتى يقدر على الخروج فيحل من عمرته أو حجته. فإن طال ذلك به حتى تأتيه من إحرامه ضرورة يخاف عليه فيها من مرض أو غير ذلك فلا بأس إذا جاءت الضرورة أن ينفق عليه من ماله حتى يقضي إحرامه ويرجع. وكذلك (١) لو أحرم بحجة أو عمرة تطوعاً ثم أحصر فإن الحاكم لا يبعث عنه بهدي يحل به إلا أن يشاء المحجور عليه أن يبعث بذلك من نفقته. فإن شاء ذلك لم يمنع منه. وإن لم يكن في النفقة ما يقدر على أن يبعث بذلك (٢) منه ترك على حاله حتى تأتي الضرورة التي وصفت لك، ثم يبعث عنه بهدي من ماله يحل به. وإنما ينظر في هذا إلى ما يصلحه ويصلح ماله؛ لأنه إنما يراد بهذا ونحوه الإصلاح والحفظ لماله. فإذا دخلت عليه بلية لا يقدر على ردها إلا ببعض ماله كان هذا من صلاح ماله؛ لأن ماله إنما يصلح له، فإذا فسد بدنه لم يغن إصلاح ماله عنه شيئاً. والمرأة إذا كانت مفسدة غير مصلحة بمنزلة الرجل في جميع ما وصفت لك. فإن أعتقت جاز عتقها وسعى المعتق في جميع قيمته. وإن اختلعت من زوجها بمال جاز الخلع، ولم يكن لزوجها من المال قليل ولا كثير؛ لأنه هو الذي فرط في ذلك. فإن كان (٣) طلقها على ذلك المال تطليقةً فالتطليقة بملك الرجعة؛ لأن المال لا يجب على المرأة في حال فسادها، ولا يجب عليها (٤) في حال صلاحها وإن صلحت. فصارت في هذه (٥) الحال بمنزلة الجارية التي لم تبلغ، إذا طلقها زوجها تطليقة على ألف درهم وقبلت ذلك منه وقد كان دخل بها فالتطليقة واقعة عليها، وهي تطليقة يملك فيها الرجعة؛ لأن الطلاق لم يبطل. وقد بطل المال فلا يجب

стр. 4736

عليها في حال الصغر ولا إذا كبرت. وكذلك الجارية التي لم يؤنس منها رشد لا يجوز عليها الخلع ولا يلزمها المال على حال فسادها ولا في حالها إذا صلحت. ولو كانت أمة (١) لرجل زوّجها رجلاً فطلقها تطليقةً على ألف درهم، وقد كان دخل بها، ولا يعلم منها فساد، فإن التطليقة بائنة، ولا يلزمها من المال قليل ولا كثير حتى تعتق، فإذا عتقت لزمها المال. ولهذا (٢) كانت التطليقة بائنة. ولو لم يلزمها المال بعد العتق ما كانت التطليقة بائنة، وما كانت إلا تطليقة بملك الرجعة. فلما كان المال يلزم على حال من الحالات كان الطلاق بائناً. ولو أن الأمة كانت مع رقها مفسدة غير مصلحة ممن لو كانت حرة ما جاز أمرها في مالها، فطلقها زوجها تطليقة بألف درهم، فقبلت ذلك، كانت التطليقة (٣) بملك الرجعة، وكانت في ذلك بمنزلة الحرة المفسدة؛ لأن هذا المال لا يلحقها في حال رقها ولا بعد عتقها، فلذلك كان الطلاق طلاقاً يملك فيه الزوج (٤) الرجعة. ولو أن غلاماً أدرك مفسداً غير مصلح فلم يرفع أمره إلى القاضي حتى باع شيئاً من تركة والده، وأقر بديون لقوم شتى، ووهب هبات، وتصدق بصدقات، فرفع أمره إلى القاضي، فإن القاضي يبطل جميع ما صنع من ذلك، إذا كان يوم فعل ذلك مفسداً غير مصلح ممن يستحق الحجر لو رفع إلى القاضي على تلك الحال؛ لأن القاضي إنما يحجر عليه لفساده. فإذا كان مفسداً لماله فهو محجور عليه وإن لم يحجر عليه قاض؛ لأن القاضي إنما يحجر عليه للفساد، فقد كان (٥) الفساد (٦) منه قبل حجر القاضي عليه. وقد

стр. 4737

قال الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (١)، ولم يذكر في ذلك حجر قاض ولا غيره. فينبغي إذا أونس منه رشد (٢) أن يدفع ماله وأن يجاز له ما صنع في ماله من شيء، وإذا لم يؤنس منه رشد (٣) لم يدفع إليه ماله، فكذلك ماله لا يجاز له شيء فعله فيه. فينبغي لمن قال: إقراره (٤) جائز في ماله وإن كان مفسداً حتى يحجر علمه القاضي، أن يقول: ينبغي للقاضي أن يدفع إليه ماله حتى يحجر عليه القاضي وإن كان مفسداً غير مصلح. فإن قال: لا ينبغي أن يدفع إلمه ماله فأمره جائز في ماله حتى يحجر عليه القاضي، فقد دخل فيما قال القوم مثله الذين لم يروا الحجر شيئاً (٥)؛ لأن الذين لم يروا الحجر شيئاً إنما (٦) احتج عليهم بأن قيل لهم: كيف يمنع المفسد ماله حتى لا يدفع إليه وأمره جائز فيه، إذاً لا يبالي أن لا (٧) يدفع إليه، إذا كان أقر لإنسان (٨) أخذه. فإنما أفسد قولهم واحتج عليهم بهذا ونحوه. فإذا قال قائل: الأمر على ما قالوا حتى يحجر عليه القاضي، فليس بين قوله وقولهم افتراق في رد هذه الآية حين (٩) قال: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (١٠). ولكنا نقول: المفسد لماله لا يجوز أمره فيه حتى يؤنس منه رشد (١١) وإصلاح (١٢) لماله، إن حجر عليه قاض أو لم يحجر. فإن كان الذي لا يجوز بيعه قبض مالاً من ثمن ما باع ببينة، ثم

стр. 4738

رفع (١) ذلك إلى قاض، فإنه ينظر في ذلك. فإن رأى ما باع رَغْبَة (٢) أجازه، فجاز بإجازته إن كان الثمن قائماً بعينه. وإن كان الثمن ضاع في يديه لم يجز القاضي ذلك البيع؛ لأنه إن أجاز البيع جاز قبض المحجور عليه الثمن، وصار بمنزلة محجور (٣) عليه أَمَرَه القاضي بالبيع فباع وقبض الثمن فهلك الثمن في يديه. فكذلك لا ينبغي للقاضي أن يجيز بيعه، لأنه إن أجاز بيعه جاز قبضه للثمن (٤). ألا ترى أن رجلاً لو غصب رجلاً عبداً فباعه وقبض الثمن فضاع في يديه، ثم أجاز المولى البيع جاز البيع، وجاز قبض البائع للثمن (٥)، وبرئ منه المشتري، وصار قبضه جائزاً على المولى. وكذلك الغلام الذي لم يبلغ لو باع لنفسه غلاماً وقبض ثمنه فضاع عبده (٦) لم ينبغ (٧) للقاضي أن يجيز البيع؛ لأنه إن (٨) أجازه فجاز جاز قبض الغلام للثمن، فهذا لا يجوز. فكذلك المحجور عليه. وإن كان المحجور عليه قبض الثمن بمحضر من الشهود فاستهلكه بمحضر من الشهود ثم رفع ذلك البيع إلى القاضي، والمشتري هو الذي كان دفع الثمن إلى المحجور عليه، فإن القاضي ينقض البيع ويرد ما اشترى المشتري (٩) من ذلك على المحجور عليه، ولا يلزم المحجور عليه من الثمن قليل ولا كثير. وإن كان المحجور عليه حين قبض الثمن أنفقه على نفسه نفقة (١٠) مثله في مثل تلك المدة حتى أتى على جميع الثمن، أو حج به حجة الإسلام، أو أدى منه زكاة ماله، أو صنع فيه شيئاً مما كان القاضي يفعله به

стр. 4739

لو (١) طلبه من ماله ثم رفع ذلك إلى القاضي فإن القاضي ينظر في ذلك، فإن كان البيع رَغْبَة (٢) أو كان قيمته مثل الثمن الذي أخذ، أجاز البيع وسلم المشترى للمشتري وأبرأ المشتري من الثمن. وإن كان البيع فيه محاباةً فرأى القاضي إبطاله فأبطله لم يبطل الثمن عن المحجور عليه، ولكن القاضي يعطيه الثمن من مال المحجور عليه؛ لأن المحجور عليه إنما يبطل من فعله ما لم يكن القاضي يجيز له فعله لو فعله. ألا ترى أن المحجور عليه لو تزوج امرأة بمهر مثلها جاز النكاح، وأعطى القاضي المرأة مهرها. ولو أن المحجور عليه استقرض من رجل مالاً ليعطيه للمرأة فأعطاها إياه قضى القاضي للمقرض ماله من مال المحجور عليه. ولو أن المحجور عليه (٣) حين استقرض المال ليعطيه المرأة (٤) ولم يعطها إياه واستهلكه في بعض حاجاته لم يكن للمقرض عليه مال في حال فساده ولا بعد ذلك. ولو أن محجوراً عليه استقرض من رجل مالاً فأنفقه على نفسه في نفقة مثله حتى أتى على المال ولم يكن القاضي أنفق عليه شيئاً فإن القاضي يجيز ذلك له ويقضي المقرض المال من مال المحجور عليه. فإن كان أنفق على نفسه من ذلك المال الذي استقرضه بإسراف حتى أتى على جميع المال حسب القاضي للمقرض من ذلك المال (٥) مثل نفقة المحجور عليه في مثل تلك المدة فأعطاها إياه من مال المحجور عليه، وأبطل الفضل من ذلك، ولم يكن على المحجور عليه منه شيء في حال فساده ولا بعد ذلك. ألا ترى أن محجوراً عليه لو فرض له القاضي نفقة في كل شهر فاشترى المحجور عليه بعض ما يصلحه وقد أبطأت عنه نفقته حتى يقضيها (٦) فيقضي

стр. 4740

ثمن ما اشترى لم يكن بذلك بأس وكان (١) ذلك جائزاً. والمحجور عليه لا يشبه الغلام الذي لم يبلغ في كل شيء. إنما يشبه الغلام الذي لم يبلغ فيما كان فيه مفسداً من ماله. فأما غير ذلك فلا يشبه فيه الغلام الذي لم يبلغ. ألا ترى أن المحجور عليه لو أقر بقتل عمد قُتِل أو بسرقةٍ قُطِع أو بقذفٍ ضُرِب الحد، والغلام الذي لم يبلغ لا يجوز عليه ولا يلزمه شيء من ذلك. ولو (٢) أن هذا المحجور عليه أودعه رجل مالاً فأقر أنه استهلكه لم يصدق على ذلك ولم يلزمه من المال قليل ولا كثير في حال الفساد ولا بعد ذلك. فإن صلح بعد ذلك سئل عما كان أقر به في حال (٣) فساده. فإن أقر أنه قد كان استهلك ذلك في حال فساده لم يلزمه أيضاً من ذلك المال قليل ولا كثير؛ لأن رب المال هو الذي سلطه على ماله حين دفعه إليه، فلذلك لم يضمنه شيئاً (٤) منه. وكذلك المحجور عليه لو أودعه رجل مالاً فاستهلكه بمحضر من الشهود لم يجب عليه من ذلك المال قليل ولا كثير في حال فساده ولا بعد ذلك. ألا ترى أن غلاماً لم يبلغ لو أودعه رجل مالاً فاستهلكه ببينة على ذلك لم يضمن شيئاً في حال صغره ولا إذا كبر في قول أبي حنيفة ومحمد. وكذلك الكبير المحجور عليه في قول محمد. وأما في قول أبي يوسف فإنه يضمن الغلام ما استهلك من الوديعة، فينبغي في قياس قوله أن يضمن المحجور عليه ما استهلك ببينة. وكذلك في قول محمد. ما استهلك عليه من مال أودعه إياه رجل أو غير ذلك فهو بمنزلة ما وصفت لك. وإن أودع غلاماً أو جارية فقتله خطأً كانت قيمته على عاقلته. وإن أقر بذلك إقراراً لم يلزمه ما دام محجوراً عليه. فإن صلح بعد ذلك سئل عما

стр. 4741

كان أقر به من ذلك. فإن أقر به في حال صلاحه أخذت منه القيمة في ماله في ثلاث (١) سنين من يوم يقضى عليه. ولا يشبه القتل في هذا ما سواه. ولو كان قطع يد (٢) الغلام أو الجارية ببينة في حال حجره لزمه ذلك في ماله، ولا يشبه هذا ما سواه من الأموال، [لأنه] جناية وما سواه من الأموال ليست بجناية (٣). ألا ترى (٤) أن غلاماً لم يبلغ لو (٥) أودع غلاماً أو جارية فقتلها كانت القيمة على العاقلة في قول أبي حنيفة ومحمد. وكان أبو حنيفة يفرق بين الجنايات واستهلاك الأموال في الصغير الذي لم يبلغ. وكذلك هذا في المحجور عليه في قول محمد. ولو أن محجوراً عليه أقر أنه أخذ مال رجل بغير أمره فاستهلكه وصدقه رب المال بذلك وقدمه إلى القاضي فإن القاضي لا يصدق المحجور عليه بذلك، ولا يلزمه في ذلك المال قليل ولا كثير. فإن صلح المحجور عليه بعد ذلك فطالبه (٦) رب المال بماله وأخذه بإقراره بعد ذلك لم يلزمه من ذلك الإقرار قليل ولا كثير ولا يمين. وسئل عن ذلك، فإن أقر أن الإقرار الذي أقر به كان حقاً أخذ بذلك وجعل ديناً في ماله. فإن قال: قد كنت أقررت بذلك ولكني كنت في ذلك مبطلاً، كان القول قوله، ولم يلزمه مما كان أقر به قليل ولا كثير. وكذلك لو قال بعدما صلح: قد كنت أقررت وأنا محجور علي أني استهلكت لك ألف درهم، وقال رب المال: أقررت لي بذلك في حال صلاحك، أو قال: قد صدقت، قد أقررت لي بذلك في حال فسادك ولكنه حق، وقال المقر: لم يكن ذلك حقاً، فالقول قوله في ذلك. ولو قال بعدما صلح: إنك كنت أقرضتني في حال فسادي ألف درهم فأنفقتها، أو قال: كنت أودعتني في حال فسادي ألف درهم فأنفقتها، فقال رب المال: إنما كان قرضي إياك وإيداعي بعدما صلحت،

стр. 4742

فالقول قول رب المال، ولا يصدق المحجور عليه على ما ادعاه من ذلك. فإن قال رب المال: قد كنت أقرضتك ذلك وأودعتك في حال حجرك ولكنك إنما استهلكته بعدما صلحت، كان القول قول المحجور عليه حتى تقوم البينة أن المال كان في يدي المحجور عليه بعدما صلح. فإن أقام رب المال على ذلك بينة أنهم عاينوا المال في يد المحجور عليه بعدما صلح لزمه المال وقضي به عليه. ألا ترى أن غلاماً لم يبلغ لو أودعه رجل ألف درهم أو أقرضه ألف درهم ثم كبر الغلام فأقر أنه استهلكها في حال صغره، وقال رب المال: استهلكتها بعد الكبر، أن القول قول الغلام في ذلك مع يمينه. فكذلك المحجور عليه. ولو قال رب المال: إنما أقرضتك أو أودعتك بعد الكبر واستهلكت ذلك بعد الكبر، وقال الغلام: استهلكت ذلك قبل الكبر، كان الغلام ضامناً لجميع ذلك المال؛ لأن المقرض والمستودع لم يقر أن قرضه ووديعته كانا إذناً قط في استهلاك المال، لأنه يزعم أن ذلك كان في حال الكبر. وإنما يكون القرض بمنزلة الإذن في استهلاك المال ما كان في حال الصغر مما يعلم أو يقر به رب المال. ولو أن امرأة قد بلغت محجوراً عليها لفسادها [في] مالها تزوجت رجلاً بمهر مثلها أو بأقل من ذلك أو بأكثر ولا ولي لها ثم رفع ذلك إلى القاضي، فإن كان الرجل لم يدخل بها وقد كان كفؤاً لها وقد (١) تزوجها على مهر مثلها أو على أكثر من ذلك فالنكاح جائز، لا يبطله إلا أن تكون استأذنت القاضي في ذلك. وإن كان نكاحها على أقل من مهر مثلها بما يتغابن الناس فيه فكذلك أيضاً. وإن كان بما لا يتغابن الناس فيه قيل لزوجها: أنت بالخيار، إن شئت فأتم لها مهر مثلها، ولا خيار لها في ذلك (٢)، والنكاح جائز. فإن أبى فرق بينهما ولم يكن ذلك طلاقا ولم يكن لها عليه من الصداق قليل ولا كثير. فإن كان قد دخل بها فعليه أن يتمم لها مهر مثلها لا خيار لها في ذلك والنكاح جائز. وكذلك إن كان الزوج الذي تزوجها محجوراً عليه إلا في خصلة واحدة: إن كان تزوجها على أكثر من

стр. 4743

مهر مثلها أبطلت الفضل من ذلك على مهر مثلها عن الزوج. ولا خيار للمرأة في ذلك إن كان الزوج دخل بها أو لم يدخل بها. وكذلك لو أن امرأة محجوراً عليها لفسادها [في] مالها ولا ولي لها تزوجت رجلاً بمهر مثلها وليس لها بكفؤ فرفع ذلك إلى القاضي فإنه ينبغي له أن يفرق بينهما ولا يجيز لها ما صنعت؛ لأنها إذا كانت محجوراً عليها في مالها كانت محجوراً عليها أيضاً في نفسها، فلم يجز لها في نفسها أن تقضي بها كما لا يجوز لها أن تقضى بنفسها في مالها. وهل تحفظ مالها إلا بنفسها. بل نفسها أحرى أن يبطل فيها فسادها [من فسادها] في مالها. ولو أن غلاماً أدرك مدرك الرجال وهو مصلح غير مفسد قد أونس منه الرشد فدفع إليه وصيه أو القاضي ماله وسلطه عليه وخلى بينه وبينه لصلاحه ثم فسد بعد ذلك وصار ممن يستحق الحجر عليه فهو محجور عليه وإن لم يحجر عليه القاضي؛ لأن الفساد قد حجر عليه وإن لم يعلم به القاضي. ألا ترى أن القاضي لو علم بذلك حين فسد فإنه يحجر عليه. فكل حال يحجر فيها القاضي (١) عليه لفساده لو علم بذلك فإنه فيها محجور عليه وإن لم يعلم به القاضي. فإذا فسد بعد صلاح فساداً يستحق به الحجر فهو محجور عليه بمنزلة الذي لم (٢) يزل فاسداً مذ بلغ في جميع ما وصفت لك من بيعه وشرائه وغير ذلك. ولو أن غلاماً أدرك مدرك الرجال وهو مصلح لماله فدفع إليه وصيه أو القاضي ماله فباع عبداً من عبيده ولم يدفع إليه ولم يقبض الثمن فكان الثمن حالاً أو إلى أجل حتى صار فاسداً يستحق الحجر ثم دفع الغريم المال إليه فدفعه باطل؛ لأنه قد صار ممن لا يجوز بيعه ولا شراه، فكذلك لا يجوز قبضه. ألا ترى أن رجلاً صحيحاً لو باع عبداً له وقبضه المشتري ولم ينقده الثمن حتى صار البائع معتوهاً إلا أن مثله يقبض لم يجز قبضه

стр. 4744

للثمن إن دفعه إليه المشتري. فكذلك الفاسد الذي يستحق الحجر لفساده لا يجوز قبضه للثمن بعد الفساد. وكذلك لو أن رجلاً وكله ببيع عبد له وهو مصلح غير مفسد فباعه كما أمره ثم إن البائع صار مفسداً ممن يستحق الحجر وقبض الثمن بعد ذلك فإن أوصله إلى الآمر برئ المشتري من الثمن. وإن لم يصل إلى الآمر حتى هلك في يدي البائع هلك من مال المشتري، ولا ضمان على البائع ولا على الآمر في ذلك، ويؤخذ من المشتري ثمن آخر فيدفع إلى الآمر. ولا خيار للمشتري في نقض البيع في الوجهين جميعاً إن أراد ذلك. ولو أن الآمر أمره ببيع العبد والمأمور مفسد غير مصلح ممن يستحق الحجر فباع وقبض الثمن والآمر يعلم بفساده أو لا يعلم فالبيع جائز والقبض جائز. ولا يشبه الآمر في هذا فيما يبيع له المحجور عليه فيما باع لنفسه. ألا ترى أن الغلام الذي لم يدرك وهو يعقل الشراء والبيع لو باع لنفسه وقبض الثمن فضاع لم يجز ذلك، ولو أمره آمر بأن يبيع له عبداً فباعه وقبض الثمن جاز بيعه وقبضه. فكذلك الفاسد، وهو بمنزلة الصبي في هذا الوجه. ولو أن غلاماً قد بلغ فاسداً محجوراً عليه باع شيئاً من متاعه أو رقيقه بثمن صالح (١) ولم يقبض ذلك حتى رفع إلى القاضي فإن القاضي يجيز البيع، وينهى المشتري عن دفع الثمن إلى المحجور عليه. فإن أجاز القاضي ونهاه عن (٢) دفع الثمن فدفعه فضاع في يدي المحجور عليه لم يبرأ المشتري من الثمن، وجُبِرَ على أن يدفع ثمناً آخر إلى القاضي. فإن قال: أرد البيع في العبد ولا حاجة لي فيه ولا أغرم ثمناً آخر، لم يلتفت إلى ذلك وقيل له: لا بد من ثمن آخر تؤديه وليس لك إلى رد العبد سبيل. ولو أن القاضي أجاز بيع المحجور عليه ولم ينه المشتري عن دفع الثمن فدفع المشتري الثمن إلى المحجور عليه فدفعه جائز؛ لأن القاضي إذا

стр. 4745

أجاز البيع جملة فقد أجاز دفع الثمن إلى المحجور عليه، إلا أن يبين كما وصفت لك فيقول: قد أجزت البيع ولا أجيز للمشتري أن يدفع الثمن. فإذا قال ذلك فهذا حكم منه، وعليه إجازة البيع. فإن دفع المشتري الثمن لم يبرأ منه، علم بقول القاضي أو لم يعلم، لأن القاضي إنما أجاز البيع على هذا الشرط (١) ولم يجزه على غيره. ولو أن القاضي أجاز البيع جملة ثم قال بعد ذلك: قد نهيت المشتري أن يدفع الثمن، كان نهيه باطلاً وكان دفع المشتري (٢) الثمن إلى المحجور عليه جائزاً حتى يبلغ المشتري ما قال القاضي من ذلك. فإذا بلغه فإن أعطاه الثمن بعد ذلك لم يبرأ. ومن أعلمه بذلك وكان خبره حقاً فهو إعلام. فإن أعطى بعد ذلك ضمن. وهذا بمنزلة الوكيل ينهاه عن إمضاء ما وكل به. وكان أبو حنيفة يقول (٣): لا يكون ذلك نهياً حتى يخبره بذلك (٤) رجلان أو رجل عدل. وأما في قول أبي يوسف ومحمد فمن أخبره بذلك فكان خبره حقاً فإن باع ذلك أو أمضى ما وكل به لم يجز شيء مما صنع. فكذلك نهي القاضي للمشتري (٥) عن دفع الثمن إلى المحجور عليه هو بمنزلة هذا. ألا ترى أن فاسداً محجوراً عليه لو قال له القاضي: بع عبدك هذا بألف درهم، ولم ينهه عن قبض الثمن فباعه كما أمره وقبض الثمن فضاع عنده كان قبضه للثمن جائزاً. ولو قال له: بع عبدك هذا بألف درهم ولا تقبض الثمن، فباعه وقبض الثمن فضاع عنده (٦) جاز بيعه ولم يجز قبضه وأخذ الثمن من المشتري مرة أخرى، يجبر على ذلك ولا خيار له في نقض البيع، علم بذلك (٧) المشتري أو لم يعلم. فمان كان أمره بالبيع ولم ينهه عن قبض الثمن ثم قال القاضي بعد ذلك: إذا باع فلا يقبض الثمن

стр. 4746

فإني قد نهيته عن ذلك، فله أن يبيع ويقبض الثمن ما لم يبلغه نهي القاضي. وإجازة البيع من المحجور عليه وأمر القاضي إياه بالبيع سواء فيما وصفت لك من هذا الوجه. ولو أن وصياً أدرك يتيم في حجره وهو مفسد غير مصلح ممن يستحق الحجر عليه فحجر عليه القاضي أو لم يحجر عليه فسأل وصيه أن يدفع إليه ماله فدفعه إليه فضاع في يده أو ضيعه أو أتلفه فالوصي ضامن لمال (١) المحجور عليه؛ لأن الوصي دفعه إلى من لا يجوز قبضه فصار قبض المحجور عليه للمال بمنزلة طرح الوصي للمال في مهلكة من المهالك. وكذلك لو أن الوصي أودعه إياه إيداعاً فضيعه أو ضاع في يديه فالوصي ضامن لما ضيع من ذلك؛ لأنه إذا كان مفسداً فقبضه من الوصي بمنزلة استهلاك الوصي للمال. فإن قال قائل: وكيف يضمن الوصي في هذا الوجه وهو لو دفع إلى غلام لم يبلغ ماله ومثله يقبض ويحفظ وليس بفاسد فأودعه إياه وأمره أن يشتري به ويبيع فقبضه فضاع أو ضيّعه أو اشترى به وباع فوضع فيه وَضِيعَة لم يضمن؟ قيل له: لأن الصغير ذكرت أنه مأمون على ماله. وإنما يمنعه من ذلك الصغر. فإذا أذن له الوصي في قبض المال وفي الشراء والبيع جاز ذلك وصار مأذوناً له. وإن الكبير الفاسد إنما بطل أمره لفساده. فإذا دفع الوصي ماله إليه لم يبرأ بدفعه؛ لأنه على فساده؛ لأنه لم يخرج من ذلك. ألا ترى أنه لو أذن له في التجارة في ماله [لم يجز ذلك]. ولو [أن القاضي] رُفع إليه هذا المفسد لم يأذن له في شيء من ذلك. فلذلك اختلف حال الوصي فيهما، فقيل: يجوز إذن الوصي للغلام الذي لم يبلغ إذا كان مصلحاً في قبض ماله وبيعه وشرائه، ولم يجز للوصي أن يفعل ذلك بالكبير المفسد.

стр. 4747

ولو أن القاضي أمر غلاماً قد بلغ مفسداً غير مصلح قد حجر عليه أو لم يحجر عليه أن يبيع في ماله ويشتري، فباع واشترى وقبض الأثمان وقبض ما اشترى جاز جميع ما صنع من ذلك، وكان هذا من القاضي إخراجاً له من الحجر في هذا الوجه خاصة. فإن وهب أو تصدق لم يجز. وإن أعتق جاز وسعى المعتق في قيمته. وإن باع أو اشترى بما لا يتغابن الناس فيه لم يجز ذلك. وإن باع أو اشترى بما يتغابن الناس فيه جاز ما صنع من ذلك. وإن أذن له في بيع عبد له بعينه أو في شراء عبد بعينه لم يجز له أن يشتري ولا يبيع إلا الذي (١) أذن له فيه خاصة. وهذا لا يخرجه من الحجر في غير ذلك. ولو أذن له في شراء البَزّ وبيعه خاصة دون ما سواه من التجارات كان مأذوناً له في التجارات كلها، وكان هذا من القاضي إطلاقاً عنه للحجر في التجارات خاصة؛ لأن الفاسد المحجور عليه يقدر فيما أذن له فيه من إفساد ماله على إفساد ماله على مثل ما يقدر عليه من غيره. ألا ترى أنه يجوز له أن يقول: اشتريت من هذا بزأ بعشرة آلاف (٢) درهم، وقبّضته (٣) الثمن الذي (٤) له عليّ، فيجوز ذلك عليه، فإذا كان هذا يجوز في هذا جاز في جميع التجارات. فإن كان القاضي قال (٥) في سوقه بمحضر من أهل السوق أو بمحضر من جماعة منهم: إني قد أذنت لهذا الرجل في التجارة ولا أجيز له منها إلا ما أعلم أنه اشترى وباع ببينة، فأما ما كان بإقرار منه لا يعلم فيه بيع ولا شرى إلا بقوله فإني لا أجيزه، والأمر على ما قال لهم القاضي. فمن أقام بينة ببيع أو شرى بمعاينة الشهود لذلك جاز له من ذلك البيع والشراء، وما لم يعلم إلا بقول الفاسد المحجور عليه لم يلتفت إليه ولم يلزم من ذلك شيئاً بقوله. ولا يشبه هذا في هذا الوجه العبد المأذون له (٦) المصلح غير المفسد لو أتى به مولاه إلى جماعة أهل (٧) سوقه فقال لهم: إني قد أذنت

стр. 4748

لهذا الغلام في التجارة ولست أجيز من ذلك شيئاً إلا ببينة، جاز من ذلك (١) ما كان ببينة، وما كان بإقرار من الغلام. وكذلك الغلام الحر (٢) الذي لم يدرك المصلح غير المفسد لماله الحافظ لذلك يأتي به أبوه أو وصيه إلى جماعة أهل سوقه فيقول لهم مثل ذلك. وكذلك القاضي لو قال لهم مثل ذلك جاز ما صنع الغلام بالبينة والإقرار. ولا يشبه الغلام في هذا المحجور عليه، لأن المحجور عليه يخاف منه الإتلاف لماله. فإنما يؤذن له على وجه النظر وأن هذا مأمون على ماله. فإذا أذن له في التجارة في بعض الأشياء كان مأذوناً له في الأشياء كلها. والفاسد الذي يستحق الحجر كل من كان مضيعاً لماله مفسداً له لا يبالي ما صنع. فإن كان فاسداً في دينه لا يؤمن على فجور ولا غيره إلا أنه حافظ لماله حسن التدبير له (٣) لم يكن هذا شيئاً يستحق الحجر في ماله. إنما يستحق الحجر بالضياع للمال وبالإنفاق في السرف في غير منفعة على وجه المجون، فهذا ممن يستحق الحجر. ولو كان قاض حجر على فاسد يستحق الحجر ثم رفع ذلك إلى قاض آخر فأطلق عنه الحجر وأجاز ما كان (٤) باع واشترى ولم ير حجر الأول شيئاً وأبطل حجره جاز إطلاق هذا القاضي عنه، وجاز ما أجاز له من بيع أو شرى مما كان باع واشترى قبل إطلاقه عنه وبعد إطلاقه عنه. إلا أن يكون شيء من بيوعه الأولى أو أَشْرِيَتِه (٥) رفع إلى القاضي الذي حجره أو إلى قاض غيره يرى الحجر. فإن أبطل (٦) بيوعه تلك وأشريته ثم رفع هذا إلى القاضي الآخر الذي لا يرى الحجر فأبطل قضاء القاضي الأول فأجاز بيعه الأول وأشريته، ثم رفع ذلك إلى قاض آخر يرى الحجر أو لا يراه، فإنه ينبغي له أن يجيز قضاء القاضي الأول فيبطل أشريته وبيوعه التي أبطلها الأول، ويبطل قضاء القاضي الثاني فيما أبطل من قضاء الأول؛ لأن هذا أمر

стр. 4749

يختلف فيه الفقهاء، فقضى به القاضي الأول، فليس لهذا الثاني إبطاله وإن كان رأيه مخالفاً لذلك، فإذا أبطله لم يجز إبطاله. وكذلك القاضي الذي أطلق (١) الحجر عنه إن باع بعد ذلك أو اشترى فلم يرفع إلى قاض من القضاة (٢).

стр. 4750

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) كتاب العبد المأذون له في التجارة حدثنا محمد بن الحسن عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعي عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم النخعي أن رسول الله ﷺ كان يركب الحمار ويجيب دعوة المملوك (٢). محمد قال: أخبرنا يحيى بن المهلب البَجَلي عن المغيرة الضَّبِّي عن إبراهيم النخعي أنه كان يقول: يجوز على العبد كل دين حتى يحجر عليه. وكان يقول: إذا حجر الرجل على عبده في أهل سوقه فليس عليه دين (٣). محمد عن أبي يوسف عن محمد بن السائب عن أبي صالح قال: رأيت للعباس (٤) بن عبد المطلب عشرين عبداً كلهم يتجر بعشرة آلاف درهم.

стр. 4751

محمد عن أبي يوسف قال أخبرني محمد بن سالم عن عامر قال: إذا أخذ الرجل من عبده الضريبة فهي تجارة. محمد عن أبي يوسف عن أبي إسحاق الشيباني قال: سمعتهم يذكرون عن شريح في عبد تاجر لحقه دين أنه يباع فيه. محمد عن أبي يوسف عن الأشعث بن سوار عن محمد بن سيرين عن شريح أن رجلاً ادعى على عبد رجل ديناً فقال الرجل: عبدي محجور عليه. فقال شريح: شاهدي عدل أنه كان يشتري ويبيع في السوق بعلمه فأقره (١). محمد عن أبي يوسف عن الحجاج بن أرطاة عن أبي عون الثقفي أن رجلاً أذن لعبده في الخياطة، وأذن آخر لعبده أن يكون صباغاً، فأجاز شريح على الخياط ثمن الإبر والخيوط، وأجاز على الصباغ ثمن القِلْي (٢) والعُصْفُر وما كان في عمله (٣). وقال (٤) أبو حنيفة: يجوز عليه ما كان في عمله ذلك وما استدان في غيره. محمد قال: حدثنا أبو يوسف عن الأحوص بن حكيم عن أبيه أن رسول الله ﷺ أجاب دعوة عبدين. محمد عن أبي يوسف عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن ابن عباس قال: حدثني سلمان الفارسي أنه أهدى إلى رسول الله ﷺ وهو عبد، فقبل رسول الله ﷺ هديته قبل أن

стр. 4752

يكاتب، فأكل وأكل أصحابه، وأتاه بصدقة فقبلها (١)، وأمر أصحابه أن يأكلوا ولم يأكل (٢). محمد عن أبي يوسف قال: حدثنا داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد مولى أبي أُسَيْد قال: بنيت بأهلي وأنا عبد، فدعوت رهطاً من أصحاب محمد ﷺ فيهم أبو ذر الغفاري. فحضرت الصلاة فتقدم أبو ذر. فقال: فقالوا له: تتقدم وأنت في بيته؟ فقدموني، فصليت بهم وأنا عبد (٣). … باب الإذن للعبد (٤) في التجارة وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: إذا قال الرجل لعبده: قد أذنت لك في التجارة فهو مأذون له في التجارة كلها، وله أن يشتري ما بدا له من أنواع التجارة كلها من البز والطعام والرقيق وغير ذلك، وله أن يتقبل ما بدا له من الأرضين، وأن يستأجر (٥) ما بدا له من الأجراء، وأن يؤاجر نفسه فيما بدا له من الأعمال، وأن يأخذ الأرضين (٦) مزارعة، يصنع في ذلك كما يصنع الحر. وليس على المولى إن أذن لعبده في التجارة أن يشهد على ذلك شهوداً؛ لأن هذا ليس بحق لازم. ألا ترى أنه لا يلحقه بإذنه حين أذن له أمر لازم يلزمه حين أذن له. فإن شاء أشهد على ذلك، وإن شاء لم يشهد. وللمأذون له في التجارة أن يشتري طعاماً ويزرعه في أرضه، وليس له أن يشتري طعاماً فيدفعه إلى رجل ليزرعه ذلك الرجل في أرضه؛ لأن هذا

стр. 4753

قرض، وليس للعبد (١) المأذون له أن يقرض شيئاً. ألا ترى أنه إذا دفع الطعام إلى رب الأرض مزارعة يزرعه رب الأرض بالنصف أو أقل من ذلك أو أكثر، فزرعه رجل، فأخرجت الأرض طعاماً كثيراً، كان جميع ما أخرجت الأرض من الطعام لرب الأرض، ورب الأرض ضامن للعبد (٢) طعاماً مثل طعامه. ألا (٣) ترى أن هذا بمنزلة القرض. وإذا نظر الرجل إلى عبده يبيع ويشتري فلم ينهه (٤) عن ذلك فهو إذن منه لعبده في التجارة بمنزلة قوله: قد أذنت لك في التجارة في جميع ما وصفت لك. ألا ترى أنه لو رآه يشتري ويبيع فلم ينهه (٥) عنه وأخذ منه ضريبة شهراً بشهر من ثمن ما كان يشتري ويبيع كان هذا إذناً (٦) منه له في التجارة ورضى بما كان يصنع. فكذلك الباب الأول. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: إذا قال الرجل لعبده: أد (٧) إلي الغلة كل شهر خمسة دراهم، فهذا إذن منه له في التجارة بمنزلة قوله: قد أذنت لك في التجارة. وكذلك لو قال له: إذا أديت إلي ألفاً فأنت حر، فهذا إذن منه له في التجارة بمنزلة قوله: قد أذنت لك في التجارة، فإذا أدى إليه الألف فهو حر. وكذلك لو قال له: أد (٨) إلي ألفاً وأنت حر، كان هذا إذناً (٩) له في التجارة بمنزلة قوله: قد أذنت لك في التجارة، ولا يعتق حتى يؤدي (١٠) الألف، فإذا أداها فهو حر. وقال أبو حنيفة: إذا قال الرجل لعبده: اقعد قصاراً أو صباغاً، فقد أذن له في جميع التجارات كلها. وله أن يقعد صيرفياً، وأن يشتري ما بدا له من البز والرقيق وغير ذلك، بمنزلة قوله: قد أذنت لك في التجارة. إذا أذن

стр. 4754

له في تجارة خاصة من التجارات فقد أذن له في التجارات كلها. ألا ترى أنه إذا قعد قصاراً كان له أن يشتري القِلْي (١) وما ينبغي لقِصَارته وما (٢) يقصر به وما يغسل به، وأن يستأجر الأجراء. فإن استأجر بعضهم بحنطة أو بغير ذلك كان جائزاً، وكان له أن يشتري الحنطة فيوفي الأجير أجره منها. ألا ترى أنه لو استأجر أجيراً بثوب يهودي فسمى (٣) طوله وعرضه ورُقْعَتَه (٤) وأجله كانت الإجارة جائزة (٥). فإذا وجب الأجر عليه جاز له أن يشتري ثوباً فيعطيه الأجير من أجره الذي وجب عليه. أفلا ترى أنه قد جاز له شراء الثياب وشراء الطعام. أرأيت إن استأجر أجيراً بدينار أما له أن يصرف الدراهم بدنانير حتى يقبضه الأجير (٦). ألا ترى أن تجارته قد دخلت في الصرف وفي شراء الطعام وفي شراء البز. أرأيت لو أن رجلاً رأى عبداً له يتجر في البز فلم ينهه عن ذلك أما له أن يتجر في الطعام. أولا ترى أنه لو رأى عبده يشتري مائة ثوب ويبيعها فلم ينهه كان له أن يشتري غيرها. فهذا كله واحد. إذا أذن له في صنف من التجارة فقد أذن له في التجارة كلها، بمنزلة رجل قال لعبده: قد أذنت لك في التجارة. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: إذا قال الرجل لعبده: اذهب فأجر نفسك من فلان، فليس هذا بإذن منه له في التجارة؛ لأنه أمره أن يؤاجر نفسه من إنسان بعينه. ألا ترى أنه لو أرسل عبداً له يؤاجر عبداً له آخر من فلان لإنسان بعينه لم يكن هذا بإذن من المولى في التجارة لواحد من العبدين. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: إذا قال الرجل لعبده: اذهب فاعمل في البقالين أو في الخياطين، فسمى له صنفاً من الأعمال أمره أن يعمل فيه فهذا إذن منه له في جميع التجارات، بمنزلة قوله: قد أذنت لك في التجارة. وكذلك لو قال: آجر نفسك في البقالين أو في الخياطين، فهذا

стр. 4755

إذن منه له في التجارة. ولا يشبه هذا قوله: آجر نفسك من فلان؛ لأنه أمره هاهنا بإنسان بعينه. فإن أمره بإنسان بعينه لم يكن ذلك إذناً منه له في التجارة. وإذا قال له: آجر نفسك في البقالين أو في عمل من الأعمال، فهذا إذن منه له في التجارة. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: إذا أرسل الرجل عبده يشتري له ثوباً أو أرسل جارية له يشتري لحماً بدرهم فإن هذا في القياس إذن من المولى لهما في التجارة. ولكن أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمداً (١) استحسنوا في هذا أن لا يكون ذلك إذناً لهما في التجارة. وإذا أمر الرجل عبده أو أمته أن يشتري ثوباً كسوة للمولى أو للعبد أو لبعض أهل المولى، أو أمره أن يشتري طعاماً رزقاً للمولى أو لأهله أو للعبد (٢)، فليس هذا بإذن له في التجارة. ألا ترى أن هذا لو كان إذناً له في التجارة لكان الرجل إذا أمر عبده أن يشتري له بقلاً أو شيئاً يسيراً كان إذناً منه له في التجارة. فهذا قبيح لا يستقيم. وإذا قال الرجل لعبده: اشتر من فلان ثوباً فاقطعه قميصاً، أو قال: اشتر من فلان طعاماً فكله، ففعل فليس هذا بإذن منه له في التجارة. فهذا (٣) بمنزلة الأول. وإذا دفع الرجل إلى غلامه حماراً ورَاوِيَة (٤) وأمره أن يستقي عليه الماء لمولاه ولعياله أو لجيرانه بغير ثمن ففعل فليس هذا بإذن من المولى له في التجارة. ولو قال: استق على هذا الحمار الماء وبعه، كان هذا إذناً (٥) منه للعبد (٦) في التجارات كلها بمنزلة قوله: قد أذنت لك في التجارة. وقال أبو حنيفة: ولو أن طحاناً دفع إلى عبده حماراً لينقل له عليه طعاماً فيأتيه به ليطحنه ففعل الغلام ذلك لم يكن هذا بإذن له في التجارة.

стр. 4756

ولو دفع إليه حماراً فأمره أن ينقل عليه الطعام للناس (١) كان هذا إذناً (٢) من المولى للعبد (٣) في التجارات كلها بمنزلة قوله: قد أذنت لك في التجارة. وقال أبو حنيفة: إذا كان لرجل تاجر (٤) عظيم التجارة له بيت في السوق يبيع فيه ويشتري وكان له غلمان يبيعون في بيته ذلك متاعه ولا يبيعون لأنفسهم شيئاً وهو أمرهم بذلك فهذا إذن منه لهم في التجارة بمنزلة قوله لهم: قد أذنت لكم في التجارة. وكذلك لو أمرهم أن يبيعوا لغيره متاعاً كان هذا إذناً منه لهم في التجارة. ألا ترى أنه لو أمرهم أن يشتروا له متاعاً أو أن يشتروا ذلك لغيره واشتروه لغيره لزمهم الثمن الذي اشتروا به ذلك المتاع. فإذا لزمهم الدين فهم تجار في تلك التجارة وفي غيرها. وكذلك إذا أمرهم بالبيع. أرأيت إذا باعوا فوجد المشتري بالمتاع عيباً أما له أن يرده عليهم. أرأيت إن قبلوه بقضاء قاض (٥) أو بغير قضاء قاض (٦) أما يجوز ذلك عليهم. هذا جائز كله. وهم مأذون لهم في التجارة. وهو كله قول أبي يوسف ومحمد. ولو أن رجلاً رأى عبده يبيع في حانوته متاعه بغير أمره فلم ينهه (٧) حتى باع من ذلك متاعاً كثيراً واشترى فلحقه من ذلك دين كان هذا إذناً (٨) من المولى لعبده في التجارة، ولا يجوز ما باع العبد من متاع المولى لسكوت المولى عنه؛ لأن سكوته عنه ليس بإجازة منه لبيع (٩) متاعه، ولكنه إذن منه له في التجارة. وكذلك لو أن رجلاً دفع إلى عبد رجل متاعاً له ليبيعه فباعه بغير أمر المولى والمولى يراه يبيع فلا ينهاه كان هذا إذناً (١٠) من المولى للعبد في التجارة، والبيع في المتاع جائز؛ لأن رب المتاع أمره بذلك. ولو أن المولى

стр. 4757

لم يره يبيع ذلك المتاع لم يكن ذلك بإذن للعبد (١) في التجارة، وكان البيع جائزاً؛ (٢) لأن رب المتاع أمره بذلك. ولا عهدة على العبد في هذا المتاع للمشتري، إنما العهدة في ذلك على الآمر رب المتاع، وهو الخصم في ذلك. وإذا غصب العبد لرجل متاعاً كثيراً فباعه ومولاه ينظر إليه فلم ينهه عن ذلك فهذا إذن من المولى له في التجارة؛ لأنه قد رآه يبيع ويتجر فلم ينهه. أرأيت لو أن العبد اشترى من رجل متاعاً كثيراً وباعه والمولى ينظر إليه ولم ينهه ثم إن رجلاً أقام البينة أن ذلك المتاع متاعه فأخذه ألم يكن هذا إذناً (٣) من المولى للعبد (٤) في التجارة. أرأيت لو أن رجلاً وهب متاعاً كثيراً لعبد رجل فباعه العبد والمولى ينظر إليه ولم ينهه ثم إن رجلاً استحق المتاع فأخذه ألم يكن هذا إذناً (٥) من المولى للعبد (٦) في التجارة. أرأيت لو أن العبد غصسب رجلاً متاعه (٧) فأمره مولاه ببيعه فباعه بأمر المولى ثم إن رجلاً استحق المتاع وأخذه ألم يكن هذا إذناً (٨) من المولى له في التجارة حين أمره بالبيع وإن كان البيع غير جائز. هذا مأذون له في التجارة. وكذلك إذا رآه يبيع فلم ينهه فهو بمنزلة أمره إياه. أرأيت لو أن رجلاً مسلماً أمر عبداً (٩) له ببيع متاع (١٠) له بخمر أو بخنازير فباع ثم إن البيع رد ألم يكن هذا إذناً (١١) منه له في التجارة. أرأيت لو أن رجلاً نظر إلى عبده وهو مسلم يشتري البز بالخمر والخنازير فلم ينهه ألم يكن هذا إذناً (١٢) منه له في التجارة وإن كان البيع فاسداً مردوداً. هذا كله إذن من السيد لعبده في التجارة في جميع ما وصفت لك بمنزلة قوله: قد أذنت لك في التجارة.

стр. 4758

وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: إذا أرسل الرجل غلامه إلى أفق من الآفاق بالماءل العظيم يشتري له به البز ونهاه عن بيعه فهو مأذون له في التجارة بمنزلة قوله: قد أذنت لك في التجارة. وإذا رأى الرجل عبده يشتري بماله فلم ينهه عن ذلك ومال المولى دراهم أو دنانير فهو إذن من المولى لعبده في التجارة، وجميع ما اشترى العبد من ذلك فهو لازم للعبد، ولا يجوز ما اشترى في مال المولى، وللمولى أن يأخذ ماله من الذي أخذه من العبد، ويرجع الذي أخذ المولى منه المال على العبد. ولو كان المال الذي اشترى به العبد عروضاً أو شيئاً مما يكال أو يوزن غير الدراهم والدنانير فاشترى به العبد والمولى يراه ويعلم به ولم ينهه فهذا إذن من المولى لعبده في التجارة، وللمولى أن يأخذ ماله حيث وجده وينقض الشراء الذي كان اشتراه العبد بذلك المال. ولا يشبه العروض والكيل والوزن الذي بعينه في هذا الدراهم والدنانير. والعبد مأذون له في التجارة في جميع ذلك إن اشترى شيئاً أو استأجر أجيراً أو صنع شيئاً مما يصنعه المأذون له في التجارة، فهو جائز بمنزلة قوله: قد أذنت لك في التجارة. وإذا دفع الرجل إلى عبده مالاً وأمره أن يخرج به إلى بلد قد سماه له وأن يدفعه إلى فلان بن فلان فيشتري له البز ثم يدفعه إلى الغلام حتى يأتي مولاه ففعل ذلك الغلام كما أمره مولاه فليس هذا بإذن من المولى لعبده في التجارة، إنما العبد هاهنا رسول وليس بمشتر (١) ولا بائع. وإذا دفع الرجل إلى عبده أرضه وهي أرض بيضاء وأمره أن يشتري طعاماً فيزرعها ويقبل الأجراء (٢) فيها فيَكْرُون (٣) أنهارها ويسقون زرعها ويَكْرُبونها (٤) ويؤدي خراجها فهذا إذن من المولى لعبده في التجارة بمنزلة

стр. 4759

قوله: قد أذنت لك في التجارة، وله أن يشتري ويبيع ما بدا له من التجارات. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: إذا أمر الرجل عبده أن يبيع له ثوباً واحداً يريد بذلك الربح والتجارة فهو إذن من المولى لعبده في التجارة (١) بمنزلة قوله: قد أذنت لك في التجارة. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا قال الرجل لعبده: قد أذنت لك في التجارة يوماً واحداً أو شهراً واحداً (٢) - أو قال (٣): سنة واحدة - فإذا مضى ذلك رأيت رأيي، فهذا مأذون له في التجارة أبداً حتى يحجر عليه مولاه في أهل سوقه. وقوله: قد أذنت في التجارة يوماً واحداً أو أبداً، سواء. وهو قول محمد. وكذلك لو أن رجلاً قال لعبده: قد أذنت لك في التجارة في هذا الشهر فإذا مضى فقد حجرت عليك فلا تبيع ولا تشتري بعد ذلك، فهذا مأذون له في التجارة أبداً. وقوله: قد حجرت عليك بعد مضي الشهر، [باطل]؛ لأن الحجر لا يكون إلى أجل (٤). ألا ترى أن رجلاً لو كان له عبد مأذون (٥) له في التجارة فقال: اشهدوا أني قد حجرت عليه رأس الشهر، كان هذا باطلاً (٦). ولا يكون الحجر إلى وقت. وإذا قال الرجل لعبده: إذا كان رأس الشهر فقد أذنت لك في التجارة، فهو كما قال، ولا يكون مأذوناً (٧) له في التجارة حتى يجيء رأس الشهر. فإن باع واشترى قبل رأس الشهر لم يلزمه من ذلك قليل ولا كثير، وجميع ما اشترى أو باع بعد رأس الشهر فهو جائز، وهو فيه مأذون له في التجارة. وقال أبو حنيفة: إذا أجر الرجل عبده من رجل فليس هذا بإذن منه لعبده في التجارة. ولو أن رجلاً أجر عبده من رجل كل شهر بأجر معلوم

стр. 4760

على أن يبيع له البز ويشتريه له كانت الإجارة في هذا جائزة، وكان العبد مأذوناً (١) له في التجارة، وجميع ما اشترى العبد للمستأجر أو باع له فهو جائز، ويلزم العبد كل دين وجب في جميع ذلك، ويرجع العبد على المستأجر بما وجب عليه من الدين فيما اشترى له. فأما ما وجب على العبد من الدين فيما اشترى لنفسه فهو في رقبته يبيعه به مولاه أو يفديه. وإذا أذن المكاتب لعبد من عبيده في التجارة فذلك جائز، وهو بمنزلة الحر يأذن لعبيده (٢) في التجارة. وكذلك العبد المأذون له في التجارة يأذن لعبد من عبيده في التجارة، وعلى العبد الأول دين أو لا دين عليه، فهو جائز. والعبد الثاني مأذون له في التجارة بمنزلة الحر يأذن لعبده في التجارة. وكذلك المضارب يأذن لعبد (٣) من المضاربة في التجارة فهو (٤) بمنزلة الحر يأذن لعبده في التجارة. وكذلك الشريك المفاوض يأذن لعبد بينه وبين صاحبه من تجارتهما فهو جائز عليهما جميعاً، والعبد مأذون له في التجارة. وكذلك الشريكان شركة عنان يبيعان ويشتريان فأذن أحدهما لعبد (٥) من شركتهما في التجارة فهو جائز عليهما جميعاً، وهو مأذون له في التجارة. وكذلك الأب يأذن لعبد ابنه وابنه صغير في التجارة فهو جائز، وهو مأذون له في التجارة. وكذلك الوصي وصي الأب يأذن لعبد اليتيم في التجارة فهو جائز، وهو مأذون له في التجارة. وكذلك الجد أبو (٦) الأب يأذن لعبد لابن ابنه في التجارة وابن ابنه صغير قد مات أبوه ولم يوص إلى أحد فهو مأذون له في التجارة. فإن كان أبوه حياً أو كان ميتاً قد أوصى إلى رجل فأذن الجد أبو الأب للعبد في التجارة فإذنه باطل؛ لأن الجد لا سبيل له على مال الولد ما دام أبوه حياً أو يكون له وصي أوصى إليه الأب.

стр. 4761

وإذا توفي الرجل ولم يوص إلى أحد ولم يدع أباً حياً وترك ابناً صغيراً له أم فماتت أمه وأوصت إلى رجل وتركت مالاً ورقيقاً فورث ذلك الولد وهو صغير فأذن وصي الأم لعبد من عبيد الولد في التجارة فهو باطل، ولا يكون العبد مأذوناً (١) له في التجارة؛ لأن وصي الأم بمنزلة الأم. ألا ترى أنه (٢) لا يجوز لها أن تأذن لعبد (٣) ابنها الصغير في التجارة. فكذلك وصيها. وكذلك وصي الأخ ووصي العم ووصي ابن العم ووصي كل وارث إلا وصي الأب أو وصي الجد أبي الأب إذا لم يكن أب ولا وصي لأب. وإذا أعتق الرجل بعض عبده ووجب على العبد السعاية فيما بقي من قيمته فاشترى عبداً وأذن له في التجارة فذلك جائز، وهو مأذون له في التجارة. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: إذا أمر الرجل عبده بقبض غلة داره أو أمره أن يقبض ديناً له من رجل بعينه أو أمره أن يقبض كل دين له على الناس ووكله بالخصومة في ذلك فإن هذا ليس بإذن منه في التجارة. وكذلك إن أمره بالقيام على زرع له وأرض لم يكن هذا بإذن منه له في التجارة. وكذلك لو أمره بالقيام على عمال له في بناء دار أو في كَرْي نهر لم يكن هذا إذناً منه له في التجارة. وكذلك لو أمره أن يحاسب غرماءه أو أمره أن يتقاضى دينه على الناس وأن يؤدي من ذلك خراج أرضه لم يكن هذا إذنأ منه له في التجارة. ولو أمره أن يقضي عنه ديناً لم يكن هذا إذناً منه له في التجارة. وقال أبو حنيفة: إذا أمره بقرية له عظيمة أن يؤاجر أرضها وأن يشتري الطعام فيزرعه (٤) فيها وأن يبيع من التجار فيؤدي خراجها كان هذا إذنا (٥) منه له في التجارة في جميع أنواعها بمنزلة قوله: قد أذنت لك في التجارة. وهو قول أبي يوسف ومحمد.

стр. 4762

وإذا قال الرجل لعبده: اشتر (١) لي البز أو الطعام، أو قال: اشتر (٢) لفلان البز أو الطعام، فهذا مأذون له في التجارة، إن نسب ذلك إلى نفسه أو إلى غيره فهو سواء، وقوله: اشتر (٣) لي، واشتر (٤) لنفسك، سواء. وإذا أذن المولى لعبده في التجارة والعبد صغير لم يبلغ إلا أنه يعقل الشواء والبيع فهو جائز، وهو مأذون له في التجارة. وكذلك لو كان هذا العبد لصبي صغير لا أب له ولا وصي ولا جد فأذن القاضي له في التجارة فهو بمنزلة العبد الكبير الذي يأذن له مولاه في التجارة يجوز عليه ما يجوز عليه. فإن كان القاضي قال للعبد: اتجر في الطعام خاصة، أو اتجر في البز خاصة، فاتجر العبد في غير ذلك فهو جائز، وله أن يتجر في جميع التجارات. وكذلك لو قال له القاضي: اتجر في البز خاصة ولا تعده إلى غيره فإني قد حجرت عليك أن تعدوه (٥) إلى غيره، فاشترى غير ما أمره به فشراؤه جائز، وهو مأذون له في جميع التجارات، وقول القاضي في ذلك باطل. فإن رفع هذا العبد إلى القاضي وقد اشترى وباع في أنواع شتى من غير ما أمره به فلحقه من ذلك دين كثير فأبطله القاضي وقضى بذلك على الغرماء ثم رفع إلى قاض (٦) آخر أمضى قضاءه وأبطل دينهم. ولا يشبه قضاؤه بإبطال الدين أمره إياه أولاً بأن لا يشتري إلا تجارة كذا وكذا لشيء معروف؛ لأن الأمر (٧) ليس بقضاء منه، وإنما القضاء إبطاله الدين عن العبد بعدما لحقه. وكذلك لو كان العبد يتجر في التجارة التي أمره بها القاضي وفي غيرها فلحقه (٨) من ذلك دين كثير فرفع إلى القاضي فأبطل الدين الذي كان من غير التجارة التي أمره بها وأجاز الدين الذي لحقه من

стр. 4763

التجارة وباعه لأصحاب ذلك الدين فأوفاهم دينهم ثم رفع ذلك إلى قاض آخر فإنه ينبغي لهذا القاضي أن يمضي قضاء الأول، فيبطل من ذلك ما أبطل ويجيز من ذلك ما أجاز. وعلى هذا جميع هذا الوجه وقياسه. … باب الصبي أو المعتوه يأذن له أبوه أو وصيه في التجارة وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: إذا أذن الأب لابنه في التجارة وهو صغير لم يبلغ إلا أنه يعقل الشراء والبيع فذلك جائز، وهو مأذون له في التجارة بمنزلة العبد يأذن له مولاه في التجارة. وكذلك لو لم يكن له أب وكان له وصي أوصى إليه أبوه فهو بمنزلة أبيه (١) إذا أذن له في التجارة. وبيع الصبي وشراؤه جائز. وإجارته لنفسه واستئجاره الأجراء وما صنع في ذلك من شيء فهو فيه بمنزلة العبد يأذن له مولاه في التجارة. وإذا هلك الرجل وأوصى إلى رجل وترك ابناً صغيراً لم يبلغ إلا أنه يعقل الشراء والبيع، فأذن له وصيه في التجارة فباع الصبي شيئاً من تركة الميت الذي ورث فباع عبداً أو داراً أو أمة أو أقر بشيء من ذلك لرجل أنه له، أو آجر داراً ورثها من أبيه أو عبداً أو أقر على أبيه بدين، فذلك جائز كله بمنزلة إقراره وبيعه وشرائه وإجارته لو كان كبيراً. وكذلك لو أقر بغصب غصبه أو مال استهلكه بعد الإذن، أو قال: كان ذلك مني من قبل أن يأذن لي الوصي في التجارة، فإن ذلك جائز عليه؛ لأنه أقر حين أقر وإقراره جائز. وهو في ذلك بمنزلة الكبير في ذلك كله. وإذا أذن الأب لابنه في التجارة وهو صغير لم يبلغ أو أذن له وصي أبيه في التجارة وقد مات أبوه فكاتب الصبي عبداً أو أمة فمكاتبته باطلة (٢) لا تجوز؛ لأنه بمنزلة العبد المأذون له في التجارة. وكذلك لو زوج عبداً له

стр. 4764

لم يجز؛ لأنه بمنزلة العبد المأذون له في التجارة. ولو زوج أمة لم يجز ذلك في قول أبي حنيفة ومحمد، وهو جائز في قول أبي يوسف. ولو أعتق عبداً على مال وقبل ذلك العبد كان ذلك باطلاً في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. وكذلك لو قال لعبد (١) له: إذا أديت إلي ألفاً فأنت حر، فأدى إليه كان ذلك باطلاً في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وكان العبد مأذوناً له في التجارة. ولو أن الوصي أو الأب كاتب عبداً للصبي (٢) من تجارته وعلى الصبي دين أو لا دين عليه كانت كتابته جائزة. وكذلك لو زوج أمة له كان ذلك جائزاً في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. ولو أن الصبي كان له عبد أو أمة فزوج الصبي أحدهما صاحبه أو زوجه أبوه أو وصيه كان ذلك باطلاً؛ لأنه يدخل عليه في ذلك ضرر. ألا ترى أن الأمة لو بيعت فأعتقت لحق العبد نفقتها. ولا يشبه الصبي في هذا العبد إذا كان عليه دين وكاتب المولى أمة من إمائه وزوجها، لأن العبد إذا كان عليه دين لم يكن للمولى على ماله سبيل حتى يقضي الدين. والصبي حر ماله له وإن كان عليه دين. ألا ترى أن الصبي لو كبر وفي يديه مال وعليه دين كان له أن يكاتب عبده وأن يزوج أمته. ولو أن صبياً محجوراً عليه استهلك مالاً لرجل ببينة ووجب ذلك عليه وله عبد فكاتبه الأب أو الوصي أو أمة فزوجها الأب أو الوصي جاز ذلك، والصبي في هذا مخالف للعبد (٣). وإذا أذن الأب لابنه وهو صغير لم يبلغ في التجارة أو أذن له وصي الأب (٤) فاشترى الصبي وباع فأعتق أبوه أو وصيه عبداً من تجارته على مال، أو قال له: إذا أديت إلي ألفاً فأنت حر، كان ذلك باطلاً لا يجوز. فإن كبر الصبي بعد ذلك فأجاز ما صنع الأب أو الوصي من ذلك فإجازته باطل حتى يستأنف ذلك استئنافاً. وكذلك لو أن الأب أو الوصي زوج عبد الصبي امرأة فكبر الصبي فأجاز ذلك النكاح كان باطلاً. ولو أن الصبي كانت

стр. 4765

تحته امرأة فخلعها الأب أو الوصي أو رجل أجنبي ثم أدرك الصبي فأجاز ذلك الطلاق كان باطلاً لا يجوز؛ لأن الطلاق وقع على المرأة. وطلاق الصبي باطل، ولا يجوز أبداً وإن أجازه الصبي بعدما يكبر. ولو أن رجلاً أجنبياً زوج أمة لهذا الصبي فأجاز ذلك الصبي وهو صغير كان ذلك باطلاً، فإن أجازه بعدما يكبر كان ذلك جائزاً. وكذلك لو أن رجلاً أجنبياً كاتب عبداً لهذا الصبي فأجاز ذلك الصبي وهو صغير فإجازته باطل، فإن أجاز ذلك وهو كبير فهو جائز. ولا يشبه تزويج الأمة والمكاتبة ما وصفت لك قبل ذلك. ألا ترى أن الأب أو الوصي يجوز (١) مكاتبتهما على الصبي ويجوز تزويجهما الأمة، ولا يجوز تزويجهما في العبد ولا في العتق على المال، ولا يجوز قولهما للعبد: إذا أديت إلينا ألفاً فأنت حر. وكل شيء لا يجوز للأب ولا للوصي أن يفعله في مال الصبي ففعله رجل فأجازه الصبي بعدما كبر فإجازته باطل. وكل شيء كان فعل الأب والوصي على الصبي فيه جائزاً فعله رجل أجنبي على الصبي فكبر الصبي فأجازه فهو جائز. وإذا طلق الرجل امرأة هذا الصبي ثلاثاً ثم إن الصبي كبر فقال: قد أوقعت عليها الطلاق الذي أوقع عليها فلان، فذلك جائز وهي طالق ثلاثاً. وكذلك لو أن رجلاً أعتق عبداً للصبي أو أعتقه أبوه أو أعتقه وصيه ثم إن الصبي كبر فقال: قد أوقعت على العبد ذلك العتق الذي أوقعه فلان، فذلك جائز، ولا يشبه قوله: قد أوقعت الطلاق والعتاق الذي أوقعه فلان، قوله: قد أجزت ذلك، إجازة لما مضى، وليس بطلاق ولا عتاق مستقبل. ولو كان هذا الرجل طلق امرأة هذا الصبي بعدما كبر الصبي بغير أمره أو أعتق عبده بعدما كبر بغير أمره فأجاز ذلك الزوج والمولى كان ذلك جائزاً. ولا يشبه هذا طلاق الرجل ولا عتقه والصبي لم يبلغ، لأنه إذا طلق أو أعتق والصبي كبير قد بلغ يجوز طلاقه وعتقه فأجاز ذلك فكأنه هو الذي طلق أو أعتق. وإذا باع الصبي وهو يعقل البيع والشراء عبداً من رجل بألف درهم
следующие страницы →