← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 14285

الأصل لمحمد بن الحسن - ت بوينوكالن

محمد بن الحسن الشيباني

Полный текст (6 738 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.

стр. 4691

درهم قرض، فأعطاه ألف درهم، وقال للطالب بعد ذلك بأيام: إنما أخذت الوديعة، والقرض عليك على حاله، وقال المستودع: بل أعطيتك القرض، وقد ضاعت الوديعة؟ قال: القول قول المستودع، وهو بريء من ألف درهم قرض، ولا ضمان عليه في الوديعة. قلت: لم؟ قال: لأن الطالب (١) قد أقر أنه أخذ منه، فالقول في ذلك قول الدافع؛ لأنه أخذه منه. وأما الوديعة فهو أمين فيها، فإذا قال: ضاعت، فالقول قوله مع يمينه. قلت: أرأيت رجلاً استودع صبياً صغيراً ألف درهم فاستهلكها الصبي؟ قال: لا ضمان عليه. قلت: لم؟ قال: لأنه صبي، وقد سلّطه رب المال على ماله حين دفعه إليه. وهو في قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: الصبي ضامن لذلك في ماله. قلت: أرأيت رجلاً استودع عبداً محجوراً عليه ألف (٢) درهم فاستهلكها؟ قال: لا ضمان عليه الساعة، فأما إذا أعتق فإن عليه الضمان. وهذا قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: يضمن ذلك وهو عبد، يباع فيه. قلت: وكذلك لو استودع أم ولد لرجل أو مدبراً لرجل أو مدبرة وهؤلاء محجور عليهم؟ قال: نعم، لا ضمان عليهم إلا إذا عتقوا (٣)، فإذا عتقوا ضمنوا الوديعة كلها في قول أبي حنيفة ومحمد. قلت: فإن لم يستهلكها واحد من هؤلاء إلا أن الوديعة ضاعت؟ قال: لا ضمان عليهم. قلت: فإن كانت الوديعة عبداً أو أمة، فقتله العبد المحجور عليه أو أم الولد أو المدبرة أو المدبر؟ قال: إن كان القتل عمداً فعلى القاتل القصاص، وإن كان خطأ فعلى سيد العبد أن يدفع العبد أو يفديه، وأما المدبر والمدبرة وأم الولد فإن على السيد الأقل من قيمة العبد القاتل أو قيمة المقتول. قلت: أرأيت رجلاً استودع صبياً عبداً أو أمة فقتل الصبي الوديعة خطأٌ

стр. 4692

أو عمداً؟ قال (١): الخطأ والعمد من الصبي سواء، وعلى عاقلة الصبي قيمة المقتول في ثلاث سنين. قلت: فإن جرحه (٢) جرحاً ولم يقتل (٣) الوديعة على حد (٤)؟ قال: إن كان الأرش يبلغ خمسمائة أو أكثر فهو على عاقلة الصبي، وإن كان أقل من خمسمائة فإنه على الصبي في ماله، ولا شيء على العاقلة. فإن كان جنى (٥) على امرأة فإن كانت جنايته تبلغ مائتي درهم وخمسين أو أكثر فذلك على عاقلته، وإن كان الأرش لا يبلغ مائتين وخمسين (٦) [فهو] في مال الصبي، ولا شيء على العاقلة. قلت: فإن كانت الوديعة دابة أو ثوباً أو داراً فاستهلكه بعض من ذكرنا، وقد استودعه بإذن مولاه، وهو مأذون له في قبض الوديعة؟ قال (٧): أما أم الولد والمدبر والمدبرة فهو (٨) عليهم، يسعون فيه بالغاً ما بلغ، وأما العبد فإنه يقال لمولإه: أد (٩) عنه، وإلا بيع فيه، وأما الصبي إن كان مأذوناً له فهو دين عليه (١٠). قلت: أرأيت رجلاً استودع مكاتباً أو عبداً مأذوناً له في التجارة أو عبداً قد عتق بعضه وهو يسعى في بعض قيمته؟ قال: هؤلاء بمنزلة الحر في الوديعة. قلت: وكذلك العبد المحجور عليه الذي قد أذن له مولاه أن يقبل الوديعة؟ قال: نعم. قلت: أرأيت رجلاً استودع رجلاً (١١) ألف درهم، فاستهلكها ابن له (١٢) صغير أو عبد أو أمة له؟ قال: هو دين في رقبة العبد أو الأمة أو الصبي. قلت: ولم والعبد (١٣) والأمة محجوران (١٤)؟ قال: أرأيت لو

стр. 4693

استودعه العبد بإذن مولاه أو الأمة فاستهلك الوديعة ألم يكن ضامناً؟ قلت: بلى. قال: فهذا وذاك سواء. إذا استودع مولاه (١) فاستهلكها العبد أو الأمة، فكأنه (٢) استودعهما (٣) بإذن مولاهما، فالوديعة في رقابهما، يباعان فيه، أو يؤدي المولى عنهما. قلت: أرأيت رجلاً استودع رجلاً ألف درهم، فعمد المستودع، فدفعها إلى آخر، فجاء رب الوديعة يطلب الوديعة، فقال المستودع لرب المال: أنت أمرتني أن أدفعها إلى هذا، وأنكر ذلك رب الوديعة؟ قال: المستودع ضامن للوديعة. قلت: لم؟ قال: لأنه قد (٤) دفعها إلى غيره فصار ضامناً، ولا يصدق على قوله لرب المال: إنك أمرتني. قلت: فإن أقام على ذلك بينة؟ قال: لا ضمان عليه ولا على المدفوع إليه. قلت: فإن لم تكن له بينة فأراد أن يستحلف رب المال أنه لم يأمره بالدفع؟ قال: له أن يستحلفه، فإن حلف فالمال على المستودع، وإن نكل عن اليمين لم يكن على المستودع ضمان. قلت: أرأيت رجلاً استودع رجلاً ألف درهم، وأمره أن يدفعها إلى رجل، فقال المستودع: قد دفعتها إليه، وقال الرجل: لم أقبضها، أو قال رب المال: كذبت لم تدفعها إليه ولم يقبضها منك؟ قال: القول قول المستودع مع يمينه، ولا ضمان عليه. قلت: لم؟ قال: لأن رب المال قد أقر أنه أمره أن يدفعها إلى هذا الرجل، فصار المستودع أميناً فيها، فالقول قوله أنه قد دفع. ألا ترى أن المستودع لو قال: قد دفعتها (٥) إلى رب المال، كان القول قوله مع يمينه، فكذلك هذا.

стр. 4694

قلت: أرأيت رجلاً استودع رجلاً ألف درهم، فقال له: اِخْبِها (١) في بيتك هذا، فخَبَأَها في بيت آخر في داره تلك، فضاعت الوديعة؟ قال: ليس على المستودع ضمان. قلت: لم؟ قال: أرأيت لو كان قال له: ضعها في كيسك هذا، فوضعها في صندوقه أكان يضمن؟ قلت: لا. قال: فهذا وذاك سواء. ألا ترى أنه لو قال: أمسكها بيدك ولا تضعها ليلاً ولا نهاراً، فوضعها في بيته، فهلكت، لم يكن عليه ضمان، فكذلك إذا وضعها في بيت آخر في داره تلك. قلت: فإن قال له: اِخْبِها في دارك هذه ولا تُخَبِّها في دارك الأخرى (٢) فإن هذه أخاف منها، فوضعها في الدار التي نهاه عنها؟ قال: هو ضامن للمال. قلت: لم؟ قال: أرأيت لو قال له: لا تخرجها من الكوفة وضعها في بيتك، فخرج بها عمداً إلى البصرة أو إلى غيرها فضاعت ألم يكن ضامناً؟ قلت: بلى. قال: فهذا والداران سواء أبياتاً ورهداً (٣) والاستحسان. إذا كان بعضه قريباً من بعض فأستقبح أن أضمنه، فأما الداران والمصران فإن ذلك متفرق متباين، فهو له ضامن. قلت: أرأيت إن انتقل من الكوفة إلى البصرة أو إلى غيرهما لشيء لم يكن له منه بد فهلكت؟ قال: لا ضمان عليه. قلت: لم؟ قال: لأن هذا حال عذر فلا أضمنه. قلت: فإن استودعه وديعة وقال له: لا تدفعها إلى امرأتك فإني أتهمها عليها، أو إلى عبدك أو إلى أمتك أو إلى ابنك (٤) أو إلى أجيرك فإني أتهمه عليها، فدفعها المستودع إلى بعض من ذكرنا، فهلكت الوديعة؟ قال: إن كان المستودع لا بد له مما صنع ولا يجد بدا من ذلك من أن يدفعها إلى بعض من ذكرنا لم أضمنه، وإن كان يجد من أهله وخدمه من يدفعها إليه ويضعها عنده غير من ذكرت (٥)، إن أعطاها بعض من ذكرت وهو يجد غير

стр. 4695

هؤلاء من يدفعها إليه ويضعها عنده فإني أضمنه. قلت: أرأيت رجلاً استودع رجلاً أمة فوقع عليها المستودع ما حالها وحال ولدها؟ قال: الولد رقيق له وهو وديعة. قلت: فهل على المستودع الحد؟ قال: نعم. قلت: هل يثبت نسب الولد منه؟ قال: لا. قلت: فإن ادعى شبهة؟ قال: أدرأ (١) عنه الحد، وولده رقيق، وأضمنه العقر. قلت: أرأيت رجلاً استودع رجلاً ثوباً أو دابةً أو عبداً، فلبس الثوب أو ركب الدابة أو بعث العبد في حاجته، وأقر بذلك، ثم قال: قد رددته إلى مكانه بعد ذلك فهلك؟ قال: لا يصدق، وهو ضامن للوديعة إلا أن يأتي ببينة على ما يدعي. قلت: فإن جاء ببينة فشهدا أنه رد الثوب إلى بيته صحيحاً فوضعه حيث كان، وأن العبد قد رجع من رسالته إلى بيته صحيحاً ثم مات أو أبق، وأن الدابة قد ردها إلى بيته مسلَّمة فنفقت بعد ذلك؟ قال: آخذ ببينته ولا أضمنه في هذا كله. قلت: أرأيت رجلين استودعا [رجلاً] (٢) دراهم أو دنانير أو ثياباً أو دواباً أو عبيداً، فجاء أحدهما والآخر غائب، فقال للمستودع: ادفع إلي حصتي، فأبى ذلك عليه، فتقدما (٣) إلى القاضي فقصا القصة، أينبغي للقاضي أن يأمر المستودع أن يدفع إلى صاحبه حصته بغير محضر من الآخر؟ قال: لا، حتى يجتمع (٤) هو وصاحبه جميعاً. قلت: لم؟ قال: ألا ترى أن المستودع ليس بوكيل، فكيف يستطيع أن يقسم المال. وهذا قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: يقسم ذلك فيدفع إليه حصته، ولا تكون قسمة جديدة على الغائب. قلت: أرأيت رجلاً استودع رجلاً ألف درهم، فجاء رجل آخر، فقال: إن رب الوديعة أرسلني إليك لتبعث إليه بالوديعة، فصدقه على مقالته (٥)

стр. 4696

ودفعها إليه فهلكت عنده، ثم جاء رب الوديعة يطلب الوديعة، فقال المستودع: قد جاءني هذا على لسانك فصدقته وأعطيته الوديعة؟ قال (١): المستودع ضامن. قلت: فهل يرجع على الرسول بشيء؟ قال: لا، وذلك إن أنكر رب الوديعة أنه لم يأمره بأخذها. فإن أقر أنه أمره بأخذها لم يكن على المستودع ضمان ولا على الرسول. قلت: فإن كان حيث جاء بالرسالة كذبه في مقالته (٢) ودفع إليه الوديعة على ذلك فهلكت، ثم جاء رب الوديعة وأنكر ذلك؟ قال: المستودع ضامن، ويرجع بذلك على الرسول. قلت: فإن لم يصدقه ولم يكذبه؟ قال: فكذلك أيضاً (٣). قلت: فإن صدقه على مقالته ودفع المال على ذلك، فجاء رب الوديعة وأنكر ذلك؟ قال: المستودع ضامن، ويرجع على الرسول. قلت: أرأيت رجلاً استودع رجلاً وديعة وغصبها إياه رجل آخر وأفسدها أو أحدث فيها حدثاً، من يكون خصمه فيها ورب الوديعة غائب؟ قال: المستودع خصمه. قلت: لم؟ قال: لأنه شيء في يده فهو خصمه. قلت: وكذلك البضاعة والعارية؟ قال: نعم. قلت: وكذلك كل شيء أصله أمانة؟ قال: نعم. قلت: أرأيت رجلاً استودع رجلين مالاً أو ثياباً، فقسم كل واحد منهما نصف ذلك المال أو تلك (٤) الثياب، فجعله في يديه، فهلك ذلك كله، أو هلك ما عند أحدهما؟ قال: لا ضمان عليهما. قلت: لم، أما ترى قسمتهما وأخذ كل واحد منهما نصف ذلك المال أو الثياب خلافاً؟ قال: هكذا أمر الناس، وليس هذا بخلاف. ألا ترى (٥) أنهما لا يستطيعان أن يجتمعا في مكان واحد يحفظانه. قلت: وكذلك البضاعة؟ قال: نعم. قلت: وكذلك الوصيان؟ قال: نعم (٦). قلت: أرأيت الرجل تكون عنده الوديعة فيحترق بيته، فيخرج متاعه

стр. 4697

فيضعه في بيت جاره ويخرج (١) بالوديعة معه هل يضمن؟ قال: لا ضمان عليه. قلت: لم؟ قال: أستحسن في هذا وشبهه (٢) أن لا أضمنه؛ لأن هذا حال عذر. ألا ترى أنه لو كان في سفينة والوديعة معه فغرقت السفينة فأخرج الوديعة فناولها إنساناً (٣) يمسكها لم يكن عليه ضمان. وهذا والأول سواء. قلت: أرأيت رجلاً استودع رجلاً بقراً (٤) أو غنماً أو إبلاً، ثم غاب رب الوديعة، كيف يصنع المستودع (٥) بعلفها والنفقة عليها؟ قال: إن أنفق عليها من ماله بغير أمر القاضي ولا أمر صاحبها فهو متطوع في ذلك. قلت: فإن دفعها إلى القاضي وأقام البينة أنها وديعة لفلان؟ قال: ينبغي للقاضي أن يأمره أن ينفق عليها من ماله، ويكون ديناً على رب الوديعة. قلت: فإن أمره القاضي بالنفقة عليها فأنفق عليها ثم جاء رب الوديعة فأبى أن يرد عليه النفقة؟ قال: يجبره القاضي على دفع النفقة إلى المستودع. قلت: أرأيت إن كان القاضي حيث أتاه المستودع لم يأمره بالنفقة عليها ولكن أمره أن يبيعها فباعها هل يجوز؟ قال: نعم. قلت: أرأيت إن لم يرفعها (٦) إلى القاضي حتى اجتمع عنده من ألبانها شيء كثير له ثمن وهو يخاف فساده، أو كانت الوديعة أرضاً فأخرجت ثمرة فخاف فسادها، فباعها وهو في مصر بغير أمر قاض فاستهلكه؟ قال: هو ضامن. قلت: فإن كان أراد بذلك الخير؟ قال: وإن (٧) كان أراد بذلك الخير فهو ضامن؛ لأنه لا أراد ذلك (٨). قلت: فإن باع ذلك بأمر القاضي ثم هلك الثمن؟ قال: بيعه جائز ولا ضمان عليه. قلت: أرأيت إن حمل المستودع على الإبل والبقر والغنم فنُتِجَت عنده ولم يكن صاحبها أمره بذلك لمن يكون أولادها؟ قال:

стр. 4698

لصاحبها، وليس للمستودع من ذلك (١) شيء. قلت: فلو هلكت الإبل من ذلك؟ قال: المستودع ضامن؛ لأنه لم يؤمر بذلك، فهو مخالف. قلت: أرأيت إن لم يحمل عليها ولكنه أكراها إلى مكة فأصاب من كرائها لمن يكون ذلك الكراء؟ قال: للمستودعَ. قلت: من أين اختلفت الغلة والولد؟ قال: لأن الغلة لا تشبه الولد، الولد منها، والغلة ليس منها. قلت: أرأيت ما كان من صوفها وألبانها وأولادها؟ قال: هو لصاحبه. قلت: أرأيت رجلاً استودع رجلاً وديعة فغاب رب الوديعة ثم قدم فجاء يطلب الوديعة، فقال المستودع: أمرتني أن أنفقها على أهلك وولدك وقد (٢) أنفقتها عليهم، فكذبه رب الوديعة، وقال أهله وولده: قد أنفقها علينا وأنت أمرته بذلك؟ قال: لا يصدق المستودع، وهو ضامن. قلت: وكذلك إن ادعى المستودع أنه أمره أن يتصدق بها على المساكين أو يهبها لرجل (٣) أو يتصدق بها عليه؟ قال: نعم، هو ضامن. قلت: فإن طلب يمين رب الوديعة؟ قال: له أن يستحلفه، فإن حلف (٤) فالضمان على حاله، وإن نكل عن اليمين برئ المستودع من الضمان. قلت: أرأيت رجلاً استودع رجلين جارية، فباع أحدهما نصفها الذي في يده من رجل، فوقع عليها الرجل فولدت، ثم جاء سيدها؟ قال: يأخذها ويأخذ عقرها من الذي وطئها، ويأخذ قيمة الولد، والولد حر لا سبيل عليه. قلت: ويأخذ نقصانها؟ قال: ينظر إلى قيمة الولد وإلى نقصانها، فإن كانا سواء أو كانت قيمة الولد أكثر فلا شيء عليه من النقصان، وإن كانت قيمته أقل من النقصان ضمن الذي وطئها تمام النقصان، ثم يرجع المستودع على البائع بالثمن الذي قبضه منه وبنصف قيمة الولد، وإن شاء رب الجارية ضمن نصف النقصان البائع. قلت: أرأيت إن لم تُعْرَف الجارية أنها لصاحبها الذي يدعي، ولم يكن على ذلك بينة إلا قول الرجلين اللذين كانت عندهما وديعة؟ قال: لا تقبل شهادتهما على ذلك، فتكون الجارية أم

стр. 4699

ولد (١) للذي اشترى نصفها، ويضمن نصف قيمتها ونصف عقرها فيدفعه إلى شريكه فيها. قلت: أرأيت رجلاً استودع رجلاً جارية، فغاب رب الوديعة، ثم جاء رجل فادعى أنها له فأقام البينة، وقال الذي هي عنده: هي وديعة عندي لفلان؟ قال: يسأله القاضي البينة أنها وديعة في يده، فإن أقام البينة على ذلك فلا خصومة بينه وبين المدعي، وإن لم يقم البينة فهو خصمه. قلت: وكذلك لو ادعى الذي هي في يده عارية أو ادعى أنه استأجرها من فلان؟ قال: نعم. قلت: وكذلك لو كانت الوديعة متاعاً فادعى أنه بضاعة عنده؟ قال: نعم. قلت: أرأيت الرجل تكون عنده الوديعة فيعمل بها فيربح ولم يأذن له صاحبها؟ قال: هو ضامن للوديعة، والربح له يتصدق به، ولا ينبغي له أن يأكله. بلغنا ذلك عن إبراهيم النخعي (٢). قلت: أرأيت إن عمل بها بنفسه بإذن صاحبها؟ قال: هي قرض عليه، والربح له حلال. قلت: أرأيت رجلاً استودع رجلاً ألف درهم بِيض، فبدّلها سُوداً أو صرفها بدنانير، أو كانت حنطة فاستبدلها بحنطة مثلها، أو كانت (٣) شعيراً فاستبدله (٤) بمثله، أو كانت دراهم بِيضاً فاستبدلها بدراهم مثلها؟ قال: هو ضامن في هذا كله. قلت: أرأيت رجلاً استودع رجلاً ألف درهم، ثم طلبها رب الوديعة فجحدها إياه المستودع، ثم استودعه الجاحد الذي كانت عنده الوديعة ألف درهم مثلها، أيحل له أن يذهب بها (٥) للذي (٦) كان له؟ قال: نعم. قلت: وكذلك لو كان الأصل ديناً عليه فجحده إياه واستودعه مثله؟ قال: نعم. قلت: فإن استودعه حنطة أو شيئاً مما يكال أو يوزن، أو كان عليه دين

стр. 4700

فاستودعه مثله من ذلك الصنف (١)؟ قال: لا بأس أن يأخذه منه ويذهب به قصاصاً من الذي له عليه. فإن كانت دراهم فاستودعه حنطة، أو كانت حنطة فاستودعه شعيراً، أو كانت دراهم فاستودعه دنانير، إن كانا مختلفين لا (٢) يسعه أن يمسكه عنه؛ لأن هذا بيع. وأما إذا كان مثله فإنه قصاص. قلت: أرأيت إن قال (٣) صاحب الوديعة الآخرة لصاحب الوديعة الأولى (٤): احلف لي (٥) ما استودعتك كذا كذا، أينبغي له أن يحلف على ذلك؟ قال: لا. قلت: لم؟ قال: لأنه قد استودعه هذا بعينه. قلت: فإن حلف واستثنى: ما استودعني شيئاً إلا كذا كذا، فسماه وتكلم به وأخفاه (٦) منه؟ قال: يسعه. قلت: أرأيت رجلاً استودع من رجل ألف درهم ثم غاب رب الوديعة، فجاءت امرأته وأولاده أو والدته (٧) وأم ولده يطلبون إليه نفقته، أينبغي للقاضي أن يأمره أن ينفق عليهم ويأخذ منهم كفيلاً؟ قال: نعم. قلت: أرأيت رجلاً استودع رجلاً ألف درهم، ثم غاب رب الوديعة، ولا يُدْرَى أحي أو ميت ولا يُدْرَى من وارثه؟ قال: ينبغي للمستودع أن يمسكها أبداً حتى يعلم أحي (٨) هو أو ميت (٩) أو يعلم له وارث. قلت: أرأيت رجلاً مات وعليه دين وعنده وديعة ومال مضاربة وبضاعة؟ قال: إن لم يُعْرَف شيء من ذلك بعينه قُسم المال بينهم بالحصص، وإن عُرفت الوديعة بعينها أو البضاعة أو المضاربة بعينها دفعت إلى صاحبها، وإذا لم تجرف بعينها قسمت بينهم بالحصص. بلغنا ذلك عن إبراهيم النخعي والشعبي (١٠).

стр. 4701

قلت: أرأيت رجلاً استودع رجلاً ألف درهم، فأنفقها المستودع، ثم ادعى أن رب الوديعة وهبها له، أو تصدق بها عليه، أو أحلها له، وجحد ذلك رب الوديعة؟ قال: لا يصدق المستودع بما ادعى، وهو ضامن لرب الوديعة. قلت: أرأيت رجلاً استودع رجلاً وديعة، ثم ردها عليه، فجاء رجل فأقام البينة أن ذلك المتاع الوديعة متاعه ووديعته، واجتمع (١) الذي كانت عنده الوديعة والذي استودعها إياه، هل يضمن المستودع؟ قال: لا. قلت: وكذلك لو كان يعرفه؟ قال: نعم. قلت: وكذلك لو كانت غصباً؟ قال: نعم. قلت: فإن كان رب الوديعة عبداً أو صبياً؟ قال: وإن كان، لأن الذي كانت عنده الوديعة قد ردها إلى موضعها فلا ضمان عليه. [قلت:] فإن كان رب الوديعة أمر (٢) الذي كانت عنده الوديعة أن يدفعها إلى رجل، أو وهبها الرجل أو تصدق بها [بأمره] (٣)، أو أمره فباعها أو اشتراها هو من رب الوديعة، فهلكت عنده، فجاء صاحبها، فأقام البينة أنها له بعينها، وجمعهم جميعاً، له أن يضمن أيهما شاء؟ قال: نعم، إن شاء ضمن رب الوديعة، وإن شاء ضمن المستودع. قلت: لم (٤) والمستودع إنما فعل هذا بأمر رب الوديعة؟ قال: لأنه وضع متاع هذا في غير موضعه، فهو ضامن. قلت: فإذا رد المتاع إلى الذي استودعها إياه برئ من الضمان؟ قال: نعم. قلت: وإذا دفعه إلى غيره فهو ضامن؟ قال: نعم؛ لأنه إذا رد المتاع إلى رب الوديعة فقد رده إلى موضعه، وإذا دفعه إلى غيره فلم يرده إلى موضعه ولا إلى صاحب المتاع فهو ضامن. قلت: أرأيت إن قال رب المتاع: أنا أضمن الذي أخذ متاعي صدقةً أو هبةً أو بيعاً؟ (٥) قال: له أن يضمنه إن

стр. 4702

شاء. قلت: فإن أخذه (١) وديعة فطُلِبَ (٢) منه فلم يقدر عليها؟ قال: هو ضامن. قلت: وكذلك لو هلكت الوديعة إلا عند المستودع الذي قبل هذا؟ قال: نعم، هو ضامن حتى تصل الوديعة إلى موضعها. قلت: أرأيت رجلاً [استودع] عبداً فبعثه المستودع في حاجته فهلك؟ قال: هو ضامن. قلت: أرأيت عبداً استودع رجلاً وديعة ثم غاب العبد هل لمولاه أن يأخذ الوديعة والعبد تاجر أو (٣) محجور (٤) عليه دين أو لا دين عليه؟ قال: ليس لمولاه أن يأخذ الوديعة حتى يحضر العبد. قلت: أرأيت رجلاً استودع رجلاً مائة درهم، فخُلطت بألف درهم من مال المستودع (٥) من غير أن يخلطها هو، ثم هلك بعضه وبقي بعضه؟ قال: هما شريكان فيما هلك وما بقي، اقتسماه على أحد عشر جزء، جزء منها لصاحب المائة، وعشرة أجزاء لصاحب الألف. قلت: أرأيت الرجل تكون عنده الوديعة، فيموت صاحب الوديعة، فأبى المستودع (٦) أن يدفع الوديعة إلى الورثة؟ قال: الورثة خصماؤه، ويجبر على دفعها إليهم. قلت: فإن كان على الميت دين وله وصي؟ قال: ينبغي للمستودع أن يدفع إلى الوصي. قلت: أرأيت رجلاً استودع رجلين مالاً، فقال كل (٧) واحد منهما: يكون المال عندي، فاختصما إلى القاضي في ذلك، كيف ينبغي للقاضي أن يصنع؟ قال: يأمرهما أن يقتسما المال نصفين، فيكون نصفه عند هذا ونصفه عند هذا. قلت: وكذلك لو كان رقيقاً أو متاعاً أو غنماً أو إبلاً أو بقراً أو دواباً؟ قال: نعم. قلت: وكذلك لو اقتسماه من غير أن يأتيا القاضي؟ قال:

стр. 4703

نعم، لا ضمان عليهما إن هلك. قلت: فإن أبيا القسمة فدفعا الوديعة إلى رجل فهلكت؟ قال: هما ضامنان. قلت: أرأيت إن كان عبداً واحداً أو ثوباً واحداً أو دابةً واحدة أو بعيراً كيف يضمنان به؟ قال: إن وضعه أحدهما عند الآخر أو أمسكه كل واحد منهما شهراً فلا ضمان عليهما إن هلك؛ لأن هذا مما [لا] (١) يقسم. قلت: أرأيت رجلاً استودع رجلاً بقراً أو غنماً أو إبلاً، ثم غاب رب الوديعة، فأتى المستودع القاضي، فقص عليه القصة، كيف ينبغي للقاضي أن يصنع؟ قال: يسأله البينة على ما قال، فإذا جاء بالبينة أمره القاضي أن ينفق عليها على قدر ما يرى القاضي، فإن بَطَّأَ صاحب الوديعة أمره ببيعها. قلت: أرأيت إذا أمره القاضي أن ينفق عليها فأنفق عليها هل يكون ذلك ديناً على رب الوديعة؟ قال: نعم (٢). قلت: أرأيت رجلاً استودع رجلاً عبداً وأمة، ثم جاء يطلب الوديعة، فقال المستودع: إنما استودعتني هذه الأمة ولم تستودعني عبداً، فأقام رب الوديعة البينة أنه استودعه عبداً وأمة؟ قال: المستودع ضامن لقيمة العبد إلا أن يرده بعينه. قلت: أرأيت إن كانت الأمة قد ماتت عنده، فقال المستودع: قد ماتت الأمة، وجحد العبد، فأقام رب الوديعة البينة أنه أودعه عبداً وأمة (٣)، هل يضمن قيمتهما (٤) جميعاً؟ قال: لا، ولكنه يضمن قيمة العبد؛ لأنه إنما جحد العبد ولم يجحد الأمة، فلا ضمان عليه في الأمة. قلت: أرأيت رجلاً استودع رجلاً أمة، واستودعه آخر عبداً، ثم جاء رب الوديعتين جميعاً، فقال كل واحد منهما: استودعتك الأمة، وقال المستودع: كذبتما بل استودعتماني أمة وهي هذه الأمة؟ قال: القول قوله مع يمينه. قلت: فإن قال المستودع: ما أدري لأيكما هذه الأمة، غير أني

стр. 4704

أعلم أنها لأحدكما، ما القول في ذلك؟ قال: يحلف لكل واحد منهما، فإن أبى أن يحلف لهما دفع إليهما الأمة، وغرم لهما قيمتها بينهما نصفين، وأما العبد فهو للذي يقر أنه له. وقال محمد: أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم أنه قال في الوديعة والمضاربة إذا كانت عند الرجل ثم مات وعليه دين أنهما أسوة بين الغرماء (١). وبه نأخذ. الحجاج بن أرطأة عن عطاء وأبي جعفر مثله (٢). وقال أبو يوسف في رجل استودع عبداً محجوراً عليه أو صبياً وديعة فأكلها: فإن أبا حنيفة (٣) قال: (٤) لا ضمان على الصبي ولا على العبد حتى يعتق. وهو قول محمد. وقال أبو يوسف: العبد والصبي ضامنان جميعاً الساعة. … باب اختلاف أبا حنيفة وابن أبا ليلى في الوديعة وإذا (٥) استودع رجل رجلاً وديعة، فقال المستودع: أمرتني أن أدفعه إلى فلان فدفعتها إليه، وقال رب الوديعة: كذبت لم آمرك، فإن أبا حنيفة كان يقول: القول قول رب الوديعة، والمستودع ضامن. وبه يأخذ أبو يوسف ومحمد. وكان ابن أبي ليلى يقول: القول قول المستودع، ولا ضمان عليه، وعليه اليمين.

стр. 4705

وإذا استودع الرجل رجلاً وديعة، فجاء آخر يدعيها معه، فقال المستودع: ما أدري أيكما استودعني هذه الوديعة، وأبى أن يحلف لهما، وليس لواحد منهما بينة، فإن أبا حنيفة كان يقول: يعطيهما تلك الوديعة بينهما نصفين، ويضمن لهما أخرى مثلها بينهما؛ لأنه أتلف ما استودع لجهله. ألا ترى أنه لو قال: هذا استودعنيها، ثم قال: أخطأت بل هو هذا، كان عليه أن يدفع الوديعة إلى الذي أقر بها أولاً، ويضمن للآخر مثلها؛ لأن قوله أتلفه (١)، وكذلك الأول أتلفه. وبه يأخذ أبو يوسف ومحمد. كان ابن أبي ليلى يقول في الأولى: ليس عليه شيء، والوديعة بينهما نصفان. ولو استودع رجل رجلاً وديعة، فاستودعها المستودع غيره في غير عياله، فإن أبا حنيفة كان (٢) يقول: هو ضامن؛ لأنه خالف. وبه يأخذ أبو يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة: لا يضمن الآخر إن هلكت الوديعة عنده. وقال أبو يوسف ومحمد: لرب الوديعة أن يضمن الآخر، فإن ضمنه رجع على الأول، وإن ضمن الأول لم يرجع على الآخر. وكان ابن أبي ليلى يقول: الضمان عليه (٣). وإذا مات الرجل وعليه دين، وعنده وديعة بغير عينها، فإن أبا حنيفة كان يقول: جميع ما ترك بين الغرماء وصاحب الوديعة بالحصص. وبه يأخذ أبو يوسف ومحمد. وكان ابن أبي ليلى يقول: هو للغرماء، وليس لصاحب الوديعة شيء؛ لأن الوديعة مجهولة، وليست شيئاً (٤) بعينه (٥).

стр. 4706

بِسْمِ اللهِ الرَّحَمنِ الرَّحِيمِ (١) كتاب العارية محمد بن الحسن (٢) عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: قلت: أرأيت رجلاً استعار من رجل دابة على أن يذهب بها حيث شاء، ولم يسم مكاناً ولا يوماً ولا ما (٣) يحمل عليها، فيذهب (٤) بها إلى الحيرة أو حيث أحب من الأمصار، أو يمسكها بالكوفة شهراً فيحمل (٥) عليها، أو يؤاجرها فيصيب من غلتها، هل يضمن في شيء من هذا؟ قال: لا ضمان عليه في شيء مما ذكرت إلا (٦) في الإجارة، فأضمنه، ويتصدق بالغلة، لأنه خالفه حيث أجرها، وصار ضامناً، ولا يطيب له الفضل. قلت: أرأيت إن استعارها يوماً إلى الليل ولم يسم ما يحمل عليها هل يضمن؟ قال: لا. قلت: فإن أمسكها بعد الوقت؟ قال: هو ضامن لها. قلت: فإن لم يوقت يوماً ولا مكاناً ولكن قال: أحمل عليها حنطة، فمكث ينقل عليها الحنطة أياماً؟ قال: لا ضمان عليه. قلت: فإن حمل عليها آجُرّاً أو لَبِناً أو

стр. 4707

حجراً فعطبت؟ قال: هو ضامن. قلت: لم؟ قال: لأنه حمل عليها غير ما سمى، فصار ضامناً. قلت: أرأيت رجلاً استعار من رجل دابة، يحمل شيئاً من الحنطة مسمى كيله إلى مكان مسمى، فحمل عليها شعيراً مثل ذلك، ولم يحمل حنطة، أو حمل عليها سمسماً أو أرزاً أو شيئاً من الحبوب مثل كيل الحنطة وخفتها، فعطبت الدابة، هل يضمن؟ قال: أما في القياس فهو ضامن، ولكني أستحسن أن لا أضمنه. قلت: أرأيت إن خالف فجاوز المكان الذي سمى، أو أخذ إلى مكان غير ذلك، فعطبت الدابة؟ قال: هو ضامن لها. قلت: أرأيت رجلاً استعار من رجل دابة، يحمل عليها كذا وكذا ثوباً هروياً (١)، فحمل عليها كذا كذا ثوباً مروياً أو بلخياً (٢) أو قوهياً (٣) مثل عدده وخفته؟ قال: (٤) هذا والأول سواء. قلت: لم؟ قال: أرأيت لو استعارها ليحمل عليها كذا كذا رطل دهن بنفسج، فحمل عليها مثل ذلك من الأدهان، أو استعارها ليحمل عليها كذا كذا رطلاً من خمر فحمل عليها مثل ذلك (٥) خل سُكَّر (٦)، يعني: خل عنب، أكان يضمن؟ قلت: لا. قال: فهذا وذاك سواء، ولا ضمان عليه. قلت: فإن حمل عليها رجلاً وركب معه، وقد كان استعارها ليركب هو، كم يضمن؟ قال: هو ضامن لنصف قيمتها.

стр. 4708

قلت؛ أرأيت رجلاً استعار من رجل دابة ليركبها في حاجته، فلما قضى عليها حاجته ردها مع ابنه أو عبده أو أمته أو أجيره أو أحد من عياله، فعطبت في الطريق؟ قال: لا ضمان عليه. قلت: أرأيت رجلاً استعار من رجل دابة ليركبها في حاجة، فجاء بها فدفعها إلى عبد صاحبها، وهو عبده الذي يقوم عليها، فهل (١) يبرأ المستعير؟ قال: نعم. قلت: لم؟ قال: لأن دفعه إلى عبده وإلى الرجل سواء. قلت: أرأيت رجلاً استعار من رجل ثوباً ليلبسه هو، فأعطاه غيره فلبسه؟ قال: هو ضامن. قلت: فإن استعاره ولم يسم من يلبسه فأعاره (٢) غيره؟ قال: لا ضمان عليه. قلت: فإن استعار من رجل دابة ليحمل عليها عشرة (٣) مخاتيم حنطة لنفسه، فحمل عليها عشرة مخاتيم حنطة لغيره؟ قال: لا ضمان عليه. قلت: لم؟ قال: لأن حنطته وحنطة غيره سواء. قلت: أرأيت إن حمل عليها أحد عشر مختوماً فنفقت الدابة؟ قال: يضمن جزء من أحد عشر جزء من قيمة الدابة. قلت: أرأيت رجلاً أمر رجلاً أن يضرب عبده عشرة أسواط، فضربه أحد عشر سوطاً فمات، كم يضمن؟ قال: ما نقصه ذلك السوط الآخِر ونصف قيمته مضروباً أحد عشر سوطاً. قلت: من أين اختلف هذا والذي زاد مختوماً واحداً؟ (٤) قال: لأن الضربة جراحة. ألا ترى لو أن رجلاً جرح رجلاً جرحاً عظيماً وجرحه آخر (٥) جراحة صغيرة أو جرحه جراحات، فمات من ذلك كله، أن الدية (٦) بينهما نصفين، فهذا لا يشبه ذلك.

стр. 4709

قلت: أرأيت رجلاً استعار من رجل داراً أو أرضاً، على أن يبني فيها أو على أن يغرس فيها نخلاً، فأذن له في البناء والغرس، ثم بدا لصاحبها أن يخرجه، هل له أن يضمن له شيئاً من غرسه وبنائه، وقد غرس الرجل أو بنى؟ قال: لا يضمن. قلت: لم؟ قال: لأنه لم يوقت له وقتاً. قلت: فهل يأخذ صاحب الغرس والبناء غرسه وينقض بناءه؟ قال: نعم. قلت: فإن كان صاحب الأرض قد وقّت له وقتاً عشرين سنة أو أكثر من ذلك أو أقل فأخرجه قبل الوقت؟ قال: يضمن قيمة غرسه وبنائه، ويكون ذلك لرب الأرض والدار إذا أدى قيمته. قلت: فإن قال صاحب البناء والغرس: لا أضمنك القيمة، ولكن أنقض بنائي وغرسي، هل له ذلك؟ قال: نعم. قلت: فإن كان وقت له وقتاً أو لم يوقت له، وأذن له أن يزرع أرضه فزرعها، فلما تقارب حصاده أراد أن يخرجه؟ قال: أما الزرع فأستحسن فيه إذا زرعها (١) فإن رب الأرض لا يأخذ منه (٢) الأرض حتى يحصد الزرع، فإذا حصده أخذ رب الأرض أرضه. قلت: أرأيت رجلاً استعار من رجل دابة ليركبها في حاجته، فبعث غلامه يقبضها فيأتي بها، أو كان قد ركبها ثم ردها مع غلامه، فعمد الغلام فعقر الدابة، هل يضمن ويكون ذلك في رقبة الغلام، فهل هذا بمنزلة (٣) الوديعة التي يستهلكها الغلام؟ قال: نعم، هو ضامن للدابة في رقبته، يؤدي عنه مولاه أو يباع بذلك. قلت: أرأيت رجلاً استعار من رجل دابة ليركبها في حاجته إلى مكان، فأخذها فركبها، ثم اختلف رب الدابة والمستعير في المكان الذي ركبها، فقال رب الدابة: إنما أعرتك دابتي إلى موضع كذا وكذا، وقال المستعير: بل أعرتني إلى مكان كذا وكذا، وقد عقرها الركوب؟ قال (٤): القول قول رب الدابة مع يمينه، وعلى المستعير الضمان. قلت: وكذلك لو

стр. 4710

حمل عليها حملاً فعقرها، فقال رب الدابة (١): إنما أعرتكها لتحمل عليها كذا وكذا غير الذي حملت عليها، وقال المستعير: أعرتني لأحمل عليها ما قد حملت؟ قال: نعم، هذا والأول سواء، وهو ضامن. قلت: أرأيت رجلاً استعار من رجل أرضاً على أن يبني فيها ويسكنها ما بدا له، فإذا خرج فالبناء لرب الأرض، هل تصلح هذه العارية على هذا الشرط؟ قال: لا، هذا فاسد، وهو بمنزلة الإجارة الفاسدة، وإن سكن على ذلك كان لرب الدار أجر مثلها فيما سكن، وينقض هذا بناءه إن شاء. قلت: أرأيت الرجل يعير المسكن فيسكنه الرجل ثم يموت المستعير لمن يكون المسكن؟ قال: يرد إلى صاحبه. قلت: فإن كان صاحبه قد مات؟ قال: يرد إلى ورثته. قلت: أرأيت الرجل يقول للرجل: هذه الدار لك عمرى سكنى، أو يقول: هي لك سكنى، فقبضها ثم مات؟ قال: تُرد إلى صاحبها. قلت: أرأيت رجلاً استعار من رجل دابة ليركبها في حاجته، أو استأجرها ليركبها في حاجته أو يحمل عليها، ففرغ من حاجته، فجاء بها يردها إلى صاحبها، فلم يقدر عليه، فدفعها إلى عبده، فضاعت الدابة؟ قال: لا ضمان عليه. قلت: فإن بعث بها مع غلام له إلى منزل صاحبها، فضاعت في الطريق، هل يضمن المستعير أو المستأجر أو العبد؟ قال: لا ضمان على العبد ولا على المستعير ولا على المستأجر. قلت: وكذلك المرأة تستعير الحلي من المرأة أو الثياب؟ قال: نعم. قلت: لم لا (٢) يضمن هذا؟ قال: لأن له أن يرده مع خادمه. قلت: أرأيت المرأة تستعير الحلي، أو الرجل يستعير الدابة والثياب يلبسها ليقضي فيها حاجة، فيجيء آخر فيقول له: استعرت هذه الدابة من

стр. 4711

فلان، وأمرني فلان أن أقبضها منك، فيصدقه، فيدفعها إليه، فتضيع أو تعطب الدابة، وينكر رب الدابة أن يكون أرسل هذا أو أعاره إياه؟ قال: المستعير ضامن لقيمة الدابة والحلي والثياب. قلت: فهل يرجع بذلك على الذي قبضه منه؟ قال: لا؛ لأنه قد صدقه. قلت: أرأيت الرجل يستعير المتاع، فيجيء خادم رب المتاع فيقول: إن مولاي أرسلني إليك لأقبض هذا المتاع منك، فيدفعه إليها فتضيع، ويقول مولى الخادم: ما أرسلتها، أهذا والباب الأول سواء؟ قال: لا. قلت: أرأيت الذي جاء يرد الدابة فدفعها إلى عبد صاحبها فهذا والأول عندك سواء؟ قال: نعم، إذا كان خادمه الذي يخدمه ويرفع متاعه فلا ضمان على المستعير إذا دفعه (١) إليه (٢). قلت: أرأيت رجلاً استعار من رجل دابة ليركبها في حاجته، فردها فلم يجد صاحبها ولا خادمها فربطها في دار صاحبها على مِعْلَفِها (٣)، فضاعت الدابة؟ قال: أما في القياس فهو ضامن، ولكن أستحسن أن لا أضمنه. قلت: أرأيت رجلاً استعار من رجل ثوباً ليلبسه، ثم جحده إياه، فقامت عليه البينة بذلك وقد هلك الثوب؟ قال: هو ضامن له. قلت: فإن لم يجحده ولكنه قال: أعرتني الثوب وقد رددت الثوب عليك؟ قال: القول قوله مع يمينه، ولا ضمان عليه. قلت: وكذلك لو قال: ضاع مني أو قد سرق، أو قال: قد غصبنيه رجل ولا أدري من هو؟ قال: نعم، لا ضمان عليه. قلت: فإن قال: قد أمرتني أن أدفعه إلى فلان فدفعته إليه، وجحد ذلك رب الثوب؟ قال: هو ضامن، ولا يصدق. قلت: فما بالك إذا أعرت الرجل ولم تسم شيئاً فأعاره غيره لم يضمن؟ قال: هما مختلفان، العارية

стр. 4712

إنما أعار وجعل منفعة ذلك لك، فمن انتفع به بإذنك فهذه ومنفعتك سواء، والوديعة إنما يمسكها الرجل لصاحبها وليس فيها منفعة. قلت: فإن قال الرجل: أعرتني ثوباً لألبسه أنا (١)، فأعاره (٢) غيره فلبسه؟ قال: هو ضامن. قلت: لم؟ قال: لأنه استعاره ليلبسه هو خاصة فإذا سمى ذلك لم يكن له أن يعيره غيره. قلت: أرأيت رجلاً استعار من رجل دراهم أو دنانير أو فلوساً فأعارها؟ (٣) قال: هو والقرض سواء. قلت: لم (٤) جعلت هذا قرضاً وإنما استعارها منه عارية ولم يستقرضها؟ قال: أرأيت لو استعار دراهم ليشتري بها طعاماً أو ليشتري بها جارية فاشتراها (٥) أكان له أن يطأ تلك الجارية؟ قلت: نعم. قال: فهذا وذاك سواء، وهي قرض عليه. قلت: وكل شيء يستعير الرجل من الرجل مما يكال أو يوزن أو يعد عدداً مثل الفلوس والجوز والبيض والدراهم والدنانير فهي قرض عليه، وعليه أن يؤدي مثله؟ قال: نعم. قلت: أرأيت رجلاً استعار من رجل آنية يتجمل بها في منزله؟ قال: هذا والحلي سواء. قلت: فإن استعار سيفاً محلى أو مِنْطَقَة مفضَّضة أو خاتماً (٦)؟ قال: هذا يلبس ويتجمل به، ولا يكون شيء (٧) من هذا قرضاً (٨). قلت: أرأيت رجلاً استعار من رجل دابة ليركبها إلى مكان معلوم، فأخذ بها في طريق آخر إلى ذلك المكان، فعطبت الدابة؟ قال: لا ضمان عليه. قلت: فإن كان ذلك الطريق ليس بطريق يأخذ فيه الناس إلى ذلك المكان؟ قال: هو ضامن.

стр. 4713

قلت: أرأيت رجلاً استعار من رجل جارية لتخدمه (١)، أو استأجرها لتخدمه (٢)، فوطئها، فادعى شبهة؟ قال: أدرأ عنه الحد، وألزمه العُقْر. قلت: أرأيت رجلاً استعار من رجل دابة ليركبها إلى حمّام (٣) أَعْيَن (٤)، فجاوز بها حمام (٥) أعين، ثم رجع إلى حمام (٦) أعين، أو إلى الكوفة، والدابة على حالها، ثم عطبت الدابة، فقال رب الدابة: قد خالفت ولم تردها إلى الوقت، وقال المستعير: قد خالفت فضمنت ثم رجعت بها إلى الوقت الذي أديت لي فلا ضمان علي؟ قال: القول قول (٧) رب الدابة، والمستعير ضامن لها. قلت: لم؟ قال: لأنه قد جاوز الوقت فصار ضامناً، فلا يبرأ حتى يردها إلى صاحبها. قلت: فإن أقام البينة أنه قد ردها إلى الكوفة وإلى الموضع الذي أخذها منه ثم نفقت بعدما ردها؟ قال: هو ضامن لها حتى يدفعها إلى صاحبها. قلت: فإن أقام صاحب الدابة شاهدين يشهدان أنها نفقت تحت المستعير في دَيْر عبد الرحمن من ركوبه وأقام المستعير شاهدين أنه قد ردها إلى صاحبها؟ قال: آخذ ببينة رب الدابة؛ لأن الضمان قد وقع على الذي خالف، فلا يبرأ منه إلا بأداء القيمة إلى صاحب الدابة. قلت: أرأيت رجلاً استعار من رجل دابة يركبها فنفقت تحته، فجاء رجل آخر فأقام البينة أنها دابته، أيسأله القاضي البينة أنه لم يبع ولم يهب؟ قال: لا. قلت: أفيحلف على ذلك إن ادعاه الذي يريد أن يضمنه، أو قال: قد أذن لي في عاريتها (٨)؟ قال: نعم، يحلف على ذلك،

стр. 4714

فإن نكل عن اليمين لم يكن عليه سبيل. قلت: أرأيت إن حلف له على ذلك وقضيت له بالدابة [أله] أن يضمن أيهما شاء قيمتها؟ قال: نعم. قلت: فإن ضمن الذي أعارها إياه يرجع (١) على الذي ركبها بشيء؟ قال: لا. قلت: لم؟ قال: لأنه قد أعاره (٢) إياه ولم يخالفه. قلت: أرأيت إن لم يضمن المعير وضمن المستعير الذي ركبها هل يرجع المستعير على المعير بشيء؟ قال: لا. قلت: لم وقد غره منها؟ قال: ليس هذا بعذر (٣). ألا ترى أنه لو وهبها له فركبها فنفقت (٤) ثم جاء صاحبها أفيضمن الموهوبة له الدابة؟ لم يرجع بشيء. فهذا وذاك سواء. ألا ترى لو أن رجلاً وهب لرجل طعاماً فأكله ثم جاء رجل فأقام البينة أنه طعامه فضمن الأكل لم يرجع على هذا. قلت: أرأيت رجلاً استأجر من رجل دابة فعطبت تحته، ثم جاء رجل فاستحقها، وضمن قيمتها للذي ركبها، هل يرجع على من (٥) أجرها إياه بقيمتها؟ قال: نعم؛ لأنه قد غره حيث أخذ منه أجره. قلت: وترى على الذي ركبها من الأجر (٦) إلى المكان الذي نفقت فيه؟ قال: نعم. قلت: وكذلك لو أن رجلاً استودع رجلاً دابة فركبها (٧) فنفقت تحته فاستحقها رجل؟ قال: نعم، يضمن قيمتها الذي ركبها. قلت: أفيرجع بذلك (٨) على الذي استودعها؟ قال: نعم. قلت: أرأيت عبداً استعار من عبد دابة وكلاهما مأذون له في التجارة

стр. 4715

أو مأذون له في الغلة فماتت الدابة عنده من غير أن يخالف؟ لمحال: لا ضمان عليه. قلت: وكذلك لو استعارها رجل حر؟ قال: نعم. قلت: ولا ترى بعارية العبد إذا كان يشتري ويبيع أو يؤدي الغلة بأساً؟ قال: نعم (١)، لا بأس بعاريته. قلت: أرأيت إن دعا رجلاً إلى طعام له، أو يهدي له هدية، أينبغي له أن يأكل من ذلك؟ قال: نعم لا بأس بأن يجيبه ويأكل من هديته. بلغنا عن رسول الله ﷺ أنه أجاب دعوة المملوك (٢). قلت: أرأيت عبداً مأذوناً له في التجارة أجر دابته من رجل، فنفقت تحته، فاستحقها رجل، فضمن قيمتها الذي ركبها، أيرجع بذلك على العبد الذي أجره كما يرجع به على الحر؟ قال: نعم. قلت: وكذلك المكاتب؟ قال: نعم (٣). قلت (٤): أرأيت عبداً محجوراً عليه استعار دابة من عبد محجور عليه، فركبها، فهلكت تحته، ثم جاء رجل فاستحقها، أله أن يضمن أي العبدين شاء؟ قال: نعم. قلت: فإذا ضمن الذي ركبها قيمتها، أيرجع مولاه على العبد الذي أعارها إياه بشيء؟ قال: لا. قلت: لم؟ قال: لأنه لم يغره بشيء. قلت: أرأيت إن لم يضمن الذي (٥) ركبها ولكن ضمن الذي أعارها، هل لمولاه في رقبة العبد الذي ركبها شيء؟ قال: نعم، له قيمة الدابة في رقبته، فإن أدى عنه المولى وإلا بيع فيه. قلت: وكذلك لو كانت الدابة

стр. 4716

لمولى (١) العبد الذي أعارها؟ قال: نعم، وعلى الذي ركبها الضمان لمن كانت الدابة [له] (٢)؛ لأن الذي أعاره الدابة ليس له أمر. قلت: أرأيت رجلاً استعار من رجل دابة ليركبها فركبها فهلكت تحته من ركوبه من غير أن يخالف؟ قال: لا ضمان عليه. قلت: فإن كانت الدابة بِمَوْحِل (٣) فزلقت من غير أن يُعنف عليها؟ قال: لا ضمان عليه. قلت: فإن ضربها ففقأ عينها أو أعطاها غيره فركبها فعطبت؟ قال: هو ضامن في الوجهين. قلت: لم؟ قال: لأنه ليس له أن يعطيها غيره يركبها ولا يُلجمها باللجام، ولا يضربها فيفقأ عينها. قلت: أرأيت رجلاً استعار من رجل سلاحاً على أن يقاتل به، وكان السلاح سيفاً أو رمحاً أو درعاً، فضرب بالسيف فانقطع نصفين (٤)، أو طعن بالرمح فانكسر نصفين (٥)، أو تقطع الدرع عليه، هل عليه في شيء من هذا ضمان؟ قال: لا ضمان عليه في شيء مما ذكرت. قلت: أرأيت رجلاً استعار من رجل عارية ثم مات المستعير؟ قال: العارية بمنزلة الوديعة، ترد إلى صاحبها ما كانت تعرف بعينها (٦). قلت: فإن لم يمت الرجل ولكنه مرض فكان (٧) في مرضه فهلكت العارية (٨)، أو كانت وديعة أو مال مضاربة أو بضاعة، فقال: هلك؟ قال: القول قوله مع يمينه، ولا ضمان عليه. قلت: أرأيت رجلاً استعار من رجل دابة ليركبها، أو استأجرها

стр. 4717

فركبها (١)، ثم نزل عنها (٢) في السكة فدخل المسجد ليصلي فخلى (٣) عنها فهلكت الدابة؟ قال: هو ضامن لها. قلت: أرأيت إن كان في الصحراء والمسألة على حالها فنزل ليصلي وأمسكها فانفلتت (٤)؟ قال: لا ضمان عليه. قلت: فمن أين اختلفا في هذا؟ قال: هذا لم يضيع، والأول قد ضيع. قلت: أرأيت رجلاً استعار من رجل دابة ليركبها في حاجة إلى ناحية من النواحي في الكوفة مسمى، فيخرجها إلى الفرات فيسقيها، والناحية التي استعارها إليها من غير ذلك المكان، فهلكت الدابة؟ قال: هو ضامن. قلت: لم وهذا مما ينتفع به؟ قال: لأن صاحبها لم يأمره أن يسقيها. قلت: أرأيت من استعار دابة أو استأجرها فخالف فهلكت، أيضمن ثمنها الذي اشتريت به أو يضمن قيمتها يوم خالف؟ قال: بل يضمن قيمتها يوم خالف. قلت: أرأيت رجلاً استعار من رجل دابة ثم وجد صاحب الدابة (٥) دابته (٦) في يد رجل آخر وهو يزعم أنها له أيكون صاحبها خصماً؟ قال: نعم، يكون خصماً ويأخذ (٧) دابته. قلت: لم وقد أقر أنه أعارها من رجل (٨) آخر؟ قال: وإن أقر. قلت: فإن قال الذي في يده الدابة: استودعنيها (٩) فلان الذي أعرتَها (١٠) إياه؟ قال: فلا خصومة بين صاحب الدابة وبين هذا الذي هي (١١) في يديه. قلت: لم؟ قال: لأن صاحبها قد أقر أنه أعارها إياه. قلت: أرأيت رجلاً استعار من رجل دابة ليركبها في حاجته ثم باعها، أو مات المستعير فباعها وصيه أو ورثته بعد موته، فلقي رب الدابة الذي

стр. 4718

اشترى الدابة، والدابة في يده، فأقام البينة أنها دابته، أيقضى بها له؟ قال: نعم. قلت: فهل يرجع الذي اشتراها على الذي باعها إياه بالثمن الذي أعطاه؟ قال: نعم. قلت: أرأيت رجلاً استعار من رجل ثوباً ليلبسه، ثم جاء رب الثوب فطلب الثوب، فأبى المستعير أن يرد عليه الثوب فهلك عنده؟ قال: هو ضامن لقيمته، والقول قوله مع يمينه. قلت (١): فإن قال الذي الثوب في يده عارية لصاحبه: دعه عندي إلى غد ثم أرده عليك، فرضي بذلك ثم ضاع الثوب؟ قال: لا ضمان عليه. قلت: وكذلك لو كانت دابة أو شيئاً غير ذلك؟ قال: نعم. قلت: أرأيت رجلاً أرسل رجلاً يستعير له دابة من فلان إلى الحيرة، فجاء رسول إلى رجل فقال: إن فلاناً يقول لك: أعرني دابتك إلى المدينة، فدفعها إليه فجاء بها الرسول فدفعها إلى الذي أرسله، ثم بدا للذي أرسله أن يركبها إلى المدينة ولا يشعر بما (٢) كان من قول الرسول، فركبها فهلكت تحته؟ قال: لا ضمان عليه. قلت: أرأيت إن ركبها إلى الحيرة فكان يرى أن الرسول استعارها كما أمره ولم يخبره الرسول فعطبت الدابة؟ قال: هو ضامن. قلت: لم يضمن في هذا ولا يضمن في الباب الأول؟ قال: لأنه ركب الدابة هاهنا إلى غير ذلك المكان الذي سمى رب الدابة وأذن له فيه، وفي الباب الأول ركبها إلى المكان الذي أذن له صاحب الدابة أن يركبها. قلت: وكذلك الكراء؟ قال: نعم. قلت: فهل يرجع في هذا الباب على الرسول إذا ضمن بشيء؟ قال: لا. قلت: أرأيت الرجل يقول للرجل: أعرتني (٣) دابتك فنفقت من غير أن أركبها، وقال رب الدابة: ما أعرتكها ولكنك غصبتها غصباً؟ قال: لا ضمان

стр. 4719

عليه. قلت: فما له إذا لم يركبها لم يكن عليه ضمان؟ قال: لأنه (١) يقول: وضعت دابتك عندي وأمرتني أن أركبها إن شئت، وليس هذا مثل قوله: أعرتنيها فهلكت بعدما ركبتها، فليسا بسواء؛ لأنه إذا ركبها فقد صنع فيها شيئاً، فهو ضامن لها إلا أن يقيم البينة أن رب (٢) الدابة أعارها إياه. قلت: وعلى رب الدابة اليمين بالله (٣) ما أعارها إياه؟ (٤) قال: نعم. قلت: فإن ركبها وجاء بها صحيحة فقال رب الدابة: أكريتك دابتي إلى الحيرة بدرهم، فركبتها ووجب لي عليك الأجر، وقال الراكب: بل أعرتني؟ قال (٥): القول قول الراكب مع يمينه، ولا شيء عليه من الأجر. قلت: لم؟ قال: لأن رب الدابة قد أقر أنه قد ركبها بإذنه، وادعى الأجر، فعليه البينة على دعواه. قلت: فإن (٦) نفقت الدابة تحته والمسألة على حالها؟ قال: لا ضمان عليه. قلت: أرأيت رجلاً استعار من رجل دابة ولم يسم له متى يردها فأجرها، أو كان بعيراً فأجره، فعطبت؟ قال: هو ضامن. قلت: فإن كان استعارها ولم يسم شيئاً فأعارها غيره فعطبت؟ قال: لا ضمان عليه. قلت: فمن أين اختلفت العارية والإجارة؟ قال: لأنه إذا أجرها فقد ملكها غيره، وليست العارية بمنزلة الإجارة. ألا ترى لو أجرها إلى مكان معلوم لم يكن له أن ينزعها منه حتى يبلغ ذلك المكان، ولو أعارها ثم شاء أن ينزعها (٧) قبل أن يأتي ذلك المكان فعل، فلذلك اختلفا. … باب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى في العارية قال أبو حنيفة (٨): إذا أعار الرجل الرجل أرضاً يبني فيها ولم يوقت له

стр. 4720

وقتاً ثم بدا له أن يخرجه منها بعدما بنى فإن أبا حنيفة كان يقول: إن شاء أخرجه، ويقال للذي بنى: انقض بناءك. وبه يأخذ أبو يوسف ومحمد. وكان ابن أبي ليلى يقول: الذي أعاره ضامن لقيمة البناء للمعير. المسعودي عن القاسم عن شريح أنه قال: أيما رجل أذن لرجل أن يبني في ملكه ثم أخرجه ضمن له البناء (١). فإن وقت له وقتاً فأخرجه قبل أن يبلغ ذلك الوقت فهو ضامن لقيمة البناء، وهو له في قولهم جميعاً. وإذا أقام الرجل البينة على أرض ونخل فيها أنها له، وقد أصاب الذي هي في يديه من غلة الأرض والنخل والثمر (٢)، فإن أبا حنيفة كان يقول: الذي (٣) كانت في يديه ضامن لما أخذ من الثمرة. وبه يأخذ أبو يوسف ومحمد. وكان ابن أبي ليلى يقول: لا ضمان عليه في ذلك. وإذا غصب الرجل الأرض فزرعها فإن أبا حنيفة كان يقول: الزرع للذي كانت في يده، وهو ضامن لما نقصت الأرض في قول أبي حنيفة، ويتصدق بالفضل. وهو قول محمد. وقال ابن أبي ليلى: لا يتصدق بشيء، وليس عليه ضمان. وإذا أخذ الرجل أرض رجل إجارة سنة وعملها وأقام فيها سنتين فإن أبا حنيفة كان يقول: هو ضامن لما نقصت الأرض في السنة الثانية (٤)، ويتصدق بالفضل، ويعطي الأجر للسنة الأولى. وبه يأخذ محمد. وكان ابن أبي ليلى يقول: عليه أجر مثلها في السنة الثانية. وإذا وجد الرجل كنزاً قديماً في أرض رجل أو داره فإن أبا حنيفة كان

стр. 4721

يقول: هو لرب الدار، ويخمس، وليس للذي وجد منه شيء. وهو قول محمد. وكان ابن أبي ليلى يقول: هو للذي وجده، ويخمس، ولا شيء لصاحب الدار والأرض فيه. وبه يأخذ أبو يوسف (١).

стр. 4722

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) كتاب الحجر أخبرنا أبو عصمة سعد بن معاذ قال: أخبرنا أبو سليمان (٢) قال: سمعت محمداً (٣) يقول: قال أبو حنيفة: الحجر على الحر باطل. إذا بلغ الغلام مبلغ الرجال وله مال تركه أبوه له ميراثاً، فإن باع بعضه أو اشترى ببعضه شيئاً، فحابى في ذلك بما يتغابن الناس فيه أو بما لا يتغابنون فيه، فذلك جائز عليه. وكذلك إن وهب بعض ماله أو وهب كله أو تصدق به فدفعه إلى الذي تصدق به عليه أو الذي وهبه له، فذلك جائز كله إذا كان الغلام بلغ فاسداً مفسداً لماله أو مصلحاً له. وقال أبو حنيفة: ينبغي لوصيه وللقاضي إذا بلغ وهو فاسد لم يؤنس منه رشد أن يمنع ماله ويحال بينه وبينه. وهو مع ذلك إن باعه أو أقر به لإنسان جاز ما صنع في ذلك. قال محمد: فإذا كان صنعه جائزاً فيه فما تصنع بحبسه عليه، وهو

стр. 4723

لو (١) أقر به كله لإنسان جاز إقراره وأخذ المال فدفع إلى المقر له؟ فإذا كان يجوز فعله في ماله فما تصنع بحبسه عليه؟ وقال أبو حنيفة أيضاً: إذا بلغ الغلام خمسة وعشرين سنة فأكملها وهو فاسد لم يؤنس منه (٢) رشد (٣) دفع إليه ماله ولم يحبس عنه. وقال: أرأيت لو بلغ سبعين سنة أو ثمانين سنة وولد له أولاد فصاروا قضاة للمسلمين أكان يحجر عليه وهو أبوهم، وكان ابنه القاضي هو الذي يحجر عليه؟ فأستقبح أن أحجر على هذا وإن كان فاسداً. فإذا بلغ خمساً وعشرين سنة دفعت إليه ماله (٤) مفسداً كان أو مصلحاً. وإذا بلغ وهو ابن خمس عشرة (٥) سنة أو أقل من ذلك أو أكثر وهو مفسد غير مصلح لم يؤنس منه رشد (٦) لم ندفع إليه ماله، ولكنه مع منعه ماله نجيز عليه ما صنع في ماله من شيء من إقرار أو هبة أو صدقة أو بيع أو غير ذلك. وقال محمد: إذا كان يجوز له ما صنع في ماله فإنما منع من أن يحفظ ماله لفساده. وما يضره أن يكون هو الحافظ لماله إذا علم أنه لا يفسده ولا يهلكه. إنما منع من ماله أن يكون هو الحافظ لماله والممسك مخافة أن يتلفه فيما لا ينبغي (٧). فإذا كان إذا حبس عليه جاز فعله فيه كما يجوز لو دفع إليه فما حرم من ذلك شيئاً أهون عليه من منعهم إياه من دفعه إليه. جعلت مؤنة حفظه على غيره وجعل أمره فيه جائزاً. وقد قال الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (٨). آية محكمة لا ينبغي أن ترد إلا أن يثبت أنها قد نسخت. فينبغي أن لا يدفع إليه ماله حتى يؤنس منه رشد كما قال الله تعالى، ابن

стр. 4724

خمس وعشرين سنة أو ابن أكثر من ذلك أو أقل. ولو كان الأمر على ما قال أبو حنيفة أن أمر اليتيم إذا بلغ وهو مفسد لم يؤنس منه رشد جائز ما صنع في ماله من شيء، ما كان لهذه الآية عندنا معنى. أترى تفسيرها على أن ماله لا يدفع إليه لفساده، وأمره جائز فيه إن أفسده أو أصلحه. ليس الأمر على ذلك، ولا يقع التفسير إلا أنه إنما منع ماله مخافة فساده عليه. وعلى هذا يكون منع المال. قال محمد: فلست أقول بقوله في الحجر، ولكني أقول: إذا بلغ اليتيم النكاح وبلغ مبلغ الرجال ولم يؤنس منه رشد (١) لم ندفع إليه ماله، ولم نجز له في ماله شيئاً مما صنع من بيع ولا شرى ولا هبة ولا صدقة ولا غير ذلك، وكان في ذلك بمنزلة من لم يبلغ إلا أنه قد عقل ما يصنع. فلا يجوز له شيء مما صنع إلا أنه إذا باع واشترى نظر الحاكم في ذلك، فإن رأى في إجازته خيراً أجازه فكان جائزاً بمنزلة الذي لم يبلغ، إذا باع أو اشترى لم يجز، فإن أجازه الحاكم جاز. وينبغي للحاكم أن ينظر لهما، فإن كانت إجازة ذلك خيراً لهما أجازها، وإن كانت شراً لهما ردها. والذي لم يبلغ إلا أنه يعقل ما يصنع والذي بلغ فاسداً غير مصلح سواء في جميع الأشياء إلا في خصال أربع: [١] يجوز للوصي وصي الأب أن يبيع ويشتري على الذي لم (٢) يبلغ، ولا يجوز أن يبيع ويشتري على الذي بلغ إلا بأمر الحاكم. وإن أعتق الذي لم يبلغ عبداً له أو أمةً أو دَبَّرَ (٣) لم يجز ذلك، وإن أعتق الذي بلغ عبداً جاز عتقه وسعى الغلام في قيمته للذي (٤) أعتقه؛ لأن العتق لا يرد ولا يبطل. فالعتق ماض لا ينقض، ولكن العبد يسعى في جميع قيمته (٥) لمولاه الذي أعتقه. ألا ترى أن الرجل الصالح غير

стр. 4725

المفسد لو أعتق (١) عبداً له في مرضه ثم مات (٢) وليس له مال غيره وعليه دين يحيط بقيمته لم يرد عتق العبد، ولكنه يستسعى في جميع قيمته، فيكون ذلك لغرماء (٣) مولاه. ولو لم يكن على المولى دين سعى الغلام في ثلثي قيمته لوارث المولى المعتق، ولم يرد عتق العبد. وكذلك الغلام الذي بلغ وهو مفسد غير مصلح فعتقه جائز لا يرد، ويسعى الغلام في قيمته. وإن دبر عبداً له جاز تدبيره وكان (٤) مدبراً له عبداً يستخدمه إلا أنه لا يقدر على بيعه. فإن قال قائل: فقد نقصه من قيمته حين دبره، فكيف أجزت ذلك ولم تأخذ له عوضاً؟ قيل له: لأن التدبير (٥) وجه من العتق لا يقدر على رده. والمدبر عبد له على حاله، فلا يكون له على عبده سعاية. فإن مات المولى ولم يؤنس منه رشد سعى الغلام في جميع قيمته مدبراً. وكذلك لو أعتقه في مرضه سعى في جميع قيمته كلها مدبراً ولم يغرم المدبر من نقصان القيمة شيئاً؛ لأن نقصان القيمة الذي (٦) كان بالتدبير نقص والعبد في ملكه، فلا يغرم له العبد. ألا ترى أن رجلاً مصلحاً غير مفسد لو دبر عبداً له في مرضه فنقص التدبير العبد مائة درهم من قيمته، ثم مات المولى وعليه مال كثير يحيط بقيمة العبد وأكثر من ذلك، لم يكن على العبد أن يسعى إلا في قيمته مدبراً يوم مات مولاه (٧)، لا يسعى في أكثر من ذلك. والقياس في وصايا الغلام الذي قد بلغ وهو مفسد غير مصلح من التدبير وغيره أنها باطل، إلا أن المدبر إذا مات مولاه لم يبطل عتقه، وسعى في جميع قيمته. ولكنا نستحسن في وصايا الغلام الذي قد بلغ مبلغ الرجال ولم يؤنس منه رشد، فنقول: إذا أوصى بوصية من تدبير أو غيره،

стр. 4726

فوافق من ذلك الحق وما يرضى به أهل الفضل والخير، من الوصية بالعتق والتدبير والوصية للقرابات والحج والزكاة، وبغير ذلك من الوصايا التي يتقرب بها إلى الله تعالى، والوصايا التي تكون على غير وجه الفسق، ولم يأت من ذلك بسرف (١) ولا أمر يستقبحه (٢) المسلمون، فإن وصيته في ذلك جائزة من ثلثه (٣) كما تجوز وصية غيره، ولا تشبه الوصايا في هذا غيرهاة (٤) لأن الوصايا قد جاءت فيها آثار عن شريح وعن الشعبي. وقد روى بعضهم في ذلك حديثاً عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه أجاز وصية غلام (٥) يافع (٦) وأن شريحاً سئل عن وصية غلام لم يبلغ، فقال: إذا أصاب الوصية فهو جائز (٧). وقال الشعبي نحو ذلك (٨). فإذاً وصية الذي لم يبلغ ولم (٩) تجر (١٠) عليه الأحكام جائزة عند هؤلاء. فكذلك وصية هذا الذي قد بلغ ولم يؤنس منه رشد جائزة عندنا إذا أصاب الوصية وأوصى كما يوصي المصلح غير المفسد. وليس ذلك بقياس. القياس فيه كما تبطل الأشياء التي صنع في حياته فكذلك تبطل بعد موته. ولو أن هذا الذي قد بلغ وهو مفسد غير مصلح جاءت جارية له بولد فادعاه وزعم أنه ابنه كان ابنه ثابت النسب منه حراً لا سبيل عليه، وكانت الأمة أم ولد له، وإن مات كانت حرة لا سبيل (١١) عليها. ولا يشبه

стр. 4727

هذا ما وصفت لك قبله من العتق. ألا ترى (١) أن رجلاً لو حضره الموت وعليه دين كثير وله جارية فولدت ولداً فادعاه كان ابنه وكانت أم ولد له، فإن مات عتقت من جميع ماله ولم تسع هي ولا ولدها في شيء من الدين، ولم يشبه في هذا الوجه المعتق في المرض. فكذلك الذي (٢) وصفت لك من الذي بلغ ولم يؤنس منه (٣) رشد دعوته جائزة، والغلام ابنه، والجارية أم ولد له. ولو كانت له جارية لا يعلم لها ولد، فقال: هذه أم ولدي، كانت بمنزلة أم ولده لا يقدر على بيعها، فإن مات سعت في جميع قيمتها؛ لأنها لما لم يكن معها ولد يثبت نسبه لم يصدق على ذلك، وكان بمنزلة رجل حضره الموت وعليه دين كثير فقال لجاريته ولا مال له غيرها: هذه أم ولدي، ثم مات، فهي حرة وتسعى في جميع قيمتها لغرمائه. فكذلك هذا الذي وصفت لك. ولو أن الغلام الذي قد بلغ كان له عبد لم يولد في ملكه، فقال: هذا ابني، ومثله يولد لمثله، فهو حر وهو ابنه ويعتق الغلام ويسعى في جميع قيمته. ألا ترى أن هذا الذي لم يؤنس منه (٤) رشد لو اشترى ابنه وهو معروف وقبضه كان شراؤه فاسداً ويعتق الغلام حين قبضه ويسعى في جميع قيمته للبائع، ولا يكون للبائع في مال المشتري من ذلك شيء. ألا ترى أن رجلاً مصلحاً غير مفسد لو وهب له ابنه وهو معروف، أو وهب له غلام في مرضه، فادعى [أنه] (٥) ابنه، ثم مات وعليه دين كثير وليس له مال غيره، سعى الغلام في جميع قيمته لغرماء أبيه. فكذلك الوجه الأول الذي وصفت لك من الذي لم يؤنس منه رشد. ولو أن الغلام الذي لم يبلغ إلا أنه يعقل تزوج امرأة وهو مفسد غير مصلح لم يؤنس منه رشد جاز نكاحه ولم يقض بفساده (٦)، ولكنه ينظر إلى

стр. 4728

ما تزوجها عليه وإلى مهر مثلها، فإن كان الذي تزوجها عليه مثل مهر مثلها أو أقل من ذلك فالنكاح جائز، ولها عليه (١) ذلك المهر دين عليه في ماله. وإن كان الذي تزوجها عليه أكثر من مهر مثلها بطل الفضل الذي زاد على مهر مثلها، وكان مهرها مقدار مهر مثلها بما سمى لها ديناً عليه، تأخذه من ماله. فإن طلقها قبل أن يدخل بها وجب لها نصف ذلك ديناً عليه في ماله. وكذلك لو تزوج أربعاً كان في تزوجه ذلك بمنزلة تزوجه الواحدة. وكذلك لو تزوج كل يوم واحدة ثم طلقها كان على ما وصفت لك، ولا يستقيم الأمر إلا على ذلك. ألا ترى أن رجلاً لو تزوج في مرضه أربع نسوة على مهور مثلهن ثم مات وعليه دين كثير حاصَصْن (٢) الغرماء بدينهم، فإن كان زادهن على مهور مثلهن شيئاً حط ذلك إلى مهور مثلهن. وكذلك ما وصفت لك من أمر هذا الغلام الذي بلغ ولم يؤنس منه رشد، ولا يشبه النكاح (٣) والطلاق والعتاق في هذا غيرها (٤) من الأشياء؛ لأن الطلاق والنكاح (٥) والعتاق (٦) هزلهن جد وجدهن جد، ومن أكره عليهن حتى يطلق أو يعتق أو يتزوج جاز ذلك عليه، ولم يجز عليه شيء مما أكره عليه سوى ذلك. فكما يجوز ذلك في الإكراه وفي اللعب فكذلك يجوز في هذا الذي وصفت لك. ولو أن هذا الرجل المحجور عليه حلف بيمين أو بأيمان كثيرة أو نذر نذوراً كثيرة من هدي أو صدقة أو غير ذلك لم ينفذ له القاضي شيئاً من ذلك الذي أوجب على نفسه. فإن حنث في أيمانه فأراد أن يكفر عنها من ماله منعه القاضي من ذلك، ووجب (٧) عليه لكل كفارة يمين صوم ثلاثة (٨) أيام متتابعات؛ لأنه لا يقدر على ماله وإن كان ذا مال. ألا ترى أن رجلاً مصلحاً غير مفسد لو حنث في يمين وماله غائب عنه أجزأه أن يصوم عن يمينه. ولو أن رجلاً غصبه إياه أو كان أدانه إياه فأبى أن يعطيه منه شيئاً

стр. 4729

أجزأه أن يصوم عن كفارة يمينه ثلاثة (١) أيام. وكذلك المحجور عليه الممنوع من ماله يجزيه الصوم في كفارة اليمين. وكذلك لو ظاهر من امرأته أجزأه من ذلك صوم شهرين متتابعين. ولو أعتق عبداً له عن ظهاره جاز عتقه وسعى الغلام في جميع قيمته، ولم يجزه ذلك العتق عن ظهاره للسعاية التي وجبت على العبد، ولكنه يصوم شهرين متتابعين عن ظهاره، فيجزيه ذلك من ظهاره. فإن قال قائل: وكيف لا تكون عليه كفارات أيمانه وظهاره من ماله وهذا مما يتقرب به إلى ربه؟ قيل له: لو جاز (٢) هذا له لكان إذا شاء أن يعتق عبداً من عبيده فقيل له: إن عتقك لا يجوز إلا بسعاية، ظاهر من امرأتك ثم أعتق عبداً من عبيدك، أو احلف بيمين فاحنث فيها ثم أعتق عبداً (٣) من عبيدك، فإذاً هو قد جاز له الذي (٤) أراد، فصار هذا والذي لم يظاهر ولم يحلف سواء. فهذا كله باطل، وهو على ما وصفت لك. ولو أن هذا المحجور عليه قتل رجلاً خطأً ببينة كانت ديته على عاقلته، وكانت عليه (٥) الكفارة (٦) صوم شهرين متتابعين وإن كان موسراً، لأنه ممنوع من ماله. ولو قتل رجلاً تعمده بعصا كانت الدية على عاقلته مغلظة، وكانت عليه كفارة صيام شهرين متتابعين (٧). فإن أعتق بعض رقيقه عن قتله جاز العتق وسعى في قيمته ولم يجز من كفارته للسعاية التي وجبت. ألا ترى أن رجلاً مصلحاً غير مفسد لو أعتق عبداً له في مرضه - ولا مال له غيره - من رقبة وجبت عليه من ظهار أو قتل، ثم مات من

стр. 4730

مرضه ذلك، سعى الغلام في ثلثي قيمته، ولم تجزه تلك الكفارة للسعاية التي وجبت عليه. فكذلك المحجور عليه لما وجبت السعاية على عبده الذي أعتقه لم يجز عتقه عن كفارته وكانت الكفارة عليه صوم شهرين متتابعين. فإن صام أحد الشهرين ثم صار (١) مصلحاً في صومه لم يجزه إلا العتق وبطلت كفارة الصوم، وصار بمنزلة مصلح معسر لم يقدر على عتق رقبة فصام ثم أيسر وهو يصوم، فهذا لا يجزيه إلا العتق. فكذلك المحجور عليه (٢) إذا صار مصلحاً وقد بقي عليه من الصوم قليل أو كثير لم يجزه إلا العتق. فأما ما وجب على المحجور عليه من أمر أوجبه الله تعالى عليه من زكاة ماله أو حجة الإسلام أو غير ذلك مما يوجبه المحجور على نفسه فإن المحجور عليه (٣) في ذلك والمصلح سواء. إنما يختلفان فيما أوجب على نفسه مما لم يجب عليه إلا بإيجابه، فأما ما أوجبه الله تعالى عليه فهما فيه سواء. فينبغي للحاكم أن ينفذ له ما أوجب الله عليه من ذلك إذا طلبه من زكاة ماله، ولكن الحاكم لا يخلي بينه وبين الأخذ حتى يعطيه المساكين بمحضر من أمينه. وكذلك إن طلب من القاضي مالاً يصل به قرابته من ذي الرحم المحرم الذي يجبر على نفقتهم فإن القاضي يجيبه إلى ذلك، ولا يدفع المال إليه، ولكنه يدفعه إلى ذي الرحم المحرم. ولا ينبغي للقاضي أن يأخذ بقوله في ذلك حتى تقوم البينة على العشرة والقرابة، إلا في الوالد والولد. فإنه إذا أقر بأن هذه ابنته وأن هذا أبوه، وصدقه بذلك المقر له، وعلم أن المقر له معسر - ولا يصدق المحجور عليه بقوله: إنه معسر، فإذا عرف أنه معسر
следующие страницы →