← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 14285

الأصل لمحمد بن الحسن - ت بوينوكالن

محمد بن الحسن الشيباني

Полный текст (6 738 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.

стр. 5216

الموهوب له فجاء به رجل فسلمه إلى الموهوب له فرجع الواهب في هبته على من جُعْل الآبق؟ قال: على الموهوب له (١).

стр. 5217

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) كتاب العقل (٢) باب (٣) من عقل الجنايات متى تؤخذ وفي كم تؤخذ ويتحول أو لا يتحول قال محمد بن الحسن: بلغنا أن عمر بن الخطاب ﵁ فرض العقل على أهل الديوان، لأنه أول من وضع الديوان، فجعل فيه العقل (٤). وكان العقل قبل ذلك على عشيرة الرجل في أموالهم. فالعقل على أهل الديوان من المقاتلة.

стр. 5218

محمد قال: أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم في دية الخطأ وشبه (١) العمد في (٢) النفس على العاقلة على أهل الديوان في ثلاثة أعوام، في كل عام الثلث. وما كان من جراحات الخطأ فعلى العاقلة على أهل الديوان إذا بلغت (٣) الجراحة ثلثي الدية ففي عامين. [وإن كان النصف ففي عامين] (٤). وإن كان الثلث ففي عام. وذلك كله على أهل الديوان. وليس على الذرية والنساء ممن كان له عطاء (٥) في الديوان عقل؛ لأنه بلغنا أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لا يعقل مع العاقلة صبي ولا امرأة. محمد قال: أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي قال: أخبرنا عمر بن عثمان بن سليمان بن أبي حثمة عن عبد الله بن السائب بن يزيد عن أبيه قال. سمعت عمر بن الخطاب يقول: لا يعقل مع العاقلة صبي ولا امرأة. وإنما جعل (٦) العقل فيما نرى - والله أعلم - على عشيرة الرجل ولم يجنوا ولم يحدثوا حدثا على وجه العون لصاحبهم؛ لأنهم أهل يد واحدة على غيرهم، وأهل نصرة واحدة على غيرهم. ولم يوضع ذلك على النسب؛ لأن القوم قد (٧) كان يعقل معهم حليفهم وعديدهم ويعقلون عنه وليس بينه وبينهم ولاء ولا قرابة. فلما صارت الدواوين صار أهل الديوان يتناصرون دون ذوي القرابات (٨) وصاروا يداً على غيرهم، وصارت أموالهم الأَعْطِيَة، ففرض العقل على أهل الديوان لذلك. فهو على أهل الديوان دون

стр. 5219

القرابات؛ لأن الأخوين أحدهما يكون ديوانه بالكوفة، والآخر ديوانه (١) بالشام. فلا يعقل واحد (٢) منهما عن صاحبه؛ لأنهما وإن اجتمع نسبهما فإن نصرتهما ويدهما مختلفة. فإنما جعل التعاقل على النصرة واليد الواحدة. ألا ترى أن أهل ديوان الشام لا يعقلون عن أهل ديوان البصرة، وأهل ديوان البصرة لا يعقلون عن أهل ديوان الشام وإن قربت أنسابهم؛ لأنهم ليسوا بأهل نصرة ولا يد واحدة. وإنما وضعت المَعَاقِل على ما وصفت لك من النصرة واليد الواحدة والحيطة، فجعل العقل رفداً لبعضهم من بعض وعوناً لبعضهم من بعض. قال محمد بن الحسن: إذا قتل الرجل قتيلاً خطأ قضي عليه بالدية على عاقلته في ثلاث سنين. فلو مضى للقتيل سنتان أو ثلاث أو أكثر ثم رفع (٣) إلى القاضي فإنه يحكم بالدية في ثلاث سنين من يوم يقضى بذلك، ولا يلتفت إلى ما مضى. فإن كانت العاقلة أهل ديوان قضي بذلك في أَعْطِيَاتهم، فجعل الثلث في أول عطاء يخرج (٤) لهم بعد (٥) قضائه وإن كان ليس بين القتل (٦) وقضائه وبين خروج العطاء إلا شهر (٧) أو أقل من ذلك (٨). ويجعل الثلث في العطاء الآخر إذا خرج إن أبطأ بعد الحول أو عجل قبل السنة. ويجعل الثلث في العطاء الثالث. فإن عجل للقوم (٩) العطاء فأخرجت لهم ثلاثة أعطية بمرة واحدة وهي أعطية إنما استحقوها بعد قضاء القاضي بالدية فإن الدية كلها تؤخذ من تلك الأعطية الثلاثة. فيقضى بالدية على القوم حتى يصيب الرجل في عطائه من الدية كلها

стр. 5220

أربعة دراهم أو ثلاثة أو أقل من ذلك. فإن قلت العاقلة فكان الرجل يصيبه من الدية أكثر من أربعة دراهم ضم إليهم أقرب القبائل إليهم في النسب من أهل الديوان، حتى يصيب الرجل في عطائه من الدية ما وصفت لك أو أقل من ذلك. ولا يستحق (١) العطاء عندنا إلا بآخر السنة، فلذلك قلنا: إن الرجل إذا قضي بديته على العاقلة ثم خرج العطاء (٢) بعد ذلك بشهر أو أقل من ذلك كان ذلك العطاء فيه ثلث الدية. وإذا قتل رجل رجلاً خطأ فلم يقض بذلك حتى مضت سنون ثلاث (٣) أو أكثر، ثم قضي على العاقلة بالدية ولم يخرج للناس عطاء، ثم أمر للناس بأَعْطيَاتهم الماضية لم يكن فيها من الدية قليل ولا كثير، واستقبل لصاحب الدية الأَعْطِيَة المستقبلة بعد القضاء بالدية. ولو أن رجلاً كانت عاقلته أصحابَ رِزْقِ (٤) يأخذونه في كل شهر، قضي على عاقلته بالدية في أرزاقهم في ثلاث سنين، في كل سنة ثلث الدية. فإذا قضى القاضي بذلك ثم خرجت لهم الأرزاق لأشهر ماضية كانت قبل القضاء بالدية لم يكن كليهم من الدية في تلك الأرزاق قليل ولا كثير. وإنما الدية فيما تجب من الأرزاق بعد قضاء القاضي بالدية على العاقلة. فإن خرج رزق شهر من الشهور (٥) بعد قضاء القاضي، وقد قضى القاضي بالدية في ثلاث سنين، وقد بقي من ذلك الشهر يوم (٦) أو

стр. 5221

أكثر، أخذ منهم من أرزاقهم التي رُزِقُوها (١) لذلك الشهر؛ لأن الرزق الذي يأخذونه لا يجب (٢) إلا بكمال الشهر. فإن كانوا يأخذون الأرزاق في كل ستة أشهر أو في كل شهر ولم تكن (٣) لهم أَعْطِيَة أخذ من أرزاقهم كلما خرجت على حساب ذلك. فإن خرجت لكل ستة أشهر أخذ من أرزاقهم في كل ستة أشهر سدس الدية. وإن كانت الأرزاق تخرج لهم في كل شهر أخذ منهم في كل رزق نصف سدس ثلث الدية. وإن كان قوم لهم أرزاق في كل شهر (٤) ولهم (٥) أَعْطِيَة في سنة فرضت عليهم الدية في أعطياتهِم، ولا يعرض لأرزاقهم. وإنما تفرض الدية في الأرزاق إذا لم تكن (٦) لهم أعْطِيَة. ومن جنى من أهل البادية وأهل اليمن (٧) الذين لا ديوان لهم فرضت الدية على عَوَاقِلهم في أموالهم في ثلاث سنين، على الأقرب فالأقرب منهم، من يوم يقضي القاضي بالدية عليهم. ولا ينظر القاضي إلى ما مضى من السنين بعد القتل قبل القضاء بالدية. فيؤخذ الدية من أموالهم (٨) في كل سنة ثلث الدية عند رأس كل حول من يوم يقضي. ويضم إليهم أقرب القبائل في النسب حتى يصيب الرجل في ماله من الدية في السنين الثلاثة ثلاثة دراهم أو أربعة دراهم. ومن أقر بقتل خطأ جعلت الدية عليه في ماله في ثلاث سنين. فإن لم

стр. 5222

يرتفعوا إلى القاضي حتى يمضي سنون (١) ثم ارتفعوا إلى الحاكم قضى بها الحاكم في ماله في ثلاث سنين مستقبلة من يوم يقضي؛ لأن الرجل إنما (٢) كانت عليه النفس ولم يصر مالاً حتى قضى بها. وكذلك العمد الذي لا قصاص فيه: الوالد يقتل الولد أو العمد يخالطه الخطأ. وإن اجتمعت القتلة (٣) فكانوا مائة كانت الدية على عواقلهم في ثلاث سنين. والقاتل الواحد والجماعة في هذا سواء. وليس يعقل أهل مصر (٤) عن أهل مصر. لا يعقل أهل البصرة عن أهل الكوفة، ولا يعقل أهل (٥) الشام عن أهل الكوفة (٦)؛ لأن عاقلتهم على الديوان، فالدواوين مختلفة. وأهل الكوفة يعقلون عن أهل سوادهم وقراهم. وأهل البصرة يعقلون عن أهل سوادهم وقراهم (٧). وكذلك أهل الشام. ومن كان منزله البصرة وديوانه بالكوفة فأهل الكوفة يعقلون عنه ويعقل عنهم وإن كان أهل البصرة أقرب إليه في النسب. ولو أن أخوين لأب وأم أحدهما ديوانه بالكوفة والآخر ديوانه بالبصرة لم يعقل أحدهما عن صاحبه، وعقل عنه أهل ديوانه. وأهل (٨) الديوان يتعاقلون على الدواوين وإن تفرقت أنسابهم. ولو أن قوماً من أهل خراسان أهل ديوان واحد مختلفين في أنسابهم، ومنهم من له ولاء (٩)، ومنهم من العرب، ومنهم من لا ولاء له، جنى بعضهم جناية، عقل عنه أهل رايته وأهل قيادته، وإن كان غيرهم أقرب إليه في النسب. فإن كان أهل رايته وقيادته قليلاً (١٠) ضم إليهم الإمام من رأى

стр. 5223

من أهل الديوان حتى يجعلهم عاقلة واحدة، حتى يصيب الرجل في أرزاقه من الدية أربعة دراهم أو ثلاثة (١) دراهم أو أقل من ذلك. وأهل الديوان يتعاقلون دون أهل الأنساب. لو كان رجل من العرب أو من الموالي معروف (٢) ديوانه مع قوم لا ولاء لهم عقل عنهم وعقلوا عنه دون بني عمه ومواليه، ومن كان لا ديوان له من أهل البادية ونحوهم فإنهم يتعاقلون (٣) على الأنساب. أقربهم نسباً يعقل عنه وإن كان بعيد المنزل منه وإن اختلفت الباديتان. ولا يعقل أهل البادية عن أهل الأمصار الذين عواقلهم في العطاء (٤)، ولا يعقل أهل العطاء عنهم وإن كانوا إخوة لأب وأم. ومن جنى جناية من أهل مصر وليس في عطاء وأهل البادية أقرب إليه ومسكنه في المصر عقل عنه أهل الديوان من ذلك المصر وإن لم يكن له (٥) فيهم عطاء (٦). كما أن صاحب العطاء لا يعقل عنه أهل البادية إذا كان فيهم نازلا. وأصحاب الأرزاق الذين لا أعطيات (٧) لهم مثل أهل العطاء في العقل في ذلك. ومن كان من أهل الذمة يتعاقلون لهم عواقل معروفة فقتل (٨) أحدهم قتيلاً خطأ فديته على عاقلته في ثلاث سنين. وهو في ذلك بمنزلة المسلم. ومن لم يكن منهم له عاقلة أو لم يكونوا يتعاقلون فالدية في ماله في ثلاث سنين من يوم يقضي بها القاضي، ولا يلتفت إلى ما مضى من السنين بعد القتل وإن مضى سنون (٩) كثيرة.

стр. 5224

ولا يعقل كافر عن مسلم ولا مسلم عن كافر. والكفار يتعاقلون فيما بينهم وإن اختلفت مللهم. ومن قتل قتيلاً (١) وهو من أهل الكوفة وله بها عطاء، فلم يقض (٢) على عاقلته بالدية في ثلاث سنين حتى حول ديوانه فجعل عطاؤه واسمه في ديوان أهل البصرة، ثم رفع ذلك إلى القاضي، فإنه يقضي بالدية على عاقلته (٣) من أهل البصرة. ولو قضى القاضي بالدية على عاقلة أهل الكوفة في ثلاث سنين، وأُخِذَ منهم ثلثُ الدية لسنة، أو لم يُؤْخَذْ إلا أنه قد (٤) قضى بها، ثم حُوِّلَ اسمُه عنهم فجعل في ديوان أهل البصرة، كانت الدية على العاقلة الذين قضى عليهم، لا ينتقل ذلك عنهم، ويؤخذ منه في عطائه بالبصرة بحصته. ولو قلوا بعد ما قضى القاضي عليهم بالدية في ثلاث سنين وأخذ منهم الثلث أو الثلثين ضم (٥) إليهم أقرب القبائل منهم في النسب حتى يعقلوا عنهم. ولا يشبه قلة العاقلة بعد القضاء تحول الرجل بعطائه من بلد إلى بلد؛ لأن الذين يضافون إليهم عاقلة واحدة، وهذه عاقلة منتقلة (٦). وكذلك لو أن رجلاً لم يكن له عطاء وكان مسكنه الكوفة، فقتل رجلاً خطأ (٧)، فلم يقض (٨) القاضي (٩) على العاقلة بالدية حتى تحول عن الكوفة وأتى البصرة فاتخذها داراً وأَوْطَنَها (١٠)، ثم رفع إلى القاضي، فإن القاضي يقضي على عاقلته الذين بالبصرة بالدية في ثلاث سنين، ولا يلتفت إلى عاقلته بالكوفة. ولو كان قضى بالدية في الكوفة في ثلاث سنين على عاقلته

стр. 5225

بالكوفة ثم انتقل (١) بعد ذلك قبل أن يؤخذ الدية إلى البصرة فاتخذها داراً لم تبطل الدية عن عاقلته بالكوفة. وكذلك صاحب العطاء المنتقل بعطائه إلى البصرة. وكذلك لو أن رجلاً من أهل البادية قتل رجلاً خطأ، فلم يقض (٢) عليه بشيء حتى قدم مصراً من أمصار المسلمين فالتحق في الديوان (٣)، واتخذه مسكناً وترك البادية، ثم رفع إلى القاضي، فإن القاضي يقضي على عاقلته بالدية (٤) من أهل المصر من أهل الديوان، ولا يقضي على أهل البادية بشيء. ولو كان القاضي قضى على عاقلته بالبادية بالدية في ثلاث سنين في أموالهم، ثم صارت حاله إلى ما وصفت لك، لم يتحول ذلك عن أهل البادية بتحويل الرجل إلى المصر؛ لأن الجناية لم تجنها العاقلة، إنما جناها الرجل (٥)، فإنما تكون (٦) على العاقلة إذا قضي بها عليهم. ولو أن قوماً من أهل البادية قضي عليهم بالدية في أموالهم في ثلاث سنين، فأدوا الثلث لسنة أو الثلثين (٧) وبقيت بقية، أو قضي عليهم ولم يؤدوا شيئاً حتى جعلهم الإمام في العطاء، صارت الدية في أعطياتهم وإن كان القاضي قد قضى بها أول مرة في أموالهم، لأن العطاء من أموالهم، وهو مال للمقاتلة (٨)، ولكنه يقضي عليهم في أعطياتهم بما كان قضى به عليهم في البادية. إن كان قضي عليهم بالإبل لم يتحول ذلك. ولا يشبه هذا تحول (٩) العقل عن العاقلة إلى عاقلة أخرى بعد قضاء القاضي. وعلى هذا جميع هذا الوجه وقياسه في قياس قول أبي حنيفة وقول (١٠) محمد بن الحسن. …

стр. 5226

باب من الولاء المنتقل والعقل معه أو ينتقل (١) الولاء ويبقى العقل معه (٢) لا ينتقل وقال محمد بن الحسن في رجل لاعن امرأته بولد، ولزم الولد أمه، فجنى الولد جنايةً: قَتَلَ قتيلاً خطأ، فقضى به القاضي على عاقلة الأم في ثلاث سنين، فأخذ (٣) أولياء الجناية الدية من عاقلة الأم، ثم إن الأب ادعى الولد، فإنه يكون ابنه، ويضرب الحد، وترجع (٤) عاقلة الأم على عاقلة الأب بما أدوا (٥) من الدية، وهذا أيضاً قول أبي حنيفة. وقال محمد بن الحسن: ترجع عاقلة الأم على عاقلة الأب بالدية (٦) في ثلاث سنين من يوم يقضي القاضي لعاقلة الأم على عاقلة الأب بذلك، ولا يلتفت إلى ما مضى من السنين منذ ادعى الأب الولد. وكذلك هذا في مكاتب له امرأة حرة مولاة لبني تميم، والمكاتب (٧) مكاتب لهمدان، فمات المكاتب وترك وفاء وفضلاً، فلم يؤد (٨) مكاتبته حتى جنى ابنه جناية: قتل قتيلاً خطأً، فقضى به القاضي على عاقلة الأم بالدية في ثلاث سنين، فأخذت منهم، ثم إن المكاتب أدى ما عليه، فإن ولاء الولد يتحول إلى مولى المكاتب، وترجع (٩) عاقلة الأم على عاقلة الأب بما أدوا في ثلاث سنين من يوم يقضي القاضي. ولو أن رجلاً أمر صبياً أن يقتل رجلاً فقتله، فإن القاضي يقضي على عاقلة الصبي بالدية في ثلاث سنين، وترجع (١٠) بها (١١) عاقلة الصبي على

стр. 5227

عاقلة الآمر (١) في ثلاث سنين (٢). فإن اجتمعت العاقلتان وأولياء الجناية جميعاً عند القاضي فقضى القاضي لأولياء الجناية على عاقلة الصبي، وقضى لعاقلة الصبي على عاقلة الآمر (٣)، فكلما (٤) أخذ أولياء الجناية من عاقلة الصبي شيئاً أخذت عاقلة الصبي من عافلة الآمر (٥) مثله. فإن قضى القاضي على عاقلة الصبي ولم يخاصموا عاقلة الآمر (٦) حتى أدوا (٧) جميع الدية، ثم خاصموا عاقلة الآمر (٨) بعد الأداء وبعد ما مضى بعد الأداء سنون (٩)، فإن القاضي يقضي لعاقلة الصبى على عاقلة الآمر (١٠) بالدية في ثلاث سنين منذ يوم يقضي (١١) لهم عليهم، ولا يلتفت إلى ما مضى قبل ذلك من السنين. ولو كان الآمر (١٢) أقر أنه أمر (١٣) الصبي ولم يعلم ذلك إلا بقوله قضى القاضي على الآمر في ماله لعاقلة (١٤) الصبي بالدية (١٥) في ثلاث سنين من يوم يقضي بالدية، ولا يلتفت إلى ما مضى قبل ذلك من السنين. ولو أن ابن ملاعنة (١٦) جنى جناية: قتل قتيلاً خطأ، فقضى به القاضي على عاقلة الأم في ثلاث (١٧) سنين، ثم أدت عاقلة الأم الثلث في أول سنة، ثم إن الأب ادعى الولد، فألزم الولد، وضرب (١٨) الحد، وحضرت أولياء الجناية والعاقلتان جميعاً، فإن القاضي يقضي لعاقلة الأم بالثلث الذي أدوا على عاقلة الأب في سنة مستقبلة من يوم يقضي (١٩)، ويبدأ بهم على أولياء الجناية، ويبطل العقل الذي بقي عن عاقلة الأم، ويقضي به القاضي على عاقلة الأب في سنتين مستقبلتين (٢٠) بعد السنة الأولى التي قضى لعاقلة

стр. 5228

الأم فيها بثلث الدية على عاقلة الأب، فيقضي بالدية مستقبلة على عاقلة الأب في ثلاث سنين، الثلث الأول لعاقلة الأم، والثلثان لأولياء الجناية. ولا يؤخذ من أولياء الجناية ما أخذوا من عاقلة الأم، ولكنه يبطل عن عاقلة الأم ما بقي، ويقضى به لأولياء الجناية محلى عاقلة الأب كما وصفت. وكذلك ابن المكاتب من المرأة الحرة إذا مات المكاتب وترك وفاء فجنى ابنه جناية ثم أديت المكاتبة فهو بمنزلة ولد الملاعنة في جميع ما وصفت لك من هذا (١) الوجه. وإذا كانت المرأة حرة وهي مولاة لبني تميم تحت عبد لرجل من همدان فولدت له غلاماً فعاقلة الغلام عاقلة أمه بنو (٢) تميم. فإن جنى جناية فلم يقض (٣) بها القاضي (٤) على عاقلة الأم حتى أعتق الأب فإن القاضي يحول ولاء الغلام إلى موالي (٥) أبيه، ويجعل عاقلته عاقلة أبيه، ويقضي بالجناية التي جناها على عاقلة أمه، ولا يحولها إلى عاقلة أبيه. وكذلك لو كان الغلام حفر بئرأً قبل أن يعتق أبوه ثم عتق أبوه فإن القاضي يقضي بالدية على عاقلة الأم، ولا يجعل على عاقلة الأب من ذلك شيئاً. والخصم في ذلك - حتى تثبت الدية على عاقلة الأم - الجاني إن كان قد بلغ مبلغ الرجال. فإن كان صغيراً فالخصم في ذلك أبوه المعتق؛ لأنه القيم بأمره. ولا يشبه هذا ابن الملاعنة ولا (٦) ابن المكاتب الذي وصفت لك؛ لأن هذا ولاء حادث حدث بعد (٧) الجناية، وابن الملاعنة وابن المكاتب لما ادعى ابن الملاعن أبوه وأديت المكاتبة حكمنا بأن الولد كان ولده يوم جنى، وأن المكاتب كان حراً يوم مات يورث كما يورث الحر. ولو أن رجلاً من أهل الحرب أسلم ووالى (٨) رجلاً من هل الإسلام

стр. 5229

في دار الإسلام ثم جنى جناية عقلت (١) عنه عاقلة الذي والاه. فإن عقلت عنه لم يقدر على أن يتحول بولائه بعد الجناية. فإن عقلت عنه العاقلة أو لم يقض (٢) به ثم إن أباه أسر من دار الحرب فاشتراه رجل فأعتقه كان ولاؤه له، وجر ولاء ولده من الذي والاه، حتى يصير الولد مولى (٣) لموالي أبيه. ولا يرجع عاقلة المولى الذي كان والاه على عاقلة مولى الأب بشيء؛ لأن هذا ولاء حدث جر ولاء الولد. وهذا مثل الذي أعتق أبوه وأمه مولاة لقوم آخرين في جميع ما وصفت لك. ولو كان الابن الذي أسلم على يدي الرجل ووالاه جنى جناية فلم يقض (٤) بها، أو حفر بئراً فلم يقع فيها أحد، حتى أسر أبوه فاشتراه رجل فأعتقه، ثم قضي بالجناية أو وقع في البئر التي حفر رجل فمات، فإن القاضي يقضي بذلك على عاقلة الذي أسلم على يديه ووالاه، ولا يقضي بها على عاقلة مولى أبيه، والذي يلي الخصومة في ذلك الجاني وإن كان قد صار مولى لقوم آخرين. ولو أن رجلاً من أهل الذمة أسلم فلم يوال (٥) أحداً حتى قتل قتيلاً خطأ فلم يقض (٦) القاضي بذلك حتى والى رجلاً من بني تميم وعاقده فجنى جناية أخرى، ثم إن أولياء الجنايتين الأولى والآخرة رفعوا ذلك إلى القاضي، فإن القاضي يقضي بالجنايتين جميعاً (٧) على بيت المال، ويجعل ولاءه لجماعة المسلمين، ويبطل موالاة الرجل الذي والى؛ لأنه حين جنى أول مرة فقد وجب عقل جنايته على بيت المال، فقد ثبت (٨) ولاؤه لجماعة المسلمين، فليس له أن يجعله لإنسان واحد بعينه. وإن مات ورثة جماعة المسلمين، وجعل ميراثه في بيت مالهم.

стр. 5230

وكذلك لو رمى بسهم أو بحجر خطأ قبل أن يوالي أحداً فلم تقع (١) الرمية حتى والى رجلاً وعاقده ثم وقعت الرمية فقتلت رجلاً (٢) كان هذا والأول سواء، وكانت موالاته باطلاً. ولو أنه حفر بئرأ في طريق المسلمين فلم يقع فيها أحد حتى والى رجلاً وعاقده، ثم وقع في البئر رجل ومات، فإن عليه في ماله دية القتيل في ثلاث سنين من يوم يقضي القاضي بذلك، ويكون ولاؤه للذي والاه، ولا يعقل عنه بيت المال، ولا تعقل (٣) عنه عاقلة الرجل الذي والاه. ولا يشبه هذا ما (٤) مضى قبله من الرمية والجناية؛ لأن البئر ليست بجناية يجب بها (٥) أرش حتى يقع فيها الرجل فيعطب (٦). فقد والى الرجل وليس في عنقه (٧) جناية، فالموالاة جائزة. ولا تعقل (٨) عنه عاقلة الرجل الذي والى، ولا يعقل عنه بيت المال؛ لأنه إن عقل عنه بيت المال رد ولاؤه إلى جماعة المسلمين ولم يكن وجب عليهم عقل ولا جناية قبل خروجه بولائه إلى هذا الرجل فيجعل جنايته في ماله. وكذلك الرجل يسلم فيوالي رجلاً ثم يجني أو يرمي أو يحفر بئراً ثم ينتقل بولائه إلى رجل فهو بمنزلة هذا. فما كان يكون الولاء فيه في الأول لجماعة المسلمين فهو في هذا الرجل الآخر للمولى الأول، فلا ينتقل عنه أبداً. وأما حفر البئر فالجناية فيها عليه في ماله، وولاؤه للآخر. ألا ترى أن حافر البئر لو لم يقع في البئر أحد حتى يتحول بولائه إلى رجل آخر فوالاه وعاقده ثم جنى جنايات كثيرة كان عقلها على عاقلة المولى الآخر علم بحفر البئر أو لم يعلم؛ لأن الجناية لم تجب، ولم يجب بها عقل. أرأيتم إن عقل عنه عاقلة المولى الآخر جنايات كثيرة وعقل هو عنهم أيضاً ثم وقع في البئر

стр. 5231

رجل أيتحول ولاؤه إلى المولى الأول أو إلى (١) بيت المال ويبطل. هذا كله. هذا (٢) لا يستقيم. والأمر فيه على ما وصفت لك. فإن قال قائل: فكيف لم يشبه الولاءَ الذي (٣) ينتقل بعتق الأب - يعني الرجلَ الذي والى رجلاً ثم يحفر بئراً ثم يحوّل بولائه، وهذا ما لم يقض (٤) القاضي بالجناية على العاقلتين اللتين تكون (٥) إحداهما عاقلة له ثم يتحول إلى العاقلة الأخرى - وقد قلت (٦): لو أن رجلاً من أهل الكوفة له عطاء بالكوفة وعاقلته أهل ديوان الكوفة جنى جناية فلم يقض (٧) بها القاضي حتى حول الإمام ديوانه إلى أهل البصرة فصار معهم، ثم رفعه أولياء الجناية إلى القاضي، إنه يقضي بذلك على عاقلته بالبصرة؟ فكيف لم يكن الولاء المنتقل مثل هذا؟ قيل لهم: لا يشبه هذا الولاء؛ لأن الرجل انتقل من ولاء إلى ولاء، فصارت حاله (٨) الثانية غير حالته الأولى، فصارت (٩) حاله حالتين. فما كان في الحال الأولى من الجناية فعلى العاقلة الأولى، وما كان في الحال الثانية من الجناية (١٠) فعلى العاقلة الثانية. وإن صاحب العاقلتين لم يتحول حاله، إنما حاله حالة واحدة، وإنما تحولت عاقلته. وإنما مثل الولاء المنتقل مثل امرأة مسلمة مولاة لبني تميم جنت جناية أو حفرت بئراً فلم يقض (١١) القاضي بالجناية حتى ارتدت عن الإسلام ولحقت بدار الحرب مرتدة،

стр. 5232

فسبيت فصارت أمة، ثم اشتراها رجل من همدان فأعتقها، ثم وقع في البئر رجل فمات، فرفع ذلك إلى القاضي، فقضى بذلك وبالجناية التي كان لم يقض (١) بها، فإنه يقضي بذلك على بني تميم، ولا يتحول العقل عنهم بتحول ولاء المرأة إلى همدان، فصارت حال المرأة حالين (٢) في الولاء الأول والولاء الثاني، فكذلك الولاء هو بمنزلة هذا إذا انتقل، والخصم في الجناية حتى تثبت على بني تميم المرأة أنها هي الجانية (٣). قالوا: فلم لا تجعل العاقلتين هكذا؟ فنقول (٤): إذا جنى وعاقلته أهل عطاء الكوفة ثم حول إلى عطاء البصرة قبل أن يقضى فالجناية لم تتحول عن أهل الكوفة؛ لأنه جنى وهو من أهل الكوفة. قيل لهم: لا يشبه هذا الولاء؛ لأن الرجل إذا قتل القتيل وجبت عليه نفس القتيل، فصارت عليه النفس، ولم يجب على العاقلة حتى يقضى بها ببينة (٥). ولو كانت وجبت على العاقلة قبل أن يقضى بها عليهم ببينة لكان الرجل إذا أقر بقتل خطأ لم يجب عليه بذلك شيء؛ لأنه إنما أقر على العاقلة إلا أن يكون له معهم ديوان، فيكون عليه بالحصة. فهذا (٦) ليس بشيء؛ لأن العقل إنما يجب على العاقلة بالبينة. أرأيتم لو أقر أنه قتل ولي هذا الرجل خطأ وأنه خاصم هذا الرجل إلى قاضي كُورَة (٧) كذا وكذا فقامت بذلك البينة فقضى به القاضي على عاقلته من أهل ديوان الكوفة فقال ولي الجناية: صدقت قد كان هذا، وكذب بذلك العاقلة أكان يجب على الرجل في ماله شيء. ليس يجب عليه في ماله قليل ولا كثير إلا أن يكون له عطاء معهم، فيكون عليه بحصته. أفلا ترون أن الدية إنما تجب

стр. 5233

على العاقلة بقضاء القاضي بالبينة، وأن الإقرار منه يختلف قبل قضاء القاضي وبعده (١). وقد كان أبو حنيفة يقول: لو أن رجلاً قتل رجلاً خطأ فلم يقض (٢) عليه القاضي بالدية حتى صالحه على عشرين ألف درهم، أو على مائتي بعير، أو على ألفي دينار، أو ثلاثة آلاف شاة، أو ثلاثمائة بقرة، لم يجز ذلك، ورد ذلك إلى الدية. وكان يقول: لو قضى القاضي بألف دينار فصالح على عشرين ألف درهم كان جائزاً. وكذلك لو صالح على مائتي بعير بأعيانها كان جائزاً؛ لأنه يقول: النفس لم تصر مالاً من هذه الأموال حتى يقضي بها القاضي. أولا (٣) ترون أيضاً لو أن رجلاً أقر عند القاضي بقتل رجل خطأ وأقام ولي الجناية عليه البينة بالدية قضينا بالدية على العاقلة، ولم نلتفت (٤) إلى إقرار الجاني. فإن قال ولي الجناية (٥): إني لا أعلم أن لي بينة فاقض لي عليه في ماله، فقضيت عليه بالدية في ماله مال الجاني بإقراره ثم أصاب ولي الجناية بينة وأراد أن يحول (٦) ذلك إلى العاقلة عاقلة الجاني لم يكن له ذلك؛ لأني قضيت به في ماله فلا أحوله إلى غيره. ولو أنه أقر فقال ولي الجناية للقاضي: لا تعجل بالقضاء لي في ماله لعلي أجد بينة، فأخره (٧) القاضي ثم وجد بينة قضى له القاضي على العاقلة. ولا يشبه قضاء القاضي على العاقلة غير قضائه؛ لأن الحق لا يلزم العاقلة إلا بالقضاء. قالوا: هذا كما تقول (٨)، لا يلزم العاقلة العقل إلا بالقضاء (٩). والولاء المنتقل لا يلزم العاقلة (١٠) العقل فيه إلا بالقضاء. ولكنك تقضي به على

стр. 5234

الأولين، فكيف لم تقض (١) بهذا على الأولين وتجعله مثل الولاء المنتقل؟ فأما الولاء المنتقل فقد وضح بالمرأة المرتدة، فاجعل هذا بمنزلة ذلك. قيل لهم: هذا لا يشبه ذلك. أرأيتم رجلاً من أهل البادية حفر بئراً في البادية ثم إن الإمام أمر بأهل البادية فنقلوا إلى الأمصار، فتفرقوا فيها، فصاروا أصحاب أَعْطِيَة، وعقلوا زماناً طويلاً، ثم إن رجلاً وقع في تلك البئر، أيعود العقل إلى أن يكون على أهل البادية كما كان على الأنساب في الأموال، وتكون عليهم الإبل إن كانوا من أهل الإبل أو من أهل الغنم أو من أهل البقر دون الأَعْطِيَات وهي الدراهم والدنانير. أرأيتم إن كان (٢) رجل من أهل العطاء في مصر من الأمصار فحفر بئراً ثم إن الإمام أبطل عطاء ذلك المصر وردهم إلى أنسابهم، فتعاقلوا عليها (٣) زمانأ طويلاً، ثم وقع في البئر رجل فمات، أيبطل دمه لأن تلك العاقلة قط بطلت حين ذهب الديوان. إن العاقلة إنما جعلوا عوناً للرجل على جنايته، ولم تجن (٤) العاقلة شيئاً. فإنما يكون ذلك عليهم يوم يجب المال الذي ينبغي لهم أن يعينوا فيه. والرجل لم يخرج من نسبه ولم يتحول إلى غير ذلك، إنما جعلت عاقلته قوماً، ثم صرفت تلك العاقلة بعينها إلى عاقلة أخرى. وأنا (٥) أقول أيضاً أشد من هذا (٦): لو أن أهل عطاء الكوفة جنى رجل منهم جناية فقضي بها على عاقلته، ثم أُلحق قومٌ (٧) من قومه من أهل البادية ومن أهل المصر لم يكن لهم عطاء في الديوان، وجعلوا مع قومهم، عقلوا معهم، ودخلوا معهم فيما لم يقض (٨) به من الجناية وفيما قضي به، فإن كان الذي قضي به قد أدى بعضه دخلوا فيما بقي. قالوا: وكيف أفترق هذا والعاقلتان المختلفتان (٩) في قضاء القاضي؟

стр. 5235

قيل لهم: لا يشبه قضاء القاضي في العاقلتين (١) العاقلة الواحدة. ألا ترى أن القاضي لو قضى بالعقل على قومه من أهل العطاء، فأدوا ثلثي الدية، ثم ماتوا أو قتلوا (٢)، فأجحف [بهم] (٣) أخذ ما بقي منهم، ضم (٤) إليهم أقرب القبائل منهم في النسب ممن في العطاء حتى يعقلوا معهم، وقد كانوا قبل ذلك ليسوا معهم. وكذلك الذين ألحقوا في الديوان وجعلوا معهم يدخلون معهم فيما قضي به وفيما (٥) لم يقض (٦) به؛ لأنها عاقلة واحدة. وأصل هذا (٧): إذا كانت عاقلتان مختلفتان (٨) لا تعقل (٩) إحداهما عن صاحبتها فانتقل (١٠) من عاقلة إلى عاقلة قبل القضاء، فرفع إلى القاضي وهو من أهل هذه العاقلة الآخرة، قضى على عاقلته الذين هم عاقلته يوم يقضي. فإن كان قد قضى على الأولين لم يحول قضاؤه على الآخرين وقد لزم الأولين. وهذا بمنزلة إقرار الرجل إذا قضي عليه في ماله لم يتحول على العاقلة ببينة (١١) تقوم على ذلك. وما لم يقض (١٢) به القاضي في مال المقر فإن ولي الجناية إن أقام البينة قضى بذلك القاضي على العاقلة. وإذا كانت عاقلة واحدة فالقضاء فيها وغير القضاء سواء، يقضي بذلك عليهم في أعطياتهم الذين ألحقوا وغيرهم. ومما يُبَيِّن (١٣) لك أيضاً أمر (١٤) العاقلتين أن رجلاً لو جنى جناية وهو وقومه من أهل البادية من أهل الإبل فلم يقض بالجناية حتى نقل الإمام الرجل وقومه نجعلوا أهل عطاء وجعل (١٥) عطاءهم

стр. 5236

الدنانير، ثم رفع ذلك إلى القاضي، فقضى عليهم بالدية ألف دينار، ولم يقض عليهم بالإبل ولا بقيمة الإبل. ولو كان قضى عليهم بالإبل بمائة في ثلاث سنين ثم إن الإمام نقل الرجل وقومه ففرض لهم وجعلوا أهل عطاء وجعلت أعطياتهم الدنانير قضى القاضي عليهم بالإبل أو بقيمتها على حالها التي كانت عليه. فإن لم يكن لهم مال (١) غير العطاء أخذ منهم قيمة الإبل من أعطياتهم إن قلت قيمة الإبل أو كثرت ولم يحولهم إلى الدنانير. وكذلك الدراهم والغنم والبقر والحلل إذا لم يقض (٢) القاضي بذلك حتى يتحولوا من مال إلى مال آخر قضي عليهم بالدية من المال الذي تحولوا إليه. وإذا قضى عليهم بالدية من مال ثم تحولوا قبل أن يؤدوها حتى يصيروا أهل مال آخر لم يتحولوا (٣) إلى غير ما قضى به عليهم. أفلا ترى (٤) أن النفس إنما هي على الجاني، ولم تصر على العاقلة حتى يقضي بها عليهم على حالهم يوم يقضي، فكذلك الأول. وعلى هذا جميع هذا الوجه وقياسه في قياس (٥) قول أبي حنيفة وقول محمد بن الحسن. [هذا آخر كتاب أبي نصر زكريا بن يحيى [في] (٦) المعاقل (٧). وهذا الباقي زيادة في كتاب ابن سنان:] (٨). قال محمد بن الحسن: ولو أن رجلاً من أهل الذمة أسلم فوالى رجلاً وعاقده كان مولاه. فإن جنى المولى الذي أسلم جناية (٩) خطأ ببينة (١٠) فلم

стр. 5237

يقض (١) بها القاضي على (٢) العاقلة (٣) حتى أبرأ (٤) أولياء المجني عليه الجاني من الجناية فللجاني أن يتحول بولائه عن الذي والى. [وإن] (٥) كان القاضي قضى على العاقلة بالدية فلم يؤدوها حتى أبرأ (٦) الأولياء العاقلة من الدية لم يكن للمولى أن يتحول بولائه عن الذي والى؛ لأن المال لما صار على العاقلة كان أخذه منهم وهبته لهم سواء، ولذلك (٧) لم يكن له أن يتحول بولائه عن الذي والى. ولو أقر الجاني بالجناية إقراراً (٨) ولم يقم بينة بها فقضى بها القاضي على الجاني في ماله في ثلاث سنين فأداها ثم أراد أن يتحول بولائه عن الذي والاه فله أن يتحول؛ لأن العاقلة لم تعقل عنه شيئاً ولم يجب عليها بجنايته شيء. ولو لم يجن (٩) ولكنه التحق معهم في ديوانهم، فصار العاقلة معهم، فجنى بعضهم جناية، فعقل عنهم معهم، ثم أراد أن يتحول بولائه عنهبم فليس له أن يتحول بولائه عنهم. ألا ترى أن مولاه الذي والاه ليس يحوله (١٠) إذا عقل عنهم، فكذلك ليس له أن يتحول. ألا ترى أن المولى لو عقل عنه (١١) لم يكن له أن يحوله عنه (١٢) بولائه كما ليس له أن يتحول، وقد كان لكل واحد منهما قبل العقل أن يحول الولاء عن صاحبه. فإذا لم يكن لأحدهما أن يحول الولاء لم يكن للآخر أن يحوله، وإذا كان لأحدهما أن يحول الولاء كان للآخر أن يحوله. وقد قال (١٣) أبو حنيفة: إذا والى الرجل رجلاً وعاقده فلكل (١٤) واحد

стр. 5238

منهما أن يحول الولاء عن نفسه ما لم يعقل المولى الأسفل. وكذلك قال أبو يوسف ومحمد. وقالا: ليس لواحد منهما أن يخرج من ولاء صاحبه إلا بمحضر منه إلا في خصلة واحدة: المولى (١) الأسفل إن والى غير مولاه الأعلى كان خارجاً من ولاء الأول وإن لم يحضر ذلك الأول. وهذا ما لم يعقل عن المولى الأسفل أو يعقل الأسفل عن مولاه الأعلى. فإذا عقل أحدهما عن صاحبه أو معه لم يكن لواحد منهما أن يحول الولاء عن صاحبه. ولكن المولى الأسفل لو اكتتب مع عاقلة الأعلى في الديوان وأخذ معهم العطاء، إلا أنه لم يعقل عن أحد منهم ولا هم أيضاً عقلوا عنه، فلكل (٢) واحد من الموليين أن يحول الولاء؛ لأن العقل لم يجب على واحد منهما (٣).

стр. 5239

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) كتاب الحيل أخبرنا محمد بن حمدان قال: أخبرنا أبو ساهر قال: أخبرني محمد بن هارون الأنصاري عن محمد بن الحسن قال: حدثنا سلمة بن صالح عن يزيد الواسطي عن عبد الكريم عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: سئل رسول الله ﷺ عن آية من كتاب الله، فقال: "لا أخرج من المسجد حتى أخبرك بها". فقام (٢) رسول الله ﷺ ، فلما أخرج إحدى رجليه أخبره بالآية قبل أن يخرج الرجل الأخرى (٣). محمد عن قيس بن الربيع عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: في معاريض الكلام لما يغني المسلم عن الكذب (٤).

стр. 5240

محمد عن قيس عن حماد عن إبراهيم في رجل أخذه رجل فقال: إن لي معك حقاً. فقال: لا. فقال (١): احلف بالمشي إلى بيت الله ، [قال: احلف] (٢) واعن مسجد حيك (٣). محمد عن قيس عن الأعمش عن إبراهيم (٤) قال لى رجل: إن فلاناً أمرني أن آتي مكان كذا وكذا، وأنا لا أقدر على ذلك، فكيف الحيلة لي؟ قال: قل له: والله ما أبصر إلا ما سدّدني غيري، أعْنِي: إلا ما بصّرك ربك. محمد عن قيس عن هشام بن حسان عن ابن سيرين قال: كان رجل من باهلة (٥) عَيُوناً (٦)، فرأى (٧) بغلة لشريح، فأعجبته. فقال له شريح: أما إنها إن رَبَضَت (٨) لم تقم حتى تقام، يعني أن الله هو الذي يقيمها بقدرته، فمّال الرجل: أف أف. محمد عن مِسْعَر بن كِدَام (٩) عن عبد الملك بن ميسرة عن النزّال بن سَبْرة (١٠) قال: جعل حذيفة بن اليمان يحلف لعثمان بن عفان على أشياء (١١)

стр. 5241

بالله ما قالها، وسمعناها منه يقولها، فسمعناه بعد ذلك يقول: إني لأشتري ديني بعضه ببعض مخافة أن يذهب كله (١). محمد عن مِسْعَر بن كِدَام عن وبرة عن عبد الله (٢) بن عمر أنه قال: لأن أحلف بالله كاذباً أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقاً (٣). محمد عن قيس بن الربيع عن الأعمش عن إبراهيم قال: قال له رجل: إني ذكرت من رجل شيئاً، فبلغه، فكيف المخرج من ذلك، أم كيف أعتذر إليه؟ فقال له إبراهيم: قل: والله إن الله ليعلم ما قلت لك من ذلك من شيء. فإن الله يعلم حين قلت ما قلت، خيراً قلت أم شراً أم لم تفعل. محمد عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم قال: إن اليمين على نية الحالف إذا كان مظلوماً، وإذا كان (٤) ظالماً فهي على نية المستحلف (٥). محمد عن الحسن بن عمارة عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس أنه (٦) قال: ما يسرني (٧) بمعاريض الكلام حمر النعم (٨). بعض أصحابنا (٩) عن عمر قال: إن في معاريض الكلام لمندوحة عن الكذب (١٠).

стр. 5242

محمد عن عقبة بن أبي العَيْزار (١) قال: كنا نأتي إبراهيم النخعي وهو متغيب من الحجاج بن يوسف. فكنا إذا خرجنا من عنده يقول لنا: إن أنتم سئلتم عني وحلفتم فاحلفوا بالله: ما ندري أين هو ولا لنا به علم ولا في أي موضع هو. وانووا (٢) أنكم لا تدرون في أي موضع أنا فيه، قائم ولا قاعد ولا نائم. قال عقبة بن أبي العيزار (٣): وأتاه رجل، فقال: يا أبا عمران، رزقي في الديوان، وإني اعترضت (٤) على دابة، وإن دابتي نفقت، وإنهم يريدون أن يحلّفوني بالله أنها الدابة التي اعترضت عليها، فكيف المخرج من ذلك؟ فقال إبراهيم: اذهب فاركب دابة، فاعترض عليها على بطنك (٥). قال عقبة: وأتاه رجل، فقال له: يا أبا عمران، إن الأمير يريد أن يضرب علي البعث، وقد أخبرته أني لا أبصر، وأنا أبصر قليلاً، وإنه يريد أن يحلّفني بالله ما أبصر، فما المخرج؟ فقال له إبراهيم: احلف بالله ما تبصر إلا ما سدّدك (٦) غيرك، وَاعْنِ أن الله الذي يسدّدك (٧). أبو عبد الله عن الأعمش عن خيثمة بن (٨) عبد الرحمن عن سويد بن غَفَلَة قال: قال علي: إذا حدثتكم عن رسول الله ﷺ فهو كما حدثتكم، فو الله أن أَخِرَّ من السماء أحب إلي من أن أكذب على رسول الله ﷺ ، وإذا سمعتموني أحدثكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة (٩).

стр. 5243

محمد عن داود (١) عن شهر بن حوشب رفعه إلى النبي ﷺ : "كل كذب مكتوب (٢) لا محالة، إلا الرجل يَعِد امرأته وولده، والرجل يصلح بين اثنين، والحرب، فإن الحرب خدعة" (٣). محمد عن أبي العَطُوف عن الزهري عن حميد بن عبدالرحمن عن أمه أم كلثوم (٤) وكانت من المهاجرات اللاتي هاجرن مع رسول الله ﷺ قالت: سمعته يقول: "ليس بالكذاب الذي يصلح بين الناس فيَنْمِي (٥) خيراً أو ينوي خيراً". وقال: "ليس يرخص في شيء مما يقول الناس من الكذب إلا في ثلاث: الإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها" (٦). محمد عن جرير عن منصور عن إبراهيم قال: كان لهم كلام يدرؤون به عن أنفسهم العقوبة والبلاء (٧). …

стр. 5244

باب الحيل في إجارة الدور قلت: أرأيت رجلاً استأجر من رجل داراً (١) سنين معلومة، فخاف أن يغدر به رب الدار، فكيف الثقة له في ذلك؟ قال: فليسم لأول سنة مين السنين أجراً قليلاً، ويجعل للسنة (٢) الآخرة أجراً كثيراً، فيكون في ذلك ثقة للمستأجر. قلت: أرأيت إن كان (٣) رب الدار هو الذي يخاف غدر المستأجر، فخاف أن يسكن بعض السنين، ويعطل الدار بعد ذلك، فكيف الثقة له في ذلك؟ قال: فليؤاجرها (٤) إياه سنين مسماة، ويجعل عُظْم (٥) أجر هذه السنين في السنة الأولى، ويجعل ما بقي بعد ذلك من الأجر لما بقي من السنين. قلت: فيكون ذلك ثقة عندكم لرب الدار؟ قال: نعم. قلت: أرأيت رجلاً أراد أن يؤاجر رجلاً داره، فخاف رب الدار أن يغيب المستأجر، ويحتاج رب الدار إلى (٦) داره، فلا يدفعها إليه أهل المستأجر الغائب، هل في ذلك وجه ثقة؟ قال: نعم. قلت: فما الوجه في ذلك؟ قال (٧): يؤاجرها رب الدار مين امرأة المستأجر الذي يخاف غيبته، ويُضمّن الزوج أن يرد عليه الدار متى ما احتاج إلى تفريغها إن جحدت المرأة أو أنكرت الإجارة. قلت: ويجوز هذا؟ قال: نعم. قلت: فإن غاب الزوج فللمؤاجر أن يخرج المرأة وعيال الغائب من الدار؟ قال؛ نعم إن أراد ذلك. قلت: وكذلك إن مات الزوج؟ قال: نعم. قلت: أرأيت إن ماتت المرأة، أو جحدت الإجارة أو ادعت أن الدار دارها، أيضمن الزوج للمؤاجر أن يسلم الدار إليه كما اشترط رب الدار عليه؟ قال: نعم إذا قامت عليه البينة (٨) بالضمان كما وصفت.

стр. 5245

قلت: أرأيت إن كان المستأجر ليس بمليء بأجر الدار، كيف الثقة لرب الدار؟ قال: يأخذ منه كفيلاً بأجر الدار ما سكنها أبداً، ويسمي أجر كل شهر للضمين، ويشهد عليه بذلك. قلت: أرأيت رجلاً استأجر من رجل داراً وليس فيها بناء، وأذن له رب الدار أن يبنيها، ويحسب له رب الدار ما أنفق في البناء من أجر الدار ما بينه وبين كذا وكذا درهماً، أيجوز ذلك؟ قال: نعم. قلت: فإن أنفق المستأجر وبنى الدار فقال: أنفقت كذا وكذا درهماً، وأنكر ذلك رب الدار وقال: أنفقت أقل من ذلك؟ قال: القول قول رب الدار مع يمينه. قلت: فإن كان رب الدار قد أشهد أن المستأجر مصدق على ما قال: إنه أنفقه؟ قال: ليس ذلك بشيء، ولا يصدق المستأجر أنه أنفق شيئاً إلا ببينة، والقول قول رب الدار. قلت: أرأيت إن جحد رب الدار أن يكون المستأجر بنى فيها شيئاً، وقال: آجرته داري على حالها وبنائها؟ قال: القول قوله مع يمينه، ولا يصدق المستأجر إلا ببينة. قلت: فكيف الثقة للمستأجر حتى يصدق فيما قال: إني قد أنفقته، ولا يلتفت إلى قول رب الدار؟ قال: يسلف المستأجر رب الدار من أجرة الدار بقدر ما يكتفي به من نفقة الدار، ويشهد على رب الدار بقبض ذلك من أجر الدار، ثم يدفع رب الدار إلى المستأجر ما أخذ منه، ويوكله بالنفقة على داره. قلت: فيصدق المستأجر حينئذ على أنه قد أنفق ما دفع إليه من الدراهم على الدار؟ قال: نعم إن كان ذلك نفقة بقَصْد، وهذا ثقة للمستأجر. قلت: فإن قال المستأجر: قد ضاعت الدراهم التي دفعت إلي (١) وأمرتني بنفقتها؟ قال: القول قوله مع يمينه. قلت: أرأيت رجلاً أراد أن يؤاجر داراً له من رجل سنة، وخاف رب الدار إن طلب داره فلا يدفعها المستأجر إليه ويَشْغَب (٢) عليه، كيف الثقة

стр. 5246

للمؤاجر؟ قال: يؤاجرها إياه سنة من يومه، على أن أجر كل يوم بعد مضي السنة دينار أو أكثر من ذلك إن شاء رب الدار. قلت: ويجوز هذا على هذا الشرط؟ قال: نعم، وهو ثقة لرب الدار فيما أراد. قلت: أرأيت رجلاً أراد أن يستأجر من رجل داراً، فأخذ رب الدار من المستأجر كفيلاً بأجر (١) ما سكن الدار، فاجتمع على المستأجر من أجر الدار مال كثير، فأخذ المؤاجر الكفيل بالأجر، فأراد الكفيل مصالحة رب الدار على بعض الأجر، وأعطاه بعض (٢) الأجر، وحط عنه وعن المستأجر ما بقي، أيجوز ذلك؟ قال: نعم. قلت: فإن أراد رب الدار أن يكون ما حط من ذلك على المستأجر، ويبرأ الكفيل منه، كيف الثقة في ذلك؟ قال: يصالح الكفيل على ما ذكرت من الدراهم على أن يبرأ الكفيل خاصة من الذي بقي من أجر الدار، على أن الذي يبقى لرب الدار على المستأجر على حالته. قلت: ويجوز هذا؟ قال: نعم. قلت: فإن أراد الكفيل أن يكون هو الذي يعطي بعض ما ضمنه، ويبرأ هو وصاحبه المستأجر، وأراد أن يرجع على المستأجر بما أعطى عنه وما حط عنه رب الدار، هل في ذلك وجه ثقة؟ قال: نعم؛ يعطي الكفيل رب الدار ما وجب له من أجر الدار دنانير، ويقر له رب الدار بالدنانير، فيكون للكفيل جميع ما وجب من أجر الدار على المستأجر دراهم، يأخذه بجميعها. قلت: ويطيب ذلك للكفيل ويسعه فيما بينه وبين الله تعالى؟ قال: نعم. قلت: وكذلك لو كان الكفيل إنما ضمن عنه شيئاً سوى أجر الدار من دين أو صداق أو غير ذلك فهو سواء؟ قال: نعم. قلت: أرأيت إن كان إنما استأجر المستأجر الدار كل سنة بكُرّ حنطة، فأخذ الكفيل المستأجر بما ضمن عنه، فأدى إليه على وجه الاقتضاء كر حنطة، فباعه المؤاجر (٣) الكفيل، وأعطاه الكفيل دراهم أقل من ثمن الكر بالكر، وقبل ذلك منه المؤاجر؟ قال: ذلك جائز، والفضل حلال للكفيل.

стр. 5247

ولو كان الكفيل إنما أخذ الكر على وجه الرسالة، فباع الكر، ثم رخص الطعام، فاشترى لرب الدار طعاماً مثله، فقضاه إياه، لم يطب (١) الفضل للكفيل، وعليه أن يتصدق به. ولو كان الكفيل حيث أخذ الطعام على وجه الرسالة، فباعه في حال الغلاء، ثم رخص الطعام، فأعطى الكفيل رب الدار بالكر الذي وجب له عليه دراهم أقل من ثمن الكر الذي باعه الوكيل، جاز ذلك، وبرئ الكفيل من ضمان الكر الذي باعه (٢). قلت: فإن كان استفضل من ثمن الكر شيئاً أيطيب ذلك له؟ قال: لا؛ لأنه غاصب له حيث باعه ولم يؤمر ببيعه. قلت: وكذلك لو كان أجر الدار دراهم، فاقتضاها الكفيل من المستأجر، ثم اشترى بها وباع وربح، أيطيب له الفضل؟ قال: نعم. قلت: فإن كان الكفيل إنما أخذ الدراهم على وجه الرسالة فاشترى به وباع وربح؟ قال: يتصدق بالفضل في قياس قول أبي حنيفة. وأما في قياس قول أبي يوسف فإن الربح له طيب. قلت: فهل عندكم في هذا وجه ثقة يطيب له ربح الأجر الذي يرسل به مع الكفيل؟ قال: نعم؛ يشتري الكفيل متاعاً لا ينوي أن يعطي ثمنه من أجر الدار. فإن أعطاه بعد ذلك لم يفسد ذلك عليه ربح متاعه ولم يحرمه عليه. قلت: ويستقيم هذا؟ قال: نعم. وقال أبو يوسف: سألت أبا حنيفة عنْ وجه الثقة في ذلك، فأجابني بما وصفت لك. قلت: فهل في هذا وجه هو أوفق من هذا؟ قال: نعم؛ يعطي الكفيل أجر الدار دنانير بما كان (٣) عليه. قلت: يشتري الكفيل بذلك؟ قال: نعم (٤)؛ ثم يشتري الكفيل بمال نفسه متاعاً، فيطيب له فضل مال نفسه. قلت: أرأيت رجلاً تكارى إبلاً (٥) بمتاع له إلى مصر بمائة دينار، فإن قصر عنها إلى الرملة فكراء الجَمّال سبعون ديناراً، فإن قصر عن الرملة إلى

стр. 5248

أذرعات فكراء الجمال خمسون (١) ديناراً، فاستأجر على هذا الشرط؟ قال: الإجارة على هذا الشرط فاسدة، فإن حمل الجمال إلى مصر فإني أستحسن أن أجيز ذلك (٢). قلت: فكيف الثقة للجمال وللمستأجر (٣) حتى يجوز ذلك على هذا الشرط وحتى لا يفسد ما أخذ؟ قال: يستأجر رب المتاع من الجمال إلى أذرعات (٤) بخمسين ديناراً، ويستأجر منه من أذرعات (٥) إلى الرملة بعشرين ديناراً، ويستأجر منه من الرملة (٦) إلى مصر بثلاثين ديناراً، فإذا فعل هذا جاز على ما سمينا، ولم يفسد هذا الشرط أحد. قلت: أرأيت إن أراد صاحب المتاع أن لا يحمل من أذرعات إلى الرملة؟ قال: ذلك له، وليس لصاحب الإبل إن أراد صاحب المتاع أن يحمل إلى الرملة من أذرعات (٧) أن يمنع من ذلك. … باب إجارة الأرضين والثقة في ذلك قلت: أرأيت رجلاً أراد أن يؤاجر أرضاً له وفيها زرع هل في ذلك وجه ثقة؟ قال: لا؛ إلا في خصلة واحدة: أنه يبيعه رب الأرض الزرع، ثم يؤاجره الأرض ما أحب من السنين. قلت: ويكون ذلك جائزاً؟ قال: نعم. قلت: أرأيت لو كان الزرع إنما هو لغير رب الأرض، ولا يقدر رب الأرض على أن يسلم المستأجر الزرع؟ قال: فليؤاجره الأرض كل سنة بكذا وكذا (٨)، كذا وكذا سنة بعد مضي السنة التي فيها الزرع، فيجوز ذلك.

стр. 5249

قلت: أرأيت إن أراد رب الأرض أن يشترط على المستأجر أن عليك خراج الأرض مع أجرها؟ قال: لا يجوز ذلك. قلت: فهل في هذا وجه ثقة حتى يجوز ولا تفسد الإجارة؟ قال: نعم؛ يؤاجرها إياه بأجر، ويزيد فيه قدر ما يرى أنه يلزم الأرض من الخراج، ويشهد للمستأجر أنه قد أذن له أن يؤدي عنه من أجر الأرض في خراجها كذا وكذا درهماً. قلت: فهل في هذا وجه أوثق من هذا؟ قال: نعم يدفع المستأجر إلى رب الأرض جميع أجر (١) الأرض، ثم يدفع (٢) ذلك رب الأرض إلى المستأجر، ويوكله أن يؤديه عنه إلى ولاة الخراج، فيكون المستأجر أميناً مصدقاً أنه أداه بغير بينة يسألها إياه. قلت: أرأيت إجارة النخل والشجر هل تجوز؟ قال: لا. قلت: فكيف الحيلة في ذلك؟ قال: يستأجر الأرض المستأجر بأجر مسمى، ويزيده فيها، ويدفع (٣) إليه النخل معاملة، ويشترط رب الأرض مما أخرج النخل جزء من ألف جزء، فيجوز ذلك. قلت: أرأيت الرجل يريد أن يؤاجر أرضاً له، ويجعل أجرها زراعة أرض أخرى له (٤)، أيجوز ذلك؟ قال: لا؛ كان أبو حنيفة وغيره يكرهون ذلك. قلت: فهل في ذلك وجه ثقة حتى يجوز ويستقيم؟ قال: نعم؛ يؤاجر أحدهما أرضه من صاحبه بكذا (٥) وكذا درهماً، ثم يستأجر المؤاجر أرض صاحبه بمثل تلك الدراهم، فيجوز ذلك، ويصير ما وجب على كل واحد منهما من أجر الأرض خاصة قصاصاً بما عليه لصاحبه. قلت: وكذلك لو كان مكان الأرضين (٦) داران أو دابتان؟ قال: نعم. قلت: فلو كان لأحدهما أرض وللآخر عبد فأراد صاحب الأرض أن يؤاجر أرضه سنة من صاحب العبد بخدمته سنة؟ قال: هذا جائز لا بأس به.

стр. 5250

قلت: أرأيت الرجل يستأجر أرضاً بألف درهم سنة (١)، فأراد المستأجر أن يجعل لرب الأرض دنانير بالأجر، يجوز ذلك؟ قال: نعم؛ أخبرني مالك بن مِغْوَل عن القاسمٍ بن صفوان قال: أكريت عبد الله بن عمر إبلاً بوَرِق، فأرسل معي رسولاً بذهب، وقال له: اعرضه على السوق، فإذا قامت على ثمن فإن شاء فأعطه إياه بأجره، وإن شاء فبعه له، فأعطه وَرِقه. فقلت: يا أبا عبد الرحمن (٢)، أيصلح هذا؟ قال: نعم؛ إنك ولدت وأنت صغير (٣). … باب الوجه في الخدمة وفضول أجورهم والثقة في ذلك شعبة (٤) بن الحجاج عن حماد عن إبراهيم في رجل استأجر داراً فآجرها بأكثر من أجرها، أنه قال: ذلك ربا (٥). وقال أبو حنيفة: إذا استأجر الرجل عبداً يخدمه فأراد أن يؤاجره من غيره ليخدمه كان ذلك له، ولا يكون مخالفاً، وإن كان (٦) استفضل (٧) في أجره شيئاً لم يطب له الفضل إلا أن يعينه ببعض متاعه، أو يعينه (٨) المستأجر الأول في عمله بشيء قليل، أو بشيء بنفسه أو ببعض أجرائه، فإن فعل ذلك طاب له الفضل.

стр. 5251

قلت: أرأيت إن استأجر دابة فأسرجها المستأجر من عنده بسَرْج، أو وَكَّفَها (١)، ثم آجرها، هل يطيب له الفضل؟ قال: نعم؛ إلا أن يكون استأجر الدابة ليركبها هو أو رجل (٢) غيره بعينه. وإن كان كذلك لم يطب له الفضل؛ لأنه ليس له أن يؤاجرها من غيره. قلت: أرأيت رجلاً تكارى داراً ولم يرها، أيكون له الخيار إذا رآها؟ قال: نعم. قلت: فإن رآها فرضي، ثم أصاب بها عيباً، أله أن ينقض الإجارة؟ قال: لا؛ إلا أن يكون العيب ينقص من سكناها. قلت: أرأيت رجلاً استأجر داراً فكنسها من التراب، ثم آجرها بأكثر من أجرها، أيطيب له الفضل؟ قال: لا. قلت: فإن طين سطوحها أيطيب له الفضل؟ قال: نعم؛ بلغنا نحو (٣) من ذلك عن إبراهيم (٤). قلت: أرأيت إذا استأجر الرجل دابة بكذا وكذا درهماً إلى بغداد على أن علفها على المستأجر أيجوز ذلك؟ قال: لا. قلت: فكيف وجه الثقة في ذلك حتى يجوز ويصلح؟ قال: يسمي قدر علف الدابة، ويزيد ذلك في الأجر، ويوكله رب الدابة أن يعلفها بتلك الزيادة. قلت: وكذلك لو استأجر أجيراً يخدمه بكذا وكذا درهماً وطعامه لم يجز إلا على ما ذكرت لك في الباب الأول؟ قال: نعم؛ إلا في الظئر خاصة. فإن أبا حنيفة استحسن أن يجبز ذلك في الظئر خاصة إن استأجرها رجل ترضع صبيه كل شهر بكذا وكذا درهماً وطعامها. قلت: أرأيت رجلاً استأجر دابة أو داراً أو عبداً أو أمة كل شهر بكذا وكذا درهماً، وسكنها شهراً، ثم مضى من الشهر الداخل يوم

стр. 5252

أو (١) يومان أو أكثر من ذلك، ثم أراد أن يتحول إلى دار له أخرى، فأبى صاحبه أن يدعه حتى يستوفي ذلك الشهر؟ قال: ذلك لصاحب الدار أن يأخذه بالشهر كله، إن شاء سكن، وإن شاء لم يسكن. قلت: فهل في ذلك وجه ثقة حتى يكون المستأجر متى ما أحب خرج ولا يلزمه إجارة بقية الشهر؟ قال: نعم؛ والثقة في ذلك أن يستأجرها كل يوم بأجر معلوم، فيكون له أن يخرج متى ما أحب، وينقض الإجارة متى ما شاء. … باب الحيلة فيى الوكالة والثقة في ذلك قلت: أرأيت رجلاً وكل رجلاً يشتري له جارية بعينها بكذا وكذا درهماً، فلما رآها الوكيل أراد أن يشتريها لنفسه ولا يدخل عليه إثم فيما بينه وبين الله تعالى، فأراد وجهاً يجوز له؟ قال: يشتريها الوكيل لنفسه بدنانير، فتكون له ولا شيء للآمر فيها. قلت: فإن كان اشتراها بما سمى الآمر من الدراهم أو أقل من ذلك غير أن الوكيل نوى أن يكون الشرى لنفسه؟ قال: نيته باطلة، والجارية للآمر. قلت: فإن كان أشهد على ذلك قبل أن يشتريها وقال: إني لست أبتاعها لفلان، وإنما أشتريها لنفسي، فاشهدوا، ثم اشتراها ساعتئذ؟ قال: الجارية للآمر، وما صنع الوكيل باطل. قلت: أرأيت إن كان اشتراها بدراهم أكثر مما سمى له الآمر؟ قال: الجارية للوكيل، ولا شيء للآمر. قلت: أرأيت إن كان الآمر قال للوكيل: اشتر لي هذه الجارية، ولم يسم له ثمناً، فاشتراها بحنطة بعينها أو بغير عينها؟ قال: الوكيل مخالف، ولا يلزم (٢) الآمر، والشرى للوكيل. قلت: أرأيت إن وكله بشرى هذه الجارية، فأمر الوكيل رجلاً غيره

стр. 5253

ليشتريها للوكيل الأول، فاشتراها الوكيل (١) الثاني بغير محضر من الوكيل الأول؟ قال: فالشرى للوكيل الأول دون الآمر الأول. قلت: أرأيت إن كان (٢) الآمر الأول أمر الوكيل الأول (٣) أن يعمك في ذلك برأيه، فوكل الوكيل الأول هذا الوكيل (٤) الثاني فاشتراها؟ قال: الشرى للآمر الأول إذا كان على ما وصفت. قلت: أرأيت إن كان الوكيل الأول قد اشترى الجارية وقبضها، ثم وجد بها عيباً قبل أن يدفعها إلى الآمر، فردها الوكيل على البائع بالعيب بقضاء قاض، ثم أراد الوكيل أن يشتري هذه الجارية بعد ذلك لنفسه؟ قال: لا يكون الشرى الثاني إلا للآمر، إلا أن يشتريها الوكيل بعرض من العروض بعينه أو بغير عينه، سوى الدراهم والدنانير. فإن اشتراها بعرض من العروض كان الشرى للوكيل خاصة ولا يكون للآمر. قلت: أرأيت الرجل يوكل الرجل ببيع جارية أو عرض من العروض، فأراد الوكيل أن يشتري ذلك لنفسه من نفسه، هل في ذلك وجه يستقيم؟ قال: نعم؛ الوجه في ذلك أن يبيع ذلك الوكيل بما يساوي من رجل يثق به، ثم يدفعه إلى المشتري، ثم يشتريه (٥) بعد ذلك الوكيل لنفسه. قلت: أرأيت إن كان اشتراها من المشتري قبل أن يقبضها المشتري أو استقاله الوكيل البيع، أو سأله أن يولّيه إياه (٦)، ففعل ذلك المشتري (٧)، وذلك كله من قبل أن يقبض المشتري البيع، أيجوز ذلك للوكيل؟ قال: نعم؛ المبيع في ذلك كله للوكيل، ولا يكون للآمر. قلت: أرأيت إن كان المشتري وجد بالمبيع عيباً قبل أن يقبضه، فرده على الوكيل بغير قضاء قاض، لمن يكون البيع، للآمر أو للوكيل؟ قال: بل يكون للآمر، ولا يكون للوكيل. قلت: فإن كان المشتري قد قبض المبيع ثم رده (٨) بهذا العيب بغير قضاء قاض؟

стр. 5254

قال: إذاً يكون المبيع للوكيل، ولا يكون للآمر. قلت: أرأيت إن أراد الوكيل أن يعود إلى ملك الآمر ولا يلزمه، وإنما أراد ذلك بعدما قبل الجارية بالعيب بغير قضاء قاض، هل في ذلك وجه يستقيم؟ قال: لا. قلت: أرأيت الوكيل إذا ابتاع المبيع ثم أراد المشتري أن يحط عنه الوكيل، فخاف المشتريَ (١) أن لا يجيز له ذلك، كيف يصنع؟ قال: يهب الوكيل للمشتري دراهم أو دنانير، فإذا قبضها المشتري قضاها البائع من ثمن المبيع، فيكون ذلك بمنزلة الحط. قلت: أرأيت لو أن الوكيل حط عن المشتري شيئاً من الثمن قبل أن يقبض الثمن أما كان يجوز؟ قال: أما أبو حنيفة فإنه كان يجيز الحط ما لم يقبض الوكيل الثمن، وكان (٢) يضمن الوكيل ما حط، ويبرئ المشتري منه (٣)، ولو كان إنما حط عن المشتري بعدما قبض الثمن لم يجزه. وأما أبو يوسف فإنه لا يجيز الحط قبل القبض ولا بعده. والذي وصفت لك حيلة في قول من لم يجز الحط. قلت: أرأيت الوصي أله (٤) أن يشتري من متاع الميت شيئاً من نفسه لنفسه؟ قال: لا. وأما الوجه في ذلك (٥) والثقة أن يصنع في أمره كما يصنع (٦) الوكيل في أمره. قلت: أرأيت الأب هو بمنزلة الوصي في متاع ابنه الصغير إذا أراد أن يشتريه لنفسه؟ (٧) قال: لا؛ الأب له أن يشتري لنفسه من نفسه من متاع ابنه الصغير. وكذلك الجد أبو الأب (٨) له أن يشتري إذا كان الأب ميتاً ولم يكن له وصي. ولا يشبه هذا الوصي ولا الوكيل في قول أبي حنيفة وأبي يوسف. قلت: أرأيت من أراد أن يحتاط حتى لا يدخل عليه شيء في قول أحد من الناس إذا اشترى متاع ابنه الصغير، كيف الثقة له والوجه في ذلك؟ قال: يفعل مثل الذي وصفت لك في أمر الوصي والوكيل، فيكون للوكيل.

стр. 5255

قلت: أفتكره للوكيل إذا أمر أن يبيع شيئاً مما ذكرت لك، فباعه على ما وصفت، ثم اشتراه لنفسه؟ قال: لا؛ لست أكره ذلك. قلت: فإن كان نوى حين باع المتاع أن يشتريه لنفسه؟ قال: وإن نوى ذلك، ما لم يشترط عند عقده البيع أن يشتريه لنفسه. فإن اشترط (١) على المشتري أن يشتريه له فذلك لا يجوز، والبيع فاسد مردود. قلت: أرأيت ما وصفت من أمر الوكيل إذا أمر أن يشتري جارية بعينها، فوكل بذلك، ثم أراد بعد ذلك أن يشتري الجارية لنفسه، فأراد وجه ثقة ببعض ما ذكرت مما وصفت، أيسعه ذلك؟ قال: نعم؛ يسعه ذلك فيما بينه وبين ربه. ولولا أن ذلك واسع لم يكن الذي وصفت وجه ثقة ولا احتياط ولا حيلة؛ لأن كل من احتال (٢) بأمر يدخل عليه في دينه مكروهاً لم يحتط، ولم يعد ذلك منه نظراً ولا حيلة. إنما الحيلة فيمن احتاط في الدخول في الحلال (٣) وترك الحرام، فذلك الاحتياط النافع. قلت: أرأيت رجلاً وكله رجل ببيع جاريته، ووكله رجل آخر أن يشتري له الجارية، ففعل ذلك كله، هل يجوز أن يبيعها (٤) من نفسه للذي وكله بالشرى؟ قال: لا يجوز ذلك. قلت: فكيف الوجه في ذلك حتى يجوز؟ قال: يبيعها ممن يثق به بما يساوي، ثم يبتاعها بعدما يدفعها إلى الذي كان وكله أن يشتريها، فيجوز ذلك للموكلين جميعاً وللوكيل. قلت: أرأيت امرأة وكلت رجلاً أن يزوجها، ووكل (٥) رجل (٦) هذا الوكيل أن يزوجه امرأة، للوكيل أن يزوج هذه المرأة من هذا الرجل الذي وكله، ويكون الوكيل هو المتكلم وحده لهما جميعاً؟ قال: نعم؛ ذلك جائز عندنا. قلت: ولم وقد وصفت في البيع ما وصفت؟ قال: لا يشبه النكاح البيع. ألا ترى أن الرجل قد يجوز له أن يزوج ابنه الصغير ابنة أخيه الصغيرة وهو وحده الخاطب المتكلم لهما. أوَلا ترى أن المرأة توكل ابن عمها أن
следующие страницы →