Полный текст (6 738 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مقدمة كتاب الأصل
للإمام محمد بن الحسن الشيباني ﵀.
الحمد لله حمداً يوافي نعمه، والصلاة والسلام على أشرف خلقه وخاتم رسله، وبعد، فإن علماء الإسلام قد خلفوا لنا تراثا علمياً ضخماً، متعدد المناحي، وما يزال معظم هذا التراث مخطوطاً لم ير النور، ولم يتعرف عليه الباحثون، رغم ما فيه من المعاني الدقيقة والأفكار العميقة التي تخدم واقعنا المعاصر وتنير السبل لأمتنا في مجالات الفكر والتشريع والثقافة، ويقدر بعض الخبراء أن ما بقي مخطوطاً من تراث علماء الإسلام يربو على ثلاثة ملايين عنوان، تقبع في زوايا المكتبات، وظلام الصناديق والأقبية، حتى إن بعضها لم يفهرس فهرسة دقيقة فضلاً عن النشر. فكان من المهم في هذه المرحلة أن تتجه الجهود لتقويم هذا التراث واستجلاء ما ينفع الناس منه في عصرنا، ثم العمل على تحقيقه ونشره.
وإن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر - وقد وفقها الله لأن تضرب بسهم في إحياء هذا التراث - لتحمد الله على أن ما أصدرته من نفائس التراث قد نال الرضا والقبول من أهل العلم في مشارق الأرض ومغاربها.
والمتابع لحركة النشر العلمي لا يخفى عليه جهود دولة قطر في خدمة
стр. 2
تراث الأمة منذ ما يزيد على ستة عقود، وقد جاء مشروع إحياء التراث الإسلامي الذي بدأته الوزارة منذ ست سنوات امتداداً لتلك الجهود وسيراً على تلك المحجة التي عُرفت بها دولة قطر.
ومنذ انطلاقة هذا المشروع المبارك يسر الله جل وعلا للوزارة إخراج مجموعة من أمهات كتب العلم في فنون مختلفة تُطبع لأول مرة، ففي تفسير القرآن الكريم أصدرت الوزارة تفسير الإمام العُليمي (فتح الرحمن في تفسير القرآن) وفي علم الرسم أصدرت كتاب (مرسوم المصحف للإمام العُقيلي) ونحن بصدد إصدار جديد متميز للمحرر الوجيز لابن عطية مقابلاً على نسخ خطية عدة.
وفي السُّنة أصدرت الوزارة كتاب (التوضيح شرح الجامع الصحيح لابن الملقن) و (حاشية مسند الإمام أحمد للإمام السندي)، و (شرحين لموطأ مالك لكل من القنازعي والبوني)، و (شرح مسند الشافعي للإمام الرافعي)، و (نخب الأفكار شرح معاني الآثار للبدر العيني) إضافة إلى صحيح ابن خزيمة بتحقيقه الجديد المُتقن.
وأخيرا صدر عن الوزارة كتاب: (التقاسيم والأنواع) للإمام ابن حبان وكذا (مطالع الأنوار)، لابن قرقول، وهما ينشران لأول مرة، وهناك مشاريع أخرى يُعلن عنها في حينها.
وفي الفقه أصدرت الوزارة: (نهاية المطلب في دراية المذهب للإمام الجويني) الذي حققه وأتقن تحقيقه عضو لجنة إحياء التراث الإسلامي أ. د. عبد العظيم الديب - رحمه الله تعالى - وكتاب (الأوسط لابن المنذر) بمراجعة دقيقة للدكتور عبد الله الفقيه عضو اللجنة، وكتاب (التبصرة) للخمي، وحاشية الخلوتي في الفقه الحنبلي، وكتاب الإقناع في مسائل الإجماع، لابن القطان الفاسي، وفي الطريق إصدارات أخرى مهمة تمثل الفقه الإسلامي في عهوده الأولى.
وفي السيرة النبوية أصدرت الوزارة الموسوعة الإسنادية (جامع الآثار لابن ناصر الدين الدمشقي).
стр. 3
وفي معتقد أهل السنة والجماعة أصدرت الوزارة كتاباً نفيساً لطيفاً هو كتاب (الاعتقاد لابن العطار) صاحب الإمام النووي -رحمهما الله-.
ولم تغفل الوزارة عن إصدار دراسات معاصرة متميزة من الرسائل العلمية وغيرها فأخرجت (القيمة الاقتصادية للزمن) و (نوازل الإنجاب) وفي الطريق - بإذن الله تعالى - ما تقر به العيون من دراسات معاصرة في الكتاب والسنة، والنوازل والمستجدات.
ويسرنا أن نقدم اليوم كتاباً نفيساً من تراث الأمة الفقهي، وهو (كتاب الأصل) للإمام أبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة - رحمهما الله تعالى - المتوفَّى سنة ١٨٩. والذي يُعد مصدراً أساسياً من مصادر المذهب الحنفي، فمؤلفه يروي عن الإمام أبي حنيفة وعن صاحبه الآخر أبي يوسف مباشرة، ويجتهد اجتهاد الضليع في الفقه، السابر لأغواره، مع وضوح العبارة وبعدها عن التعقيد.
وقد ظل هذا المرجع النفيس حبيس خزائن المخطوطات قرونا متطاولة، حتى هيأ الله جل وعلا له من أهل الدراية بالفن من يقوم بتحقيقه، ثم تشرفت الوزارة بإخراجه للأمة في حلة قشيبة تليق به، إسهاماً في الحفاظ على تراث هذه الأمة، ورفد المكتبة الفقهية بمرجع أصيل. فالحمد لله على توفيقه، ونسأله المزيد من فضله.
стр. 4
المقدمة
التعريف بكتاب الأصل ودراسته من الناحية الأصولية
стр. 5
الإهداء
إلى والدي الكريم الذي ربَّانا على حب العلم والعمل به وضحَّى بالكثير من أجل ذلك، متَّعه الله بالصحة والعافية،
وإلى والدتي الكريمة التي كانت خير عون له ولنا طوال عمرها، رحمها الله ورفع درجتها في أعلى الجنان،
أهدي عملي هذا داعياً المولى أن يتقبله وينفع به طلاب العلم في كل مكان.
стр. 6
تقديم
إن الفقه الإسلامي فقه أصيل نشأ على يد الفقهاء المسلمين بعوامل داخلية، في الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي كان يعيش فيها أعلام الفقه الإسلامي. لا شك أن المنابع الأصلية لهذا الفقه هي الكتاب والسنَّة في الدرجة الأولى، ثم فهم وتطبيق الصحابة والقرون الأولى التي عايشت تلك الأجواء وكانت قريبة العهد بالوحي. وكما هو الحال في تطور جميع العلوم فإن علم الفقه قد تطور ونما تدريجياً، وظهرت له مدارس واتجاهات مختلفة في القرن الثاني الهجري. فكان في الحجاز مدرسة أهل الحديث وعلى رأسها الإمام مالك بن أنس، وكان في العراق مدرسة أهل الرأي وعلى رأسها الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت، وكان هناك أئمة غيرهم يميل بعضهم إلى هذه المدرسة وبعضهم إلى تلك.
لقد كان الفقهاء المسلمون يعيشون في بلاد مختلفة، ويواجهون مجتمعات شتى لها خلفيات تاريخية واقتصادية واجتماعية متنوعة. فكانت اجتهاداتهم تختلف تبعاً للظروف التي يعيشونها مع اعتمادهم على نفس المصادر في الأساس. وبالإضافة إلى ذلك فإن العقل البشري يختلف في تفسير النصوص وتطبيقها حتى داخل المجتمع الواحد تبعاً لاختلاف المناهج وطرق الفهم والاستنباط. وهذا أمر مسلَّم لكل من اشتغل بالفقه والقانون. حتى إنه من الممكن رؤية كثير من القُضاة يختلفون في تفسير نص من نصوص القانون، وهم يعملون في محكمة واحدة وأمام قضية واحدة.
والذي ينتظر من الفقه والقانون في الأساس هو تأمين العدالة
стр. 7
والاستقرار في المجتمع وتغطية احتياجات الناس المختلفة مع الحفاظ على التوازن بين فئات المجتمع. وقد كان الفقه الإسلامي بمدارسه المختلفة في حيز التطبيق كلياً أو جزئياً في المجتمعات الإسلامية ابتداءً من العصور الأولى للإسلام إلى يومنا هذا بدون انقطاع. نعم، كانت هناك فترات صعبة مر بها الفقه الإسلامي في مواجهة الظروف التاريخية والاجتماعية، لكن ظل هذا الفقه يوجه حياة المسلمين على وجه العموم في مختلف مجالات حياتهم، سواء في مسائل العبادات أو مسائل الحلال والحرام أو المعاملات أو غير ذلك. وإن من أهم الأسباب التي جعلت الفقه الإسلامي يعيش طوال هذه القرون هو إيمان المسلمين بأن أساس هذا الفقه هو الوحي الإلهي المتمثل في القرآن الكريم والسنَّة النبوية الكريمة، وبأن اتباعهم لأحكام هذا الفقه هو اتباع للإرادة الإلهية التي خلقتهم وجعلت هذه الحياة مسرحاً لاختبارهم، وأن ما يعمله الإنسان من الخير والشر سيحاسب عليه في الحياة الأخرى.
لقد استطاع الفقه الإسلامي بمدارسه المتنوعة الغنية وبتراثه الزاخر الذي يعتبر مفخرة من مفاخر المسلمين والبشرية جميعاً أن يحافظ على حيويته على مدار العصور والأمكنة؛ لكن الفقه الإسلامي يواجه اليوم مشاكل داخلية وخارجية تحد من فهمه فهماً صحيحاً ومن تطبيقه تطبيقاً مثالياً لأسباب كثيرة ليس محل إيضاحها هاهنا. وإن دراسة تاريخ الفقه الإسلامي وكيفية نشأته وتطوره سيبين لنا كيف استطاع علماؤنا الأوائل تطوير هذا الفقه بآليات عقلية مثل القياس والاستحسان وغيرهما بما جعله يتناسب مع احتياجات زمانهم دون أن يقطعوا علاقتهم مع منابع هذا الفقه من الوحي الإلهي ويولوه ظهورهم.
لقد قام علماء وفقهاء المسلمين وغيرهم بدراسة جوانب كثيرة من الفقه الإسلامي تاريخاً وحاضراً، وأثبتوا أن هذا الفقه لا يزال قادراً على مواجهة مسائل المجتمعات المختلفة في العالم. لكن مما يؤسف له أن عناية المسلمين بتراثهم لا يزال غير كاف. ومن أهم الأدلة على ذلك أن كثيراً من الكتب الفقهية المؤسسة لعلم الفقه عند المسلمين لم يطبع بعد، أو طبع
стр. 8
ناقصاً، أو طبع طبعة سقيمة بدون تحقيق علمي يليق بقدره. ومن تلك الكتب كتاب الأصل للإمام محمد بن الحسن الشيباني (ت. ١٨٩)، والذي يعتبر أول كتاب فقهي واسع يشتمل على المسائل الفقهية التي وضعها الإمام أبو حنيفة والإمام أبو يوسف والإمام محمد بن الحسن. وقد طبع بعض هذا الكتاب، لكن ذلك لا يبلغ إلا ربع الكتاب. فلم يطبع كتاب الأصل كاملاً إلى يومنا هذا مع أهميته في تأسيس الفقه الإسلامي. وقد كانت تساورني فكرة تحقيق كتاب الأصل بأكمله منذ زمن طويل؛ إلا أن حجم الكتاب كان عاملاً مهماً يعوقني عن البدء في تنفيذ ذلك الأمل. ثم قررت أن أبدأ في تحقيق الكتاب وأن أسير فيه قدر المستطاع وإن لم أتفرغ لذلك، وقد استغرق عملي فيه قرابة عشرة أعوام. وإني إذ أقدم كتاب الأصل للإمام محمد بن الحسن الشيباني الذي يعتبر من أهم كتب الفقه الإسلامي المؤسِّسة له والواضعة لقواعده والذي طال انتظار الباحثين لرؤيته مطبوعاً كاملاً إلى عالم المعرفة آمل أن يسد ذلك ثغرة في هذا المجال، وأن تتوالى عليه الدراسات والبحوث من أهل الخبرة في جوانبه المختلفة. ولا يسعني إلا أن أشكر كل من ساهم في نشر هذا الكتاب القيم سواء كان ذلك في الحصول على مخطوطاته أو إبداء فكرة استفدت منها في تحقيق الكتاب، وأخص منهم بالذكر أخي الكبير الشقيق الدكتور أرطغرل بوينوكالن، وأستاذي الفاضل الأستاذ الدكتور إبراهيم كافي دونمز، وأستاذي العلامة مفتي الديار المصرية علي جمعة، ومدير مكتبة السليمانية في اسطنبول سابقاً الدكتور نوزاد قايا، جزاهم الله عني كل خير. والحمد لله أولاً وآخراً، وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم.
إسطنبول
٩/ ٤/ ٢٠١١
стр. 9
مدخل
ترجمة الإمام محمد بن الحسن الشيباني
١ - اسمه ونسبه وأسرته
هو أبو عبد الله محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني الكوفي. وكان أبوه الحسن بن فرقد من جند الشام، فقدم واسط، فولد له بها محمد (١). ونسب إلى بني شيبان لأنه كان مولى لهم (٢). وهذا يدل على أنه ليس عربي الأصل. ذكر بعضهم أن أصله من أهل الجزيرة (٣). بينما يذكر آخرون أن أصله من قرية على باب دمشق في وسط الغَوْطَة اسمها حَرَسْتَى (٤). ونسب إلى الكوفة لأنه نشأ بها ودرس على الإمام أبي حنيفة الفقه فيها كما تلقى عن غيره من أعلام الكوفة وعلمائها. وذكره خليفة بن خياط قائلاً: محمد بن الحسن القاضي (٥) مما يدل على اشتهاره بالقضاء أيضاً حيث تولى القضاء على عهد هارون الرشيد كما سيأتي.
_________
(١) الطبقات الكبرى، ٧/ ٣٣٦ ة وتعجيل المنفعة، ٣٦١.
(٢) الطبقات الكبرى، ٧/ ٣٣٦.
(٣) الطبقات الكبرى، ٧/ ٣٣٦.
(٤) الجرح والتعديل، ٧/ ٢٢٧؛ وتاريخ بغداد، ٢/ ١٧٢؛ ووفيات الأعيان، ٤/ ١٨٤، ١٨٥؛ والجواهر المضية، ١/ ٥٢٦.
(٥) تاريخ خليفة بن خياط، تحقيق: أكرم ضياء العمري، دار القلم - مؤسسة الرسالة، دمشق - بيروت، ٤٥٨، ١٣٩٧؛ تاريخ بغداد، ٢/ ١٨١.
стр. 10
وكان محمد بن الحسن ابن خالة الفراء (ت. ٢٥٧) اللغوي المشهور (١)، وكان أيضاً ابن أخت عبد الله بن مسلمة القَعْنَبي (ت. ٢٢١) من رواة الموطأ عن الإمام مالك (٢).
وله ابن لا نعرف اسمه، ولعله كان له اشتغال بالفقه، لكنه لم يشتهر. فقد روي أنه سأل ابن محمد بن الحسن أبا سليمان الجوزجاني عن مسألة، فقال أبو سليمان: أما في قول أبي حنيفة وأبيك … (٣).
٢ - مولده
قدم أبوه العراق، فولد محمد بواسط (٤)، سنة اثنتين وثلاثين ومائة (٥). وقيل: مولده سنة خمس وثلاثين ومائة، وقيل: إحدى وثلاثين ومائة (٦).
٣ - نشأته وطلبه للعلم
نشأ بالكوفة (٧)، وطلب الحديث وسمع سماعاً كثيراً (٨). ويظهر أن أباه كان حريصاً على طلبه للعلم مع أنه كان جندياً. فقد ذكر السمعاني أن أباه قدم به إلى الإمام أبي حنيفة (٩). وتفقه محمد بن الحسن بالكوفة، حيث لازم أبا حنيفة وحمل عنه الفقه والحديث (١٠). وقد توفي الإمام أبو حنيفة وعمر محمد بن الحسن ثمانية عشر عاماً على الرواية المشهورة في أن مولده سنة ١٣٢.
_________
(١) تاريخ بغداد، ١٤/ ١٥٢؛ ووفيات الأعيان، ٤/ ١٨٥، ٦/ ١٧٩.
(٢) الجواهر المضية، ٢/ ٤٢.
(٣) فتح القدير، ٧/ ٣٦٧.
(٤) الجرح والتعديل، ٧/ ٢٢٧؛ وتاريخ بغداد، ٢/ ١٧٢؛ وسير أعلام النبلاء، ٩/ ١٣٤؛ والجواهر المضية، ٢/ ٤٢.
(٥) الطبقات الكبرى، ٧/ ٣٣٦؛ وتعجيل المنفعة، ٣٦١.
(٦) وفيات الأعيان، ٤/ ١٨٥.
(٧) الجرح والتعديل، ٧/ ٢٢٧؛ وتاريخ بغداد، ٢/ ١٧٢؛ وسير أعلام النبلاء، ٩/ ١٣٤؛ والجواهر المضية، ١/ ٥٢٦.
(٨) الطبقات الكبرى، ٧/ ٣٣٦.
(٩) الجواهر المضية، ١/ ٥٢٦.
(١٠) تعجيل المنفعة، ٣٦١.
стр. 11
ويظهر أن والد محمد بن الحسن كان ميسور الحال نوعاً ما. فقد ترك للإمام ثروة أعانته على طلب العلم. قال محمد بن الحسن: "ترك أبي ثلاثين ألف درهم، فأنفقت خمسة عشر ألفاً على النحو والشعر، وخمسة عشر ألفاً على الحديث والفقه" (١).
وسافر الإمام في طلب العلم إلى الشام والحجاز (٢).
٤ - شيوخه ومن روى عنهم
لقد تتلمذ الإمام محمد على كثير من العلماء والفقهاء والمحدثين وغيرهم. فمنهم مِسْعَر بن كِدَام، ومالك بن مِغْوَل، وعمر بن ذر، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وابن جريج، ومحل الضبي، وبكر بن ماعز، وأبي حرّة، وعيسى الخياط، وزمعة بن صالح، وبكير بن عامر، وإبراهيم الخوزي، ومحمد بن أبان، وقيس بن الربيع، والقاسم بن معن (٣). نخص بالذكر من بينهم أهم مشايخه الذين أثروا على تكوين عقليته الفقهية ومسيرته العلمية:
أ - الامام أبو حنيفة (ت. ١٥٠)
ومن المشهور الذي لا شك فيه أنه جالس أبا حنيفة وسمع منه (٤). لكن ابن حبان يقول: صحب النعمان وهو أبو حنيفة أياماً يسيرة، يروي عن النعمان بن ثابت وعن يعقوب بن إبراهيم، وسمع من يعقوب عن النعمان أكثر ما يقول عليه (٥). ومن الظاهر أن مثل هذا الكلام فيه تحامل شديد لا يليق بأهل العلم فضلاً عن علماء الحديث الذين ينبغي أن يكونوا في منتهى
_________
(١) تاريخ بغداد، ٢/ ١٧٣؛ والجواهر المضية، ١/ ٥٢٩.
(٢) تعجيل المنفعة، ٣٦١.
(٣) الطبقات الكبرى، ٧/ ٣٣٦؛ والجرح والتعديل، ٧/ ٢٢٧؛ وتاريخ بغداد، ٢/ ١٧٢؛ وسير أعلام النبلاء، ٩/ ١٣٤؛ والجواهر المضية، ١/ ٤٠٥، ٥٢٦؛ وتعجيل المنفعة، ٣٦١.
(٤) الطبقات الكبرى، ٧/ ٣٣٦.
(٥) المجروحين لابن حبان، ٢/ ٢٧٥ - ٢٧٦.
стр. 12
الدقة والأمانة. إلا أن التعصب وضيق النظر قد أدى ببعض المحدثين إلى مثل هذه الأقوال. فقد ذكرت المصادر أن محمد بن الحسن حضر مجلس أبي حنيفة سنتين أو أكثر (١)، وأنه صحب أبا حنيفة وأخذ عنه الفقه ثم عن أبي يوسف (٢). كما أن عمره عند وفاة أبي حنيفة كان ثمانية عشر عاماً، وهي سن تكفي لسماع الكثير من الفقه والعلم وخصوصاً للطالب النبيه.
ب - الإمام أبو يوسف (ت. ١٨٢)
وقد تقدم آنفاً أنه أتم تحصيل الفقه على أبي يوسف. وهو أمر غني عن البيان كما تراه واضحاً في كتاب الأصل أيضاً. وسيأتي مزيد بيان لذلك أثناء الكلام على كتاب الأصل. وقد سمع منه الجامع الصغير، فجمع فيه المسائل التي رواها عنه عن أبي حنيفة.
ج - الإمام مالك بن أنس (ت. ١٧٩)
قال الشافعي: "كان محمد بن الحسن يقول: سمعت من مالك سبعمائة حديث ونيفاً إلى الثمانمائة لفظاً، وكان أقام عنده ثلاث سنين أو شبيهاً بثلاث سنين" (٣).
قال ابن حجر: "وكان مالك لا يحدث من لفظه إلا قليلاً، فلولا طول إقامة محمد عنده وتمكنه منه ما حصل له عنه هذا. وهو أحد رواة الموطأ عنه، وقد جمع حديثه عن مالك، وأورد فيه ما يخالفه فيه، وهو الموطأ المسموع من طريقه" (٤).
وكان إذا وعد الناس أن يحدثهم عن مالك امتلأ الموضع الذي هو فيه
_________
(١) طبقات الفقهاء للشيرازي، ١/ ١٤٢؛ وتهذيب الأسماء، ١/ ٩٨؛ ووفيات الأعيان، ٤/ ١٨٤.
(٢) الجواهر المضية، ٢/ ٤٢.
(٣) الجرح والتعديل، ١/ ٤ - ٥؛ وحلية الأولياء، ٦/ ٣٣٠؛ وسير أعلام النبلاء، ٩/ ١٣٥؛ الجواهر المضية، ٢/ ٤٢.
(٤) تعجيل المنفعة، ٣٦١.
стр. 13
وكثر الناس عليه، وإذا حدث عن غير مالك لم يأته إلا النفير (١)؛ فقال لهم: "لو أراد أحد أن يعيبكم بأكثر مما تفعلون ما قدر عليه؛ إذا حدثتكم عن أصحابكم فإنما يأتيني النفير أعرف فيكم الكراهة، وإذا حدثتكم عن مالك امتلأ علي الموضع" (٢).
قال مجاشع بن يوسف: "كنت بالمدينة عند مالك وهو يفتي الناس، فدخل عليه محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة وهو حَدَث، فقال: ما تقول في جنب لا يجد الماء إلا في المسجد؟ فقال مالك: لا يدخل الجنب المسجد. قال: فكيف يصنع وقد حضرت الصلاة وهو يرى الماء؟ قال: فجعل مالك يكرر: لا يدخل الجنب المسجد. فلما أكثر عليه قال له مالك: فما تقول أنت في هذا؟ قال: يتيمم ويدخل فيأخذ الماء من المسجد ويخرج فيغتسل. قال: من أين أنت؟ قال: من أهل هذه، وأشار إلى الأرض. فقال: ما من أهل المدينة أحد لا أعرفه يُعرف. فقال: ما أكثر من لا تعرف. ثم نهض. قالوا لمالك: هذا محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة. فقال مالك: محمد بن الحسن كيف يكذب وقد ذكر أنه من أهل المدينة؟ قالوا: إنما قال: من أهل هذه، وأشار إلى الأرض. قال: هذا أشد علي من ذاك" (٣).
وعلاقة الإمام محمد بالإمام مالك قد جعلته يسمع حديث وفقه أهل المدينة منه، وكان الطابع الغالب على هذه العلاقة التعرف على قول المخالف حتى يتسنى الرد عليه. وهو ما صنعه الإمام محمد في روايته للموطأ وفي كتابه الحجة على أهل المدينة. لكنه تأثر أيضاً ببعض أقوال أهل المدينة وأخذ بها مع محافظته على أصول فقه أهل الكوفة وعلى رأسهم أبو حنيفة. ويلاحظ أن الشافعي قد فعل نظير ذلك مع محمد بن الحسن، حيث تعلم منه فقه أهل الكوفة والعراق، لكنه لم يسلك مذهبهم، وإنما رد عليهم في كثير من المواضع؛ ومع ذلك فقد استفاد من محمد بن الحسن في
_________
(١) النفير والنَّفَر. عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة. انظر: مختار الصحاح، "نفر".
(٢) الجرح والتعديل، ١/ ٤ - ٥؛ وحية الأولياء، ٦/ ٣٣٠.
(٣) تاريخ بغداد، ٢/ ١٧٤ - ١٧٥.
стр. 14
طريقة التفقه ووضع المسائل كما كان يعترف بالفضل له في هذا الموضوع (١).
٥ - نشره للعلم
وقد جلس محمد بن الحسن مجلس العلماء في شبابه. فبعد أن توفي أبو حنيفة وقد كان عمره ثماني عشرة سنة، تمم دراسة الفقه على أبي يوسف كما سبق، ثم جلس للتعليم وعمره عشرون سنة.
قال إسماعيل بن حماد بن أبى حنيفة: "كان محمد بن الحسن له مجلس في مسجد الكوفة وهو ابن عشرين سنة" (٢).
ثم إنه انتقل إلى بغداد عاصمة الدولة العباسية، فسكن بها، واختلف إليه الناس وسمعوا منه الحديث والرأي (٣). وصنف الكتب الكثيرة ونشر علم أبي حنيفة (٤).
٦ - تلاميذه ومن روى عنه
تتلمذ على الإمام محمد كثير من العلماء. فمن تلاميذه أبو عبيد القاسم بن سلام وهشام بن عبيد الله الرازي وأبو سليمان الجوزجاني وأبو حفص الكبير أحمد بن حفص البخاري وداود بن رشيد وغيرهم كثير (٥). ومن أشهر من أخذ عنه العلم مرتبين حسب تاريخ الوفاة:
أ - الأمام الشافعي (ت. ٢٠٤)
وقد كان الشافعي مقدراً لما أخذ عن محمد بن الحسن من الفقه والعلم. قال الشافعي: "حملت عن محمد بن الحسن وقر بعير كتباً" (٦). وفي
_________
(١) تاريخ بغداد، ٢/ ١٧٦.
(٢) تاريخ بغداد، ٢/ ١٧٤.
(٣) الطبقات الكبرى، ٧/ ٣٣٦؛ وتاريخ بغداد، ٢/ ١٧٢.
(٤) طبقات الفقهاء، ١/ ١٤٢.
(٥) الجواهر المضية، ١/ ٢٣٧؛ وتعجيل المنفعة، ٣٦١. وتأتي ترجمة الجوزجاني وأبي حفص وهشام الرازي وداود بن رشيد بين رواة كتاب الأصل.
(٦) تاريخ بغداد، ٢/ ١٧٦؛ وسير أعلام النبلاء، ٩/ ١٣٥؛ وتعجيل المنفعة، ٣٦١.
стр. 15
رواية: "سمعت عن محمد بن الحسن وقر بعير" (١). وقال الشافعي: "أَمَنُّ الناس عليّ في الفقه محمد بن الحسن" (٢).
كما كان محمد بن الحسن مقدراً للشافعي وذكائه وحرصه على العلم، فكان يخلو به، ولا يبخل عليه بوقته وعلمه. قال أبو حسان الزيادي (٣): "ما رأيت محمد بن الحسن يعظم أحداً من أهل العلم إعظامه للشافعي، ولقد جاءه يوماً فلقيه وقد ركب محمد بن الحسن فرجع محمد إلى منزله وخلا به يومه إلى الليل، ولم يأذن لأحد عليه" (٤).
وروى الربيع بن سليمان قال: "كتب الشافعي إلى محمد بن الحسن وقد طلب منه كتبه لينسخها، فأخرها عنه، فكتب إليه:
قولوا لمن لم تَرَ عَيْـ … نَا من رآه مثله
ومن كأنّ من رآ … هـ قد رأى من قبله
العلم ينهى أهله … أن يمنعوه أهله
لعله يبذله … لأهله لعله
فأنفذ إليه الكتب من وقته (٥).
وكان الإمام محمد يهدي إلى الإمام الشافعي ما ينفقه على نفسه. قال أبو عبيد: "رأيت الشافعي عند محمد بن الحسن وقد دفع إليه خمسين ديناراً، وقد كان قبل ذلك دفع إليه خمسين درهماً، وقال: إن اشتهيت العلم فالزم. ولما أعطاه محمد قال له: لا تحتشم، فقال الشافعي: لو كنت عندي ممن أحتشمك ما قبلت برك" (٦).
_________
(١) الجواهر المضية، ٢/ ٤٣.
(٢) تاريخ بغداد، ٢/ ١٧٦.
(٣) وقال النووي: أبو حسان الرازي. انظر: تهذيب الأسماء، ١/ ٧٩.
(٤) طبقات الفقهاء للشيرازي، ١/ ٦١؛ وتهذيب الأسماء، ١/ ٧٩.
(٥) طبقات الفقهاء، ١/ ١٤٢، والتقرير والتحبير، ١/ ١٥٩؛ ومرقاة المفاتيح، ١/ ٧٧.
(٦) سير أعلام النبلاء، ١٠/ ١٤.
стр. 16
ومع هذا فإن الإمام الشافعي لم يتبع مذهب أهل الرأي، لكنه قد استفاد من الإمام محمد كثيراً، وقدّر ذلك، مثل ما فعل الإمام محمد مع الإمام مالك، حيث استفاد منه، لكن لم يتبع مذهبه. وهناك باب في كتاب الأم للإمام الشافعي سماه "الرد على محمد بن الحسن" (١). كما أن لمحمد بن الحسن كتاب الحجة على أهل المدينة.
ب - شعيب بن سليمان الكيساني الكوفي (ت. ٢٠٤)
من أصحاب محمد وأبي يوسف. قدم مصر ومات بها (٢). وروى عن محمد مسائل نوادر (٣).
ج - معلى بن منصور الرازي (ت. ٢١١)
محدث ثقة حافظ، وفقيه من أهل الرأي. روى الكتب والأمالي والنوادر عن أبي يوسف ومحمد بن الحسن، وكان رفيقاً لأبي سليمان الجوزجاني في الرواية، ولكنه كان أصغر سناً منه. وروى الحديث عن مالك والليث بن سعد وغيرهما؛ وروى عنه علي بن المديني والبخاري وغيرهما. وأخرج حديثه الستة. وقد سكن بغداد. وطلبه المأمون للقضاء فأبى (٤).
د - إبراهيم بن رستم، أبو بكر المروزي (ت. ٢١١)
كان يذكر بفقه وعبادة. كان أولاً من أصحاب الحديث، ثم خرج الى محمد بن الحسن فكتب كتبهم (٥)، فاختلف الناس إليه، وعُرض عليه القضاء فلم يقبله، فقرّبه المأمون. وقد وثقه يحيى بن معين، وتكلم فيه بعض المحدثين بسبب الرأي (٦).
_________
(١) الأم (تحقيق رفعت فوزي)، ٩/ ٨٥ - ١٦٩.
(٢) الجواهر المضية، ١/ ٢٥٧ - ٢٥٨.
(٣) انظر مثلاً: شرح معاني الآثار، ٣/ ٢١٨، ٤/ ٤، ٧٧.
(٤) الجرح والتعديل، ٨/ ٣٣٤؛ وتاريخ بغداد، ١٣/ ١٨٨؛ وميزان الاعتدال، ٦/ ٤٧٧؛ والجواهر المضية (تحقيق عبدالفتاح الحلو)، ٣/ ٤٩٢؛ وتهذيب التهذيب، ١٠/ ٢١٥.
(٥) أي: كتب أهل الرأي.
(٦) الجواهر المضية، ١/ ٣٧؛ ولسان الميزان، ١/ ٥٦ - ٥٧.
стр. 17
هـ - أسد بن الفرات، أبو عبد الله الحراني ثم المغربي (ت. ٢١٣)
هو الفقيه المالكي القاضي. روى أسد عن مالك بن أنس الموطأ وعن أبي يوسف القاضي ومحمد بن الحسن، وغلب عليه علم الرأي، وكتب علم أبي حنيفة. وقد نفدت نفقة أسد وهو عند محمد فكلم فيه الدولة فنفذوا إليه عشرة آلاف درهم (١). وقد أخذ أسد بن الفرات المسائل عن محمد بن الحسن ثم عرضها على ابن القاسم، فأجابه فيها على مذهب مالك، وتسمى هذه المسائل الأسدية، وقد أخذها عنه سحنون وألف المدونة التي هي أساس المذهب المالكي (٢).
و- علي بن معبد بن شداد العبدي الرقّي (ت. ٢١٨)
نزيل مصر، من المحدثين الفقهاء. روى له الترمذي والنسائي. وروى عن محمد بن الحسن الجامع الكبير والجامع الصغير (٣). قال علي بن معبد: "قدمت الرقّة ومحمد بن الحسن قاض عليها، فأتيت بابه فاستأذنت عليه، فحُجبت عنه، فانصرفت. فأقمت بالرقة مدة لا آتيه. فبينما أنا في يوم من الأيام في بعض طرقاتها إذ أقبل محمد بن الحسن على هيئة القضاة، فلما رآني أقبل علي واستبطأني ووكل بي من يصيرني إلى منزله. فلما جلس في منزله أدخلت عليه، فقال لي: ما الذي خلفك عني منذ قدمت، قد بلغني أنك هاهنا. فقلت: أتيت منزلك فحُجبت عنك، وإنما أتيتك كما كنت آتيك وأنت غير قاض. فساءه ذلك وغمه. فقال لي: أي حُجّابي حجبك؟ فظننت أنه يريد عقوبته، فلم أخبره. فقال لي: فإن لم تفعل فإني أنحيهم كلهم. فقلت له: إذاً تظلم من لم يحجبني. قال: فدعا بهم جميعاً وقال لهم: لا يد لكم على أبي محمد في حجبه عني. ثم التفت إلي فقال: إذا جئت إلينا فلا يكن بيني وبينك إلا الستر الذي يستر الناس عني فتنحنحْ حينئذٍ، فإن
_________
(١) سير أعلام النبلاء، ١٠/ ٢٢٥، ٢٢٧.
(٢) سير أعلام النبلاء، ١٠/ ٢٢٥، ٢٢٦.
(٣) تهذيب الكمال، ٢١/ ١٤١؛ وسير أعلام النبلاء، ١٠/ ٦٣١؛ والجواهر المضية، ١/ ٣٧٩.
стр. 18
كنتُ على حال يتهيأ لك الدخول فيها أذنت لك بنفسي، وإن كنت على غير ذلك أسكت، فانصرفت. فكنت آتيه بعد ذلك والناس على بابه فأتخطاهم وأتخطى حُجّابهم حتى أصل إلى ستره فأتنحنح وأسلم، فيقول: ادخل يا أبا محمد، فأدخل، أو يمسك فأنصرف" (١). وقد أراد المأمون أن يوليه قضاء مصر، فأبى (٢).
ز - عيسى بن أبان بن صدقة، أبو موسى (ت. ٢٢١)
صحب محمد بن الحسن الشيباني وتفقه به. واستخلفه يحيى بن أكثم على القضاء بعسكر المهدي. ثم تولى عيسى القضاء بالبصرة فلم يزل عليه حتى مات (٣). وقد كان عيسى بن أبان كارهاً لأهل الرأي في أول أمره. قال محمد بن سماعة: "كان عيسى بن أبان حسن الوجه، وكان يصلي معنا، وكنت أدعوه أن يأتي محمد بن الحسن، فيقول: هؤلاء قوم يخالفون الحديث. وكان عيسى حسن الحفظ للحديث. فصلَّى معنا يوماً الصبح، وكان يوم مجلس محمد. فلم أفارقه حتى جلس في المجلس. فلما فرغ محمد أدنيته إليه وقلت: هذا ابن أخيك أبان بن صدقة الكاتب، ومعه ذكاء ومعرفة بالحديث، وأنا أدعوه إليك فيأبى ويقول: إنا نخالف الحديث. فأقبل عليه وقال له: يا بني، ما الذي رأيتنا نخالفه من الحديث؟ لا تشهد علينا حتى تسمع منا. فسأله يومئذٍ عن خمسة وعشرين باباً من الحديث، فجعل محمد بن الحسن يجيبه عنها ويخبره بما فيها من المنسوخ ويأتي بالشواهد والدلائل. فالتفت إلي بعدما خرجنا، فقال: كان بيني وبين النور ستر فارتفع عني، ما ظننت أن في ملك الله مثل هذا الرجل يظهره للناس. ولزم محمد بن الحسن لزوماً شديداً حتى تفقه به" (٤).
ح- يحيى بن معين (ت.٢٣٣)
هو المحدث المشهور. قال ابن معين: كتبت الجامع الصغير عن
_________
(١) الجواهر المضية، ١/ ٣٧٩ - ٣٨٠.
(٢) الجواهر المضية، ٢/ ١٧٧.
(٣) تاريخ بغداد، ١/ ١٥٧.
(٤) تاريخ بغداد، ١/ ١٥٨.
стр. 19
محمد بن الحسن (١).
ط - محمد بن سماعة التميمي، أبو عبد الله (ت. ٢٣٣)
حدث عن الليث بن سعد وأبي يوسف القاضي ومحمد بن الحسن، وكتب النوادر عن أبي يوسف ومحمد، وروى الكتب والأمالي. وهو من الحفاظ الثقات. وولاه المأمون القضاء ببغداد سنة ١٩٢ بعد وفاة يوسف بن أبي يوسف. واستعفى عن القضاء فيما بعد بسبب ضعف بصره، فأعفي. قال يحيى بن معين: "لو كان أصحاب الحديث يصدقون في الحديث كما يصدق محمد بن سماعة في الرأي لكانوا على نهاية". توفي وله مائة وثلاث سنين (٢).
ي - فرات بن نصر، أبو جعفر الفقيه القهندزي الهروي (ت. ٢٣٦)
تفقه على أبي يوسف، وروى عنه وعن محمد بن الحسن. وكان عنده عامة كتب محمد بن الحسن سمعها منه (٣).
ك - إسماعيل بن توبة، أبو سهل الثقفي القزويني (ت. ٢٤٧)
هو من المحدثين الفقهاء. ارتحل إلى الحجاز والعراق. روى السير الكبير عن محمد بن الحسن مع أبي سليمان الجوزجاني، لم يروه عنه غيرهما. وكان الإمام محمد يؤدب أولاد الخليفة، فكان إسماعيل بن توبة يحضر معهم لسماع السير على محمد، فاتفق أنه لم يبق من الرواة غيره وغير أبي سليمان. انتقل من الري إلى قزوين، ومات بها (٤).
٧ - صفاته الخلقية والخلقية
كان الإمام محمد بن الحسن سميناً، لكنه كان مع ذلك ذكياً خفيف
_________
(١) تاريخ بغداد، ٢/ ١٧٦؛ وسير أعلام النبلاء، ٩/ ١٣٦؛ والجواهر المضية، ٢/ ٤٣؛ وتعجيل المنفعة، ٣٦١.
(٢) تهذيب الكمال، ٢٥/ ٣١٧ - ٣١٩؛ والجواهر المضية، ٢/ ٨٥؛ وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال، ٣٣٩.
(٣) الجواهر المضية، ١/ ٤٠٥.
(٤) الإرشاد للخليلي، ٢/ ٧٠٢ - ٧٠٤؛ والجواهر المضية، ١/ ١٤٧.
стр. 20
الروح. قال الشافعي: "ما رأيت سميناً أخف روحاً من محمد بن الحسن" (١).
وكان الشافعي يقول: "ما ناظرت سميناً أذكى منه" (٢). قال الذهبي: "وكان مع تبحره في الفقه يضرب بذكائه المثل" (٣). وقال الشافعي: "ما رأيت أعقل من محمد بن الحسن" (٤).
وكان الإمام يحب المناظرة وكان واسع الصدر أمام الأسئلة التي توجه إليه، لا يغضب ولا يتغير. قال الشافعي: "ما ناظرت أحداً إلا تمعر وجهه ما خلا محمد بن الحسن" (٥). وقال الشافعي: "ما رأيت أحدأ يُسأل عن مسألة فيها نظر إلا تبينت في وجهه الكراهة إلا محمد بن الحسن" (٦).
وكان قد وكل أموره المالية إلى وكيل له حتى يتفرغ للعلم. قال محمد بن سماعة: "قال محمد بن الحسن لأهله: لا تسألوني حاجة من حوائج الدنيا تشغلوا قلبي، وخذوا ما تحتاجون إليه من وكيلي، فإنه أقل لهمي وأفرغ لقلبي" (٧).
وكان محافظاً على وقار العلماء وجريئاً في وجه الملوك لا يتنازل عن الحق. قال أبو عبيد: "كنا مع محمد بن الحسن إذ أقبل هارون الرشيد، فقام إليه الناس كلهم إلا محمد بن الحسن فإنه لم يقم. ثم أُذن بالدخول على الرشيد، فدخل محمد بن الحسن فجزع أصحابه له، ثم خرج طيب النفس مسروراً، فقال: قال لي: ما لك لم تقم مع الناس؟ قلت: كرهتُ أن أخرج عن الطبقة التي جعلتني فيها، إنك أهّلتني للعلم، فكرهتُ أن أخرج منه إلى طبقة الخدمة التي هي خارجة منه، وإن ابن عمك ﷺ قال: "مَن أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار" (٨)، وإنه إنما أراد بذلك
_________
(١) تاريخ بغداد، ٢/ ١٧٥؛ وتعجيل المنفعة، ٣٦١.
(٢) سير أعلام النبلاء، ٩/ ١٣٥.
(٣) سير أعلام النبلاء، ٩/ ١٣٥.
(٤) تاريخ بغداد، ٢/ ١٧٥.
(٥) تاريخ بغداد، ٢/ ١٧٧.
(٦) طبقات الفقهاء، ١/ ١٤٢.
(٧) تاريخ بغداد، ٢/ ١٧٦ - ١٧٧؛ والجواهر المضية، ١/ ٥٢٨.
(٨) رواه الترمذي بلفظ: "مَن سره أن يتمثل … ". انظر: سنن الترمذي، الأدب، ٢٣.
стр. 21
العلماء، فمن قام بحق الخدمة وإعزاز الملك فهو هيبة للعدو، ومن قعد اتبع السنَّة التي عنكم أُخذت، فهو زين لكم. قال: صدقت يا محمد. ثم قال: إن عمر بن الخطاب صالح بني تغلب على أن لا ينصّروا أبناءهم، وقد نصّروا أبناءهم وحلّت بذلك دماؤهم، فما ترى؟ قال: قلت: إن عمر أمرهم بذلك، وقد نصّروا أبناءهم بعد عمر، واحتمل ذلك عثمان وابن عمك (١)، وكان من العلم ما لا خفاء به عليك، وجرت بذلك السنَّة، فهذا صلح من الخلفاء بعده، ولا شيء يلحقك في ذلك، وقد كشفتُ لك العلم، ورأيك أعلى. قال: لَكِنّا نجريه على ما أجروه إن شاء الله، إن الله أمر نبيه بالمشورة، فكان يشاور في أمره ثم يأتيه جبريل ﵇ بتوفيق الله، ولكن عليك بالدعاء لمن ولاّه الله أمرك، ومُرْ أصحابك بذلك، وقد أمرت لك بشيء تفرّقه على أصحابك. فخرج له مال كثير ففرّقه" (٢).
وفي سنة ١٧٦ ظهر يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن (٣) بالديلم واشتدت شوكته، فاغتم الرشيد لذلك، فندب إليه الفضل بن يحيى في خمسين ألفاً، فكاتب يحيى بن عبد الله ولطف به، فأجاب يحيى إلى الصلح، على أن يكتب له الرشيد أماناً بخطه يشهد عليه فيه القضاة والفقهاء وجِلّة بني هاشم ومشايخهم، فأجابه الرشيد إلى ذلك، وسيّر الأمان مع هدايا وتحف. فقدم يحيى مع الفضل بغداد، فلقيه الرشيد بكل ما أحب وأمر له بمال كثير وأنزله منزلاً سَرِياً. ثم إن الرشيد حبسه فمات في الحبس. وكان الرشيد قد عرض كتاب أمان يحيى على محمد بن الحسن وعلى أبي البَخْتَرِي القاضي (ت. ٢٠٠) (٤)، فقال محمد: "الأمان صحيح". فحاجّه
_________
(١) أي علي بن أبي طالب ﵁.
(٢) تاريخ بغداد، ٢/ ١٧٣ - ١٧٤.
(٣) هو من الطالبيين الذين خرجوا على العباسيين، وقد رباه جعفر الصادق، وتفقه عنده. دعا إلى نفسه في بلاد الديلم، ثم صالح الرشيد بأمان، وقدم بغداد، ثم حبسه الرشيد إلى أن مات. انظر: الأعلام للزركلي، ٨/ ١٥٤.
(٤) هو وهب بن وهب القرشي المدني، ولاه هارون الرشيد قضاء عسكر المهدي أي شرقي بغداد، ثم قضاء المدينة، ثم عزل ورجع إلى بغداد وتوفي بها. وهو ضعيف عند المحدثين. انظر: الأعلام للزركلي، ٨/ ١٢٦.
стр. 22
الرشيد وأغلظ له الكلام، لكن لم يرجع محمد عن فتواه. وقال أبو البَخْتَرِي: "هذا أمان منتقض من وجه كذا". فمزقه الرشيد (١).
وكان محمد بن الحسن يتفقد طلاب العلم ويواسيهم بالنفقة مثل أستاذه أبي حنيفة. قال أبو عبيد: "رأيت الشافعي عند محمد بن الحسن وقد دفع إليه خمسين ديناراً وقد كان قبل ذلك دفع إليه خمسين درهماً وقال: إن اشتهيت العلم فالزم" (٢). وقد نفدت نفقة أسد بن الفرات وهو عند محمد فكلم فيه مسؤولي الدولة فنفذوا إليه عشرة آلاف درهم (٣).
وكان الإمام محمد متواضعاً لأهل العلم حتى لطلابه، وحريصاً على العلم، فيستفيد من طلبته ولا يرى في ذلك غضاضة على نفسه. قال أبو سليمان الجوزجاني: "سمعت ابن المبارك يقول: سألت أبا حنيفة ﵁ عن الرجل يبعث بزكاة ماله من بلد إلى بلد آخر، فقال: لا بأس بأن يبعثها من بلد إلى بلد آخر لذي قرابته، فحدثت بهذا محمد بن الحسن، فقال: هذا حسن، وهذا قول أبي حنيفة، وليس لنا في هذا سماع عن أبي حنيفة. قال أبو سليمان: فكتبه عني محمد بن الحسن عن ابن المبارك عن أبي حنيفة" (٤).
٨ - مذهبه في العقائد
طعن فيه بعض المحدثين بأنه كان جهمياً مرجئاً يقول بخلق القرآن (٥).
لكن مذهب محمد بن الحسن في العقائد معروف مثل مذهب أبي حنيفة
_________
(١) أخبار أبي حنيفة للصيمري، ١٣٠ - ١٣١؛ والكامل لابن الأثير، ٥/ ٢٩١؛ والنجوم الزاهرة، ٢/ ٦٣.
(٢) سير أعلام النبلاء، ١٠/ ١٤.
(٣) سير أعلام النبلاء، ١٠/ ٢٢٥ - ٢٢٧.
(٤) الجواهر المضية، ١/ ٢٨٢.
(٥) الضعفاء للعقيلي، ٤/ ٥٢، ٥٤؛ والمجروحين لابن حبان، ٢/ ٢٧٦. وتاريخ بغداد، ٢/ ١٧٩؛ وتعجيل المنفعة، ٣٦١.
стр. 23
وأبي يوسف تراه واضحاً في العقيدة الطحاوية التي يرويها الطحاوي عنهم. كما يرى ذلك في مؤلفات الإمام أبي حنيفة، الفقه الأكبر وغيره. والحامل على ذلك كله التعصب الناشئ عن عدم التروي والبحث. كان هناك بعض المنتسبين إلى الحنفية ممن يذهب إلى تلك الآراء، لكن الأئمة أنفسهم برآء من ذلك. وقد صرح بذلك أبو سليمان الجوزجاني ومعلى بن منصور الرازي حيث قالا: "ما تكلم أبو حنيفة ولا أبو يوسف ولا زفر ولا محمد ولا أحد من أصحابهم في القرآن، وإنما تكلم في القرآن بشر المريسي (١) وابن أبي دؤاد، فهؤلاء شانوا أصحاب أبي حنيفة" (٢).
٩ - منزلته في العلم من خلال أقوال العلماء
قال الشافعي: "ما رأيت أفصح من محمد بن الحسن، كنت إذا رأيته يقرأ كأن القرآن نزل بلغته" (٣). وقال: "ولو أشاء أن أقول: نزل القرآن بلغة محمد بن الحسن لقلت لفصاحته" (٤). قال الشافعي: "كان محمد بن الحسن الشيباني إذا أخذ في المسألة كأنه قرآن ينزل عليه لا يقدم حرفاً ولا يؤخر" (٥). قال الربيع بن سليمان: "وقف رجل على الشافعي فسأله عن مسألة فأجابه، فقال له الرجل: يا أبا عبد الله، خالفك الفقهاء. فقال له الشافعي: وهل رأيت فقيهاً قط اللَّهم إلا أن تكون رأيت محمد بن الحسن، فإنه كان يملأ العين والقلب، وما رأيت مبدناً قط أذكى من محمد بن الحسن" (٦).
_________
(١) هو بشر بن غياث المريسي البغدادي المعتزلي، من تلامذة أبي يوسف، فقيه متكلم، انتُقِد كثيراً بسبب دخوله في الكلام، وله أقوال في المذهب الحنفي. انظر: القرشي، الجواهر المضية، ١/ ٤٤٧ - ٤٥٠.
(٢) تاريخ بغداد، ١٣/ ٣٨٣.
(٣) تاريخ بغداد، ٢/ ١٧٥؛ وتعجيل المنفعة، ٣٦١.
(٤) تاريخ بغداد، ٢/ ١٧٥؛ وسير أعلام النبلاء، ٩/ ١٣٥.
(٥) تاريخ بغداد، ٢/ ١٧٦.
(٦) تاريخ بغداد، ٢/ ١٧٦.
стр. 24
قال ابن سعد: "ونظر في الرأي فغلب عليه وعرف به ونفذ فيه" (١).
قال أبو عبيد القاسم بن سلام: "ما رأيت أعلم بكتاب الله من محمد بن الحسن" (٢).
قال جعفر بن ياسين: "كنت عند المزني، فوقف عليه رجل فسأله عن أهل العراق، فقال له: ما تقول في أبي حنيفة؟ قال: سيدهم، قال: فأبو يوسف؟ قال: أتبعهم للحديث، قال: فمحمد بن الحسن؟ قال: أكثرهم تفريعاً، قال: فزفر؟ قال: أحدّهم قياساً" (٣).
قال أبو علي الحسن بن داود: "فخر أهل البصرة بأربعة كتب، منها كتاب البيان والتبيين للجاحظ وكتاب الحيوان له وكتاب سيبويه وكتاب الخليل في العين، ونحن نفتخر بسبعة وعشرين ألف مسألة في الحلال والحرام عملها رجل من أهل الكوفة يقال له: محمد بن الحسن قياسية عقلية لا يسع الناس جهلها، وكتاب الفراء في المعاني … " (٤)
قال الذهبي: "العلامة فقيه العراق" (٥).
قال القرشي: "وكان أيضاً مقدماً في علم العربية والنحو والحساب والفطنة" (٦).
قال ابن حجر العسقلاني: "وكان الشافعي يعظمه في العلم، وكذلك أحمد بن حنبل" (٧).
_________
(١) الطبقات الكبرى، ٧/ ٣٣٦.
(٢) تاريخ بغداد، ٢/ ١٧٥؛ والجواهر المضية، ٢/ ٤٣.
(٣) تاريخ بغداد، ٢/ ١٧٦.
(٤) تاريخ بغداد، ٢/ ١٧٧.
(٥) سير أعلام النبلاء، ٩/ ٦٤.
(٦) الجواهر المضية، ٢/ ٤٤.
(٧) تعجيل المنفعة، ٣٦١.
стр. 25
١٠ - منزلته في الحديث
طعن في الإمام محمد بعض المحدثين كما طعنوا في أستاذه أبي حنيفة وأصحابه، ووثقه بعضهم مثل علي بن المديني الذي يلقب بأمير المؤمنين في الحديث، وقال الدارقطني: "هو لا يستحق الترك" (١). وروى عنه الإمام الشافعي في كتاب الأم (٢). وتقدم ثناء الشافعي وغيره من العلماء عليه قريباً.
على أنه من الواضح أن سبب الطعن هو التعصب على أهل الرأي، فإنك ترى بين كلام بعض المحدثين في تضعيفه أنه من أهل الرأي وأنه جهمي وأنه مرجئ وأنه ليس بأهل لأن يروى عنه بهذه الأسباب. وترى بعض المحدثين يذكرون أنه يخطئ كثيراً ويهم في الأحاديث التي يرويها. وهذا أمر مبالغ فيه. والذي دفع بعضهم إلى هذا هو أن الإمام محمد بن الحسن فقيه في الدرجة الأولى، وعنايته بالحديث والرواية منصبة على أحاديث الأحكام، فاهتمامه متوجه إلى الاحتجاج بالحديث وفهم معناه والفقه الذي يستنبط منه أكثر من رواية الحديث والاهتمام بألفاظه وتعداد أسانيده وما إلى ذلك. فلم يكن الإمام ممن يجلس للتحديث ويصرف جل سعيه في رواية الحديث، وإنما هو فقيه ثم محدث. ولكن ذلك لا يمنع من صحة حديثه وكونه ثقة حافظاً للحديث أيضاً. فالأمر يرجع إلى الاختصاص بعلم وتكثيف جهده فيه أكثر من علم آخر.
حتى إنك لترى الأمر الذي ينبغي أن يحمد عليه يتحول إلى أمر يذم عليه. قال عبد الرحمن بن مهدي: "دخلت على محمد بن الحسن صاحب الرأي، فرأيت عنده كتاباً موضوعاً فأخذته ونظرت فيه، فإذا هو قد أخطأ وقاس على الخطأ. قال: قلت: ما هذا؟ قال: هذا حديث أبي خَلْدَة عن أبي العالية في الدود يخرج من الدبر. وقد تأوله على غير تأويله وقاس عليه.
_________
(١) انظر لأقوال أهل الحديث فيه: الجرح والتعديل، ٧/ ٢٢٧؛ والضعفاء للعقيلي، ٤/ ٥٢ - ٥٤؛ والمجروحين لابن حبان، ٢/ ٢٧٦؛ والكامل لابن عدي، ٦/ ١٧٤ - ١٧٥؛ وتاريخ بغداد، ٢/ ١٨٠ - ١٨١؛ وميزان الاعتدال، ٦/ ١٠٧، وتعجيل المنفعة، ٣٦١.
(٢) الأم، ٣/ ٢٢٠، ٦/ ١٨٥.
стр. 26
فقلت: هذا ليس هكذا. قال: كيف هو؟ فأخبرته. قال: صدقت. ثم جاء بالمقراض يقرض من كتابه" (١). فمحمد بن الحسن عالِم واسع الصدر يسمح لابن مهدي بالاطلاع على كتابه ويستمع إلى نقده العلمي ويراه في مكانه ويصحح كتابه تبعاً لما يقوله. وهذا هو التواضع للحق أينما كان ومن أين أتى.
كما أن التفرق الذي حدث بين أهل الحديث وأهل الرأي وبين أهل الحجاز وأهل العراق وأمثال ذلك قد أثر في كلام بعض المحدثين والعلماء وجعل من السهل عليهم الطعن على أهل الرأي دون التروي كثيراً في عواقب ذلك. قال محمد بن الحسن الشيباني: "كنت عند مالك، فنظر إلى أصحابه فقال: انظروا أهل المشرق فأنزلوهم بمنزلة أهل الكتاب، إذا حدثوكم فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم. ثم التفت فرآني، فكأنه استحيى، فقال: يا أبا عبد الله، أكره أن تكون غيبة، هكذا أدركت أصحابنا يقولون" (٢).
قال الذهبي: "هذا القول من الإمام قاله لأنه لم يكن له اعتناء بأحوال بعض القوم ولا خبر تراجمهم، وهذا هو الورع. ألا تراه لما خبر حال أيوب السختياني العراقي كيف احتج به، وكذلك حميد الطويل وغير واحد ممن روى عنهم. وأهل العراق كغيرهم فيهم الثقة والحجة والصدوق والفقيه والمقرئ والعابد وفيهم الضعيف والمتروك والمتهم. وفي الصحيحين شيء كثير جداً من رواية العراقيين ﵏. وفيهم من التابعين كمثل علقمة ومسروق وعبيدة والحسن وابن سيرين والشعبي وإبراهيم، ثم الحكم وقتادة ومنصور وأبي إسحاق وابن عون، ثم مسعر وشعبة وسفيان والحمادين وخلائق أضعافهم، رحم الله الجميع" (٣). كما نقل عن الإمام مالك أقوال أخرى في الثناء على الإمام أبي حنيفة وعلى العراقيين. لكن المقصود أنه إذا كان هناك نوع من التحزب والافتراق فإنه يسهل على أحد الأطراف التكلم في الطرف الآخر بما لا ينبغي. وهذا أمر ينبغي أن يتفطن إليه العلماء
_________
(١) الضعفاء للعقيلي، ٤/ ٥٤.
(٢) سير أعلام النبلاء، ٨/ ٦٨.
(٣) سير أعلام النبلاء، ٨/ ٦٨ - ٦٩.
стр. 27
والمحدثون خصوصاً عند توثيقهم وتضعيفهم للرجال وحكمهم على الأحاديث بالصحة والضعف.
١١ - توليه القضاء
أشار أبو يوسف على هارون الرشيد بتولية محمد بن الحسن قضاء الرقة، ولم يشاوره أبو يوسف في ذلك. فأُحضر محمد بن الحسن من الكوفة وهو لا يعلم سبب إحضاره، فكان ذلك من أسباب انكسار الخاطر بينهما (١). فخرج إلى الرقة وهارون أمير المؤمنين بها فولاه قضاء الرقة ثم عزله (٢). وكان سبب عزله ما سبق من إجازته لأمان يحيى بن عبد الله (٣). ثم إن الرشيد قربه إليه مرة أخرى وولاه قضاء القضاة بعد وفاة أبي يوسف (٤).
١٢ - وفاته
خرج بصحبة هارون الرشيد إلى الري، فمات بها في سنة ١٨٩ وهو ابن ثمان وخمسين سنة (٥). ومات هو والكسائي في يوم واحد، فكان الرشيد يقول: "دفنت الفقه والنحو بالري" (٦). وقد حدد بعضهم مكان موته أنه مات في رَنْبَوَيه قرية من قرى الري (٧)، وفي جبل طَبَرَك (٨)، وفي دار أحد تلاميذه هشام بن عبيد الله الرازي (٩)، وأنه دفن في مقبرة عائلة هشام الرازي المعروفة آنذاك بالعلم والشرف (١٠). وقد دفن بعض العلماء الأحناف في القرن الخامس والسادس في مقبرة الإمام محمد بن الحسن مما يدل على وجود
_________
(١) بلوغ الأماني، ٤٦.
(٢) الطبقات الكبرى، ٧/ ٣٣٦؛ وتعجيل المنفعة، ٣٦١.
(٣) أخبار أبي حنيفة للصيمري، ١٢٦ - ١٢٧؛ وبلوغ الأماني، ٥١.
(٤) سير أعلام النبلاء، ٩/ ١٣٥.
(٥) الطبقات الكبرى، ٧/ ٣٣٦؛ وتعجيل المنفعة، ٣٦١.
(٦) طبقات الفقهاء، ١/ ١٤٢؛ وتاريخ بغداد، ٢/ ١٨١؛ وتعجيل المنفعة، ٣٦١.
(٧) وفيات الأعيان، ٤/ ١٨٥.
(٨) الجواهر المضية، ١/ ١٥٧.
(٩) تذكرة الحفاظ، ١/ ٣٨٨.
(١٠) الجواهر المضية، ٢/ ٢٠٥.
стр. 28
المقبرة في تلك القرون (١). لكنها غير موجودة اليوم كما أفاد ذلك الأستاذ محمد حميد الله (٢).
وقد رثاه اليزيدي ورثى الكسائي الذي مات معه في نفس اليوم بقصيدة (٣).
١٣ - آثاره العلمية
أ - كتاب الأصل
ويأتي الكلام عليه مفصلاً.
ب - الجامع الصغير
وهو أحد كتب ظاهر الرواية. وقد روى محمد بن الحسن مسائل هذا الكتاب عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، وألفه بطلب من أبي يوسف. فيذكر في أول كل باب: محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة. ويذكر فيه الخلاف بين هؤلاء الأئمة في بعض المواضع. وقد رتب الكتاب أبو طاهر الدباس والحسن بن أحمد الزعفراني. ويحتوي الجامع الصغير على ١٥٣٢ مسألة فقهية مختصرة بدون ذكر أدلتها. وهو كتاب فقهي مختصر يحتوي على أمهات المسائل الفقهية في كل باب. وقد اعتنى به الفقهاء الأحناف كثيراً ما بين شارح وناظم (٤). وذكر مخطوطاته ومخطوطات شروحه بروكلمان (٥) وسزكين (٦). وطبع الكتاب عدة طبعات غير محققة، في بولاق بهامش كتاب
_________
(١) الكامل لابن الأثير، ٩/ ٤٣٦؛ والجواهر المضية، ١/ ١٥٦ - ١٥٧، ١٧٠.
(٢) ومدينة الري هي في طهران اليوم. وقد ذكر الأستاذ حميد الله أنه يوجد مصنع للإسمنت في تلك المنطقة اليوم. انظر:
Muhammed Hamidullah، Olumunun ١٢٠٠ uncu yildonumunde Sarlman in muasiri: imam Muhammed b. el - Hasen es - Seybani (trc. Yusuf Ziya Kavakci) Islam Medeniyeti، sy. ٢٠، Istanbul ١٩٦٩، s. ٧.
(٣) تاريخ بغداد، ٢/ ١٨٢.
(٤) كشف الظنون، ١/ ٥٦١ - ٥٦٤.
(٥) تاريخ الأدب العربي، ٣/ ٢٥٣ - ٢٥٤.
(٦) تاريخ التراث العربي، المجلد الأول، الجزء الثالث، ٦٧ - ٧١.
стр. 29
الخراج لأبي يوسف سنة ١٣٠٢، وفي الهند في سنوات ١٢٩١، ١٢٩٤، ١٣١٠، ١٣٢٨. وطبع في بيروت سنة ١٤٠٦/ ١٩٨٦، مع مقدمة عبد الحي اللكنوي المسماة بالنافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير، وشرح اللكنوي للجامع الصغير. وقد طبع الكتاب بتحقيقنا قريباً.
ج - الجامع الكبير
وهو أحد كتب ظاهر الرواية. وقد ألفه الإمام محمد تأليفاً مستقلاً من دون رواية عن أبي يوسف. وهو أكبر حجماً من الجامع الصغير. ولم يذكر في أبواب العبادات إلا مسائل قليلة، وتوسع في الأبواب الأخرى. وهو مثل الجامع الصغير من حيث خلوه عن الأدلة. وتظهر فيه ملكة المؤلف الفقهية أكثر حيث يبني مسائل كل باب على قواعد فقهية من غير أن يصرح بتلك القواعد، وقد بين الفقهاء تلك القواعد في شروحهم على الكتاب. وعليه شروح كثيرة وأعمال أخرى من الاختصار والنظم (١). وذكر مخطوطاته مع شروحه وغير ذلك بروكلمان (٢) وسزكين (٣). وطبع الكتاب بتحقيق أبو الوفا الأفغاني في الهند سنة ١٣٥٦، ثم صور وطبع في بيروت.
د - السير الصغير (٤)
وهو أحد كتب ظاهر الرواية. ويغلب على الظن وجوده ضمن كتاب الأصل في النسخ التي بأيدينا. وقد طبع طبعة مستقلة بتحقيق مجيد خدوري في بيروت سنة ١٩٧٥ بالاعتماد على بعض نسخ كتاب الأصل. والكتاب يحتوي على مسائل الجهاد والحرب والسلام وما يلحق بذلك مما يدخل في موضوع القانون الدولي اليوم.
_________
(١) كشف الظنون، ١/ ٥٦٧ - ٥٧٠.
(٢) تاريخ الأدب العربي، ٣/ ٢٥٠ - ٢٥٣.
(٣) تاريخ التراث العربي، المجلد الأول، الجزء الثالث، ٥٩ - ٦٧.
(٤) كشف الظنون، ٢/ ١٠١٣.
стр. 30
هـ - السير الكبير
وهو أحد كتب ظاهر الرواية. وهو أوسع من السير الصغير، وموضوعه هو نفسه. ويقال: إنه آخر مؤلفات محمد بن الحسن (١). والكتاب موجود ممزوجاً بشرح السرخسي، وقد امتزجت مسائله مع الشرح فلم تتميز تماماً. وذكر مخطوطاته بروكلمان (٢) وسزكين (٣). وللكتاب شروح أخرى كشرح الحلواني والحصيري (٤). وقد طبع مع شرح السرخسي له في حيدر آباد سنة ١٣٣٥ - ١٣٣٦ في أربعة أجزاء، وفي القاهرة طبعته جامعة الدول العربية بتحقيق صلاح الدين المنجد في خمسة أجزاء سنة ١٩٧١ - ١٩٧٢. وكانت جامعة القاهرة طبعت الجزء الأول من الكتاب بتحقيق محمد أبو زهرة ومصطفى زيد سنة ١٩٥٨، لكن لم يكتمل هذا العمل. وقد شرح محمد منيب العينتابي (ت. ١٢٣٨) شرح السير الكبير للسرخسي باسم تيسير المسير في شرح السير الكبير. وترجم العينتابي المذكور شرح السير الكبير للسرخسي إلى التركية، وطبع في إسطنبول في جزءين سنة ١٢٤١. كما ترجم شرح السير الكبير للسرخسي إلى الفرنسية الأستاذ محمد حميد الله، وطبعت وقف الديانة التركي هذه الترجمة في أنقرة في أربعة أجزاء سنة ١٩٨٩ - ١٩٩١.
و- الزيادات
وهو من كتب ظاهر الرواية. وقد ألفه الإمام محمد استدراكاً لما لم يذكره من المسائل في كتاب الأصل أو غيره من مؤلفاته. وأسلوبه فيه سرد المسائل كما في الجامع الصغير والجامع الكبير. ومسائل الكتاب مسائل دقيقة على شاكلة مسائل الجامع الكبير. وشرحه عدد من الفقهاء الأحناف (٥). وذكر
_________
(١) كثف الظنون، ٢/ ١٠١٣ - ١٠١٤.
(٢) تاريخ الأدب العربي، ٣/ ٢٥٥.
(٣) تاريخ التراث العربي، المجلد الأول، الجزء الثالث، ٧٢ - ٧٣.
(٤) كشف الظنون، ٢/ ١٠١٤.
(٥) كشف الظنون، ٢/ ٩٦٢ - ٩٦٣.
стр. 31
مخطوطات الكتاب وشروحه بروكلمان (١) وسزكين (٢).
ز - زيادات الزيادات
وهو ملحق بالكتاب السابق من حيث المضمون كما هو واضح من اسمه. وقد شرحه السرخسي وغيره (٣). وطبع شرح السرخسي باسم النكت بتحقيق أبو الوفا الأفغاني في حيدر آباد سنة ١٣٧٨.
ح - الآثار
وهي عبارة عن الأحاديث والآثار التي يرويها الإمام محمد عن أبي حنيفة وغيره من مشايخه. ويعقب الروايات أحياناً ببيان رأي أبي حنيفة ورأيه وهل يأخذ بالأثر المروي أم لا؟ وذكر مخطوطاته بروكلمان (٤) وسزكين (٥). وقد طبع الكتاب في لكنو سنة ١٨٨٣، وفي لاهور سنة ١٣٠٩، وفي بشاور سنة ١٩٨٧، وفي القاهرة سنة ٢٠٠٧ بتحقيق أحمد عيسى المعصراوي.
ط - الموطأ
وهو رواية محمد بن الحسن لموطأ مالك، حيث تلقى الإمام محمد الموطأ عن الإمام مالك عندما رحل إلى المدينة. وقد أضاف إلى ذلك بيان رأيه ورأي أبي حنيفة، وهل يأخذ بالحديث المروي في الباب أم لا مع رواية ما يؤيد رأيه من الحديث أو الأثر أحياناً. وهي إحدى الروايات المشهورة للموطأ. وذكر مخطوطات الكتاب وشروحه بروكلمان (٦) وسزكين (٧). قد طبع الكتاب عدة طبعات قديمة بالهند، وطبع في القاهرة
_________
(١) تاريخ الأدب العربي، ٣/ ٢٤٨ - ٢٤٩.
(٢) تاريخ التراث العربي، المجلد الأول، الجزء الثالث، ٥٧ - ٥٩.
(٣) كشف الظنون، ٢/ ٩٦٣، ٩٦٤؛ وتاريخ الأدب العربي، ٣/ ٢٤٩ - ٢٥٠؛ وتاريخ العربي، المجلد الأول، الجزء الثالث، ٥٩.
(٤) تاريخ الأدب العربي، ٣/ ٢٥٤ - ٢٥٥.
(٥) تاريخ التراث العربي، المجلد الأول، الجزء الثالث، ٧١.
(٦) تاريخ الأدب العربي، ٣/ ٢٧٨.
(٧) تاريخ التراث العربي، المجلد الأول، الجزء الثالث، ١٣٣.
стр. 32
بتحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف سنة ١٩٦٢. وطبع مع شرحه التعليق الممجد على موطأ محمد لعبد الحي اللكنوي بتحقيق تقي الدين الندوي سنة ١٤١٢/ ١٩٩١ في بومباي / دمشق.
ي - الحجة على أهل المدينة
وهو يتضمن احتجاج الإمام محمد على أهل المدينة في آرائهم الفقهية بالأحاديث والآثار والحجج العقلية. فهو أقدم كتاب في علم الخلاف. وذكر مخطوطاته بروكلمان (١) وسزكين (٢). وطبع في الهند بتحقيق مهدي حسن الكيلاني سنة ١٩٦٤.
ك - كتاب الكسب
ويسمى أيضاً الاكتساب في الرزق المستطاب. وقد وصل إلينا بشرح السرخسي. ويوجد في المبسوط للسرخسي (٣). وطبع عدة طبعات. أحسنها ما طبع بتحقيق شيخنا العلامة المرحوم عبد الفتاح أبو غدة في حلب سنة ١٤١٧/ ١٩٩٧.
ل - كتاب الحيل
ويأتي الكلام عليه.
م - الأمالي
وهي مسائل فقهية رواها سليمان بن شعيب الكيساني وأبوه عن الإمام محمد. ولذلك تسمى الكيسانيات. وطبع جزء من الأمالي بالهند سنة ١٣٦٠/ ١٩٤١.
ن - النوادر
وهي مرويات أصحابه عنه في المسائل الفقهية المختلفة. وتنسب تارةً
_________
(١) تاريخ الأدب العربي، ٣/ ٢٥٦.
(٢) تاريخ التراث العربي، المجلد الأول، الجزء الثالث، ٧٥.
(٣) المبسوط، ٣٠/ ٢٤٤ - ٢٨٧. وانظر: تاريخ الأدب العربي لبروكلمان ٣/ ٢٥٦؛ وتاريخ التراث العربي لسزكين، المجلد الأول، الجزء الثالث، ٧٥.
стр. 33
إلى الراوي لها عن الإمام محمد، مثل نوادر هشام التي رواها هشام بن عبيد الله الرازي، ونوادر أبي سليمان الجوزجاني، ونوادر المعلى بن منصور الرازي، والجرجانيات نسبة إلى علي بن صالح الجرجاني، والهارونيات نسبة إلى شخص اسمه هارون؛ وتارةً إلى مكان الرواية مثل الرَّقِّيات التي رواها محمد بن سماعة عن الإمام محمد عندما كان قاضياً بالرقة. وقد ضاعت معظم هذه النوادر (١). وتوجد نسخة من نوادر المعلى في إسطنبول (٢). ويذكر السرخسي وغيره من الفقهاء الأحناف المتقدمين نقولاً كثيرة عن هذه النوادر.
س - كتب أخرى نسبت إليه
أما كتاب العقيدة الشيبانية فلم تصح نسبته إليه (٣). فهي منظومة علمية، والمنظومات العلمية ظهرت متأخرة عن عصر الإمام محمد. كما أن فيها بيتاً يذكر فيه الإمام الشافعي وأحمد بن حنبل مما يقطع بعدم صحة نسبة هذا الكتاب إلى الإمام محمد (٤).
أما كتاب أصول الفقه الذي ذكره ابن النديم (٥)، وذكر له بروكلمان مخطوطة (٦) وزعم أن عليه شرحاً للسرخسي، فما هو إلا قطعة من كتاب الأصل كما يظهر من كلام بروكلمان نفسه حيث يشير إلى أنه يطابق نسخة من كتاب الأصل (٧).
وهناك كتابان آخران ذكرهما بروكلمان، وهما فتوى في منظومة، وقصيدة الشيباني؛ ولا تصح نسبتهما إليه (٨).
_________
(١) الإمام محمد بن الحسن، ١٧٥ - ١٧٦.
(٢) تاريخ التراث العربي، المجلد الأول، الجزء الثالث، ٨٠.
(٣) تاريخ الأدب العربي، ٣/ ٢٥٥ - ٢٥٦؛ وتاريخ التراث العربي، المجلد الأول، الجزء الثالث، ٧٣ - ٧٤؛ والإمام محمد بن الحسن، ١٨٣ - ١٨٤.
(٤) المصدر السابق.
(٥) الفهرست، ٢٨٨.
(٦) تاريخ الأدب العربي، ٣/ ٢٥٦.
(٧) سيأتي الكلام على معنى كلمة الأصل والأصول في كلام الفقهاء الأحناف المتقدمين.
(٨) تاريخ الأدب العربي، ٣/ ٢٥٧؛ والإمام محمد بن الحسن، ١٨٤.
стр. 34
أما الكتب التي ذكرها سزكين مثل كتاب الصلاة والإكراه والمضاربة وغير ذلك (١) فما هي إلا الكتب الفقهية الموجودة ضمن كتاب الأصل (٢).
وقد ذكر ابن النديم كتباً أخرى مثل اجتهاد الرأي، والخصال (٣)، لكنها في عداد الكتب المفقودة.
١٤ - كتب في الرد عليه
ألف في الرد على محمد بن الحسن عدد من العلماء المخالفين له في رأيه وتفكيره الفقهي. منهم الإمام الشافعي (ت. ٢٠٤). ففي الأم له كتاب الرد على محمد بن الحسن (٤)، كما أنه يذكر مناظراته معه في مواضع أخرى من الأم. وكتاب الرد على محمد بن الحسن لا يحتوي إلا على كتاب الديات. ولعله جزء من كتاب أكبر. ومن الذين ردوا على محمد بن الحسن نُعيم بن حماد المروزي (ت. ٢٢٨)، فقد ذُ كر عنه أنه وضع كتباً في الرد على أبي حنيفة وناقض محمد بن الحسن (٥). كذلك من الذين ردوا عليه إسماعيل بن إسحاق القاضي المالكي (ت. ٢٨٢)، وقد ألف كتاباً في الرد على محمد بن الحسن يكون نحو مائتي جزء، ولم يكمل (٦). أيضاً من العلماء الذين ردوا عليه ابن الوراق المروزي المالكي (ت. ٣٢٩)، وهو أبو بكر محمد بن أحمد، ألف كتباً على مذهب مالك، منها كتاب الرد على محمد بن الحسن (٧).
_________
(١) تاريخ التراث العربي، المجلد الأول، الجزء الثالث، ٧٥ - ٧٨.
(٢) سيأتي الكلام على كتاب الأصل وأنه ألف كتاباً كتاباً ثم جمع.
(٣) الفهرست، ٢٨٨.
(٤) الأم (تحقيق رفعت فوزي)، ٩/ ٨٥ - ١٦٩.
(٥) سير أعلام النبلاء، ١٠/ ٥٩٩.
(٦) سير أعلام النبلاء، ١٣/ ٣٤٠؛ وطبقات الحفاظ للسيوطي، ١/ ٢٧٩.
(٧) الديباج المذهب، ١/ ٢٤٣ - ٢٤٤.
стр. 35
القسم الأول: التعريف بكتاب الأصل
١ - مكانة كتاب الأصل في في تاريخ التشريع الإسلامي:
أ - مكانة كتاب الأصل في الفقه الحنفي خصوصاً:
من المشهور أن مسائل المذهب الحنفي على ثلاث طبقات:
الأولى: مسائل الأصول، وتسمى ظاهر الرواية. وهي مسائل مروية عن أئمة المذهب وهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد (١). ويلحق بهم زفر بن الهذيل والحسن بن زياد وغيرهما ممن أخذ عن أبي حنيفة. ويسمى هؤلاء بالمتقدمين. ثم هذه المسائل التي سميت مسائل الأصول وظاهر الرواية هي ما وُجدت في كتب محمد التي هي المبسوط والزيادات والجامع الصغير والكبير والسير الصغير والكبير. وإنما سميت بظاهر الرواية لأنها رويت برواية الثقات وتواترت أو اشتهرت عنه (٢).
الثانية: مسائل النوادر. وهي مسائل مروية عن أئمة المذهب المذكورين لكن لا في الكتب المذكورة؛ بل في كتب غيرها تنسب إلى محمد كالكَيْسانيات والهارونيات والجرجانيات والرَّقِّيات، أو في كتب غير محمد ككتاب المجرَّد للحسن بن زياد وكتب الأمالي لأصحاب أبي يوسف وغيرهم، أو بروايات مفردة مثل رواية ابن سماعة ورواية معلى بن منصور وغيرهما في مسألة معينة. وإنما سميت هذه المسائل بالنوادر أو غير ظاهر
_________
(١) كشف الظنون ٢/ ١٢٨١.
(٢) كشف الظنون ٢/ ١٢٨١ - ١٢٨٢.
стр. 36
الرواية لأنها لم ترو بروايات ظاهرة ومشهورة كالمسائل الأولى (١).
الثالثة: الفتاوى والواقعات. وهي مسائل استنبطها المجتهدون المتأخرون لما سئلوا عنها ولم يجدوا فيها رواية عن أئمة المذهب المتقدمين. وهم أصحاب أبي يوسف وأصحاب محمد وأصحاب أصحابهما وهلم جراً. وهم كثيرون. فمن أصحاب أبي يوسف ومحمد مثل إبراهيم بن رستم ومحمد بن سماعة وأبي سليمان الجوزجاني وأبي حفص البخاري، ومن أصحاب أصحابهما ومن بعدهم مثل محمد بن سلمة ومحمد بن مقاتل ونصير - وقيل: نصر - ابن يحيى وأبي نصر. وقد يتفق لهم أن يخالفوا أئمة المذهب لدلائل ظهرت لهم. وأول كتاب جمع في فتاواهم كتاب النوازل لأبي الليث السمرقندي. ثم جمع المشايخ بعدهم كتباً أخرى كمجموع النوازل والواقعات للصدر الشهيد (٢).
ثم ذكر المتأخرون المسائل في كتبهم مختلطة غير متميزة، وميز بعضهم كرضي الدين السرخسي في المحيط، فإنه يذكر أولاً مسائل الأصول ثم مسائل النوادر ثم مسائل الفتاوى (٣).
والكتب التي هي ظاهر الرواية لمحمد بن الحسن ستة كما هو مشهور، الأصل - ويسمى بالمبسوط أيضاً - والجامع الصغير والجامع الكبير والزيادات والسير الكبير والسير الصغير (٤). ومن كتب مسائل الأصول كتاب الكافي للحاكم، وقد اختصر فيه كتب محمد بن الحسن، وهو معتمد في نقل المذهب (٥).
_________
(١) كشف الظنون ٢/ ١٢٨٢.
(٢) كشف الظنون ٢/ ١٢٨٢.
(٣) كشف الظنون ٢/ ١٢٨٢. لكنه لم يلتزم لفظ الإمام محمد في كتبه، بل ذكر المسائل بالمعنى كما يتبين ذلك من المقارنة بين المحيط لرضي الدين السرخسي وبين كتاب الأصل للإمام محمد. والمحيط لا يزال مخطوطاً. وقد اطلعنا على نسخة مخطوطة منه. انظر: المحيط لرضي الدين السرخسي، ١/ ١ ظ وما بعده.
(٤) مجموعة الرسائل لابن عابدين، ١/ ١٦.
(٥) مجموعة الرسائل لابن عابدين، ١/ ٢٠.
стр. 37
فكتاب الأصل هو أوسع كتب ظاهر الرواية وأكثرها فروعاً وأبسطها عبارة. فلذلك كان هو عمدة المذهب الحنفي.
ب - مكانة كتاب الأصل في الفقه الإسلامي عموماً:
إن الإمام أبا حنيفة (ت. ١٥٠) هو في الحقيقة واضع الحجر الأساسي للمذاهب الفقهية الأخرى. فمن حيث الزمن هو أقدمهم، وهو أكبرهم سناً. ومن حيث الفروع الفقهية وتوسيع مسائل الفقه بالقياس، واختراع المسائل الافتراضية وبحث الحلول لها هو المقدم من بين الفقهاء في جميع ذلك. وكتاب الأصل في أساسه مبني على الأسس والقواعد التي وضعها في مدرسته الفقهية بالكوفة. وقد دون أصحابه وتلاميذه أقواله وآراءه في مجلسه أو بعد ذلك مع إضافة أقوالهم في تلك المسائل. ومن أشهرهم ومتقدميهم في ذلك الإمام أبو يوسف. وقد جمع الإمام محمد بن الحسن هذه الأقوال في كتاب الأصل مع إضافة رأيه إلى رأي الإمامين المذكورين.
وقد كان الإمام مالك بن أنس (ت ١٧٩) بالمدينة معاصراً للإمام أبي حنيفة وإن كان أصغر منه سناً. لكن فقه الإمام مالك لم يكن يشبه فقه الإمام أبي حنيفة في وضع المسائل والتفريع لها والإكثار من القياس واختراع المسائل الافتراضية. وقد قال أسد بن الفرات وقد قَدِم على مالك من أفريقية: كان ابن القاسم وغيره من أصحاب مالك يجعلونني أسأله عن المسألة، فإذا أجاب يقولون: قل له: فإن كان كذا؟ فأقول له؛ فضاق علي يوماً، فقال لي: هذه سليسلة بنت سليسلة، إن أردت هذا فعليك بالعراق (١).
وهذا ما صنعه أسد بن الفرات حقاً، فقد رحل إلى العراق وأخذ عن أبي يوسف ومحمد بن الحسن، وغلب عليه علم الرأي، وكَتَبَ عِلْمَ أبي حنيفة، كما يقول الذهبي (٢). ولما رجع من العراق ذهب إلى ابن وهب فقال: هذه كتب أبي حنيفة، وسأله أن يجيب فيها على مذهب مالك، فأبى وتورع؛ فذهب بها إلى ابن القاسم، فأجابه بما حفظ عن مالك وبما يعلم من قواعد
_________
(١) الموافقات، ٤/ ٣١٨.
(٢) سير أعلام النبلاء، ١٠/ ٢٢٥.
стр. 38
مالك، وتسمى هذه المسائل الأسدية (١). وأخذها عنه سحنون بن سعيد، صاحب المدونة التي هي أساس الفقه المالكي، ثم عرضها على ابن القاسم أيضاً (٢). فقد لجأ أصحاب الإمام مالك إلى الاستفادة من الفقه الحنفي في وضع المسائل وتوسيع الفقه المالكي، والسؤال هو نصف العلم كما يقال.
أما الإمام الشافعي (ت. ٢٠٤) فقد درس الفقه الحنفي دراسة دقيقة على يدي الإمام محمد بن الحسن. وقد حمل عنه وقر بعير كتباً، كما قال (٣). وكان يعترف بالفضل للإمام أبي حنيفة واضع المذهب، واشتهر قوله: "الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة" (٤). كما كان يعترف بالفضل للإمام محمد بن الحسن. فقد قال له رجل يوماً: "خالفك الفقهاء، فقال: هل رأيت فقيهاً قط، إلا أن يكون محمد بن الحسن"؛ وقال أيضاً: "أَمَنُّ الناس عليّ في الفقه محمد بن الحسن" (٥).
قال النووي: "أبو العباس بن سُريج الشافعي (ت. ٣٠٦)، هو أحد أعلام أصحابنا، بل أوحدهم بعد الذين صحبوا الشافعي، وهو الذي نشر مذهب الشافعي وبسطه. قال الخطيب البغدادي: هو إمام أصحاب الشافعي في وقته، شرح المذهب ولخصه وعمل المسائل في الفروع، وصنف كتباً في الرد على المخالفين من أصحاب الرأي. وقال الشيخ أبو إسحاق في طبقاته: كان ابن سريج من عظماء الشافعيين، وكان يفضَّل على جميع أصحاب الشافعي حتى على المزني. قال: وسمعت شيخنا أبا الحسن الشيرجي الفرضي يقول: فَرَّعَ على كتب محمد بن الحسن … وعنه انتشر فقه الشافعي في أكثر الآفاق" (٦).
_________
(١) سير أعلام النبلاء، ١٠/ ٢٢٦.
(٢) الموضع السابق.
(٣) الانتقاء لابن عبد البر، ٦٩، ١٧٤، وطبقات الفقهاء للشيرازي، ١٤٢، وسير أعلام النبلاء، ١٠/ ٧.
(٤) تاريخ بغداد، ١٣/ ٣٤٦؛ وتهذيب التهذيب، ١٠/ ٤٠٢.
(٥) تاريخ بغداد، ٢/ ١٧٦.
(٦) تهذيب الأسماء، ٢/ ٥٣٠ - ٥٣١؛ ووفيات الأعيان، ١/ ٦٦.
стр. 39
ولما سئل الإمام أحمد بن حنبل: "من أين لك هذه المسائل الدِّقَاق؟ أجاب بأنها من كتب محمد بن الحسن" (١).
فهذه المذاهب الفقهية الكبرى قد اعترف أئمتها بأن مسائل الفقه من وضع أبي حنيفة وأصحابه. ولا شك أن هناك خلافاً كثيراً في حلول المسائل الفقهية بين هذه المذاهب والفقه الحنفي؛ لكن أصل وضع هذه المسائل وتفريعها إنما هو من صنع أبي حنيفة وأصحابه. ومصدر هذه المسائل بالدرجة الأولى هو كتاب الأصل. فهذا يبين مقدار أهمية الكتاب بالنسبة للفقه الإسلامي وتاريخه.
٢ - اسم الكتاب:
للكتاب تسميتان مشهورتان، كتاب الأصل، والمبسوط (٢). ويقال له: الأصل أيضاً بدون استعمال لفظ الكتاب. وقيل: إن سبب تسميته بالأصل، لأنه صنفه محمد بن الحسن أولاً وقبل كتبه الأخرى (٣).
ولسنا متأكدين من أن محمد بن الحسن كان قد سمى كتابه بأحد هذين الاسمين. ونظن أن تسمية الكتاب بالأصل أو المبسوط قد حدث مؤخراً. فقد كان محمد بن الحسن ألف كل كتاب من الكتب الفقهية على حدة، ثم جمعت تلك الكتب تحت عنوان كتاب واحد. وقد ذكر كاتب جلبي أن محمد بن الحسن ألف الكتب الفقهية مفرداً، فألف مسائل الصلاة وسماه كتاب الصلاة ومسائل البيوع وسماه كتاب البيوع وهكذا، ثم جمعت فصارت مبسوطاً، وبين أنه المراد حيث ما وقع في الكتب قال محمد في كتاب فلان كذا (٤). لكننا لا ندري هل كان الجامع لهذه الكتب تحت عنوان واحد هو محمد بن الحسن نفسه أو أن تلاميذه الراوين لكتبه هم الذين قاموا
_________
(١) المنتظم لابن الجوزي، ٩/ ١٧٥؛ وسير أعلام النبلاء، ٩/ ١٣٦.
(٢) كشف الظنون، ١/ ١٠٧؛ ٢/ ١٢٨٢.
(٣) كشف الظنون، ١/ ١٠٧؛ ٢/ ١٢٨٢.
(٤) كشف الظنون، ٢/ ١٥٨١.
стр. 40
بذلك الجمع؟ ويترجح لدينا أن الرواة هم الذين قاموا بهذا الأمر. فمثلا لا يذكر ابن النديم أحد هذين الاسمين، الأصل أو المبسوط، بل يذكر كل كتاب من كتب الفقه على حدة، مثل كتاب الصلاة، كتاب المناسك وهكذا (١). كما لا يذكر الحاكم الشهيد ذلك أيضاً، بل يقول في مقدمة الكافي: "قد أودعت كتابي هذا معاني محمد بن الحسن -رحمه الله تعالى- في كتبه المبسوطة … " (٢) لكن يذكر السرخسي تسمية الكتاب باسم "الأصل" في مواضع كثيرة من المبسوط، فيقول مثلاً: "قال محمد في الأصل … " (٣) وذكره السمرقندي والكاساني والمرغيناني وغيرهم بهذا الاسم أيضاً (٤). كما يذكره السرخسي وغيره باسم المبسوط أيضاً، لكن في مواضع أقل بكثير إذا ما قورن بالتسمية باسم "الأصل" (٥). ولعل ذلك دفعاً للالتباس بين مبسوط الإمام محمد ومبسوط السرخسي وغيرهما، فقد كثرت تسمية الكتب بهذا الاسم فيما بعد، لكن التسمية باسم "الأصل" ليست بتلك الكثرة.
وسبب التسمية بالأصل في نظرنا يرجع إلى أنه كتاب شامل للمسائل والقواعد الأساسية التي وضعها أبو حنيفة ومن بعده أبو يوسف ومحمد بن الحسن؛ فهذا الكتاب هو الأصل والأساس والقاعدة التي بني عليها الفقه الحنفي فيما بعد. وقد كانت هذه المسائل تعرف بمسائل الأصول. فقد كانت آراء الإمام أبي حنيفة تدون من قبل تلاميذه، فكانوا يناقشون المسألة في مجلسه فإذا استقر رأيهم على أمر دونوه في "الأصول" (٦). ولعل المقصود بالأصول هنا كتب وأبواب الفقه الأساسية، فموضوع الصلاة مثلاً أصل،
_________
(١) الفهرست، ٢٨٧ - ٢٨٨.
(٢) الكافي، ١/ ١ ظ.
(٣) المبسوط، ١/ ١٦٢؛ ٣/ ٨١، ١٢٧؛ ٨/ ٨٤؛ ٢٦/ ١٧٨، ٢٩/ ٩٢، ١٠٨.
(٤) تحفة الفقهاء، ١/ ٢٠٤؛ ٢/ ٢٩١، ٣١٩، ٣٦٠؛ ٣/ ٥٢، ١٣٣، ١٩٣؛ وبدائع الصنائع، ١/ ١٦٣، ٢٧٣، ٢٨٤، والهداية، ١/ ١٦٠؛ ٢/ ١٧٥؛ ٣/ ١٥٥.
(٥) المبسوط، ١/ ٣؛ ١٨/ ١٢٧؛ والهداية، ٢/ ٨٤؛ ٣/ ٧٨.
(٦) وكانوا يدعونها "أصول الفقه" أيضاً. انظر: مناقب أبي حنيفة للمكي، ٥٠٨؛ وفقه أهل العراق وحديثهم، ٥٥، ٥٦.
следующие страницы →