← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 14285

الأصل لمحمد بن الحسن - ت بوينوكالن

محمد بن الحسن الشيباني

Полный текст (6 738 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

حتى يدفعه إلى الوارث. فإذا امتنع بدفعه (١) في موضع لا يقدر فيه على سلطان يأخذه فيدفعه إليه وسع الوارث ومن حضر قضاء القاضي إن امتنع عليهم بدفعه (٢) قتاله (٣) وقتله حتى يؤخذ منه فيدفع إلى الوارث. وكذلك (٤) لو حضر الوارث إقرار الذي كان الشيء في يده بمثل ما شهد به الشاهدان وسعه أخذه منه وقتاله عليه، ووسع من حضر معه إعانته عليه حتى يستنقذوا (٥) ذلك من يده. ولو أن رجلاً كانت له امرأة فشهد (٦) عندها شاهدان عدلان أن زوجها طلقها ثلاثاً وهو يجحد ذلك، ثم غابا أو ماتا قبل أن يشهدا عند القاضي بذلك، لم يسع امرأته أن تقيم عنده، وكان هذا بمنزلة سماعها لو سمعته يطلقها. ولا يشبه شهادة الشاهدين في هذا الوجه ما وصفت لك قبله من القتل والأموال؛ لأن الطلاق لا ينتقض بوجه من الوجوه، ولا يكون أبداً إلا طلاقاً، ولا تكون المرأة به أبداً إلا بائناً. فإن قال قائل: قد يطلق الرجل غير امرأته فلا يكون ذلك طلاقاً؟ قيل له: فهي حرام عليه بأحد الوجهين: إما تكون غير زوجة فلا يسعه أن يقربها ولا يسعها (٧) أن تدعه. أو تكون زوجة له قد أبانها (٨) بالطلاق، فصارت بذلك (٩) غير زوجة، فحرم بذلك فرجها. فلا ينبغي لها أن تدعه أن يقربها أي الوجهين كانت عليه. وإنما الذي يريد أن يبطل شهادة الشاهدين لا يبطلها إلا بخصلة واحدة: الطعن في شهادتهما (١٠)، يقول: لعلهما كاذبان. فإذا كانا عدلين فليس ينبغي له أن يطعن في شهادتهما، ولا يرد (١١) بالتهمة، ولو وسع هذا لوسع (١٢) غيره. أرأيت رجلين عدلين أو أكثر من ذلك شهدا عند

стр. 947

رجل وامرأته أنهما أُرْضِعَا وهما صغيران في الحولين من امرأة واحدة، وأثبتوا ذلك ووصفوه، أيسع الرجل وامرأته أن يقيما على نكاحهما ويكذبا الشهود حتى يقضي القاضي بالفرقة بينهما؟ أرأيت لو مات الشهود قبل أن يتقدموا إلى القاضي أو غابوا أكان يسع هذين أن يقيما على نكاحهما وهما يعرفان أن الشهود عدول مرضيون؟ فهذا لا ينبغي المقام عليه من واحد منهما من الزوج ولا من المرأة. أرأيت لو شهدت الشهود بذلك عند القاضي أو بالطلاق الذي وصفت لك فلم يعرف القاضي عدل الشهود وسأل عنهما القاضي فلم يعرفوا بتلك البلاد والرجل والمرأة أو أحدهما يعرف الشهود (١) بالعدل والرضا أينبغي لهما بعد المعرفة بذلك أن يقيما على النكاح؟ ليس ينبغي المقام على هذا النكاح بعد الذي وصفت لك إن قضى القاضي بشهادتهما أو لم يقض. ولكن المرأة التي شهد عندها الشهود بالطلاق أو شهدوا عندها بالرضاع إن جحد الزوج ذلك وأراد المقام عليها لم يسعها المقام معه. فإن هربت منه وامتنعت عليه وقهرته وكانت على ذلك قادرة بسلطان أو غير ذلك لم يسعها أن تعتد (٢)؛ لأن الحاكم لم يحكم بالفرقة بينهما، فهي لا يسعها أن تتزوج، ولا يسعها أن تدعه أن يقربها. وكذلك إن سمعته طلقها ثلاثاً ثم جحد وحلف أنه لم يفعل فردها القاضي عليه لم يسعها المقام معه، ولا يسعها أن تعتد وتتزوج؛ لأن الحاكم حكم بأنها زوجه (٣)، فلا ينبغي لها أن تتزوج غيره، فتركب (٤) بذلك أمراً حراماً عند المسلمين تكون به عندهم فاجرة. ولا يشبه هذا فيما وصفت لك قضاء القاضي فيما قضى به فيما يختلف فيه مما (٥) يرى الزوج فيه خلاف ما يرى القاضي. ولو أن رجلاً قال لامرأته: اختاري، فاختارت نفسها، وهو يرى أن ذلك تطليقة بائنة، والمرأة لا ترى ذلك طلاقاً، فقدمته إلى القاضي وطلبت

стр. 948

نفقتها وكسوتها، فقال الرجل للقاضي (١): إني خيرتها فاختارت نفسها، فبانت بذلك، والقاضي يرى أنها تطليقة تملك الرجعة، وهي على (٢) حالها، فقضى بأنها امرأته وأنه يملك الرجعة، جاز قضاء القاضي عليهما (٣) بذلك، ووسع الرجل أن يراجعها ويمسكها. وكذلك لو كانت المرأة هي التي ترى ذلك (٤) طلاقاً بائناً والرجل لا يرى ذلك فخاصمها إلى القاضي فقضى (٥) القاضي أنه يملك الرجعة، فإن ذلك جائز من القاضي، ولا يسع المرأة أن تفارق زوجها إذا راجعها. وكذلك هذا في جميع ما يختلف فيه من الأقضية إذا رأى الرجل ذلك حراماً أو رأته المرأة، وقضى القاضي بأنه حلال، وسع الذي رأى ذلك حراماً أن يرجع إلى قضاء القاضي ويأخذ به، ويدع ما رأى من ذلك لا يسعه غيره في كل حق يلزمه. فأما أَمْرٌ لو علم به القاضي لأنفذه وحرّم الفرج (٦) به ولكنه لم يمنعه (٧) من أن يحرم الفرج إلا أنه لم يعلمه فرد القاضي المرأة على زوجها بذلك، والمرأة تعلم خلاف ما يعلم القاضي، فليس ينبغي لها أن تلتفت إلى شيء من إحلال القاضي ولا غير ذلك، ولكنها أيضاً لا تقدم على إحلال فرج قد حرمه القاضي، فتأخذ في ذلك بالثقة، فلا يسعها المقام مع زوجها الأول ولا يسعها أن تتزوج (٨) غيره. وكذلك إذا شهد شاهدا عدل على رجل أنه أعتق جاريته هذه، أو شهدا عليه أنه أقر بعتقها، فليس يسعها أن تدعه يجامعها قضى بشهادتهما أو لم يقض، ولا يسعها أن تتزوج إذا كان يجحد العتق. وكذلك العبد إذا شهدا بعتقه والمولى يجحد ذلك وهما معدَّلان عند العبد لم يسع العبد أن يتزوج (٩) بشهادتهما حتى يقضي له القاضي بالعتق. ولا يشبه (١٠) العتق والطلاق والرضاع ما وصفت (١١) قبله من الأموال

стр. 949

وغيرها؛ لأن العتق والطلاق والرضاع لا يبطله شيء من الأشياء على وجه من الوجوه. فلذلك كانت الشهادة فيه بقضاء القاضي (١) أو بغير قضاء القاضي سواء. فأما ما سوى ذلك من العمد وغيره فقد يبطل بالعفو من ولي الدم ووالي القود وفيما (٢) دون الدم بالحقوق وبأشياء كثيرة على وجوه مختلفة (٣). فلذلك (٤) افترقت هذه الأشياء في غير قضاء القاضي إذا شهد بها الشهود العدول. ولو أن رجلاً كان متوضئاً فوقع في قلبه أنه أحدث وكان على ذلك أكبر رأيه فأفضل ذلك أن يعيد الوضوء. وإن لم يفعل وصلى على وضوئه الأول كان عندنا في سعة؛ لأنه عندنا على وضوء حتى يستيقن بالحدث. وإن أخبره مسلم ثقة أو امرأة ثقة مسلمة حرة أو مملوكة: إنك أحدثت (٥) أو نمت مضطجعاً أو رعفت، لم ينبغ له أن يصلي حتى يتوضأ. ولا يشبه هذا ما وصفت لك قبله من الحقوق؛ لأن هذا أمر الدين، فالواحد فيه حجة إذا كان عدلًا. والحقوق لا يجوز فيها إلا ما يجوز في الحكم. وإن أحدث رجل (٦) فاستيقن بالحدث ثم كان أكبر رأيه أنه توضأ فإنه لا ينبغي له أن يصلي حتى يستيقن بالوضوء. فإن أخبره رجل مسلم ثقة أو امرأة حرة أو أمة أنه قد توضأ أو أخبره (٧) من لا يعرف بالعدالة فوقع في قلبه أنهما صدقا فيما قالا وسعه أن يصلي وإن لم يحدث وضوء. فإن كان الرجل يبتلى بذلك كثيراً ويدخل عليه فيه الشيطان فاستيقن بالحدث واستيقن (٨) أنه قعد للوضوء فكان أكبر رأيه أنه توضأ وسعه عندنا أن يمضي على أكبر رأيه. ألا ترى أن رجلاً لو كان يشك في الصلاة كثيراً فدخل في الصلاة ثم لم يدر (٩) كم صلى مضى على أكبر (١٠) رأيه وظنه. وكذلك لو

стр. 950

شك في التكبير الأول فلم يدر أكبر أم لا إلا أنه في الصلاة مضى (١) على أكبر (٢) رأيه وظنه (٣)، [وَ] أجزأه ذلك. وإن كان قد فرغ من صلاته ثم عرض له شك في شيء مما وصفت لك لم يلتفت إليه، وأجزأته صلاته. وكذلك الوضوء إذا قام عنه عن تمام في نفسه ثم عرض له شك في مسح الرأس وغيره لم يلتفت إلى شيء من ذلك. وإذا أودع رجل مالاً عند رجل ثم أتاه يطلبه فأخبره أنه كان دفعه إليه فوقع في قلبه أنه صادق ولا يدري أكاذب هو أم لا إلا أنه عنده (٤) ثقة مسلم، فإن صدقه وأخذ بقوله فذلك فضل أخذ (٥) به وهو أحسن من غيره، وإن أبى إلا طلب حقه وأراد استحلافه عند القاضي على ذلك فهو من ذلك في سعة؛ لأن الرجل وإن كان عدلاً فهو غير مأمون فيما يَطلُب لنفسه وفيما يُطالَب به. فإن أبى اليمين وسع رب المال أن يأخذ منه المال. وإن أراده على اليمين فافتدى (٦) يمينه بغرم المال أو بعضه أو صالحه على شيء منه أو من غيره وسع رب المال أخذ ذلك منه. وكذلك إن قال: ضاع المال مني، وهو عنده عدل ثقة فالأفضل أن يكف عنه. وإن طالبه باليمين فحلف له على ذلك عند غير قاض فأبى إلا أن يستحلفه عند القاضي وسعه أن يطالبه باليمين عند القاضي؛ لأنه حق له في عنقه (٧) أن يحلف له عند الحاكم إذا لم يعلم أنه صادق فيما قال. فإن استحلفه عند الحاكم فنكل عن اليمين وسعه أن ياْخذ المال منه. وكذلك إن أراد استحلافه فافتدى يمينه بجميع المال أو بعضه فهو في سعة من

стр. 951

أخذ ذلك منه حتى يعلم أنه قد ضاع أو دفعه إليه. ولو لم يكن المال عنده وديعة ولكن كان ديناً عليه فأتاه يتقاضاه وقال: إني قد دفعته إليك، وكان عنده عدلا ثقة ووقع في قلبه أنه صادق وأن مثله لا يقول إلا حقاً إلا أنه لا يعلم ذلك يقيناً، فأفضل الأشياء له أن يصدقه. وإن أبى إلا أن يطالبه بحقه وسعه (١) أن يأخذ من ماله - إن قَدَرَ- مثل دينه. فإن أراد الغريم أن يستحلفه "ما قبض المال منه" وسعه أن يحلف على ذلك؛ لأن يمينه إنما هي على علمه، وهو لا يعلم ذلك يقيناً. وكذلك كل حق وجب (٢) لرجل على رجل من دين أو غيره فقال الذي عليه الحق: قد أوفيتك حقك أو أبرأتني منه، أو ادعى أجلاً بعيداً، فوقع في قلب صاحب الحق أنه صادق وكان على ذلك أكبر ظنه وكان عنده عدلاً ثقة، فأفضل ذلك أن يصدقه ويأخذ بقوله. وإن لم يصدقه وطالب بحقه فأراد المطلوب أن يحلفه فالأفضل للمطلوب أن لا يحلف. وإن حلف كان في سعة من يمينه؛ لأن يمينه (٣) على علمه، والرجل متهم على ما يدعي لنفسه وإن كان عدلاً. وكذلك إن أخبره مع المطلوب رجل عدل (٤) أو امرأة ورجل. فإن أخبره سوى المطلوب رجلان عدلان لم يسعه أن يطالب بحقه أو يحلف له على ذلك؛ لأن هذا يقضي فيه الحاكم. وكل من كان له حق فهو على حاله حتى يأتي اليقين على خلاف ذلك. واليقين أن يعلمه أو يشهد عنده الشهود العدول (٥).

стр. 952

بِسْمِ اللهِ اَلرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) كتاب الأيمان أبو سليمان قال: سمعت محمد بن الحسن يقول: الأيمان ثلاثة: يمين تكفر (٢)، ويمين لا تكفر (٣)، ويمين نرجو (٤) أن لا يؤاخذ بها صاحبها. فأما اليمين التي لا تكفر فالرجل يحلف على الكذب وهو يعلم أنه كاذب. فيقول: والله لقد كان كذا وكذا، ولم يكن من ذلك شيء. أو يقول: والله لقد فعلت كذا وكذا، وهو يعلم أنه لم يفعله. فهذه اليمين التي لا تكفر وعلى صاحبها فيها الاستغفار والتوبة. وأما اليمين التي (٥) تكفر فالرجل يحلف ليفعلن كذا وكذا اليوم، فيمضي ذلك اليوم من قبل أن يفعله. فقد وقعت اليمين على هذا ووجبت عليه الكفارة. والكفارة ما قال الله في كتابه: (٦) ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ (٧)، إلى آخر

стр. 953

الآية. وأما اليمين التي نرجو أن لا يؤاخذ الله بها صاحبها فالرجل يحلف في حديثه فيقول (١): لا والله، وبلى والله، وعلى ما يرى (٢) أنه حق، وليس هو كما قال. محمد عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن عائشة أنها قالت في قول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ﴾: إنه نحو هذا (٣). وإذا حلف الرجل ليفعلن كذا وكذا فيما يستقبل، ولم يوقت لذلك وقتاً، فهو على يمينه، لا تقع (٤) عليه الكفارة حتى يهلك ذلك الشيء الذي حلف عليه. فإذا هلك (٥) ذلك حنث (٦) ووجبت عليه الكفارة. وكذلك بلغنا عن إبراهيم. وإذا حلف الرجل فقال: ورحمة الله لأفعلن كذا وكذا، أو قال: وغضب الله، أو قال: وسخط الله، أو قال: وعذاب الله، أو قال: وثواب الله، أو قال: ورضا الله، أو قال: وعلم الله لا أفعل كذا وكذا، ثم حنث في شيء من ذلك، فليس في شيء من هذا يمين ولا كفارة. وإذا حلف الرجل بالله أو باسم من أسماء الله، أو قال: والله أو بالله أو تالله، أو قال: علي عهد الله أو ذمة الله، أو قال: هو يهودي أو نصراني أو مجوسي أو هو بريء من الإسلام، أو قال: أشهد أو أشهد بالله، أو قال: أحلف أو أحلف بالله، أو علي نذر أو علي نذر لله أو أعزم أو أعزم بالله، أو قال: علي يمين أو يمين لله (٧)، فهذه كلها أيمان. وإذا حلف بشيء منها ليفعلن كذا وكذا فحنث وجبت عليه الكفارة. محمد عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم بذلك، غير قوله: أعزم

стр. 954

أو أعزم بالله أو علي نذر أو نذر (١) لله أو علي يمين أو يمين لله، فإن هذا ليس (٢) مما روي عن إبراهيم (٣). وكذلك إذا قال: وعظمة الله، وعزة الله، وجلال الله، وكبرياء الله، وأمانة الله، فحنث وجبت عليه الكفارة. وإذا حلف الرجل بحد من حدود الله أو بشيء من شرائع الإسلام من الصلاة والزكاة أو الصيام فليس في شيء من هذا يمين ولا كفارة. ولا يكون اليمين إلا بالله ولا يكون بغيره. وكذلك لو حلف الرجل فقال: هو يأكل الميتة أو يستحل الخمر أو الدم أو لحم الخنزير أو يترك الصلاة أو الزكاة أو الصيام إن فعل كذا وكذا، فليس في شيء من هذا يمين، وليس عليه فيه كفارة إذا حنث (٤). وكذلك لو حلف رجل فقال: عليه لعنة الله، أو قال: غضب الله (٥)، أو قال: أمانة الله، أو دعا على نفسه بغير ذلك، فليس في شيء من هذا يمين ولا كفارة إذا حنث. وليس هذا بمنزلة قوله: هو يهودي أو نصراني أو مجوسي. وإذا قال الرجل: عذّبه الله أو أدخله الله النار أو حرمه الله الجنة، فليس في شيء منها كفارة ولا يمين، إنما هذا (٦) دعاء على نفسه. ولو أن رجلاً حلف بالحج أو العمرة (٧) أو جعل لله على نفسه صوماً أو صلاة أو صدقة أو اعتكافًا أو عتقاً أو هدياً أو شيئاً مما هو لله طاعة، فحلف بذلك فحنث لم يكن عليه كفارة يمين، ولكن عليه في ذلك أن يصنع الذي قال. واذا حلف الرجل بالمشي إلى بيت الله أو إلى الكعبة أو إلى المسجد

стр. 955

الحرام أو إلى مكة أو إلى الحرم فحنث فعليه عمرة، وإن شاء حجة، وإن شاء حج راكباً، وإن شاء ماشياً ويذبح لركوبه شاة. بلغنا عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: من جعل عليه الحج ماشياً حج راكباً وذبح (١) لركوبه شاة (٢). وقال أبو حنيفة: هذا كله واجب عليه غير قوله: المشي إلى الحرم أو إلى المسجد الحرام. وقال أبو يوسف ومحمد: هذا والأول سواء. وإذا حلف الرجل بالمشي إلى بيت الله وهو ينوي مسجداً من مساجد الله سوى (٣) المسجد (٤) الحرام (٥) فليس عليه في ذلك شيء (٦)؛ لأن المساجد كلها تدخل بغير إحرام، ولا يدخل المسجد (٧) الحرام إلا بإحرام. وإذا حلف الرجل فقال: علي السفر إلى مكة أو الذهاب إليها أو الركوب إليها فليس عليه شيء، وهذا وحلفه (٨) بالمشي سواء في القياس، غير أني أخذت في حلفه بالمشي بالاستحسان (٩)، ولأنها أيمان الناس. وإذا حلف الرجل فقال: أنا محرم إن فعلت كذا وكذا، أو قال: أنا أهدي إن فعلت كذا وكذا، أو قال: أنا أمشي إلى البيت (١٠) إن فعلت كذا

стр. 956

وكذا، وهو يريد بذلك أن لا يوجب على نفسه شيئاً، إنما يَعِدُ من نفسه عِدَة، فليس عليه شيء. وإن كان يريد الإيجاب (١) على نفسه أو لم يكن له نية فعليه إذا حنث ما قال؛ لأن أيمان الناس هكذا هي. وإذا حلف الرجل أن يهدي ما لا يملك فليس عليه شيء. وإذا حلف الرجل أن ينحر ما لا يحل له من (٢) ولد أو شيء غيره فليس عليه فيه شيء وإن كان (٣) يريد الإيجاب على نفسه. وقال أبو حنيفة ومحمد: عليه في ولده (٤) شاة يذبحها، وليس عليه في غير ولده (٥) شيء. وقال أبو يوسف: لا شيء عليه في ذلك. وإذا حلف الرجل بهدي ثم حنث ولم يكن له نية فعليه أن يهدي ما تيسر من الهدي شاة، وإن شاء زاد على ذلك فجعلها بقرة أو جزوراً، فهو أفضل. وإذا حلف الرجل بِبَدَنَةٍ فحنث فعليه إن شاء بقرة وإن شاء جزوراً. وإذا حلف الرجل بالنذر (٦) وهو ينوي بذلك حجاً أو عمرة أو عتقاً أو صلاة أو شيئاً من طاعة الله تعالى فحنث فعليه ذلك الذي حلف عليه ونواه، ولا يكون عليه غيره. وإن لم تكن (٧) له (٨) نية فعليه فيه كفارة يمين. وإن حلف على معصية بالنذر (٩) فعليه فيه كفارة يمين. ألا ترى أن الله قد فرض الكفارة في الظهار، وقد جعله الله منكراً من القول وزوراً (١٠). وقد بلغنا عن النبي ﷺ أنه قال: "من حلف على

стр. 957

يمين فرأى غيرها خيراً (١) منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" (٢). واذا حلف الرجل بالنذر وهو ينوي صياماً ولا ينوي عددًا منه فعليه [صيام ثلاثة أيام إذا حنث. وإن نوى صدقة ولم ينو عدداً فعليه] (٣) إطعام عشرة (٤) مساكين، كل مسكين رُبْعَين (٥) بالحَجَّاجِي من حنطة. ولا ينبغي للرجل أن يحلف فيقول: وأبيك وأبي؛ فإنه بلغنا عن النبي ﷺ أنه نهى عن ذلك (٦). ونهى عن الحلف بحد من حدود الله (٧)، وعن الحلف بالطواغيت (٨). ولو أن رجلاً قال: إن كلمت فلاناً فعلي يمين أو علي نذر، أو حلف بشيء مما ذكرت لك من الأيمان وقال في ذلك: إن شاء الله، فوصلها باليمين ثم كلمه لم يكن عليه كفارة ولا حنث. قال محمد: أخبرنا بذلك أبو حنيفة عن القاسم عن أبيه عن عبد الله بن مسعود. وذكر عبد الله عن نافع عن ابن عمر، وأبو حنيفة عن حماد عن

стр. 958

إبراهيم وغيرهم أنهم قالوا: من حلف على يمين وقال: إن شاء الله، فقد استثنى ولا حنث عليه ولا كفارة (١). وبلغنا عن عبد الله بن عباس أنه قال: من حلف على يمين فاستثنى ففعل الذي حلف عليه فلا حنث عليه ولا كفارة (٢). قال: وكذلك قال العبد الصالح: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ (٣). فلم يصبر ولم يؤمر بالكفارة. وكذلك (٤) بلغنا عن عطاء وطاوس وإبراهيم أنهم قالوا: من حلف بعتق أو طلاق فقال: إن شاء الله، لم يقع الطلاق (٥). وكذلك لو قال: إلا أن أرى غير ذلك، أو قال: إلا أن يبدو لي، أو إلا أن أرى خيراً من ذلك. وإذا حلف الرجل على يمين فحنث فيها فعليه أي الكفارات شاء: إن شاء أعتق، وإن شاء أطعم عشرة مساكين، وإن شاء كسا عشرة مساكين. وإن لم يجد شيئاً من ذلك فعليه الصيام ثلاثة أيام متتابعات. بلغنا عن إبراهيم النخعي أنه قال: كل شيء في القرآن "أو، أو" (٦)

стр. 959

فهو بالخيار، إن شاء أعتق رقبة، وإن شاء كسا، وإن شاء أطعم (١). والعتق في كفارة اليمين تحرير رقبة، يجزي (٢) فيها الصغير والكبير والكافر والمسلم (٣)؛ لأن الله تعالى لم يسم في ذلك رقبة مؤمنة. ويجوز فيه الأعور والأقطع إذا كان أقطع إحدى اليدين، أو إحدى الرجلين. ولا يجزي في ذلك الأعمى، ولا المقطوع اليدين أو الرجلين (٤)، ولا المعتوه المغلوب الذي لا يعقل، ولا الأخرس، ولا أَشَلّ اليدين يابستين لا ينتفع (٥) بهما، ولا أشل الرجلين إذا كان كذلك، ولا المقعد. ولا تجزي فيه أم الولد ولا (٦) المدبر. ولا يجزي المكاتب الذي قد أدى بعض مكاتبته، فإن كان لم يؤد شيئاً من مكاتبته ثم أعتق في ذلك أجزأ عنه. ولو أن عبداً بين اثنين أعتقه أحدهما في كفارة اليمين فضمن (٧) لشريكه حصته (٨) لم يجز (٩) ذلك عنه؛ لأنه كان بينه وبين آخر. ألا ترى أن شريكه إن شاء أعتق حصته (١٠)، وإن شاء استسعى في نصف قيمته. ولو أن العبد كان له كله أجزأ (١١) عنه. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا أعتق عن يمينه عبداً وهو بينه وبين آخر وهو معسر (١٢) فسعى العبد للآخر لم يجزه في الكفارة، وإن كان المعتق غنياً ضمن حصة شريكه وأجزاه في الكفارة. ولا يجزيه في قول أبي حنيفة في الوجهين في الكفارة. ولو أن رجلاً اشترى أباه أو أمه أو ذا رحم محرم منه ينوي بذلك أن يعتقه في كفارة يمين أو ظهارٍ عَتَقَ وأجزأ عنه. وكذلك إن قال: إن اشتريت

стр. 960

فلاناً فهو حر عن يميني، ثم اشتراه عتق وأجزأ عنه. ولو أن رجلاً طلب إلى رجل أن يعتق عنه عبده في كفارة يمينه على شيء قد سماه له وجعله له ففعل ذلك أجزأ عنه. ولو قال: أعتقه (١) عني في كفارة يميني بغير شيء، فأعتقه عنه كان في هذا قولان: أحدهما قول أبي يوسف: إن العتق يجزي عن المعتق عنه، ويكون الولاء له. والقول الآخر قول أبي حنيفة ومحمد: إن العتق عن الذي أعتق والولاء له، ولا يجزي العتق عن المعتق عنه. والقول الأول (٢) أحبهما إلى أبي يوسف. وقال محمد: قول أبي حنيفة أحب إلي. وقال أبو يوسف: إنما هذا بمنزلة طعام طلب إليه أن يطعم عنه، فكذلك العتق. ولو أن رجلاً أعتق نصف عبده (٣) في كفارة يمينه وأطعم (٤) خمسة مساكين لم يجز ذلك عنه؛ لأن هذا ليس بطعام تام ولا عتق تام. ولو أن رجلاً حنث وهو معسر فأخر الصوم حتى أصاب عبداً لم يجز عنه الصوم؛ لأنه يجد ما يعتق. ولو أن رجلاً اشترى عبداً بيعاً فاسداً فقبضه وأعتقه عن يمينه كان عتقه جائزاً، ويجزي (٥) عنه في يمينه ذلك. ولو أن رجلاً أعتق ما في بطن خادمه عن يمينه ثم ولدت الخادم ولداً من الغد فإن العتق جائز في الولد، ولا يجزي عنه من اليمين. ولو أن رجلاً أعتق ما في بطن خادمه عن يمينه (٦) ثم ولدت بعد ذلك لأكثر من ستة أشهر أو ولدت لأقل من ستة أشهر ولداً ميتاً لم يجز (٧) عنه ذلك (٨) في الوجهين جميعاً. ولو أن رجلاً وجبت (٩) عليه كفارتان أو ثلاثة في أيمان (١٠) متفرقة

стр. 961

فأعتق عنهن رقاباً بعددهن ولم ينو لكل يمين رقبة بعينها أجزأ ذلك عنه. وكذلك لو أعتق رقبة عن إحداهن وأطعم عن (١) الأخرى عشرة مساكين وكسا عن الأخرى عشرة مساكين كان ذلك جائزاً عنه. وليس على المملوك إذا حلف في يمينٍ وحَنِثَ عِتْقٌ. ولا يجزي عنه ولو أعتق عنه مولاه؛ لأن الولاء لا يكون له، وليس يملك الرقبة. وكذلك لو أطعم عنه مولاه أو كسا. وكذلك المكاتب والمدبر وأم الولد. وكذلك العبد يعتق بعضه فيقوم فيسعى فيما بقي من رقبته في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد في العبد الذي (٢) أعتق بعضه خاصة: هو بمنزلة الحر يجزي ذلك عنه إذا كان بأمره (٣). والرجل والمرأة في اليمين إذا حنث وفي العتق سواء. ولو أن رجلاً حلف على يمين فحنث فصام يومين ثم وجد اليوم الثالث ما يعتق لم يجز (٤) عنه الصوم. وكذلك إن وجد ما (٥) يطعم أو يكسوة لأن (٦) الله يقول: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ (٧). فهذا قد وجد، فلا يجزي عنه الصوم. وكذلك إن وجد ما يطعم يفطر يومه ذلك، وليس عليه شيء، وعليه أي الكفارات شاء كفر بها يمينه (٨)، وإن شاء تَمَّ (٩) على صومه ذلك ولم يعتد به وكان عليه أي الكفارات شاء غير الصوم. وأحب إلي أن يتم. بلغنا عن عبد الله بن عباس وعن إبراهيم النخعي أنهما قالا في الرجل يكون عليه الكفارة فيصوم يومين ثم يجد في اليوم الثالث ما يطعم أو يكسو

стр. 962

أو يعتق: إنه يفطر ولا يعتد بصومه ذلك، ويكفر يمينه، إن شاء أعتق، وإن شاء أطعم، وإن شاء كسا (١). ولو أن رجلاً قال: إن اشتريت فلاناً فهو حر عن يميني، ثم اشتراه ينوي بذلك تلك اليمين عتق وأجزأ عنه من كفارته. ولو اشترى أمة قد ولدت منه فأعتقها عن كفارته أو قال: إن اشتريتها فهي حرة عن يمينه، كانت حرة كما قال، ولم تجز عنه في يمينه؛ لأنها أم ولده، وهي تعتق بالولد لو لم يقل فيها هذه المقالة. ولو أن رجلاً من أهل الذمة حلف على يمين ثم أسلم فحنث في يمينه تلك لم يكن عليه كفارة في عتق ولا غيره؛ لأن الحلف كان منه في حال الكفر، والذي كان فيه من الكفر أعظم من الحنث. ولو أن رجلاً أعتق عبداً عن كفارة يمين ينوي ذلك بقلبه (٢) ولم يتكلم بلسانه وقد تكلم بالعتق أجزأ عنه في كفارة يمينه. ولو أن رجلاً حلف على يمين فأعتق عنها قبل أن يحنث كان العتق جائزاً ولا يجزي ذلك عن يمينه؛ لأنه لم يحنث بعد ولم تجب عليه كفارة. ولو أن رجلاً حنث في يمين فأعتق عبداً عند موته في يمينه وليس له مال غيره كان العتق جائزاً من ثلثه، ويسعى العبد في ثلثي قيمته، ولا يجزي عنه في يمينه لما وجب عليه من السعاية. ولو أن رجلاً أعتق عبداً على مال عن يمينه أو باعه نفسه عتق، ولم يجز (٣) عنه في يمينه لما أخذ منه من الجعل. ولو أن رجلاً قال لعبده: أنت حر عن يميني على ألف درهم، وقبل ذلك العبد لم يجز ذلك عنه. ولو أن المولى أبرأ العبد من الألف بعد ذلك لم يجز عنه من يمينه للذي كان فيه من الجعل، ولا ينفعه إبراؤه إياه من المال بعد ذلك. ولو أن رجلاً أعتق عبداً على مال عن

стр. 963

يمينه عتق العبد، ولا يجزي عن في يمينه لما أخذ فيه من الجعل. … باب الطعام في كفارة اليمين (١) بلغنا عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال ليَرْفَأ (٢) مولى له: إني أحلف على قوم لا أعطيهم، ثم يبدو لي فأعطيهم، فإذا أنا فعلت ذلك فأطعم عني عشرة مساكين، كل مسكين نصف صاع من حنطة أو صاعاً من تمر (٣). وبلغنا عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: في كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين، كل مسكين نصف صاع من حنطة (٤). وإذا حنث الرجل في يمين فأطعم عشرة مساكين كل مسكين نصف صاع من حنطة أو دقيق أو سويق أجزاه ذلك. وإن أطعم تمراً أو شعيراً أطعم كل مسكين مختوماً بالحَجَّاجِي. ولو دعا عشرة مساكين فغدّاهم وعشّاهم أجزاه ذلك. ولو غدّاهم خبزاً وعشّاهم مثله وليس معه أُدُمٌ (٥) أجزاه ذلك. ولو غدّاهم سويقاً وتمراً وعشّاهم بمثل ذلك أجزاه ذلك. ولو أعطاهم قيمة الطعام فأعطى كل مسكين قيمة نصف صاع أجزاه ذلك. ولو غدّاهم (٦) وأعطاهم قيمة العشاء أجزاه ذلك. ألا ترى أنه لو أعطى

стр. 964

كل مسكين منهم درهماً والدرهم يبلغ أكثر من نصف صاع أجزاه ذلك، وكان ذلك أفضل. وإذا دعا عشرة مساكين أحدهم صبي فطيم أو فوق ذلك شيئاً (١) فغداهم وعشاهم فإنه لا يسعه، ولا يجزي عنه الصبي، وعليه الآن إطعام مسكين واحد، إن شاء أعطاه نصف صاع، وإن شاء غداه وعشاه. ولو أطعم عشرة مساكين كل مسكين مداً من حنطة لم يجزه ذلك، وعليه أن يعيد عليهم مداً (٢) مداً على كل إنسان منهم، فإن لم يقدر عليهم استقبل الطعام. ولو أعطى مسكيناً واحداً خمسة آصُع لم يجزه ذلك. فإن أعطاه نصف صاع وأعطاه من الغد نصف صاع حتى يكمل (٣) عشرة أيام أجزاه ذلك. ولو أنه أطعم عشرة مساكين من أهل الذمة كل مسكين نصف صاع من حنطة أجزاه ذلك، ومساكين أهل الإسلام أحب إلي. ولو أعطى عشرة مساكين ذوي رحم محرم منه أجزاه ذلك، ولكن لا يجزيه أن يطعم (٤) منها ولده ولا والده ولا أمه حرة كانت أو أمة، ولا مملوكاً له ولا مدبره، ولا مكاتبه ولا أم ولد له، ولا زوجة له حرة كانت أو أمة. ولو أن رجلاً سأله منها وهو غني وهو لا يعلم بذلك فأعطاه أجزاه ذلك عنه في قول أبي حنيفة ومحمد، ولا يجزيه في قول أبي يوسف إذا علم. ولو أنه أطعم خمسة مساكين وكسا خمسة مساكين أجزاه ذلك من الطعام إن كان الطعام أرخص من الكسوة، وإن كانت الكسوة أرخص من الطعام أجزى عن الكسوة. ولو أنه أطعم عشرة مساكين قبل أن يحنث في يمينه لم يجزه

стр. 965

ذلك (١)؛ لأن اليمين لم تجب بعد. ولو حنث في يمينه وهو معسر فأراد أن يكفر كان عليه الصوم. فإن أيسر ووجد ما يتصدق (٢) به قبل أن يفرغ من الصوم لم يجزه الصوم، وكانت عليه الكفارة: إما عتق وإما كسوة وإما طعام. ولو كانت له دار يسكنها وليس له مال غيرها أجزى عنه الصوم؛ لأن هذا تحل له الصدقة. ولو أطعم عنه رجل عشرة مساكين بأمره أجزى عنه ذلك. ولو أنه أطعم عنه بغير إذنه (٣) فرضي بذلك لم يجز (٤) عنه. ولو أن رجلاً أطعم خمسة مساكين في كفارة يمينه ثم احتاج كان عليه أن يستقبل الصيام، ولا يجزي ذلك الطعام عنه. ولو أن رجلاً أطعم من كفارة اليمين أحداً من ولده وهو لا يعلم وهو موضع ذلك أجزاه ذلك عنه في قول أبي حنيفة ومحمد إذا علم بعد. وفي قول أبي يوسف إذا أطعم أحداً من ولده وهو لا يعلم ثم علم بعد ذلك فإنه لا يجزيه. وكذلك الغني في قول أبي يوسف لا يجزي. ولو أن رجلاً عليه يمينان فأطعم (٥) عنهما (٦) عشرين مسكيناً أجزى عنه (٧). فإن أطعم لهما عشرة مساكين لكل مسكين صاع من حنطة لم يجزه ذلك إلا عن يمين واحدة. ويجزيه في قول محمد. ولو أطعم ستين مسكيناً من ظهار أو أطعمهم من كفارة غير الظهار أو أطعمهم من أيمان عليه شتى مختلفة فأطعم الطعام كله ضربة واحدة، لكل مسكين من ذلك نصف صاع لكل يمين على حدة، ولكل ظهار على حدة نصف صاع، ولكل كفارة من رمضان نصف صاع، أجزى عنه؛ لأنها أيمان شتى مختلفة وجبت عليه، وليس هذا كاليمين الواحدة. وفي قول محمد ذلك كله يجزي.

стр. 966

وإذا (١) أعطى الرجل ثوبًا لعشرة مساكين (٢) من كفارة يمينه فإنه لا يجزي عنه من الكسوة. وإن كان يساوي الثوب ثمن الطعام فهو يجزي عنه من الطعام. وإذا وجبت على العبد أو المكاتب أو المدبر أو أم الولد كفارة يمين لم يجز (٣) عنه الطعام وإن أذن له مولاه فيه، ولكن عليه الصيام؛ لأن العبد لا يملك الطعام. ولو أن العبد أعتق فأطعم عشرة مساكين بعد (٤) عتقه أجزاه. ولو أن رجلاً حلف على يمين وهو كافر ثم حنث بعدما أسلم لم تكن (٥) عليه الكفارة. وكذلك إذا حلف وهو مسلم ثم رجع عن الإسلام ثم أسلم بعد ثم حنث فلا كفارة عليه. وإذا استثنى الرجل في يمينه فلا كفارة عليه ولا حنث. وإذا جعل الرجل لله عليه طعام مساكين (٦) ونوى عدداً من المساكين فهو ذلك العدد. فإن نوى كيلاً من الطعام معلوماً فهو ذلك الكيل. وإن لم ينو (٧) شيئاً مسمى من الطعام ولا عدد مساكين فعليه طعام عشرة مساكين، كل مسكين نصف صاع من حنطة. وكذلك إن قال: إن كلمت فلاناً فعلي إطعام مساكين، أو قال: إطعام عشرة مساكين (٨). وقد يعطى من المساكين من له الخادم والدار (٩)، ويعطى من الصدقة ومن الزكاة من له الدار والخادم.

стр. 967

وبلغنا عن أبي حزم وعن إبراهيم والحسن أنهم قالوا ذلك (١). ولو أن رجلاً أوصى أن يطعم عنه في كفارة أيمان عليه (٢) عند موته كان ذلك الطعام من ثلثه. وكذلك لو أوصى بكسوة. وكذلك لو أوصى بعتق عبد. فإن لم يكن له مال غير العبد الذي أوصى بعتقه عتق العبد وسعى في ثلثي قيمته، ولا يجزي عنه في كفارة يمينه. وإن خرج من الثلث أجزى عنه. وقول أبي حنيفة ومحمد: الصاع الأول ثمانية أرطال، وهو مختوم (٣) بالحَجّاجي (٤) وهو ربع الهاشمي (٥). قال محمد: وكذلك ذكر المغيرة عن إبراهيم أنه قال: وجدنا صاع عمر حَجّاجياً (٦). … باب الكسوة في كفارة اليمين محمد عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم أنه قال في قول الله -عَزَّ

стр. 968

وَجَلَّ- في الكفارة: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ (١): إن ذلك لكل مسكين ثوب (٢). فإذا أعطى كل مسكين ثوباً: إزاراً أو رداء أو قميصاً أو قَباءً أو كساءً فإن ذلك يجزيه من الكفارة إذا كسا عشرة مساكين. ولو أعطى كل مسكين نصف ثوب لم يجز (٣) عنه ذلك من الكسوة، ولكن كان يجزي عنه من الطعام إذا كان كل نصف (٤) ثوب يساوي نصف صاع من حنطة (٥). ولو كسا كل مسكين قلنسوة أو خفين أو حمله على نعلين لم يجز (٦) ذلك عنه من الكسوة، ولكنه يجزي عنه من الطعام إذا كان ذلك يساوي نصف صاع من حنطة. ولو أعطى مسكيناً واحداً عشرة أثواب لم يجز (٧) ذلك عنه من عشرة مساكين، ولكنه يجزي عنه من مسكين واحد. ولو أعطى في كل يوم (٨) ثوباً حتى يستكمل عشرة أثواب في عشرة أيام أجزى عنه. ولو كسا عشرة مساكين كل مسكين ثوباً وكلهم ذو رحم محرم منه أجزى عنه ما لم يكن فيهم ولد (٩) ولا والد ولا زوجة. ولا يجزي عنه أن يكسو مكاتباً له ولا مدبراً ولا أم ولد. ولو كسا مكاتباً لغيره محتاجاً أو عبداً لغيره محتاجاً أو أم ولد لغيره ومولاها محتاج أو مدبراً لغيره محتاجاً أجزى عنه ذلك. ولو كسا عشرة مساكين من مساكين أهل الذمة أجزاه (١٠) ذلك، وفقراء المسلمين أحب إلي. ولو أعطى عشرة مساكين كل مسكين من الطعام قدر قيمة الثوب أجزاه ذلك من الكسوة. ولو أعطى عشرة مساكين ثوباً بينهم وهو ثوب كثير القيمة

стр. 969

يصيب (١) كل مسكين منهم أكثر من قيمة ثوب كان ذلك في القياس يجزي عنه من الطعام، ولا يجزي (٢) من الكسوة. ألا ترى أنه لو أعطى كل مسكين ربع صاع من حنطة وذلك يساوي صاعاً من تمر لم يجز عنه من الطعام، فكذلك هذا الثوب. ولو أن هذا المد من الحنطة كان يساوي ثوباً كان يجزي من الكسوة، ولا يجزي من الطعام. ولو أعطى عشرة مساكين دابةً أو شاةً أو عبداً أو أمة فإن كان قيمة ذلك يبلغ عشرة أثواب أجزاه من الكسوة. وإن كان لا يبلغ قيمته (٣) عشرة أثواب وبلغ (٤) قيمةَ الطعام أجزى عنه من الطعام. ولو أن رجلاً كسا عشرة مساكين أو أطعمهم ثم إن رجلاً أقام على تلك الكسوة والطعام بينة فقضي له به لم يجز (٥) ذلك عن الذي أطعم، وكان عليه أن يستقبل الطعام (٦). ولو أن رجلاً كسا عن رجل بأمره عشرة مساكين أجزاه ذلك وإن (٧) لم يعطه لها ثمناً. ولو أعطى لها ثمناً أجزاه ذلك أيضاً. ولو كسا عشرة مساكين بغير أمره فرضي بذلك لم يجز عنه. ولو كسا عشرة مساكين قبل أن يحنث في يمينه ثم حنث فيها لم تجزه تلك الكسوة من كفارته، وكان عليه الكسوة بعد الحنث؛ لأنه لا يبدأ بالكفارة قبل الحنث. ولو كسا عشرة مساكين ثم وجد بعضهم غنياً ليس بموضع للصدقة ولم يكن يعلم ذلك حتى كساه أجزأ (٨) ذلك عنه؛ لأنه ليس عليه أن يعلم أنهم فقراء إلا في الظاهر. وهذا قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: لا يجزيه في الغني.

стр. 970

ولو أنه أعطى من كفارة يمين في أكفان الموتى أو في بناء مسجد أو في قضاء دين ميت أو في عتق رقبة لم يجز ذلك عن يمينه. بلغنا عن إبراهيم النخعي أنه قال ذلك (١). ولو كسا ابن السبيل منقطعٌ به أو غازياً أو حاجاً منقطعٌ به فكساه ثوباً (٢) أو أطعمه طعام مسكين أجزى ذلك عنه من مسكين واحد. ولو أن رجلاً كانت عليه يمينان فكسا عشرة مساكين كل مسكين ثوبين أجزاه ذلك عن يمين واحدة، وكانت عليه كسوة عشرة مساكين لليمين الأخرى في قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وأما في قول محمد فهو يجزي. ولو أن رجلاً كسا خمسة مساكين والطعام أرخص من الكسوة أجزأ (٣) ذلك عنه من الطعام، ولم يجز ذلك عنه من الكسوة. وإذا كسا الرجل المساكين أو أطعمهم ثم مات بعضهم وهو وارثه فورث تلك الكسوة بعينها وذلك الطعام بعينه لم يفسد ذلك عليه كسوته ولا طعامه، وكان ذلك يجزي عنه. وكذلك لو اشترى منهم تلك الكسوة بعينها وذلك الطعام أجزى عنه في كفارة اليمين، ولم يفسد ذلك عليه شيئاً. ولو وهبه له أولئك المساكين كان قد أجزى عنه صدقته عليهم في كفارة يمينه، ولا تفسد هبتهم له صدقته عليهم (٤). بلغنا عن رسول الله ﷺ أن بريرة كان يتصدق عليها بالشيء فتهديه (٥) إلى النبي ﷺ فيقبله، ويقول: "هو لها صدقة ولنا هدية" (٦). …

стр. 971

باب الصيام في كفارة اليمين (١) وإذا حنث الرجل في يمينه وهو معسر لا يجد ما يعتق ولا ما يكسو ولا ما يطعم فعليه الصيام ثلاثة أيام متتابعة. فإن صامها متفرقة لم يجز (٢) عنه. بلغنا أنه في قراءة ابن مسعود: [ثلاثة أيام متتابعات] (٣). ولو صام ثلاثة أيام ثم أيسر في اليوم الثالث انتقض صومه ذلك وكانت عليه الكفارة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ (٤). فهذا قد وجد، فلا يجزيه الصوم. وكذلك بلغنا عن عبد الله بن عباس وعن إبراهيم النخعي أنهما قالا ذلك (٥). وإذا حنث الرجل في يمينه وهو معسر ثم أيسر قبل أن يكفر فعليه العتق أو الكسوة أو الطعام. ولو حنث وهو موسر ثم احتاج كان عليه الصيام. وعلى العبد إذا حنث في يمينه الصيام، ولا يجزيه شيء غير ذلك. وكذلك المكاتب والمدبر وأم الولد. ولو أعتق أحدهم (٦) قبل أن يصوم وأيسر لم يجزه الصوم، وكان عليه أي الكفارات شاء. ولو أن رجلاً أصبح مفطراً ثم عزم على الصوم الضحى يريد بذلك كفارة يمين لم يجزه ذلك؛ لأنه قد أصبح مفطراً. ولو صام في كفارة اليمين ثم أكل في صومه ناسياً أو شرب ناسياً كان

стр. 972

صومه ذلك تاماً وأجزى عنه. بلغنا ذلك عن رسول الله في صوم رمضان (١)، فهو أشد من ذلك. ولو أن رجلاً صام ثلاثة أيام ثم مرض في يوم منها فأفطر كان عليه أن يستقبل؛ لأنها ليست بمتتابعة. وكذلك المرأة لو صامت فحاضت (٢) في الثلاثة أيام (٣) كان عليها أن تستقبل (٤) الصوم (٥)؛ لأنها قد تقدر أن تصوم ثلاثة أيام لا تكون فيها حائضاً (٦). ولو أن رجلاً صام هذه الثلاثة أيام في أيام (٧) التشريق لم يجزه ذلك؛ لأنه بلغنا عن رسول الله ﷺ أنه أمر مناديه: "ألا لا تصوموا هذه الثلاثة الأيام، إنما هي أيام أكل وشرب" (٨). فعلى هذا الذي صامها أن يستقبل الصيام. ولو أن رجلاً صامها في رمضان كان صومه ذلك من رمضان جائزاً، وكان عليه أن يستقبل صيام اليمين بعد أن يفرغ من رمضان. ولو أن رجلاً صام فيها (٩) يوم النحر أو يوم الفطر وهو يعلم بذلك أو

стр. 973

لا يعلم ثم علم بعد ذلك لم يجزه ذلك من الصيام، وكان عليه أن يستقبل الصوم. ولو أن رجلاً صامهن قبل أن يحنث في يمينه لم يجزه ذلك، وكان عليه أن يستقبل الصوم (١) إذا حنث. ولو صامهن وهو يجد ما يطعم أو يكسو لم يجزه ذلك؛ لأن الله يقول: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾، فهو قد وجد، فلا يجزيه الصيام. ولو أن رجلاً كان ماله غائباً (٢) عنه أو له دين (٣) على الناس فكان لا يجد ما يطعم ولا ما يكسو ولا يجد (٤) ما يعتق أجزاه أن يصوم ثلاثة أيام في كفارة يمينه. ولو أن رجلاً له مال وعليه دين مثله أو أكثر أجزاه الصوم بعدما يقضي (٥) دينه من ذلك المال. ألا ترى أن الصدقة تحل لهذا. ولو أن عبداً صام في كفارة يمين ثم أعتق قبل أن يفرغ فأصاب مالاً لم يجزه الصوم، وكان عليه الطعام أو الكسوة أو العتق.

стр. 974

ولو أن رجلاً صام ستة أيام عن يمينين عليه أجزاه ذلك منهما إذا كان لا يجد ما يطعم. وإن لم ينو ثلاثة أيام لكل واحدة (١) منهما أجزى عنه. ولو أن رجلاً صام يومين ثم أفطر وأطعم (٢) ثلاثة مساكين أو بدأ بالطعام ثم الصيام لم يجزه ذلك، وكان عليه (٣) أن يستقبل الصوم إن كان لا يجد ما يطعم. ولو أن رجلاً كانت عليه يمينان وعنده (٤) طعام لإحداهما (٥) فأطعم لها (٦) ثم صام للأخرى أجزاه ذلك. ولو صام لإحداهما (٧) ثم أطعم بعد ذلك للأخرى لم يجزه الصوم؛ لأنه صام وهو يجد ما يطعم (٨). وكان عليه أن يستقبل الصوم للتي (٩) صام لها. ولو صام رجل عن رجل بأمره في كفارة يمينه أو في غير ذلك لم يجزه ذلك. وكذلك لو أن (١٠) ميتاً أوصى عند موته أن يصام عنه في كفارة يمين لم يجزه ذلك؛ لأنه لا يصوم (١١) أحد عن أحد. بلغنا ذلك عن ابن عمر ﵄ (١٢). … باب اليمين في مجالس مختلفة ولو أن رجلاً حلف على أمر لا يفعله أبداً، ثم حلف أيضاً في ذلك المجلس أو في مجلس آخر لا يفعله أيضاً أبداً، ثم فعل ذلك الذي حلف عليه كانت عليه (١٣) كفارة يمينين، إلا أن يكون نوى باليمين الأخرى اليمين

стр. 975

الأولى، فتكون (١) عليه كفارة واحدة. وإن لم يكن عنى باليمين الآخرة الأولى فعليه يمينان، وعليه لهما كفارتان. بلغنا ذلك عن إبراهيم النخعي (٢). وكذلك لو أراد باليمين الآخرة التغليظ والتشديد على نفسه. ولو أن رجلاً حلف على حق امرئ مسلم على مال له عنده، فحلف ما له عنده شيء وهو كاذب، لم يكن عليه كفارة. وكذلك كل يمين تكون (٣) على المدعى عليه إنما يحلف على شيء قد مضى. وقد بلغنا عن رسول الله ﷺ أنه قال: "اليمين الغموس تدع الديار بَلَاقِع" (٤). وهذا عندنا اليمين الغموس. وبلغنا عن رسول الله ﷺ (٥) أنه قال: "من اقتطع بخصومته وجدله مال امرئ مسلم فليتبوأ مقعده من النار" (٦). فحال هذه اليمين

стр. 976

شديدة، والمأثم فيها عظيم، ليس فيها (١) كفارة. ولو أن رجلاً حلف بالله لا يفعل كذا وكذا، ثم حلف على ذلك أيضاً بحج، ثم حلف (٢) على ذلك أيضاً بالعمرة، ثم فعل ذلك الشيء، كانت عليه كفارة يمين وحج وعمرة. بلغنا ذلك عن إبراهيم النخعي. ولو أن رجلاً حلف بالله ليفعلن كذا وكذا فوقت لذلك الشيء (٣) وقتاً، وذلك الشيء معصية لله تعالى، كان الذي يحق عليه من ذلك أن لا يَتِمّ على ذلك، وأن يترك الذي حلف (٤) عليه. فإذا ذهب الوقت ووجب عليه الحنث كفر يمينه. بلغنا ذلك عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من حلف على يمين فرأى (٥) خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر (٦) يمينه" (٧). ولو أن رجلاً حلف ليفعلن (٨) كذا وكذا ولم يوقت لذلك وقتاً كان في سعة مما حلف عليه، فمتى ما فعل ذلك بر في (٩) يمينه وخرج منها إلا أن يموت قبل أن يفعل ذلك. فإذا مات قبل أن يفعل ذلك وجبت (١٠) عليه الكفارة. وينبغي له أن يوصي بها عند موته. ولو أن رجلاً حلف على يمين واستثنى فيها وقال: إن شاء الله، ووصلها بيمينه خرج من يمينه. ولو أن رجلاً حلف على ذلك بأيمان كثيرة بعد أن تكون (١١) متصلة فقال: علي كذا وكذا (١٢) حجة وكذا وكذا (١٣) عمرة

стр. 977

ومشي إلى بيت الله، ومالي (١) في المساكين صدقة (٢)، وعليّ (٣) عهد الله وميثاقه إن كلمتُ فلاناً إن شاء الله، ثم كلمه لم يكن عليه حنث، ولم يجب عليه شيء في أيمانه. وكذلك لو كان فيها عتق وطلاق. بلغنا ذلك عن عطاء وطاوس وإبراهيم النخعي وغيرهم أنهم قالوا: من حلف بالطلاق أو بالعتاق فقال: إن شاء الله، فلا شيء عليه، لا يقع عتاق ولا طلاق إذا استثنى (٤). وبلغنا عن عبد الله بن عباس وعن ابن مسعود وابن عمر وعن إبراهيم النخعي وغيرهم أنهم قالوا: من حلف على يمين فقال: إن شاء الله، فلا حنث عليه ولا كفارة (٥). وكذلك لو قال: إلا أن يبدو لي، أو قال: إلا أن أرى خيراً من ذلك. فأما إذا قال: إلا أن لا أستطيع ذلك، فهو على وجهين: إن كان يعني ما سبق من القضاء فهو موسع عليه وله أن يكلمه ولا يقع عليه شيء. وإن كان يعني إلا أن لا أستطيع: لشيء يعرض عليه من البلايا أو الحاجة التي حلف عليها، فإن فعل ذلك قبل أن يعرض ذلك له حنث. وإن فعل بعدما يقع به ما قال لم يحنث. وإن لم يكن له نية في الاستطاعة فهو على أمر يحدث ولا يكون على القضاء ولا على القدر إلا أن ينوي ذلك. ولو أن رجلاّ (٦) قال: والله لا أكلم فلاناً ولا فلاناً إن شاء الله، يعني بالاستثناء اليمينين (٧) جميعاً ولم يكن بينهما سكوت كان الاستثناء عليهما جميعاً. وكذلك لو قال: علي حجة إن كلمت فلاناً وعلي عمرة إن كلمت فلاناً إن شاء الله، فكلمه (٨) لم يحنث. فأما إذا قال: عبدي حر إن كلمت فلاناً، عبدي الآخر حر إن كلمت فلاناً إن شاء الله، ثم كلمه كان عبده الأول حراً في القضاء، ولا يدين في ذلك إلا فيما بينه وبين الله تعالى.

стр. 978

وكذا لو قال لامرأته: إن كلمت فلاناً فأنت طالق، أنت طالق (١) إن كلمت فلاناً إن شاء الله، ثم كلمت فلاناً كان في القضاء يقع عليها التطليقة الأولى إذا كلمت فلاناً. وأما فيما بينه وبين الله تعالى إذا كان يعني في الاستثناء ذلك كله فإنه لا يقع عليها شيء فيما بينه وبين الله تعالى. ولو قال: إن كلمت فلاناً فأنت طالق أنت طالق إن شاء الله، كان هذا في القضاء يحنث، وفيما بينه وبين الله تعالى لا يقع عليها شيء (٢) حتى تكلمه. وكذلك العتق (٣) في هذا أيضاً. وكذلك لو قال لامرأته: إن حلفت بطلاقك فعبدي حر، وقال لعبده: إن حلفت بعتقك فامرأته طالق، فإن (٤) عبده يعتق؛ لأنه قد حلف بطلاق امرأته. ألا ترى أنه لو قال: إن كلمت فلاناً فأنت طالق، فإنه قد حلف بطلاقها وكان عبده حراً. ولو قال لها: إن حلفت بطلاقك فأنت طالق، إن حلفت بطلاقك فأنت طالق، إن حلفت بطلاقك فأنت طالق، وقعت (٥) عليها التطليقة الأولى والثانية إن كان دخل بها، وكانت في عدة منه؛ لأنه قد حلف بطلاقها في المرة الثانية، فصارت طالقاً بالتطليقة الأولى، وحلف بطلاقها الثانية فصارت طالقاً بالثانية أخرى، وصارت الثالثة (٦) يميناً أخرى، لم يحنث بَعْدُ، إن عاد في (٧) الكلام وقعت عليها أيضاً تطليقة أخرى. وإن كان لم يدخل بها والمسألة (٨) على حالها وقعت عليها تطليقة واحدة، وسقط ما سوى ذلك. ولو أن رجلاً قال لعبده: أنت حر إن حلفت بطلاق امرأتي، ثم قال لامرأته: أنت طالق إن شئت، ولم يقل غير ذلك، فإن عبده رقيق ولا يقع عليه العتق، وليس هذا بيمين. وكذلك لو قال لها: أمرك بيدك أو اختاري أو أنت طالق إذا حضت

стр. 979

حيضة، فليس هذا بيمين. ألا ترى أنها لو قامت من مجلسها ذلك بطل ما جعل إليها من ذلك مِن: أمرك بيدك أو اختاري. ولو قال لها: أنت طالق إن دخلت هذه الدار، لم يبطل ذلك أبداً، وكانت طالقاً متى ما (١) دخلت الدار، فهذه يمين يعتق بها العبد. وكذلك قوله: أنت طالق إن تكلمت، أو أنت طالق إن قمت، أو أنت طالق إن حضت، فهذه يمين أيضاً يقع بها عتق العبد وطلاق المرأة. … باب المساكنة في كفارة اليمين ولو أن رجلاً حلف بالله أن لا يساكن فلاناً ولا نية له فساكنه في دار، وكل واحد منهما في مقصورة (٢) وحدها لم يحنث. فإن كان نوى ذلك فقد ساكنه ووقع عليه الحنث والكفارة. وإن كان نوى حين حلف أن لا يساكنه في بيت أو في حجرة أو في منزل واحد يكونان جميعاً فيه لم يحنث حتى يساكنه فيما نوى. وكذلك لو سمى بيتاً أو لم يسم بيتاً. ولو لم ينوه ثم ساكنه في قرية أو في مدينة وكل واحد منهما في دار وحدها لم يحنث، ولم يقع عليه اليمين إلا أن ينوي ذلك. فإن نوى أن لا يساكنه في مدينة ولا في قرية ولا في مصر ولم يسم ذلك أو سمى ذلك فساكنه في شيء من ذلك حنث. ولا تكون المساكنة في ذلك إذا لم ينو إلا في دار واحدة أو بيت واحد. ولو حلف أن لا يساكنه في بيت فدخل عليه في بيته زائراً أو أضافه فأقام في بيته يوماً أو يومين لم يحنث؛ لأن هذا ليس بمساكنة إلا أن ينوي هذا. وإنما المساكنة النقلة إليه بمتاعه وأهله. ألا ترى أن الرجل قد يمر

стр. 980

بالقرية فيدخلها فيبيت (١) فيها أو يقيل (٢) فيها ثم يقول: ما سكنتها قط، فيكون صادقاً. ولو أن رجلاً كان ساكناً في دار فحلف أن لا يسكنها ولا نية له ثم أقام فيها بعد يمينه (٣) يوماً أو أكثر من ذلك (٤) وقع عليه الحنث، وكان قد سكنها. فينبغي له حين حلف أن يخرج منها من ساعته. ولو أن رجلاً حلف أن لا يساكن فلاناً في دار قد سماها بعينها فاقتسما الدار وضربا بينهما حائطًا، ثم فتح كل واحد باباً لنفسه، ثم سكن الحالف في طائفة (٥) والآخر في طائفة (٦) كان قد ساكنه ووقع عليه الحنث؛ لأنه قد ساكنه فيها بعينها. ولو حلف لا يساكنه في منزل ولم يكن له نية ولم يسم داراً (٧) بعينها وكانت الدار قد قسمت قبل ذلك فضربا حائطاً بينهما، وفتح كل واحد منهما باباً لنفسه على حدة، ثم سكن الحالف في أحد القسمين والآخر في القسم الآخر لم يقع عليه الحنث، وكان على يمينه كما هو، ولم يكن عليه حنث ولا كفارة. ولو حلف رجل لا يساكن رجلاً ولم يكن له نية فساكنه في دار عظيمة فيها مَقَاصِير (٨)، فكان الحالف في مقصورة يغلق عليها باب، ويسكن الآخر في مقصورة أخرى، لم يقع عليه الحنث. وإنما يقع اليمين في هذا على المنزل الواحد. ألا ترى لو كان ساكناً في ناحية من الدار مثل دار الوليد (٩) وكان الآخر في منزل في أقصاها أنه لا يحنث.

стр. 981

وإذا حلف رجل (١) لا يساكن رجلاً وهو يعني في بيت واحد فساكنه في منزل وكل واحد في بيت لم يحنث. ولو حلف أن لا يساكنه في دار فهو كما عنى، إن ساكنه في دار حنث (٢). وإذا حلف الرجل أن (٣) لا يسكن داراً بعينها فهدمت وبنيت بناء آخر فسكنها ولم يكن له نية فقد حنث؛ لأنها تلك الدار بعينها. وإذا حلف الرجل لا يسكن (٤) دار فلان هذه فباع فلان داره تلك التي حلف عليها الرجل (٥) فسكنها الحالف، فإن كان حين حلف نوى ما دامت لفلان فإنه لا يحنث، وإن لم يكن نوى ذلك فإنه (٦) يحنث؛ لأنها تلك الدار بعينها في قول محمد. ولا يحنث في قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وإذا حلف الرجل لا يسكن بيتاً فهَدَمَ ذلك البيت حتى تركه (٧) صحراء ثم بنى بيتاً آخر في ذلك الموضع فسكنه لم يحنث؛ لأن هذا ليس بذلك البيت. وهذا والدار مختلف. قد تسمى الدار (٨) داراً ولا بناء فيها، ولا يسمى البيت بيتاً وهو صحراء. وكل يمين حلف في هذه السكنى كلها بعتق أوطلاق أو غير ذلك فهو سواء. وإذا حلف الرجل لا يسكن داراً لفلان ولم يسم داراً بعينها ولم ينوها فسكن داراً له قد باعها لم يحنث. وإن سكن داراً له قد اشتراها حنث (٩). إنما (١٠) يقع اليمين على ما يملك يوم يسكنها. ألا ترى أنه لو حلف لا يأكل من طعام لفلان فأكل من طعام قد ابتاعه فلان بعد تلك اليمين حنث. وقال

стр. 982

أبو يوسف: إذا حلف فالحلف على الدار التي يملك فلان يومئذ، وإن اشترى داراً (١) أخرى فسكنها أو دخلها لم يحنث، ولا يشبه الدار الطعام والشراب. وإذا حلف الرجل لا يسكن داراً لفلان فسكن داراً لفلان ولآخر لم يحنث؛ لأنها ليست لفلان كلها. ولو كانت لفلان كلها إلا سهماً منها من مائة سهم لم يحنث الحالف. وإذا حلف الرجل لا يسكن داراً اشتراها فلان، فاشترى (٢) فلان داراً (٣) لغيره فسكنها الحالف حنث، إلا أن يكون نوى لا يسكن داراً اشتراها فلان لنفسه. فإن نوى ذلك لم يحنث. وإن كان حلف بعتق أوطلاق لم يدين في القضاء ووقع عليه ذلك وحنث. وإذا حلف الرجل لا يسكن بيتاً ولا نية له فسكن بيتاً من شعر من بيوت أهل البادية أو فسطاطًا (٤) أو خيمة لم يحنث الحالف إذا كان من أهل الأمصار. وإنما يقع هذا على معاني كلام الناس. ولو كان من أهل بادية فسكن بيت شعر حنث (٥). وإذا حلف الرجل لا (٦) يسكن بيتاً لفلان ولا نية له فسكن صُفَّةً (٧) لفلان حنث؛ لأن الصفة بيت إلا أن يكون نوى البيوت دون الصُّفَات (٨). فإن نوى ذلك لم يحنث. وكذلك لو حلف في هذا بعتق أوطلاق دُيِّنَ فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يدين في القضاء. وإذا حلف الرجل لا يسكن دار فلان هذه فسكن منزلاً منها فقد سكنها إلا أن يكون عنى لا يسكنها كلها. فإن كان عنى ذلك لم يحنث حتى

стр. 983

يسكنها كلها. وإن لم يكن له نية فسكنها حنث؛ لأن كلام الناس على هذا يقع. وكذلك لو حلف على هذا بعتق أو طلاق. وإذا حلف الرجل لا يسكن داراً لفلان وهو يعني بأجر (١) ولم يقع قبل هذا كلام فسكنها بغير أجر فقد حنث. ولا تغني (٢) عنه النية هاهنا شيئاً. لأنه لم يكن قبل هذا كلام يذكر فيه الأجر (٣). وكذلك لو حلف لا يسكنها وهو يعني عارية فسكنها بأجر أو سكنها على وجه غير عارية فإنه يحنث. … باب الدخول في كفارة اليمين وإذا حلف الرجل لا يدخل بيتاً لفلان ولم يسم بيتاً بعينه ولم ينوه (٤) ولم يكن له نية في يمينه ثم دخل بيتاً لفلان هو فيه ساكن فإنه يحنث؛ لأن هذا بيت لفلان. ألا ترى أنك تقول: بيت فلان، ومنزل فلان، وهو ساكن فيه بإجارة أو سكنى. وإذا حلف الرجل أن لا يدخل على فلان ولم يسم شيئاً ولم يكن له نية فدخل عليه في بيته فإنه يحنث. وكذلك إن دخل عليه في (٥) بيت لرجل آخر. وكذلك لو دخل عليه في صفة البيت، والبيت والصفة سواء؛ لأن الصفة بيت. ولو كان الحالف من أهل البادية فحلف لا يدخل عليه بيتاً فدخل عليه في بيت شَعر أو بيتاً مبنياً كان سواء، وكان يحنث في ذلك. ولو حلف رجل لا يدخل بيتاً أبداً ولم يكن له نية ولم

стр. 984

يسم شيئاً فدخل المسجد لم يحنث. ولو دخل الكعبة لم يحنث؛ لأن الكعبة مصلى بمنزلة المسجد. وكل شيء من المساكن يقع عليه اسم بيت فهو بيت يحنث فيه إن دخله. وكل شيء لا يقع عليه اسم بيت فإنه لا يحنث. ألا ترى أنه لو دخل عليه في قُبّة (١) أو ظُلّة (٢) لم يحنث. وإذا حلف الرجل لا يدخل (٣) بيت فلان هذا فهدم ذلك البيت حتى صار صحراء ثم دخل ذلك المكان لم يحنث؛ لأنه لا يسمى بيتاً وقد صار صحراء. ولو بنى في موضعه بيتاً (٤) آخر فدخله لم يحنث؛ لأن هذا ليس بذلك البيت، وليس الدار في هذا كالبيت. ولو حلف لا يدخل داراً بعينها فهدمت تلك الدار حتى صارت صحراء ثم دخلها حنث؛ لأنها ليست داراً أخرى. وكذلك لو بنيت دار (٥) أخرى كانت تلك الدار بعينها. والبيت لا يكون بيتاً إلا بالبناء، والدار قد تكون (٦) داراً بغير بناء. وإذا حلف الرجل أن (٧) لا يدخل على (٨) فلان ولم ينو شيئاً فدخل الدار وفلان فيها لم يحنث. ألا ترى أن فلاناً لو كان في بيت منها لا يراه الداخل لم يكن داخلاً عليه. أرأيت لو كانت داراً عظيمة فيها منازل فكان

стр. 985

فلان في منزل منها فدخل الحالف منزلًا آخر منها وهو يحسب أن فلاناً فيه لم يحنث، ولم يكن داخلاً على فلان. وإنما تقع (١) اليمين في هذا إذا دخل عليه بيتاً أو صُفَّة. وإذا حلف الرجل لا يدخل على فلان بيتاً فدخل بيتاً وفلان فيه لا ينوي بذلك (٢) الدخول عليه لم يحنث. أرأيت لو نوى الدخول على غيره وهو في البيت معه أكان يحنث. إنما دخل على غير الذي حلف عليه. وإذا حلف الرجل أن لا يدخل على فلان داراً فدخل عليه في داره فإنه يحنث (٣). وكذلك لو نوى داراً ولم يسم. وإذا حلف الرجل لا يدخل بيتاً وهو فيه داخل فأقام فيه بعد الحلف أياماً لم يحنث؛ لأنه لم يدخل. وليس الدخول في هذا كالسكنى. ألا ترى أنه لم يستقبل دخولاً مذ حلف. والسكنى ما أقام في البيت فهو له ساكن. ألا ترى أنه لو قال: والله لأسكنن هذا البيت غداً، وهو فيه يوم حلف ساكن فأقام فيه حتى مضى غد كان ساكناً فيه، وكان قد بر في يمينه، وكان ساكناً (٤) كما قال. ولو قال: والله لأدخلنه (٥) غداً، ثم أقام حتى مضى غد حنث؛ لأنه لم يدخل كما قال. قلت: فإن نوى لأدخلنه غداً، أن يقيم فيه كما هو ففعل ذلك؟ قال: هذا يبر ولا يحنث إذا نوى ذلك. واذا قال الرجل: والله لا أدخل هذه الدار إلا عابر سبيل، فدخلها ليقعد فيها أو دخلها ليعود مريضاً فيها أو دخلها ليطعم فيها ولم يكن له نية حين حلف فإنه يحنث. ولكن إذا دخلها مجتازاً ثم بدا له فقعد فيها لم يحنث. وإنما أضع اليمين إذا حلف لا يدخلها إلا عابر سبيل مثل قوله: والله لا أدخلها إلا مار الطريق، والله لا أدخلها إلا مجتازاً (٦)، إلا أن ينوي أن لا أدخلها يريد النزول فيها. فإن نوى ذلك فإنه يسعه. وإن دخلها يريد أن
следующие страницы →