يجد عند واحد منهم جوابها. فذهب يدور على الفقهاء والمحدّثين يسألهم، فلم يفُزْ منهم بطائل. فيئس منهم وهمّ بالخروج من المسجد، والفقيرُ ينظر إليه ويعجب من حاله وحالهم، وعزّ عليه أن ينصرف آيِساً فأشار إليه، فلما جاءه قال: اعرض عليّ مسألتك.
فضحك القروي وصاح: انظروا - يا قوم - إلى هذا المجنون؛ يزعم أنه يجيبني على مسألتي وقد أعجزت المفتين والفقهاء وأصحاب الحديث!
فأقبل الناس على الصوت وطفقوا يتكلمون، فقال قائل: دعه فإنه مجنون. وقائل: لا عليك أن تسأله، فلعل عنده علماً. وقائل: سله واحمل جوابه إلى المفتين، فانظر ما هم قائلون.
ثم سكتوا، وسكت كل من في المسجد، وانقطعت أصوات القرّاء والمدرسين والذاكرين ولم يبقَ فيهم متكلم، لأنها قد تكلمت فوق رؤوسهم النبوة، وسمعوا «الله أكبر» تدوّي في نواحي المسجد، تهبط عليهم من المآذن كأنما هي هابطة من السماء، فيها روعة الوحي وجلال الدين وجمال الإيمان، فتقوضت المجالس، ورُصّت الصفوف، وتحاذت المناكب، وقال الإمام: «الله أكبر»، فماتت الدنيا في نفوسهم وامّحت منها الشهوات وطُمست فيها الميول، لأنه مهما يكن من كبير فـ ... الله أكبر.
* * *
فلما قُضيت الصلاة عادوا إلى القروي فقالوا له: اذهب
стр. 282
فسل صاحبك. فذهب إليه فقال: يا هذا، زعمت أنك قادر على الجواب، فهل أنت على قولك؟
قال: أستعين بالله.
قال: إنها قد أعجزت المفتين وحيّرتهم، أفأنت تستطيع أن تجيب عليها؟
قال: أستعين الله.
قال: هي كذا وكذا ...
قال: الجواب كيت كيت ...
وابتدر الفقير الباب. وحفّ الناسُ بالقروي فقالوا: هل أجابك؟ بِمَ أجابك؟ قل لنا بماذا أجابك؟
فقال: ما أنا بقائل لكم حرفاً حتى ألقى المفتين.
وأسرع وأسرع معه الناس إلى المفتين وقد عادوا إلى مجلسهم، فقال: أرأيتم ذلك الفقير؟
قالوا: نعم.
قال: قد أجابني عن مسألتي.
فضحكوا من جفائه وجهالته، وقالوا: بِمَ أجابك؟
قال: كذا وكذا.
فلما سمعوه أخذ منهم الجِد مأخذه، ونظر بعضهم إلى بعض
стр. 283
وكلهم مشدوه حائر لا يدري مِمّ يعجب: أمن كثرة علم الرجل مع رثاثة هيئته، أم من رثاثة هيئته مع كثرة علمه؟! ثم انتبهوا فقالوا: ويحكم، أدركوا الرجل فإن له لشأناً، وما نظنه إلا آية من آيات الله جاءت ترينا حقيقة العلم وسمو الفقر وجلال التواضع. أدركوا الرجل!
فقالوا: قد خرج.
قالوا: أوَليس فيكم من يعرفه؟
قال رجل من القوم: والله ما رأيناه إلا في السميساطية (١)، وقد نزلها منذ أيام فكان ينظف مراحيضها، ويتخذ مجلسه على الباب حتى أذنوا له بالدخول. وما رأيناه إلا عاكفاً على صلاة أو مشتغلاً بتسبيح، ولم يكلم أحداً.
قال المفتون: ويحكم! قوموا بنا إليه.
فلما دخلوا عليه قالوا له: من أنت؟
قال: رجل من الناس.
قالوا: قد سمعنا جوابك، وإنا نسألك بالله الذي لا إله إلا هو إلا ما أخبرتنا من أنت.
стр. 284
قال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون. أمَا وقد أقسمتم فأنا أبو حامد الغزالي.
فصاحوا: حجة الإسلام! وانكبّوا على يديه يقبلونهما ويسألونه أن يعقد لهم مجلساً في الغد، ثم انصرفوا.
* * *
فلما كان الغد نظروا، فإذا الشيخ قد فارق دمشق! (١)
* * *
стр. 285
حكاية الهميان
كان أذان الفجر يصعد من مآذن الحرم في مكة في أول يوم من رمضان سنة أربعين ومئتين للهجرة، فيهبط على تلك الذرى المباركات من قُعَيقِعان (١) وأبي قبيس، فينساب مع نسيم السحَر رخياً ناعشاً، يسحب ذيوله على تلك الصخور التي كانت «محطة» بريد السماء، ومنزل الوحي، ومنبع رحمة الله للعالمين، حتى يمسح ستور الكعبة فيتنزّل على مَن في الحرم تنزل النفحات الإلهية على قلوب عباد الله المخلصين.
وكانت صفوف المؤمنين قائمة للصلاة تدور بالكعبة من جهاتها كلها، صفوفٌ في الحرم ترى الكعبة وتنعم بالقرب منها، وصفوف لا تراها ولكنها تتوجه إليها وتبصرها بقلوبها، تقوم وراء الجبال الشمّ والبحار، في المدن والقرى والصحاري والسهول والأودية والقمم، في القصور والأكواخ والمغائر والسجون، في القفار المشتعلة حراً والبطاح المغطاة بالثلج ... تتسلسل وتتعاقب لا تنقطع ما امتدت الأرض وكان فيها مسلمون.
* * *
стр. 286
وأمّ أهل مكة الحرم، ولم يبقَ في داره إلا شيخ في السادسة والثمانين، وانٍ محطم ما عليه إلا قميص مشدود بحبل، وقاموا للصلاة ما يستطيعون الوقوف مما حشوا به بطونهم من طيبات الطعام؛ من كل حلو وحامض وحار وبارد وسائل وجامد، ووقف هو يصلي وما يستطيع القيام من الجوع؛ فقد أمسك للصوم بلا سحور، ونام ليلته البارحة بلا عشاء، وأمضى أمسه من قبلها بلا غداء ... فلما قضى صلاته قعد في محرابه منكسراً حزيناً. وما كان يفكر في نفسه، فلقد طال عهده بالفقر حتى ألفه، وهون إيمانه الدنيا عليه حتى نسي نعيمها وازدراها، ولكنه كان يفكر في هذه البطون الجائعة من حوله (وهو كاسبها ومعيلها) وهذه المناكب العارية. ولو كان في مكانه رجل آخر قاسى الذي قاساه، ورأى الأغنياء يبذرون المال تبذيراً ويضيعون الألوف في الباطل على حين يحتاج هو إلى الدانق (١) فلا يجده، لثار على الدنيا وذمّ الزمان وحقد على الناس. ولكنه كان رجلاً مؤمناً موقناً أن الله هو الذي قسم الأرزاق، فأعطى - لحكمة يعرفها - ومنع، وأن الناس لا يملكون عطاءً ولا منعاً، وأن ما كان لك سوف يأتيك على ضعفك وما كان لغيرك لن تناله بقوتك؛ رُفعت الأقلام وجفت الصحف.
فقال: إهْ؛ الحمد لله على كل حال!
وقام فنزع القميص، ونادى: يا لبابة.
فجاءت امرأة ملتحفة بخرقة قذرة، فدفع إليها بالقميص وأخذ الخرقة فالتفّ بها.
стр. 287
فقالت المرأة: يا أبا غياث، هذا ثالث يوم لم نذق فيه طعاماً، وهذا يوم صيام وحر. فإذا صبرتَ وصبرتُ أنا فإن البنات والعجوز لا يقدرن على الصبر، وقد هدّهن الجوع، فاستعن الله واخرج فالتمس لنا شيئاً، فلعل الله يفتح عليك بدوانق أو كسيرات ندخرها لفطورنا.
قال: أفعلُ إن شاء الله.
* * *
وانتظر حتى علت الشمس وكان الضحى، فخرج يجول في أزقة مكة وطرقها. وكان الناس قد انصرفوا إلى دورهم ليَقيلوا، فلم يلقَ في تطوافه أحداً. واشتد الحرّ وتخاذلت ساقاه وزاغ بصره، وأحسّ بجوفه يلتهب التهاباً من العطش. وكان قد صار في أسفل مكة فألقى بنفسه في ظل جدار، وكان من أكبر أمانيه أن يدركه الأجل فيموت مؤمناً، فيتخلص من هذا الشقاء وينال سعادة الأبد. وجعل ينكت التراب بيده وهو سادرٌ في أمانيّه، فلمس يدَه شيءٌ مستطيل لين، فسحبه ونظر، فإذا هو بذَنَب حية مختبئة خلال التراب، فتعوذ بالله. ثم عاودته رغبته في الموت وتمنى لو تلدغه فتريحه، ثم ذكر أنه لا ينبغي للمؤمن أن يطلب الموت وإنما ينبغي له أن يقول: "اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وأمتني إن كان الموت خيراً لي". فقالها واستغفر الله.
وعاد يرقب الحية فإذا هي ساكنة، فعجب منها، ولمسها برجله فلم تتحرك، فبحث عنها وحفر، فإذا الذي رآه حِزام وليس
стр. 288
بحية، فشدّه فجاء في يده «هِمْيان» (١) فيه الذهب، عرفه من رنينه وثقله؛ فأحس كأن جوعه وعطشه قد ذهبا، وكأن القوة قد صُبّت في أعصابه والشباب قد عاد إليه، وتصور أنه سيحمل إلى نسائه الشبع والدعة والراحة، ويملأ أيديهن مما كُنّ يتخيلنَه ولا يعرفنَه من نعيم الحياة ورغد العيش. وجعل يفكر فيما يشتريه لهن، وكيف يتلقين هذه النعمة التي ساقها الله إليهن، حتى كاد يخالَط في عقله.
ثم تنبه في نفسه دينه، وعلا صوت أمانته يقول له: إن هذا المال ليس لك، إنما هي لقطة لا بد لك من التعريف بها سنةً، فإذا لم تجد صاحبها حلت لك. وتصوّر السنة وطولها، وهو الذي يبحث عن عشاء يومه. وهل يبقى حياً سنة أخرى؟ وهل تبقى أسرته في الحياة؟ وماذا ينفعه أن يكون الذهب له بعدما مات من الجوع ومات معه من يرثه؟
وأحس كأن قواه قد خارت، وودّ لو أعاد الهميان إلى مكانه ولم يكن قد ابتُلي بهذه البلية. ولكنه كان رجلاً فقيهاً يعلم أن اللقطة إن مُست فلا بد من التعريف بها، وإن هو أرجعها إلى مكانها وفُقدت كان المسؤول عند الله عنها، أما إذا لم يمسها فلا شيء عليه منها.
وجعلت الأفكار تصطدم في رأسه وتتراكض وتصطرع، حتى شعر أن عظم صدغيه سيتكسر من قرع الأفكار المتراكضة في رأسه.
стр. 289
وطفق يسمع صوتاً يهتف به أن خذها؛ فهي رزق ساقه الله إليك ... ادفع بها الموت عن بناتك اللائي أطاف بهن الموت ... أشبع بها هذه الأكباد الغرثى ... اكسُ هذه الأجساد العارية. ثم إذا أيسرت رددتها إلى صاحبها أو دفعتها إليه ناقصة دنانير لن يضره على غناه نقصها. ثم يسمع هاتف دينه يقول له: اصبر - يا رجل - ولا تخن أمانتك ولا تعصِ ربك.
وعقد العزم على الصبر، واستعان بالله، وذهب إلى داره يخبئ الهميان حتى يجيء صاحبه ... أو يحكم الله فيه.
* * *
ودخل الدار متلصصاً، فرأته امرأته فقالت: ما جاء بك يا أبا غياث؟
قال: لا شيء.
وأحب أن يكتمها خبر الهميان، وما كان يكتمها من قبل أمراً.
قالت: بلى والله، إن معك شيئاً، فما هو؟
فخاف أن تراه فيستطار لبها، فقص عليها القصة. وكانت امرأة تقية دينة، ولكنها أضعف منه إرادة وأوهن عزماً، فقالت: افتحه وخذ منه دنانير اشتر لنا بها شيئاً، فإننا مضطرون والمضطر يأكل الميتة (١).
стр. 290
قال: لا والله، ولئن مسستِه أو خبّرتِ خبره أحداً فأنت طالق.
وتركها مغيظة محنقة وخرج يبحث عن صاحبه، لعله يأخذ منه شيئاً حلالاً يدفع به الضرّ عن عياله.
* * *
ومشى إلى الحرم، وكان فيه شاب طبَري طالب علم.
قال الشاب الطبري: «فرأيت خراسانياً ينادي: "معاشر الحجّاج، من وجد همياناً فيه ألف دينار فردّه علي أضعف الله له الثواب". فقام إليه شيخ من أهل مكة كبير من موالي جعفر بن محمد، فقال: يا خراساني، بلدنا فقير أهله، شديد حاله، أيامه معدودة، ومواسمه منتظرة، ولعله يقع في يد رجل مؤمن يرغب فيما تبذله له حلالاً فيأخذه ويرده عليك.
قال الخراساني: يابا! كم يريد؟
قال: العُشر، مئة دينار.
قال: يابا! لا نفعل، ولكن نحيله على الله تعالى» (١). وافترقا.
قال الطبري: «فوقع في نفسي أن الشيخ هو الواجد للهميان
стр. 291
فاتبعته، فكان كما ظننت. فنزل إلى دار مسفلة زريّة الباب والمدخل، فسمعته يقول: يا لبابة.
قالت: لبيك أبا غياث.
قال: وجدت صاحب الهميان ينادي عليه مطلقاً، فقلت له: قيده بأن تجعل لواجده شيئاً. فقال: كم؟ قلت: عُشْره. قال: لا نفعل، ولكنا نحيله على الله ، فإيش نعمل؟ لا بد لي من رده.
فقالت له: نُقاسي الفقر معك منذ خمسين سنة، ولك أربع بنات وأختان وأنا وأمي وأنت تاسع القوم». يا أبا غياث إن الله أكرم من أن يعاقب رجلاً يحيي هذه الأنفس. إنك لم تسرقه ولم تغصبه، ولكن الله هو الذي وضعه بين يديك، فلا ترفض نعمة أنعم الله بها عليك. إن الله يسألك عن هؤلاء النسوة.
قال الطبري: ونظرت في وجه الشيخ، فأحسست مما بدا عليه أنه قد تصور بناته جائعات عاريات، والعجوز المسكينة أم لبابة وقد جف جلدها على عظمها فصارت كأنها الحطبة الجوفاء تتردد فيها الأنفاس، ففاضت نفسه رقة عليهن، فسال دمعه على شيبته. ورأت المرأة ذلك فازداد طمعها فيه، ثم رأته يعبس وتبدو عليه الصرامة. لقد ودّ لو استعان بشيء من هذه الدنانير ... ولكنه ذكر أنه صبر خمسين سنة، فما كان ليضيع ذلك كله في لذة يوم، وذكر أنه على شفير القبر وأنه سيلقى الله، فما كان ليلقاه خائناً أمانته. أمّا عياله فلهم الله، والله أرأف بهم وأشفق عليهم.
стр. 292
وشد من عزمه، وصاح بها: «لست أفعل، ولا أحرق حشاشتي بعد ستٍّ وثمانين سنة».
قال الطبري: «ثم سكت وسكتت المرأة، وانصرفت أنا».
* * *
وأذن المغرب، وقعد الشيخ ونساؤه على كسيرات وتمرات التقطها لهم، وقعد الناس من حولهم على الموائد الحافلات بشهي الطعام، تفوح من بيوتهم روائح الشواء والحلواء، يأكلونها ويستمتعون بها وينسون أن رمضان شهر الإنسانية والإيثار، وأن الله ما فرض علينا الصيام للجوع والعطش والعذاب، ولكن ليذكّرنا هذا الجوعُ الاختياري الموقوت أن في الدنيا مَن يجوع جوعاً إجبارياً لا حد له ينتهي عنده، وليكون لنا من أعصابنا وجوارحنا مذكر بالإحسان. فمَن يقعد إلى مائدته الحافلة بالطعام وجاره يتلوى من الجوع، لا يفكر فيه ولا يشاركه طعامه، فما صام ولا عرف الصيام، وإن جاع نهاره كله وعطش.
إن العادة تضعف الحس، وإن أُلْفَ النعم يذهب لذتها، فأوجب الله الصيام علينا لنذوق مرارة الفقد فنعرف حلاوة الوجدان، ولنشتهي في النهار اللقمة من الخبز الطري والجرعة من الماء البارد، فنعلم أن هذه اللقمة الطرية وهذه الجرعة الباردة نعمةٌ من النعم، فلا ندع الإحسان مهما كان قليلاً، ولا نزهد في صدقة نقدر عليها. ولقد كان لإبراهيم الحربي رغيف كل يوم ليس له سواه، فكان يترك منه كل يوم لقمة، حتى إذا كان يوم الجمعة أكل هذه اللقم وتصدق بالرغيف.
стр. 293
كان الشيخ يفكر في هذا فيألم لما صارت إليه حال المسلمين، ثم يذكر بأن الله هو ملهم الخير ومصرف الأرزاق، فيحمده حمد رجل مؤمن راض.
وأمضى ليلته الرابعة بلا طعام لأنه ترك التمرات والكسيرات للعجوز والبنات يتبلغن بها.
* * *
قال الطبري:
«فلما كان من الغد سمعت الخراساني يقول: معاشر الحاج ووفد الله من حاضر وباد، من وجد همياناً فيه ألف دينار ورده أضعف الله له الثواب. فقام الشيخ إليه فقال: يا خراساني، قد قلت لك بالأمس ونصحتك، وبلدنا والله فقير قليل الزرع والضرع، وقد قلتُ لك أن تدفع إلى واجده مئة دينار فلعله يقع في يد رجل مؤمن يخاف الله ، فامتنعت. فاجعل له عشرة دنانير منها فيرده عليك ويكون له في العشرة ستر وصيانة.
فقال له الخراساني: يابا! لا نفعل، ولكن نحيله على الله .
ثم افترقا.
فلما كان اليوم الذي بعده سمعت الخراساني ينادي ذلك النداء بعينه، فقام إليه الشيخ فقال: يا خراساني، قلت لك أول أمس العُشر منه، وقلت لك أمس عُشر العُشر عشرة دنانير فلم
стр. 294
تقبل، فأعطه ديناراً واحداً عُشر عُشر العُشر، يشتري بنصف دينار قربة يسقي عليها المقيمين بمكة بالأجرة وبالنصف الآخر شاة يتخذها لعياله.
قال: يابا! لا نفعل، ولكن نحيله على الله ».
فرأى الشيخ أن لا حيلة له فيه، وانقطع آخر خيط من حبال آماله، وتوهم حالة بناته وزوجته وأمها ... وأن هذا الخراساني منعهم ديناراً واحداً من ألف يدفعون به الجوع والعري والموت الكامن وراءهما، ورأى الألف كلها بيده فحدثته نفسه بأن يمسكها أو يدفعها إليه ناقصة ديناراً، ولكنه ذكر الله والحساب فاستعاذ بالله من هذا الخاطر. وهل يشتري الشقاء الدائم باللذة العاجلة وهو يعلم أن لذات الدنيا كلها لا تنسي كربة واحدة من كرب يوم الحشر، وشقاءها كله تذهبه نفحة واحدة من نفحات الجنة؟
لا والله، ولقد روي أن مَن ترك شيئاً لله عوّضه الله خيراً منه؛ فترك له الهميان، وقال للخراساني: تعال خذ هميانك.
فقال له: امشِ بين يدي.
قال الطبري: «فمَشَيا وتبعتهما حتى بلغا الدار، فدخل الشيخ، فما لبث أن خرج وقال: ادخل يا خراساني. فدخل ودخلت، فنبش الشيخ تحت درجة له فأخرج الهميان أسود من خرق غلاظ، وقال: هذا هميانك؟
فنظر إليه وقال: هذا همياني.
стр. 295
ثم حلّ رأسه من شدٍّ وثيق، ثم صب المال في حجره وقلبه مراراً، ثم قال: هذه دنانيرنا».
وكانت لبابة والبنات ينظرن من شق الباب إلى الذهب الذي نسين لونه وشكله وحسبنه قد فُقد من الأرض، كما ينظر الجائع إلى قدور المطعم يتمنى لقمة منها يشد بها صلبه.
«وأعاد الرجل الذهب إلى الهميان وشده، ووضعه على كتفه وقلب خلقانه (١) فوقه وخرج». ولم ينظر في وجه الشيخ، ولم يُلقِ في أذنه كلمة شكر.
وأحست لبابة كأنه قد اختطف وحيدها، وكأن شعبة انخلعت من قلبها، فطارت وراءه. وشُدِه البنات ولبثن مفتوحات الأشداق دهشة وذهولاً ... فلما ابتعد وأيسن منه سقطن على وجوههن من الجوع والضعف واليأس.
وسمع الشيخ حركة فنظر، فإذا الخراساني قد رجع، فرفع إليه رأسه ينظر ماذا يريد. وكان أولى به أن يعرض عنه وأن يبغضه وقد منعه ديناراً واحداً يحيي - لو جاد به عليه - هذه الأنفس المشرفة على الموت، ولكن الشيخ كان رجلاً سمحاً لا يتسع قلبه لبغضاء، فقام إليه وسأله عما رجع به، فقال الخراساني:
«يا شيخ، مات أبي وترك ثلاثة آلاف دينار، فقال: أخرج ثلثها ففرّقْهُ في أحق الناس عندك له، وبع رحلي واجعله نفقه
стр. 296
لحجك، ففعلت ذلك، وأخرجت ثلثها ألف دينار وشددته في هذا الهميان، وما رأيتُ منذ خرجت من خراسان إلى الآن رجلاً أحق به منك، فخذه بارك الله لك فيه.
ووضعه وولى».
قال الطبري: «وكنت قد ذهبت، فما راعني إلا الشيخ يسرع خلفي يدعوني، فرجعت إليه فقال لي: لقد رأيتك تتبعنا من أول يوم، وعلمت أنك عرفت خبرنا. وقد سمعت أحمد بن يونس اليربوعي يقول: سمعت نافعاً يقول: عن عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال لعمر ولعلي ﵄: «إذا أتاكم الله بهدية بلا مسألة ولا استشراف نفس فاقبلاها، ولا ترداها فترداها على الله، فهي هدية من الله والهدية لمن حضر»، فسر معي.
فسرت معه. فقال لي: إنك لمبارك، وما رأيت هذا المال قط ولا أمّلته قط. أترى هذا القميص؟ إني والله لأقوم سحراً فأصلي الغداة فيه، ثم أنزعه فتصلي فيه زوجتي وأمها، وبناتي، وأختاي، واحدة بعد واحدة، ثم ألبسه وأمضي أكتسب إلى ما بين الظهر والعصر، ثم أعود بما فتح الله به عليّ من أقط وتمر وكسيرات كعك، فنتداول الصلاة فيه.
حتى إذا وصلنا إلى الدار نادى: يا لبابة، يا فلانة وفلانة، حتى جئن جميعاً. فأقعدني عن شماله، وحلّ الهميان وقال: ابسطوا حجوركم. فبسطت حجري، وما كان لواحدة منهن قميص له حجر تبسطه فمددن أيديهن، وأقبل يعد ديناراً ديناراً، حتى إذا بلغ العاشر قال، وهذا لك.
стр. 297
حتى فرغ الهميان فنال كل واحدة منهن مئة دينار ونالني مئة» (١).
* * *
ولما أذن المغرب وحف نساء الشيخ بمائدة كموائد الناس عليها الطيبات من الطعام قال لامرأته: أرأيت يا لبابة؟ إن الله لا يضيع أجر الصابرين؛ إن الله هو أرحم الراحمين. يا لبابة، لقد منعنا أنفسنا ديناراً حراماً فجاءنا الله بألف حلالاً.
وأكل الشيخ لقيمات ثم قام ليخرج، فقالت له امرأته: إلى أين يا أبا غياث؟
قال: أفتش، فلعل في الناس فقيراً صائماً لا يجد ما يفطر عليه، فنشركه في طعامنا.
* * *
ذيل القصة:
قال الشيخ الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: (٢)
«وقد نفعني الله بهذه الدنانير، فتقويت بها وكتبت العلم
стр. 298
سنين. وعدت إلى مكة بعد ست عشرة سنة فوجدت البنات ملكات تحت ملوك، وعلمت أن الشيخ توفي بعدما فارقته بشهور، فكنت أنزل على أزواجهن وأولادهن فأروي لهن القصة ويكرمونني غاية الإكرام.
وسألت عنهم بعد ذلك بأربعين سنة فعلمت أنه لم يبق منهم أحد، رحمة الله عليهم جميعاً».
* * *
стр. 299
على أبواب المدينة
زينب: كُفّي يا فاطمة، كُفّي يا حبيبتي! لقد بلغنا مشارف المدينة.
فاطمة: وماذا أصنع في هذه المدينة؟ أألقى فيها أخي؟ أألقى الفتية الكرام من آل النبي؟ لقد ذهبوا يا زينب، لقد ذهبوا إلى الأبد.
سميّةُ أمسى نسلُها عددَ الحصى ... وليس لآل المصطفى اليومَ من نسلِ (١)
زينب: إنا لله وإنا إليه راجعون!
فاطمة: ماذا أجد في المدينة؟ يا مدينة الرسول! هؤلاء بنات الرسول يتامى ثاكلات أسيرات ذليلات كأنهن سبايا الروم! يا مدينة الرسول ...
زينب: فاطمة! أشفقي على الصغار؛ لقد نفدت دموعهن.
стр. 300
فاطمة: ولمن يدّخرن الدموع بعد حسين؟ ابكين، ابكين ... لقد قتل الحسين!
زينب: فاطمة! أهكذا تدخلين المدينة يا فاطمة؟ كفي يا أختاه، كفي.
فاطمة: لقد كانت مدينتي يا زينب يوم كان فيها أهلي، فما لي اليوم فيها من أهل. إن مدينتي هناك، في القفرة التي غصت أحشاؤها بأجساد الهاشميين، آه! هل دخل على أهل بيت ما دخل علينا؟ آه، يا رب!
زينب: استعيني بالله.
فاطمة: لقد رأيت ابن أخي (وهو ابن خمس سنين) يخرج من الخيمة فيتلفت مذعوراً لا يدري ما هذا الذي يرى، فلحقته لأدخله، فوجدت ... آه يا رب! وجدت ... السهم ... لقد قتلوا الطفل!
زينب: اصبري يا فاطمة؛ إن الله مع الصابرين.
فاطمة: لقد رموا أخاه فمات في حجر أبيه، فتلقى الحسين دمه بيده. انظري يا زينب! ألا ترين إلى الدم قد خضب حواشي الأفق؟
زينب: هذا هو الشفق يا فاطمة!
فاطمة: وهذا السواد الذي غطى على الكون؟
زينب: هذا هو الليل، ما لك يا فاطمة؟ هذا الليل.
стр. 301
فاطمة: إننا سنعيش في ليل دائم لا يُلمح في جوانبه فجر. سنعيش بعد الحسين في ليل الأحزان السرمدي.
زينب: عدتِ إلى البكاء! فاطمة، إلى متى تبكين؟
فاطمة: إلى أن يرجع حسين، حسين خير الفتيان وسيد شباب الجنة.
زينب: لا حول ولا قوة إلا بالله.
فاطمة: حسين! يا أخي يا حبيبي، يا قرة عين رسول الله.
زينب: .... ....
فاطمة: لقد رباك النبي وغذتك فاطمة بنت محمد ليقتلك سنان بن أنس النخعي؟ لتكن ملعوناً يا سنان على كل لسان.
زينب: تعال كلمها يا علي، تعال كلم عمتك.
فاطمة: أين هو علي؟
علي: هأنَذا يا عمتي.
فاطمة: ادنُ مني يا علي. أنت بقية آل محمد؛ أنت اليوم رجلنا وحامينا، لم يبقَ إلا أنت. كل أسرة فيها رجالها، ورجال بيت النبي مُصرّعون في كربلاء. لقد وسع المسلمون بعدلهم الذمي والكافر، ولكن عدلهم ضاق عن آل النبي. لقد قدموا الحياة السعيدة للنصراني واليهودي، ولكنهم لم يجدوا لابن بنت النبي إلا الموت الأليم. أفكان لهم ثأر عندك يا محمد!
стр. 302
علي: كفّي يا عمة! لست وحدك المصابة؛ إن المجد والشرف والإسلام، كل أولئك أصيب يوم أصيب الحسين. كفّي يا عمة، لست وحدك الباكية. ستبكي معك عيون طاهرة لن يجف فيها الدمع إلى يوم القيامة. لقد مات الحسين، لقد قُتل أبي، ولكنه سيعيش خالداً بروحه في جنان الخلد، وخالداً باسمه في القلوب. ألم يختر هو الموت اختياراً؟ ألم يقدُم عليه؟ ألم يُعرض عن نصيحة عمي محمد بن الحنفية؟ ألم يستحلفه عالما الأمة ابن عمر وابن عباس أن يقيم في الحجاز وألا يثق بما يقول الكوفيون، وألا يشقّ عصا المسلمين، فأبى إلا المسير؟ ألم يأتِه الخبر بمقتل مسلم بن عقيل وانقلاب أهل الكوفة عليه؟
فاطمة: بلى، بلى. ولكنه رأى الجور فاشياً، والمنكر معروفاً، وأموال الله نهباً مقسماً وحمىً مستباحاً، فنهض ينصر الحق ويحيي العدل، ولم يقم حتى دعوه وألحوا عليه. ما كان يظن أن المسلمين يقتلون ابن بنت نبيهم ويذبحون أطفاله ويسوقون نساءه كما تُساق أسرى الروم. فكيف كان هذا يا علي ولم تطبق السماء على الأرض؟ أيُقتل بنو النبي وتُسبى نساؤه ولا يغضب أحد؟ ألم يبقَ على ظهر الأرض مسلم؟ هذا ابن بنت النبي وفتى بني هاشم، لو مات على فراشه لهز موته أهل الإسلام، فكيف وقد قُتل مظلوماً، وقد قُتل معه هؤلاء الفتيان البُرآء وهتكت أستار أكرم بيت رفع على هذه الأرض؟ آه! أيطِلُّ (١) دمك يا حسين؟
علي: اطمئني يا عمة. إن دم الحسين لن يطل؛ لقد وقع
стр. 303
الزلزال فأفاق الناس فزعين، ولكن الهزة لم تدع لهم سبيلاً إلى التفكير. إن العالم حائر مشدوه لأنه لم يكن يصدق أن هذه هي النتيجة. كلا، ولا هؤلاء الذين تألبوا على أبي يحاربونه. كانوا يظنون أنه سيستسلم لهم. كانوا يتحامَون قتله وينأون عنه، لا يريد أحد منهم أن يلقى الله بدمه وأن يبوء بهذه اللعنة، فلما رأوه مقتولاً ذُعروا وتيقظوا كأنما أفاقوا من حلم هائل.
فاطمة: ولكنهم أفاقوا بعدما فات الأوان. يا لهؤلاء الوحوش، يا للذئاب! لقد دعوه وألحوا عليه، حتى إذا جاء نهضوا إليه بالسيوف وضنوا عليه حتى بالماء. لقد شهدته يقاتل عطشان قد جف حلقه من الظمأ، فحسبتهم سيسقونه، ولكنهم سددوا إلى فمه سهماً ملأ فمه بالدم. هذا هو الذي منوا به عليه!
علي: إنهم سيندمون يا عمة؛ سيعضّون أصابعهم حسرة. إنهم سيلطمون وجوههم لوعة. إن هؤلاء الذين قتلوا الحسين وقتلوا أباه هم الذين سيبكون عليه وعلى أبيه. إن الكوفة التي أذاقتنا الغصص ستكون مثابة شيعتنا ومثوى أحبائنا. سيفنى الأعداء ويبقى الأحباء. سيأتي يوم يقال فيه: أين من قتلوا حسيناً؟ أين أنسالهم؟ أين من يبغض آل بيت النبي؟ قد خلا وجه الأرض منهم، ليس في الدنيا من بني أمية أحد.
الدليل: وما ذنب بني أمية؟
علي: لقد نسيت أنك هنا. ما كان لي أن أتكلم عن بني أمية بمسمع منك.
стр. 304
الدليل: ولِمَ يا سيدي؟ إني من جنود بني أمية ولكني محب لكم ولذلك صحبتكم. وهل يتم إسلام امرئٍ يبغض آل بيت نبيه؟ إني والله ما أوثر عليكم أحداً من بني أمية، ولكنها كلمة الحق.
علي: وما هي كلمة الحق؟
الدليل: هي أن أمير المؤمنين يزيد لم يُرد قتل أبي عبد الله ولم يأمر به، ولقد كتب إلى ابن زياد ألا يقاتل من لم يقاتله.
علي: لقد عرف ذلك الحسين، فسأل القومَ أن يدَعوه حتى يضع يده في يد يزيد، أو يمضي إلى ثغر من ثغور المسلمين فيقاتل فيه المشركين، أو يعود من حيث جاء.
الدليل: أنصفهم والله! ولو قدم على يزيد لوجده مبجِّلاً له عارفاً بقدره، إن لم يمنعه دينه من قتله منعته مروءته (وهو ابن عمه) أن يرمل نساءه ويهتك أستاره.
علي: صدقت والله. ما رأينا من يزيد إلا خيراً؛ أحسن إلينا ولعن ابن سمية وترحم على الحسين، وكان قصره من البكاء على أبي عبد الله كأنه في مناحة (١). ولكن المجرم شمر بن ذي الجوشن.
فاطمة: هذا الذي أوقد النار وضرّاها. لتنزل عليه اللعنة الحمراء، ليكن ملعوناً على كل لسان إلى قيام الساعة.
علي: وعبيد الله بن زياد.
стр. 305
فاطمة: هذا الذي أمر بها، هذا الذي ضرب بقضيبه فماً قبّله رسول الله. لتنزل عليه اللعنة الحمراء، ليكن ملعوناً على كل لسان إلى قيام الساعة.
علي: سيبوءان بلعنة العصور ويصيران سُبّة التاريخ. لقد فقدا الدين والمروءة وخسرا الشرف. لم يستثر حميتهما ولم يهج إنسانيتهما هؤلاء الأبطال الذين وقفوا يدافعون عن الحق ويذودون عن أسرة النبي، يقاتلون وهم عطاش والموت عن أيمانهم، والموت عن شمائلهم، والموت من أمامهم، وهم ماضون في سبيلهم لا يريدون مالاً ولا يبغون جاهاً ولا يحرصون على عَرَض من أعراض الدنيا، ولكنهم يريدون الله. حتى إذا أحسوا باليأس طفقوا يسارعون إلى الموت واحداً بعد واحد، وكلما ذهب منهم بطل ودع الحسين وسلم عليه وأسلمه إلى من خلفه ليدافع عنه، حتى فارقوه جميعاً ليلقوه في الجنة. هؤلاء هم الأبطال الأشراف الذين ستبقى أسماؤهم درة في تاج التاريخ تلمع أبداً فتضيء للسارين طرقهم إلى النبل والشرف والمجد: حبيب بن مظاهر، وزهير بن العتيق، والحر بن يزيد الذي كفر عن خطيئته وتاب من ذنبه؛ رحمة الله على الجميع.
زينب: انظري يا فاطمة، لقد وصلنا إلى المدينة.
فاطمة: خرجنا منها منذ شهرين فسحنا في الأرض ورأينا العراق والشام، ولكنا عدنا كالسبايا. لقد خسرنا كل شيء، آه! أين ... أين أنت يا أخي تستقبلنا؟ أين فتيان بني هاشم يحفّون بنا؟ أين رجالك يا أسرة النبي؟
стр. 306
زينب: يا فاطمة، إنهم ذهبوا ولكن الله باق.
فاطمة: هذه داركم يا آل النبي فتجرعوا فيها الآلام، هذه الدار فاذكروا ساكنيها الذين احتواهم جوف الأرض من كربلاء. هنا كانوا يقيمون وهنا كانوا ...
علي: قد بلغنا المسجد، فانزلي فسلمي على الرسول. انزلي يا عمة.
فاطمة: السلام عليك يا رسول الله، يا جدي. لقد قتلوا ابنك الحبيب!
* * *
стр. 307
طالب علم
قال محمد بن سعيد: ويْك! اتق الله يا أبا فلان. إنك لتوشك أن تقتل هذا الرجل الصالح وتبوء والله بدمه. ويلك اتق الله. لا تطرده من «فندقك» فإنه غريب نائي الديار، قطع سباسب (١) وبحاراً وجاب ما بين المشرقين.
قال: أبقيّ بن مخلد (٢) جاب ما بين المشرقين؟
قال: نعم، وهل تراني عنيت غيره؟ إنه حاجتي إليك، وما سألتك حاجة قبلها، أفلا تقضيها لي؟ إنه شيخ جليل القدر يحمل الحديث ويروي السنن، أفندعه يموت على قارعة الطريق؟
قال: وما أصنع به أنا؟ لقد آويته في فندقي عامين اثنين، لا آخذ منه مالاً ولا أرزؤه شيئاً ولا أعصي له أمراً، أفيكون جزائي أن أعجف عليه نفسي (٣) حتى يموت، فيخرج من فندقي محمولاً
стр. 308
إلى القبر فيتشاءم الناس بالفندق فيتحامونه فأفلس؟ إنه مريض أنهكته الأوجاع وأدنفته الحمى، ولقد أعجز نقاريس (١) الأطباء، وما أراه إلا ميِّتاً العشية أو غداة الغد ... فارحموني، أنقذوني منه، ليس لي به حاجة. قبحها الله ساعة أكريته فيها هذا البيت، لقد كانت ساعة ما حضرها مَلَك!
قال: أَرْبِعْ عليك أيها الرجل؛ فإنك في نعمة لو عرفت قدرها لقطّعت الليل بحمد الله عليها. إنك لا تدري أيّ خير ساقه الله إليك وأي أجر كتبه لك، فأقم نفسك في خدمته وارجُ وجه الله أطمعْ لك بالجنة.
قال: إني والله لفي بلية لو عرفت مداها لما لمتني على الجزع منها. إنك لا تعرف هذا الشيخ أي رجل هو؟ أأقول لك، إنه لم يبت عندي ليلة واحدة حتى خرج بخلقان بالية ومزق مخرقة وركوة وعصا ليسأل الناس ... ما لك تضحك من كلامي؟ أتهزأ بي يا ابن سعيد؟
قال: لا، ولكنك لا تدري ما شأن هذا الرجل.
قال: وإنّ له - بعدُ - شأناً؟
قال: وأي شأن! هذا رجل هجر جنات الأندلس ورياضها، وعيونها وأنهارها، ومكانة له فيها سامية وجاهاً له عريضاً، وفارق أهلاً فيها وصحباً، وعشيرة كبيرة، وأموالاً كثيرة، وذهب يخوض
стр. 309
اللجج والبحار ويجوب السباسب والقفار ليقدم بغداد، لا طمعاً بمال يناله أو جاه يحصله، أو صديق يزوره أو امرأة يخطبها أو لذة يطلبها، ولكن رغبة في العلم وحباً للحديث وشوقاً إلى لقاء أبي عبد الله!
فلما سمع الفندقي اسم أبي عبد الله انتبه وتبدلت حاله، وطفت على وجهه خيالات من الحب العظيم والإجلال الكبير الذي يحتفظ عليه قلبه لهذا الإمام. وقال بلهجة أرق ونغمة أعذب، قد ذاب فيها حقده على بقيّ بن مخلد في محبته لأبي عبد الله: أتقول إن الرجل قدم من الأندلس ليلقي أحمد بن حنبل؟
- نعم.
- يا له من شرف في الدنيا والآخرة! وهل لقيه؟ ألا تخبرني كيف لقيه؟
قال: إنه نزل عليك في هذا الفندق فألقى فيه متاعه وذهب يطلب أبا عبد الله، وكان ذلك أيام المحنة والناس لا يجرؤون على ذكر اسمه، وأبو عبد الله منفرد لا يلقاه أحد إلا أخذته عيون السلطان فناله أذى شديد. فلما علم الرجل بذلك ناله من الغم ما الله عالم به، فأمّ المسجد الجامع في الرُّصافة يسمع من المحدثين، فما زال يمر بالحِلَق حتى انتهى إلى حلقة نبيلة فوقف عليها، وكنت أول من رأى زيه الغريب، فسلمت عليه أونس غربته، فسألني: من هذا الشيخ؟
قلت: يحيى بن معين.
стр. 310
وكان يعرفه، ومن لا يعرف يحيى بن معين؟ فوقف ساعة، ثم لمح فرجة قد انفرجت فقام فيها، وكان الشيخ يكشف عن الرجال (١) فيقوّي ويضعف ويزكّي ويجرح، فقال: يا أبا زكريا، رحمك الله. رجل غريب نائي الديار، أردت السؤال، فلا تستخفني.
فقال الشيخ: قُلْ.
فجعل يسأل عن بعض من لقي من أهل الحديث (وكان قد لقي منهم خلقاً كثيراً) فبعضاً زكّى الشيخ وبعضاً جرّح. فسأله عن هشام بن عمار (وكان قد أكثر الأخذ عنه)، فقال الشيخ: أبو الوليد هشام بن عمار صاحب صلاة دمشق، ثقة وفوق الثقة، لو كان تحت ردائه كبر ما ضره شيئاً لخيره وفضله.
فتصايح أهل الحلقة: حسبك يرحمك الله، حسبك! غيرك له سؤال.
فقال وهو واقف على قدم: أكشفك عن رجل واحد؛ أحمد بن حنبل؟
فما قالها حتى جمد الناس وعلت الشيخ كآبة، ونظر إليه متعجباً كأنه يقول له: أعن أحمد يسأل أحد؟ وهل تجرؤ على ذكره؟ وكأن الشيخ قد خالطه شيء من الجزع، ثم غلب عليه إيمانه فلم يعد يبالي السلطان وغضبه وقال للسائل: من أين أنت أيها الرجل؟ نحن نكشف عن أحمد بن حنبل؟
стр. 311
وسكت الشيخ لحظة ثم قال بجرأة عجب لها الناس ولبثوا شاخصين، ينظرون إلى الشيخ يخافون أن تتخطفه جلاوزة السلطان ... قال الشيخ: ذاك إمام المسلمين وخيرهم وفاضلهم.
* * *
ثم إن الرجل ذهب يستهدي الناس إلى دار أبي عبد الله، فمنهم من يُعرض عنه خشية أن يكون عيناً للسلطان ومنهم من يجرؤ فيمشي معه خطوات. حتى انتهى إلى الدار.
فنال الإعجاب من نفس الفندقي كل منال، وسأله: أتقول إنه زاره في منزله أيام محنته؟
قال محمد بن سعيد: نعم؛ قرع عليه الباب، فلما فُتح له قال: إني رجل غريب أتيتك من مكان سحيق. قال أبو عبد الله: مرحباً بك، أين بلدك؟ قال: الأندلس. قال: إفريقية؟ قال: لا؛ أبعد من ذاك، أركب البحر من إفريقية إلى بلدي. قال: لا جرم أنه بعيد، فما حاجتك؟ قال: أسمع منك وأروي عنك. قال: ولكني كما رأيت وعلمت، لا ألقى أحداً ولا يدَعون أحداً يلقاني، ولست آمن عليك الأذى إذا أنت أتيتني. قال: ما كنت لأبالي في سبيل الأخذ عنك أذى ولا عذاباً. قال: فإن هم منعوك؟ قال: أحتال بحيلة. آتيك بزي السؤال فأصيح: الأجرَ يرحمك الله ... فتفتح لي وتحدثني. قال: على ألاّ تظهر في الحِلَق فيعرفوك. قال: على ألاّ أظهر.
فكان يفعل ذلك. وكنتَ تظنه يخرج فيسأل الناس.
فعاد الفندقي يسأله متثبتاً وقد كبر الرجل في عينيه حتى كأن
стр. 312
الذي تحتويه غرفته ملك أو وزير، عاد يسأل متثبتاً: إذن فهو من أصحاب أحمد بن حنبل؟
قال: نعم؛ ولبث على ذلك حتى رفع الله المحنة وولى الأمر المتوكل، فأحيا المذهب الحق، مذهب أهل السنة، وأمات البدعة، وجزى الله أحمد بما صبر. فكان - كما تعرف وأعرف - إمام الأمة، وأيّد الله به الدين كما أيّده بأبي بكر يوم الردة، فصار يَعرف لهذا الرجل حقه ويقول لأصحابه: هذا يقع عليه اسم طالب العلم.
قال الفندقي: جزاك الله يا ابن سعيد خيراً؛ فقد عرّفتني حقه، فهلمّ بنا إليه.
كان بقيّ بن مخلد الأندلسي وحيداً في غرفته، يتقلب من الألم ويتلوى من الحمى، قد طحطحه المرض وهدّته الأوجاع فما أبقت منه إلا هيكلاً كالقناة الجوفاء يتردد فيها الهواء، ولَمَا يشكو من الحنين إلى بلده والتشوق إلى أهله أشد عليه من كل ذاك.
ولم يكن في البيت إلا لبد اضطجع عليه ووسادة ألقى عليها رأسه، وكتبه مبثوثة من حوله ما يدعها، إذا أدركه انتباه نظر فيها، فإذا غاب عنه مِن الوجع عقله تركها في مكانها. فلما دخلا عليه ألفياه يقرأ في صحيفة في يده. فجلسا ساعة يؤنسانه، فما شعرا إلا ضجة تدنو حتى حسباها قد استقرت في الفندق، فنظرا من الشبّاك فإذا الرحبة والطرق التي تؤدي إليها ما فيها موطئ قدم خلا من إنسان، فاضطرب الرجل ونزل يسأل أنْ ماذا جرى؟ فما أحس إلا الناس يقولون: لقد أتى ... هو في الطريق. فأيقن أنه الخليفة،
стр. 313
ولكنه رأى موكب الخليفة غير مرة فما رأى مثل اليوم، ودنا من شيخ واقف في أطراف الناس فسأله من القادم، وأين يذهب؟
فقال: إنه أبو عبد الله، الذي لا يمشي إلى الخليفة، قادم ليعود مريضاً في هذا الفندق.
فصاح الفندقي: أبو عبد الله قادم إلى فندقي، أبو عبد الله؟! وطفق يصيح ويثب لا يدري ماذا يصنع وماذا يقول، وما يحفله أحد لأن الناس يستشرفون الطريق ينظرون وقد احتشدوا فيها، فما بقي بزّاز في دكانه ولا تاجر في سوقه ولا طالب علم في حلقته، ولهم دويٌّ وجلبة.
وصحا الفندقي على نفسه، فإذا هذا البحر ينشقّ بقدرة الله، وإذا الخلق يسكتون حتى كأن على رؤوسهم الطير، ويبدو الإمام ومن حوله طلبة العلم قد احتشدوا من جهات بغداد كلها، بغداد العظيمة التي يسكنها مليونان، وبأيديهم قراطيسهم وأقلامهم يكتبون كل كلمة يقولها. فانتهى الإمام إلى الغرفة، فوقف على المريض فقال له: يا أبا عبد الرحمن، أبشرْ بثواب الله، أعلاك الله إلى العافية ومسح عنك بيمينه الشافية.
فتناقل القوم ما قال فكتبوه.
ومرت أعوام بعد ذلك وأعوام والناس يذكرون هذا اليوم المشهود. أما الفندق فغدا منذ تلك الزيارة محط رجال العلماء والكبراء، ودرت على صاحبه أخلاف الرزق، وأما بقيّ فقد شفاه الله وأعاده إلى الأندلس فملأها علماً.
* * *
стр. 314
أبو جهل (*)
المنظر الأول
(في بيت عاتكة بنت عبد المطلب)
عاتكة: يا أخي، والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة، فاكتم عني ما أحدثك، فإنهم إن سمعوها آذونا وأسمعونا ما لا نحب.
العباس: حدّثيني، فسأكتم الحديث.
عاتكة: رأيت راكباً قد أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته: "ألا فانفروا يالَ غُدَر (١) إلى مصارعكم في ثلاث"، فأرى الناس اجتمعوا إليه. ثم دخل المسجد والناس
стр. 315
يتبعونه، فبينما هم حوله مَثُلَ (١) به بعيره على ظهر الكعبة، ثم صرخ بمثلها، ثم مثل به على رأس أبي قبيس فصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوي، حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضّت (٢)، فما بقيت دار من دور مكة إلا دخلها منها فلقة.
العباس: إن هذه رؤيا حق، فاكتميها ولا تذكريها لأحد.
المنظر الثاني
(في الحرم وقد غابت الشمس وجلست قريش في مجلسها من حول الكعبة)
أبو جهل في رهط من قريش يتحدثون برؤيا عاتكة.
أبو جهل: يا أبا الفضل، إذا فرغت من طوافك فأقبل علينا.
(يقبل العباس)
أبو جهل: يا بني عبد المطلب! متى ظهرت فيكم هذه النبية؟
العباس (متجاهلاً): وما ذاك؟
أبو جهل: الرؤيا التي رأت عاتكة؟
العباس: وما رأت؟
стр. 316
أبو جهل: كأنك لا تدري؟ ألم تحدّث بذلك الوليدَ بن عتبة؟ أما رضيتم - يا بني عبد المطلب - بكذب الرجال حتى جئتمونا بكذب النساء؟ زعمَتْ عاتكة في رؤياها أنه قال: "انفروا في ثلاث". فسنتربص بكم هذه الثلاث، فإن يكن حقاً فسيكون، وإن تمضِ الثلاث ولم يكن من ذلك شيء نكتب كتاباً أنكم أكذب أهل بيت في العرب.
العباس (وقد غضب): هل أنت منتهٍ يا مصفّراً استه؟ فإن الكذب فيك وفي أهل بيتك.
(يهم به فيحول القرشيون بينهما)
القرشيون: ما كنت - يا أبا الفضل - جَهولاً.
المنظر الثالث
(في بطن الوادي صباحاً)
العباس (لرجل معه): لقد لقيت من عاتكة أذىً شديداً لما أفشيت من حديثها، ولم تبق امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني تقول: أقررتم ... أقررتم لهذا الخبيث أن يقع في رجالكم، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع، ثم لم يكن عندك غيرة لشيء مما سمعت. فوالله لأتعرضن له، وإن عاد قاتلته، فلقد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه.
الرجل: انظر يا أبا الفضل، هذا أبو جهل خارجاً من باب المسجد يشتدّ.
стр. 317
العباس: ما له لعنه الله؟ أكل هذا فرَقاً مني؟ اذهب فانظر ما شأنه.
(يذهب الرجل ويرجع على عجل)
الرجل: (مضطرباً): ألا تسمع؟
العباس: ماذا؟
الرجل: هذا ضَمْضَم بن عمرو الغِفاري يصرخ ببطن الوادي وقد شق قميصه، وحوّل رحله، وجدع بعيره! اسمع ...
(يتقدمان ويصغيان)
ضمضم: يا معشر قريش، اللطيمة! اللطيمة! أموالكم مع أبي سفيان قد عَرَض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها. الغوث، الغوث!
(حركة واضطراب ولغط وصيحات حماسية)
رجل: هذه والله رؤيا عاتكة!
آخر: والله إن أخذ محمد العير لا تفلح قريش أبداً.
آخر: انفروا إلى مصارعكم في ثلاث. إن رؤيا عاتكة كأنها أخذ باليد.
أبو جهل: هه! أيظن محمد أنها كعير ابن الحضرمي؟ والله ليعلمن غير ذلك، إنها قريش!
стр. 318
سهيل بن عمرو: يا آل غالب! أتاركون أنتم محمداً والصُّباة من أهل يثرب يأخذون أموالكم؟ من أراد مالاً فهذا مالي.
(يتفرق الناس، يستعدون للخروج)
المنظر الرابع
(في الحرم وقت الظهيرة،
أمية بن خلف وسعد بن معاذ سيد الأوس وهو ضيفه وخليله)
أمية: تعَالَ فطُفْ بالبيت، فإنه وقت الظهيرة ولا يراك أحد.
(يطوف بالبيت ويجلس أمية)
أبو جهل (قادماً): من هذا الذي يطوف بالبيت؟
سعد: أنا سعد بن معاذ.
أبو جهل: ماذا؟ أتطوف بالبيت آمناً، وقد آويتم محمداً وأصحابه وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينونهم؟! أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعتَ إلى أهلك سالماً.
سعد: أما والله لئن منعتني هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك منه: طريقك إلى الشام.
أمية (لسعد): لا ترفع صوتك على أبي الحكم فإنه سيد أهل الوادي.
стр. 319
سعد (لأمية): إليك عني، فإني سمعت محمداً يقول إنه قاتلك!
أمية: إياي؟
سعد: نعم.
أمية: بمكة؟
سعد: لا أدري.
أمية: والله ما كذب محمد.
(يسقط أمية خائراً): إذن والله لا أخرج من مكة، إذن والله لا أخرج من مكة ...
المنظر الخامس
(في الحرم مساء، قريش في مجالسها، عقبة بن أبي معيط قادم على مجلس أمية معه مجمرة فيها بخور، أبو جهل على إثره)
أمية: ويلك! لمن هذا؟
عقبة: لك يا أبا علي. قم استجمر فإنما أنت من النساء.
أمية: قبحك الله وقبح ما جئت به.
(يصل أبو جهل)
стр. 320
أبو جهل: يا أبا صفوان، إنك متى يراك الناس قد تخلفت وأنت من أشراف قريش تخلفوا معك، فسر يوماً أو يومين.
أمية: أفعل!
(يمشي عقبة وأبو جهل إلى عتبة وشيبة ابنَي ربيعة وزمعة بن الأسود وحكيم بن حزام)
أبو جهل: أنتم سادة قريش وأنتم قادة الناس، فما بالكم لا تتجهزون؟
عتبة: لقد استقسمنا بالأزلام فخرج الناهي.
عقبة: كلا؛ ولكنه الفزع من اللقاء.
عتبة: ألمثلي يقال هذا؟ والله لولا أنك عند بيت الله ...
أبو جهل: دعه يا أبا الوليد، فإنك اليوم شيخ قريش؛ فإذا لم تخرج أقام الناس.
عتبة: سأخرج.
المنظر السادس
(يفصلون من مكة، وهم ألف رجل فيهم شيوخ قريش وأشرافها قد خرجوا على الصعب الذلول، ومعهم القَينات يضربن بالدفوف ويغنين بهجاء المسلمين، وقد ارتجّ بهم الوادي)