الإسباني الطامي وما زال ثابتاً، ولكن أسوده قد سقطوا صرعى في ميادين الشرف.
خرج موسى منذ إحدى عشرة ساعة يضرب الضربة الأخيرة ينال بها إحدى الحسنيين، إما النصر وإما الشهادة، ويرد العدو الذي أبقى عليه حِلم المسلمين حتى قوي بضعفهم واشتد بلينهم، وانتزع منهم الأرض قرية قرية، وبلداً بلداً، حتى أقبل يطردهم من آخر منزل لهم في الأندلس، من غرناطة.
* * *
وعلت غرناطة فترة الجزع من خوفها على موسى. لقد جعلته قائدها، وسلمته الدفة ليقود السفينة الهائمة على وجهها وسط الأعاصير والزوابع إلى الشاطئ الآمن، فإذا عجز موسى عن نجاتها لم يُنجها أحد من بعده. وقد كان موسى آخر خيط من خيوط الرجاء، وآخر شعاعة من هذه الشمس التي سطعت فملأت الأرض نوراً وهدى ثم أدركها المغيب، فإذا انقطع هذا الخيط عمَّ ظلام اليأس وانتشر. وقد كان موسى آخر مقطع من هذا النشيد الذي ألف مطلعه طارق، ثم توالى على نظمه «شعراء» البطولة: عبد الرحمن وعبد الرحمن وعبد الرحمن، الغافقي والداخل والناصر، فحمله الأبطال المساعير إلى الأقاصي والأداني، وتجاوبت بأصدائه سهول فرنسا وبطاح إيطاليا، ثم ضعف وتخافت ولم يبق منه إلا هذا المقطع، فإذا انقضى جف النشيد على الشفاه وانقطع ومات.
وقد كان موسى آخرَ سطر في سفر الحق والبطولة والمجد،
стр. 247
ذلك الذي كتبه العرب المسلمون في ثمانمئة سنة، فمحاه الإسبان في سنوات، ولم يبق إلا هذا السطر، فإذا طُمس ذهب السفر وباد. وقد كان موسى آخر نفَس من أنفاس الحياة في الأندلس المسلمة، فإذا وقف هذا النفَس الواحد وسكن هذا الذماء الباقي صارت الأندلس المسلمة أثراً بعد عين، وصارت ذكرى عزيزة في نفس كل مسلم وأمانة في عنقه إلى يوم القيامة.
* * *
وانطلقت من أعالي الأسوار أن: "لقد عاد موسى"، فتقاذفتها الألسن وتناقلتها الآذان، فطارت في أرجاء المدينة وسارت في جوانبها مسير البرق، فبلغت الساحات والدروب، وولجت الدور والمنازل، وأوغلت خلال البيوت والسراديب، فلم تلبث أن نفضتها نفضاً فألقت بأهليها إلى الأزقة والشوارع، فإذا هي ممتلئة بالناس من كل جنس وسن ومنزلة، وإذا هي تزخر بهذا النهر الإنساني الذي يجري صوب الأسوار صخّاباً جيّاشاً مُزبداً، يتحدر ويسرع مجنوناً كأنما تدفعه قوة خفية هائلة احتوتها الكلمات السحرية «المكهربة» الثلاث: "لقد عاد موسى"!
لقد كان يوماً من الأيام الغر التي تضيء الطريق لمن يسلك فجاج التاريخ، وتجيء في الليالي كالعبقري في الناس، وتصنع العجائب لتكون معجزة في الزمان، ما شهدت مثله غرناطة، ولا أبصرت منه (إلا قليلاً) عين الوجود! إنه يوم أضاع فيه الناس غريزة المحافظة على الذات في غمار غريزة النوع، ونسوا نفوسهم ليذكروا الدين والوطن، وانبتّوا من الحاضر المقيت ليعيشوا في
стр. 248
الماضي الفخم؛ فماج في سوح غرناطة بحر من الأجسام البشرية حمل أصحابُها أرواحَهم على أكفّهم، وقدّموا بين أيديهم دماءهم التي غضب فيها ميراث ثمانية قرون كلها مجد وعز، ونفوسَهم التي عصفت فيها ذكريات ألف معركة منصورة، فمشت في الأعصاب النار، واستعد كتّاب التاريخ ليكتبوا أعجب موقف للشعب إذا هبّ.
ووصل موسى، ذلك البطل البدري الذي أخطأ طريقه في الزمان فلم يأتِ في سنوات الهجرة الأولى، بل جاء في الأواخر من القرن التاسع، ولم يطلع في الحجاز التي كانت تبتدئ تاريخها المجيد، بل في الأندلس التي كانت تختم تاريخها.
وكانت تعلوه كآبة، فأنصت الشعب واحترم كآبة هذا الرجل الذي لو سبق به الدهر لصنع يرموكاً أخرى أو قادسية ثانية، ولكن الله الذي فتح تاريخنا في الأندلس بموسى، قد ختمه الآن بموسى!
ونظر موسى حوله، فإذا حوله شيوخ قد أراق الكرم على شيباتهم بهاءه ونوره، وأطفال كالزهر فتحوا عيونهم على الدنيا فوجدوها غارقة في بركة من الدم، ونسوة تفتحت تفتح الأكمام عن زهراتها فرأت الطرقات مَن لم تكن الشمس تراهن صيانة وتعففاً، قد برزن يَسِرْنَ إلى المعركة ويزاحمن الرجال، ولم يكُنّ يخشين على جمالهن، فقد غطت عاطفة الجهاد على عاطفة الجنس، فكان كل رجل أخاً فيه لكل امرأة.
стр. 249
فأحنى رأسه، ورأى الناس في عيني البطل دمعة تترقرق، وفتح فمه فحبس الناس أنفاسهم.
فإذا هو يعلن النبأ المهول، نبأ تسليم أبي عبد الله الصغير مفاتيح غرناطة!
نبأ بدا صغيراً كما تبدو المصائب، فلم يدر الناس لهول المفاجأة ما أثر هذا وما خطره، ولكن القرون الآتيات درت ما أثر هذا النبأ ولم تفرغ - إلى اليوم - من وصف فواجعه وأهواله.
ونظر موسى فإذا الصرح الذي أنفق في إقامته الدهر الأطول قد انهار في دقائق، وإذا هذه الديار التي سُقيت بدم الجدود وامتزجت برفاتهم وقامت على أيديهم يسلمها جبان مأفون للعدو المغير، وإذا السادة صاروا خَوَلاً والملوك عبيداً ... وجعل يفكر في هذه الفئة التي حوله، في أكرم زهرات غرناطة وأزكاها، هل يُجنّبها الموت الحاصد ويردها إلى حيث وجدت الراحة والدعة، أم يخلصها من حياة كلها ذل وألم ويسوقها إلى موت شريف؟
وإنه لفي تفكيره وإذا بأطفال غرناطة ينشدون ذلك النشيد الذي لا يُعرف من نظمه لهم، فيصغي الناس ويستمع الفلك الدائر:
لا تبكي يا أماه؛ إنّا ذاهبون إلى الجنة.
إن أرض غرناطة لن تضيق عن لحد طفل صغير مات في سبيل الله.
стр. 250
إن أزهار غرناطة لن تمنع عطرَها قبراً لم يمتع صاحبه بعطر الحياة.
إن ينابيع غرناطة لن تحرم ماءها ثرى لحد ما ارتوى صاحبه من مائها.
أنت يا أرض غرناطة أمنا الثانية، فضمينا إلى صدرك الدافئ الذي ضم آباءنا الشهداء.
لا تبكي يا أماه، بل اضحكي واحفظي لعبنا، سيأتي إخوتنا فيلعبون بها.
فذكّريهم بأننا تركناها من أجل هذا الوطن، بل في سبيل الله.
سنلتقي يا أماه! إنك لن تؤثري الحياة في ظلال الإسبان على الموت تحت الراية الحجازية، راية القرآن.
ولن تضيق عنا أرض غرناطة. ما ضاقت أرضنا بشهيد.
* * *
ولم يعد يطيق موسى أكثر من ذلك، فلكز فرسه وانطلق إلى حيث لا يدري أحد، كما جاء من حيث لم يَدرِ أحد.
وكذلك يذهب آخر أبطال الأندلس، لم يخلف له قبراً في الأرض ولا سيرة واضحة في التاريخ، بل مرّ على الدنيا كأنه حلم بهيج!
رحمة الله على موسى بن أبي الغسان، وعلى أولئك الأبطال.
* * *
стр. 251
رجل وامرأة
كان ذلك في يوم من أيام سنة ٦٠٧ هـ، وكانت دمشق تصارع دهرها الغاشم الحَرون الذي رمى بلاد الشام بقاصمة الأصلاب، الصليبيين، فنزلوا على مدنه نزول البلاء، وفشت أجنادهم في نابلس وعكا وبلاد أُخَر فُشُوّ الطاعون. وكان صبرها يزيد كلما زاد الكرب، وحزمها ينمو كلما نمت المصيبة، شأنَ دمشق في كل عصر.
وكان طوفان المغيرين يمتد ويتسع؛ يحمل الموت والدمار، يأتي على البلاد والعباد، يجتث الحضارة من أصولها ... وأهل الشام ينهضون له فلا يملكون له دفعاً، حتى كادت الديار تخلو من شبابها ولا يبقى فيها إلا شيخ أو امرأة أو صبي، أو قَعَدي نسي واجب الجهاد!
وقد ذهب - فيمن ذهب - إخوة «ميسون» الأربعة، وبقيت من بعدهم وحيدة في دارها لا يؤنسها إلا شبابها وجمالها وذكرى إخوتها.
* * *
стр. 252
أصبحت ميسون مهمومة، قد تقاسم فكرَها العزيزان: وطنُها وإخوتُها، فما تدري ما جرى لهم وماذا يجري عليه، ولقف سمعها طرفاً من أحاديث المارة، فعلمت أنه قد اشتد الخطر ودنا الهلاك، وأن هؤلاء «الواغلين» لا يفتؤون يركبون جناح الليل الأسود إلى شاطئ فلسطين، تحملهم المواخر الهاربة من عين الرقيب، المتسللة من وراء الحرس، فكلما دجى الظلام نزلوا إلى الشط أفواجاً، فكانوا للغاصبين عوناً وعلى أهل البلاد حرباً. وجعلت تفكر في هذه العصبة المجاهدة الكريمة، ماذا تستطيع أن تصنع لها؟ وكيف توقد النار في أعصاب هؤلاء الذين لا يزالون يروحون ويغدون على متاجرهم وأعمالهم، ويأخذون حظوظهم من مفاتن الطبيعة وجمال الكون، وتنسيهم ملذات أجسامهم ومرابح تجارتهم هذا الخطر الذي عم البلاد، والذي طال الزمان به، ونشؤوا عليه فألفوه ونسوا أيام الحرية والمجد وأن هذه البلاد بلادهم، وأنهم سلائل الأبطال الفاتحين، وحسبوا حكم هؤلاء «الواغلين» ضربة لازب، وأن قضاء الله قد تم فيهم فلا ينفع معه سعي، وأن أيام السعادة قد انتهت فلا تؤمل لها رجعة.
كيف لها - وهي فتاة - بإيقاظ هذه النفوس التي امتد بها الهجوع حتى كاد يكون موتاً؟ كيف تُفهم هذه الشخوص التي تجيء وتذهب (كشخوص من ورق في ألعوبة «الكراكوز») أن الحياة ليست بطناً يُملأ، ولا شهوة تُقضى، ولا مالاً يُنال، ولكن الحياة المجد والتقى وجلائل الأعمال. وأن يعرفوا للوطن حقه، وأن يعلموا، ويعلم كل عربي وكل مسلم، أنه ما دام في فلسطين
стр. 253
«واغل ...» واحد من هؤلاء، فحرام أن ينعم زوج بأهله، أو غني بماله، أو يغلق جفن على لذيذ المنام؟
وإنها لفي تفكيرها، وإذا بالباب يخفق، وإذا هو نعي إخوتها الأربعة!
* * *
صُعقت ميسون لهذا النبأ، وعجز جسمها اللدن وقلبه الرقيق عن حمله، فتضعضعت وانهارت، ولكن الإيمان والشباب تنبها في نفسها، ونهضا من تحت أنقاض الصبر وخلال غبار المصيبة يوقظان اللبؤة للانتقام. لقد كان وتراً واحداً فصار وترين، وكانت تطلب ثأر وطنها، فلتطلب ثأر وطنها وإخوتها. ووضعا البارود في أعصابها كما يوضع في المدافع، ثم أرسلاها في هذا الشعب الهاجع تقرع أذنه بالرعود، فيفيق أو ينام إلى الأبد.
وأحست ميسون أن في عضلاتها القوة التي تهز دمشق هزاً، وفي حنجرتها الصوت الذي يسمع الأموات، وفي قلبها العزم الذي لا يكل، والمدد الذي لا ينقطع، والأيْد الذي يفل الجيوش ويدك الحصون. وكذلك الإيمان إن نزل بقلب امرأة جعل منها بطلاً لا يُغلب، وما أعجب ما يصنع الإيمان!
* * *
وهمت ميسون أن ترتدي ثيابها ثم تطلب ميدان العمل، وتلفتت حولها، فلم تجد لها في الأرض قريباً ولا ذا رحم،
стр. 254
فقطعت أسبابها من الأرض، ثم وصلتها بالسماء فشعرت كأنها مؤيدة بقوة إلهية اصطفتها من دون الناس لتعلّم - وهي الفتاة الغريضة الناعمة - هؤلاء الرجال الرجولةَ كيف تكون!
ولم تعلم من أين تبدأ العمل، وجعلت تفكر وهي تمرر يدها على شعرها المنسدل حولها، المتموج كالحرير، يفتن العباد لو أرادت به الفتنة ويأسر قلوب الفرسان، فسطعت لها الفكرة كما يسطع البرق خلال الظلام: إن هذا هو سلاحها، لتشدّنّ الرجال بهذا الشعر الناعم، ثم لتقودنّهم من أعناقهم إلى المعمعة الحمراء. لتجعلن من ضعفه قوة تأكل القوي.
وذهبت فنادت جارات لها كنّ يقتدين بها ويسمعن منها، فذكرت لهن مصابها في إخوتها، فحسبنها قد دعتهن ليواسينها ويخففن عنها، ولكنها مضت في حديثها مُصَعِّدة حتى سَمَتْ إلى فلك التضحية ونسيان النفس، ورفعتهن معها. حتى إذا استوثقت منهن قالت: إننا لم نخلق رجالاً نحمل السيوف ونقود الخميس، ولكنّا إذا جَبُنَ الرجال لم نعجز عن عمل، وهذا شعري (أثمن ما أملك) أنزل عنه، أجعله قيداً لفرس تقاتل في سبيل الله، لعلي أحرك هؤلاء الأموات.
وأخذت المقص فجزت شعرها وصنع الفتيات صنعها، ثم جلسن يضفرنه لجماً وقيوداً لخيل المعركة العابسة، لا يضفرنه ليوم الزفاف ولا لليلة العرس.
* * *
стр. 255
أرسلن هذه القيود واللجم إلى خطيب الجامع الأموي، سبط ابن الجوزي العظيم، فحمله إلى الجامع يوم الجمعة، وقعد في المقصورة وقد زلزلته الحماسة فما يستقر، ونفد منه الصبر فما يدري أيان يصعد المنبر، فما آن الأوان حتى أسرع بالصعود وجلس وهذه اللجم وهذه القيود بين يديه، والدمع يترقرق في عينيه، ووجهه ممتقع شاحب، والناس يلحظون ذلك كله وينظر بعضهم في وجوه البعض، فلما انتهى الأذان قام فتكلم.
خطب خطبة حروفها من نار تلذع أكباد من يسمعها، وكلماتها سحر لم يدر هو مأتاه لأن قلبه كان يتلقاه من عالم مجهول فيقذف به على لسانه، ولم يستطع أحد أن يرويها لأنها خطاب من الروح إلى الروح، قد ذابت كلماتها في معانيها ثم استحالت معانيها إلى إيمان وتضحية وبذل، فكانت إحدى هذه المعجزات البلاغية التي يهدر بها كلَّ عصر مرةً لسانُ محدث، أو يمشي بها قلم ملهم، كرامةً من الكرامات وواحدةً من خوارق العادات، يجعل الله بها الكلمات أحياء عظيمة: لها روح تجذب الأرواح، ويد تشد الأعصاب، وعيون تبصر العيون ... وإنما حفظوا منها جملاً نقلوها إلى لسان الأرض فجاءت كتمثال الحسناء، جميل ولكنه من الشمع. وكان مما حفظوا:
"يا من أمرهم دينهم بالجهاد حتى يفتحوا العالم ويهدوا البشر إلى دينهم، فقعدوا حتى فتح العدو بلادهم وفتنهم عن دينهم! يا من حكم أجدادُهم بالحق أقطارَ الأرض، وحُكموا هم بالباطل في ديارهم وأوطانهم! يا من باع أجدادُهم نفوسَهم من
стр. 256
الله بأن لهم الجنة، وباعوا هم الجنة بأطماع نفوس صغيرة ولذائذ حياة ذليلة!
يا أيها الناس:
ما لكم نسيتم دينكم، وتركتم عزتكم، وقعدتم عن نصر الله فلم ينصركم، وحسبتم أن العزة للمشرك وقد جعل الله العزة لله ولرسوله وللمؤمنين؟
يا ويحكم! أما يؤلمكم ويشجي نفوسكم مرأى عدو الله وعدوكم، يخطر على أرضكم التي سقاها بالدماء آباؤكم، يذلكم ويتعبدكم وأنتم كنتم سادة الدنيا؟ أما يهز قلوبكم وينمي حماستكم أن إخواناً لكم قد أحاط بهم العدو وسامهم ألوان الخسف؟! أما في البلد عربي؟ أما في البلد مسلم؟ أما في البلد إنسان؟ العربي ينصر العربي، والمسلم يعين المسلم، والإنسان يرحم الإنسان؛ فمن لم يهبّ لنصرة فلسطين لا يكون عربياً ولا مسلماً ولا إنساناً!
أفتأكلون وتشربون وتنعمون وإخوانكم هناك يتسربلون باللهب، ويخوضون النار، وينامون على الجمر؟
يا أيها الناس! إنها قد دارت رحى الحرب، ونادى منادي الجهاد، وتفتحت أبواب السماء، فإن لم تكونوا من فرسان الحرب فأفسحوا الطريق للنساء يُدِرنَ رحاها، واذهبوا فخذوا المجامر والمكاحل! يا نساء بعمائم ولحى!
أوْ لا ... فإلى الخيول، وهاكم لجمها وقيودها.
стр. 257
يا ناس! أتدرون مِمّ صُنعت هذه اللجم وهذه القيود؟
لقد صنعها النساء من شعورهن، لأنهن لا يملكن شيئاً غيرها يساعدن به فلسطين.
هذه والله ضفائر المخدرات التي لم تكن تبصرها عين الشمس صيانة وحفظاً، قطعنها لأن تاريخ الحب قد انتهى وابتدأ تاريخ الحرب المقدسة، الحرب في سبيل الله وفي سبيل الأرض والعرض، فإذا لم تقدروا على الخيل تقيدونها بها فخذوها فاجعلوها ذوائب لكم وضفائر ... إنها من شعور النساء، ألم يبق في نفوسكم شعور!
وألقاها من فوق المنبر على رؤوس الناس وصرخ: تصدعي يا قبة النسر، وميدي يا عَمَد المسجد، وانقضّي يا رجوم، لقد أضاع الرجال رجولتهم!
فصاح الناس صيحة ما سُمع مثلها، ووثبوا يطلبون الموت (١).
* * *
بلغت الحياة هذه القلوب فعاشت بحمية الإيمان وحماسة الشرف، وعاش فيها إرث الجدود، فهبت دمشق يستبق رجالها في طريق الجهاد، وتوالت الأمداد على الملك المعظم في نابلس
стр. 258
(ونابلس دائماً مطلع شمس النصر، ونابلس دمشق فلسطين)، وكانت هجمة الأسود على الأعداء «الواغلين» فطردوهم حتى التجؤوا إلى عكا، فحاصروهم فيها حتى أشرفوا على الهلاك، فاستسلموا.
وكذلك جاء النصر على يدَي رجل وامرأة، أما الرجل فقد أكرمه الله فجعله أحد العظماء الخالدين، وأما المرأة فقد كافأها فرد عليها إخوتها الأربعة سالمين مظفرين لم يصبهم سوء، وكان خبر موتهم مكذوباً.
وعلمت الدنيا أن أتباع محمد ﷺ لا يذلون ولا يُستعبدون ما بقي فيهم رجل واحد أو امرأة مفردة طوت صدرها على إيمان صحيح، وأنهم قد ينامون ولكنهم لا يموتون، وأن «الواغلين ...» في فلسطين وغير فلسطين قد يقيمون حيناً، ولكنهم لا يستقرون ولا يملكون!
* * *
стр. 259
عالِم
حدثني بعض مشايخي عمّن رأى بعينه وسمع بأذنه، قال:
وقعت الصيحة في «حي الميدان»، أجل أحياء دمشق وأكبرها، صبيحة يوم من أيام سنة ١٨٣١ بأن إبراهيم باشا قادم لزيارة عالِم الشام الشيخ سعيد الحلبي (١) في مسجده. وإبراهيم باشا مَن قد علمت في بطشه وجبروته، ومَن يدُه إلى السيف أسرع من لسانه إلى القول وعينه إلى النظر، ومَن كان جبارَ سورية وفاتحها وسيدها.
فطار الفزع بألباب الميدانيين (وهم فرسان دمشق وحُماتها)، وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون: ماذا يصنعون؟ إنهم يعلمون أن الشيخ لا يقيم وزناً لأحد من أبناء الدنيا، فلا يبجل سلطاناً لسلطانه ولا يوقّر غنياً لغناه، ولا يقيس الناس بما على جسومهم من ثياب
стр. 260
ولا بما في صناديقهم من مال ولا بما يبتزّون من أموال الدولة (١)، ولكن يقيسهم بما في نفوسهم من فضائل وما في قلوبهم من إيمان وما في رؤوسهم من علم، وإذا نظر الناس من خارج فرأوا الطبل سميناً عظيماً نظر هو من داخل فرآه خالياً حقيراً.
وكانوا يخشون أن يسوء ذلك الباشا، ويودون لو رجوا الباشا، ولكن كيف يصلون إليه وهو في قصره، حوله الحجّاب والأعوان والجند بالسلاح، ومن حوله الموت ألواناً وأشكالاً يحمي حماه ويحرس أبوابه. ويتمنون لو رجوا الشيخ، ولكن الشيخ أعز من مئة ملك جبار، تحميه هيبته ويحرسه تقواه، وتحف به الملائكة واضعة له أجنحتها (٢).
ولم يكونوا يخافون أن ينال الشيخ سوء، فهذا شيء تُحيله عقولهم لما استقر فيها من إجلال الشيخ وإكباره، ولا تراه أبصارهم، لأنهم يقضون عن آخرهم قبل أن تراه أبصارهم؛ ولكنهم كانوا يخشون الشيخ على الباشا ويخشون الباشا على أنفسهم.
* * *
ومضوا يقيمون معالم الزينة ويبنون أقواس النصر، ويرفعون الرايات على طريق البطل الفاتح، ويقطفون أزهى أزهار الغوطة
стр. 261
لينثروها عليه ... فما كان الأصيل حتى تم كل شيء، وأقبل الباشا في الموكب الفخم والجند والسلاح والدبدبة، حتى انتهى إلى باب المسجد. وكان باباً صغيراً فاعترض الباشا، كأنه يقول له: ارجع أو أرجِعْ دنياك. إنك تدخل بيت الله بشراً خاضعاً، أما أن تكون تزوير إله ... بألف عبد وألف ثوب، فلا! إنه لا يجتمع ميراث النبوة التي جاءت بالتوحيد والمساواة ببقايا الجاهلية التي قامت على الشرك والتمييز بين الناس، إلا محي أحدهما. فانظر: هل محا باطلٌ حقاً؟
قال الراوي: وتردد الباشا هنيهة يفكر، ثم أبعد أعوانه وترجّل، ودخل المسجد منفرداً. وكان الشيخ جالساً على حصير قد وضعت فوقه حشية، وكان ماداً رجله، فسمعته يقول:
والمرء إذا خاف الله وصدق في مخافته خافه كل شيء، لأنه لا يرى كبيراً إلا صغره عنده أن الله أكبر. الله أكبر؛ إن لهذه الكلمة سراً إلهياً، ولكن المسلمين استعجموا فلا يرددون منها إلا حروفاً فارغة من المعنى، وما فرض الله على المسلم أن يقولها كل يوم خمساً وثمانين مرة أقل ما يقولها (١) ويسمعها من المنارة ثلاثين مرة (٢) إلا ليعلم أنه لا كبير في الدنيا، وأن من كان مع الله لم يبال شيئاً: لا الملك ولا المرض ولا الوحش، فلو أن المسلم عرف معنى هذه الكلمة وهو يقولها ما عرف الذل والجبن ولا الكسل.
стр. 262
قال رجل من طرف الحلقة: فإن قتله الملك يا سيدي الشيخ أو أماته المرض؟
فقال الشيخ: سبحان الله! وهل يهاب المسلم القتل أو يبغض الموت؟ إن الموت شديدٌ لأنه انقطاع اللذات وخسران الدنيا، ولكنه لا يكون بهذا المعنى إلا عند الكافر الذي يعيش في الدنيا ويستمتع بملاذّها، أما من كان يتهيأ فيها للعيشة الخالدة، ويقيم فيها كالمستعد للسفر، ويرقب ساعته كما يرقب المسافر ساعة القطار، ويراه حين يمضي ليلقى ربه كالآيب إلى وطنه حين يذهب ليلقى أهله وصحبه ... من كان هذا شأنه لا يرى في الموت موتاً، وإنما يرى فيه ولادة جديدة وابتداء حياة. وقد حفظنا من مشايخنا أن أفضل الشهداء رجل يقول كلمة حق عند إمام جائر فيقتله بها.
وكان الباشا قد وقف على الحلقة منتفخاً مصعراً خده شامخاً بأنفه، فنظر إليه الشيخ ﵀ فلم يتغير، ولم يَبدُ عليه أنه رأى فيه أكثر من رجل، وأشار إليه (أن اجلس) كما كان يفعل بغيره، فلم يتمالك الباشا أن جلس. ونظر في الحاضرين يقلب فيهم بصره يفتش عن شيء أضاعه فيهم، عن الخضوع والإكبار اللذين تعود أن يراهما حوله دائماً، ينتظر أن يقوموا له وأن يقفوا بين يديه صفاً، ولم يدرِ أن القوم كانوا في غير هذا؛ لم يدرِ أن الشيخ قد علا بهم حتى جعلهم يُطلّون على الدنيا من شرفة طيارة أو من قطع السحاب، فيرون الأرض كلها كمَفْحَص قَطاة (١)، ولا يرون
стр. 263
في الباشا العظيم إلا نملة. فمَنذا الذي يحفل بنملة؟!
وأجال الباشا نظره فيهم حتى علق برجل الشيخ (وكانت ممدودة نحوه)، فأثار مرآها كبرياءه وسلطانه، ورأى فيها علامة تعجب أضيفت إلى عظمته وجلاله إضافة سخرية وتهكم، ورآها كبيرة في عينيه، فأحس كأنما هي في عينه، ونظر في الحاضرين: ألم يجرد واحد منهم سيفه يتقرب إلى الباشا بقطّها؟
وكان الباشا ينظر بعين بصره المادية، لم تُفتح - بعد - عين بصيرته المعنوية، فيفاضل بين قصره وسريره ومكان الشيخ وحصيره، وبين جنده وأعوانه وتلاميذ الشيخ وإخوانه، فيوقن أن دنيا الشيخ كلها لا تثبت لحظة لسيفه الذي لم تثبت له دنيا الخليفة العثماني (إمبراطور الشرق). وكان كالأسد الذي زعموا أنه مر على قنبلة من القنابل المدمرة ملقاة في أجمته، فعجب منها وحقرها وقال: ويحك، أي حيوان أنت؟ يا للضعف والمهانة! أين الأنياب؟ أين المخالب؟ أين ... أين ... ؟ يا للهوان ماذا يصنع بأهله!
قالوا: ثم ركلها برجله، فانفجرت القنبلة!
وانفجرت القنبلة من فم الشيخ فرجع يتكلم.
* * *
قال: ومن عجيب صنع الله في الإنسان أنْ خلقه حيواناً كالحيوان، ولكنه وضع فيه ملكاً ووضع فيه شيطاناً، فمن كان همَّه من دنياه لذتا بطنه وفرجه وابتغاهما من حِل ولم يعرف غيرهما لم يكن فيه إلا الحيوان، فهو يرتع كما يرتع الحمار ويتبع غريزته
стр. 264
كما يتبع. ومن كان همه اللذة من حل وحرمة، ومن كان لا يبالي ما اجترح من السيئات، لم يكن فيه إلا الشيطان، وكان العقرب والخنفساء خيراً منه، لأن مصيرهما إلى التراب ومصيره إلى النار. ومن كان همه أن يعيش في هذه الحياة كما يعيش في مدرسته، يتلقى فيها أساليب الكمال ليعيش من بعده في أساليب الكمال، فهو الإنسان حقاً.
ومن عجيب صنع الله في الإنسان أنه وضع في نفسه المَلَك، فلا يحتاج مهما كان ضالاً فاسقاً ظالماً إلا تنبيه الملك في نفسه ليطرد الشيطان ويقود الحيوان، فلست أنت الذي يعظه، ولكنه يعظ حينئذ نفسه. وهذا معنى قولهم:
لا تنتهي الأنفسُ عن غيّها ... ما لم يكن منها لها زاجِرُ
وذلك ثوابه في الجنة، والجنة لا تكون بالتشهّي والأمل، ولكن بالجِد والعمل. ولو أن تلميذاً أمضى عامه في لعبه ولهوه ثم تمنى النجاح، أكان ينجح؟ ولو أن صياداً ألقى بندقيته فلم يضرب بها، ورمى شبكته فلم ينصبها، ثم حلم بالقنيصة، أكانت أحلامه تعدو في إثر الغزال حتى تأتي به مكتوفاً، أم كانت السمكة تأتيه وحدها وعلى ظهرها الملح والفلفل تقول له: كلني؟
قال الرجل: ولكن القلوب قست يا سيدي الشيخ، فما علاجها؟
قال: إن الشيطان لا يأتي إلا من إشعاره الكمال، فأشعر نفسك النقص وذكّرها في الصحة المرض وفي الحياة الموت. ولقد أدركنا من مشايخنا مَن إذا قسا قلبه أمَّ المستشفى أو قصد المقبرة،
стр. 265
فخوّف نفسه المرض وذكّرها الموت. والمؤمن لا يزال بخير ما زال بين الخوف والرجاء، فإن لم يخف أو يرجُ فقد هوى.
ولقد سمعنا أن منهم من كان يُدني يده من المصباح ويقول: يا نفس، إن لم تصبري على هذا فكيف - ويحك - تصبرين على نار جهنم؟ وإن المؤمن ما ثارت في نفسه شهوة إلا أطفأها بأنهار الجنة، أو أحرقها بنار جهنم، فاستراح منها.
وما الإنسان لولا العقل؟ وكيف يكون العقل إن لم يكن معه الإيمان؟ إنه لا يكون - إذن - إلا كما قالوا: أوله نطفه مذرة، وآخره جيفه قذرة. وإن للسلطان لسكرة، فمن أسكره سلطانه وعزته على الناس فليذكر هوانه على الله، وأن الله أهلك أشد الملوك (وهو النمرود) بأضعف الخلق (وهو البعوض)!
فيا مَن أصله من التراب، لا تنسَ أن نهايتك إلى التراب!
* * *
وكان الباشا يشعر - والشيخ يتكلم - كأنه كان محبوساً في صندوق ثم فتح عينيه فنشق الهواء الطلق، أو كأنه كان في ظلمة فاحمة فطلع الشيخ عليه شمساً نيرة، فتضاءل حتى جلس على ركبتيه، ورأى نفسه دون هؤلاء كلهم لأنهم ألصق منه بالشيخ وأدنى إليه، ولم يعد يزعجه مرأى الشيخ وهو ماد رجله ... بل كان يراه الغريق ويراها خشبة النجاة، وكان يبصرها عالية كجناح النسر المحلق، ثم لم يعد يرى فيها شيئاً. لقد استحال الشيخ في نظره إلى فكرة ... لم يعد يرى فيه إلا الحقيقة تمثلت إنساناً!
* * *
стр. 266
قال الراوي: «فلما ذهب الباشا بعث إلى الشيخ بكيس فيه ألف دينار من الذهب العين، فلما جاءه به الرسول وألقاه بين يديه تبسم الشيخ ﵀ ورده إليه، وقال له: سلم على سيدك وقل له: إن مَن يمد رجله لا يَمد يده» (١).
* * *
стр. 267
مع النابغة الذبياني
على أطلال دار «نُعْم»
لما بلغ الركب مشارف نجد، وترك القَارَة السوداء عن يمينه واستقبل تل بني عامر، أحس الشاعر بفرحة غامضة تشتمل عليها ضلوعه ويرقص لها قلبه، ولم يعرف لها سبباً. حتى إذا بلغ الركب ذروة التل، وتكشف له الفضاء الرحيب ومن حوله تلال الرمل الأحمر آخذٌ بعضها برقاب بعض وهي تتموج تموّج البحر، لينة رخوة تود النفس لو نامت عليها ثم اتخذت منها جناحين ناعمين طارت بهما في أجواء حلم فاتن، والعلم الشرقي يلوح من بعيد بأوديته القاحلة وصخوره المهولة. ودون ذلك كله السهل الأفيح وغديره الذي لا ينضب، والنخلات المطيفات به إطافة العشاق بمنزل الحبيب ... هنالك أدرك الشاعر سر فرحته: هذه ديار نُعْمٍ!
وأقبل الركب ينحدر عن التل، وقد مدت الإبل أعناقها فسالت بها تلك السفوح والحدور، واستطاب السَّفْر الإغذاذ (١)،
стр. 268
فضربوا بطون الإبل، يغتنمون لين الأمسية وطيبها بعد حرّ الهاجرة واشتعالها، ليبلغوا الغاية بعدما طال عليهم السفر وقطعوا فيه سواد إحدى عشرة ليلة وبياض نهارها. وإذا الشاعر يصرخ فيهم صرخة معمود الفؤاد حزين:
عوجوا فحيّوا لنُعمٍ دِمنةَ الدّارِ
ويلطم عنق ناقته لا ينتظر جواباً فيحولها ذات اليمين، وينطلق يحدوه الشوق وتدفعه الذكريات إلى ديار المحبوب. ولم يشأ أصحابه أن يتركوه يهيم في هذه القفار وحيداً، فتبعوه عن كثب، يخافون أن تنكأ الدار جراح قلبه ولمّا يبرأ من داء الغرام.
كان الشاعر ضاحك الوجه متهللاً، كأنما قد رجع إليه شبابه الذي ولى منذ حين وعادت لياليه البواسم، فلم يكد يبلغ الحي الخالي ويراه قفراً يَباباً حتى وقف وغمرت نفسَه كآبةٌ طفت على وجهه، فلاحت ظلالها في عيون الرفاق، فأحزنهم مرآه وفاضت نفوسهم بالرثاء له والحدب عليه، وودوا لو استطاعوا أن يواسوه ويرفعوا عنه وَقْر الذكريات، فأحاطوا به وعيونهم تنطق بكلمات الحب والإشفاق، ولكنهم احترموا صمته وأساه فلم يحركوا ألسنتهم بكلمة.
وظلت أفكار الشاعر شاردة كأنما هي ضائعة في الفضاء، فطفقوا يثيرون انتباهه إليهم، ويحاولون أن يشعروه بأنهم حوله حتى يعود إلى حاضره وهو غارق في لجج الماضي، يفكر في المرأة التي أحبها وأحبته، ويلمح وجهها طالعاً عليه من كل صوب، ويرى عينيها اللتين جعلهما مرآة تتجلى فيها ألوان العواطف: فهما
стр. 269
تضحكان بلا صوت، وتبكيان بلا دمع، وتغضبان وترضيان، وتعطيان وتمنعان! وإن من الجمال لما يثير الشهوة وينطق بلغة الغريزة، ولكن جمال «نُعم» يثير الحنان والعطف ويهيج في النفس الحب، فتفنى حاجات الجسد في مطالب الروح، ويرفع إلى عالم كله طهر، وينسى من يراه دنياه حين تغمره لذات هذه الدنيا الصغيرة من الجمال، ويجمع أهواءه المتفرقة في هوى واحد؛ هو القرب منها، والاطمئنان إليها، والفناء فيها.
وجعل يطوف بالحي طواف العابد المتنسك بالبيت الحرام، يخيل إليه الوهم أن الحبيب دانٍ والشملَ مجتمعٌ. ثم صحا وانتبه، فإذا يده صفر من هذا النعيم كله، وإذا الحياة قد ماتت في الحي، وخرب العمران، وامّحت صفحة من أمتع صفحات الحب والجمال فلم يبقَ منها إلا بقايا سطور. هنا كانت خيمة الحبيبة مهوى أمانيه وكعبة آماله، وكان نعيمه كله في أن يجلس فيها مع «نُعم» فتناجيه بأسرارها وتفتح له قلبها، ويبيحها أسراره ويكشف لها عن قلبه، وتلك هي غاية ما يبلغه المتحابّون:
أيّامَ تخبرني نُعْمٌ وأخبرها ... ما أكتم الناس من حاجي وأسراري
وهنا كان موقد أهلها؛ طالما جالسها عنده تأنس روحه بقربها، ويحيا فؤاده بنجواها، وينتعش قلبه بأنفاسها التي لو لامست حرارتها الجلمد لوهبته الحياة، فكيف بقلب الشاعر! فلم يبق من خيمة الحبيب إلا هذه الحفرة التي كانت تحف بها تمنع عنها المطر، ولم يبق من موقدها إلا تلك الحجارة السود!
وتبلجت الحقيقة للشاعر المسكين، وانتابه الخجل مما حمل
стр. 270
رفقته من عناء العوج على دار الحبيب، والدار قواء، وقد عبثت بها الرياح الهوج وألبستها ثوباً من التراب، فأقبل يسائلهم وفي تسآله رجفة الخجل ورنة الأسى:
... ... ... .... .... ... ماذا تحيّون من نُؤيٍ وأحجار
أقوى وأقفَرَ من نُعمٍ وغيّره ... هوج الرياح بهابي الترب مَوّار
ويهم أصحابه بالرحيل لطيتهم، يحسبون الشاعر قد آب إلى نفسه واستوفى من زيارة الدار مُناه، ويسايرهم يريد براحاً، ولكنه لا يستطيع، ويجد نفسه معلقاً بالديار؛ قلبه نهب بأيدي الذكرى وحياته مبعثرة في نواحي الربع، فيقف ناقته المأمونة ويرجع ليسأل الدار عن نعم وآلها:
وقفتُ فيها سُراة اليوم أسألُها ... عن آل نُعمٍ أموناً عبرَ أسْفَارِ
فاستعجمَتْ دارُ نُعمٍ ما تكلّمُنا ... والدار لو كلّمَتْنا ذاتُ أخبار
والدار سجل الماضي الحلو، والدار كتب الحب، فيها ولد ونما، وعلى هذه التلال الطرية الفاتنة، في الليالي الساجية ذات النجوم الساهرة، وفي ظلال تلك الشعاف البعيدة في مدخل الوادي المتلوي الرهيب، إذ ينفردان فيه في شدة الهاجرة، يأويان إلى ظله وبرده فيحيله الحب جنة عدن. وعلى الغدير إذ يصب فيه القمر زُلاله الصافي النمير ... كم شهدت هذه المغاني من صور الحب وكم حفظت من ذكرياته!
خبّري يا دار عن الحبيب وآله: ماذا حل بالحبيب؟ يا دار! قد ذهبت المجالس، وقُوّضت الخيام، وأقفرت من أهلها المنازل،
стр. 271
أفيمحى الحب من الوجود مثلما امّحت منازله؟ أيفنى الغرام؟ إن الروح باقية يا دار، فلماذا لا تبقى العواطف ويخلد الشعور؟ أوَليست الذكرى من الماضي كالظل من الضاحي ... خبريني إذن يا دار عن حبي، إن ذكراه لا تزال حية في نفسي، فأين الحب؟
أيكون ظل لشيء وليس من شيء؟ أللماضي حقيقة قائمة ووجود ملموس، وأين مكانه في هذا الكون؟ أهو شيء وراء المادة، أم هو منها وفيها، أم هو قد فني إلا صورة له في الذهن هي هذه الذكرى؟ أوَتكون الذكرى هي العذاب لنا والنسيان هو الدواء؟
أيموت الحب كما يموت المحبوب؟ ما الحب، ما البغض، ما الحياة؟ خبري يا دار ماذا صنعتِ بحبنا وما استودعناك من أنفسنا الحرار؟ أبردت هذه الأنفاس واستحالت هواء تصفر به الريح؟ وذلك الحديث الذي كان كأنه قطع الروض الممطور؟ وأين أثر أقدامنا حين كنا نسير والحب ثالثنا، ومع الحب الطهر والعفاف؟ أين يا دار ذهب أمس بما يحمل من شعورنا وعواطفنا؟
أين يَنْصَبُّ نهر الزمان؟ هل يلتقي الشيخ المهدم بالشاب المتوثب الذي كان يوماً إيّاه؟ أين ذلك الطفل الذي كان يوماً «أنا ...»؟!
ماذا حل بنُعم يا دارَ نُعم؟ لقد سمع القمر نجواها وحديثها، وحمل النسيم طيبها وأريجها، وألبستها الشمس حلة من نورها، وكستها الأمطار ثوباً من قَطرها. فهل تخبرني عنها الشمس والقمر، وهل يحدثني حديثها النسيم والمطر؟
стр. 272
لقد كنت في نعيم مع «نُعْمٍ»، فما لي أجد هذا النعيم أحلى كلما أوغل في البعد عني؟ ما لي أحنّ إلى الماضي كله وأرى سعادتي فيه أكبر كلما أُلقيَتْ بيني وبينه من الأيام سُجُفٌ وأستار؟ ما لي تلذّني مآسيه وتؤلمني أفراحه؟ ألأني فقدتُها وخرجت من يدي؟
ماذا عندك يا دار؟ خبري! يا أسفي!
فاستعجمَتْ دارُ نُعمٍ ما تكلّمُنا ... والدار لو كلّمَتْنا ذاتُ أخبار
* * *
وراجع الشاعرَ كربُه وأساه. لقد ترك الدار تفيض بالحياة وتضج بالأحياء، تعيش للحب والحرب. وتلك هي حياة العربي في جاهليته؛ وقْفٌ على قلبه وسيفه، فإذا احتضن الجبل شمسه الغاربة اجتمع الحي على الغدير، فتشرق فيه شموس جمة وأقمار من كل فاتنة الطرف غضة الإهاب ذات حسن غير مجلوب، فتدور سوق الغرام وينشأ الحب، ويعيش هذا المولود قوياً مدللاً وإن لم يستكمل مدة حمله، وينمو طاهراً لا تعلق به ريبة ولا يدنّسه خاطر سوء، غذاؤه النظر والكلام؛ هو حب الصحارى لا يعيش في المدن ولا يدري به علماؤها! وإذا أصبح الصباح، وأضحى الضحى وتسعرت الشمس وتلظت، وبدا الموت من وراء الرمال المتأججة كالحَ الوجه كاشراً عن نابه ... عصفت في الحي صرخات فرسانه الذين لا تثنيهم الهواجر عما نذروا نفوسهم له من المجد، يطيرون بخيولهم إلى الفلوات الفيح والبيد القفار، يحملون لبني العمومة الموت الأحمر على ظبا الأسنة وشفار السيوف. لم يكن
стр. 273
قد بعث الله لهم بعدُ من يعلّمهم أن المجد في إعلاء كلمة الله لا في قتل بني العمومة ونهب أموالهم، ولم يكن قد جاء من يقودهم إلى قرطبة من هنا والسند من هناك، فيكتبوا تاريخهم في سطر طويل يمتد من الأندلس إلى الصين عنوانه: «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، ﴿إنّ اللهَ يَأمُرُ بالعَدْلِ والإحْسَانِ وإيتاءِ ذي القربى، ويَنْهى عن الفَحْشاءِ والمُنْكرِ والبغي﴾.
وخلال ذلك ربائب البيوت يهيئن الحياة الرغيدة لأولئك الفرسان البهاليل، فلا تجد في الربع إلا عاملاً كادحاً لا ينسيه الحب أماني المجد ولا يسليه المجد عن أحلام الحب.
فلم يلقَ الشاعر من هذا العالم كله الذي خلفه يوم ارتحل إلا الحجارة التي كانت موقد النار، وهذا النبت الضعيف الواني الذي لا تحمله سوقه، فيمتد على الأرض عاجزاً:
فما وجدتُ بها شيئاً ألوذُ بِهِ ... إلا الثّمامَ وإلا مَوْقد النّارِ
* * *
وكأن الشاعر قد اختبل ولم تحمل أعصابه هذا الهول كله، وعرته جِنّة فانطلق ينادي وهو هائم على وجهه في الربع المقفر: نُعْمَ، يا نُعم! هأنَذا أتيت فتعالي. لقد جئتك بأمتع أحاديثي وأجمل أشعاري، يا نعم! ما لك لا تجيبين؟ لقد طفت بالربع كله، جست خلال الخيام وأممت التل، وألممت بالوادي وجثوت عند الصخرة، فوجدت ندى الحب ولمحت طيف الذكرى وشممت عطر الماضي الحلو، ولكني لم أجدك أنت. فأين أنت يا نعم؟
стр. 274
وطفق يضحك ضحكاً مروعاً أجفل منه الرفاق وأمسكوا قلوبهم بأيديهم، وحبسوا أنفاسهم حزناً على الشاعر الذي جن حقاً، وجعل يعانق شيئاً يتوهمه في الفضاء. ثم سكت فجأة وجذب رفيقه الحارث إليه، فجعل يشير له إلى بقعة غامضة في الفضاء ويقول له:
ألمحة من سَنا برقٍ رآى بصري ... ... .... .... .... ...
فيحار الحارث ولا يدري بماذا يجيب وهو لا يرى برقاً ولا يبصر شيئاً، ولا يقدر أن يفجع الشاعر بأحلامه فيزيده جِنة، فيسكت ملتاعاً.
.... .... .... .... .. .... أم وجهُ نُعْمٍ بَدا لي؟ أم سَنا نارِ؟
ويسكن الشاعر ويعلو وجهَه إشراقٌ وابتسام، فيسير مرحباً وهو يهمس همساً ناعماً فرحان مبتهجاً:
بل وجهُ نُعْمٍ بَدا والليل معتكرٌ ... فلاحَ من بينِ أثوابٍ وأستارِ
ويغمر حسَّه خيالُ نُعمٍ ويملأ خواطره وشعوره، ويرى عينيها فيحس كأنما دارت به الأرض وهو يحدق فيهما، ثم أسرعت في دورانها، ثم اختفت بما عليها ولم يبقَ في الوجود إلا عينان قال الله كونا فكانتا. وخالط نفسَه الميلُ إليها والرهبة منها، والرغبة في امتلاكها وإفنائها فيه والاستسلام إليها والفناء فيها، واختلطت عليه المشاعر فلم يعد يعي شيئاً إلا أنه يعيش مرة ثانية في الماضي الحبيب، فأعاد طوافه بالربوع التي كانت مهد غرامه وجنة أحلامه، والرفاقُ ينظرون إليه ولا يقدرون له على شيء، وطيف «نُعم»
стр. 275
ما يفارقه فصورتها في ناظريه نقية حلوة مخلوقة من النور:
بيضاءَ كالشّمسِ وافَتْ يومَ أسعدَها ... لم تؤذِ أهلاً ولم تُفحِشْ على جارِ
وعطرها في أنفه؛ لا العطر الذي تستعيره الحسان من الزهر ويستجدينه الروض، بل العطر الذي تقبس الوردة منه فتتيه على زهور الحقل بأريجها، وتأخذ منه الزنبقة فتختال منه عجباً، وتشمه الفلة فتميس بين الرياحين دلالاً، لا تمس «نعم» الطيب إلا لتطيبه بها:
والطيبُ يزدادُ طيباً أنْ يكونَ بها ... في جِيدِ واضحةِ الخدَّينِ مِعطارِ
ويهمس الشاعر في أذن الطيف الذي يراه أحاديث الغرام، ويبثه الشوق المبرح والحنين الطويل، والطيف صامت لا يجيب. فتخالطه الحسرة والكمد، ولا يدري لهذا العتب سبباً، ويود لو فداها بروحه وأعتبها. ويقبل على الرفاق يقول لهم، وما قوله إلا صدى أفكاره ورَجْع ما في نفسه من الحسرات:
نُبِّئتُ نُعماً على الهُجران عاتبةً ... سقياً ورعياً لذاك العاتِبِ الزّاري
ويخاف الرفاق أن يطول بالشاعر تذكره أو يعود إلى جِنته، فلا يزالون به حتى يصحو من سَكرته ويعود إليهم.
* * *
ويولي الركب عن دار «نُعمٍ» والشاعرُ منكبٌّ على راحلته صامت كئيب، يفكر في دار الحبيب وهي خلاء قواء، تنشد فيها الرياح أناشيد الفناء؛ لا الحب عاد ولا عادت لياليه، ولا الشباب
стр. 276
آب ولا آبت مجاليه، وإنما هي الذكريات انبعثت في صدر الشاعر فهدت أركانه، وضعضعت بنيانه، وشعبت في قلبه شعبة تفجر منها الشعر صادق اللهجة ملتهباً بالعاطفة، قد خرج من فؤاد ائتكل من نار الجوى، يبكي به الحبيب على أطلال دياره، فكان سؤال الديار بيت القصيد في ديوان الغزل، وكان سيد شعر العاطفة.
وانتشر الليل، ومشت القافلة صامتة، قد سكت فيها الحادي وخشع الرفاق، حتى لفها الظلام في طياته.
* * *
стр. 277
في صحن الأموي
في أمسية رخيّة (من صيف سنة ٤٨٩هـ) خرج الناس - على عادتهم - إلى صحن المسجد الأموي، فبسطوا فيه البسط وأسرجوا السرج، حتى كاد المسجد يقطر ذهباً ويشتعل لهباً. وأقبلوا عليه زرافات ووِحداناً، يقضون بالصلاة حق الله عليهم وبالاجتماع والتعاون على الخير حق بعضهم على بعض، فيعودون بثواب الله واطمئنان النفس وراحة البال.
وليس أشهى إلى النفس ولا أحلى في العين من صحن الأموي في ليالي الصيف. وإن المرء ليطوف ما يطوف، وينشق عبير الأزهار ويسمع تغريد الأطيار، ويصعد الجبال تنفجر منها العيون ويدخل الجنان تجري من تحتها الأنهار، ثم يعود إلى الأموي فيراه في عينه أجمل من ذلك كله، ويجد في نفسه - حين يجلس فيه - هزة طرب ونفحة أنس لا يجدهما في شيء من ذلك.
وكانت عشيةً تُنسّم نسماناً ناعشاً، فامتلأ المسجد بالناس وهم بين متوضئ يخلع رداءه فيلقي به على بلاط المسجد الأبيض الناعم ويسرع إلى قبة الماء، وهي في وسط الصحن صغيرة مثمّنة،
стр. 278
من رخام عجيب محكم الإلصاق، قائمة على أربع سَوارٍ من الرخام الناصع، وتحتها شباك حديد في وسطه أنبوب نحاسي يمج الماء إلى علو، فيرتفع ثم ينثني كأنه قضيب لجين (١) وقد زينت جوانبها بالمصابيح.
ومصلٍّ يبتغي جماعة فلا يلبث حتى يجدها (٢)، فيقوم في الصف خاشعاً، يشغله جلال الله الذي يقف بين يديه عن الدنيا التي خلّفها وراء ظهره.
وجالسٍ إلى حلقة من هذه الحلقات الكثيرة، يستمع إلى محدث أو فقيه أو واعظ، أو ينصت لقارئ، أو يذكر الله مع
стр. 279
الذاكرين، أو مستند إلى أسطوانة من الأساطين، أو مُحْتَبٍ تحت رواق من الأروقة يقرأ في مصحف، أو ينظر في كتاب، أو يُسبّح على أصابعه، أو يتفكر في شأن من الشؤون، أو ينتظر الصلاة فينعم بجمال المسجد ورقة النسيم، ويكون من انتظاره الصلاة كأنه في صلاة.
وكان حيال قبة زين العابدين (قبة الساعات) في شرقي المسجد رجل رث الثياب، ما عليه إلا مِزَق مردمة وخلقان بالية، يرنو بعينه إلى الناس تارة وينظر إلى المسجد أخرى، فيقرأ فيه تاريخاً جليلاً، يقرؤه في هذه القبة الباذخة، قبة النسر، وهي «من أعجب مباني الدنيا، ومن أي جهة استقبلت المدينة بدت لك قبة النسر، ذاهبة في الهواء، منيفة على جميع مباني البلد» (١) «وليس في دمشق شيء أعلى ولا أبهى منظراً منها» (٢) ... وهذه المنارة العالية التي يسميها الناس «منارة عيسى» (لحديث جاء فيه أن عيسى ﵇ ينزل على المنارة البيضاء شرقي دمشق (٣)) ويعجب من سموها وارتفاعها، وهذه المنارة الغربية التي بناها المسلمون
стр. 280
فأجادوا بنيانها ووضعوا فيها العجائب: من براعة الزخرف ودقة النحت والضبط والإحكام، والمنارة الشمالية (منارة العروس) وقد ازّينت وأُوقدت فيها المصابيح، وقام في شرفتها المطلة على الصحن (١) «المؤقِّت» ليعلن دخول العشاء.
ودخل المسجدَ قرويٌّ له مسألة، فسأل عن مجلس المفتين حتى دُلَّ عليه عند قبة عائشة (٢). فجاء فعرض عليهم مسألته، فلم
стр. 281
يجد عند واحد منهم جوابها. فذهب يدور على الفقهاء والمحدّثين يسألهم، فلم يفُزْ منهم بطائل. فيئس منهم وهمّ بالخروج من المسجد، والفقيرُ ينظر إليه ويعجب من حاله وحالهم، وعزّ عليه أن ينصرف آيِساً فأشار إليه، فلما جاءه قال: اعرض عليّ مسألتك.
فضحك القروي وصاح: انظروا - يا قوم - إلى هذا المجنون؛ يزعم أنه يجيبني على مسألتي وقد أعجزت المفتين والفقهاء وأصحاب الحديث!
فأقبل الناس على الصوت وطفقوا يتكلمون، فقال قائل: دعه فإنه مجنون. وقائل: لا عليك أن تسأله، فلعل عنده علماً. وقائل: سله واحمل جوابه إلى المفتين، فانظر ما هم قائلون.
ثم سكتوا، وسكت كل من في المسجد، وانقطعت أصوات القرّاء والمدرسين والذاكرين ولم يبقَ فيهم متكلم، لأنها قد تكلمت فوق رؤوسهم النبوة، وسمعوا «الله أكبر» تدوّي في نواحي المسجد، تهبط عليهم من المآذن كأنما هي هابطة من السماء، فيها روعة الوحي وجلال الدين وجمال الإيمان، فتقوضت المجالس، ورُصّت الصفوف، وتحاذت المناكب، وقال الإمام: «الله أكبر»، فماتت الدنيا في نفوسهم وامّحت منها الشهوات وطُمست فيها الميول، لأنه مهما يكن من كبير فـ ... الله أكبر.
* * *
فلما قُضيت الصلاة عادوا إلى القروي فقالوا له: اذهب
стр. 282
فسل صاحبك. فذهب إليه فقال: يا هذا، زعمت أنك قادر على الجواب، فهل أنت على قولك؟
قال: أستعين بالله.
قال: إنها قد أعجزت المفتين وحيّرتهم، أفأنت تستطيع أن تجيب عليها؟
قال: أستعين الله.
قال: هي كذا وكذا ...
قال: الجواب كيت كيت ...
وابتدر الفقير الباب. وحفّ الناسُ بالقروي فقالوا: هل أجابك؟ بِمَ أجابك؟ قل لنا بماذا أجابك؟
فقال: ما أنا بقائل لكم حرفاً حتى ألقى المفتين.
وأسرع وأسرع معه الناس إلى المفتين وقد عادوا إلى مجلسهم، فقال: أرأيتم ذلك الفقير؟
قالوا: نعم.
قال: قد أجابني عن مسألتي.
فضحكوا من جفائه وجهالته، وقالوا: بِمَ أجابك؟
قال: كذا وكذا.
فلما سمعوه أخذ منهم الجِد مأخذه، ونظر بعضهم إلى بعض
стр. 283
وكلهم مشدوه حائر لا يدري مِمّ يعجب: أمن كثرة علم الرجل مع رثاثة هيئته، أم من رثاثة هيئته مع كثرة علمه؟! ثم انتبهوا فقالوا: ويحكم، أدركوا الرجل فإن له لشأناً، وما نظنه إلا آية من آيات الله جاءت ترينا حقيقة العلم وسمو الفقر وجلال التواضع. أدركوا الرجل!
فقالوا: قد خرج.
قالوا: أوَليس فيكم من يعرفه؟
قال رجل من القوم: والله ما رأيناه إلا في السميساطية (١)، وقد نزلها منذ أيام فكان ينظف مراحيضها، ويتخذ مجلسه على الباب حتى أذنوا له بالدخول. وما رأيناه إلا عاكفاً على صلاة أو مشتغلاً بتسبيح، ولم يكلم أحداً.
قال المفتون: ويحكم! قوموا بنا إليه.
فلما دخلوا عليه قالوا له: من أنت؟
قال: رجل من الناس.
قالوا: قد سمعنا جوابك، وإنا نسألك بالله الذي لا إله إلا هو إلا ما أخبرتنا من أنت.
стр. 284
قال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون. أمَا وقد أقسمتم فأنا أبو حامد الغزالي.
فصاحوا: حجة الإسلام! وانكبّوا على يديه يقبلونهما ويسألونه أن يعقد لهم مجلساً في الغد، ثم انصرفوا.
* * *
فلما كان الغد نظروا، فإذا الشيخ قد فارق دمشق! (١)
* * *
стр. 285
حكاية الهميان
كان أذان الفجر يصعد من مآذن الحرم في مكة في أول يوم من رمضان سنة أربعين ومئتين للهجرة، فيهبط على تلك الذرى المباركات من قُعَيقِعان (١) وأبي قبيس، فينساب مع نسيم السحَر رخياً ناعشاً، يسحب ذيوله على تلك الصخور التي كانت «محطة» بريد السماء، ومنزل الوحي، ومنبع رحمة الله للعالمين، حتى يمسح ستور الكعبة فيتنزّل على مَن في الحرم تنزل النفحات الإلهية على قلوب عباد الله المخلصين.
وكانت صفوف المؤمنين قائمة للصلاة تدور بالكعبة من جهاتها كلها، صفوفٌ في الحرم ترى الكعبة وتنعم بالقرب منها، وصفوف لا تراها ولكنها تتوجه إليها وتبصرها بقلوبها، تقوم وراء الجبال الشمّ والبحار، في المدن والقرى والصحاري والسهول والأودية والقمم، في القصور والأكواخ والمغائر والسجون، في القفار المشتعلة حراً والبطاح المغطاة بالثلج ... تتسلسل وتتعاقب لا تنقطع ما امتدت الأرض وكان فيها مسلمون.
* * *