← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14296

قصص من التاريخ

علي الطنطاوي

Полный текст (333 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

قصص من التاريخ علي الطنطاوي طبعة جديدة راجعها وصحّحها وعلّق عليها حفيد المؤلف مجاهد مأمون ديرانية الناشر دار المنارة للنشر والتوزريع

стр. 2

حقوق الطبع محفوظة يُمنَع نقل أو تخزين أو إعادة إنتاج أي جزء من هذا الكتاب بأي شكل أو بأية وسيلة: تصويرية أو تسجيلية أو إلكترونية أو غير ذلك إلا بإذن خطي مسبق من الناشر الطبعة العاشرة ٢٠٠٧ دار المنارة للنشر والتوزريع ص ب ١٢٥٠ جدة ٢١٤٣١ المملكة العربية السعودية هاتف ٦٦٠٣٦٥٢ فاكس ٦٦٠٣٢٣٨ المستودع ٦٦٧٥٨٦٤

стр. 3

مقدمة الطبعة الخامسة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله. هذه طبعة جديدة من الكتاب الذي أكاد أفضّله على سائر كتبي؛ إذ عرضتُ فيه صوراً من أجمل صفحات التاريخ، أبقيت على جوهرها التاريخي وأعملت قلمي في «الأعراض» والتفاصيل، فما جعلتُها تاريخاً التزمتُ فيه بالواقع ولا أدباً خالصاً أَصدُرُ فيه عن الخيال وحده. ولقد طُبع مرات، ولكن هذه هي الطبعة الأولى التي تصدرها «دار المنارة» التي أخصّها -منذ اليوم- بنشر كتبي. وما أذمُّ من نشر لي قبلها، وأفرد بالثناء ولدي الأستاذ زهير الشاويش (والمكتب الإسلامي) وولدي الأستاذ عدنان سالم (ودار الفكر). وأسأل الله أن يكتب لي ولكل مَن نشر لي الثواب، وأن ينفع الله الناس بهذا الكتاب. مكة المكرمة: غرة سنة ١٤١١ علي الطنطاوي

стр. 4

مقدمة لم تُكتَب هذه الفصول في يوم واحد، بل كُتبت في أزمان متباعدات (١)، لذلك كان ما ترون من الاختلاف بين أساليبها. ولم أتعمد أن أجعلها قصصاً كما جاء في عنوان الكتاب، ولم أتقيد بقيود القصة وأقفْ عند حدودها، بل كنت آخذ الخبر أقع عليه، فأديره في ذهني وأتصور تفاصيله، ثم أحاول أن أعرضه موسَّعاً واضحاً. فكان ما أجيء به يقترب من القصة حيناً، ويكون أشبه بالعرض (الريبورتاج) حيناً. وربما غلبت عليّ الرغبة في التحليل النفسي فأطيل، وربما وقفت عند الحقائق فأقصر. ولو رجعتم إلى أصول هذه الفصول في التاريخ لوجدتم أن أكثرها لا يجاوز بضعة أسطر، جاءت متوارية في حاشية من الحواشي أو زاوية من

стр. 5

الزوايا، لا يتنبه إليها القارئ ولا يقف عليها، وليست أجمل ما في تاريخنا ولا هي من أجمل ما فيه، وإنما هي أخبار عادية، استطاع هذا القلم (على ضعفه وعجزه) أن يعرضها على الناس شيئاً جديداً أو هو كالجديد، فكيف إذا تولاها قلم أقوى من هذا القلم؟ وكيف إذا اختار لها مشاهد من التاريخ أعظم من هذه المشاهد؟ وإذا كان أصل هذا الكتاب الذي تفرع عنه وأساسه الذي بني عليه بضعَ صفحات من هذا التاريخ العظيم، فكم صورة رائعة، وكم قصة بارعة، وكم من الآثار الأدبية الخالدة، يمكن أن يستخرج من صفحاته كلها؟ أمَا إن ذلك ليزيد عن العد ويجلُّ عن الحسبان، ولكن أدباءنا لم يَرِدوا هذا المورد. * * * على أن هذا أسلوب من أساليب عرض التاريخ بقلم الأديب، وفي كتابي «رجال من التاريخ» (١) أسلوب آخر. وفي «على هامش السيرة» لطه حسين، وفي «وحي القلم» للرافعي، وفي «سيد قريش» لمعروف الأرناؤوط و «محمد» لتوفيق الحكيم و «في منزل الوحي» لهيكل أساليب غير ذلك. ولو أن كل كاتب وأديب أخذ من تاريخنا على مقدار طاقته،

стр. 6

وعلى أسلوبه وطريقته، وبلغ ما أخذ منه وصدر عنه ألف كتاب، لما نقص من كنوز تاريخنا شيء. ولو أني بقيت خمسين سنة أحدّث الناس كل أسبوع عن علم من أعلام الإسلام، أو أعرض عليهم قصة من قصص بطولاتهم وعبقرياتهم، لما انتهيت ولما قاربت الانتهاء، وكيف؟ وعندي في مكتبة بيتي الصغيرة أكثر من مئة مجلدة في تراجم الرجال، لو أن في كل مجلدة منها مئة ترجمة لكان من ذلك - وحده - عشرة آلاف ترجمة لعشرة آلاف علم من أعلام الإسلام. وما ليس عندي من كتب التراجم أضعاف ذلك. ثم إن في كتب التاريخ والأدب، والمحاضرات والرحلات، آلافاً أخرى لم تُفرَد في كتب التراجم. ولقد كنت أتسلى من أيام بالنظر في «رحلة ابن بطوطة»، فاستخلصت منها تراجم كثيرين لأجعل منها أحاديث؛ منهم السلطان المسلم العادل طرمشيرين من حَفَدة جنكيز خان، وكان يحكم مملكة واسعة المدى، مترامية الأطراف، كثيرة الجيوش، وافرة الخيرات. فهل سمعتم بطرمشيرين؟ وهل سمعتم بالملوك المسلمين الذين حكموا روسية، وكان لهم فيها حكومة عظيمة عاشت دهراً، وكانت تسمى دولة البلغار، وكانت عاصمتها بقرب ستالينغراد؟ وهل تعرفون سير الملوك المسلمين الذي حكموا الهند قروناً

стр. 7

طوالاً، وكان منهم أورنك زيب، أشبه الملوك سيرةً بالخلفاء الراشدين؟ ودول الإسلام في جنوبي آسية وسواحل أفريقية السوداء؟ لقد بلغ الإسلام بلاداً تعجبون أنتم الآن إذا سمعتم بأنه بلغها، وأقام فيها دولاً، وأنشأ فيها حضارات، وترك فيها آثاراً. وأكثر القراء لا يعرفون شيئاً عنها. بل إني أعترف أني لم أكن أعرف شيئاً عن تاريخ الإسلام في ماليزيا وأندونيسيا، وعن مراحل تاريخه في الهند، حتى زرت تلك البلاد ورأيت آثار الإسلام فيها، ولا سيما في دهلي وما حولها. لقد كنت أظنني في الأندلس، ولكنها أندلس أجل وأكبر. لقد حكمنا الهند ألف سنة، فمَن يعرف دقائق تاريخنا في الهند؟ لقد كدت أقول: لا أحد! إننا أمة تجهل تاريخها! هذا التاريخ الذي ليس لأمة مثله. هذا العالم الذي يفيض بالحب والنبل والتضحية والبطولة والإيمان. هذا السجل الأدبي الذي اشتمل على بذور مآسٍ، وملاحم، وقصص، ودواوين، لو وجدت من يستخرجها ويزرعها في الذهن الخصيب لكان حصادَها أدبٌ جديد يزحم بمنكبيه آداب الأمم جميعاً. وإذا كان إسكندر دوماس وشارلز ديكنز قد استخرجا من تاريخ فرنسا وتاريخ إنكلترا - على قِصَر مدتهما وكثرة مخازيهما -

стр. 8

هذا الأدب كله، فماذا يُستخرَج لَعمري من تاريخنا الطويل الشريف الغني لو رُزقت العربية أديباً كدوماس أو كديكنز؟ ولست أعني التاريخ السياسي وحده، تاريخ القصور والملوك، بل أعني التاريخ العلمي أولاً؛ تاريخ القوم الذين باعوا نفوسهم لله مجاهدين في ميادين الطّروس (١) بأسنّة الأقلام، وهجروا لذلك لذائذهم، ونسوا حاجات بطونهم وغرائزهم، واطّرحوا رغبات الغنى والجاه وكل ما يتزاحم عليه الناس، واستهانوا في سبيله بكل صعب، حتى إنهم كانوا يرحلون الإبل أربعين ليلة، من مشرق الأرض إلى بغداد أو الشام أو الحجاز، في طلب مسألة مفردة أو حديث واحد. أحرقوا أدمغتهم فجعلوها مشاعل القرون الآتيات، فسارت «البشرية ...» في طريق الحضارة على ضوئها. هذا التاريخ الذي أعنيه، هو تاريخ القضاة الذين استطاعوا في عصر كان الحكم فيه في الدنيا كلها حكما مطلقاً، وكانت حياة الناس معلقة بكلمة ينطق بها الحاكم، استطاعوا في هذا العصر أن يجعلوا لأنفسهم منزلة، وأن تكون لهم بكفاياتهم وبأخلاقهم حصانة دونها حصانة القضاة اليوم التي ضمنها لهم القانون. فاقرؤوا أخبارهم في كتب التاريخ والأدب والمحاضرات، وفيما أُفرد لهم من كتب (ككتاب الكندي في قضاة مصر، وكتاب قضاة

стр. 9

الأندلس، وكتاب قضاة الشام) تروا كيف كان أحدهم يستند إلى سارية المسجد وما معه إلا كاتبه، ما معه جند ولا شُرَط، ثم يحكم على الخليفة، وعلى الأمير، وعلى صاحب السلطان، فلا يُرَد له حكم ولا يستعصي على حكمه أحد. واقرؤوا مقدمة كتاب «الخراج» لتروا كيف كان أبو يوسف القاضي يخاطب أكبر ملوك الدنيا في عصره: هارون الرشيد! هذه ناحية من أوسع نواحي العظمة في تاريخنا، لأن القضاء (منذ كان في الدنيا قضاء) هو مقياس الخير في الأمم، وهو معيار العظمة فيها، وهو رأس مفاخر كل أمة حية راشدة. وليس القاضي موظفاً كالموظفين (١)؛ فالموظفون، حتى الأمراء منهم والوزراء، أعوان الملك أو الرئيس وأتباعه، يأمرهم فيأتمرون ويدعوهم فيلبون، أمرهم من أمره وسلطانهم من سلطانه، يتكلم بألسنتهم ويبطش بأيديهم. أما القاضي فلا حكم عليه إلا لربه، ولا استمداد له إلا من قلبه؛ يتكلم بلسان الشرع، والشرع فوق الناس، ويحكم بحكم الله، وحكم الله على الجميع. هذا هو التاريخ الذي أعنيه، لا تاريخ القصور وأهلها. وهذا الذي عُني به علماؤنا فألفوا فيه آلاف الكتب واستحدثوا منه علماً لم تعرفه أمة من الأمم قبلهم ولا بعدهم، هو «علم الرجال» الذي يميز صادق الرواة من الكاذب، والأمين من المزور، والمتثبت من المتساهل. وكان لأهل هذا العلم مثل «دوائر الاستخبارات» في الحكومات، وبها توصلوا إلى وضع قواعده ورفع دعائمه.

стр. 10

وابدأ فانظر ما أُلِّف في سيرة سيد البشر ومعلم الخير ﷺ ، وكيف دُوّنت حركاته وسكناته وألفاظه وإشاراته في مئات من الكتب. إذا شئت كتاباً يكاد يغني عن هذه الكتب كلها، ولا يغني عنه كتاب، فاطلب «شرح المواهب» للزرقاني. ثم انظر سير الصحابة فاقرأها في الإصابة أو في أسد الغابة أو في الاستيعاب. ثم انظر العمل الذي قام به مؤرخو رجال الحديث، ومبلغ ما وصلوا إليه من الإحاطة والتدقيق والصدق، وانظر هل أفلت منهم خبر أو خفيت عليهم حقيقة؟ وهل صنع علماء أمة كالذي صنعوا؟ أو تصوروا إمكان هذا الصنيع المعجز الهائل؟ لقد صنفوا في الرجال الكتب الجامعة (١)، وأفردوا الضعاف والمتروكين بالتأليف، ووضعوا الكتب في ضبط الأسماء وبيان ما تشابه منها أو ما اشتبه، وبحثوا في تواريخ الوفيات، وحققوا الأسانيد. ثم انظر ما أُلِّف من كتب الرجال في سائر العلوم والفنون، كطبقات الأطباء، وأخبار الخلفاء والوزراء والنحاة والأدباء، بل وفي أخبار الطفيليين والحمقى والمغفلين وعقلاء المجانين. وما ألف في رجال المذاهب، كطبقات الشافعية، والديباج في أعيان المذهب المالكي، وطبقات الحنابلة والحنفية. وما ألف منها في

стр. 11

المدن، كتاريخ بغداد الذي ترجم لكل من دخل بغداد فلم يُبقِ ولم يذر، والكتاب الذي لم يؤلف في بابه مثله، كتاب ابن عساكر العجيب الذي عجزت دمشق عن طبعه وعن نشره. وما ألف على العصور. وعندنا سلسلة كاملة لأعيان كل عصر، من العصر السابع إلى الثاني عشر الهجري (١)، وما كان منها جامعاً كوفَيَات الأعيان، الكتاب النفيس الممتاز. وغير ذلك مما يتعسر الإحاطة به وتقصّي خبره في مثل هذا المقام. وفي كل صفحة من هذه الكتب مبعث إلهام للأديب، وأصل قصة للكاتب، وكنز من كنوز العقل والقلب لا يفنى. ألفوا هذه الكتب كلها في «علم الرجال»، على حين لا نعرف من تصانيفهم في تاريخ الملوك إلا بضعة كتب كالطبري وابن الأثير وابن كثير والمسعودي واليعقوبي وابن خلدون وأمثالها. ويا ليت وزارات المعارف في بلاد المسلمين تدع هذا كله، فلا تجعله أكبر همها من درس التاريخ وغاية مطلبها، وتنصرف إلى التاريخ العلمي فتعنى به (٢). ورب عالم كان أبلغ أثراً في عصره من خليفة العصر، وكان أولى أن يُعرف العصر به ويُنسب إليه، فنقول عصر أبي حنيفة

стр. 12

مثلاً، وعصر ابن أبي دؤاد، وعصر أحمد، وعصر الغزالي، وعصر ابن تيمية وابن القيم. ولست أدري إلى متى يبقى تاريخنا عبداً واقفاً على أبواب الملوك، لا ينظر إلا إليهم ولا يهتم إلا بهم، ولماذا لا يصير حراً يخالط الشعب ويسجل مناقبه ويصف أخلاقه؟ ومن منا يعرف ماذا كان يأكل الناس في عهد الرشيد مثلاً أو الواثق، وماذا كانوا يلبسون، وماذا كانوا يصنعون في أفراحهم وأتراحهم وجِدهم ولهوهم، وكيف كانت حياة التاجر والصانع والجندي والزارع؟ إننا نستطيع أن نقف على ذلك إذا بحثنا عنه وتصيدنا أخباره تصيداً، من كتب الأدب والأخبار، ككتب القاضي التنوخي. ولكن ذلك يحتاج إلى جد وكد، ونحن أهل كسل: نأكل ما وجدنا ولو كان شر الطعام، ولا نكلف أنفسنا عناء الإعداد والطبخ. ثم إن تاريخ ملوكنا وإن كان أشرف بمئة مرة من تواريخ أمم الغرب، وإن لم يكن يرفع الرأس، وإذا استثنينا نفراً من الحكام كالخلفاء الأربعة وعمر بن عبد العزيز ونور الدين وصلاح الدين وأورنك زيب وأمثالهم (على ندرة أمثالهم) لم نكد نجد إلا حاكماً مستبداً إذا وزنت سيرته بميزان الإسلام لم ترجح في الميزان. ثم إن رواية المؤرخين رواية عامية، والرواية العلمية هي رواية المحدثين، لذلك كان المرجع الأول لتاريخنا ما رواه المحدثون، وكان الجاهل بمصطلحهم وعلمهم لا يعد مؤرخاً. وكتب التاريخ

стр. 13

هذه هي المواد الأولية للتاريخ، وليست هي التاريخ، لأن تاريخنا لم يُكتب. ولا بد من تنقيتها أولاً، ثم ترتيبها، ثم إدخالها المصنع لتصير حينئذ تاريخاً، وإنها على ما هي عليه مخلوط فيها السم بالدسم والقطن بالبرسيم. وإن علمنا كان يعتمد على الرواية، والرواية تقوم على معرفة الرجال. والطبري (وغير الطبري) حين يذكر أن الخبر مروي عن فلان وفلان يُسقط التبعة عنه ويلقيها عليك، وعليك أنت أن تعرف الكاذب من الصادق من الرواة لتعرف الصحيح من الباطل من الأخبار، فإن لم تعرفه حفظاً عرفته مراجعة. ومن هنا يتبين أن الباحث الذي يذيّل بحثه بذكر صفحات الطبري (الطبري، صفحة كذا) مقرٌّ على نفسه بأنه حاطب ليل لا يدري ما يأخذ وما يدع (١)، وأنه هو الذي يسميه علماؤنا «المقمّش»! ولذلك كان الاعتماد الأول على رواية المحدثين. ورواية المحدثين لها درجات؛ منها الرواية المتواترة الثابتة، والمشهورة، والعزيزة، والصحيحة، والحسنة، والضعيفة. ولها من جهة إسنادها درجات؛ منها المسندة، والموقوفة، والمرسلة، والمنقطعة، والمعضلة.

стр. 14

وكان لها من جهة انفرادها وتعارضها بغيرها أصناف، منها المتفق عليه، والغريب، والشاذ، والمنكر، والعاضد لغيره، والمخصص، والمقيد، والناسخ. والصحيح درجات تختلف باختلاف المصححين واختلاف شرائطهم في التصحيح. وليس يمكن أن يكون مؤرخاً إسلامياً أو أستاذاً للتاريخ الإسلامي إلا من كان عالماً بالرجال أو كان ممن يحقق عن أحوالهم، عارفاً بالحديث ومظان وجوده و «مصطلح» أهله، عارفاً بالعربية ليفهم ظواهر الكلام وبواطنه وإشاراته ومعاريضه، وكان متجرداً عن العصبية والهوى، مريداً ببحثه الحق ورضاء الله. فإن لم يكن كذلك لم يكن إلا جاهلاً بالتاريخ أو دجالاً، ولو كان أستاذ الجامعة ولو كان صاحب الشهادات الكبار، لأن الدولة تستطيع أن تجعل الرجل أستاذاً بمرسوم، وتقدر أن تجعله دكتوراً بشهادة (قد تكون شهادة زور)، ولكن الدولة لا تستطيع أن تجعل الجاهل عالماً، ولا العصبي نزيهاً، ولا الكاذب صادقاً. وبعد، فهذه كلمة انجر القلم إليها، أردت فيها أن أستحث الأدباء وأثير هممهم، علهم يقبلون على هذا المنجم البكر فيستخرجوا كنوزه، ويَعرضوا على الناس جواهره. والله الموفق للصواب.

стр. 15

بين يدي الكتاب نحن المسلمين نشرت سنة ١٩٤٠ سلوا عنا ديار الشام ورياضها، والعراق وسوادها، والأندلس وأرباضها، سلوا مصر وواديها، سلوا الجزيرة وفيافيها، سلوا الدنيا ومن فيها، سلوا بطاح أفريقية، وربوع العجم، وسفوح القفقاس، سلوا حفافي الكنج، وضفاف اللوار، ووادي الدانوب، سلوا عنا كل أرض في «الأرض»، وكل حي تحت السماء. إن عندهم جميعاً خبراً من بطولاتنا وتضحياتنا ومآثرنا ومفاخرنا وعلومنا وفنوننا. نحن المسلمين! * * * نحن المسلمين! هل روى رياضَ المجد إلا دماؤنا؟ هل زانت جنات البطولة إلا أجساد شهدائنا؟ هل عرفت الدنيا أنبل منا أو أكرم، أو أرأف أو أرحم، أو أجل أو أعظم، أو أرقى أو أعلم؟

стр. 16

نحن حملنا المنار الهادي والأرضُ تتيه في ليل الجهل وقلنا لأهلها: هذا الطريق! نحن نصبنا موازين العدل يوم رفعت كل أمة عصا الطغيان. نحن بنينا للعلم داراً يأوي إليها حين شرّده الناس عن داره. نحن أعلنّا المساواة يوم كان البشر يعبدون ملوكهم ويؤلهون ساداتهم. نحن أحيينا القلوب بالإيمان، والعقول بالعلم، والناس كلهم بالحرية والحضارة. نحن المسلمين! * * * نحن بنينا الكوفة والبصرة والقاهرة وبغداد. نحن أنشأنا حضارة الشام والعراق ومصر والأندلس. نحن شِدْنا بيت الحكمة والمدرسة النظامية وجامعة قرطبة والجامع الأزهر. نحن عمرنا الأموي وقبة الصخرة و «سُرّ من رأى» والزهراء والحمراء ومسجد السلطان أحمد وتاج محل. نحن علمنا أهل الأرض وكنا الأساتذة وكانوا التلاميذ. نحن المسلمين! * * *

стр. 17

منا أبو بكر وعمر ونور الدين وصلاح الدين وأورنك زيب. منا خالد وطارق وقتيبة وابن القاسم والملك الظاهر. منا البخاري والطبري وابن تيمية وابن القيم وابن حزم وابن خلدون. منا الغزالي وابن رشد وابن سينا والرازي. منا الخليل والجاحظ وأبو حيان. منا أبو تمام والمتنبي والمعري. منا معبد وإسحاق وزرياب. منا كل خليفة كان الصورة الحية للمثل البشرية العليا. وكل قائد كان سيفاً من سيوف الله مسلولاً. وكل عالم كان من البشر كالعقل من الجسد. منا مئة ألف عظيم وعظيم. نحن المسلمين! * * * قوتنا بإيماننا، وعزنا بديننا، وثقتنا بربنا. قانوننا قرآننا، وإمامنا نبينا، وأميرنا خادمنا. وضعيفنا المحق قوي فينا، وقوينا عون لضعيفنا. وكلنا إخوان في الله، سواء أمام الدين. نحن المسلمين! * * *

стр. 18

نحن المسلمين! ملكنا فعدلنا، وبنينا فأعلينا، وفتحنا فأوغلنا، وكنا الأقوياء المنصفين، سننّا في الحرب شرائع الرأفة، وشرعنا في السلم سنن العدل، فكنا خير الحاكمين، وسادة الفاتحين. أقمنا حضارة كانت خيراً كلها وبركات، حضارة روح وجسد، وفضيلة وسعادة، فعم نفعها الناس، وتفيأ ظلالها أهل الأرض جميعاً. وسقيناها نحن من دمائنا، وشدناها على جماجم شهدائنا. وهل خلت أرض من شهيد لنا قضى في سبيل الإسلام والسلام، والإيمان والأمان؟ * * * نحن المسلمين! هل تحققت المثل البشرية العليا إلا فينا؟ هل عرف الكون مجمعاً بشرياً (إلا مجمعنا) قام على الأخلاق والصدق والإيثار؟ هل اتفق واقع الحياة وأحلام الفلاسفة وآمال المصلحين، إلا في صدر الإسلام؟ يوم كان الجريح المسلم يجود بروحه في المعركة يشتهي شربة من ماء، فإذا أخذ الكأس رأى جريحاً آخر فآثره على نفسه ومات عطشان. يوم كانت المرأة المسلمة يموت زوجها وأخوها وأبوها فإذا

стр. 19

أخبرت بهم سألت: ما فعل رسول الله؟ فإذا قيل لها: هو حي، قالت: كل مصيبة بعده هينة. يوم كانت العجوز ترد على عمر وهو على المنبر في الموقف الرسمي وعمر يحكم إحدى عشرة حكومة من حكومات اليوم. يوم كان الواحد منا يحب لأخيه ما يحب لنفسه ويؤثره عليها ولو كان به خصاصة. وكنا أطهاراً في أجسادنا وأرواحنا ومادتنا والمعنى. وكنا لا نأتي أمراً ولا ندعه ولا نقوم ولا نقعد ولا نذهب ولا نجيء إلا لله؛ قد أمتنا الشهوات من نفوسنا فكان هوانا تبعاً لما جاء به القرآن. لقد كنا خلاصة البشر وصفوة الإنسانية. وجعلنا حقاً واقعاً ما كان يراه الفلاسفة والمصلحون أملاً بعيداً. نحن المسلمين! * * * تُنظَم في مفاخرنا مئة إلياذة وألف شاهنّامه. ثم لا تنقضي أمجادنا ولا تفنى، لأنها لا تعد ولا تحمى. من يعد معاركنا المظفرة التي خضناها؟ من يحصي مآثرنا في العلم والفن؟ من يستقري نابغينا وأبطالنا؟

стр. 20

إلا الذي يعد نجوم السماء. ويحصي حصى البطحاء. اكتبوا «على هامش السيرة» ألف كتاب. و «على هامش التاريخ» مثلها، وأنشئوا مئةً في سيرة كل عظيم. ثم تبقى السيرة ويبقى التاريخ كالأرض العذراء والمنجم المبكر. * * * نحن المسلمين! لسنا أمة كالأمم تربط بينها اللغة، ففي كل أمة خيّر وشرير. ولسنا شعباً كالشعوب يؤلف بينها الدم، ففي كل شعب صالح وطالح، ولكننا جمعية خيرية كبرى. أعضاؤها كل فاضل من كل أمة، تقي نقي. تجمع بيننا التقوى إن فصل الدم، وتوحد بيننا العقيدة إن اختلفت اللغات. وتدنينا الكعبة إن تناءت بنا الديار. أليس في توجهنا كل يوم خمس مرات إلى هذه الكعبة، واجتماعنا كل عام مرة في عرفات، رمزاً إلى أن الإسلام قومية جامعة، مركزها الحجاز العربية وإمامها النبي العربي وكتابها القرآن العربي؟ * * *

стр. 21

نحن المسلمين! ديننا الفضيلة الظاهرة، والحق الأبلج. لا حجب ولا أستار ولا خفايا ولا أسرار. هو واضح وضوح المئذنة. أفليس فيها ذلك المعنى؟ هل في الدنيا جماعة أو نِحلة تكرَّر مبادئها وتُذاع عشر مرات كل يوم كما تذاع مبادىء ديننا، نحن المسلمين، على ألسنة المؤذنين: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله». * * * نحن المسلمين! لا نَهِنُ ولا نحزن ومعنا الله. ونحن نسمع كل يوم ثلاثين مرة هذا النداء العلوي المقدس، هذا النشيد القوي: الله أكبر. البطولة سجية فينا، وحب التضحية يجري في عروقنا. لا تنال من ذلك صروف الدهر، ولا تمحوه من نفوسنا أحداث الزمان. لنا الجزيرة التي يُشوى على رمالها كل طاغٍ يطأ ثراها، ويعيش أهلها من جحيمها في جنات. لنا الشام وغوطتها التي سقيت بالدم، لنا فيها الجبل الأشم.

стр. 22

لنا العراق، لنا الرميثة وسهول الفرات. لنا فلسطين التي فيها جبل النار. لنا مصر دار العلم والفن ومثابة الإسلام. لنا المغرب كله، لنا «الريف» دار البطولات والتضحيات. لنا القسطنطينية ذات المآذن والقباب، لنا فارس والأفغان والهند وجاوة. لنا كل أرض يتلى فيها القرآن وتصدح مناراتها بالأذان. لنا المستقبل ... المستقبل لنا إن عدنا إلى ديننا. نحن المسلمين! * * *

стр. 23

في بيت المقدس كانت «مارييت» تدور في البيت، ما تستطيع أن تستقر من جزعها على زوجها وإشفاقها أن يصيبه مكروه، تضم ولدها الرضيع إلى صدرها تناجيه وتناغيه، ثم يدركها اليأس، ويخيل إليها أنه قد غدا يتيماً لا أب له، فَتَسّاقط الدموع من عينيها على وجه الطفل فيفيق مذعوراً ويبكي، فتمتزج دمعة الحب بدمعة الطفولة. وكان زوجها قد خرج من الغداة لرد الأعداء المسلمين عن بيت المقدس، ومالت الشمس ولم يعد، ولم تعرف ماذا حل به. وكانت مارييت فتاة باسلة ثابتة الجنان. لم تكن تعرف الخوف ولا تخلع الحوادث فؤادها، ولكن وقعة حطين لم تدع لشجاع من الإفرنج قلباً، ولم تترك لفارس فيهم مأملاً في نصر؛ فقد طحنت جيوشهم طحناً، وعركتها عرك الرحى، وزعزعت قلوب الكماة عن مواضعها. فكيف بقلوب الغيد الحسان؟ وكان زوج مارييت فارس الحلبة وبطل القوم، وكان قد رأى البنات من الإفرنج والألمان والإنكليز (وكل أمة في أوربة) يملأن

стр. 24

جوانب القدس، فلم يرَ فيهن من هي أفتن فتنة وأبهى جمالاً من مارييت، فهام بها وهامت به، وتزوجها فكانا خير زوجين، وكانت حياتهما النعيم كله، ودارهما كأنها لهما جنة عدن. ولكن حبه لها لم يشغله عن حبه لوطنه، وتمسكه بصليبيته، وحرصه على أن يبقى أبداً فارس النصرانية المعلم وبطلها، فكان كلما سمع نأمة (١) طار إليها، وكلما دعا داعي القتال كان أول الملبين. وفُتح الباب فخفق قلب مارييت وتلاحقت أنفاسها، ولم تدرِ أهوَ البشير أم هو الناعي، وتلفتت فإذا هي بزوجها يدخل عليها سالماً، يمد لها ذراعيه فتلقي بنفسها بينهما، ويحدثها حديث النصر: لقد رد «يسوع» الأعداء، وفتَّ في أعضادهم فانطلقوا هاربين قبل أن نباشر حرباً أو نشرع في قتال. لقد استقر - أيتها الحبيبة - ملك المسيح في بيت المقدس إلى الأبد، ولو أبصرتِهم يا مارييت وقد ذهب الفزع بألبابهم لمّا رأوا أسوار المدينة تطل من فوقها أبطال النصرانية وفرسان الصليب، فهدّوا خيامهم وولوا الأدبار لا يلوون على شيء، لا يريدون إلا النجاة ... لما صدقت أن هؤلاء هم الذين فعلوا تلك الفعلة في حطين. لقد فروا كالنعاج الشاردة ... فيا ليت أبطال المقدس كانوا في حطين ليروهم يومئذ ما القتال! ألا تقدس الصليب وتبارك اسم الناصري! إن أورشليم لنا إلى الأبد! ومشت معه إلى الكنيسة الكبرى لتحضر الاحتفال بالنصر.

стр. 25

وكان يحدثها في الطريق عن هؤلاء الوحوش الكافرين، ويصف لها فظاعة ديانتهم وقسوة رجالهم، وكيف يأكلون لحوم أعدائهم ويشربون دماءهم، ويصور لها ملكهم (صلاح الدين) كما وصفه له الكهنة ورجال الكنيسة فترتجف أضلاعها خوفاً وفزعاً من هذه الصورة المرعبة، وتضم ولدها إليها، وتصلّب وتستجير بالقديسين جميعاً، وبيسوع وبالعذراء، أن لا يجعلوا له سبيلاً إليها، وأن لا يُروها وجهه المخيف! وينقضي الاحتفال، ويرجعون من الكنيسة وهي تحس أن الدنيا قد ألقت إليهم مقاليد الأماني، وأن الدهر قد حكّمهم فيه ونزل على حكمهم، وتستلقي على فراشها وهي تداعب الآمال وتناجيها. حتى إذا بلغ بها التأميل أن ترى هذه البلاد كلها قد عادت للمسيح وأتباعه، ولم تبق في جنباتها منارة مسجد، ولم يعد يتردد في جوّها أذان، وترى زوجها قد علا في المناصب حتى صار القائد المفرد، أغمضت عينيها على هذه الصورة الحلوة وأخذتها معها في أحلامها ... ونامت. ولكنها لم تجد إلا حلماً مزعجاً: لقد أحست كأن المدينة تتقلقل وتَميد، وكأن حصونها تدك دكاً، وتخر حجارتها، وتتهدم كما يتهدم عش عصفور ضعيف بضربة من جناح نسر كاسر. وخالطت سمعَها أصواتُ العويل والبكاء تتخللها صرخات الرجال، فعلمت أنه ليس بحلم ولكنها الحقيقة. فوثبت تحمل ابنها، ونظرت إلى سرير زوجها فلم تلقه في مكانه، فخرجت تسأل ما الخبر، فخبروها أن صلاح الدين قد دار حول البلد حتى حط على جبل الزيتون، ثم صدم المدينة صدمة زلزلتها وهزتها هزاً وكادت تقتلعها من أساسها كما تُقتلع

стр. 26

الشجرة من الأرض الرخوة، ورماها بالمنجنيقات والعرادات، وقذفها بالنيران المشتعلة، وهجم جنوده على الأسوار كالسيل المنحط، بل كأبالسة الجحيم، لا تحرقهم نيراننا ولا يقطع فيهم حديدنا، كأن المردة والشياطين كلها تقاتل معهم. وكانت مارييت واثقة من قوة الدفاع؛ فالقدس بلد النصرانية لبثت في أيدي أهلها مئة سنة لا سنة ولا سنتين، وفي القدس ستون ألفاً هم خيرة أجناد الصليب، يقودهم «بليان» ويصرفهم البطريرك الأكبر. ولكن هذه المفاجأة روعتها وأدخلت الشك إلى قلبها. وطفقت الأخبار تصل إليها متعاقبة تترى، وكل خبر شرٌّ عليها من الذي قبله. وكلما مرت دقيقة سمعت نبأ جديداً عن شدة الهجوم ومضائه وعن تحطم أدوات الدفاع، حتى جاءها الخبر بأن الرايات البيض قد رُفعت على الأسوار، وأنها قد عُقدت الهدنة على أن يخرج من شاء من المدينة في مدة أربعين يوماً، ومن أراد البقاء بقي في حكم صلاح الدين، وأن تفتح له المدينة أبوابها، وأن يدفع الرجل الذي يريد الخروج عشرة دنانير والمرأة خمسة والولد دينارين. وتركت مارييت القوم في رجّتهم وخرجت تفتش عن زوجها الحبيب، ومشت في الظلام تدور حول الأسوار، تنظر إلى الأبواب المفتحة والجنود الظافرين يدخلون بالمشاعل والطبول، فتشد يدها على ولدها وتمضي متباعدة حتى تبلغ ساحة القتال، فإذا هي تطأ على أعلام الصليبيين ممزقة محرقة، مختلطة بجثث الأجناد مقطعة الأوصال. فامتلأت نفسها رهبة وخوفاً وهمت بالعودة،

стр. 27

ولكنها غالبت النفس ومشت، فقد كانت تفتش عن زوجها ولا تستطيع أن ترجع حتى تلقاه أو تعرف خبره. وكان حولها رجال ونساء كثيرون يبحثون - كما تبحث - عن قريب أو صديق، وتمثلت ذلك الأمل الضخم، أمل «الوطن القومي» الصليبي، فألفته قد مات هو الآخر وأُلقيت جثته! ورأت هذه الأرض قد عادت للقوم الكافرين بيسوع وأمه. وأحزنها ذلك كما أحزنها فقد زوجها، وتضاعفت به مصيبتها، وحاولت أن تتعرف وجوه القتلى من أحبابها وعشيرتها، فأخفقت وعجزت ولم تبصر شيئاً من الظلام ومما أصابهم من التبديل والتغيير. وتمثلت لها حياتها كلها، فإذا هي قد ذهبت وجاءت في مكانها حياة جديدة؛ حياة رعب وفزع وشقاء لا تعرف عنها شيئاً، ولا تدري ولا يدري أحد من قومها كيف يكون مصيره في ظل الحكم الجديد. وذكرت ما قاله لها زوجها عن فظاعة هؤلاء الفاتحين، فأحست عند ذكر زوجها كأن قلبها قد انتُزع من صدرها وطار في أثره، وفكرت فيه: أي أرض تقلّه، وأي سماء تظله؟ وهل هو قتيل قد تمزق جسمه الجميل وانتثرت ثناياه الرطاب، و ... ولم تستطع المضي في هذه الصورة، فأغمضت عينيها وألقت عليهما غشاء من الدمع، وأحست كأن فؤادها يسيل حزناً عليه، فانكبت على الولد تقبله بشدة وشغف، كأنها تصب في هذه القبل أحزانها وعواطفها، حتى أوجعت الطفل فصرخ وبكى ... ورغبت في الفرار من هذه المشاهد كلها، ولم تقدر أن تتصور كيف يتبدل كل شيء بهذه السرعة، وتتوهم حيناً أنها في حلم، وأنها ستتيقظ

стр. 28

فترى كل شيء قد عاد كما كان، ولكن الحقيقة سرعان ما تفجعها بهذا الوهم وتبدده أمام عينيها. وكان أشد ما روعها وحز في فؤادها انصراف الناس عنها وكف أيديهم عن مساعدتها؛ فقد شغلت المصيبة الداهمة كل واحد بنفسه، فكأنه يوم المحشر كل يقول فيه: «أنا». وكرت راجعة وهي تعرض في ذهنها فصول هذه الرواية التي مثلت الليلة، فابتدأت بالظفر والمجد والحب والوصال، ثم انتهت بالخيبة المرة والهزيمة الماحقة والفراق الطويل. ولم تفهم كيف يمكن أن يهوي في لحظة الصرح الذي أُقيم في مئة سنة، وكيف يهدم رجل واحد ما تعاون على إنشائه أهل أوربة جميعاً! أيكون أمير مسلم واحد معادلاً في الميزان لملوك النصرانية كلهم وأمرائهم؟ إذن كيف لو تحالف المسلمون كلهم؟ كيف لو كانت هذه الحروب في أيام الخلافة، إذ كانت مملكتهم مملكة واحدة تمتد من الصين إلى قلب فرنسا؟ وجعلت تسأل كل من تلقاه عن زوجها، فلا يقف لها أحد ولا يرد عليها، وإذا لقيت كريماً منهم رقيق القلب فسألته فعطف عليها بجواب لم يكن جوابه غير: "لا أدري"! وظهر القمر نحيلاً هزيلاً من بين فرج الغمام، فألقى على الساحة ضياء شاحباً حزيناً جعل الدنيا كأنها وجه مريض محتضر، فرأت قطع اللحم البشري مخلوطة بالوحل، تبرز من خلالها الدروع المذهبة وتبدو من بينها قطع الرماح المكسرة والسيوف، فأشجاها التفكير في هذه الجيف المنتنة التي كانت في الصباح

стр. 29

أبطالاً كراماً تخطر على أرض الموعد، وكانت حصن الصليبية وسياجها، وعادت إلى البحث عن زوجها والتحديق في الوجوه، فمر بها شيخ كان يحدب عليها ويحب زوجها، فأدركته الشفقة عليها، فأخذ بيدها فاستخرجها من الساحة. وكان الخطب قد حطم إرادتها وتركها كالتي تمشي في نومها، فانقادت إليه طيعة وسارت معه، وسألته هامسة كأنها تخاطب نفسها: يا أبتاه، هل رأيت زوجي؟ فلم يحب أن ينبئها بما تكره فلوى الحديث وشغلها بغير ما تسأل عنه، فقالت: وما تظن أنهم يصنعون بنا يا أبتاه؟ هل يخطفون ولدي ليأكلوا لحمه أمام عيني؟ قال: ومن خبّرك بهذه الأكاذيب؟ إن المسلمين قومٌ كرام، أهل وفاء ونبل، وإن ملكهم صلاح الدين خير الملوك قاطبة ... ومضى يحدثها عما عرفه من صفة المسلمين، وهي فاتحة فمها دهشة لا تكاد تفهم ما يقول ولا تصدقه. فعاد يقول: ولو أنهم ذبحونا لما كانوا معتدين، بل كانوا منتصفين منا؛ فإنّا لما دخلنا القدس منذ مئة سنة قتلناهم في البيوت والشوارع والمساجد وحيثما وجدناهم، حتى صاروا يلقون بأنفسهم من فوق الأسوار لينجوا منا، وحتى بلغ عدد من قتلنا منهم سبعين ألفاً ولم يتحرك قلب منا بشفقة ولا لسان بإنكار ... وأصبح الصباح وهي لا تزال تفتش وتبحث، والولد على يدها ينادي: «بابا»، فيذكرها به، وما كانت ناسية. وإن كلمة «بابا»

стр. 30

لأجمل كلمة في الدنيا وفاتحة اللغات وأمها؛ فهي أول لفظ بشري يجري به لسان الوليد، وهي كلمة الإنسانية: تختلف اللغات، وتتحد فيها. وهي كلمة الطهر: ينطق بها الطفل قبل أن يعرف الشر ويدري ما المكر. وهي أحلى من كلمة «حبيبي» لأن من الحب ما يُمدح وما يُذَم، أما الأبوّة فخير كلها، والحب رابطة يصنعها الإنسان، أما الأبوة فمن صنع يد الله. ولكن مارييت لم تكن ترى في هذا الصباح إلا ناراً تحرق كبدها وشفرة تمزقها، وضاق بها أمرها، فهرعت إلى جارات لها واجتمعن يترقبن ما يكون من الأهوال، فإذا القدس ترتج بصرخة واحدة اجتمعت عليها حلوق المسلمين والنصارى؛ أولئك ينادون: «الله أكبر»، وهؤلاء يعولون وببكون. فنظرن فإذا أحد الجنود الفاتحين علا قبة الصخرة، فأنزل الصليب الذهبي الذي لبث فوقها قرابة مئة سنة وحسبوه سيلبث إلى يوم القيامة. وجاءتهن الأخبار بما يصنع المسلمون في المدينة، فجعلوا يعجبون ولا يصدقون أن المسلمين لم يؤذوا أحداً، ولم ينهبوا مالاً، وأن من شاء الخروج دفع ما اتفق عليه وحمل معه ما شاء وخرج، وأن النصارى يبيعون ما فضل عنهم من أمتعتهم في الأسواق فيشتريها منهم المسلمون بأثمانها، وأنهم يروحون ويجيئون آمنين مطمئنين لم يروا إلا الخير والمروءة واللطف، وأن المسلمين قوم أهل حضارة وتمدن ليسوا وحوشاً ولا آكلي لحوم البشر. ورُوي لهن ما صنعوا في الحرم، فقد نزعوا منه كل ما أحدث النصارى وردوه إلى حاله الأولى، وجاؤوا بالمنبر الذي

стр. 31

صنعه نور الدين الشهيد ليقام فيه، فأقاموه في الحرم وخطب عليه خطيبهم يوم الإسراء. وجاءهن شاهد عيان يصف لهن ما رأى وما سمع في المسجد، قال: ودخلت فلم يمنعني أحد ولم يسألني من أنا، فاختلطت بالمسلمين، فإذا هم جميعاً يجلسون على الأرض، لا تتفاوت مقاعدهم ولا يمتاز أميرهم عن واحد منهم، قد خشعت جوارحهم وسكنت حركاتهم وخضعوا لله، فعجبت من هؤلاء الذين كانوا جنّ المعارك وشياطين يوم القتال، كيف استحالوا هناك رهباناً خشّعاً. ورأيت الخطيب قد صعد المنبر فخطب خطبة، لو أنها ألقيت على رمال البيد لتحركت وانقلبت فرساناً ومضت حتى تفتح الأرض، ولو سمعتها الصخور الصم لانبثقت فيها الحياة ومشت فيها الروح. ووجدت هؤلاء الناس لا يُغلَبون أبداً ما داموا مسلمين ولو اجتمعت عليهم دول الدنيا، لأن قوة الإيمان أقوى في نفوسهم من كل قوة؛ إنه لا يخيفهم شيء لأن الناس إنما يخوَّفون بالموت ومنه يخافون، وهؤلاء قوم يحبون الموت ويريدون أن يموتوا. كلا؛ لا يطمع قومنا بهذه الديار أبداً، أنا أقول لكم، وأنا قد عرفت القوم وتكلمت بلسانهم وخالطتهم ووقفت على ديانتهم وسلائقهم. كلا؛ إنه لا أمل لنا فيها. لقد أنزلوا الصليب اليوم بعدما لبث مئة سنة فلن يعود، لن يعلو هذه القبة إلا شعار محمد، فلا نصرانية، ولا يهودية. إن كل بقعة في هذه الديار تنقلب إذا حزب الأمر وجد الجد حطين، وكل وليد فيهم يصير صلاح الدين، فلا يهرق قومنا دماءهم هدراً ولا يزهقوا أرواحهم في غير طائل. ونظرت مارييت فإذا قومها قد آثر فريق منهم البقاء في ظل

стр. 32

الراية الإسلامية حينما رأوا في ظلالها العدل والأمن والهدى، مع الحضارة والتمدن والغنى. وأبى فريق إلا الرحيل، فاختارت أن تكون مع هذا الفريق، لا كرهاً بالمسلمين؛ فقد بددت شمس الحقيقة ظلام الأوهام وكذّب الواقع ما سمعت عنهم من الأحاديث، ولكنها لم تستطع أن تقيم وحيدة في البلدة التي يذكّرها كل شيء فيها بزوجها وبحبها، وبسعادتها التي فقدتها. ومشت القافلة. وتلفتت مارييت إلى الوراء تودّع هذه البلدة الحبيبة إلى قلبها، المقدسة عندها، بلدتها التي وُلدت فيها ولم تعرف لها بلداً غيرها. ونظرت إلى موضع الصليب الذهبي الذي كان يشرق كالشمس على قلبها فرأته خالياً منه، فأحست أنها تركت قلبها في هذا البلد الذي كان لقومها فصار لعدوها، والذي خلّفت فيه زوجها، لا تدري في بطن أي طير أو في معدة أي وحش صار قبره ... وخلفت فيه ذكريات صباها وبقايا سعادتها وحبها. ولكنها فرحت بالخروج منه حتى لا ترى ما يذكّرها كل يوم بما فقدت، ولتلحق بديار قومها وأهل ملتها. سارت وهي سابحة في أفكارها، فتخيلت زوجها وهو يمشي معها في الموكب الظافر تحت راية الصليب، فبكت واختلط نشيجها بنشيج النسوة من حولها وهن يبكين مَن خلّفْنَ من الأسرى والقتلى. وإذا بالجنود يقفونهن (١)، فسكتن من الفزع

стр. 33

ووقفن وأيقنَّ بالهلاك. فأرجعوهن، فإذا على رابية طائفة من المسلمين بينهم شيخ على فرس له، لم يرع مارييت وصحبها إلا قولهم: هذا هو السلطان. هذا هو السلطان، هذا صلاح الدين المخيف، آكل لحم البشر وشارب الدماء! وجعلت تختلس النظر إليه فلا ترى ملامح الوحش الكاسر ولا تبصر الأنياب ولا المخالب؛ لا ترى إلا الهيبة والنور والجلال. فلما وقفن عليه قال: ما تُردن؟ قالت امرأة: رجالنا في الأسر، أزواجنا ... وتصايحن وبكين، فبكى السلطان رقة لهن وأمر بإطلاق أسراهن، وأعطاهن الدواب والطعام والمال. لما رأت مارييت زوجها صحيحاً معافى نسيت الشقاء والهزيمة، وألقت بنفسها بين ذراعيه. لم تخف أن يبصرها الناس، فقد جعل كرم السلطان كل واحد يشتغل بسعادته. ثم مشت الطريق بهؤلاء النازحين، لم يمشوا هم فيها؛ لأنهم ملؤوها فلم يعد يُعرف أول لهم من آخر، فكأن الطريق كالنهر الممتلئ بالماء من منبعه إلى مصبه، نهر من الأسى والفرح، والهزيمة في المعركة والظفر بلقاء الأحبة، وكره الغالبين وشكرهم على إحسانهم. وأحست مارييت في قلبها بالاعتراف بفضل هذا الرجل المحسن، ورأت خلال الإنسانية والحق والنبل تتمثل فيه هو، لا فيمن رأت من رجال قومها. وكادت تحبه، ثم تنبه في نفسها

стр. 34

دينها وما علّموها من بغض الإسلام فتوقفت، وحاولت أن تذكر سيئة واحدة لهذا الرجل ولقومه تستعيد بها بغضاءها إياهم فلم تجد. وجعلت تقابل بينه وبين البطريرك الأعظم، الذي خرج مع القافلة بعدما استلب المعابد وكنوزها وكنس الكنائس وحمل كل ما كان فيها، ولم يُعطِ من هذا المال أحداً، لم يَجُدْ به على امرأة ضعيفة تمشي معه ولا على شيخ عاجز. وذكرت ما سمعت من أن السلطان تركه يخرج بهذا المال مع أنه شرط لهم الخروج بأموالهم لا بأموال الكنائس، وذكرت ما كان يصنع قومها من إخلاف الوعود، والحنث بالعهود، فتمنت لو أنها كانت مسلمة. ولكنها لم تجهر بهذه الأمنية وخنقتها في نفسها. وتدفق هذا النهر البشري يحمل أعجب أنواع السلائق الإنسانية وأغرب المتناقضات؛ ففيه حنو الأمهات وإيثارهن، وفيه أَثَرة الأغنياء وقسوتهم، وفيه الصبر وفيه الجزع، وفيه الصدق وفيه التزوير، وفيه البطريرك الذي يزعم أنه خليفة المسيح ليساعد الفقراء ويزهد في الدنيا، ثم يأكل مال الله وحده ويعرض عن الفقراء والمحتاجين. مشت هذه القافلة في الطرق المقفرة والمسالك الموحشة، لم تكن تحب أن تعرج على شيء من بلاد الإسلام. كانت وجهتها طرابلس، فلما بلغتها بعد الجهد البالغ والمشقة المهلكة وبعد أن تركت في الطريق ضحايا الجوع والتعب، ماتوا وفي القافلة الأغنياء معهم الذهب وفيها البطريرك يحمل من أموال الله مئة ألف دينار ... لما بلغتها أغلق أميرها السور في وجه القافلة وردها، ثم بعث

стр. 35

رجاله فاستلبوها ما كان معها (١)، فانبرى لهم الشجعان والأبطال ليردّوهم، فأوقعوا بهم وقتلوهم، وكان فيمن قُتل زوج مارييت. وتاه من بقي في البرية كما يتيه الزورق في لجّة البحر، وعاد أكثر أهلها إلى دنيا الأمن والمروءة والنبل، دنيا المسلمين؛ وكانت مارييت مع التائهين، تمشي معهم قد مات حسها وتبلد شعورها، ولم تعد تستطيع أن تفكر في شيء، تنزل بنزولهم وترحل برحيلهم، وتأكل إن أطعموها وتصمت إن تركوها، وكأنما قد خولطت في عقلها أو أصابها مس من الجنون، حتى بلغوا أسوار أنطاكية، فطردهم أهلها وردوهم (٢)! فرجعوا إلى بلاد الإسلام وقد أيقنوا أنه لن يكون في الأرض أنبل ولا أفضل من هذا الشعب الذي علمه محمد ﷺ كيف تكون الإنسانية. أما مارييت فبقيت مكانها ذاهلة كأنها لا تبصر ولا تعي، فأقبل عليها شاب من أهل أنطاكية من قومها، فأخذ بيدها وواساها، فانقادت له وسارت معه حتى احتواها منزله على سيف البحر، فسقطت من التعب والإعياء نائمة. وأيقظها لغط حولها؛ فاستفاقت فسمعت صوت رجل يقول لصاحبه: ما ندعك تنفرد بها، إنها أجمل امرأة وقعنا عليها. فيقول الأول: ولكنها صيدي أنا ... أنا الذي اصطادها.

стр. 36

فتفهم أن الخلاف عليها، على شرفها وعفافها، ويعود إليها ذهنها فتذكر الماضي كله، وتدرك أنها فقدت زوجها وحاميها، ويشد الغضب من عزمها فتقول لهما: ويحكم، أهذه هي مروءتكم وإنسانيتكم؟ أهذا هو دينكم يا أهل أوربة؟ فيضحكان ويقهقهان، فيشتد بها الغضب وتصرخ بهما: بأي لسان أخاطبكم؟ بلسان الدين وأنا أراكم ملحدين كافرين؟ بلسان الإنسانية وما أنتم إلا وحوش في جلد بني آدم؟ بلسان المروءة وقد فقدتموها ونسيتم حدودها؟ ويلكم، لا تستحيون أن يكون هؤلاء المسلمون أشفق على نسائكم وأحفظ لشرفكم منكم، وأن يكونوا أنبل وأفضل لوصايا السيد المسيح؟ لا والله؛ لستم للمسيح ولا لمحمد، أنتم للشيطان! أولئك هم الذين جمعوا المسيح ومحمداً، أولئك أهل الفضائل أرباب الأمجاد، خلاصة الإنسانية. إنكم لن تغلبوهم، لن تأخذوا أرضكم المقدسة من أيديهم أبداً. كلا؛ إنهم أحق بها لأنهم أوفى منكم لمبادئ المسيح، إنهم أعرق منكم في الإنسانية. إن المستقبل لهم، إن لهم المجد والظفر ولكم أنتم اللعنة، لكم الخيبة والخزي. فلا تجد منهما إلا إيغالاً في الضحك، وتتلفت حولها فلا تجد ناصراً. وأين المعين على الحق المدافع عن الشرف في بلد ليس فيه مسلم؟ وتراهما قد أقبلا عليها بعيون محمرّة، فيجن جنونها، فتلقي بولدها في اليم وترمي بنفسها. وكان البحر ساكناً فصعدت من الماء فقاعتان، فيهما اللعنة

стр. 37

الحمراء التي خرجت من فؤادها المحترق على هؤلاء الواغلين على فلسطين! وعاد البحر ساكناً كما كان. وأُسدل الستار على القصة التي تتكرر دائماً منا ومن هؤلاء الغربيين: قصة نبل لا يدانيه في عظمته البحر، ونذالة لا يغسل البحر أوضارها ولا يطهّر الأرض من عارها. * * *

стр. 38

وديعة الله كان فتى من أبناء التجار، بارع الفتوة، واسع الغنى، قد جُمعت له اللذائذ وسيقت إليه المنى، دكانه البحر تنصبُّ فيه جداول الذهب، وداره الجنة تجري من تحتها الأنهار، وفيها الحور العين؛ خمسون من الجواري الفاتنات اللائي حُملن إلى بغداد من أقطار الأرض وحُشِدن فيها، كما تُحمل إلى مخدع العروس كل وردة فاتنة في الروض وزهرة جميلة في الجبل. ولكنه لم يشعر بنعيم الحياة ومتعة العيش حتى اشترى هذه الجارية بخمسمئة دينار. وكان قد رآها في سوق الرقيق فرأى جمالاً أحلى من أحلام الحب، وأجمل من بلوغ الأماني، وأطهر من زنبقة الجبل، فهام بها هياماً، وزاد فيها حتى بلغ بها هذا الثمن. وانصرف بها إلى داره وهو يحسب أنه قد حيزت له الدنيا وأمتع بالخلود، واشتغل بها وانقطع إليها، ولم يعد يخرج إلى الدكان إلا ساعة كل يوم ثم لا يستطيع أن يصبر عنها، ويزلزله الشوق إليها، وتدركه هواجس الحب فيغار عليها، لا من الناس فما يصل الناس إليها، بل من الشمس أن تلمحها عين الشمس، ومن النسيم أن

стр. 39

تلمسها يد النسيم! ويشعر بهذه الغيرة المحرقة في قلبه فيهرع إليها ليطفئها بلقاها؟ لقد صار هذا الحب مصدر لذته وسر حياته، ما كان يدري من قبله ما اللذة وما الحياة، وما كان يحس أنه يعيش حقاً وأن له قلباً، وما كان يدرك من قبله بهاء النهار، ولا فتنة الليل، ولا سحر القمر؛ كان ذلك عنده كالألفاظ بلا معنى، يفهم منه ما يفهمه الأعجمي إذا تلوت عليه غزل العرب، فلما عرف الحب أدرك أن وراء هذه الألفاظ معاني تهز الفؤاد وتستهوي القلب. وكان يمشي في طريق الحياة كما يمشي الرجل في المتحف المظلم، فطلع عليه هذا الحب نوراً مشرقاً أراه هذه التحف الفاتنات وهذه الروائع. وتتالت الأيام، وزاد إقبالاً عليها وإعراضاً عن الدكان. وكان يبصر دنياه تدبر عنه وتجارته تذوب في ضرم هذا الغرام كما يذوب الثلج، وتتبدد كما يتبدد الندى في وهج الشمس، ولكنه لا يكره هذا الحب ولا ينفر منه، ولا يزداد إلا تعلقاً به وتمسكاً بأهدابه. وكان كل ما في الحياة من متع لا يعدل عنده لحظة واحدة من لحظات الوصال، وذهبُ الأرض كله لا يساوي هناءة من هناءات الحب؛ فكان يترك البائعين والمشترين ويسعى إليها ليشتري منها اللذاذات والقبل. وكانت كلما نصحته وأرادته على العود إلى تجارته قال لها: "مالي وللمال؟ أنت مالي وتجارتي ومكسبي". فلا تستطيع أن تفتح فمها بجواب لأن شفتيه تقيدان فمها فلا ينفتح! وأصبح الرجل ذات يوم فإذا التجارة قد بارت، وباد المال،

стр. 40

وذهب الأثاث، وبيعت الجواري، ولم يبق في يده شيء يباع. فأقبل ينقض الدار ويبيع أنقاضها، ولم يأسَ على ذاهب ولم يحس بفقد مفقود، فقد كان يلقى الحبيبة ويجد في حبها غذاءه إذا جاع، وريّه إذا عطش، ودفئه إذا برد، وفي وجنتيها ما يغنيه عن الأوراد، وفي ثناياها بديلاً من اللآلئ، وفي ريقها عسله المصفى وخمره المعتق، ومن ريحها عطره الفواح، وفي صدرها دنياه. ويرى الدار الخالية معها قصراً عامراً، والصحراء روضة مزهرة، والليل المظلم معها نهاراً مضيئاً ... وأثمر الحب وجاء الحصاد، ولكنه قد خالف موعده، فلم يجئ في الربيع الطلق ولا في الصحو الجميل، بل قدم في الشتاء الكالح والأيام القاتمة الدكناء، أيام الفقر والعوز. وأخذها المخاض فجعلت تتلوى من الألم على أرض الحجرة، وما تحتها إلا حصير تقطعت منه الخيوط، وفراش بلي وجهه وتناثر قطنه حتى اختلط بالتراب. وطال عليها الوجع وهو واقف أمامها يحس أن ألمها في ضلوعه، وأن كل صرخة منها سكين (١) محمّى يحزّ في قلبه، ولكنه لا يملك لها شيئاً. وقالت له بعد أن عجزت عن الاحتمال: إني أموت ... فاذهب فاحتَلْ بشيء تشتري به عسلاً ودقيقاً وشيرجاً (٢). اذهب وعجل؛ فإنك إذا أبطأت لم تجدني. * * *
следующие страницы →