فتفهم أن الخلاف عليها، على شرفها وعفافها، ويعود إليها ذهنها فتذكر الماضي كله، وتدرك أنها فقدت زوجها وحاميها، ويشد الغضب من عزمها فتقول لهما: ويحكم، أهذه هي مروءتكم وإنسانيتكم؟ أهذا هو دينكم يا أهل أوربة؟
فيضحكان ويقهقهان، فيشتد بها الغضب وتصرخ بهما: بأي لسان أخاطبكم؟ بلسان الدين وأنا أراكم ملحدين كافرين؟ بلسان الإنسانية وما أنتم إلا وحوش في جلد بني آدم؟ بلسان المروءة وقد فقدتموها ونسيتم حدودها؟ ويلكم، لا تستحيون أن يكون هؤلاء المسلمون أشفق على نسائكم وأحفظ لشرفكم منكم، وأن يكونوا أنبل وأفضل لوصايا السيد المسيح؟ لا والله؛ لستم للمسيح ولا لمحمد، أنتم للشيطان! أولئك هم الذين جمعوا المسيح ومحمداً، أولئك أهل الفضائل أرباب الأمجاد، خلاصة الإنسانية. إنكم لن تغلبوهم، لن تأخذوا أرضكم المقدسة من أيديهم أبداً. كلا؛ إنهم أحق بها لأنهم أوفى منكم لمبادئ المسيح، إنهم أعرق منكم في الإنسانية. إن المستقبل لهم، إن لهم المجد والظفر ولكم أنتم اللعنة، لكم الخيبة والخزي.
فلا تجد منهما إلا إيغالاً في الضحك، وتتلفت حولها فلا تجد ناصراً. وأين المعين على الحق المدافع عن الشرف في بلد ليس فيه مسلم؟
وتراهما قد أقبلا عليها بعيون محمرّة، فيجن جنونها، فتلقي بولدها في اليم وترمي بنفسها.
وكان البحر ساكناً فصعدت من الماء فقاعتان، فيهما اللعنة
стр. 37
الحمراء التي خرجت من فؤادها المحترق على هؤلاء الواغلين على فلسطين!
وعاد البحر ساكناً كما كان.
وأُسدل الستار على القصة التي تتكرر دائماً منا ومن هؤلاء الغربيين: قصة نبل لا يدانيه في عظمته البحر، ونذالة لا يغسل البحر أوضارها ولا يطهّر الأرض من عارها.
* * *
стр. 38
وديعة الله
كان فتى من أبناء التجار، بارع الفتوة، واسع الغنى، قد جُمعت له اللذائذ وسيقت إليه المنى، دكانه البحر تنصبُّ فيه جداول الذهب، وداره الجنة تجري من تحتها الأنهار، وفيها الحور العين؛ خمسون من الجواري الفاتنات اللائي حُملن إلى بغداد من أقطار الأرض وحُشِدن فيها، كما تُحمل إلى مخدع العروس كل وردة فاتنة في الروض وزهرة جميلة في الجبل.
ولكنه لم يشعر بنعيم الحياة ومتعة العيش حتى اشترى هذه الجارية بخمسمئة دينار. وكان قد رآها في سوق الرقيق فرأى جمالاً أحلى من أحلام الحب، وأجمل من بلوغ الأماني، وأطهر من زنبقة الجبل، فهام بها هياماً، وزاد فيها حتى بلغ بها هذا الثمن. وانصرف بها إلى داره وهو يحسب أنه قد حيزت له الدنيا وأمتع بالخلود، واشتغل بها وانقطع إليها، ولم يعد يخرج إلى الدكان إلا ساعة كل يوم ثم لا يستطيع أن يصبر عنها، ويزلزله الشوق إليها، وتدركه هواجس الحب فيغار عليها، لا من الناس فما يصل الناس إليها، بل من الشمس أن تلمحها عين الشمس، ومن النسيم أن
стр. 39
تلمسها يد النسيم! ويشعر بهذه الغيرة المحرقة في قلبه فيهرع إليها ليطفئها بلقاها؟
لقد صار هذا الحب مصدر لذته وسر حياته، ما كان يدري من قبله ما اللذة وما الحياة، وما كان يحس أنه يعيش حقاً وأن له قلباً، وما كان يدرك من قبله بهاء النهار، ولا فتنة الليل، ولا سحر القمر؛ كان ذلك عنده كالألفاظ بلا معنى، يفهم منه ما يفهمه الأعجمي إذا تلوت عليه غزل العرب، فلما عرف الحب أدرك أن وراء هذه الألفاظ معاني تهز الفؤاد وتستهوي القلب. وكان يمشي في طريق الحياة كما يمشي الرجل في المتحف المظلم، فطلع عليه هذا الحب نوراً مشرقاً أراه هذه التحف الفاتنات وهذه الروائع.
وتتالت الأيام، وزاد إقبالاً عليها وإعراضاً عن الدكان. وكان يبصر دنياه تدبر عنه وتجارته تذوب في ضرم هذا الغرام كما يذوب الثلج، وتتبدد كما يتبدد الندى في وهج الشمس، ولكنه لا يكره هذا الحب ولا ينفر منه، ولا يزداد إلا تعلقاً به وتمسكاً بأهدابه. وكان كل ما في الحياة من متع لا يعدل عنده لحظة واحدة من لحظات الوصال، وذهبُ الأرض كله لا يساوي هناءة من هناءات الحب؛ فكان يترك البائعين والمشترين ويسعى إليها ليشتري منها اللذاذات والقبل.
وكانت كلما نصحته وأرادته على العود إلى تجارته قال لها: "مالي وللمال؟ أنت مالي وتجارتي ومكسبي". فلا تستطيع أن تفتح فمها بجواب لأن شفتيه تقيدان فمها فلا ينفتح!
وأصبح الرجل ذات يوم فإذا التجارة قد بارت، وباد المال،
стр. 40
وذهب الأثاث، وبيعت الجواري، ولم يبق في يده شيء يباع. فأقبل ينقض الدار ويبيع أنقاضها، ولم يأسَ على ذاهب ولم يحس بفقد مفقود، فقد كان يلقى الحبيبة ويجد في حبها غذاءه إذا جاع، وريّه إذا عطش، ودفئه إذا برد، وفي وجنتيها ما يغنيه عن الأوراد، وفي ثناياها بديلاً من اللآلئ، وفي ريقها عسله المصفى وخمره المعتق، ومن ريحها عطره الفواح، وفي صدرها دنياه. ويرى الدار الخالية معها قصراً عامراً، والصحراء روضة مزهرة، والليل المظلم معها نهاراً مضيئاً ...
وأثمر الحب وجاء الحصاد، ولكنه قد خالف موعده، فلم يجئ في الربيع الطلق ولا في الصحو الجميل، بل قدم في الشتاء الكالح والأيام القاتمة الدكناء، أيام الفقر والعوز. وأخذها المخاض فجعلت تتلوى من الألم على أرض الحجرة، وما تحتها إلا حصير تقطعت منه الخيوط، وفراش بلي وجهه وتناثر قطنه حتى اختلط بالتراب. وطال عليها الوجع وهو واقف أمامها يحس أن ألمها في ضلوعه، وأن كل صرخة منها سكين (١) محمّى يحزّ في قلبه، ولكنه لا يملك لها شيئاً. وقالت له بعد أن عجزت عن الاحتمال: إني أموت ... فاذهب فاحتَلْ بشيء تشتري به عسلاً ودقيقاً وشيرجاً (٢). اذهب وعجل؛ فإنك إذا أبطأت لم تجدني.
* * *
стр. 41
وخرج، وصار يعدو كالمجنون. أين يذهب والليل قد مالت نجومه؟ والناس نيام في دورهم، ولا يجد من يلجأ إليه، فقد فصله الحب عن الدنيا وصيّره غريباً فيها، ليست منه ولا هو منها. وكذلك يصنع الحب!
وجعل يهيم على وجهه حتى بلغ الجسر، جسر بغداد، وكان الليل خاشعاً ساكناً والناس قد أمّوا بيوتهم وأنسوا بأهليهم، وهو الوحيد الشارد، لا أهل له إلا التي خلّفها تعاني سكرات الموت وعجز عن إسعادها، ولا دار له إلا هذه الخرب التي فرّ منها.
لقد كانت هذه المرأة حظه من دنياه، وها هي ذي تموت فلا يبقى له في دنياه حظ، وكانت هي نورها فلن يبقى له بعدها من نور. وتصور الوحشة المخيفة والوحدة المرعبة التي سيقدم عليها إن ولت عنه هذه المرأة التي كان يعيش بها ولها، ونظر إلى ماء دجلة يجري أسود ملتفاً ببرد الليل، فأحب أن تواريه أحشاؤه، وتراءى له الموت حلواً فيه متعة اللقاء وأَنَسَة الاجتماع.
وعاد فذكر آلام الحبيبة وانتظارها وعجزه عن معونتها وإسعادها، فتوجه إلى الله ودعاه من قلبه صادقاً مخلصاً وقال: "يا رب، إني استودعتك هذه المرأة وما في بطنها ... "، وهمّ بإلقاء نفسه في الماء، وفكر في الموت فوارت صورته أحلامَ الحب ورؤاه، ولم يعد يرى إلا هذه الهوة التي سيتردى فيها، وتسلق «درابزين» (١) الجسر فأدركته حلاوة الروح فراح يتصور برودة الماء، ويفكر في
стр. 42
الموت هل يأتيه سهلاً هيناً أم هو سيذيقه العذاب ألواناً، وحاول أن يتذكر ما سمع عن الغرقى، وهل يختنقون عاجلاً أم يبطئ عليهم الموت؟ وذكّره هذا العذاب بعذاب الله يوم القيامة؛ أليس الله قد حّرم الانتحار؟ أليست هذه النفس ملكاً لله وحده أودعها جسدَه أمانةً ليستردها متى شاء، ليست له هو ولا يملكها، وليس هو الذي خلقها وأبدعها؟ وذكر أنه توجه إلى الله واستودعه حبيبته فكيف يلقى الله آثماً ويسأله عونها وحفظها؟
وتنبه إيمانه فتردد، ووقف ... ثم عاوده التفكير في حياته بعد اليوم وكيف تكون إن ذهبت منها متعة الحب، فرجع إليه يأسه وقنوطه وعزم عزماً مبرماً على الموت. وأغمض عينيه، وخفق قلبه من هول ما يُقدم عليه، وكاد يقفز، ولكن ... ولكن قوة لم يُطِقْ لها دفعاً ولم يملك معها حراكاً أمسكت به ... تلك هي الصيحة التي أحس بها من بعيد ثم رآها امتدت حتى بلغت الأفق الذي أطل منه الفجر، والأفق الذي انغمس فيه الليل، ثم غمرت النهر والشاطئين والمدينة، فأحس بها تشرق على نفسه كهذا الفجر فتبدد ليلها. ذلك هو صوت المؤذن ينادي في صفاء الليل وإصغاء الدنيا أجلَّ وأجمل نداء اهتز به هذا الفضاء ومشى فيه: «الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله».
وسمع: «حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح» فرأى فيها مجد الآخرة بالعبادة ومجد الدنيا بالنجاح، وصبّت القوة والعزم في أعصابه فعدل عن الموت. ورجع إلى الدار فرأى فيها نساء من نساء الجيران سمعن صوتها، فجئن إليها فسألهن عنها، وكانت مغمى عليها فحسبوها ماتت. وأخبروه بموتها، فلطم وجهه وشق
стр. 43
ثوبه، وانطلق ماشياً على غير هدى تقذفه قرية فتتلقاه قرية، يضيفه الناس (وقد كان في الناس سلائق العرب وآداب الإسلام، يضيفون الغريب لا يسألونه مَن هو ولا يبتغون منه أجراً ولا شكراً). وجعل يطوي الأرض والأرض تطوي صحائف عمره، حتى حطت به النوى في خراسان.
ولقي من عرفه فيها ومد إليه يده مساعداً معيناً فعاد إلى تجارته. وجعل يفكر - لمّا استقر به المنزل في داره - في بغداد، ويكتب الكتب يسأل ويستنجد ويلح ويتوسل. حتى كتب ستة وستين كتاباً (١) ولم يرجع إليه جواب.
وأثرى وامتلأت يده بالذهب، ولكن قلبه ظل خالياً من الحب. وما كان يوسع فيه الأسى مكاناً لحب جديد، فكان كلما احتواه العشيةَ منزلُه وأغلق عليه بابه جفا عالم الناس وراحت روحه تسبح في عالمه هو، عالم ذكرياته وماضيه الذي أحبه وافتقده ولم يجد منه بديلاً، فيشعر بحرارة تلك القبل ويسمع وسوستها، ويلمس دفء ذلك العناق، ويستروح نسيم تلك الدار التي كانت جنة وارفة الظلال، فيها الروح والريحان وفيها من كل فاكهة زوجان، فصيّرها الحب قاعاً صفصفاً ... ولكن تلك الخربة كانت أحب إليه من هذا القصر الذي يعيش فيه اليوم وحيداً لا يؤنسه فيه إلا الذهب.
وتصرّمت السنون، وتتابعت خالية فارغة حتى أقامت بينه وبين ليلة المخاض حاجزاً من الأيام سمكُهُ ثمان وعشرون سنة،
стр. 44
وهبّت على عمره رياح الخريف، فذوى غصنه وكاد يدركه الجفاف، فأفزعه أن يموت بعيداً عن بغداد وعن داره التي ثوت فيها الحبيبة، فباع كل ما يملك بعشرين ألف دينار من الذهب واشترى قماشاً وبضاعة حملها إلى بغداد، وسار في قافلة له ضخمة يؤم أرض الوطن ... ولم يكن له من أمل إلا أن يقيم بهذا المال قبراً ضخماً للحبيبة ويجعل له فيه مكاناً، ولكن الدهر لم يبلغه حتى هذا الأمل، فقد خرج على القافلة اللصوص فنهبوها وقتلوا من فيها، ولم يتركوا منهم أحداً.
ونهض من بين الموتى، وسار على رجليه وقد تبلد ذهنه من عظم الفاجعة حتى ما يقدر على الحزن، ومشى حتى حاذى النهر، وجعل يمر على مغارس النخيل ومشارع المياه ومنابت الورد والفل، وهو سادر ساهم كأنما يمشي في حلم، قد ماتت في نفسه كل رغبة إلا الرغبة في الموت ... وماذا بقي له في الحياة بعدما فقد الحب وفقد المال؟ ولكنه لم يشأ أن يموت إلا في داره، ولم يرد أن يضم عظامَه إلا الثرى الذي ضم أعظُم الحبيبة كي يجاورها في الموت كما جاورها في الحياة. وتحامل على نفسه وقام يجر رجليه جراً، وكلما دنا من بغداد وأحس ريحها انتعش واشتد، وعاش بذكريات الحب الذي ذهب ولم يبق إلى عودته سبيل، وآنسه أن يرى مرة ثانية الديار التي شهدت صور هذا الحب، ولكنه أعيا أخيراً وسقط على الشاطئ ولم يعد يستطيع الحراك.
وجعل يفكر تفكيراً مبهماً ملتاثاً، يقطعه الجوع الذي يفري أمعاءه والتعب الذي يهد عظامه، فيرى أنه كان في حلم وصحا منه ... الدنيا كلها حلم كاذب: الحب، والمال، والصحة والسعادة
стр. 45
والمجد ... لا يخلد شيء من ذلك ولا يبقى. لا يبقى منه إلا ذكرى تبعث ألماً وتثير حسرة وتحرق القلب. وتمنى أن لو كان خُلق فقيراً منفرداً، ما عرف لذة الألفة ولا متعة الغنى، وعاودته فكرة الموت التي كانت مرت بذهنه منذ ثمان وعشرين سنة، ولكن دينه منعه أن يختم حياته بهذه الخاتمة البغيضة، وأن يجمع على نفسه شقاء الدنيا وعذاب الآخرة، وهبّت عليه نفحة من نفحات الإيمان فاستراح إليها، وذكر أنه استودع فتاته الله، ولا تضيع عند الله الودائع، وأن وراء هذه الأحداث حكمة بالغة وقدراً حكيماً. فاطمأن إلى حكمة الله وسلّم أمره إليه ووجد بهذا الاطمئنان راحة وشبعاً.
وسمع صوت بوق يرعد على حاشية الأفق، فنظر فإذا «زلال» (١) ضخم قد أقبل عليه. فلما حاذاه أشار ونادى وسأل صاحبه أن يحمله إلى بغداد، وكان فيه أمير كبير، ولكن «الديموقراطية» كانت شعار العرب وكانت سليقة فيهم، لا يمنع الأميرَ مجدُه أن يقف لفقير سائل ويحمله معه. فأدخله الزلال وأطعمه وخلع عليه ولم يسأله عن خبره، لأن النوم قد غلب عليه فهجع كالقتيل قبل أن يُسأل وقبل أن يجيب.
ولما أفاق كان المساء قد حل، وكانت بغداد قد بدت، وسربت الزوارق والسفن على سطح دجلة الفاتن تنشد لهواً وتبتغي لذة، وتملأ الضفتين نغماً سائغاً وحباً ومجداً، وترنحت القصور طرباً، وانتشت الرياض أنساً، وتعانق النخيل وتشاكى الغرام،
стр. 46
وتراقصت الأمواه من دجلة وتناجت بالحب، وسكرت السفن وهامت، وسدرت بغداد في نشوة الظفر. وكانت بغداد هي الدنيا، وكانت دارة الخلافة، وكانت عاصمة الأرض، وكانت منبع العلم والفن، ومثابة الغنى والترف. وكان فيها الصلاح وفيها الفجور، وفيها الخيرات وفيها الشرور، وفيها من كل شيء ... وكذلك تكون الدنيا!
وكان دجلة يسير مزهواً طرباً؛ فقد بدأ سيره منذ الأزل، ورأى الحكومات تقوم وتقعد حتى مل قيامها وقعودها، وشهد من بأساء الحياة ونعيمها ما زهّده في نعيمها وبؤسها، ورأى الأنام حتى كره مرأى الأنام، ولكنه لم يرَ أياماً أحلى، ولا مجداً أبقى، ولا ناساً أنقى وأتقى، من تلك الأيام وناسها.
وجاز الزلال بتلك السفن والزوارق الحالمة السكرى، كأنه البطل القوي يمر بالحسان في يوم عرس، فاجتمع على الصفحة الحب والحرب، والعز والهوى؛ هذا يمثله زلال القائد، وتلك تمثلها زوارق العشاق. وكان يمضي إلى غايته مسرعاً كأنه يسابق شعاع الشمس إلى الأفق الزاهي، وكان هو أيضاً شعاعة من الشمس التي أضاءت الدنيا في هاتيك الأيام، فأشرقت على القلوب عاطفة وجمالاً، وعلى العقول علماً وكمالاً، وعلى المسلمين عظماً وجلالاً، وعلى الناس كلهم حضارة وتمدناً وسلاماً وأمناً، وضوأت لهم طريق المجهول، وشقت لهم السبيل الموصلة إلى تحقيق المثل العليا في المجتمع البشري، تلك هي شمس بني العباس إذ كان بنو العباس سادة الأرض.
стр. 47
وأنزله الزلال على الجسر (حيث قام تلك الليلة) فأعاده الجسر إلى ماضيه، فأحس بأن هذه السنين كلها لحظة واحدة، وأنها صفحة قد سقطت من سفر حياته، فاتصل ما قبلها بما بعدها. ورأى الناس من حوله، فهمّ بأن يسألهم درهماً يشتري به عسلاً ودقيقاً وشيرجاً لامرأته التي أخذها المخاض، وأسرع يريد أن يدركها قبل أن يشتد بها الألم، ثم انتبه فرأى هذا الحجاب الصفيق من الزمان يقوم بينه وبينها؛ ثمان وعشرون سنة ليست يوماً ولا يومين، دهر طويل وُلد فيه ناس ومات ناس، عمر كامل ... وتهافت وخمدت هذه الشرارة من الأمل التي أضاءت في نفسه، وسار محطماً مكدوداً يبصر الوجوه من حوله فيراها غريبة عنه لا يعرفها، ويرى المسالك والدروب فيفتش عن ذكرياته فيها فلا يجدها ... حتى بلغ الدار ونظر، فإذا الخربة التي خلف فيها الحبيبة قد صارت داراً فخمة على بابها الجند و «الشاكرية» (١)، فوقف ينظر إليها من بعيد. هذه داره التي رجع إليها ليتخذ لنفسه من ثراها قبراً، ولكنها أنكرته وأعرضت عنه. لقد عاد غريباً في بيته منكراً في بلده؛ إنه ميت يمشي بين الأحياء. لقد بحث عن أثر واحد من دنياه التي كان يألفها؛ فإذا كل شيء قد تبدل، فلا الوجوه بالوجوه، ولا الأمكنة هي الأمكنة! فيا ويح الزمان كيف صنع ذلك كله! هذا الجبار المخيف الذي يفعل الأفاعيل، ولا يحس به أحد ولا يبصره ولا يلمسه بيده ... ثم استغفر الله وأناب إليه؛ إنه
стр. 48
هو الفاعل المدبر، فلا الزمان ولا الأحداث بقادرة على شيء إنه هو وحده الذي يصرف الأكوان.
وولى ليعود فيضرب في الأرض حتى يموت، فما يبالي الآن أين يدركه الموت بعد أن حُرم آخر أمانيّه، وهو أن يواريه الثرى الذي وارى جسد الحبيبة. ولم تسل من عينيه دمعة، ولم يتحرك لسانه بكلمة وداع، ولم يفكر في شيء؛ فقد تواردت الآلام على قلبه حتى صار هو كتلة من الألم جامدة تسمى قلباً، وتتابعت عليه المصائب حتى صارت حياته كلها مصيبة ... ويئس من السعادة حتى ما عاد يفكر فيها أو يؤلمه فقدها. وتلفّتَ ليودع المكان الذي اصطفاه من دون الأمكنة وأودعه أعز شيء عليه: حبيبته وذكرياته، ويشمله بنظرة، فإذا هو يرى دكان بقال (كان يعرفه) لا تزال قائمة على العهد بها، كما يقوم الطلل البالي في المدينة العامر، فأسرع إليها.
"وكان فيها شاب حَدَث علم منه أن أباه البقال مات من عشرين سنة، وأن الدار لابن داية أمير المؤمنين المأمون وصاحب بيت ماله، وأن لهذا الرجل قصة عجباً؛ فقد كان أبوه من سراة التجار، فاشترى جارية أولع بها وعكف عليها حتى افتقر، وجاءها المخاض فذهب يطلب لها شيئاً فلم يرجع، وأسعفها البقال أبو الفتى. ثم وُلد للرشيد مولود فطُلبت له المراضع فلم يقبل ثدي واحدة منهن، فدُلَّ على الجارية فقبل ثديها وصارت ظئره. وكان المولود هو أمير المؤمنين المأمون" (١).
стр. 49
ويسمع الرجل القصة فيحس أن الأرض تدور به، فيمر بآلاف الصور والألوان، والشكوك والأماني، ثم يسأله: وأين أم الولد؟ ويحس أن هذه اللحظة التي انتظر فيها الجواب قد طالت حتى غدت دهراً، وأنه كالقائم ليسمع الحكم عليه بالبراءة أو القتل. فيقول الفتى: إنها باقية تغدو إلى دار الخليفة أياماً وتكون مع ابنها أياماً، ولكنها لا تزال حزينة لم تمسح آلامَها الأيامُ ولم ترقأ دمعها.
ويدعه الرجل ويركض إلى الدار، يشعر أنه يمشي في الزمان، يعود أدراجه إلى عهوده الماضيات، إلى عهد الحب الضاحك ولياليه المترعات بالقبل. لقد نسي في هذه الخطوات كل ما لقي من شقاء وما حمل من ألم، وامتلأ قلبه شكراً لله الذي استودعه حبيبته وما في بطنها فما ضاعت عنده الوديعة، وهذه الحبيبة التي طالما بكاها يحسبها ميتة وجاء ليدفن جسده الواني بجانب رُفاتها قائمة تنتظره لتمنحه عطرها وسحرها، وهذا الجنين الذي خلّفه على باب الموت قد غدا شاباً ممتلئاً قوة وأيْداً ومالاً ومجداً.
ووصل إلى هذا الشاب، فقال له: ما تبتغي؟
فخفق قلبه، وتلاحقت أنفاسه، وهملت مقلتاه. ولم يجد ما يمهّد به الحديث، فقال له: أنا أبوك!
ونظر الشاب شاكّاً، وقال له: اتبعني.
فأتبعه، فاجتاز به صحناً بعد صحن حتى انتهى إلى مكان
стр. 50
الحُرَم (١)، فأقامه أمام ستارة وذهب ليسأل أمه، ودل الرجلَ قلبُه على أن الحبيبة وراء الستارة فناداها، وإذا الستارة تهتك، والمرأة تثب إلى عنق الرجل، تبكي وتضحك، وتضحك وتبكي، وتقول ما لا تدريه ...
ويدير الشاب وجهه؛ فما يحسن به أن ينظر إلى أبويه وهما يجددان عهود الهوى والشباب.
* * *
стр. 51
محمد الصغير
قال:
كنت يومئذ صغيراً لا أفقه شيئاً مما كان يجري في الخفاء، ولكني كنت أجد أبي ﵀ يضطرب ويصفرّ لونه كلما عدت من المدرسة فتلوت عليه ما حفظت من «الكتاب المقدس»، وأخبرته بما تعلمت من اللغة الإسبانية، ثم يتركني ويمضي إلى غرفته التي كانت في أقصى الدار، والتي لم يكن يأذن لأحد بالدنو من بابها، فيلبث فيها ساعات طويلة، لا أدري ما يصنع فيها. ثم يخرج منها محمر العينين كأنه بكى بكاء طويلاً، ويبقى أياماً ينظر إليّ بلهفة وحزن، ويحرك شفتيه فعل من يهم بالكلام، فإذا وقفت مصغياً إليه ولاّني ظهره وانصرف عني من غير أن يقول شيئاً.
وكنت أجد أمي تشيعني - كلما ذهبت إلى المدرسة - حزينة دامعة العين، وتقبّلني بشوق وحرقة، ثم لا تشبع مني فتدعوني فتقبلني مرة ثانية، ولا تفارقني إلا باكية، فأحس - نهاري كله - بحرارة دموعها على خدي، فأعجب من بكائها ولا أعرف له سبباً، ثم إذا عدت من المدرسة استقبلتني بلهفة واشتياق كأني كنت
стр. 52
غائباً عنها عشرة أعوام. وكنت أرى والديّ يبتعدان عني ويتكلمان همساً بلغة غير اللغة الإسبانية لا أعرفها ولا أفهمها، فإذا دنوت منهما قطعا الحديث وحوّلاه، وأخذا يتكلمان بالإسبانية، فأعجب وأتألم، وأذهب أظن في نفسي الظنون، حتى إني لأحسب أني لست ابنهما وأني لقيط جاءا به من الطريق، فيبرح بي الألم، فآوي إلى ركن في الدار منعزل، فأبكي بكاء مراً.
وتوالت علي الآلام فأورثتني مزاجاً خاصاً يختلف عن أمزجة الأطفال الذين كانوا في مثل سني؛ فلم أكن أشاركهم في شيء من لعبهم ولهوهم، بل أعتزلهم وأذهب فأجلس وحيداً، أضع رأسي بين كفيّ وأستغرق في تفكيري، أحاول أن أجد حلاً لهذه المشكلات، حتى يجذبني الخوري من كم قميصي لأذهب إلى الصلاة في الكنيسة.
وولدت أمي مرة، فلما بشرت أبي بأنها قد جاءت بصبي جميل لم يبتهج، ولم تَلُحْ على شفتيه ابتسامة، ولكنه قام يجر رجله حزيناً ملتاعاً، فذهب إلى الخوري فدعاه ليعمّد الطفل، وأقبل يمشي وراءه وهو مطرقٌ برأسه إلى الأرض، وعلى وجهه علائم الحزن المبرح واليأس القاتل، حتى جاء به إلى الدار ودخل به على أمي ... فرأيت وجهها يشحب شحوباً هائلاً وعينيها تشخصان، ورأيتها تدفع إليه الطفل خائفة حذرة ... ثم تغمض عينيها. فحرت في تعليل هذه المظاهر، وازددت ألماً على ألمي.
حتى إذا كان ليلة عيد الفصح، وكانت غرناطة غارقة في العطر والنور، والحمراء تتلألأ بالمشاعل والأضواء، والصلبان
стр. 53
تومض على شرفاتها ومآذنها، دعاني أبي في جوف الليل وأهل الدار كلهم نيام، فقادني صامتاً إلى غرفته، إلى حرمه المقدس. فخفق قلبي خفوقاً شديداً واضطربت، لكني تماسكت وتجلدت، فلما توسط بي الغرفة أحكم إغلاق الباب وراح يبحث عن السراج، وبقيت واقفاً في الظلام لحظات كانت أطول عليّ من أعوام، ثم أشعل سراجاً صغيراً كان هناك، فتلفتّ حولي فرأيت الغرفة خالية، ليس فيها شيء مما كنت أتوقع رؤيته من العجائب، وما فيها إلابساط وكتاب موضوع على رف وسيف معلق بالجدار. فأجلسني على هذا البساط، ولبث صامتاً ينظر إليّ نظرات غريبة اجتمعت علي، هي ورهبة المكان وسكون الليل، فشعرت كأني انفصلت عن الدنيا التي تركتها وراء هذا الباب وانتقلت إلى دنيا أخرى لا أستطيع وصف ما أحسست به منها.
ثم أخذ أبي يدي بيديه بحنو وعطف وقال لي بصوت خافت: يا بني، إنك الآن في العاشرة من عمرك، وقد صرت رجلاً. وإني سأطلعك على السر الذي طالما كتمته عنك، فهل تستطيع أن تحتفظ به في صدرك، وتحبسه عن أمك وأهلك وأصحابك والناس أجمعين؟ إن إشارة منك واحدة إلى هذا السر تعرّض جسم أبيك إلى عذاب الجلادين من رجال «ديوان التفتيش».
فلما سمعت اسم ديوان التفتيش ارتجفت من مفرق رأسي إلى أخمص قدمي. وقد كنت صغيراً حقاً، ولكني أعرف ما هو ديوان التفتيش وأرى ضحاياه كل يوم (وأنا غاد إلى المدرسة ورائح منها)؛ فمن رجال يُصلبون أو يُحرقون، ومن نساء يعلقن من شعورهن حتى يمتن أو تبقر بطونهن ... فسكتُّ ولم أُجِبْ.
стр. 54
فقال لي أبي: مالك لا تجيب! أتستطيع أن تكتم ما سأقوله لك؟
قلت: نعم.
قال: تكتمه حتى عن أمك وأقرب الناس إليك؟
قلت: نعم.
قال: اقترب مني. أَرهِفْ سمعك جيداً فإني لا أقدر أن أرفع صوتي؛ أخشى أن تكون للحيطان آذان تسمعني فتشي بي إلى ديوان التفتيش ... فيحرقني حياًً.
فاقتربت منه وقلت له: إني مُصغٍ يا أبت.
فأشار إلى الكتاب الذي كان على الرف وقال: أتعرف هذا الكتاب يا بني؟
قلت: لا.
قال: هذا كتاب الله.
قلت: الكتاب المقدس الذي جاء به يسوع ابن الله.
فاضطرب وقال: كلا؛ هذا هو القرآن الذي أنزله الله، الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، على أفضل مخلوقاته وسيد أنبيائه، سيدنا محمد بن عبد الله، النبي العربي، ﷺ .
ففتحت عيني من الدهشة، ولم أكد أفهم شيئاً.
стр. 55
قال: هذا كتاب الإسلام، الإسلام الذي بعث الله به محمداً إلى الناس كافة. فظهر هناك ... وراء البحار والبوادي ... في الصحراء البعيدة القاحلة ... في مكة، في قوم بداة مختلفين، مشركين جاهلين، فهداهم به إلى التوحيد، وأعطاهم به الاتحاد والقوة، والعلم والحضارة، فخرجوا يفتحون به المشرق والمغرب حتى وصلوا إلى هذه الجزيرة، إلى إسبانيا. وكان ملكها جباراً عاتياً وحكومتها ظالمة غاشمة وشعبها مظلوماً فقيراً جاهلاً متأخراً، فقتلوا الملك الجبار، وأزالوا الحكومة الظالمة، وملكوا الأمر في إسبانيا، فعدلوا بين الناس وأحسنوا إليهم، وأمّنوهم على أرواحهم وأموالهم، ولبثوا فيها ثمانمئة سنة ... ثمانمئة سنة، جعلوها فيها أرقى وأجمل بلاد الدنيا. نعم يا بني، نحن العرب المسلمين ...
فلم أملك لساني من الدهشة والعجب والخوف، وصحت به: ماذا؟! نحن؟ ... العرب المسلمين!
قال: نعم يا بني؛ هذا هو السر الذي سأفضي به إليك. نعم، نحن؛ نحن أصحاب هذه البلاد، نحن بنينا هذه القصور التي كانت لنا فصارت لعدونا، نحن رفعنا هذه المآذن التي كان يرن فيها صوت المؤذن فصار يُقرع فيها الناقوس، نحن أنشأنا هذه المساجد التي كان يقوم فيها المسلمون صفاً بين يدي الله، وأمامهم الأئمة يتلون في المحاريب كلام الله، فصارت كنائس يقوم فيها القسوس والرهبان، يرتلون فيها الإنجيل ... نعم يا بني؛ نحن العرب المسلمين، لنا في كل بقعة من بقاع إسبانيا أثر، وتحت كل شبر منها رفات جد من أجدادنا أو شهيد من شهدائنا. نعم؛ نحن بنينا هذه المدن، نحن أنشأنا هذه الجسور، نحن مهدنا هذه
стр. 56
الطرق، نحن شققنا هذه الترع، نحن زرعنا هذه الأشجار. ولكن منذ أربعين سنة ... أسامع أنت؟ منذ أربعين سنة خُدع الملك البائس، أبو عبد الله الصغير، آخر ملوكنا في هذه الديار، بوعود الإسبان وعهودهم، فسلمهم مفاتيح غرناطة، وأباحهم حمى أمته ومدافن أجداده، وأخذ طريقه إلى بر المغرب ليموت هناك وحيداً فريداً شريداً طريداً. وكانوا قد تعهدوا لنا بالحرية والعدل والاستقلال، فلما ملكوا خانوا عهودهم كلها، فأنشؤوا ديوان التفتيش، فأدخلنا في النصرانية قسراً، وأجبرنا على ترك لغتنا إجباراً، وأخذ منا أولادنا لينشئهم على النصرانية. فذلك سر ما ترى من استخفائنا بالعبادة وحزننا على ما نرى من امتهان ديننا وتكفير أولادنا. أربعون سنة يا بني، ونحن صابرون على هذا العذاب الذي لا تحمله جلاميد الصخر، ننتظر فرج الله، لا نيأس لأن اليأس محرم في ديننا، دين القوة والصبر والجهاد. هذا هو السر يا بني فاكتمه، واعلم أن حياة أبيك معلقة بشفتيك. ولست والله أخشى الموت أو أكره لقاء الله، ولكني أحب أن أبقى حياً حتى أعلمك لغتك ودينك وأنقذك من ظلام الكفر إلى نور الإيمان، فقم الآن إلى فراشك يا بني.
* * *
صرت من بعد كلما رأيت شرف الحمراء أو مآذن غرناطة تعروني هزة عنيفة، وأحس بالشوق والحزن والبغض والحب يغمر فؤادي، وكثيراً ما ذهلت عن نفسي ساعات طويلة، فإذا تنبهت رأيتني أطوف بالحمراء وأخاطبها وأعاتبها، وأقول لها:
стр. 57
أيتها الحمراء ... أيتها الحبيبة الهاجرة! أنسيت بُناتك وأصحابك الذين غذوك بأرواحهم ومهجهم، وسقوك دماءهم ودموعهم، فتجاهلت عهدهم وأنكرت ودهم؟! أنسيت الملوك الصيد الذين كانوا يجولون في أبهائك، ويتكئون على أساطينك، ويفيضون عليك ما شئت من المجد والجلال والأبهة والجمال؟ أولئك الأعزة الكرام الذين إن قالوا أصغت الدنيا، وإن أمروا لبى الدهر. أألِفتِ النواقيس بعد الأذان؟ أرضيت بعد الأئمة بالرهبان؟!
ثم أخاف أن يسمعني بعض جواسيس الديوان فأسرع الكرة إلى الدار لأحفظ درس العربية الذي كان يلقيه عليّ أبي، وكأني أراه الآن يأمرني أن أكتب له الحرف الأعجمي، فيكتب لي حذاءه الحرف العربي ويقول لي: هذه حروفنا. ويعلمني النطق بها ورسمها، ثم يلقي عليّ درس الدين، ويعلمني الوضوء والصلاة لأقوم وراءه نُصلي خفية في هذه الغرفة الرهيبة.
وكان الخوف من أن أزل فأفشي السر لا يفارقه أبداً، وكان يمتحنني فيدس أمي إليّ فتسألني: ماذا يعلمك أبوك؟
فأقول: لا شيء.
فتقول: إن عندي نبأ مما يعلمك، فلا تكتمه عني.
فأقول: إنه لا يعلمني شيئاً.
حتى أتقنت العربية، وفهمت القرآن، وعرفت قواعد
стр. 58
الدين، فعرّفني بأخ له في الله، فكنا نجتمع نحن الثلاثة على عبادتنا وقرآننا.
* * *
واشتدت بعد ذلك قسوة ديوان التفتيش وزاد في تنكيله بالبقية الباقية من العرب، فلم يكن يمضي يوم لا نرى فيه عشرين أو ثلاثين مصلوباً، أو محرقاً بالنار حياً، ولا يمضي يوم لا نسمع فيه بالمئات يعذبون أشد العذاب وأفظعه، فتقلع أظافرهم وهم يرون ذلك بأعينهم، ويسقون الماء حتى تنقطع أنفاسهم، وتكوى أرجلهم وجنوبهم بالنار، وتقطع أصابعهم وتشوى وتوضع في أفواههم، ويجلدون حتى يتناثر لحمهم.
واستمر ذلك مدة طويلة، فقال لي أبي ذات يوم: إني أحس يا بني كأن أجلي قد دنا. وإني لأهوى الشهادة على أيدي هؤلاء، لعل الله يرزقني الجنة فأفوز بها فوزاً عظيماً، ولم يبق لي مأرب في الدنيا بعد أن أخرجتك من ظلمة الكفر وحملتك الأمانة الكبرى التي كدت أهوي تحت أثقالها، فإذا أصابني أمر فأطع عمك هذا ولا تخالفه في شيء.
ومرّت على ذلك أيام، وكانت ليلة سوداء من ليالي السّرار (١)، وإذا بعمي هذا يدعوني ويأمرني أن أذهب معه، فقد
стр. 59
يسر الله لنا سبيل الفرار إلى عدوة المغرب بلد المسلمين. فأقول له: أبي وأمي؟
فيعنف عليّ ويشدُّني من يدي ويقول لي: ألم يأمرك أبوك بطاعتي؟
فأمضي معه صاغراً كارهاً، حتى إذا ابتعدنا عن المدينة وشملنا الظلام قال لي: اصبر يا بني؛ فقد كتب الله لوالديك المؤمنَين السعادة على يد ديوان التفتيش.
* * *
ويخلص الغلام إلى بر المغرب ويكون منه العالم المصنف سيدي محمد ابن عبد الرفيع الأندلسي، وينفع الله به وبتصانيفه.
* * *
стр. 60
ابن الحب
«الطائف» ... تلك القرية المسحورة التي سارت ذات يوم (كما تروي الأساطير) (١)، سارت من ربوع الشام بينابيعها وجداولها، وبساتينها ورياضها، وزهرها وثمرها، فطافت حول الكعبة ثم تسلقت الصخور حتى استقرت في أعالي جبل «غزوان»، وهجعت على سرير من السحاب حالمة بالسهول والأنهار والنعمة والخصب، لتستيقظ مع الفجر فتصنع العظماء والقادة وتقذف بهم إلى الدنيا الواسعة.
* * *
وكانت منازل الطائف كأنها أسراب من العشاق قد تغلغلت في هذه البساتين، لتفيء إلى عزلة سعيدة، تنعم فيها بذكرى اللقاء الماضي وتحلم بلقاء جديد .. وأوى الزرّاع إلى بيوتهم فناموا بين أهليهم كما نام الرعاة إثر نهار حافل بالتجوال الفاتن، في هذه الجبال التي تتفجر صخورها السود بالنبت الأخضر والزهور البرية
стр. 61
ذوات الألوان العارية. ولم يبق في المدينة عين ساهرة إلا عينَ سيد غريب (يذكّره هذا الليلُ الساجي وهذا البدرُ المطل بلدَه، فيؤرقه الشوق، فهو يطوف بهذه المرابع ويده على قلبه) وعيوناً أخرى خلال تلك البيوت التي تبدو سُرُجها المضيئة - من بعيد - كلِيلةَ الضوء «ترتجف» من الخجل وهي تضرب بأشعتها تائهة وسط الفضاء، حيث يجلس على العتبات فتيات بائسات يعرضن في استحياءٍ أجساداً قد عرّتها هاتيك المهنة الآثمة، ينتظرن عابراً يسوقه المقدار إليهن فيبعنه اللذة ويطعمنه من لحمهن ... ليعطيهن دراهم يحملنها إلى أسيادهن الذين يكرِهونهن على البغاء، ولا يكون نصيبهن بعد ذلك إلا أرغفة من الخبز معجونة بالدم والشرف والوحل.
تلك هي سنة قوم لم يتأدبوا بعد بأدب الإسلام!
فلما مال ميزان الليل، وغلبهن التعب، ولم يطرقهن طارق، تسللن إلى بيوتهن فنمن على فرش العار إلى الصباح، ليستقبلن من يقذف به القدر إليهن من الرجال. ولم يبق إلا فتاة صغيرة، تنظر إلى السماء بعينين زرقاوين بلون السماء، تفيضان بالطهر ... رغم أنهما في وجه بغي، ولها فم صغير حلو ينطق بالصفاء من غير أن تتحرك شفتاه الرقيقتان، وكأن هذا الفم وردة من ورد الجنائن، غير أنها لا تذوي ولا تذبل، وأنها من لحم ودم. وكانت من بنات الروم؛ فما تحترف عربية حرفة الخنا. وكان لها شعر أشقر متموج يبرق تحت أشعة القمر كبريق الذهب، وجسم أبيض لدن له لون العاج، ولين الحرير، وسحر الحب، وفعل الخمر ... فهي وردة نمت في غير أرضها، فازدادت - بِنُدرتها - جمالاً إلى جمالها.
стр. 62
وكان مكان هذه الفتاة بين ذراعَي أم تحنو عليها أو زوج يحميها، يكتم سر هذا الجمال أن يفشو ويستعلن وتعبث بقدسيته العيون السارقة والأيدي المجرمة .. ولكنّ مَن بيده أمرها لم يرَ لها إلا هذا المكان الذي تنتهبها فيه العيون وتعبث بها فيه الأيدي وتفترسها فيه سباع البشر. أفرأيت الزهرة اليانعة تلقى بين ألسنة اللهيب، والحَمَل الضعيف يرمى بين أنياب الذئاب؟ كذلك كانت هذه الفتاة وقد قذفت بها الحياة بين ذراعي كل وَبْش (١) فظ غليظ من ذئاب الناس وكلابهم. هي زهرة ولكن الرياح العاتية قطفتها من غصنها ثم ألقتها بين الأشواك البرية لتجف عليها وتذوي، وهي وردة ولكن النهر الجياش اختطفها من منبتها ثم رمى بها في الحقل لتموت تحت أرجل البهائم والأناسي.
لبثت هذه الفتاة جالسة تطارد النوم الذي يعبث بعينيها الناعستين من غير نعاس، تأمل أن تجد امرءاً يدفع إليها المال الذي فرضه عليها سيدها حين أرادها على هذه الحياة الداعرة، فنزلت على إرادته وجعلت جسدها مائدة لكل جائع. وهل تستطيع له دفعاً وهي أمَته وملك يمينه، حملها من وطنها البعيد فنهل من كأس جمالها حتى شبع وروي، فوضع الكأس على حافة السبيل تلغ فيها الكلاب؟ إنه يصرفها كما يصرف دابته، ويصنع بها ما يصنع بثوبه، يلبسه أو يرميه في الطريق أو يهديه إلى صديق أو يرضى له التخريق والتمزيق. وذكرت عرضها الذي مزقته مطامع سيدها، وجسدها الذي أبلته وحشية الرجال طلاب اللذة من كل شكل
стр. 63
ولون، فانطلقت تبكي، وذهبت هائمة على وجهها حتى ابتعدت عن هذه البيوت، وإذا هي بشبح يسير في شعاع القمر متشحاً بثوب أسود لا يبين منه شيء، فظنته من رجالها ومشت إليه، فلما رآها ارتاع وارتد، وعجب أن يرى فتاة صغيرة كأنما هي حوراء من حور الجنان تسير تحت ذوائب الليل، وسألها: ما لك أيها الفتاة؟
- ما لي؟ ماذا ترى فيّ؟
فلم يجب وجعل يحدق فيها تحديقاً شديداً مأخوذاً بجمالها، وهي تنظر متعجبة، لأنها كانت من السذاجة والصفاء بحيث لا تدري جمالها وفتنتها، ولأنها لم تجد من الرجال من يرفع عينيه إلى وجهها، وإنما وجدتهم جميعاً يخفضون عيونهم إلى غير الوجه. فما بال هذا الرجل؟
ومرت دقائق حسبها كل منهما دهراً طويلاً، ثم قال لها بصوت حلو رقيق (وقد أشفق عليها أن تنال برودةُ الليل من هذا الجسم اللدن الناعم الذي خُلق لينعم بدفء الحب): لِمَ لا تدخلين إلى دارك؟
فأجابته هذا الجواب الذي ألِفَته حتى ما تفكر في معناه، ولا تدري منه إلا أنه واجب عليها يجب أن تؤديه كآلة جامدة: بعشرة دراهم ... هل تدخل؟
ووثبت بين يديه تسعى إلى الدار بخفة ظبي أفلت من شبكة الصياد، وتبعها حزيناً متألماً، يفكر في هذا الجمال كيف تعلق به الأرجاس، ويأسى لها ويتمنى لو استطاع أن يسمو بها إلى أفق
стр. 64
الطهر والعفاف. حتى بلغت الدار فدخلت ودعته إلى الدخول، ثم أغلقت الباب ووقفت بين يديه تنظر ما يريد.
يا لهذه المسكينة التي عاشت وسط الرجس، ولكن قلبها ظل نقياً طاهراً لأن الخطيئة لم تصل إليه. فلم يُبدِ الرجل حراكاً، فجعلت تنظر إليه حائرة وقد بدأت تخشاه وتظن به الظنون. ما له لا يصنع ما يصنع سائر الرجال، يأخذونها عارية كشعاع القمر، فيعبثون بها ويسخّرونها للذّاتهم كأنما هي أداة لا تعقل ولا تشعر، ثم يلقونها كما يلقي المرء برتقالة امتصّها حتى لم يدع فيها إلا قشرة خالية من الماء.
ما له لا يفعل شيئاً من هذا؟ إنه ينزع ثوبه فيلقيه عليها يحفظها من برودة الليل، فيبدو من ورائه شبابه وجماله وثيابه الغالية، ثم يأخذها برفق ويجلسها على ركبتيه، وينطلق يسائلها عن أصلها ومنبتها، ويلقي في أذنيها من أحاديث الحب ما لم تسمع مثله من قبل، فيحيي في نفسها الطهر والفضيلة، ويغسلها من أدران هذه الحياة الداعرة فتحس كأن جناحيها اللذين حطمتهما يد الأيام قد نبتا من جديد، وتحس بأن هذا السيد الذي هبط عليها هذه الليلة هبوط ملك الرحمة يطير بها في آفاق طال عهدها بفراقها، آفاق واسعة كلها نور وعطر. وتذوق المرة الأولى لذة العاطفة التي تمتزج بها النفسان وتتحدان، وتعرف حرارة الصدر المحب وحلاوة العناق اللذ (١).
стр. 65
ولما خرجت تشيعه كان الليل قد تصرّم وبدت طلائع الفجر من وراء الصخور، تغسل الأرض بالنور بعد أن خلعت عنها رداء الظلام. فوقفت الفتاة تنظر إليه وقد أحست بأن هذا الحب قد نقّاها من رجسها، وأن الفجر قد سطع على قلبها فبدد ظلماته. وتنبهت في نفسها ذكريات ماض بعيد حسبته قد مات منذ زمن طويل فإذا هو حي قد أكسبه الحب يقظة وقوة، وطفقت صور هذا الماضي تتدفق على نفس الفتاة فتبصر صباها الطاهر كثلج الصباح وحياتها في تلك الخمائل البعيدة من وطنها النائي كفراشة تطير خلال الورد ... ولكنها لا تتبين هذه الصور ولا ترى منها إلا خيالات ضعيفة. لقد مشت عليها السنون فمحتها بأقدامها ... ثم تفكر في حياتها الحاضرة التي تخوض حمأتها الدنسة، وتعرض لها صور هذه الأجساد البشعة القذرة التي مست جسدها وعانقته وقبست منه لذتها، فيعروها ارتجاف شديد، وتواري وجهها بكفيها حياءً وخجلاً ... ثم تذكر هذا الحب الذي مس قلبها بكهربائه فأضاءه وزكّاه، فتعتزم التوبة لتصل ماضيها البعيد بمستقبلها الذي طهره هذا الحب الوليد.
* * *
وبزغت الشمس ولم يغمض للفتاة جفن، فدخلت منزلها تستريح، وإذا هي برجل يدخل عليها يبتغي أن تمنحه اللذة. فتتأمل في وجهه فإذا هو بكر الثقفي، أشد شباب الطائف وأقواهم. فيرعبها مشهده، ويروعها كأنما هي عذراء لم تفارق خدر أمها، فتبتعد عنه مضطربة، فيعجبه ذلك منها ويظن أنها تداعبه، فيبالغ في الاقتراب منها ويأخذ بيدها، فتحس لملمسه كأن حية سوداء قد
стр. 66
التفَّتْ على عنقها، فيقشعر جسمها كله ويقف شعر رأسها وتصرخ به: ابتعد عني! فيضحك الرجل ويكركر من الضحك، ويشد على يدها ليجذبها إليه، فتعود إلى صراخها.
- ما للغزال نافراً هذا اليوم؟ تعالي!
- قلت لك دعني، دعني؛ لست لك.
فيصيح بها ساخراً: لمن أنت إذن أيتها العذراء البَتول؟ ألزوجك؟
ويوغل في الضحك ويضمها إليه، فتلطم وجهه وتوغل في الصراخ، فيغضب الرجل ويقسو عليها.
- ألم تقل لك إنها لا تريدك؟
صوت هادئ متزن جعل بكراً يرسل الفتاة ويلتفت إليه، فيرى سيداً كامل الشباب موفور الرجولة، بثياب غالية تشعر بالسيادة والغنى. وتطمئنّ الفتاة وترى فيه حبيبها ومنقذها، ثم يخالطها الخوف عليه لأنها تعلم أي رجل هو بكر، ذلك الذي لا يقوم له شاب في هذا البلد ولا كهل، وتنتظر نهاية هذا العراك وقد أعدت نفسها للدفاع عن حبيبها.
ويصيح به بكر مغضباً: من أنت أيها الرجل الذي يتجرأ على بكر الثقفي؟
ويرفع يده عليه، ولكن الرجل يغض من يده ويقول له هادئاً: أتحب أن تعرف من أنا؟ اقترب لأخبرك.
стр. 67
ويلقي في أذنه ذلك الاسم الكبير، فتسقط يد بكر على جنبه، ويعتذر لهذا السيد، ثم يخرج يائساً يفتش خلال البيوت عن بنت أخرى تبيعه اللذة. ويأخذ هذا السيد بيد الفتاة إلى دارها التي أعدها لها.
وانعقد الرباط بين قلبيهما الحبيبين، فأصبحت هي حياته لا يعرف الحياة إلا ساعة يكون معها، واختُصرت دنياه كلها فكانت نظرة واحدة في عينها، وملأت نفسه هذه الفتاة التي ظهرت له فجأة كما تظهر الشمس من وراء الجبل فتملأ الوادي نوراً وحياة.
لقد نسي هذا السيد المجد الذي ينتظره في مكة، والمعركة الكبرى التي ترقب فيه قائدها ومديرها.
ذلك هو الحب، أقوى كائن وأعظم مخلوق.
يستطيع الحب أن يمحو من النفس صورة المجد والجاه، والفضيلة والرذيلة، والطموح والحسد، ولكن لا يمحوه شيء. الحب أحجية الوجود. ليس في الناس من لم يعرف الحب، وليس فيهم من عرف ما هو الحب. الحب مشكلة العقل التي لا تحل، ولكنه حقيقة القلب الكبرى.
الحب أضعف مخلوق وأقواه، يختبئ في النظرة الخاطفة من العين الفاتنة، وفي الرجفة الخفيفة من الأغنية الشجية، وفي البسمة المومضة من الثغر الجميل ... ثم يظهر للوجود عظيماً جباراً فيبني الحياة ويهدمها، ويقيم العروش ويثلّها، ويفعل في الدنيا الأفاعيل.
* * *
стр. 68
كانا يلتقيان دائماً فيتحدثان عن ماضيهما وحاضرهما، ويكشف لها من أسرار قلبه مثلما تكشف له من أسرار قلبها، فكان هذا التكاشف طريق الوحدة والفناء في الحب؛ حتى إذا لم يبق لأحدهما سر يكتمه عن الآخر، لم يبق له «أنا» ينفرد بها عنه.
لقد طهرها حبه، وصهر ماضيها الملوث فأحاله بنار الهوى جوهراً خالصاً، ورفعها من الحضيض الضيق الذي كانت تتقلب في ظلماته إلى سماء عالية رحيبة. وليس كالحب (إذا لم يكن في حرام) مطهراً للنفوس، ومصلحاً للأمم، وحافزاً إلى الفضيلة.
لولا الحب ما أشرقت الشمس وغمرت الأرض بنور ربها ولا منحتها الدفء والحياة. ولولا الحب ما التفّ الغصن على الغصن في الغابة النائية، ولا عطفت الظبية على الطلا في الكِناس (١) البعيد، ولا حنا الجبل على الجبل في الوادي المتعزل، ولا أمد الينبوع الجدول الساعي نحو البحر. ولولا الحب ما بكى الغمام لجدب الأرض، ولا ضحكت الأرض بزهر الربيع، ولا كانت الحياة.
كانا يخرجان كل غداة حين تبسم الشمس بسمتها الأولى، فيجلسان على هذه الصخرة المنفردة المطلّة على البساتين القريبة والقفار البعيدة، فيشاركان العصافير غناءها، والورد ضحكه، والنسيم همسه، والنور طهره وصفاءه. فيتحدثان ويتناغيان كحمامتين ضمهما وكر، وهما ينظران إلى الرعاة يسوقون أغنامهم
стр. 69
نحو السفوح العاشبة، يغنون أغانيهم الساحرة أو ينفخون في الناي تلك النغمة الفاتنة التي يتوارثها الرعاة جيلاً عن جيل فلا يفقدها التكرار حلاوتها ولا جمالها. فإذا انبسطت الشمس وتصرمت الظلال أويا إلى الدار فعاشا روحاً واحدة في جسمين ... ثم إذا وقفت الشمس للوداع خرجا مرة أخرى إلى الصخرة يودعان الشمس، فينظر كل منهما بأربع عيون، ويلقي هامساً في أذنيها أغاريد الحب، فتسمعها بروحها وتجيب عنها بعينيها، حتى تغيب الشمس ويلقي الليل ذوائبه السود على الدنيا، فيعودان.
الحب ربيع الحياة المزهر، ولكن الربيع ينتهي ويأتي الصيف بحرارته، والخريف بشحوبه، والشتاء بزمهريره، ولا بد أن ينتهي الربيع. أيام الحب كأس مترعة بالشراب، ولكن الكأس تفرغ ويحس الإنسان بالظمأ، ولا بد أن تفرغ الكأس.
عاشا في ليالي الحب ما عاش الصيف، فلما بدت طلائع الخريف وغمرت الطائف وصخورها علا صوت الواجب من بطن مكة يدعو هذا السيد، ولم يبق بد من الفراق. إن الحرب تدور هناك وراء هذه السفوح البعيدة، يخوض قومه لظاها، أفيبقى في نجوة من لظى الحرب وهو السيد الشريف والفارس المعلم؟ أيتقلب قومه في غمار المعركة المشتعلة ويتقلب هو في أحضان امرأة يقطف من عينيها السحر ويذوق من فمها الخمر؟ لو أن رجلاً من قريش لم يكن في العير ولا في النفير رضي بهذا الفرار لكان له سبّة الدهر، فكيف بسيد العير وصاحب النفير؟ لم يبق بدٌّ من الفراق، فليمزق قلبه شطرين، فيضع شطراً في هذه الأعالي المخضرّة الساحرة يحلم بالحب ويتجرع الذكريات، ويذهب بالشطر الثاني
стр. 70
إلى ميدان المعركة ليألم في سبيل المجد، وليحمل جرحه الدامي ليأسو جرح بلده، ليضحِّ بالحب في سبيل الواجب (أو ما كان يراه بجاهليته وشركه واجباً).
وتهيأ للوداع.
وعادا يزوران مرابع الهوى ومجالس الحب فيُودعها ذكرياته وقلبه؛ لم يدع بقعة بين صخور «الشفا» المطلة على تهامة ومن وراء تهامة البحر، ومشارف «الهدا» التي تشرف على سفوح غزوان ومن ورائها وادي الأراك وعرفات ومكة إلا زارها، فقعد على صخرة «الهدا» وأخذ فتاته بين ذراعيه، يضمها ويخفي وجهه خلال ثيابها، ويشم عبقها كأنما يريد أن يتزود منها لأيام الفراق. وأُخذت هي بنشوة الحب فجعلت تشد بيدها عليه وتعبث بشعره، وتريح رأسها على رأسه، وتتمنى لو أن هذا الحب يصنع المعجزة التي ينتظرها المحبون أبداً ... أن يمحو هذه «الأنا» و «الأنت» ويجعل العاشقين شخصاً واحداً كما جعلهما روحاً واحدة. فلما أبطأت المعجزة وأيست منها جعلت ترى - وهي بين ذراعيه - كأن بينهما بعد المشرقين.
وكان عند أقدامهما بستان جميل، قد خالطت خضرته حمرة الشقائق الفاتنة، فرأته يحدّق فيه وفي عينيه دمعة، فراعها ما ترى ...
وانطلقت تسائله، فقال لها: اسمعي يا فتاتي.
قالت: أنا سامعة.
قال: أريد أن تغفري لي.
стр. 71
قالت: وممَّ تستغفرني أيها الحبيب؟
قال: لقد كان حبي وبالاً عليك. لقد كانت حياتك ساجية كليل الطائف، فملأها حبي زمهريراً وبرقاً ورعداً. لقد كانت مثل اللجّة الهادئة، فهاجت فيها الأمواج. لقد أورثتك الألم، والألم حصاد الحبّ، فهل تغفرين لي؟
قالت: أي ألم يا حبيب؟ أنا سعيدة، سعيدة جداً.
قال: ولكن الواجب يدعوني إلى الذهاب. بودي ألاّ أذهب وأن أبقى معك أبداً، ولكن ماذا يصنع الإنسان - يا حبيبتي - إذا حكم القدر؟ أتحبين أن يقال إني فررت من المعركة؟
قالت: وأنا؟
قال: سأعود إليك، أحلف لك أني سأعود.
قالت: وهذا الذي في أحشائي؟
قال: ماذا، ماذا تقولين؟! أأنت حامل؟
قالت: نعم.
قال: آه ... ابني. واستطاره الفرح فأقبل يضع قبلاته من وجهها وعنقها حيث تبلغ شفتاه. قال: ليتني أبقى حتى أراه؛ ليتني أبقى. هذا ابن الحب.
قالت: ابقَ، ابقَ، أتوسل إليك، ماذا تخشى؟
قال: أخشى العار؛ إنها سبّة الدهر، فدعيني أذهب. سأعود
стр. 72
إليك، أفتنسينني إذا أنا ذهبت؟ أتلقين بنفسك في أحضان غيري؟ لا، لا؛ إنك لن تنسي، إنك ستقومين على تربية ابننا، ستنشئينه على العظمة والمجد ليكون رجلاً يحمل قسطه من إرث أبيه. وإذا سألك عن أبيه فلا تخبريه من هو أبوه. دعيه ينشأ مستقلاً كالزهرة المنبثقة من صخر الجبل، ويعيش حراً كالطائر الذي يغرد على كل غصن. لا تخبريه من هو أبوه، بل أعديه لفهم هذه الحقيقة، حتى إذا صار أهلاً لفهمها، وغدا كفواً لحمل هذا الاسم كنت أنا الذي يخلعه عليه، وإن لم أكن حياً فسأدع له من يخلع عليه اسمي.
* * *
ووقفت الفتاة تنظر إليه وهو ينحدر في هذا الطريق الضيق، الذي يختفي حيناً وراء الصخر ثم يظهر ويوالي سيره نحو الرمال، حتى غاب عن ناظريها، فتلفتت تلقاء البلد فإذا هي تنكره، وإذا هي لا تعرف من هذه الدنيا شيئاً بعد أن غابت عنها دنيا الحب. فخفق قلبها واضطرب، وجعلت تنادي حبيبها وتلح في النداء، وتشير إليه وقد غاب عن ناظريها وراء الأفق البعيد. فلما لم تجد مُجيباً تيقنت أنها لن تلقاه أبداً، فخرّت على وجهها باكية منتحبة.
ولم يبقَ لها من الحياة إلا ذكريات هذا الحب الذي وُلد شاباً قوياً ولكنه مات طفلاً صغيراً، وهذا المال الذي أبقاه لها الحبيب تنفق منه على نفسها وولدها. فكانت تتألم وحيدة كشمعة تشتعل في البهو الخالي، وتقهر نفسَها الأحزانُ فلا تجد من تبثه أحزانها. لم يكن لها إلا الحب، فكانت تعانق طيف حبها في الليل وتسايره في الطريق، وتناجيه في الصباح وتناغيه في المساء، وتصحبه إلى
стр. 73
هذه الأماكن التي عرفت فيها السعادة، ولكنها لا تجد في كل ذلك إلا الألم. إن كلّ ما ترى يذكّرها بالحبيب فيزيدها لوعة، ومتع ليالي السعادة تستحيل إلى آلام.
فيا ليت الإنسان لا يذكر، إذن لما تألم! إن ذكرى اللذة مؤلمة، وذكرى الألم لا تسر .. أوَليس من أكبر النعم على الإنسان أن ينسى! لولا النسيان كانت الحياة لا تطاق.
لقد قوي حبها واشتد، ولكنه استحال من طفل يرقص في شعاع الشمس يلهو بالألاعيب إلى شيخ يائس يتأمل في الظلام. لقد نزع ثوب الفرح الزاهي ولبس ثوب الكآبة القاتم. لقد انحصرت حياتها في أمر واحد هو التفكير في الحبيب الذي أكسبه طول الفكر صورة سحرية بارعة لا يملكها بشر، فكانت تقيس مَن ترى من الرجال بهذه الصورة التي استقرت في خيالها فلا يعجبها رجل ولا تحفله، بل لو أنها نظرت إلى صاحب هذه الصورة بشكله الحقيقي لما أعجبها!
أرادت أن تُغرق غرامها في لجة العبادة، فكانت تؤم معبد قومها في الصباح الباكر فلا تجد في هذه الآلهة المصنوعة من الحجر ما يثير في نفسها الورع والخشوع، وتتمثل لها مطرقة النحّات الذي صنع هذه الآلهة ... فتعاف عبادتها ولا يروقها منها ما كان يروقها.
ما أشقى المحبين! يمشون كما يمشي الناس، ويأكلون كما يأكلون، ولكنهم يعيشون في دنيا لا يعرفها الناس ولا يصلون إليها. تضيق الدنيا بالمحب إذا جفاه محبوبه حتى ليكاد يختنق فيها على
стр. 74
سعتها، ويجد في العش الضيق الذي يلجأ إليه مع محبوبه دنيا واسعة. ويتألم المحب في اللذائذ إذا لم يذقها معه من يحب، والطبيعة الجميلة سواد في عين المحب قاتم إذا لم تُنِرْها مقلتا المحبوب.
كان عمل الفتاة أن تطوف كل يوم بهذه المنازل التي وُلد فيها حبها ونما، تتفكر وتتذكر وتقبل الأحجار والأشجار، وتسير مع الوهم أحياناً فتظن بأن الحبيب حاضر معها فتهم بعناقه وبثه شكواها، ثم تجدها وحيدة فيَجِبُ (١) قلبها وتشتد خفقاته، وتسقط على وجهها فتبكي وتذوب وحيدة لا يدري بها إلا الله. وكانت تأمل أن يعود فتنظره على الطريق وترقب الدقائق، فإذا تصرّم النهار ولم تره عادت إلى منزلها آيسة محزونة.
وانتفخ بطنها من الحمل، فباتت تحمل أثقال الحب في بطنها وقلبها. وعزفت عن الطعام والمنام، فرقّ جلدها وتهافت جسدها، فلم يعد في طوقها أن تطوف بمناسك حبها ومنازل هواها، فكانت تحيي الليل ساهرة مؤرقة، تناجي النجم وتسائل الليل عن حبيبها، وتخاطبه من وراء الصحراء كأنه معها:
"أين أنت أيها الحبيب؟ هل تنام الساعة آمناً مطمئناً، أم أنت بين ذراعي غيري، قد نسيتني ومحوت من نفسك ذكرى هذه البغي التي طهرتها بحبك ولكنها لوثت شرفك ومجدك بماضيها الدنس؟
стр. 75
لقد كان حبك لي نقياً كماء السماء، أنا الطائر الضعيف الذي حطم الدهر جناحيه فألِفَ حياة الأرض مع الحشرات والهوام، فجئت أنت من السماء لترفعه بجناحيك القويين إلى السماء، فرفعته حتى استطاع أن يحلق فيها، ولكن هذا التراب الذي ظلّ عالقاً به غبّر جناحك أيها الصقر، أفلا تعفو؟
قد قنعت بك من الحياة حتى ما أبالي إذا وجدتك ماذا خسرت، ولكن بماذا أقنع وقد خسرتك أنت؟ أتذكر ساعة جلسنا إلى الصخرة وحيدَين والطير ترتل صلاة المساء، والشمس نائمة على سرير الأفق صفراء كأنها مريضة كاد يختفي رأسها بين الوسائد، ونحن متعانقان، صدري إلى صدرك، وعيناي إلى عينيك، ثم نبهتني إلى مشهد الغروب فطفقنا ننظر إليه مشدوهين حتى غبنا في قرارة حلم ممتع من أحلام الحياة.
أتذكر؟ أتذكر مسرانا في هذه الغابة الصغيرة الملتفة وقد خلونا فيها وحدنا وتركنا الدنيا بضجتها وصخبها، نمشي وحيدين ليس معنا إلا الحب الذي يربط بين قلبينا، نتلفّت حولنا فلا نرى إلا جذوع الأشجار المتعانقة تتسلل من كل جهة حتى يضل البصر طريقه خلالها، وأغصانها متشابكة من فوقنا كأنها سقف مرفوع ... لم أكن أشعر بالوحدة لأنك معي، وهل كنت أبتغي من دنياي أكثر من ذلك؟ حسبي أنت من الدنيا. أتذكر ذلك؟
أتذكر تلك الشجرة المنعزلة الوحيدة التي كان لها في تاريخ حبي أجمل الآثار، أما أنا فساهرة أذكرها وأفكر فيها!
لماذا أذقتني لذة الحب؟ لقد كنت راضية بالحياة مطمئنة