← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 14298

أثر عمل المرأة في النفقة الزوجية

عبد السلام الشويعر

Полный текст (59 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية مركز التميز البحثي في فقه القضايا المعاصرة أثرُ عَملِ المرأة في النفقة الزوجية بحث محكم قدم لحلقة البحث التي أقامها مركز التميز البحثي في فقه القضايا المعاصرة بعنوان (نفقة الزوجة في ضوء متغيرات العصر) إعداد أ. د. عبد السلام بن محمد الشويعر أستاذ الفقه المقارن ١٤٣٣ هـ - ٢٠١١ م

стр. 2

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية مركز التميز البحثي في فقه القضايا المعاصرة أثرُ عَملِ المرأة في النفقة الزوجية بحث محكم قدم لحلقة البحث التي أقامها مركز التميز البحثي في فقه القضايا المعاصرة بعنوان (نفقة الزوجة في ضوء متغيرات العصر) إعداد أ. د. عبد السلام بن محمد الشويعر أستاذ الفقه المقارن ١٤٣٣ هـ - ٢٠١١ م

стр. 3

ح جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. ١٤٣٢ هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر الشويعر، عبد السلام بن محمد أثر عمل المرأة في النفقة الزوجية./ عبد السلام بن محمد الشويعر- الرياض، ١٤٣٢ هـ. ٦٤ص؛ ١٧ × ٢٤ سم، ردمك: ٥ - ٠٣٩ - ٥٠٠٥ - ٦٠٣ - ٩٧٨ ١ - المرأة العاملة ٢ - حقوق المرأة ٣ - النفقة (فقه إسلامي) أ. العنوان ديوي ٢٥٤.٣ ٩٥٥٦/ ١٤٣٢ رقم الإيداع: ٩٥٥٦/ ١٤٣٢ ردمك: ٥ - ٠٣٩ - ٥٠٠٥ - ٦٠٣ - ٩٧٨

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 5

الطبعة الأولى ١٤٣٢ هـ حقوق الطبع محفوظة

стр. 6

تقديم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد: فقد دأب مركز التميّز البحثي في فقه القضايا المعاصرة على عقْدِ حلَقات بحثية متخصصة في بعض الموضوعات المعاصرة, ومن تلك الحلقاتِ حلقةُ البحث التي عقدها المركز في ٨/ ٦ /١٤٣٢ هـ تحت عنوان "نفقة الزوجة في ضوء متغيرات العصر" وقد شارك فيها عدد من الأساتذة المتخصصين ببحوث تمت مناقشتها. وكان من بين البحوث القيّمة التي قُدّمت في الحلقة بحث "أثر عمل المرأة في النفقة الزوجية" للأستاذ الدكتور / عبد السلام بن محمد الشويعر, وقد حظي باهتمام الأساتذة الحاضرين, ودارت حوله كثير من المناقشات, وقام المركز بتحكيمه فجاءت تقارير المحكَّمين مؤيدة ومشجعة على نشره, وها هو نقدمه للقراء الكرام. آملين أن يجدوا فيه ما يكشف غموض المسائل التي تناولها ويجلّيها, وأن ينفع الله به, ويجزل المثوبة للباحث ولكل من سعى في نشره. والحمد لله أولًا وآخرًا , وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. لجنة البحوث والنشر

стр. 7

مقدمة الحمدُ لله, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ . أما بعد: فهذا بحث يتناول (أثر عمل المرأة في النفقة الزوجية). وهذه المسألة مِن المسائل الفقهية التي لم يتطرّق لها جُلّ فقهائنا المتقدمين, ويدلّ على ذلك تسميتها عند الفقهاء الذين تكلموا عنها -وهم مِن فقهاء القرن السابع الهجري- بـ (الواقعة) (١) أي النازلة التي حدث السؤال عنها, ممَّا يَدُلُّ على قلَّة تناولها في كتابات المتقدمين. ولعلَّ السَّبب في عدمِ تعرّضهم لهذه المسألة -مع كثرة اهتمام المعاصرين بها- هو اختلاف طبيعة العمل في الأزمنة المتقدِّمة, مقارنةً بالأزمنة المتأخرة, إضافةً لتغيّر المعايير الاجتماعية الحاكمة للعمل وطبيعته, والظروفِ الاقتصاديّة والتنظيمية التي اختلفت عن ذي قبل حتى غدا عمل المرأة حقًّا لها تكفلُهُ الأنظمة الحقوقيّة في العالَم, في حين كان العرفُ عند الأوائل أن عمل المرأةِ مِن باب التكليف والمشقّة عليها, ولذا فإنهم قرروا أنه لا يلزم الزوجة العمل إذا أمرها زوجُها; لأن هذا من باب التكسب لا مِن باب العشرة (٢).

стр. 8

وفي المقابل نجد أن المعاصرين الذين كتبوا في المائة سنة الأخيرة عن هذا الموضوع قد أطالوا في الحديث عنه (١) , وإن كان الغالبُ على مَن كتب في هذا الموضوع النقلَ عن المتقدّم وتكرارَ ما ذكرَه, حتى رأى بعضهم أن هذا الرأي المتكررَ في كتبهم إجماعٌ, وأن الخروج عليه إنما هو جائزٌ استثناءً مِن باب السياسة الشرعيّة (٢). وسأتناول هذا الموضوع من جانبٍ آخرَ مغايرٍ لجميع مَن كتب فيه, إذ سأتناول المسائل التي يُخرّج عليها الحُكم مما نصّ عليه الفقهاء, ومِن ثمّ مناقشةُ المناط الذي تُخرّج عليه المسألة. ثم أُتبع ذلك بالآراءِ في هذه المسألة, مع الترجيح بينها. ثم أختم بذكر الشروط التي تُستفاد من نصوص الفقهاء وأصولهم, مع التوسع في تحقيق مناط بعض الشروط بما يناسب الحال. وقد جعلت هذه الدراسة في ثلاثة مباحث, على النحو التالي: ١. المبحث الأول: علة إسقاط النفقة عند الفقهاء (ما تُخرّج عليه المسألة) وفيه مطلبان: ١. ١. نفقة المرأة الناشز. ١. ٢. تشطير النفقة بتبعّض النشوز. ٢. المبحث الثاني: آراءُ الفقهاء في إسقاط نفقة الزوجية بعمل المرأة ٣. المبحث الثالث: نطاق رأي الفقهاء في هذه المسألة

стр. 9

وفيه ثلاثة مطالب: ٣. ١. الشروط التي يلزم توفرها للحُكم بتشطير نفقة المرأة العاملة. ٣. ٢. مسقطات النفقة على المرأة العاملة بالكُلية. ٣. ٣. الأسباب التي تُوجب النفقة كاملةً للمرأة العاملة. أسأل الله أن يخلص لنا النيّة, ويرشدنا للصواب, وأن ينفع بهذا العمل كاتبه وقارئه ..

стр. 10

المبحث الأول علة إسقاط النفقة عند الفقهاء تمهيد: الأصلُ عند الفقهاء أن علّة وجوب النفقة الزوجيّة هو المقابلة بينَ ما تبذله المرأةُ مما وَجَبَ عَليها مِن آثار عقد النكاح (١) , وبين ما يجب على الرّجلِ مِن الحقوق الزوجيّة, والأصل في ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢). فكما يجب على الزوج حقوقٌ -أحدها النفقة-, فإن المرأة تجبُ عليها حقوقٌ كذلك. بخلاف النفقة على الأبناءِ والقرابات فإنها تجب بناءً على الصّفة فلذا فإنها لا تنقطع إلا بالكفاية, بخلاف النفقة الزوجيّة فإنها تنقطع بعدد من الموانع. فإذا أخلّ أحدُ الزوجين بمَا عليه مِن التزامٍ بالعقد مِن غير عذرٍ جاز للآخر الامتناع مِن أداء ما وجب عليه في مقابله, وهذا مطّردٌ في سائر الحقوق الزوجيّة المتنوعة. ولذا تطرق الفقهاء لمسألة مَا يُقابل النفقةَ الواجبةَ على الزوج, مِن الحق الواجب على الزوجة; لإظهار المقابلة بينهما فإذا أخلّ أحد الزوجين بحقّ صاحبه

стр. 11

عليه جاز للآخر منعه مِن الحق الذي يُقابله. * موجِب النفقة عند الفقهاء: موجِب النفقة هو ما يَلزَم عندَ تحققِه إيجابُ النفقة على الزوج. فإذا انتفى الموجبُ كان ذلك علّةَ إسقاط النفقة. وللفقهاء مسلكان في بيان موجِب النفقة: ١: فمِنهم مَن يَرَى أن النفقةَ واجبةٌ بالعَقد فقط, وأنها ليست في مقابل منفعةٍ تبذلُها المرأة. وهو قولٌ عند الحنفيّة (١) , وأحد قولي الشافعية (٢) , وقولٌ عند المالكية (٣)، وإحدى الروايتين عن أحمد (٤) , ورأي الظاهرية (٥). وعلّة ذلك عندَهم أن العقد سببُ الوجوب فيرتب الحُكمُ عليه, وما زاد على ذلك إنما هو أثرٌ مِن آثار العقد ولا يلزم من تخلفه سقوطُ باقي الآثار ومنها النفقة. ٢: ومِن الفقهاء مَن يَرَى أن النفقة واجبةٌ للمرأة في مُقابل أمرٍ زائدٍ على العقد - وهذا هو رأي جمهور الفقهاء (٦) -, إذ العقدُ وحدَه لا يُوجِبُ النَّفقَةَ, بل هو مُوجبٌ للمهر.

стр. 12

فلا بُدّ مِن أثرٍ مِن آثار العقد يكون في مقابل أثر النفقة. واختُلف في تحديد هذا الأمر: أ/ فقيل: إن النفقة في مُقابل الاحتباس فقط, وهو قول الحنفيّة (١). ب/ وقيل: إنها في مقابل التمكين (٢). وهو قولٌ عند المالكية (٣) , ومذهب الشافعية (٤). ج/ وقيل: بل بمجموع الأمرين; التمكين والاحتباس معًا. وهو قول عند المالكية (٥) , ومذهب الحنابلة (٦) ويُعبّرون عنه بـ (التمكين التام) , وهذا القول هو الأقرب -والله أعلم-. وبناءً على ذلك فإن الإخلال بهذا الموجِب يُعدُّ مُسقِطًا للنفقة, ويُسمّى

стр. 13

"نشُوزًا"، فإذا نشزت المرأةُ بتركها التمكين أو الاحتباس سقطت نفقتها. وهذا التقريرٌ واضحٌ تفريعًا على الرأي الثاني. وأمّا أصحابُ القول الأول (وهم القائلون بأن موجِب النفقة هو العقد) فإنّ منهم مَن يَرَى أن النشوز لا يكون مُسقِطًا للنفقة -وهم الظاهرية-; لتحقق الموجِب (١). وأمّا مَن عدا الظاهرية فيرون أن العقد موجِبٌ للنفقة, وأن النشوز مُسقِط لها (٢). أو يقولون: إن وجوب النفقةِ مشروطٌ بعدم النشوز (٣). وعلى ذلك فإنهم يوافقون أصحاب الرأي الثاني في كون النشوزِ علّةَ إسقاط النفقة, ويَرون أن إخلال المرأة بهذا الأمر (وهو التمكين, أو الاحتباس) وتقصيرَها في أدائِه يُعدُّ نشوزًا (٤). وَبذا يَتبيّن أن علّة إسقاط النفقة عند الفقهاء هي (النشوز) وهذا معنى قولِهم: إن نفقة المرأة لا تسقط عن زوجها بشيءٍ غير النشوز (٥).

стр. 14

* علاقة عمل المرأة بمسألة النشوز: نشوز المرأة وكونه مسقطًا للنفقة هي المسألة التي يُخرّج عليها عمل المرأة. إذ لا يُسقط النفقة شيءٌ غير النشوز (١). والفقهاء عند تعديدهم لصور النشوز التي تُسقط النفقة نصُّوا على أن مِن صورِه: انتقال (٢) المرأة مِن منزل الزوج, أو سفرها بدون إذنه أو بدون حاجة (٣). فنزّلوا على هذا التصرّف أحكام النشوز, ومنه سقوط النفقة. ومن نصوصهم في ذلك: - قال الحدادي (ت ٨٠٠ هـ) من الحنفية: (النشوز: خروجها من بيته بغير إذنه بغير حق) (٤). - وقال ابن الحاجب (ت ٦٤٦ هـ) من المالكيّة: (تسقط النفقة بالنشوز وهو منع الوطء أو الاستمتاع والخروج بغير إذنه) (٥). - وقال الغزالي (ت ٥٠٥ هـ) من الشافعية: (لو خرجت بغير إذنه فهي ناشزة ولو

стр. 15

خرجت في حاجته بإذنه فلا) (١). - وقال الحجّاوي (ت ٩٦٨ هـ) من الحنابلة: (مَن امتنعت من فراشه أو الانتقال معه إلى مسكن مثلها أو خرجت أو سافرت أو انتقلت من منزله بغير إذنه .. فهي ناشز) (٢). ومن الفقهاء مَن تلطّف في اللفظ وعبّر بأن هذا الفعل شَبيهٌ بالنشوز (٣). والمؤدّى واحد. وعندما نبحث في نفقة المرأة العاملة نجدُ أن المناطَ الفقهيَّ لهذه المسألة إنما هو في خروجها من بيت الزوجيّة بدون إذن -باتفاقٍ-, وليس المناط هو في ذات العمل أو طبيعته. وعلى ذلك فإن المرأة العاملة تكون قد أخلّت بالتزام عقد الزوجيّة وهو (التمكين التام). فيكون خروجُها مِن بيتها مِن غير إذن زوجها ملحقًا بالصور التي ذكرها الفقهاء للنشوز; كما سبق. وقبل التطرق لمسألة (أثر عمل المرأة على النفقة الزوجية) , فإنه لا بُدّ من التعرض لمسألتين فقهيتين مهمتين تُبنى عليهما هذه المسألة, وهما: المسألة الأولى: نفقة النَّاشِز. والمسألة الثانية: تبعيض النشوز. والتنزيل على هَاتين المسألتين متوالٍ, إذ لا يتصوّر التخريج على المسألة الثانية إلا عندَ أخذ أحد الرأيين في الأولى; كما سيظهر.

стр. 16

وبمعرفة الخلاف في هاتين المسألتين يمكننا معرفةَ الآراء الفقهيّة المنصوصِ عليها والمخرّجة في مسألة نفقة المرأة العاملة, والتي سأذكرها في المطلبين التاليين إن شاءَ اللهُ تعالى.

стр. 17

١. ١. نفقة المرأة الناشز (النشوز) هو: (معصية المرأة زوجَها فيما يجب له عليها من حقوق النكاح) (١). وهذا الحدُّ يَشمَلُ سائر أسباب النشوز وصورِه. وقد توسّع الفقهاء في ذكر هذه الصور في موضعها من كتب الفقه. * الاختلاف الفقهي في المسألة: اختلف الفقهاء في لزوم نفقة المرأة حالَ نشوزها وامتناعها مِن أداء الحقِّ الواجب عليها بالنكاح على قولين: القول الأول: أن المرأة إذا نشزت فإنه لا نفقةَ لها, وهو قولُ جمهور الفقهاء (٢). وحُكِي إجماعًا (٣) وفيه نظر ظاهرٌ بالقول الثاني. القول الثاني: أن النشوز لا يُسقط النفقة, بل تجب لها النفقة, وبه قال بعضُ

стр. 18

الفقهاء; كالحَكم بن عُتيبة (ت ١١٥ هـ) (١) , وابنِ حزم (ت ٤٥٦ هـ) (٢) , وهو قولٌ عند المالكية (٣). وقد يُبنَى الخلاف في هذه المسألة على مسألة النفقةِ هل تجبُ بالعقدِ, أم بالتمكين -كما سبق-. ولعلّ قولَ الجمهور هو الأقربُ بناءً على أن النفقةَ لا تجب دُفعةً واحدةً, وإنما تجب كُلّ يومٍ على حِدَةٍ بلا خلاف (٤) , مما يدلّ على أنها متعلقةٌ بكلٍ يومٍ على استقلاله فيما يُقابله مِن التمكين ونحوه (٥). وقول الجمهور هذا هو ما سَنسير عليه في هذا البحث وسيكون عليه التفريع.

стр. 19

١. ٢. تشطير النفقة بتبعّض النشوز (التبعيض) هو التفريق والتجزئة (١). والمراد بـ (تبعيض النشوز): أي أن لا يتحقق مِن الزوجة التمكين التام في كُلّ الأوقات, بل يحصل التمكين التام بعض اليوم, وتفوّته في باقيه. وقيدنا ذلك باليوم الواحد; لأن النفقة الزوجيّة متعلقة بكُل يومٍ على استقلال -كما سبق-. ويتصوّر تبعّض النشوز فيما إذا كانت المرأةُ تخرج نهارًا بدون إذنِ زوجها, وتأوي إلى بيت الزوجيّةِ ليلًا. فيَظهر لنا هنا أنه قد تبعّض النشوزُ -بخروجها دون إذن- بعضَ اليوم, لا كُلّه. وأمّا (التشطير): فهو تنصيف الشيء إلى نصفين (٢). والمراد بـ (تشطير النفقة): أن يُنقص مِن مقدار النفقةِ الواجبةِ على الزوج بسببِ تبعّض التمكين التام (٣). ويكون تشطير النفقة باستحقاق المرأة لبعض نفقتها دون باقيه, وذلك بناءً على التقدير العُرفي للنفقة, ثُمّ يُشطّر بعد ذلك. ومَن يذهب لتشطير النفقة لهم رأيان: أحدهما: أن تشطير النفقة يكون بالأزمان, وعلى ذلك يُحسب عدد الساعات التي لم يحصل فيها التمكين التام, ويُنظر

стр. 20

بالنسبةِ والتناسب مع مجموع ساعات اليوم. والثاني: -وهو الأصح- أن المرأة تستحقُّ نصف نفقتها في جميع الصور, ولا تُعطى بقدر الأزمنة, لعسر التقدير بالأزمنة (١). كما أنه لا بُدّ مِن تقييد التشطير بمَا يقبلُهُ من النفقات; فالسُّكنى غالبًا لا تقبل التشطير, بخلاف ما تُعطَاه المرأة مَالًا فإنه يَقبل التشطير, فلو كانت نفقةُ المرأة ألفًا, فتشطيرها أن تعطى نصفَها; خمسمائة, وهكذا. * الخلاف في المسألة: هذه المسألة مبنيةٌ على الخلاف في المسألة الأولى, إذ إنما تتفرّعُ على قول الجمهور بسقوط نفقةِ الناشز. وقد اختلف الفقهاء في تشطير نفقة المرأة عند تبعّض نشوزها على رأيين: القول الأول: أن نفقتها تسقط بالكُليّة, ولا تتشطّر. وهو قول الحنفية (٢)، والشافعية (٣) , ورواية عند الحنابلة (٤). وهذا مبنيٌّ على أن موجب النفقة إنما هو التمكين الكامل, فلا يتحقق التمكين إلا كاملًا, وإذا تبعّض التمكين فإنه يكون ناقصًا, فلا تجب به النفقة. القول الثاني: أن نفقتها لا تسقط, وإنما تُشطّر النفقة. وهو الصَّحيح مِن مَذهبِ الحَنابلَة (٥) , ووجه منقولٌ عن بعض الشافعية (١).

стр. 21

وهذا القول مبنيٌّ على أن التمكينَ يُتصوّر تبعّضُه في الصورة التي سبق ذكرها, فإذا كان يمكن تصور تبعّضُه فإن مَا يجبُ مُقابلَه -وهو النفقة- يَتبعض أيضًا (١). ولعلّ القول الثاني أقرب دليلًا, وتعليلًا; لأن المرأة لم تمتنع بالكُلية من زوجِها وإن فوّتت عليه بعض حقّه بالخروج نهارًا; ولا شكّ أن في هذا الرأي إعمالًا للمقصد الشرعي من النفقة وهو إثبات القوامة للرّجل إذ تكون يدُهُ هي العليا المنفقة فتكون له القوامة على أهله ولو قُمنَ بالعَمل أو كنّ غنيّات; كما قال جلّ وعلا: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (٢) , فبيّن أن مِن أظهر صورِ القوامة الإنفاق على الزوجة. والمرأة إذا كانت لم تمتنع من زوجها بالكُليّة, وإنما خرجت بعض اليوم فإن حالهما يكون داخلًا في عموم قولِ الله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ (٣) , فالزوج قد استمتع بامرأته فلزم عليه أن يؤتيها ما شُرع لها مِن الصداق والنفقة والمتعة وغير ذلك.

стр. 22

المبحث الثاني آراء الفقهاء في إسقاط النفقة الزوجية بعمل المرأة محلُّ بحث هذه المسألة إذا كانت المرأة قد خرجت للعمل بغير إذن زوجها (سواءً كانت أجيرةً في هذا العمل, أو مالكةً له فلا فرق) , وأمّا إذا كان خروجها بإذن زوجها, أو إذا تخلّف أحد المناطات الآتية في المبحث التالي فإن الحُكم فيها يختلف; وسأتطرق له في مكانه -إن شاء الله-. والحقيقة أن تناولَ الفقهاء ﵏ لهذه المسألة كان تناولًا عزيزًا, والنقولات عنهم فيه قليلة; حتى نصّ بعضهم على تسميتها بـ (الواقعة في الزمان) بمعنى أنه لم يتناولها أحدٌ ممن سبق هذا المفتي فيها (١). وهذا في مقابل توسع المعاصرين في تناول هذه المسألة, وحرصهم على بحثها عند الحديث عن النفقات -وإن كان غالبُه للأسف مكررًا-. وسأحرص على أن تكون الأقوال التي أذكرها إمّا مِن منصوص فقهائنا المتقدمين, أو مفهومةً منها (إيماءً) , أو مخرّجةً عليها, مع بيان بعض مَن وافق هذه الآراء من المعاصرين. ويحسن التنبيه هنا إلى أن بعض المعاصرين قد أشار إلى أنّ الفقهاءَ متفقون على أن الزوجة المحترِفَة (العاملة) لا نفقةَ لها إذا لم يرضَ الزوج باحترافها وعملها, وطَلَبَ منها عدمَ العمل ولم تمتثل له (٢).

стр. 23

وهذا الاتفاقَ الذي نقلَهَ هو في الحقيقة في غير محلّه; لأنه بالنظر للنصوص الفقهيّة التي أشار لهَا الباحثُ الكريم وغيره نجد أنها نوعان من النصوص (١). أحدهما: نصوصٌ منقولةٌ عن بعض فقهاء الحنفيّة في إسقاط نفقة المرأة المحترفة. وهذه لا غُبار عليها; لأنها اجتهادٌ منهم, وهو أحدُ الأقوال في المسألة. والنوع الثاني من النقول: عن المذاهب الفقهيَّةِ الأخرى بسقوط النفقة عن المرأة الناشز, أو المرأة المسافرة. وهذه النقول لا تدلّ على مسألتنا; لأنها ليست صريحةً فيها, ولأن المناط مختلف كما سَبَقَ; لأن هذه المسألة لا تتعلّق بصورة سفر المرأة وإنما بالخروج النهاري للعمل فقط. * الخلاف في المسألة: يَظهَر مِن تتبعِ كلام أهلِ العلم -قديمًا وحديثًا- أن في مسألة نفقة المرأة العاملة بدون إذن زوجها ثلاثةَ آراء فقهيّة (٢) مبنيّة على الخلاف المذكور في المبحث الأول, وهي على النحو التالي: القول الأول: أن نفقة المرأة العاملة تسقطُ حالَ عَمَلِها بدون إذن زوجها بشروطٍ ستأتي (٣). وهذا قولُ عددٍ من فقهاء الحنفيّة. وأهم نصين لهم في ذلك:

стр. 24

١/ قال في (المجتبى) (١): (وبه عُرف جوابُ واقعةٍ في زماننا أنه لو تزوج من المُحترِفَات التي تكون بالنهار في مصالحها وبالليل عندَه فلا نفقة لها). ونقله عنه جماعةٌ من فقهاء الحنفية واقتصروا عليه (٢). ٢/ وقال محمد قدري بَاشَا (ت ١٣٠٦ هـ): (الزوجة المحترفة التي تكون خارج البيت نهارًا وعند الزوج ليلًا إذا منعها من الخروج وعصته وخرجت فلا نفقة لها ما دامت خارجةً (٣)) (٤). وهذا الرأي مبنيٌّ على أنّ الناشز تسقط نفقتُها, وأن خروج المرأة مِن بيتها لحِرفتها وعملها بدون إذن الزوج يُعدّ نشوزًا, ويمنع من الاحتباس, والعلّة عند فقهاء الحنفيّة هي الاحتباس. كما أنّ هذا الرأي قد يُخرّج على قول الشافعيّة; لأنهم لا يَرَون تشطير النفقة بتبعّض الخروج بدون إذن.

стр. 25

ولكن لا بُدّ من الانتباه إلى أنّ هذا القولَ لا يُسقِطُ نفقةَ المرأةِ عن زوجها بالكُليّة, وإنما يُسقطه في الأيام التي تخرُجُ فيها للعمل, فأيامُ الإجازات ونحوها يَلزم الرجلَ النفقةُ على المرأة فيها; لأن النفقةَ مُقدّرة باليوم, ولكل يومٍ حكمٌ يخصّه (١). القول الثاني: أن النفقة الزوجيّة لا تَسقطُ مُطلقًا بعمل المرأة واحترافِها, ولو بدون إذن الزّوج. وهذا الرأي مخرّج على قولِ مَن يرى أن النشوز لا يُسقط النفقة الزوجيّة; وهو قول الحكم بن عُتيبة (ت ١١٥ هـ) (٢) , وابن القاسم (ت ١٩١ هـ) (٣) , وابن حزم (ت ٤٥٦ هـ) (٤). كما أن هذا الرأي فهمه الشيخ محمد سلام مَدكور -وهو من فقهاء الحنفيّة المعاصرين- مِن قولِ صاحب (النهر) من الحنفيّة تعليقًا على قول الزاهدي السابق: (وفيه نظر) (٥). ونصّ عبارة د. مدكور: "صاحب (النهر) أوجَبَ لها النفقة على خلاف الاتجاه الفقهي" (٦). والحقيقةُ أن نسبة هذا الرأي لصاحب (النهر) فيه نَظَر; لأن ابن عابدين فهم مِن

стр. 26

عدم موافقته, اعتراضه على التعليل لا الحُكم (١). لذا فلا يصحُّ أن يُنسب هذا القول رأيًا لأحدٍ من فقهاء الحنفيّة; لأن قواعدَهم تخالف ما بُني عليه هذا الرأي. وقد عدد مِن الباحثين المعاصرين (٢) هذا الرأي -وهو إيجاب نفقة المرأة العاملة مطلقًا-, وقيّده بعضهم بأن لا تكون طبيعة العمل منافية لمصلحة الأسرة (٣). وعندما ننظر في تعليل المعاصرين لهذا الرأي نجد أنه مختلفٌ عن تعليل الفقهاء الأوائل, وأن مأخذهم في المسألة مغاير; فإن المعاصرين بَنَو اختيارَهم على تغيّر الأحوالِ والأعرافِ عن الزمان الأول, فلا يُعدُّ الآن خروج المرأة للعمل نشوزًا, أو امتناعًا عن حقٍّ للزوج, وخصوصًا أن التشريعاتِ المعاصرةَ كَفلَت للمرأة حقّ العمل, فأصبح حقًّا مُستحقّا لها.

стр. 27

فعند هؤلاء يُعتبر مُوجِبُ النفقةِ أمرًا عُرفيًّا يتغيّر بتغيّر الأزمنة والأماكن, فهو ليس ثابتًا في معياره. والحقيقة أنّ في ذلك نظرًا; لأن الناظر للمقاصد الشرعيّة العامة في النكاح يجدُ أن مِن أظهرها السَّكن, ولذا تضافرت النصوص الشَّرعيّة الدَّالةُ على مشروعيّة لزوم المرأة لبيتها وعدم خروجها منه, وأفضلية ذلك لها. ففي القول بأن العمل حقٌّ مشروع للمرأة على إطلاقٍ دون أيِّ تقييد بإذن أو حاجةٍ مخالفةٌ بيّنة للمقاصد الجزئية الشرعيّة التي تضافرت عليها النصوص. القول الثالث: أن المرأة العاملةَ خارج المنزل بدون إذن زوجها لا تسقطُ نفقتها بالكليّة, وإنما تتشطّر وينقصُ تقديرُها. وهذا القوّل يمكن تخريجُه على قول فقهاء الحنابلة في مسألة تشطير النفقة; إذ إنهم قد أطلقوا الخروج من المنزل ولم يقيدوه بغرضٍ ما, وقد سبق الاستدلال له. فهذه الأقوال هي الآراء المعروضة في هذه المسألة نصًّا, وإيماءً, وتخريجًا. والذي أميل إليه هو القول الثالث بأن المرأة إذا كانت عاملةً خارج منزلها فلها النفقةُ ولو كانت تعمل بدون إذن زوجِها, وأن عدم إذن زوجِها مؤثرٌ في تقدير النفقة لا في إسقاطها بالكُليّة; وهذا الرأي وَسطٌ بين الرأيين الأولين وفيه إعمالٌ للمعنى الموجود في القولين معًا. - كما أنه هو الأوفق للمقاصد الشّرعيّة; فإن النفقةَ وجبت شرعًا بسبب عقد الزوجيّة في مُقابل التمكين من الزوجة. فإذا لم يتحقق التمكين التام, وإنما تحقق بعضُهُ فإن المعنى المقابل للنفقةِ ما زال مَوجودًا ولكنه ناقصٌ, فينقص تقدير النفقة في مُقابل نقصه; وهذا هو معنى (تشطير النفقة). وفي القول بسقوط النفقة بالكُليّة -مع وجود التمكين مِن المرأة واحتباسها

стр. 28

الجُزئي لمصلحةِ الزَّوج- إسقاطٌ لهذا البَذْل الذي بذلته المرأة, وإلغاءٌ له بالكُليّة, وهذا بعيدٌ مِن المعاني الشرعيّة. - كما أنّ في ترجيح هذا الرأي توسطٌ في دفع الضرر عن الزوجين معًا, فإن المرأة إذا كانت ذاتَ تجارةٍ أو مالٍ (ولو كان يسيرًا) فإن مراعاتها له فيه مصلحةٌ بيّنة, بخلاف مَا إذا مُنعت مِن مراعاته فإن فيه إضرارًا بها. وقد يؤدي ذلك إلى تعسّف بعضِ الرِّجال في استعمال حقّه بالإذن للإضرار بالمرأة والتضييق عليها. ومثلُهُ يتصوّر في الوظائفِ وعقودِ العمل, فقد تكون المرأة لم يبقَ لها إلا فترةٌ يسيرة وتستحق مكافأة نهاية الخدمة أو الراتب التقاعدي, ففي انقطاعها إضرارٌ بها. وقد أشار بعض الفقهاء إلى أن المعنى في النفقة إنما هو حقّ المرأة في الأساس بحيث لا يدخل عليها إضرارٌ في مالِها بعد زواجها; قال ابن نُجيم (ت ٩٧٠ هـ): (وإنما أكثرنا من هذه المسائل تنبيهًا للأزواج لما نراه في زماننا مِن تقصيرهم في حقوقهنَّ حتى إنه يأمرُها بفرشِ أمتعتها جبرًا عليها وكذلك لأضيافِه .. حتى كانت عند الدخول غنية صارت فقيرة, وهذا كله حرام لا يجوز, نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومِن سيئات أعمالنا) (١). وفي المقابل فإن مصلحة الزوجِ لم تُلغَ بل رُعيت بوجود التمكين والسَّكن في بعض اليوم, وخُفف عنه في قدر النفقة الواجبة شرعًا في مُقابل هذا النقص في التمكين. - وأيضًا فإن هذا القول فيه مراعاةٌ لأعرافِ هذا الزمان, إذ معيشةُ كثيرٍ من الأُسر موغلةٌ في الكَمَاليّات والتّحسينيات التي لا يَلزَم الزوجَ أن يوفّرَها لزوجتِه في النفقة الواجبة, وإنما هي من الإحسان منه إليها. فربما كان في عمل المرأةِ وكسبِها سدادٌ لحاجتها من هذا الباب الذي أُغرق الناس فيه.

стр. 29

المبحث الثالث نطاق الفقهاء في هذه المسألة تمهيد: المراد بنطاق هذه المسألة: أي متى يُحكم للمرأة العاملة بتشطير النفقة -بناءً على مَا ترجّح في هذه المسألة-. وهذا ليس على إطلاق وإنما في نطاقٍ معيّن, ففي بعض الحالات يُحكَم على الرجل بلزوم النفقة كاملةً لزوجته العاملة. وفي حالاتٍ أخرى تسقط نفقة المرأة العاملة بالكُليّة. وقد حاولتُ أن استقرئ عددًا من المناطات بناءً على الصور التي ذكرها الفقهاءُ وبَيَّنُوا حكمَها. وسأتناول هذا المبحث في ثلاثة مطالب: ٣. ١. الشروط التي يلزم توفرها للحُكم بتشطير نفقة المرأة العاملة. ٣. ٢. مسقطات النفقة على المرأة العاملة بالكُلية. ٣. ٣. الأسباب التي تُوجب النفقة كاملةً للمرأة العاملة.

стр. 30

٣. ١. الشروط التي يلزم توافرها للحُكم بتشطير نفقة المرأة العاملة والمقصود بالشروط أي انتفاء الموانع والأسباب التي إمّا أن تُوجب النفقة كاملةً أو تسقطها. وهنا سأذكر الشروط سردًا, وفي الفرعين التاليين سأُفصّلُ الآراءَ الفقهيّة في كُل منها على حِدةٍ باعتبارها موانعَ وأسبابًا. وهذه الشروط مبنيّة على القوّل الذي رُجّح; أن عمل المرأة لا يكون مسقطًا للنفقة الواجبة على زوجها بالكُليّة, وإنما يُجزؤها ويقللها فحَسب. ويمكن عدُّ ستة شروط للحُكم بتشطير النفقة الواجبة للزوجة العاملة, وهي: ١/ أن لا يكون عمل المرأةِ محرّمًا شرعًا. ٢/ أن لا يكون عمل المرأة مُستغرقًا اليوم كُلّه. ٣/ أن يكون عملُ المرأةِ خارج المنزل. ٤/ أن لا يَكون العملُ واجبًا عينيًّا عليها شرعًا. ٥/ أن يكون الزوج باذلًا لنفقة زوجته الكافيةِ لها. ٦/ عدم إذن الزوج بعمل المرأة.

стр. 31

٣. ٢. مسقطات النفقة على المرأة العاملة بالكُلية هناك عَوارض تُصاحب عملَ المرأة فتَمنعُ استحقاقها للنفقة مطلقًا, وتسقط وجوبها عليها, وهذه المسقطات في الحقيقة راجعةٌ لمعنى واحد وهو أن يصدق على المرأة كونها عاصيةً وناشزًا إن اتصفت بأحد هذه الأمور, والناشزُ كما سبق لا نفقة لها. وهذه المسقطات نوعان: أحدهما: أن يكون عمل المرأةِ محرّمًا شرعًا . فإن المرأة إذا عصت اللهَ بعملها بالكسب الحرام فإنها بذلك تدخل دائرة المحرّم الذي يجبُ منعُها منه, وإذن الزوج لها بذلك لا يبيحُهُ, ويكون إذنه بخروجها ملغىً غيرَ معتبر. والمرأة إذا كان كسبُها محرّمًا وعملها كذلك فإن معصيتها لله تعالى أعظم مِن معصيتها لزوجها وأولى بالعقوبة, ولذا عدّ بعضُ الفقهاءِ تلبّس المرأة بالمعصية الظاهرة نوعًا مِن النشوز (١) , وتترتب عليه آثارُه. ويُلحَقُ بذلك مَا لو كانت في خروجها غيرَ منضبطةٍ بالضوابط الشّرعيّة التي أمر الله بها في كتابه; مِن عدم إظهار الزينة, والاختلاط بالرجال ونحو ذلك, فإنها بذلك تكون مرتكبةً لمُحرّم في خروجها. قال ابن الهُمام (ت ٦٨١ هـ) عندما تطرّق لهذه المسألة في (باب النفقات): (وحيث أبحنا لها الخروج فإنما يُباحُ بشرطِ عدم

стр. 32

الزينة وتغيير الهيئة إلى ما لا يكون داعية إلى نظر الرجال والاستمالة) (١). ولا عبرةَ بالعَيب العُرفي لوظيفة المرأة; ما دام الكسبُ حلالًا وهي متلزمةٌ بالحدود الشّرعية عند خروجها وعملها, فإن ذلك في ذاته ليس مانعًا مِن وجوب النفقة لها عند الفقهاء (٢). فالعبرة بالحُرمة الشرعيّة, دون النظر لطبيعة العمل, ولذا لم يفرق العلماء بين حرفةٍ وأخرى في الحُكم (٣). الثاني: أن يكون عمل المرأة مُستغرقًا اليوم كُلّه . وهذا السبب إنما يتفرّع على رأي مَن يرى تشطير النفقة بخروجها بعض اليوم. فإذا استغرق عمل المرأة خارجَ منزلها اليومَ كُلّه ليلَه ونهاره -وكان ذلك بدون إذن زوجها- فإن النفقةَ تسقطُ بالكليّة لعدم التجزئ عند مَن يرى ذلك (٤). وأمّا إذا قيل برأي الجمهور وأن النفقة لا تُشطّر بخروج المرأة بعض اليوم, فإن هذا السبب لا حاجة له; إذ الجزءُ له حُكم الكُل عندَهم.

стр. 33

٣. ٣. الأسباب التي تُوجب النفقة كاملةً للمرأة العاملة إذا تبيّن -على القوّل الذي رُجّح- أن عمل المرأة لا يكون مسقطًا للنفقة الواجبة على زوجها بالكُليّة, وإنما يُجزؤها ويقللها فحَسب. فإن هذا ليس على إطلاقٍ وإنما في نطاقٍ معيّن, ففي بعض الصُّور تجب لها النفقةُ كاملةً مع عَمَلِها. وقد حاولتُ أن استقريَ عددًا من الأسباب التي إذا احتفّت بعمل المرأة مطلقًا فإنَّ النفقة الزوجيّة ترجع للأصل, وهو وجوبها كاملة. وهي أربعة أمور: أحدها: أن لا يكون عملُ المرأةِ خارج المنزل . لأن المعنى الذي لأجله أثّر عمل المرأة في النفقة إنما هو خروجها من المنزل (١). فإذا كان عملُ المرأة داخل بيت الزوجيّة كالنسج, أو العجن, أو العمل عن طريق وسائل الاتصال الحديثة كالنتّ, والهاتف ونحوه. فإن ذلك لا يسقط النفقة, ولو كانت المهنةُ تضعفُها; لأنها سلّمت نفسها تسليمًا كاملًا (٢) , ولأن الرجل ليس مِن حقِّه الحجر على المرأة في أنواع الكسب (٣).

стр. 34

وقد نصّ على ذلك الفقهاء عند ذكرِهم لحكم بعض المسائل والصور; مثل تأجير نفسِها لإرضاع صبي (١) , وقيامها بالغزل أو النسج أو العجن أو نقش الأيدي بالحِنَّاء, ونحوه (٢) , فإنهم ذكروا أن هذه الصور لا تُسقط النفقة الواجبة على الزوج. والعلّة في ذلك أنّ موجِب النفقة إنما هو الاحتباس أو التمكين, وكلاهما مَوجودان في هذه الصُّور بتسليمها نفسَها. وليس المانعُ مِن وجوب كمالِ النفقة اكتسابُها وغناها. وخالف في هذه الصور بعضُ فقهاء الحنفيّة فرأوا أن للرجل منع امرأته مِن الكسب بالغزل ونحوه ولو كان عملها داخل بيتها ولا تخرج منه; وعللوا ذلك بأنها مستغنية عن هذا الكسب بالنفقة (٣). ولكنّ قولَهم تُتبع (٤) , بأن المعنى مِن النفقة إنما هو الكفاية, وليس ذلك بمانع من التكسب. ومِن جهة أخرى فإن الذي في مقابل النفقة إنما هو الاحتباس وليس منع التصرف مطلقًا. الثاني: أن يَكون العملُ واجبًا عينيًّا عليها شرعًا . وذلك لأن عمل المرأة الواجب عليها شرعًا لا يُشترَط فيه إذن الزوج; بناءً على

стр. 35

ما تقرر مِن أنّ الواجبات إذا تزاحمت قُدّم حقُّ الله تعالى فيها, وأنّ في طاعة الزوج بترك الواجبِ معصيةٌ لله تعالى; وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: (لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق) (١). وهذا الأمر متفقٌ مع القواعد الشَّرعية التي تحكم التعارض بين المصالح والمفاسد فإن المصلحة العامة تُقدّم على المصلحة الخاصة للزوج. ويؤخذ هذا الشرط من كلام الفقهاء في بعض صور خروج المرأة لأمرٍ واجبٍ أنه لا يُسقط النفقة ولو بدون إذنٍ من الزوج; كمسألة خروجها للحج المنذور (٢)، ونحوه. وقد مثّل بعض الفقهاء لبعض المهن والأعمال التي يكون خروج المرأة إليها واجبًا; مثل القابلة, أو مُغسلة الموتى, وقرروا أنه يجوز لها أن تخرج بغير إذن الزوج (٣) ; وعللوه بأن فوات عمل القابلة يترتب عليه هلاك الجنين أو أُمّه, وتغسيل الميّت من فروض الكفايات التي يأثم الناسُ بتركِها ولا يمكن أن يقوم بهذا العمل غيرها وعليه فإنه يكون واجبًا عينيًّا في حقّها. وكذا مَا كان في عمل المرأة ضرورةٌ عامة أو خاصّة (٤). ولا بُدّ مِن تقييد هذا العمل بكونه واجبًا وجوبًا عينيًّا على الفور; لأن ما لا يجب على الفور; كالحجّ ونحوه ليس داخلًا في هذا السبب. وكذا ما كان من الواجبات الكفائية التي تحصل بغيرها من الناس; كصلاة

стр. 36

الجنازة ونحوها (١). وهذا هو سبب اختلاف بعض الفقهاء في بعض المهن هل وجوبها عيني أم أنه كفائي? وبذا نعرف مأخذ رأي بعض فقهاء الحنفيّة -على خلاف مَا نُقل عن غيرهم من فقهاء المذهب- من كونهم يجيزون للزوج أن يمنع زوجته من الوظائف السابقة (القابلة, والمغسّلة) (٢) , بناءً على أنها من الواجب الكفائي لا العَيني. وهذا في الحقيقة راجعٌ لاختلاف الحال, لا الحُكم. وقد توسَّع بعضُ المعاصرين في هذا المناط فأدخل فيه الواجباتِ الكفائيةَ; كتدريس المرأة للبنات, وعمل المرأة طبيبةً, أو ممرضةً, ونحو ذلك, وذكر أن الخروج لهذا العمل الكفائي لا يحتاج إلى إذن من الزوج, ولا تسقط به النفقة. بخلاف غيرها من الوظائف فإنها تحتاج إلى إذن, وإلا سقطت النفقة بخروج المرأة للعمل (٣). وفي هذا التوسع في مناط المسألة نظر; فإن حقّ الزوج على زوجته فرضٌ عينيٌّ وهو مقدّم على اشتغالها بفرض الكفاية, بل وحتى على الحجّ وهو فرض عيني موسَّع. ولا أعلم أنّ أحدًا مِن الفقهاء أجاز للمرأة الخروج للفرض الكفائي على إطلاق, وإنما هو في حال تعيّن هذا العمل عليها.

стр. 37

الثالث: أن يكون الزوج غيرَ باذلٍ لنفقة زوجته الكافيةِ لها . وذلك أن الحقوق الزوجيّة ثابتة على سبيل المقابلة; كما قال جلّ وعلا: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١). فإذا أخلّ الزوجُ بما وَجَبَ عليه مِن النفقة لزوجتِه -عجزًا أو قصدًا- فإنه يجوز للمرأة على سبيل المقابلةِ أن تترك بعض الواجباتِ عليها, والعكس بالعكس. وعلى ذلك فلو امتنع الزوجُ مِن نفقة زوجتِه لإعسارِه, أو شَحَّ بالنفقة ولم يبذلها ومَطَلها إيّاه, جاز للمرأة النشوزُ, ويكون ذلك بمنعها نفسَها, أو خروجِها من بيته; لأن المنعَ كان بسببٍ مِن قبلِه. ومثله لو أن قُدرة الزوج على الإنفاق ضعيفةٌ بسببِ ضيقِ ذات يدِه, والمرأة محتاجَةٌ للمَال لعلاجٍ ونحوه. فإن خروجها للعمل في هذه الحالة جائزٌ للحاجة لهذه النفقة الزائدة, ولا يُسقِطُ خروجُها نفقتَها ولو بدون إذنه, فتبقى في ذمّته وإن عَملَت. وكذا كُلُّ حاجة ملحّة للمرأة فإنها تكون معذورة فيها ولا يُعدُّ نشوزًا (٢). والعلّة في ذلك: أنّ امتناع الرجل مِن النفقة على زوجته (سواءً كان امتناعًا كُليًّا أو جزئيًّا) فيه إضرارٌ بها ومضارةٌ عليها شديدةٌ, وهو مِن الفعل المحرّم شرعًا, والفعل الحرام لا يسقط به الواجب مطلقًا. كما أنه يلزم الدَّوْرُ عند القولِ بسقوط نفقةِ المرأة في هذه الحال; لأن سقوط النفقة يكون بسبب عملها, وإنما عملت لأنه لم ينفق عليها. وقد نصّ على هذا القيدِ عددٌ من الفقهاء:

стр. 38

قال الماوردي (ت ٤٥٠ هـ): (لها الخروجُ من منزلها لتكتسب نفقتها بعملٍ أو مسألة ولم يكن للزوج منعها مع تعذر النفقة عليه .. ولو وجدت من المال مَا تنفقه وأمرها بالمقام للإنفاق منه لم يلزمْها وجاز لها الخروج لتكسب; لأنه لمَّا تعذّر عليها اكتسابُ النفقة مِن الزوج جاز لها أن تكتسبها بعمل) (١). وقال الموفّق ابن قدامة (ت ٦٢٠ هـ): (وعليه تخلية سبيلها لتكتسب لها وتُحصِّل مَا تُنفقُه على نفسِها; لأن في حبسِها بغير نفقة إضرارًا بها, ولو كانت موسرة لم يكن له حبسها; لأنه إنما يملك حبسها إذا كفاها المؤنةَ , وأغناها عمّا لا بُدّ لها منه ... فإذا انتفى الأمران لم يملك حبسها) (٢). ونصَّ على ذلك غيرهما أيضًا (٣). الرابع: إذن الزوج بعمل المرأة . وهذا القيد مما توسَّع المعاصرون في بحثه وتفصيله (٤) , وسنتناوله تناولًا مغايرًا لمَا فعله الآخرون بتقسيمٍ وعرضٍ مختلف. فإنّ لعمل المرأة خارج منزلها حالتين: أ/ إمّا أن لا يأذن الزوج بالعمل. ب/ أو أن يأذن لها به.

стр. 39

أ/ أثر عدم إذن الزوج بعمل المرأة في النفقة: سَبَقَ في المبحث السَّابق (١) تفصيل آراء الفقهاء في هذه المسألة, وأن لهم ثلاثةَ آراءٍ: أحدها: أن النفقة تسقط بالكُليّة. وهو قول الحنفيّة ومُخَرّجٌ على قول الشافعيّة. والثاني: أنها لا تسقط مطلقًا. وهو قول بعض فقهاء السلف, ومخرّج على قاعدة الظاهرية في عدم سقوط نفقة الناشز. والثالث: أن النفقة لا تسقط, وإنما تتشطّر بسبب خروجها. وهو قول فقهاء الحنابلة, وهو الرأي المُرجّح في المسألة. ب/ أثر إذن الزوج بعمل المرأة في النفقة: أمّا إذا رَضِي الزوجُ بعمل زوجته خارج بيتها وأذن لها فيه, فقد حُكي الاتفاق على أن نفقتها لا تسقط (٢) , وهذا فيه نظر فإن للفقهاءِ خلافًا في المرأة إذا خرجت أو سافرت بإذن الزوج في شُغل نفسها فهل تسقط نفقتها على قولين -يُخرّج حكم المسألة عليه-: القول الأول: للجمهور (٣). أن النفقة لا تسقط بإذن زوجها لها بالعمل; لأن المرأة إنما فوّتتْ حقَّ الزوج بإذنه ورضاه, فكأنه هو مَن ابتدأ في إسقاط حقّه, فلا يُقابل هذا الإسقاط شيء, فلا يَسقطُ شيءٌ من حقوقها الثابتِة لها شَرعًا, وعلى ذلك فإنه يثبت للمرأةِ العاملةِ خارج منزلها النفقةُ إذا كان عملُها بإذن زوجها.

стр. 40

والقول الثاني: قاله بعضُ الشافعيّة (١): إن نفقتَها تسقط بخروجها من بيته ولو كان بإذنٍ منه; لأن علّة ثبوت النفقة (وهو التمكين التام) قد فات بخروجها, وإذا انتفت العلّة انتفى الحُكم. ولكن يُجاب عن ذلك: بأن إذن الزوج بالخروج بمثابة الاستيفاء ثم الإسقاط, فلا يُسلّم أن العلة قد انتفت مِن كُل وجه. ولعلّ القول الأول أقرب, فلا تسقط النفقة بإذن الزوج بعمل المرأة خارج بيتها; إذ لو سقطت مع إذنه لمَا كان هناك مَعَنى لإذنه. ووجوبُ النفقة كاملةً لا يَعني الاختلاف في تقديرها فإن معايير تقدير النفقة الزوجيّة تختلف باختلاف الأحوال والأشخاص, وملاءة المرأة وقدرتها المالية مؤثرٌ في تقدير النفقة. * صور إذن الزوج بعمل زوجته: إذا تبيّن اختلاف الحُكم بوجود الإذن مِن الزوج. فإن لإذنه بعمل امرأته خارج المنزل صورًا وحالاتٍ مختلفة, اختلفت أنظار الفقهاء إلى بعضها مِن حيث إدراجها ضمن الرضا المُؤثر في عدم إسقاط النفقة. وصور إذن الزوج بعمل امرأته أربع صور هي: ١: الإذن الصَّريح. وتصريح الزوج بالإذن بالعمل قد يكون عند إبرام عقد الزوجيّة مقارنًا له, وقد يكون مُتراخيًا بعد الزواج.
следующие страницы →