← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14299

عقود الزبرجد على مسند الإمام أحمد - ت القضاة

الجلال السيوطي

Полный текст (1 226 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وقول بعض العرب: "إنّ بك زيدٌ مأخوذ". رواه سيبويه عن الخليل. ومنه قول رجل للنبي ﷺ : "لعلّ نزعها عرق" أي لعلَّها. ونظائره في الشعر كثيرة. وإذا كان الضمير ضمير الدّجال فنظيره رواية الأخفش: "إنّ بك مأخوذ أخواك" والتقدير: إنّك بك مأخوذ أخواك، ونظيره من الشعر قوله: فليتَ دفعتَ الهمَّ عنّي ساعة ... فبتنا على ما خيّلتْ ناعِمَي بالِ أراد فليتك. ومثله قول الآخر: فلو كُنْتُ ضَبيّاً عَرَفتَ قَرابَتي ... ولكنَّ زنْجيٌ عَظيمُ المشافِر أراد: ولكنك زنجي. ويروِى "ولكن زنجياً" على حذف الخبر. ومن روى "مكتوباً" فيحتمل أن يكون اسم إن محذوفاً على ما تقررّ في رواية الرفع، و"كافر" مبتدأ، وخبره "بين عينيه " و"مكتوبا" حال، أو يجعل "مكتوبا" اسم إنّ و"بين عينيه" خبرا و"كافر" خبر مبتدأ، والتقدير: هو كافر. ويجوز رفع "كافر" وجعله ساداً مسدّ خبر إنّ، كما يقال: إن قائماً الزيدان. وهذا مما انفرد به الأخفش". انتهى. ١٣٣ - حديث "هل مِنْ أَحَدٍ يَمشي على الماء إلا ابْتَلَّتْ قَدَماه ". قال الطيبي: "استثناء من أعمّ عام الأحوال، تقديره: يمشي في حال من الأحوال إلا في حال ابتلال قدميه".

стр. 107

١٣٤ - حديث "مَنْ عالَ جاريتن حتّى تَبْلُغا جاء يَوْمَ القيامة أنا وهو كهاتين ". قال الشيخ أكمل الدين في شرح المشارق: "في الكلام تقديم وتأخير، فإن في "جاء" ضميراً يعود إلى "مَنْ". وقوله "هو" تأكيد له وقوله "أنا" معطوف عليه. وتقديره: هو وأنا، ثم قدّم إما لكونه ﷺ أصلا في تلك الخصلة، أو قدّم في الذكر لشرفه". قلت: ليس هذا الإعراب بسديد لأن تقديم المعطوف على المعطوف عليه لا يجوز، والأولى أن يجعل "أنا" مبتدأ، و"هو" معطوف عليه، و"كهاتين" الخبر. والجملة حالية بدون الواو نحو: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ﴾. ١٣٥ - حديث "إنّ رَجُلاً قال: يارسول الله كيف يحشرُ الكافر على وَجْهه يَوْمَ القيامة؟ قال: أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادرٌ على أن يُمشيه على وجهه يوم القيامة ". قال الطيبي: "قادر" مرفوع على أنه خبر "الذي" واسم "ليس" ضمير الشأن". ١٣٦ - حديث "لِكُلِّ أمة أمينٌ وإنَّ أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة ".

стр. 108

قال القاضي عياض: "هو بالرفع على النداء، والأفصح أن يكون منصوباً على الاختصاص". ١٣٧ - حديث "قول سُراقة: يانَبِيَّ الله مُرْنِي بمَ شِئْت ". قال ابن مالك: "فيه شاهد على إجراء "ما" الموصولة مجرى "ما" الاستفهامية في حذف ألفها إذا جُرّت، لكن بشرط كون الصلة "شاء" وفاعلها". ١٣٨ - حديث "لا تُشَدِّدوا على أَنْفُسِكُم فَيُشدِّدَ الله عليكم ". قال الطيبي: ""فيشدّد" نُصِبَ على جواب النهي. والفاء في قوله "فإن قوماً" سبب للفعل المنهي المسبب عنه الشدّة. والفاء في قوله "فتلك بقاياهم" للتعقيب. و"تلك" إشارة إلى ما في الذهن من تصوّر جماعة باقية من أولئك المشددين. و"الخبر" بيان له. كما في قوله تعالى: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِك﴾. ١٣٩ - حديث "أَصْبَحَ رَسول الله ﷺ عَروساً ".

стр. 109

قال الزركشي: ""العروس" نعت يستوي فيه الرجل والمرأة، يقع عليهما مدّة بناء الرجل بها". ١٤٠ - حديث "قال النبي ﷺ يوْمَ بَدر: مَنْ يَنْظُرُ ما فَعَلَ أبو جهل؟ فانْطَلَقَ ابن مسعودٍ فَوجَدَهُ قد ضَربه ابنا عفراءَ حتى بَرَد، فأخذَ بِلحْيته فقال: أَنْتَ أبا جهل ؟ ". قال الزركشي: "كذا الرواية في البخاري من رواية زهير، وهو يصح على النداء، أي أنت المقتول الذليل يا أبا جهل، على جهة التقريع والتوبيخ". قال القاضي: "أو على لغة القصر في الأب، ويكون خبر المبتدأ". وقال الداودي: "يحتمل معنيين أحدهما: أن يكون استعمل اللحن ليغيظ أبا جهل كالمصغر له، أو يريد أعني أبا جهل". وردّهما السفاقسي لأن تغييظه في مثل هذه الحالة لا معنى له، ثم النصب بإضمار "أعني" إنما يكون إذا تكررت النعوت. قال الزركشي: "ولا يردّان، أما الأول فإنه أبلغ في التهكم. وأما الثاني فليس التكرار شرطاً في القطع عند جمهور النحويين، وإن أوهمته عبارة ابن مالك في كتبه". قال القاضي: "ورواه الحُميدي: "أنت أبو جهل" وكذا ذكره البخاري من رواية يونس". ١٤١ - حديث "مَنْ أجوَدُ جُوداً ". قال الطيبي: "مَنْ" الاستفهامية مبتدأ. و"أجود" خبره، و"جودا" تمييز مزال عن

стр. 110

الأصل. وفيه وجهان: أحدهما: أن "أجود" أفْعَل من الجودة، أي أحسن جودا وأبلغه. والثاني: أنه من الجود الكرم، أي من الذي جوده أجود، فيكون إسنادا مجازياً، كما في قولك: جِدْ جدَةً. وقوله: "الله أجودُ جوداً ثم أنا أجود بني آدم، وأجوده من بعدي رجل علم عِلْماً فنشره" الضمير في "أجوده" راجع إلى بني آدم، على تأويل الإنسان أو للجود. ١٤٢ - حديث أُحد، قوله "لا تشرفْ يُصيبُكَ سَهم ". قال الزركشي: "كذا لهم بالرفع، وهو الصواب. وعند الأصيلي "يُصبْكَ" بالجزم، وخطّؤوه، وهو قلب للمعنى إذ لا يستقيم أن تقول: إن لا تشرف يصبك، ولكن جوّزه الكوفيون". قوله (تَنْقُزان القِرَب). بضم القاف. قال القاضي عياض: "ضبطه الشيوخ، بنصب الباء، وفيه بُعد، إلا على تقدير نزع الخافض أي بالقرب. وقيل صوابه بالرفع على الابتداء، كأنه قال: والقِرَبُ على متونهما. وروي "تُنْقِزان" بضم التاء وكسر القاف، ويستقيم على هذا نصب "القِرَب" أي إنهما لسرعتهما في السيّر تتحرك القرب على ظهورهما وتضطرب". ١٤٣ - حديث "أَقْرِئْ قَوْمَكَ السَّلامَ فَإنَّهم ما علمتُ أعِفَّةٌ صُبُر ". قال أبو البقاء: "أعفة" مرفوع، خبر إنّ. وفي "ما" وجهان أحدهما: هي

стр. 111

مصدرية، والتقدير إنهم في علمي أعفّة. والثاني: زمانية تقديره إنهم مدّة علمي فيهم أعفة. ولا يجوز النصب بـ"علمت" لأنه لا يبقى لـ"إنّ" خبر". ١٤٤ - حديث "هذا أَوَّلُ طَعامٍ أَكَلَهُ أَبوكِ مِنْ ثلاثةِ أَيَّام ". قال أبو البقاء: "هكذا في هذه الرواية. ودخول "من" لابتداء غاية الزمان جائز عند الكوفيين ومنعه أكثر البصريين". قال: "والأقوى عندي مذهب الكوفيين". قال: "وفي بعض الروايات "منذ ثلاث" وهذا لا خلاف في جوازه". انتهى. وقال ابن مالك في شرح التسهيل: "هذا الحديث من الأدلة على استعمال "من" لابتداء غاية الزمان. وكذا قوله في حديث الاستسقاء: "فمُطِرنا مِنْ جُمعةٍ إلى جمعة" وقول أنس: "فلم أَزَلْ أحبُّ الدُّباءَ من يومئذٍ" وقول عائشة: "لم يجلسْ عندي من يومِ قيل فيَّ ما قيل". وكلّها في صحيح البخاري". انتهى. ١٤٥ - حديث نكاح زينب، قوله "فلما رأَيْتُها عَظمَتْ في صَدْري حتَّى ما أستطيع أَنْ أَنْظُرَ إليها أنَّ رسول الله ﷺ ذكرها ". قال أبو البقاء: "أنَّ" بالفتح، وتقديره لأن النبي ﷺ ذكرها.

стр. 112

١٤٦ - حديث "أنه ﷺ رمى الجَمْرةَ ثُمَّ نَحَرَ البُدْن، والحَجَّامُ جالس، ثم حَلَق أَحدَ شقيه الأيمنَ ". قال أبو البقاء: "الأيمن" بالنصب بدل من "أحد"، أو على إضمار أعني. والرفع جائز على تقدير هو الأيمن". ١٤٧ - حديث الجمل "فلما نَظَر الجَمَلُ إلى رسول الله ﷺ أَقْبَلَ نَحْوَهُ حتى خَرَّ ساجداً بين يديه، فأخذ رسولُ الله ﷺ بِناصيته أذلّ ما كانت قط حتى أدخله في العمل ". فيه استعمال "قط " غير مسبوقة بنفي، وقد كثر ذلك في الحديث. وقال ابن مالك في التوضيح: "في حديث حارثة بن وهب: "صلى بنا النبي ﷺ ونحن أكثر ما كنا قط" v، فيه استعمال "قط" غير مسبوقة بنفي، وهو مما خفي على كثير من النحويين، لأن المعهود استعمالها لاستغراق الزمان الماضي بعد نفي نحو: ما فعلت ذلك قط، وقد جاءت في هذا الحديث دون نفي، وله نظائر". انتهى. وفي حديث جابر "ما من صاحبِ إبلٍ لا يَفْعَلُ فيها حقَّها إلا جاءت يوم القيامة أكثر ما كانت قط". وفي حديث سمرة بن جندب في صلاة الكسوف "فقام بنا كأطولِ ما قام بنا في صلاةٍ قط، ثم ركع كأطول ما ركعَ بنا في صلاة قط، ثم سجَدَ بنا كأطولِ ما سجد بنا في صلاة قط".

стр. 113

١٤٨ - حديث "أصابت الناس سنَةٌ على عهد رسول الله ﷺ ". قال الأبذي في شرح الجزولية: "إطلاق السّنة على عام القحط من باب العَلَم بالغلبة. ومثله في حديث سعد "وسألتُه أن لا يُهلك أمتي بالسنة فأعطانيها". قوله (فادع الله يَغِثْنا). قال الزركشي: "بفتح الياء وبالجزم على الجواب، ومنهم من ضمّ الياء ورفع الفعل، من الإغاثة والغوث وهو الإجابة. وروى في الموطأ "يَغيثُنا" بفتح الياء وبالرفع. وعلى هذا فجواب الأمر محذوف أيَ يُحْيِك ويُحْيِ الناس". وقوله "اللهمّ اسقنا" يجوز فيه قطع الهمزة ووصلها، لأنه ورد في القرآن ثلاثياً ورباعياً. قوله (ما نرى في السماء من سحاب ولا قَزَعةً). قال الزركشي: "بالنصب

стр. 114

والجر". وقال الرضيّ الشاطبي: "الفقهاء يقولونه بالنصب والتنوين، يتوهمونه قناة من القنوات، وليس كذلك". وقال الطيبي: "قناة" نصب على الحال أو المصدر، على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، أي مثل القناة أو سيلان القناة في الدوام والاستمرار والقوة والمقدار". قوله "اللهمّ أغِثنا". قال القرطبي: "كذا رويناه بالهمزة، وهي للتعدية، ومعناه هب لنا غيثاً. وقال بعضهم: صوابه "غِثنا" لأنه من "غاث". قال وأما "أغثنا" فإنه من الإغاثة وليس من طلب الغيث". قال القرطبي: "والصواب الأول". قوله (ولا علينا). قال الطيبي: "عطف جملة على جملة، أي أمطر حوالينا ولا تمطر علينا. ولو لم تكن الواو لكان حالا". قال: "وفي إدخال الواو هنا معنى لطيف، وذلك أنه لو أسقطها كان مستقيا للآكام وما معها فقط، ودخول الواو ويقتضي أن طلب المطر على المذكورات ليس مقصودا لعينه، ولكن ليكون وقاية من أذى المطر، فليست الواو مخلصة للعطف، ولكنها للتعليل، وهو كقولهم "تجوعُ الحُرَّةُ ولا تأكلُ بثَدْيَيها"، فإن الجوع ليس مقصوداً لعينه، ولكن لكونه مانعاً عن الرضاع بأجرة، إذ كانوا يكرهون ذلك". قوله (قال فَأَقْلَعَتْ). قال الكرماني: "فإن قلت: فما وجه تأنيث الفعل؟ قلت: تأنيثه إما باعتبار السحابة، أو باعتبار السحاب". قوله (ورسول الله ﷺ قائماً يخطب). قال الزركشي: "كذا بنصب قائماً على الحال من "يخطب". ويروى بالرفع على الخبر". قوله "اللهمَّ حَوالَيْنا". قال الزركشي: "هو ظرف متعلق بمحذوف، أي أمطر

стр. 115

حوالينا". وقال الكرماني: "هو ظرف، أي أمطر في الأماكن التي في حولنا ولا تمطر علينا". وقال الحافظ ابن حجر: "فيه حذف تقديره: اجعل أو أمطر". وقال الطيبي: "حوله وحوليه وحواليه بمعنى، وإنما أوثر "حوالينا" لمراعاة الازدواج مع قوله علينا، نحو ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ﴾. قوله (فادع الله يَحْبسها عنا). قال ابن مالك: "يجوز في "يحبسها" الجزم على جعله جواباً للدعاء، لأن المعنى إن تدعه يحبسْها، وهو أجود، والرفع على الاستئناف أي فهو يحبسُها والنصب على إضمار "أَنْ " كأنه قال ادع الله أن يحبسَها، ومثله قراءة الأعمش ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾، وقول بعض العرب "خذ اللّصَّ قبلَ يأخذَك". وقال الطيبي: "الضمير فيه للسحاب فإنها جمع سحابة". ١٤٩ - حديث "أنّ رجلا قال يارسول الله: متى الساعةُ قائمة ؟ ". قال الزركشي: "يجوز في "قائمة" الرفع والنصب". ١٥٠ - حديث "لا يتمنَّينَّ أَحَدُكُم الموتَ لِضُرٍّ نَزَلَ به، فإنْ كان لابُدَّ مُتمنّياً .. ".

стр. 116

قال الكرماني: "قوله "لابدّ" حال، وتقديره: إن كان أحدكم فاعلا حالة كونه لابدّ له من ذلك". ١٥١ - حديث "إذا تقرَّبَ إليَّ العَبْدُ شِبراً تَقرَّبتُ إليه ذِراعاً، وإذا تَقَرّب إليَّ ذِراعاً تَقَرّبت منه باعاً ". قال الكرماني: "فإن قلت استعمل التقربّ أولاً بـ "إلى"، وثانياً بمن، فما الفرقُ بينهما؟ قلت: الأصل "مِنْ" واستعمالها بـ "إلى" لقصد معنى الانتهاء، والصلات تختلف بحسب المقصود". ١٥٢ - حديث "لا تقومُ السَّاعَةُ على أحدٍ يقولُ الله الله ". قال النووي: "هو برفع اسم الله تعالى. وقد يغلط فيه بعض الناس فلا يرفعه". وقال القرطبي: "صوابه بالنصب، وكذلك قيدناه عن محققي من لقيناه، ووجهه أن هذا مثل قول العرب: "الأسدَ الأسدَ" و"الجدارَ الجدارَ" إذا حذروا من الأسد المفترس والجدار المائل. وهو منصوب بفعل مضمر تقديره احذر. وقد قيده بعضهم "الله الله " بالرفع على الابتداء وحذف الخبر، وفيه بعد". انتهى. ١٥٣ - حديث "نَهى عن بَيْعِ الثِّمارِ حتّى تُزْهي، قيل: وما تُزهي ؟ ".

стр. 117

قال الطيبي: "يجوز أن يكون "تزهي" حكاية قول الرسول ﷺ . أي ما معنى قولك: "حتى تزهي"؟ أو وضع الفعل موضع المصدر، أي قيِل ما الزهو، ونحوه قول الشاعر: وقالوا ما تشاءُ فقُلْتُ ألهو ١٥٤ - حديث "نَهى عن بَيْعِ الحَبِّ حتَى يفرك ". قال البيهقي في سننه: "إن كان بخفض الراء على إضافة الإفراك إلى الحب وافق رواية من قال: "حتى يشتد". وإن كان بفتح الراء ورفع الياء على إضافة الفرك إلى ما لم يسمّ فاعلُه خالف رواية من قال فيه: "حتى يشتد" واقتضى تنقيته عن السنبل حتى يجوز بيعه. قال: "ولم أر أحداً من محدّثي زماننا ضبط ذلك، والأشبه أن يكون "يَفرِك" بخفض الراء [لموافقة] معنى من قال فيه:"حتى يشتد". ١٥٥ - حديث: "أرأيت إنْ مَنَعَ الله الثَمرةَ، بِمَ يأخُذُ أَحدُكُم مالَ أخيه ؟ ". قال الكرماني: "أرأيت" في معنى أخبرني. وفيه نوعان من التصرّف: إطلاق الرؤية وإرادة الإخبار، وإطلاق الاستفهام وإرادة الأمر". وقال أبو حيان: "كون "أرأيت" بمعنى أخبرني نصَّ عليه سيبويه وغيره، وهو

стр. 118

تفسير معنى لا تفسير إعراب، لأن أخبرني يتعدّى بعن، و"أرأيت" يتعدّى بنفسه لمفعول صريح، وإلى جملة استفهامية هي في موضع المفعول الثاني، ويقع بعده جملة الشرط، ويتنازع هو وفعل الشرط في ما بعده، فأعمل الثاني على رأي البصريين، وحذف مفعول "أرأيت" الأول، ومفعوله الثاني هو جملة الاستفهام، وربط هذه الجملة الاستفهامية بالمفعول المحذوف في "أرأيت" مقدّر، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، تقديره فأخبروني". انتهى. وقال الطيبي: "أرأيت" معناه أخبرني من إطلاق السبب على المسبّب، لأن مشاهدة الأشياء طريق إلى الإخبار عنها، والهمزة فيه مقرّرة، أي قد رأيت ذلك فأخبرني به". قوله: "بمَ يأخُذُ أحَدُكُم". قال الطيبي: "مثل قولهم "فيمَ" و"علامَ" و"حتّامَ" في حذف الألف عند دخول حرف الجر على ما الاستفهامية. ولما كانت ما الاستفهامية متضمنة للهمزة، ولها صدر الكلام ينبغي أن يقدّر أبم يأخذ، والهمزة للإنكار، فالمعنى لا ينبغي أن يأخذ أحدكم مال أخيه عفواً. ١٥٦ - حديث "إن رجلاً جاء إلى الصلاة وقد حَفَزَه النَّفس، فقال: الله أَكْبر، الحمدُ للهِ حَمْداً كثيراً طيبّاً ". قال البيضاوي: "حمداً" نصب بفعل مضمر دلّ عليه الحمد، ويحتمل أن يكون

стр. 119

بدلاً منه جارياً على محلّه. و"طيبّاً" وصف له". وقوله: "لم يقُل بأساً". قال الطيبي: "يجوز أن يكون مفعولا به، أي لم يتفوَّه بما يؤخذ عليه، أو مفعولا مطلقاً، أي لم يقل قولا يشدّد عليه. و (أيُّهم يرفعُها): مبتدأ وخبر في موضع نصب، أي يبتدرونها ويستعجلونها أيهم يرفعها". ١٥٧ - حديث "مُرَّ على النبيّ ﷺ بجنازة فأَثْنَوا عليها خيراً، فقال: وَجَبَتْ، ثم مُرَّ بأخرى فأثنوا عليها شراً، فقال: وجَبَتْ، فقيل: يا رسول الله، قلت لهذا وجَبَتْ ولهذا وجَبَتْ. قال: شهادةُ القوم، المؤمنون شُهداءُ الله في الأرض ". قال الكرماني: "شهادةُ القوم" مبتدأ، وخبره محذوف، أي موجبة شرعاً أو معرفة لثبوتها. وروي بالنصب، أي وجبت بشهادتهم". وقال عياض: "ضبطه بعضهم "شهادةُ" بالرفع، على خبر مبتدأ مضمر، أي هي، ثم استأنف الكلام فقال "القومُ المؤمنون شهداءُ الله في الأرض". وضبطه بعضهم "شهادة القوم" على الإضافة، فـ"المؤمنون" رفع بالابتداء، و"شهداءُ" خبره. و"القوم" خفض بالإضافة. و"شهادة" على هذا خبر مبتدأ محذوف، أي سبب قولي هذا شهادة القوم. ورواه بعضهم "المؤمنين" نعت للقوم، ويكون "شهداء" على هذا خبر مبتدأ محذوف أي هم شهداء الله. ويصح نصب "شهادة" بمعنى من أجل شهادة القوم. ومن روى "القومُ" مرفوعاً كان مبتدأ، و"المؤمنون"وصفهم".انتهى.

стр. 120

وقال السُهيلي: "إن كانت الرواية بتنوين الشهادة فهو على إضمار المبتدأ، أي هي شهادة، و"القوم" رفع بالابتداء، و"المؤمنون" نعت له أو بدل، وما بعده خبر. وفي هذا ضعف لأن المعهود من كلام النبوة حذف المنعوت نحو "المؤمنون تتكافأ دماؤهم" و"المؤمنون هينون لينون" و"المؤمنُ غِرٌّ كريم". لأن الحكم متعلّق بالصفة فلا معنى للموصوف". قال: "ويحتمل وجهاً آخر، وهو أن يرتفع "القوم" بالشهادة لأنها مصدر، ويرتفع "المؤمنون" بالابتداء، إذ قد أجازوا إعمال المصدر عمل الفعل، فلا بُعد في عمله هنا في القومِ منوّنا، كما تقول: يعجبني ضربٌ زيدٌ عمراً. ويحتمل وجهاً ثالثاً، وهو أن يكون "القوم" فاعلا بإضمار فعل، كأنه قال هذه شهادة، ثم قال "القوم" أي شهد القوم". انتهى. ١٥٨ - حديث سؤال القبر، قوله: "إنَّ العَبْدَ إذا وُضِعَ في قَبْرِه ". قال الطيبي: "شرط، "أتاه" جزاؤه، والجملة خبر إنَّ. و"إنّه ليسمع قرع نعالهم" إما حال، بحذف الواو، كأحد الوجهين في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ

стр. 121

كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّة﴾ أي ووجوههم، ونحو: كلّمته فوهُ إلىِ فيّ، ذكره شارح اللباب. أو يكون جواباً للشرط على إضمار الفاء، فيكون "أتاه" حالَا من فاعل "يسمع" و"قد" مقدّرة. ويحتمل أن يكون "إذا" ظرفاً محضاً، وقوله "إنّه" تأكيد لقوله "إن العبد" كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيع﴾ في أحد الوجهين. قوله (فيُقْعِدانه). قال التوربشتي: "في حديث البراء "فيُجْلِسانِه" وهو أولى اللفظين بالاختيار، لأن الفصحاء إنما يستعملون القعود في مقابلة القيام، فيقولون القيام والقعود، ولا تسمعهم يقولون القيام والجلوس، يقال قعد الرجل عن قيامه، وجلس عن ضجعه واستلقائه. وحكي أن النضر بن شميل دخل على المأمون عند مقدمه مرو، فمثل وسلّم، فقال له المأمون: اجلس، فقال: يا أمير المؤمنين: أمضطجع فأجلس؟ قال: فكيف أقول؟ قال: قُل اقعد. فعلى هذا المختار من الروايتين هو الإجلاس، لما أشرنا إليه من دقيق المعنى وفصيح الكلام، وهو الأحقّ والأجدر ببلاغة الرسول ﷺ . ولعلّ من روى "فيقعدانه" ظن أن اللفظين ينزلان من المعنى منزلة واحدة. ومن هذا الوجه أنكر كثير من السلف رواية الحديث بالمعنى، خشية أن يزلّ في الألفاظ المشتركة فيذهب عن المعنى المراد جانباً". انتهى قوله: "قد بَدَّلَكَ الله بهِ مَقْعَداً في الجنَّة". فيه دخول الباء على المتروك، واشتهر أنه المعروف لغة. [رأي أبي حيان في دخول الباء على المتروك] قال أبو حيان في شرح التسهيل: "هذه المسألة غلط فيها كثير من المصنفين في العلوم، ومن الشعراء، فيدخلون الباء على مالا يصح دخولها عليه في لسان العرب، وينصبون ما تدخل عليه في لسان العرب، ففي المنهاج لأبي

стр. 122

زكرياء النووي: "ولو أبدل ضادا بظاء لم يصحّ في الأصحّ". يعني في قوله: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ ولو جرى كلامه على اللسان العربي لقال: "ولو أبدل ظاء بضاد" أي جعل بدل الضاد ظاء، فالمنصوب هو الذي يصير عوضا، وما دخلت عليه الباء هو الذي يكون معوَّضاً منه. وهذا جار في هذه المادة من أَبْدَل وبدَّل وتبدَّل، المنصوب هو المعوّض الحاصل، وما دخلت عليه الباء هو المعوّض منه الذاهب. فإذا قلت: أبدلتُ ديناراً بدرهمٍ، فمعناه: اعتضتُ ديناراً عوض الدرهم، فالدينار هو الحاصل المعوّض، والدرهم هو الخارج عنك المعوّض منه. وهذا عكس ما يفهم العامة، وكثير ممّن يعاني العلوم. وعلى ما ذكرناه جاء كلام العرب، قال الشاعر: تَضْحَكُ منيّ أُخْتُ ذاتِ النِّحْييَن. أبْدَلَكِ الله بلوْنٍ لَوْنين سَوادَ وَجْهٍ وَبيَاضَ عينين ألا ترى كيف أدخل على المعوَّض منه الباء، وهو قوله "بلونٍ" ونصب "لونين" وهو المعوّض. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ﴾. وقال تعالى: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ﴾ وقال تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ أي يستبدل بكم قوما غيركم. وقال تعالى: ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْراً مِنْهَا﴾ تقديره: أن يبدلنا بها خيراً منها، فحذف "بها" أي بالجنة التي طيف بها. وقال تعالى: ﴿فَأَرَدْنَا

стр. 123

أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً﴾ أي يبدلهما به. وعلى هذا نظم علماء الشعراء، قال أبو تمام: تبدَّلَ غاشيهِ بريم مُسَلِّمٍ ... تَردَّى رداءَ الحُسْنِ وَشْيا مُنَمْنَما وبالحَلْي إنْ قامت ترُّنمَ فوقها ... حماما إذا لاقى حماماً ترنَّما وبِالخَدْلَةِ السّاقِ المخدَّمةِ الشَّوى ... قَلائصُ يَتْلُون العَبَنَّى المُخَدَّما وقد يجوز حذف حرف الجر لدلالة المعنى على العوض والمعوّض منه، قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ أي بسيئاتهم حسنات. وقال تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ﴾ أي بغير الأرض. وقد يقع موقع الباء التي تدخل على المعوّض منه "بعد" وهي دالّة على سبق المعوّض منه وذهابه بالعوض، قال الشاعر: وبُدِّلْتُ قَرْحاً دامياً بَعْدَ ... صِحَّةٍ لَعلَّ منايانا تَحوَّلْنَ أبْؤُسا معناه: وبدّلت قرحاً دامياً بعد صحة أي عُوّضت بدل الصحة قرحاً. وأصل أبدل وبدّل أن يتعدّى لاثنين منصوبين ولثالث بالباء، ألا ترى كيف صرّح بذلك في قوله: أَبدلكِ الله بلَونٍ لَوْنينْ وفي قوله: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ وقد جرت عادة النحويين أن يقولوا: "أبدلت كذا بكذا" ولا يذكرون المفعول الأوّل، وأيضا فليس المعنى عليه، لأنك إذا قلت: أبدلت هذا الحرف بهذا الحرف، لا يريدون أبدلتك هذا الحرف بهذا الحرف، على أنه لا يبعد أن يكون أصله هكذا، ثم حذف المفعول الأوّل، وكثر حذفه في

стр. 124

اصطلاحهم حتى صار نسياً لا يراد معناه بوجه. انتهى. وقد ألف في هذه المسألة الإمام أبو سعيد فرج بن قاسم بن لُبَ الغرناطي رسالة حسنة، ولا بأس بإيرادها هنا لتستفاد، قال: الحمد لله الذي جعل العلوم الشرعية مناهل صافيةً تورد، ومصابيح نيِّرةً توقد، وقيّض لها حملة مجالسها عليهم تُعقد، وأحاديثها لديهم تنشد، وزيفها لديهم ينقد، وضالتها عليهم تنشد، والصلاة والسلام على نبيِّه ورسوله أفضل صلاة تامة، وأزكى سلام سرمديّ مؤبَّد. وبعد فإني سئلت عن مسألة تعيين محل دخول الباء من مفعولي بدَّل وأبدلوما يراجع إليهما في المادّة. وكان الذي حمل السائل على السؤال عن ذلك أنه سمع بعض علماء اللسان ينكر مثل قول القائل: فعمّا قليل يبدّل العُسْرُ باليُسْر، يزعم أنه لحن، خارج عن كلام العرب، وأن صواب الكلام يبدّل اليُسر بِالعسر، أَي يجعل اليُسر بديل العُسْرِ وعِوَضه. قال: فإنما تدخل الباء بعد هذا الفعل أبدا على المتروك، ويجرّد الحاصل منها، فهو الذي يقام مقام الفاعل على اللزوم. فصوّبت للسائل ذلك المقال، وأنكرت ذلك الإنكار. فسألني تقييد المسألة ببسط وبيان، فقلت في الجواب، والله سبحانه المستعان: إن لأفعال هذه المادة في الاستعمال أربعة أوجه: أحدها: أن يقصد بالتبديل أو الإبدال تغيير الشيء بنقله وتحويله، فيتعدى إلى اسمين منقول ومنقول إليه، ومحل دخول الباء في هذا الوجه إنما هو العوض الحاصل، ويجرّد المتروك لأنه المغيّر، فإنما تريد أخلفت هذا بذاك ونسخته به، وعلى هذا يصح ما أنكره المنكر. قال ثعلب: "التبديل تغيير الصورة إلى غيرها" وقال

стр. 125

الفراء: "كل ما غيّر عن حاله فهو مبدَّل، وقد يجوز التخفيف" وقال ابن النحاس: "بدّلت خاتمي أي غيّرته" وقال الزمخشري في قوله تعالىِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ﴾: "التبديل هو التغيير، كقولك: بدّلتُ الحلْقة خاتما، إذا أذبتها وسويتها خاتما، فنقلتها من شكل إلى شكل، قال: فهو تغيير في الصفات. قال: وقد يكون في الذوات كقولك: بدّلتُ الدراهم دنانير". وقال في قوله تعالى: ﴿بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً﴾: "كأنهم غّيروا شكرها الواجب عليهم إلى الكفر، لما وضعوا الكفر مكانه". ومما يدخل تحت ترجمة التغيير قوله تعالى: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ ﴿أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾. ومما جاء من هذا مع دخول الباء على الحاصل قول حبيب: بِسَيْبِ أبي العبّاسِ بُدّلَ أزلُنا ... بخفْضٍ وصِرْنا بَعْدَ جَزْرٍ إلى مَدِّ فأدخل الباء على الحاصل حين رفع المتروك. ومنه قول أبي الطيّب: أبْلَى الأجِلَّةَ مُهْري عند غيرِكُمُ ... وبُدِّلَ العُذْرُ بالفُسطاطِ والرَّسَنُ يقول: طال مقامي عند غيركم لأنه أكرمني، ولم يسأم مثواي عنده، حتى بلي

стр. 126

جُلُّ مهري بطول مكثه على ظهره، وتعوّض منزل الفسطاط من عذاره ورسنه. وقوله أيضا من قصيدة يمدح بها كافورا، وكان أسود: مَنْ لبيضِ المُلوكِ أنْ تُبْدل الـ ... لونَ بِلَوْنِ الأستاذ والَسَحْناءِ يقولَ: من للبيض من الملوك أن يُبدلوا ألوانهم بلون هذا الممدوح وسحنائه. ومنه قول المعرّي: يقولُ إنَّ زماناً يَسْتقيدُ لهم ... حتى يُبَدَّل من بُؤْسٍ بنعماءِ أي حتى يعوَّض من هذه بهذه. وقد يدخل هذا البيت في الوجه الثالث بعد هذا بتقدير: حتى يبدلهم، ومن هذا الوجه البيت الواقع في السِّير، وقصيدة عديّ بن زيد العبّادي وهو قوله: وبُدِّلَ الفَيْجُ بالزُّرافةِ والـ ... أيامُ جُوْنٌ جَمٌّ عَجائِبُها وذلك أن الفيج في البيت هو المنفرد في مشيه، والزّرافة الجماعة، يعني بها الكتائب التي ذكر في القصيدة قبل هذا في قوله: ساقتْ إليها الأسبابُ جُنْدَ بني الـ ... أحرار فُرسانُها مواكبُها حتى رآها الأقوالُ من طَرَفِ الـ ... مَنْقَلِ مُخْضرَّةً كتائِبُها ويريد بالفيج سيف بن ذي يزن الحميري، لأنه خرج بنفسه حتى قدم على قيصر فشكا إليه حال أهل اليمن، فلم يشكه، فأتى النعمان فذهب معه فأدخله على كسرى فشكا إليه، فأصحبه جيشا، كما ذكر صاحب السيَّر. فبدَّل الواحد بالجماعة. وإنْ أراد بالفيج معنى الرسول، كما قال بعض اللغويين، فإن سيفاً كان رسول أهل اليمن.

стр. 127

ثم قد يأتي محل الباء مجرداً منصوباً وهو كثير، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبدَّلُ الأرْضُ غَير الأرْض﴾ وكقوله: ﴿بَدَّلُوا نِعْمَةَ الله كُفْرا﴾ وقوله: ﴿فأولئك يُبدِّلُ الله سَيّئاتِهم حَسنَات﴾. قال الغزنوي في الآية الأولى: "غير" مفعول ثانٍ، أو يقدر بغير الأرض. وقد كثر هذا في استعمال النحاة، في كلام سيبويه وغيره. قال سيبويه: مصليق ومصاليق، أبدلوا السن صادا. وقال في لغة من يقول في الفصد الفزد: إِن تحركت الصّاد لم تبدل فهذا مثل الآية: ﴿ويَومَ تُبدَّلُ الأرْض﴾ لكنه حذف الثاني اختصارا. وهو قد يحذف كما قيل في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ قال مكي: "أن يبدّل دينكم بما أتاكم به". وفي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً﴾ قال الغزنوي: أي أمثالهم ممن يكفر النعم بمن يشكرها. وهو أحد وجهي الآية. الوجه الثاني: أن يقصد بالتبديل أو الإبدال جعل شيء مكان شيء وبدلا منه. فأصل الاستعمال في هذا الوجه تجريد الحاصل ودخول الباء على المتروك، لأنك تريد جعلت هذا بديل هذا وعوضاً منه. فمن هذا قول امرىء القيس: سَنُبْدِلُ إنْ أبْدلْتِ بالودّ آخَرَا وقول معن بن أوس: وكنتُ إذا ما صاحبٌ رامُ ظنّةً ... وبدل سُوءاً بالذي كان يفْعلُ قلبتُ لَهُ ظهْر المِجَنِّ ولَمْ أدُمْ ... على ذاك إلا ريثما أتحوّلُ

стр. 128

والغالب على هذا الوجه في الاستعمال جرّ المتروك بمن، فتقول: أبدلت كذا من كذا. وعليه جرت عادة النحويين في باب البدل. أو يأتي بـ "مكان" أو "بعد" كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ وقوله: ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ﴾. وقد يحذف اختصاراً كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً﴾ على أحد الوجهين فيها، أي أهلكناهم وجئنا بأمثالهم في الخلق غير عاصين، فالتقدير بدّلنا منهم أمثالهم. الوجه الثالث: أن ترد البنية مؤدّية معنى أعطى مُعطَى شيئا عوض شيء، وذلك المعطى هو محل تعاقب العوضين، فيطلب الفعل ثلاثة يتعدى إليها، إلى الآذن المأخوذ منه بنفسه، والى المعطى المأخوذ كذلك، وإلى المتروك بالباء. كقوله تعالى: ﴿وبَدَّلْناهُمْ بِجنَّتيْهم جنَّتين﴾، وكقول القائل: أبْدلكِ الله بلوْنٍ لَوْنينْ سوادَ وَجْهٍ وبَياضَ عَيْنين وقام مقام الباء في هَذا ما يؤدي معناها كقوله تعالى: ﴿وليُبدِّلنَّهم مِنْ بَعْد خَوْفِهم أمْنا﴾. ومنه قول القائل: وبُدّلتُ قرْحا دامياً بعد صحّةٍ وقد تحذف الباء مع محلها اختصاراً لفهم المعنى، كقوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْراً مِنْهَا﴾. أي أن يبدلنا بها خيراً منها.

стр. 129

وقد يضمّن الفعل في هذا الوجه معنى النقل والتحويل، فيتعدى تعدّيه، ومنه قول حبيب بعد قوله: بسيب أبي العباس ..... البيت المتقدم. غَنِيتُ بهِ عَمَّنْ سِواهُ وبُدِّلتْ ... عِجافاً ركابي عن سُعَيْدٍ إلى سَعْدِ أي نقلَت عن هذا إلى هذا. ولا يمتنع في هذا الوجه أن تقول: بدّلتك من كذا بكذا. فتدخل الباء على العوض الحاصل، أي جعلتك تتعّوض كما سيأتي في مثل: تَعَوَّضَ بالحِجارة مِنْ حُجورِ. وقد تقدم الكلام في بيت المعري: حتى تبَّدل مِنْ بُؤسٍ بِنَعْماءِ الوجه الرابع: أن يقصد معنى التعوض أو الاستعاضة، فيكون المعنى أخذت كذا عن كذا أو استخذته، فيتعدى الفعل في هذا الوجه إلى شيئين ينصب أحدهما وهو الحاصل المأخوذ، ويجرّ المتروك بالباء وهو المأخوذ عنه. كقوله تعالى: ﴿ومَنْ يتَبدَّل الكُفْرَ بالإِيمان﴾ أي يتعوض، وكقوله: ﴿ولا أنْ تبدَّلَ بهنَّ مِنْ أزواج﴾ و"من" زائدة دخلت على المنصوب. وكقوله تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ أي تستعيضون. وقد يغني عن الباء ما يؤدي معناها، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ وقد تحذف مع مجرورها، كقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ أي بكم. وربما جرّ الحاصل بالباء والمتروك بمن عند قصد التعوّض، ومنه قول المعري: إذا الفتى ذَمَّ عَيْشاً في شَبيبتِه ... فما يقولُ إذا عَصْرُ الشَّباب مضى وقد تعوَّضْتُ مِنْ كُلً بمشبهه ... فما وجدت لأيّامِ الصبا عوضا

стр. 130

ومنه قول القائل يرثي ابناً صغيراً. تعوّضَ بالحجارَةِ مِنْ حُجُور ... وبانَ عن الُّترْيبِ إلى الُّترابِ ومن أبيات الحماسة: وهَلْ هي إلا مِثْلُ عِرْسٍ تبَدّلتْ ... على رَغْمِها مِنْ هاشمٍ في مُحارب يعني أنها نكحت في هاشم وفارقتهم فنكحت في محارب. وجاء بـ"في" في موضع الباء لمقاربة ما بينهما، والفعل في هذا الوجه مطاوع الفعل في الوجه الذي قبله. تقول: أبدلت الشيء بالشيء، فتبدَّله. فهذه أربعة أوجه على أربعة مقاصد، تتعيّن الباء في المقصد الأوّل المعوّض الحاصل، ويجوز دخولها عليه في بعض المواضع في الثالث والرابع على ما ظهر من التفصيل. ثم قد يمكن ردّ ما ذكر من أمثلة الباء في الوجه الثاني إلى الوجه الثالث بحذف المفعول الأول، كأنه قال في بيت امرىء القيس: سنبدل محلك من نفوسنا إن أبدلت موضعنا من نفسك. وكأنه قال في بيت معن بن أوس: وبدَّلَ سُوءاً بالذي كان يَفْعَلُ ومما يحتمل التنزيل على الوجهين الأول والثاني قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾. قال الزمخشري: أي وضعوا مكان "حطة" قولا غيرها. فأشار معنى الوجه الثاني. كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾. وقال الغزنوي: "قولا" مفعول ثانٍ، أو قالوا قولا. فأرشد بجعله مفعولا ثانيا إلى كونه داخلا في الوجه الأولّ، بحذف أول المفعولين اختصاراً. ويكون هذا الثاني على

стр. 131

إضمار الباء أو دونها، أي بدّلوا القول الذيِ أمروا به بقول غيره، أو بدّلوا القول قولا غيره، كما قال تعالى: ﴿بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً﴾. وأرشد بجعله على إضمار فعل والقول إلى أنهما كلامان بتفصيل بعد إجمال، أي بدّلوا وغيّروا قالوا قولا غير الذي قيل لهم. فإن اطرد التأويل فيما يجد من أمثلة الباء في الوجه الثاني خرج ذلك عن مداخل الباء. ثم يتعلق بهذه الأوجه مسألة في الإبدال والتبديل بالنظر إلى افتراقهما أو اتفاقهما في المعنى. وقد فرّق ثعلب بينهما فقال: الإبدال: تنحية جوهرة واستئناف أخرى. وأنشد لأبي النجم: عَزْلَ الأَمير لِلامير المُبْدَلَ قال: ألا تراه نحّى جسماً وجعل مكانه آخر. والتبديل: تغيير الصورة إلى غيرها والجوهرة بعينها وهو نحو قول الفرّاء، قال في التفسير بدّلت معناه غيّرت، وكل ما غيّر عن حاله فهو مبدَّل، بالتشديد، وقد يجوز بالتخفيف، وليس بالوجه. وإذا جعلت الشيء مكان الشيء قلت أبدلته، كقولك: أبدل هذا الدرهم، أي أعطني مكانه، وبدّلْ جائز فهما متقاربان. قال الفارسي: "بدّل وأبدل متقارِبان كنزّل وأنزل. وقال في تفرقة من فرَّق ليست بشيء. قال تعالى: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ فالخوف ليس بقائم في حال الأمان، يريد على قراءة التثقيل. وقد تأوّلها الفراء على معنى: يجعل سبيل الخوف أمنا. وقال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿بدَّلوا نِعْمةَ اللهِ كُفْراً﴾ أي شُكْر نعمة الله

стр. 132

لما وضعوا الكفر مكان الشكر الذي وجب عليهم، فكأنهم غيّروا الشكر إلى الكفر وبدّلوه تبديلا. يعني إنّ ما يقوم مقام الشيء بأن يجعل محله كأنه هو بضرب من التغيير. وذكر المطرّز عن ثعلب عن سلمة بن عاصم النحوي عن الفراء: أبدلت الخاتم بالحلقة إذا نحيت هذا وجعلت هذا مكانه. وبدّلت الخاتم [بالحلقة]، إذا أذبته وسويته [حلقة]، وبدّلت الحلقة بالخاتم إذا أذبتها وجعلتها خاتماً. قال ثعلب: وحقيقته أن بدّلت إذا غيّرت الصورة إلى صورة غيرها والجوهرة بعينها. وأبدلت إذا نحيت الجوهرة وجعلت مكانها جوهرة أخرى، ومنه قوله: نحَّى السَّديس وانْتحى لِلْمعدلِ ... عَزْلَ الأمير للأمير المُبْدَلِ قال: ألا ترى أنه قد نحّى جسما وجعل مكانه جسماً غيره. قال المطرّز: عرضت الكلام على المّبرد فاستحسنه. وقال لي: قد بقيت لي عليه فاصلة أخرى على أحمد بن يحي. قلت: وماهي؟ أعزّك الله. قال: هي أن العرب قد جعلت بدّلت بمعنى أبدلت، وهو قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [ألا ترى أنه قد أزال السيئات وجعل مكانها حسنات]. قال: وأما شرط أحمد بن يحي فهو معنى قوله تعالى: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾. فهذه [هي] الجوهرة بعينها، وتبديلها تغيير صورتها إلى غيرها، لأنها كانت ناعمة فاسودّت بالعذاب فردّت صورة جلودهم الأولى كلما نضجت تلك الصورة، فالجوهرة واحدة والصور مختلفة. وفي كلام الفراء في ما مثّل به دخول الباء على الحاصل، وتوجّه الفعل على المتروك، كما جعله أبو النجم مبدلا. انتهى الكلام على أقسام المسألة، والحمد لله وحده.

стр. 133

وقد وقفت على فصل في هذا الغرض لأثير الدين أبي حيّان مجتلب من شرحه لتسهيل ابن مالك، رأيت تقييده هنا، وبيان ما فيه، بحول الله تعالى. وساق كلام أبي حيان الذي قدّمته أوّل الحديث برّمته، ثم قال: وقد اجتمعت فيه أشياء جملة: التهجّم بالتخطئة، وعدم اطراد العلة، والقصور في الاطلاع، وخلط الأقسام في الاستدلال، والتناقض في المقال. أما التخطئة بالتهجم فلأنه غلّط كثيراً من المصنفين في العلوم والشعراء وهم في ذلك على صواب. وأما انكسار العلة فلأنه جعل علة دخول الباء كون المحل معوضاً منه ذاهبا، وعلة التجرد منها كونه عوضا حاصلا، وقد ظهر مما تقدم نقلا من كلام الأئمة وسماعا من كلام العرب أن التبديل يكون بمعنى التغيير، وبمعنى القلب والتحويل. ومن المعلوم أن المغير والمحّول إنما هو المعوض منه الذاهب، وقد سلفت شواهد ذلك. وكيف يطرد له ذلك في مثل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ﴾ وإنما معناه تحول هذه الأرض إلى غيرها، أو تغير حالها. ومثل ذلك قول جرير: أبُدِّلَ الليلُ لا تَسْري كواكِبُه ... أمْ طالَ حتى حَسِبْتُ النَّجْم حَيْرانا أي أبدّل الليل غير الليل، لأنه قد عاد له بقوله: "أم طال" أي أم بقي لكنه طال. وأما القصور في الاطلاع فلأنه لم يقف على كلام الأئمة في معنى التغيير والقلب على شهرته وكثرة شواهده. وقد استشهد بطريقته بنظم بعض علماء الشعر كأبيات حبيب، وغابت منه شواهد القرآن، ومن شعر حبيب وأبي الطيب والمعري

стр. 134

وغيرهم ما هو كثير صريح في خلاف قوله. وأما خلطه الأقسام فلأنه جعل أبدل وبدّل وتبدل واستبدل المتوجه على العوض خاصة. وعليهما مع محلهما الذي تعاقبا عليه، كلّ ذلك على سواء في التعدي الذي وصفه. وقد ظهر في التقييد بون ما بين بدّل وأبدل وسائر الأبنية سماعاً من العرب، ونقلا من كلام علماء اللسان. وكذلك البون الذي بين بدّل وأبدل متوجهن على العوضين خاصة، أو عليهما مع محلهما. وتأمل هنا كلام الزمخشري في قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ قال: وقيل هو أن يعطي رديئا ويأخذ جيدا. وعن السُّدّي أن يجعل شاة مهزولة مكان سمينة، يعني الوصي في مال اليتيم. قال: وهذا ليس بتبدّل إنما هو تبديل، يقول: إن المعنى على هذا القول لا تبدلوا خبيثكم بطيب اليتامى. والآية إنما فيها التبديل. وقد يتضمن معنى الأخذ لما يأخذ بما يترك، والوصيّ لم يأخذ الخبيث إنما أخذ الطيب. وفي هذا الكلام من الزمخشري تسليم دخول الباء مع التبديل على المأخوذ الحاصل. وأردت الفرق بين التبدل والتبديل في ذلك، ولم يتفق للمقيد مثال من السماع في محل النزاع إلا آية. آخر كلامه، وهي حجة لخصومه. وأما التناقض فلأنه ساق كلامه على التزام دخول الباء على العوض الذاهب وتجريد الحاصل، ثم ختمه بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ﴾ وقال: أي بغير الأرض، جاعلاً الآية من القبيل الذي ذكر، وألزم فيها ما التزم، وهي على العكس من قوله، وصريحة في مخالفة رأيه، وشاهدة على تقديرِه للباء لصحة مذهب من صرّح بتخطئته. وليتأمل مأخذه في الآية: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ حيث جعل المفعولين مذكورين على سقوط الباء من "قول" وهو المفعول

стр. 135

الثاني عنده، و"غير" هو الأول، فإنه مأخذ بعيد. وقد مرّ من كلام غيره فيها ما هو جلّي ظاهر. وهكذا طريقته في تقدير الآية: ﴿يُبدِّلُ الله يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ أي بسيئاتهم، فإنه مع كونه على مخالفة مقتضى الآية الأخرى: ﴿يوْم تُبدَّلُ الأرْضُ﴾ مخالف لكلام الأئمة واستعمالهم، ودعوى وضع الشيء غير موضعه. فليتأمل أيضا عدم استبعاده في إبدال الحروف بعضها من بعض أن يكون الأصل: أبدلتك هذا الحرف بهذا الحرف، وإنه لبعيد. والذي لا يبعد في ذلك الغرض أن يقدر أبدلت الكلمة هذا الحرف في هذا الآخر، لأن الكلمة هي محل التعاقب، وهذا الوجه الذي أشار إليه هو الذي طرقت احتماله إلى ما جاء من بدّل أو أبدل مع الباء داخلة على العوض الذاهب في الوجه الثاني كما سبق. وهنا انتهى القول في المسألة، والحمد لله وحده. [رجع السيوطي إلى حديث سؤال القبر] قوله (فذكر لنا أنه يُفسحُ له في قبره سبعون ذراعاً) قلت: كذا في الرواية "سبعون" بالواو، على أنه النائب عن الفاعل. قال الشيخ بهاء الدين في التعليقة: "إذا اجتمع فضلات وليس فيها مفعول مُسَرَّح، اختلف النحاة فيها، فمنهم من قال: يجوز إقامة أيها شئت على السواء، ومنهم من قال برجحان بعضها. ثم اختلفوا؛ فقال المغاربة وبعض المشارقة المصدر المختص أرجح، وعللوه بأن الفعل وصل إليه بنفسه، ولا كذلك المفعول المقيد". وقال ابن معط: "المفعول المقيد أولى ثم بعده المصدر. ثم لم يتعرضوا لما بعد ذلك. والذي ظهر لي أن الأولى إقامة المفعول المقيد، ثم ظرف المكان، ثم ظرف الزمان، ثم المصدر المختص. وذلك المفعول المقيد لا يحتاج إلى مجاز في كونه

стр. 136

مفعولا به، وغيره يحتاج إلى التوسّع فيه بجعله مفعولا، فكان المفعول المقيد أولى من غيره لذلك". انتهى. وقال الطيبي: "الأصل يفسح له قبره مقدار سبعين ذراعاً، فجعل القبر ظرفاً للسبعين، وأسند الفعل إلى سبعين مبالغة". قوله (فيقال له: لا دَرَيْتَ ولا تَلَيْت). قال أبو البقاء: "لا درَيت " بفتح الراء لا غير، من دَرى يدري، مثل رمى يرمي". انتهى. وقال الخطابي: "قوله "ولا تليت" هكذا يرويه المحدثون، وهو غلط، والصواب "ولا ائتَلَيْت" على وزن افتعلت، من قولك ما ألوت هذا الأمر، أي ما استطعته. وقال صاحب الفائق: "معناه ولا اتَّبعت الناس بأن تقول شيئا يقولونه، وقيل لا قرأت، فقلبت الواو ياء للمزاوجة" وقال ابن بطال: "الكلمة من بنات الواو، لأنها من تلاوة القرآن، لكنها لما كانت مع "دريت" تكلم بها بالياء ليزدوج الكلام، ومعناه الدعاء عليه، أي لا كنت داريا ولا تاليا". وقال ابن بري: "من روى "تليت" فأصله "ائتليت" بالهمز، فحذفت تخفيفا، فذهبت همزة الوصل، وسهلت لمزاوجة "دريت". وقال الطيبي: "يجوز أن يكون من قولهم: تلا فلان تلو غير عاقل، إذا عمل عمل الجهّال، أي لا علمت ولا جهلت، يعني هلكت فخرجت من القبيلين". وقال الجوهرى: "اتْلَت الناقةُ إذا تلاها ولدها. ومنه قولهم: لا دريت ولا أتْليت، يدعو عليه بأن لا تُتْلى إبله، أي لا يكون لها أولاد". وقال الأزهرى: "يروى "ولا ائْتليْت " يدعو عليه". وفي فتح الباري: "قال ثعلب "ولا

стр. 137

تليت لعله تلوت، أي لا فهمت ولا قرأت القرآن. والمعنى لا دريت ولا اتبعت من يدري. وإنما قاله بالياء لمؤاخاة "دريت". وقال ابن السكيت: "قوله "ولا تليت" إتباع ولا معنى له. وقيل صوابه "ولا ائْتَليْت " بزيادة همزة قبل المثناة بوزن افتعلت [من قولهم: ما ألوت أي ما استطعت، حكى ذلك عن الأصمعي] وبه جزم الخطابي. وقال الفرّاء: "أي قصّرت، كأنه قيل: لا دريت ولا قصّرت في طلب الدراية، ثم أنت لا تدري". وقال الأزهري: "الألو" يكون بمعنى الجهد، وبمعنى التقصير، وبمعنى الاستطاعة" وحكى ابن قتيبة [عن يونس بن حبيب] أن صواب الرواية "ولا أتليت " بزيادة ألف وتسكين المثناة، كأنه يدعو عليه بأن لا يكون له من يتبعه، وهو من الإتلاء. يقال: ما أتْلت إبله أي لم تلد أولاداً يتبعونها. وقال: قول الأصمعي أشبه بالمعنى، أي لا دريت ولا استطعت أن تدري قوله (يَسْمعُها مَنْ يليه غيرَ الثقلين). قال الطيبي: "غير" منصوب على الاستثناء". ١٥٩ - حديث (اعتدلوا في السجود ولا يَبْسُط أحدُكم ذراعيه انبساط الكلب) . قال القرطبي: "هو مصدر على غير حدّه، وفعله ينبسط، لكن لما كان انبسط

стр. 138

من بسط جاء المصدر عليه، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتاً﴾ " وقال الكرماني: " أي لا يبسط فينبسط انبساط الكلب، مثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتاً﴾. وقال بعضهم انبسط بمعنى بسط، كقوله اقتطع وقطع". وروي "ولا ينبسط". ١٦٠ - حديث (جاء رَجُلٌ فقال: يارسول الله إني أصبتُ حدّاً فأقِمْهُ عليّ) . قال الطيبي: "فإن قلت: ما الفرق بين معنى "على" في قوله "فأقمه عليّ" و"في" في قوله "فأقمْ فيّ كتاب الله"؟ قلت: الضمير في قوله "فأقمه" يرجع إلى الحد، فحسن لذلك معنى الاستعلاء. و"كتاب الله" في قوله "فأقمْ فيّ كتاب الله" يراد به الحكم، فهو يوجب "في" بمعنى الاستقرار فيه، وكونه ظرفا مستقرا فيه أحكام الله ... " ١٦١ - حديث (ليس في الخَضْراوات صَدَقة) . قال ابن فلاح في المغني: "فَعْلاء أفعْل نحو حمراء وصفراء لا يجمع بالألف والتاء، كما لم يجمع مذكرّها بالواو والنون، لأن المؤنث تابع للمذكر في الجواز والمنع، ولأن الصفة ثقيلة لكونها مشتقة من الفعل، وهذا الجمع ثقيل، فجمعها يوجب زيادة في الثقل، فلذلك رفض جمعها. قال: وأما "الخضراوات" في هذا الحديث فإنه كالاسم، إذ كان صفة غالبة لا يذكر معها الموصوف". انتهى. وقال ابن الأثير في النهاية: "قياس ما كان على هذا الوزن من الصفات أن لا

стр. 139

يجمع هذا الجمع، وإنما يجمع به ما كان اسماً لا صفة نحو: صحراء وخنفساء. قال: وإنما جمع هذا الجمع لأنه قد صار اسماً لهذه البقول لا صفة. تقول العرب لهذه البقول "الخضراء" لا تريد لونها. قال: ومنه الحديث التالي. ١٦٢ - حديث: "أتي بقدر فيها خَضِرات" بكسر الضاد، أي بقول، واحدها خضِرَة ". وقال الرضي: "أجاز ابن كيسان جمع فَعْلاء أفْعل وفَعْلى فَعْلان بالألف والتاء، ومنعه الجمهور. فإن غلبت الاسمية على أحدهما جاز اتفاقا كقوله ﵇: "ليس في الخضراوات صدقة". ١٦٣ - حديث (اطلبوا العلم ولو بالصين) . قال الرضي: "قد تدخل الواو على أن المدلول على جوابها بما تقدم، ولا تدخل إلا إذا كان ضد الشرط المذكور أولى بذلك المقدّم، الذي هو كالعوض عن الجزاء من ذلك الشرط، كقولك: أكرمه وإنْ شتمني. فالشتم بعيد من إكرامك الشاتم، وضدّه وهو المدح أولى بالإكرام. وكذلكَ قوله "اطلبوا العلم ولو بالصين". والظاهر أن الواو الداخلة على كلمة الشرط في مثله اعتراضية. ونعني بالجملة الاعتراضية ما يتوسط بين أجزاء الكلام متعلقاً به معنى مستأنفاً لفظاً على طريق الالتفات، كقوله: فأنت طلاقٌ - والطلاقُ أَليَّة- وقوله: يرى كُلَّ مَنْ فيها- وحاشاكَ- فانيا وقد يجيء بعد تمام الكلام، كقوله ﵇ "أنا سيّد ولد آدم ولا فخر"،

стр. 140

فتقول في الأوّل: زيدٌ وإن كان غنياً بخيل، وفي الثاني: زيدٌ بخيل وإن كان غنياً. فجواب الشرط في مثله مدلول الكلام، أي إذا كان غنياً فهو بخيل، فكيف إذا افتقر، والجملة كالعوض من الجواب المقدّر، كما تقرر، ولو أظهرته لم تذكر الجملة المذكورة ولا الواو الاعتراضية، لأن جواب الشرط ليس جملة اعتراضية. وقال الجنزي: هو واو العطف، والمعطوف عليه محذوف، وهو ضدّ الشرط المذكور، الذي قلنا إنه [هو] الأولى بالجزاء المذكور. فالتقدير عنده: زيدٌ إن لم يكن غنياً وإن كان غنياً فبخيل. وقد تقرر أنه يجوز حذف المعطوف عليه مع القرينة، لكن يلزمه أن يأتي بالفاء في الاختيار، فتقول: زيدٌ وإن كان غنياً فبخيل، لأن الشرط لا يلغى بين المبتدأ والخبر اختيارا. وأما على ما اخترنا من أن الواو اعتراضية فيجوز، لأن الاعتراضية تفصل بين أي جزأين من الكلام كانا بلا تفصيل إذا لم يكن أحدهما حرفا. وعن الزمخشري أن الواو في مثله للحال، فيكون الذي هو كالعوض عن الجزاء عاملا في الشرط نصبا على أنه حال، كما عمل جواب "متى" عند بعضهم في "متى" النصب على أنه ظرفه، ومعنى الحال والظرف متقاربان. ولا يصح اعتراض الجنزي عليه، فإن معنى الاستقبال الذي في "إنْ" يناقض معنى الحال الذي في الواو، لأن حالية الحال باعتبار عامله مستقبلاً كان العامل أو ماضيا نحو: اضربه غدا مجرداً، وضربته أمس مجردا، واستقبالية شرط "إنْ" باعتبار زمان المتكلم، فلا تناقض بينهما". انتهى. وقال أبو حيان: "الذي يظهر لي أن الواو الداخلة على الشرط في مثل: أقوم وإنْ قُمتَ، وأَضْربُ زيدا وانْ أحسن إليك، للعطف، لكنها لعطف حال على حال محذوفة يتضمنها السابق، تقديره: أقومُ على كل حال وإنْ قمت، أَضربُ زيداً على كل حال وإن أحسن إليك، أي وفي هذه الحال. وكذلك حكمنا إذا دخلت على نحو:

стр. 141

"أعطوا السائل ولو جاء على فرس" "رُدّوا السائل ولو بِظِلْف" "أولمْ ولو بشاة". المعنى: أعطوه كائنا مِنْ مَنْ كان ولو جاء .. ، أوْلم على كل حال ولو بشاة، ردّوه بشيء ولو بظلف. ولا تجيء هذه الحال إلا منبهة على ما كان يتوهم أنه ليحس مندرجاً تحت عموم الحال المحذوفة فأدرج تحته، ألا ترى أنه لا يحسن: أعطي السائل ولو كان فقيراً، ولا أضرب زيداً وإن ما .. " انتهى. ومن أمثلة ذلك حديث "لا تمنع المرأة زوجها وإن كانت على ظهر قَتَب" وحديث "إذا أراد أحدكم من امرأته حاجة فليأتها ولو كانت على تنُّور" وحديث "إنّ الله يحبُّ السَّماحة ولو على تمرات، ويحب الشَّجاعة ولو على قتل حية" وحديث "بعْها وِلو بضَفير" وحديث "أَلا خمرْتَهُ ولو أن تَعْرُضَ عليه عوداً" وحديث "تصدَّقْنَ ولو من حُليّكن". قال الطيبي: "لو" في هذا الحديث للمبالغة". وحديث "إذا صلى أحدُكم فليستتر لصلاته ولو بسهم". وحديث "إذا أتى أحدكم أهلَه فلْيُطْرِفْهم ولو

стр. 142

حجارة". وحديث "لا تبتعه وان أعطاكه بدرهم". وحديث "اغتسل يوم الجمعة ولو كأساً بدينار". وحديث "التمس ولو خاتما من حديد" قال التوربشتى: "هذا للمبالغة". وحديث "اعتزلوهم ولو أن تعضَّ بأصل شجرة". قال الطيبي: "هذا شرط تعقب به الكلام تتميماً ومبالغة، أي اعتزل الناس اعتزالاً لا غاية بعده، ولو قنعت فيه بعضّ أصل الشجر فإنه خير لك". وحديث "تسّحروا ولو بجرعة من ماء". وحديث "تعشوا ولو بكفّ من حَشَف". وحديث "لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تُعْطى صِلَة الحبْل، ولو أن تعطي شِسْع النَّعل، ولو أن تُفْرغ من دلوك في إناء المستسقي، ولو أن تنحيّ الشيء من طريق الناس يؤذيهم، ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منطلق، ولو أن تأتي أخاك فتسلم عليه، ولو أن تؤنس الوحشان في الأرض". وحديث "من بنى

стр. 143

لله مسجدا ولو مفْحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة". وحديث "بلّغوا عني ولو آية". وحديث "أفي الوضوء إسراف؟ قال نعم وإنْ كُنت على نهر جارٍ". ١٦٤ - حديث (اتخذ خاتماً من فضّة نقشُه محمدٌ رسولُ الله) . قال الكرماني: "نقشه" مبتدأ، و"محمد رسول الله" جملة خبره. فإن قلت: أين العائد في الجملة إلى المبتدأ؟ قلت: إذا كان الخبر عن المبتدأ فلا حاجة إلى العائد، هو في تقدير المفرد، أي الكلمة مثلا، كأنه قال: نقشه هذه الكلمة، وإعراب أمثاله يكون بحسب المنقول لا بحسب المنقول إليه". وقال الحافظ زين الدين العراقي: "قوله "رسولُ الله" صفة لقوله "محمد" لا خبر له، ويكون خبر المبتدأ محذوفاً، أي صاحبه أو مالكه رسول الله". ١٦٥ - حديث (كان أبو طلْحةَ أكثرَ أنصاريّ بالمدينة مالا) . قال الزركشي: "نصب "أكثر" نصب خبر كان، و"مالا" نصبٌ على التمييز".

стр. 144

وقال الكرماني: "فإن قلت: القياس يقتضي أن يقال أكثر الأنصار. قلت: أراد التفضيل على التفصيل، أي أكثر من كل واحد من الأنصار". قوله (وكان أحبّ الأموال إليه بَيْرُحا). قال التيمي: "بيرُحا" بالرفع اسم كان، و"أحبَ" بالنصب خبرها، ويحوز العكس". قال الزركشي: "والأوّل أحسن، لأن المحدّث عنه "بيرحا" فينبغي أن تكون هي الاسم". ثم قال التيمي: "وجاء مقصوراً، كذا المحفوظ، ولا يظهر فيه إعراب". قال الكرماني: "أي فهو كلمة واحدة، لا مضاف ومضاف إليه. قال: ويجوز أن يمدّ في اللغة". وقال عياض: "رواية المغاربة بضم الراء في الرفع وبفتحها في النصب وبكسرها في الجر مع الإضافة إلى حاء على حرف المعجم". قوله (بخ). قال الداودي: "هي كلمة تقال عند المدح، وللرفق بالشيء، وتكرّر للمبالغة". وقال النووي: "قال أهل اللغة يقال "بخ" بإسكان الخاء وتنوينها مكسورة". وحكى القاضي عياض الكسر بلا تنوين. وحكى الأصمعي التشديد فيه. قال القاضي: "وروي بالرفع. وإذا كررت فالاختيار تحريك الأوّل منوّناً وإسكان الثاني". وقال ابن دريد: "معناه تعظيم الأمر وتفخيمه. وسكنت الخاء فيه كسكون اللام في هَلْ وبَلْ. ومن نوّنه شبّهه بالأصوات كصه ومه". وقال ابن السكيت: "بخ بخ وبه به بمعنى واحد" قوله (ذلك مالٌ رابح). معناه ذو ربح، كـ"الابن" و"تامر". وقيل: هو فاعل بمعنى مفعول أي مربوح فيه. ١٦٦ - حديث (أنّه رأى عبد الرَّحمن بن عَوْف وعليه وضَرٌ من صُفْرة، فقال: مَهْيَم) .

стр. 145

قال أبو البقاء: " [مهيم] هو اسم للفعل، والمعنى ما يمّمْت، أي ماقصدت؟ وقيل تقديره ما وراءك؟ " انتهى. وقال ابن الجوزي: "معناه ما حالك؟ ". وقال ابن مالك في التوضيح: "مهيم" اسم فعل بمعنى أخبرني". وقيل هي كلمة يمانية وفي حديث البخاري في قصة إبراهيم وسارة "فأتته وهو قائم يصلى، فأومأ بيده مهيا" وفي رواية ابن السكن: "والقياس مَهْين بالنون بدلاً من الميم". قال الزركشي: "وكأنه لما سمعه منوّناً ظن التنوين نوناً". ١٦٧ - حديث "فرأيت الماء ينبعُ من تحت أصابعه حتى توضؤوا مِنْ عند آخرهم ". قال العلامة شمس الأئمة الكرماني في شرح البخاري: "حتى" للتدريج. و"من" للبيان، أي توضأ الناس، حتى توضأ الذين هم عند آخرهم وهو كناية عن جميعهم. و"عند" بمعنى في. لأن "عند" وإن كانت للظرفية الخاصة، لكن المبالغة تقتضي أن تكون لمطلق الظرفية، فكأنه قال الذين هم في آخرهم". وقال النووي: "مِنْ" في "مِنْ عند آخرهم" بمعنى إلى، وهي لغة. قال الكرماني: "وُرود "مِنْ" بمعنى إلى شاذ لم يقع في فصيح الكلام، ثم إنّ "إلى" لا يجوز أن تدخل على عند. ثم إن ما بعد "إلى" مخالف لما قبلها، فيلزم خروج "من عند آخرهم" عنه. وقال التيمي: "المعنى توضؤوا كلّهم حتى وصلت النوبة إلى الآخر".
следующие страницы →