← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14299

عقود الزبرجد على مسند الإمام أحمد - ت القضاة

الجلال السيوطي

Полный текст (1 226 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

"أعطوا السائل ولو جاء على فرس" "رُدّوا السائل ولو بِظِلْف" "أولمْ ولو بشاة". المعنى: أعطوه كائنا مِنْ مَنْ كان ولو جاء .. ، أوْلم على كل حال ولو بشاة، ردّوه بشيء ولو بظلف. ولا تجيء هذه الحال إلا منبهة على ما كان يتوهم أنه ليحس مندرجاً تحت عموم الحال المحذوفة فأدرج تحته، ألا ترى أنه لا يحسن: أعطي السائل ولو كان فقيراً، ولا أضرب زيداً وإن ما .. " انتهى. ومن أمثلة ذلك حديث "لا تمنع المرأة زوجها وإن كانت على ظهر قَتَب" وحديث "إذا أراد أحدكم من امرأته حاجة فليأتها ولو كانت على تنُّور" وحديث "إنّ الله يحبُّ السَّماحة ولو على تمرات، ويحب الشَّجاعة ولو على قتل حية" وحديث "بعْها وِلو بضَفير" وحديث "أَلا خمرْتَهُ ولو أن تَعْرُضَ عليه عوداً" وحديث "تصدَّقْنَ ولو من حُليّكن". قال الطيبي: "لو" في هذا الحديث للمبالغة". وحديث "إذا صلى أحدُكم فليستتر لصلاته ولو بسهم". وحديث "إذا أتى أحدكم أهلَه فلْيُطْرِفْهم ولو

стр. 142

حجارة". وحديث "لا تبتعه وان أعطاكه بدرهم". وحديث "اغتسل يوم الجمعة ولو كأساً بدينار". وحديث "التمس ولو خاتما من حديد" قال التوربشتى: "هذا للمبالغة". وحديث "اعتزلوهم ولو أن تعضَّ بأصل شجرة". قال الطيبي: "هذا شرط تعقب به الكلام تتميماً ومبالغة، أي اعتزل الناس اعتزالاً لا غاية بعده، ولو قنعت فيه بعضّ أصل الشجر فإنه خير لك". وحديث "تسّحروا ولو بجرعة من ماء". وحديث "تعشوا ولو بكفّ من حَشَف". وحديث "لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تُعْطى صِلَة الحبْل، ولو أن تعطي شِسْع النَّعل، ولو أن تُفْرغ من دلوك في إناء المستسقي، ولو أن تنحيّ الشيء من طريق الناس يؤذيهم، ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منطلق، ولو أن تأتي أخاك فتسلم عليه، ولو أن تؤنس الوحشان في الأرض". وحديث "من بنى

стр. 143

لله مسجدا ولو مفْحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة". وحديث "بلّغوا عني ولو آية". وحديث "أفي الوضوء إسراف؟ قال نعم وإنْ كُنت على نهر جارٍ". ١٦٤ - حديث (اتخذ خاتماً من فضّة نقشُه محمدٌ رسولُ الله) . قال الكرماني: "نقشه" مبتدأ، و"محمد رسول الله" جملة خبره. فإن قلت: أين العائد في الجملة إلى المبتدأ؟ قلت: إذا كان الخبر عن المبتدأ فلا حاجة إلى العائد، هو في تقدير المفرد، أي الكلمة مثلا، كأنه قال: نقشه هذه الكلمة، وإعراب أمثاله يكون بحسب المنقول لا بحسب المنقول إليه". وقال الحافظ زين الدين العراقي: "قوله "رسولُ الله" صفة لقوله "محمد" لا خبر له، ويكون خبر المبتدأ محذوفاً، أي صاحبه أو مالكه رسول الله". ١٦٥ - حديث (كان أبو طلْحةَ أكثرَ أنصاريّ بالمدينة مالا) . قال الزركشي: "نصب "أكثر" نصب خبر كان، و"مالا" نصبٌ على التمييز".

стр. 144

وقال الكرماني: "فإن قلت: القياس يقتضي أن يقال أكثر الأنصار. قلت: أراد التفضيل على التفصيل، أي أكثر من كل واحد من الأنصار". قوله (وكان أحبّ الأموال إليه بَيْرُحا). قال التيمي: "بيرُحا" بالرفع اسم كان، و"أحبَ" بالنصب خبرها، ويحوز العكس". قال الزركشي: "والأوّل أحسن، لأن المحدّث عنه "بيرحا" فينبغي أن تكون هي الاسم". ثم قال التيمي: "وجاء مقصوراً، كذا المحفوظ، ولا يظهر فيه إعراب". قال الكرماني: "أي فهو كلمة واحدة، لا مضاف ومضاف إليه. قال: ويجوز أن يمدّ في اللغة". وقال عياض: "رواية المغاربة بضم الراء في الرفع وبفتحها في النصب وبكسرها في الجر مع الإضافة إلى حاء على حرف المعجم". قوله (بخ). قال الداودي: "هي كلمة تقال عند المدح، وللرفق بالشيء، وتكرّر للمبالغة". وقال النووي: "قال أهل اللغة يقال "بخ" بإسكان الخاء وتنوينها مكسورة". وحكى القاضي عياض الكسر بلا تنوين. وحكى الأصمعي التشديد فيه. قال القاضي: "وروي بالرفع. وإذا كررت فالاختيار تحريك الأوّل منوّناً وإسكان الثاني". وقال ابن دريد: "معناه تعظيم الأمر وتفخيمه. وسكنت الخاء فيه كسكون اللام في هَلْ وبَلْ. ومن نوّنه شبّهه بالأصوات كصه ومه". وقال ابن السكيت: "بخ بخ وبه به بمعنى واحد" قوله (ذلك مالٌ رابح). معناه ذو ربح، كـ"الابن" و"تامر". وقيل: هو فاعل بمعنى مفعول أي مربوح فيه. ١٦٦ - حديث (أنّه رأى عبد الرَّحمن بن عَوْف وعليه وضَرٌ من صُفْرة، فقال: مَهْيَم) .

стр. 145

قال أبو البقاء: " [مهيم] هو اسم للفعل، والمعنى ما يمّمْت، أي ماقصدت؟ وقيل تقديره ما وراءك؟ " انتهى. وقال ابن الجوزي: "معناه ما حالك؟ ". وقال ابن مالك في التوضيح: "مهيم" اسم فعل بمعنى أخبرني". وقيل هي كلمة يمانية وفي حديث البخاري في قصة إبراهيم وسارة "فأتته وهو قائم يصلى، فأومأ بيده مهيا" وفي رواية ابن السكن: "والقياس مَهْين بالنون بدلاً من الميم". قال الزركشي: "وكأنه لما سمعه منوّناً ظن التنوين نوناً". ١٦٧ - حديث "فرأيت الماء ينبعُ من تحت أصابعه حتى توضؤوا مِنْ عند آخرهم ". قال العلامة شمس الأئمة الكرماني في شرح البخاري: "حتى" للتدريج. و"من" للبيان، أي توضأ الناس، حتى توضأ الذين هم عند آخرهم وهو كناية عن جميعهم. و"عند" بمعنى في. لأن "عند" وإن كانت للظرفية الخاصة، لكن المبالغة تقتضي أن تكون لمطلق الظرفية، فكأنه قال الذين هم في آخرهم". وقال النووي: "مِنْ" في "مِنْ عند آخرهم" بمعنى إلى، وهي لغة. قال الكرماني: "وُرود "مِنْ" بمعنى إلى شاذ لم يقع في فصيح الكلام، ثم إنّ "إلى" لا يجوز أن تدخل على عند. ثم إن ما بعد "إلى" مخالف لما قبلها، فيلزم خروج "من عند آخرهم" عنه. وقال التيمي: "المعنى توضؤوا كلّهم حتى وصلت النوبة إلى الآخر".

стр. 146

وقال الحافظ ابن حجر: "ما قاله الكرماني في تعقبه على النووي من أن "إلى" لا تدخل على "عند" لا يلزم مثله في "من" إذا وقعت بمعنى إلى. وعلى توجيه النووي يمكن أن يقال "عند" زائدة". وقال الكرماني في موضع آخر في هذا الحديث: "كلمة "من" هنا بمعنى إلى، وهي لغة، والكوفيون يجيزون مطلقاً وضع حروف الجر بعضها مقام بعض". ١٦٨ - حديث (نزلت على رسول الله ﷺ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ مرجعه من الحديبية) . قال أبو البقاء: "بالنصب للمرجع، مصدر مثل الرجوع، والتقدير: نزلت عليه وقت رجوعه، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه". ١٦٩ - حديث "إن الله تعالى وكّل بالرحم ملكاً يقول: أيْ ربّ نُطْفة، أيْ ربّ علقة، أيْ رب مُضْغة ". قال الكرماني: " [نُطفة] بالرفع خبر مبتدأ محذوف، أي هذه نطفة. وبالنصب أي جعلت أنا المنيَّ نطفة في الرحم، أو صار نطفة، أو خلقت أنا نطفة. وقوله: "فإذا أراد أن يقضي خلقه قال أذكر أم أنثى شقيّ أم سعيد؟ " فإن قلت: "ذكر" مبتدأ أو خبر؟ قلت: مبتدأ. وقد تخصصّ بثبوت أحدهما إذ السؤال فيه عن التعيين،

стр. 147

فصلح الابتداء به. وروي "أذكراً" بالنصب أي أتريد أو أتخلق؟ فإن قلت: أم المتصلة ملزومة بهمزة الاستفهام فأين هي؟ قلت: مقدّرة وجوباً، ووجودها في قرينتها يدل عليه". ١٧٠ - حديث "عَجبتُ للمؤمن إنّ الله تعالى لم يَقْض له قضاء إلا كان خيراً له ". قال أبو البقاء: "الجيد "إنّ" بالكسر على الاستئناف. ويجوز الفتح على معنى في أن الله، أومن أن الله". ١٧١ - حديث (مُرَّ على النبي ﷺ ببدنة، فقال: ارْكَبْها، قالوا: إنها بَدَنَة. قال: وإِنْ) . قال النووي: "هكذا في جميع النسخ "وإنْ" فقط، أي وإن كانت بدنة". ١٧٢ - حديث (قَدِمَ النبيُّ ﷺ المدينة وأنا ابن عشر، وكُنَّ أمَّهاتي يَحْثُثْنني على خدمته) الحديث . قال أبو البقاء: "النون في "كنّ" حرف يدل على جمع المؤنث، وليست اسمًا

стр. 148

مضمراً، لأن "أمهاتي" هو اسم كان، فلا يكون لها اسمان، ونظير النون هنا الواو في قوله: أكلوني البراغيث، والنون في قول الشاعر: ولكنْ دِيافيٌ أبوه وأمّهُ ... بِحَوْرانَ يعْصِرْن السَّليطَ أقاربه وقوله في الحديث (الأيمن فالأيمن) منصوب بفعل محذوف تقديره: قدّموا الأيمن فالأيمن" انتهى. وقال ابن مالك في توضيحه: "اللغة المشهورة تجريد الفعل من علامة تثنية وجمع عند تقديمه على ما هو مسند إليه، استغناء بما في المسند إليه من العلامات نحو: حضر أخواك، وانطلق عبيدُك وتبعهم إماؤك، ومن العرب من يقول: حضر أخواك وانطلقوا عبيدُك وتبعتهم إماؤك. والسبب في هذا الاستعمال أن الفاعل قد يكون غير قابل لعلامة تثنية ولا جمع كـ"من" فإذا قصدت تثنيته أو جمعه، والفعل مجرد، لم يُعلم القصد. فأراد أصحاب هذه اللغة تمييز فعل الواحد عن غيره. فوصلوه عند قصد التثنية والجمع بعلامتيهما، وجرّدوه عند قصد الإفراد، فرفعوا اللبس، ثم التزموا ذلك فيما لا لبس فيه ليجري الباب على سنن واحد. وعلى هذه اللغة قول من روى "كُنّ نساءُ المؤمنات يشهدن مع رسول الله ﷺ صلاة الفجر" وقول أنس "فكنّ أمهاتي يحثثنني" وقوله ﷺ "يتعاقبوِن فيكم ملائكة"، وقول الشاعر: رأيْنَ الغواني الشيبَ لاحَ بعارضي ... فَأعْرضْنَ عنّي بالخدُودِ النَّواضرِ

стр. 149

وقال النووي: "ضبط "الأيمن فالأيمن" بالنصب على تقدير: أعط الأيمن، وبالرفع على تقدير: الأيمنُ أحقّ". وقال الزركشي: "يجوز رفعه على الابتداء وخبره محذوف، أي أولى، والنصب بتقدير اسقوا". ١٧٣ - حديث (دخل رسول الله ﷺ المسجدَ وحبلٌ ممدودٌ بين ساريتين) الحديث . قال ابن مالك في توضيحه: "لا يمتنع الابتداء بالنكرة على الإطلاق، بل إذا لم يحصل بالابتداء بها فائدة، نحو: رجلٌ تكلّم، وغلامٌ احتلم، وامرأةٌ حاضت. فمثل هذا من الابتداء بالنكرة يمنع لخلوّه من الفائدة، إذ لا تخلو الدنيا من رجل يتكلم ومن غلام يحتلم ومن امرأة تحيض. فلو اقترن بالنكرة قرينة تتحصّل بها الفائدة، جاز الابتداء بها. فمن القرائن التي تتحصل بها الفائدة الاعتماد على واو الحال كقولك: انطلقتُ وسبعٌ في الطريق، وأتيتُ فلانا ورجلٌ يخاصمُه. ومنه ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ ومنه "دخل رسول الله ﷺ وحبلٌ ممدود" وقول عائشة "دخل رسوله الله ﷺ وبُرْمَةٌ على النار" ومنه قول الشاعر:

стр. 150

سريْنا ونجمٌ قد أضاء فمذ بدا ... مُحيّاك أخفى ضَوؤه كُلَّ شارق وكذا الاعتماد على "إذا" المفاجأة، نحو: انطلقتُ فإذا سبعٌ في الطريق، ومنه قول بعض الصحابة "إذا رجُلٌ يصلي". انتهى. قوله: "ليُصلِّ أحدُكم نشاطه". قال أبو البقاء: "أي مدة نشاطه، فحذف الظرف وأقام المصدر مقامه". وقال الأشرفي في شرح المصابيح: "يجوز أن يكون "نشاطه" بمعنى الوقت، وأن يراد به الصلاة التي نشط لها". وقال الطيبي: "يجوز أن يكون نصبه على المصدر من حيث المعنى، يعني انشطوا في صلاتكم النشاط الذي يليق بحالكم". ١٧٤ - حديث "ذَهبْتُ بعَبْد الله بنْ أبي طلْحة إلى رسول الله ﷺ حين وُلد، ورسولُ الله ﷺ في عباءة يهْنا بعيراً له، فقال: هل معك تمر؟ فقلت: نعم. فناولته تمرات فألقاهنّ في فيه، فلاكهن ثم فغر فا الصبيّ فمجهّ في فيه، فجعل الصبيّ يتلمظه، فقال رسول الله ﷺ : حب الأنصار التمر". قال النووي: [حبّ] روي بضمّ الحاء وكسرها. فالكسر بمعنى المحبوب كالذِّبح بمعنى المذبوح. وعلى هذا فالباء مرفوعة، أي محبوبُ الأنصار التمر. وأما من ضمّ الحاء فهو

стр. 151

مصدر، وفي الباء على هذا وجهان: النصب وهو الأشهر، والرفع؛ فمن نصب فتقديره: انظر حُبَّ الأنصار التمر، فينصب التمر أيضاً. ومن رفع قال هو مبتدأ حذف خبره، أي حبّ الأنصار التمر لازم، أو هكذا، أو عادة من صغرهم". ١٧٥ - حديث "لبَّيْك حقَّاً حقَّا، تعبُّداً ورقاً ". قال في النهاية: "حقا" مصدر مؤكد لغيره، أي إنه أكّد به معنى ألْزَمُ طاعتك، الذي دلّ عليه لبّيْك، كما تقول: هذا عبْدُ الله حقاً، فتؤكده به. وتكريره لزيادة التأكيد. و"تعبّداً" مفعول له". ١٧٦ - حديث "أما إنكم في صلاة ما انتظرتموها ". قال ابن مالك في شرح الكافية: "يجوز كسر "إنّ" بعد "أَما" مقصوداً بها معنى "ألا" الاستفتاحية. وإن قصد بها معنى حقا فتحت". وقال في شرح التسهيل: "روى سيبويه نحو أما إنك ذاهب، بالكسر على جعل "أما" استفتاحية بمنزلة ألا، والفتح على جعل "أما" بمعنى حقا. وتكون "أما" مع الفتح على مرادفة الاستفتاح أيضاً، وما بعدها مبتدأ خبره محذوف، كأنه قال أما معلوم أنك ذاهب. وقد يقع بين "أما" و"إن" يمين فيجوز أيضا الفتح على مرادفة "أما" "حقا"، والكسر على مرادفتها "ألا" ذكر ذلك سيبويه". انتهى. ١٧٧ - حديث "حَسْبُك مِنْ نساء العالمين مَرْيَمُ بنتُ عِمْران .. " الحديث . قال الطيبي: "حَسبُك" مبتدأ، و"من نساء العالمين" متعلق به، و"مريم" خبره،

стр. 152

والخطاب إما علم أو لا نساء. أي كافيك معرفتك فضلهن من معرفة سائر النساء. ١٧٨ - حديث "وما رياضُ الجنة؟ قال: حلق الذكر ". قلت: في النهاية "حِلَق" بكسر الحاء وفتح اللام. جمع حَلْقة، مثل قَصْعة وقصَع. وقال الجوهري: "جمع الحَلقة حَلَق بفتح الحاء على غير قياس. وحكى عن أبي عمرو أن الواحد حَلَقة بالتحريك والجمع حَلَق بالفتح. وقال ثعلب: "كلّهم يجيزه على ضعفه". وقال أبو عمرو الشيباني: " ليس في الكلام حَلَقة بالتحريك إلا جمع حالق". ١٧٩ - حديث "يقولُ الله لأهْوَن أهل النار عذاباً يوم القيامة، لو أنَّ لك ما في الأرْض مِنْ شيء ". قال الطيبي: "أي لو ثبت. لأن "لو" يقتضي الفعل الماضي، وإذاَ وقعت "أن" المفتوحة بعد "لو" كان حذف الفعل واجباً، لأن ما في "أن" من معنى التحقيق والثبات مُنزَّل منزلة الفعل المحذوف.

стр. 153

وقوله: "فأَبَيْت إلا أنْ تُشرك بي" استثناء مفرّغ. وإنما حذف المستثنى منه مع أنه كلام موجب لأنّ في الإباء معنى الامتناع، فيكون نفيا معنى، أي ما اخترت إلا الشرك". ١٨٠ - حديث (مرَّ على امْرأة وهى تبكي على قبر، فقال لها: اتّقي الله واصْبري، فقالت له: إليْك عنّي، فإنك لاتُبالي مُصيبتي) . " إليك" اسم فعل بمعنى تنحَّ. وفي حديث المغيرة بن شعبة "أن رسول الله ﷺ أكل طعاماً ثم أقيمت الصلاة، [فقام] وقد كان توضأ قبل ذلك. فأتيته بماء ليتوضأ منه فانتهرني وقال: وراءك" وفي حديث أبي هريرة "أقيمت الصلاةُ وعُدّلت الصفوفُ قياماً فخرج إلينا رسول الله ﷺ ، فلما قام في مُصلاّه ذكر أنه جُنُب، فقال لنا مكانكم، ثم رجع فاغتسل". قال الزمخشري في المفصّل: "من أسماء الفعل: دُونَك زيدا أي خذه، وعندك عمراً أي الزمه، ومكانك إذا قلت تأخر وحذّرته شيئاً خلفه، وأمامك إذا حذَّرته من بين يديه شيئاً، أو أمرته أن يتقدّم، ووراءك أي انظر إلى خلفك إذا أبصرته شيئاً". وقال الأندلسي: "موضع هذا الباب للمبالغة، لأن من شأن العرب إذا أرادت معنى زائداً على ما يعطيه اللفظ غّيرته وأزالته عن موضعه المعهود، كما تراهم يفعلون في ضارب وضرّاب وراحم ورحمان. وفيه أيضاً اختصار وإيجاز إلا أنه لا يخلو عن توسّع وتجوّز. أما الاختصار فلأن الأصل في قولك: "دونك زيدا": خُذ من دونك زيداً، فحذف

стр. 154

حرف الجر والفعل، وضمّن الظرف معناهما. وأما التجّوز فلأنهم حذفوا أحد اللفظين وجعلوا الآخر نائباً منابه وسادا مسدّه. وإقامة الشيء مقام غيره وحلوله في غير محلّه تجّوز وتوسّع. ثم الألفاظ المستعملة فيه ثلاثة ضروب: عليك وإليك، وظروف المكان نحو عندك ووراءك وأمامك وباقي أسماء الجهات الست، ومصادر نحو حِذْرَك وحذارك. ثم قولك "أمامك" يحتمل وجهين: أن يريد ادْنُ، أو احذر. فإن أردت ادْنُ فلا يتعدّى، وإن أردت احذر تعدّى. فيكون اللفظ واحداً والمراد به مختلف، والقرائن هي الفارقة المفهمة. ويقال في إعرابه إغراء، وفي المنصوب به منصوب بالإِغراء. وإذا ارتفع ما بعد هذه الحروف أو الظروف خرجت عن الإغراء، كقولك: عليك الدَّينُ، وأمامك الجزاءُ. ومن أحكام هذا الأصل أن لا يُغْري به غائب. فمن ذلك: عليك عمراً، ووراءك انظر، وهو ظرف. ومكانك أي الزمه- وهو ظرف. وإليك بمعنى تنح. ووراءك انظر. وهذه المجرورات بمنزلة صَهْ ومَهْ، ولا يقع إلا في الأمر. أما ما روي أنه إذا قيل إليك، فقال: إليَّ، فهذا شاذ مخالف لقياس العرب، ولا يجوز علىَّ زيداً ولا دوني عمراً، إلا أن يريد بعليّ أوْلِني، فيقول: عليّ زيداً، فتوسعت العرب في هذا، فعدَّته مرة إلى المتكلم بحرف الجر، ومرّة إلى المخاطب. ولم يقع توسّع في دونك وعندك. فلا يقولون دوني ولا عندي". انتهى. وقال الرضي: "من أسماء الأفعال الظروف وشبهها. فعندك ودونك ولديك بمعنى خُذ. والأصل: عندك زيدٌ فخذه، وكذا لديك زيدٌ ودونك زيدٌ، برفع ما بعدها على الابتداء. فاقتصر من الجملة الاسمية والفعلية بعدها على الظرف، فكثر استعماله حتى صار بمعنى خُذ فعمل عمله. وهذه الظروف مبنية على الفتح لأنه الحركة التي استحقها في الأصل حين

стр. 155

كانت ظروفاً، فوراءك أي تأخر، وأمامك أي تقدّم أو احذر من جهة أمامك. ويجوز أن يقال هما باقيان على الظرفية، إذ هما لا ينصبان مفعولا، كعندك ولديك، فيكون التقدير استقرّ وراءك وأمامك. وكذا مكانك أي الزم مكانك. ويقال: عليك زيداً أي خذه. كان الأصل عليك أخذه. ويقال إليك عني، والأصل ضمّ عملك إليك وتنحّ عني، فاختصر كما ذكرنا". مسند أوس الثقفي ﵁ ١٨١ - حديث: "كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت ". قال المزني: هكذا يروي المحدثون بسكون التاء لتأنيث العظام، أو رمَّتْ أي صارت رميمًا، قال والصواب تشديد التاء. وقال غيره إنما هو أرَمَتْ بوزن ضرَبَتْ، وأصله أرْمَمْتَ أي بَلِيتَ، فحذف إحدى الميمين، كما قالوا في حسست أحسست. وقيل إنما هو ارْمَتَّ بتشديد التاء على أنه أدغم إحدى الميمين في التاء. قال ابن الأثير في النهاية: وهذا قول ساقط لأن الميم لا تدغم في التاء أبدًا. وقيل يجوز أن يكون أُرِمَتْ بضم الهمزة بوزن أُمِرَت من قولهم: أرمت الإبل في رم، إذا تناولت العلف وقلعته من الأرض. وقال ابن الأثير: أصل هذه الكلمة من رمّ الميت وأرمّ إذا بلي، والرمة العظم

стр. 156

البالي، والفعل الماضي للمتكلم والمخاطب: أرممت وأرمت، بإظهار التضعيف، وكذا كل فعل مضعف فإنه يظهر فيه التضعيف معها، تقول في شدّ: شددت، وفي أعدّ أعددت، وإنّما ظهر التضعيف لأن تاء المتكلم والمخاطب متحركة ولا يكون ما قبلها إلاّ ساكنًا، فإذا كان ما قبلها ساكنًا، وهي الميم الثانية، التقى ساكنان، فإن الميم الأولى سكنت لأجل الإدغام، ولا يمكن الجمع بين ساكنين، ولا يجوز تحريك الثاني لأنه وجب سكونه لأجل تاء المتكلم والمخاطب، فلم يبق إلا تحريك الأول، وحيث حرك ظهر التضعيف، والذي جاء في هذا الحديث بالإدغام، وحيث لم ييظهر التضعيف فيه على ما في الرواية، احتاجوا أن يشددوا التاء، ليكون ما قبلها ساكنًا، حيث تعذر تحريك الميم الثانية، أو يتركوا القياس في التزام سكون ما قبل تاء المتكلم والمخاطب. فإن صحت الرواية ولم تكن محرفة فلا يمكن تحريكه إلا على لغة بعض العرب فإن الخليل زعم أن ناسًا من بكر بن وائل يقولون: ردّتُ، وكذلك مع جماعة المؤنث يقولون: ردّن ومرّن، يريدون: رددتُ ورددتَ ورددن ومررن، قال كأنهم قدروا الإدغام قبل دخول التاء والنون، فيكون لفظ الحديث: (أرَمَّت) بتشديد الميم وفتح التاء. قال وكذلك ما وقع في صحيح البخاري في حديث أُحد من رواية البراء: (رأيت النساء يشدّن في الخبر ..) هكذا جاء فيه بدال واحدة، والذي في كتاب الحميدي يشددن بدالين، والذي جاء في غيرهما يسند بالسين المهملة والنون، قال فإن في الكلمة على ما في البخاري. وكثيرًا ما تجيء أمثالها في كتب الحديث، وهو قبيح في العربية، فيمكن تخريجه على اللغة المذكورة، فيكون لفظ الحديث يشتدّن. انتهى. ١٨٢ - حديث: "قراءة القرآنِ ألفُ درجةٍ ".

стр. 157

قال الطيبي: (ألف درجة) خبر لقوله (قراءة القرآن) على تقدير المضاف، أي: ذات ألفِ درجة، ليصحّ الحَمْلُ، كما في قوله تعالى: (هم درجات) [آل عمران: ١٦٣] أي ذوو درجات. مسند أيمن بن خُرَيْم ﵁ ١٨٣ - حديث: "قام رسول الله ﷺ خطيبًا فقال: يا أيها الناسُ عدلتْ شهادةُ الزورِ إشراكًا بالله ". قال ابن مالك في شرح الكافية: إذا قلت أيها الرجل، فأيها والرجل كاسم واحد، وأيّ مدعو، والرجل نعت له ملازم، لأن أيّا مبهم، لا يستعمل بغير صلة، إلا الجزاء والاستفهام، فلما لم يوصل ألزم لتبينه كما كان تبيين الصلة. وها حرف تنبيه، فإذا قلت: يا أيها الرجل: لم يصلح في الرجل إلا الرفع لأنه المنادى حقيقة، وأيّ يتوصل بها إليه. وإن قصدت مؤنثًا زيدت التاء، كقوله تعالى: (يا أيَّتها النّفسُ المطمئنّةُ) [الفجر: ٢٧]. وأجاز المازنيُّ نصب صفة "أي" قياسًا على صفة غيره من المناديات المضمومة.

стр. 158

مسند البراء بن عازب ﵁ ١٨٤ - حديث: "إنَّ الأُلى قد بغوا علينا ". قال الكرماني: هو من الألفاظ الموصولات، لا من أسماء الإشارة. وقال الزركشي: ليس يتزن هكذا، وإنما هو أن الأولى هم قد بغوا، هذا على روايته بالقصر، إما على إرادة مؤنث الأولى أي الجماعة السابقة، وإما على أنها موصولة بمعنى الذين، ويكون خبر إنّ محذوفًا تقديره: إنّ الذين بغوا علينا ظالمون. وقد قيل إن صوابه أولاء ممدودة التي لإشارة الجماعة، وبه يصح المعنى والوزن. انتهى. ١٨٥ - حديث: "زيِّنوا القرآنَ بأصواتكم ". قال البيضاوي: قيل إنه من المقلوب، ويدل على أنه روي أيضًا بلفظ: (زيِّنوا

стр. 159

أصواتكم بالقرآن)، ونظيره في كلام العرب قولهم: عرضتُ الناقةَ على الحوض، والمفروض هو: الحوض على الناقة، ويجوز أن يجري على ظاهره. ١٨٦ - حديث: "رأيت رسول الله ﷺ على بغلة، وإنَّ أبا سفيان آخذٌ بزمامِها ". قال ابن مالك في توضيحه: وقوع إنَّ بعد واو الحال، وهو أحد المواضع التي يستحق فيها كسر إنّ، ونظيره قوله تعالى: (كما أخرجك ربّك من بيتك بالحقّ وإنَّ فريقًا من المؤمنين لكارهون) [الأنفال: ٥]. ومن نظائره الشعرية قول الشاعر: سُئِلْتُ وإنّي موسرٌ غيرُ باخلٍ ... فجدْت بما أغنى الذي جاء سائلا ١٨٧ - حديث: "حقًّا على المسلمين أن يغتسلوا يوم الجمعة ". قال الحافظ زين الدين العراقي في "شرح الترمذي": إن قلت: لم نصب (حقًّا) في أول الحديث؟ قلت: هو مصدر لفعل محذوف تقديره حُقَّ حقًّا، كقوله ﷺ : عَمْدًا فعلته. وقال الطيبي: حقًّا مصدر مؤكد أي حق ذلك حقًّا، فحذف الفعل وأقيم المصدر

стр. 160

مقامه، و (أن يغتسلوا) فاعل، وكان من حقه أن يؤخر بعد الكلام توكيدًا له، فقدمه اهتمامًا بشأنه. وقوله: (وليمسّ) عطف على معنى الجملة السابقة إذْ فيه تتمة من الأمر أي ليغتسلوا وليمسّوا. ١٨٨ - حديث: "كان رسول الله ﷺ إذا أقبل من سفر قال: آيِبون تائبون عابدون لربِّنا حامدون ". قوله: (آيبون) خبر مبتدأ محذوف أي مقدر أي نحن. وقوله (لربنا) يجوز أن يتعلق بقوله عابدون، لأن عمل اسم الفاعل ضعيف فيقوى، أو بحامدون ليفيد التخصيص، أي نحمده لا غيره، وهذا أولى لأنه كالخاتمة للدعاء. ١٨٩ - حديث الصوم: "قالتْ: خيبةً لك ". قال الكرماني: هو مفعول مطلق يجب حذف عامله. وقال بعض النحاة إذا كان بدون اللام يجب نصبه، وإذا كان مع اللام جاز نصبه. ١٩٠ - حديث: "المؤذنُ يُغْفَرُ له مدَّ صوتِه ".

стр. 161

قال أبو البقاء: الجيد عند أهل اللغة مدى صوته، وهو ظرف مكان، وأما (مدَّ صوته) فله وجه، وهو محتمل شيئين: أحدهما: أن يكون تقديره: مسافة مدّ صوته، والثاني: أن يكون المصدر بمعنى المكان، أي ممتد صوته، وهو منصوب لا غير. وفي المعنى على هذا وجهان: أحدهما: معناه: لو كانت ذنوبه تملأ هذا المكان لغفرت له، وهو نظير قوله ﷺ ، إخبارًا عن الله تعالى: "لو جئتني بقُراب الأرض خطايا .. " أي ما يملؤها من الذنوب. والثاني يغفر له من الذنوب ما فعله في زمان مقدر بهذه المسافة. ١٩١ - حديث: "فما رأيت أهلَ المدينة فرِحوا بشيءٍ قطُّ فرَحَهم به ". قال أبو البقاء: هو منصوب لا غير، والتقدير: فرحوا فرحًا مثلَ فرحهم فحذف المصدر وصفته، وأقيم المضاف إليه مقامه. ١٩٢ - حديث سؤال القبر: "ولمّا يلحد ". قال الطيبي: (لمّا) بمعنى لم، إلا أن فيها ضربًا من التوقع، قدل على نفي اللحد فيما مضى، وعلى توقعه فيما يستقبل.

стр. 162

وقوله: (فيخرج كأطيب) صفة موصوف محذوف وهو فاعل يخرج، أي يخرج منها رائحة كأطيب نفحة من نفحة مسك. وقوله: (من أنت فوجهك الوجه يجيء بالخير) مثل قوله: أنا أبو النجم وشعري شعري، والجملة الفعلية بعده استئنافية، لما سرّه بتلك البشارة قال له: إني لا أعرفك من أنت حتى أجازيك بالثناء والمدح، فوجهك هو الكامل في الحسن والجمال، وحق لمثل هذا الوجه أن يجيء بالخير، ويبشر بمثل هذه البشارة، فعلى هذا (من أنت) مضمّن المدح مجملاً، والفاء لتعقيب البيان بالمجمل، وعلى عكس هذا قول الشقي: من أنت، فوجهك الوجه. وقوله: (فينادي منادٍ من السماءِ أنْ صدق عبدي فأفرشوه من الجنة) قوله: (فينادي) لا يجوز أن تكون مفسرة لما في ينادي من معنى القول، وأن تكون مصدرية مجرورة لأن صدق والمنادى فأفرشوه والفاء مثلها في قوله تعالى: (لإيلافِ قريشٍ) [قريش: ١] إلى قوله: (فَلْيَعْبُدوا)، وهي جواب شرط محذوف، فأفرشوا بألف القطع، أي فاجعلوا له فراشًا من فُرُش الجنة، ولم نجد الأفرش على هذا المعنى في المصادر، وإنما هو أفرش أي أقلع عنه وأقفل، فأفرش بهذا اللفظ إذن على ثلاثة من باب القياس الذي ألحق الألف بثلاثي، ولو كان من باب الثلاثي لكان من حقه أن يروى بألف الوصل، والمعنى ابسطوا له، ولم نجد الرواية إلاّ بالقطع. وقوله: (فيأتيه من رَوْحِها) أي فيأتيه روحها، على مذهب الأخفش، أو بعض روحها، أو شيء من روحها، فلم يُؤْتَ به إلا لقصد أنه مما لا يقادر قدره، ولا يوصف كنهه. هذا كلام الطيبي. قوله: (فيقول هاتاه) قال في النهاية: هذه كلمة تقال في الأبعاد، وقد تقال للتوجع، فتكون الهاء الأولى مبدلة من همزة آه، وهو الأليق بمعنى هذا الحديث.

стр. 163

وقال القرطبي في "التذكرة": هي حكاية صوت المبهور من تعب أو جَرْي أو حمل ثقيل. وقال الطيبي: هذه الكلمة يقولها الحائر في الكلام من الخوف والدهشة. قوله: (المزربه) قال التوربشتي: المحدثون يشددون الباء منها، والصواب تخفيفه، وإنما يشدد الباء إذا أبدلت الهمزة من الميم في الأزربه. ١٩٣ - حديث: "لما تُوفي إبراهيم قال رسول الله ﷺ إنَّ له مرضعًا في الجنّة ". قال الخطابي: يُروى لفظ المرضع على وجهين: أحدهما بفتح الميم، مصدر أي رضاعًا، والثاني: بضم الميم، أي من يتم رضاعه في الجنة، يقال امرأة مرضع بلا (هاء)، أو مرضعة إذا بنيت الاسم من الفعل، قال الكرماني: أي إذا كان بمعنى الحدوث فبالهاء، وإذا كان بمعنى الثبوت، أي من شأنه ذلك، فبدونه، كما يقال: حائض وحائضة، وقال تعالى: (تذهل كل مرضعة) [الحج: ٢]. ١٩٤ - حديث: "إذا رفع رأسه من الركوع قاموا قيامًا حتى يروْنه قد سجد ". قال ابن مالك فيه إشكال، لأن حتى فيه بمعنى إلى أنْ، والفعل مستقبل بالنسبة إلى القيام، فحقه أن يكون بلا نون، لاستحقاقه النصب، لكنه جاء على لغة من يرفع الفعل بعد أنْ، حملاً على (ما) أختها، كقراءة مجاهد: "أراد أن يتمُّ الرضاعة" [البقرة: ٢٣٣]

стр. 164

بضم الميم، وإذا جاز ترك إعمالها ظاهرة، فترك إعمالها مضمرة أولى بالجواز. ١٩٥ - حديث: "من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة فإنه قبل الصلاة ولا نسك له ". قال الكرماني: فإنْ قلت: الجزاء نفس الشرط فما وجهه؟ قلت هو كقوله: (ومن كانت هجرتُه إلى دنيا يصبُها أو امرأةٍ يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر) إن مثل هذا التركيب يراد لازمه، فالمراد هنا عدم الاعتداء به، أي: من نسك قبل الصلاة فلا اعتداد بنسكه، ولفظ: (ولا نسك له)، كالتوضيح والبيان. قوله: (وأحببت أن يكون شأني أول). قال الزركشي: (أول) بالرفع والنصب. وقال الكرماني: في بعض الروايات (أول) بدون إضافة مفتوحًا ومضمومًا، أما الضم فلأنه من الظروف المقطوعة عن الإضافة نحو: قبلُ وبعدُ، وأما الفتح فلأنه من المضاف إلى الجملة، فيجوز أن يقال إنه مبنيّ على الفتح، أو إنه منصوب، وعلى التقديرين فهو خبر الكَوْن. قوله: (شاة لحم) قال الطيبي: الإضافة للبيان، كخاتم فضة، لأن الشاة شاتان: شاة يأكل لحمَها الأهلُ، وشاة نسك يُتَصَدق بها لله تعالى. ١٩٦ - حديث: "كان أولَ ما قدم المدينة ". ققال الزركشي وغيره: بنصب (أول) خبر كان، أي أول زمن قدومه، وما مصدرية.

стр. 165

قوله: (وإنما أول صلاةٍ صلّاها صلاة العصر): قال الزركشي: بنصب أو بتقدير فعل، أي صلى، وقد ثبت ذلك في بعض الروايات. وصلاة العصر: بالنصب على البدلية. وأعربه ابن مالك بالرفع، قال الزركشي: والضمير في قوله (صلاها) للقبلة، أي صلى إليها. وقال ابن حجر: في الكلام مقدر لم يذكر لوضوحه، أي أول صلاة صلاها متوجهًا إلى الكعبة صلاة العصر. وقوله: (فداروا كما هم)، قال الكرماني: ما: موصولة، وهم: مبتدأ وخبره محذوف، نحو عليه، أي داروا مشبهين لحال الذي كان متقدمًا على حال دورانهم، وداروا على الحال الذي هم عليه. ومثل هذه الكاف تسمّى بكاف المقارنة، أي دورانهم مقارنًا لحالهم. قوله: (وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس وأهل الكتاب): قال الكرماني: فاعل أعجب هو رسول الله ﷺ ، وإذ: هو هنا للزمان المطلق، أي أعجبهم زمان رسول الله ﷺ يصلي نحو بيت المقدس، (وأهل الكتاب) بالرفع عطف على اليهود. ١٩٧ - حديث: "دعاء القوم رغبة ورهبة إليك ". فإلى يمنع أي هو يتعلق بالأول، وأما الرهبة فإنما يتعدى بمن، والأصل رغبة

стр. 166

إليك، ورهبة منك. وقال الكرماني: فإن قلت: الرهبة تستعجل بمن، يقال: رهبة منك، قلت: إليك متعلق، أي هو متعلق برغبة، وأعطى الرهبة حكمها، والعرب كثيرًا تفعل ذلك كقوله: ورأيت بعلكِ في الوغى ... متقلدًا سيفًا ورمحا وقوله: علفتها تبنًا وماءً باردًا. وقوله: (لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك): فيه خمسة أوجه، مثل لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم إنْ كانا مصدرين، يتنازعان في (منك) وإن كانا مكانين فلا، إذ اسم المكان لا يعمل، وتقديره لا ملجأ منك إلى أحد، ولا ملجأ إلا إليك. ١٩٨ - حديث قتلِ أبي رافع، قوله: "مالك ". قال الكرماني: ما للاستفهام مبتدأ، ولك خبره، قال: وقوله (لأمِّك الويلُ) القياس أن يقال على أمك الويل. قوله: (فما برحت حتى سمعت نعايا أبي رافع) قال الخطابي: هكذا روي، وإنما حق الكلام أن يقال: نعاي أبا رافع، أي انعوا أبا رافع، يقال: نعاه فلان، أي انعه، كقولهم: دراك فلان، أدركوا، وكذا قال ابن بطال، جعل دلالة الأمر فيه علامة لجر آخره بغير تنوين كما قالت العرب من أدركها دراكها، ومن قطمت قطام.

стр. 167

وذكر سيبويه أنه يطرد هذا في الأفعال الثلاثية كلها، وأنه يقال فيها فَعال بمعنى افعل، نحو صَناعِ ونَزالِ، أي اصنع وانزلْ. قال الزركشي: وهذا إنما يصح لو قال: نعايا أبا رافع، بالنصب. وقال الكرماني: إنّ (نعا) من أسماء الأفعال، وقد جمع على نحو خطايا شاذا، ويحتمل أن يكون جمع نعيّ أو ناعية. مسند بريدة بن الحصيب الأسلمي ١٩٩ - حديث: "حرمةُ نساءِ المجاهدين على القاعدين كحرمة أمّهاتهم ". سئل الإمام أبو محمد بن البطليوسي عن لفظة أمهات، جمع ما هي؟ فإن كانت جمع أم، فلأي شيء دخلت الهاء فيها؟ وإن كانت فيها لغة أخرى فجمعت هذا الجمع عليها، فبيّنها متطولاً، لأنّ متوهمًا توهم أن واحدتها أمهة مثل حُمّرة، ودخلها التقليل، فهل ذلك صحيح أم لا؟ وهل هذا الجمع في بني آدم والبهائم أو في أحدها؟ وكذلك أمّ، وإن قيل إن الهاء زائدة، فلم زيدت وقيل لها أُمَّت؟ بيّنه موفقًا مأجورًا. فأجاب: الذي ذهب إليه جمهور النحويين والعلماء بالتصريف منهم أنّ الهاء في أمهات زائدة، ووزنها عندهم فعلّهات، وأما الواحدة منها فالمشهور أن يقال أمّ وأمّة، ولا يكادون يقولون أمهة، والغالب على أمة بالتأنيث، أن يستعمل في النداء كقولهم: يا أمة لا تفعلي، وتاء التأنيث فيها معاقبة يا الإضافة، لا تجتمع معها، وقد جاءت في الشعر مستقلة في غير النداء، أنشد الطوسي:

стр. 168

تقَبَّلتها عن أمّةٍ لك طالما ... تُنُوزِعَ في الأسواق عنها خمارُها وقد حكى اللغويون أمهة بالهاء وأنشدوا: أمَّهتي خِنْدِفُ وإلياسُ أبي أي ووزنها عندهم فعلهة، وذهب بعضهم إلى أن الهاء في أمهات وأمهة أصلية، وذكر ابن جني أنه مذهب أبي بكر بن السراج، ووزنها عنده فعّلة، بمنزلة ترّهة وأبّهة، ويقوى ذلك أن صاحب العين حكى: تأمهت أمّا ووزنه تفعّلت. وجمهور النحويين مخالفون لهذا الرأي، ومعتقدون أن أمًّا وأمّاتٍ الأصل وأنّ الهاء زيدت فرقًا بين من يعقل وما لا يعقل، فيقولون فيمن يعقل أمهات، وفي مالا يعقل أمّات، قال الله تعالى: (ما هنّ أمّهاتُهم)، وقال الراعي: كانت نجائب مُنْذِرٍ ومحرِّق ... أماتهنّ وطَرْقُهُنَّ فَحيلا هذا هو الأثر في الاستعمال، وقد جاء عكس ذلك، قال ذو الرمة: سوى ما أصاب الذئبَ منه وسُرْبَةٌ ... أطافتْ به من أمهات الجوازِلِ يعني القطا، وقال جرير: لقد ولد الأُخَيْطِلَ أمُّ سوءٍ ... مُقَلَّدَةٌ من الأمّاتِ عارا وليس في حكاية صاحب العين (تأمهت أمّا) دليل على أن الهاء أصل من وجهين:

стр. 169

أحدهما: أن كتاب العين مطعون عليه، معيب عند كبراء البصريين لا يرونه حجة فيما يتفرد به ولا يوجد في غيره، لأن فيه خطأ كثيرًا الخ ... والوجه الثاني: أنه لو صح قولهم (تأمهت أمّا) لم يدلّ على أن الهاء أصلية، لأنّا قد وجدنا العرب ربّما صرّفوا من الكلمة المزيد فيها فعلا فحذفوا الزيادة كقولهم في تصريف الفعل من الشمال: شملت الريح، وربما تركوا الزيادة في الفعل على حالها، كقولهم في تصريف الفعل من القلنسوة: تقلنس الرجل، ومن المسكين تمسكن، فتركوا الميم والنون وهما زائدتان، فوزن تقلنس تفعنل، ووزن تمسكن تمفعل، فإذا كان هذا معلومًا من هذا منهم، لم ينل أن يكون تأمهت من هذا الباب، فتكون الهاء زائدة كزيادتها في أمهة، ويكون وزن تأمهت تفعلهت. فإن قائل قال: أمهة: إن الهاء هي الأصل، ووزنها فعّلة، وتكون أمّ محذوفة منها، فتكون بمنزلة شفة وسعة وعضة. فالجواب أن هذا يبطل من وجوه: منها أن هذا التوهم لو كان صحيحًا لكانت الميم في أمّ مخففة، ولم تكن مشددة، لان تشديد الميم يوجب أن يكون وزن أمّ فُعْل، لام الفعل منها ميم، ولام الفعل من أمهة على هذا الرأي هاء، يدل هذا على أن أمًّا ليست محذوفة من أمهة، ويشهد بصحة ذلك قول أم بثينة الأشعرية: وما كنت أمًّا، فهذا يدل على أن الميم من أم مضاعفة، ومنها أن حروف الزوائد، والهاء أحدها، إنما سماها النحويون حروف الزوائد، ولم يسمع أنها حروف الحذف، وإن كان منها ما يحذف في بعض المواضع، لأن الأغلب عليها أن تزاد، لا أن تحذف، فنسبت إلى حروف الزيادة التي هي أغلب عليها، وإذا جاء منها حرف يحتمل الزيادة والحذف، لزم أن يحكم عليه بالزيادة التي هي أمّ الباب فيه، حتى يقوم دليل على الحذف الذي هو أقلّ حاليْه. هذا هو محض القياس وطريقه.

стр. 170

ومنها أن الذين تكلموا في الاشتقاق، لا نعلم أحدًا منهم جعل الأم مشتقة من أم، وإن قال بعضهم إنها مشتقة من أمَّ يؤُمُّ، إذا قصد، سميت بذلك لأن ولدها يؤمها ويتبعها. وقال بعضهم: سميت أمّا لأنها أصل الولد، وأم كل شيء أصله، كما قالوا لمكة أم القرى، وقالوا لفاتحة الكتاب أم القرآن، ويقال فلان أم القوم وأمير القوم، إذا كان مَفْزَعًا لهم، وأصلاً يرجعون إليه ويقسمون به، قال ابن مقبل يمدح عثمان بن عفان ﵁: وملجإ مهروئين يُلفي به الحيا ... إذا جلّفت كحلٌ هو الأم والأبُ وقد سمّى الله تعالى النارَ أمّ الكافر، لأنها مجمع الكفار ومقرهم فقال: (فأمُّه هاوية) [القارعة: ٩] وقال العجاج: ما عندهم من الكتاب أمُّ أي أصل يرجعون إليه، فهذا كله يدل أن أصل هذه الكلمة عندهم الأم دون الأمهة. وأما قولك هل لزيادتها نظير في كلام العرب، فإن الهاء المزيدة نوعان: نوع متفق على زيادته، ونوع مختلف فيه: فمن المتفق عليه زيادة الهاء في الندبة كقولهم: وازيداه، وفي الإنكار كقولهم لزيدنيه، وفي الوقف كقوله تعالى: (ما أغنى عني مالِيَهْ) [الحاقة: ٢٨]. ومن المواضع المختلف فيها قولهم: هجرع للطويل، وهبلع للكثير الأكل وامرأة

стр. 171

هوكلة للعظيمة الوركين، فإن الأخفش ذهب إلى أن هذه الهاءات زوائد، وجعل الهجرع مشتقًّا من الجرع، وهو مثل من قليل، وهبلع مشتقًّا من البلع. والذي عليه أكثر الناس أن الهاء في هذه الألفاظ أصل، ويؤيد ذلك أن أبا العباس ثعلب حكى الهجرع أي هذا أهجرع من هذا، أي أطول. وأما قولهم أهرقت الماء، فالهاء فيه زائدة عند جمهور أهل التصريف، وزعموا أنها زيدت عوضًا عن ذهاب حركة عين الفعل، لأن الأصل أُريقت أو أُرْوِقتْ على الخلاف في ذلك. وزعم بعض ضعفاء النحويين أنها أصل، وحملهم على ذلك قولهم في معناه هرقت، وكذلك قال ابن قتيبة في بعض كلامه، لأنه أدخل هذه الكلمة في باب فعلت وأفعلت، وهذا غلط، إنما الهاء في هرقت بدل من الهمزة في أرقت، ويدل على أنّ أهرقت ليس وزنه فعلت كما قال هؤلاء الجاهلون بالتصريف قولهم في اسم الفاعل منه مُهَرِيق بالياء، واسم المفعول مُهَراق بالألف، ولو كان وزنه أفعلت لقالوا مُهْرِق ومُهْرق كما تقول من أكرمت مُكْرِم ومُكْرَم، ولم يكن للياء والألف فيهما مدخل، فدل هذا على أن أصلها مريق، وهذا بَيِّنٌ جدًّا. ٢٠٠ - حديث: "جعل للجدّة السدسَ إذا لم يكن دونها أمّ ". قال الطيبي: دون هنا بمعنى قُدّام، لأن الحاجب كالحاجز بين الوارث والموروث، أنشد في الكشاف:

стр. 172

تريك القذى من دونها وهو دونَها أي: قُدّامها. ٢٠١ - حديث: "من استعملناه على عملٍ فرزقناه فما أخذ بعد ذلك فهو غلولٌ ". قال الطيبي: قوله (ما أخذ جزاء الشرط)، وما موصولة، والعائد محذوف، وهو خبره، وجيء بالفاء لتضمنه معنى الشرط، ويجوز أن يكون نكرة موصوفة. ٢٠٢ - حديث: "إني فعلتُه عمدًا يا عمر ". قال الطيبي: "الضمير المنصوب بمعنى اسم الإشارة، والمشار إليه المذكور من الصلوات الخمس بوضوء واحد، والمسح على الخفين. و (عمدًا) تمييز أو حال من الفاعل، قدم اهتمامًا لمشروعية المسألتين في الدين. ٢٠٣ - حديث: "أنه دخل المسجد فإذا صوت رجلٍ يقرأ فقال: أتقوله مُرائيًا ". قال الأندلسي في شرح المفصل: أي أتظنه، فأعمل القول عمل ظنّ لوجود شروطه.

стр. 173

٢٠٤ - حديث: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون ". قال الكمال ابن الأنباري في كتاب الإنصاف: ذهب الكوفيون إلى أنّ إنْ الشرطية تقع بمعنى إذْ، واستدلوا بهذا الحديث، أي إذْ شاء الله، لأنه لا يجوز الشك في اللحاق بهم. ومنع البصريون ذلك وقالوا: الحديث جاء على طريق التأديب للعباد ليتأدبوا بذلك كما قال الله تعالى: (ولا تقولنَّ لشيءٍ إنّي فاعلٌ ذلك غدًا إلاّ أنْ يشاءَ الله" [الكهف: ٢٣]. وقال البطليوسي في مسائله: تقع إذا مكان إنْ، وإنْ مكان إذا، لما بينهما من التداخل والمضارعة، والشيئان إذا تضارعا فقد يستعمل كل واحد منهما مكان الآخر، فمما استعملت فيه إذا مكان إنْ قول أوس بن حجر: إذا أنتَ لم تعرضْ عن الجَهل والخنا ... أصبت حليمًا أو أصابك جاهلُ وهذا من موضع إنْ، لأنه يمكن أن يعرض ويمكن أنه لا يعرض. ومما استعملت فيه إنْ مكان إذا قوله ﷺ حين وقف على القبور: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنّا إنْ شاء الله بكم لاحقون)، وقوله تعالى: (لتدْخُلُنَّ المسجد الحرام إن شاء الله آمنين) [الفتح: ٢٧] ونحوه قول الشاعر: فإنْ لا يكنْ جسمي طويلاً فإنني ... له بالفِعال الصالحاتِ وَصولُ

стр. 174

وعلى هذا ينبغي أن يحمل قول الحارث لبنيه: (فوالله لئن قدر الله عليّ ليعذبني عذابًا شديدًا) إذا جعلت (قدر) من القدرة لا من القَدْر الذي يراد به التضييق، ولا من القَدضر الذي يراد به القضاء، فيصبح حمله على القدرة بخلاف قول من أنكر ذلك. انتهى. وقال النووي: (دار) منصوب على النداء، أي يا أهل دار، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، وقيل منصوب على الاختصاص. قال صاحب المطالع: ويجوز جره على البدل من الضمير في (عليكم). مسند بُسْر بن جَحّاش القرشي ﵁ ٢٠٥ - حديث: "قال الله تعالى: يا ابن آدم أنَّى تُعْجِزُني وقد خلقتك من مثل هذه حتى إذا سوّيتك وعدَلْتُك مشيت بين بُرْدَيْن وللأرض منك وَئيد فجمعْت ومنعْتَ حتى إذا بَلَغَت التَّراقيَ قلت أتصدقُ وأنَّى أوانُ الصّدقة ". (أنّى) قال في البسيط مشترك بين الاستفهام والشرط، وبنيت لتضمنها حرفيهما، تقول في الاستفهام أنّى زيد؟ أي أين زيد، وفي التنزيل (أنّى لك هذا) [آل عمران: ٣٧] أي من أين لك هذا؟ ودليل كونها بمعنى أين قول الشاعر: مِنْ أين عشرون لنا مِنْ أنَّى فمقابلتها لأين، تدل على أنّها بمعنى أين، وأما قول الكميت:

стр. 175

أنّى ومن أين آبَك الطربُ ... من حيثُ لا صبوةٌ ولا رِيَبُ فيجوز أن تكون بمعنى كيف، ويجوز أن تكون بمعنى أين، وكررت للتأكيد، ومنه اختلاف اللفظين. وأما قوله تعالى: (فاتوا حرثكم أنّى شئتم) [البقرة: ٢٢٣] فقيل إنها بمعنى كيف شئتم. وقال بعضهم يحتمل أن أصلها "أينا" بألف كقوله: بمعشر ولوا أين أخينا ثم إنها قلبت الياء نونًا وأدغمت في النون بعدها فصارت أنّى. وقال الرضي: لها ثلاثة معان، استفهامية كانت أو شرطية، أحدها: أين إلاّ إذا أتى مع الاستفهام، أي مع مِنْ في الاستعمال إما ظاهرة كقوله: من أين عشرون لنا من أنّى، أو مقدرة نحو: (أنّى لك هذا) أريد: من أنّى أي من أين. ولا يقال أنى زيد، بمعنى أين زيد، وإنما جاز إضمار مِنْ لأنها تدخل في أكثر الظروف التي لا تتصرف، أو يقل تصرفها نحو: من عند ومن بعد ومِنْ أين ومن قبله ومَنْ أمامه ومن لدنه، فصار مثل في، فجاز أن تضمر في الظروف إضمارها. ويجيء "أنّى" بمعنى "كيف" نحو (أنّى تؤفكون) [الأنعام: ٩٥، يونس: ٣٤، فاطر: ٣، غافر: ٦٢]، ويجيء بمعنى متى، وقد أول قوله تعالى: (أنّى شئتم) على الأوجه الثلاثة. ويجيء بمعنى متى وكيف إلا وبعده فعل. وقوله: (حتى إذا سويتك) قال ابن مالك: انفردت إذا بدخول حتى الجارة عليها، قال الأخفش في قوله تعالى: (حتّى إذا جاءوها) [الزمر: ٧١، ٧٣] إنّ إذا جرّ بحتى. وقال أبو حيان في "الارتشاف": إذا دخلت حتى على إذا التي تقتضي جوابًا فأجاز الزمخشري أن تكون حرف ابتداء وأن تكون جارة لإذا. وقال محب الدين الغزولي في كتاب البديع: من زعم أن محل إذا جر فزعمه باطل، لأن إذا ظرف محض لا ينجر ألبتة. وقال ابن

стр. 176

هشام في المغني: الجمهور على أن إذا لا تخرج عن الظرفية، وأن حتى في نحو ذلك حرف ابتداء، داخل على الجملة بأسرها، ولا عمل له. وقال أبو البقاء: ليس لحتّى هنا عمل، وإنما أفادت معنى الغاية، كما لا تعمل في الجمل. وقال أبو حيان: كان بعض الأذكياء يستعمل مجيء هذه الجملة الشرطية بين إذا وجوابها بعد حتى، ويقول: كيف يكون حتى غاية وبعدها جملة الشرط فقلت: الغاية في الحقيقة هو ما ينسبك من الجواب مرتبًا على فعل الشرط بالتقدير المعنوي الإعرابي، في آية الزمر مثل (وسيق الذين كفروا إلى جهنّم زمرًا) [الزمر: ٧١] إلى أنْ تفتح أبوابها وقت مجيئهم فينقطع السوق. قال ابن قاسم في "شرح التسهيل": ويجوز أن يخرج على أن حتى بمعنى الفاء كما قدرها النحويون في قولهم: سرتُ حتّى أدخلُ المدينة، برفع "أدخل" وتقدير كونه قد وقع، والتقدير: سرت فدخلت. قال في "البسيط": كأنك قلت في: اجلس حتى إذا جاء زيد أعطيتك، اجلس فإذا جاء زيد. انتهى. قوله: (وللأرض منك وئيد) جملة حالية بالواو، ووئيد: مبتدأ، وللأرض: خبر، ومنك في موضع نصب على الحال، وأصله لو تأخر صفة وئيد، فلما قدم نعت النكرة عليها صار حالاً. مسند بلال ﵁ ٢٠٦ - حديث: "ومن ابتدع بدعةَ ضلالةٍ ".

стр. 177

قال الأشرفي في "شرح المصابيح": يروى بالإضافة، ويجوز أن ينتصب نعتًا ومنعوتًا. مسند تميم بن أوس ﵁ ٢٠٧ - حديث: "من قال لا إله إلا الله واحدًا أحدًا صمدًا لم يتخذْ صاحبةً ولا ولدًا ولم يكن له كفُوا أحد، عشر مرات، كتبت له أربعون حسنة ". قال ابن مالك في "شرح التسهيل": أكثر ما يحذف الحجازيون خبر لا مع إلاّ نحو: لا إلهَ إلاّ الله. وفي أمالي الشيخ عز الدين بن عبد السلام: قال سيبويه في كلمة الشهادة: الله خبر المبتدأ، والمبتدأ هو لا واسمها. وقال أبو علي: (لا) يصح أن يكون فيه الثلاثة الأوجه: الأول: أنّ (لا) لا تعمل إلا في منفي، وهذا مثبت، فلو كان خبرًا لعملت فيه، وهي لا تعمل فيه. الثاني: أنّ (لا) لا يعمل إلا في نكرة، وهذا معرفة، فلو كان خبرًا لعملت فيه، وينبغي أن يحمل كلام سيبويه على أنه أشبه الخبر لحصول الفائدة عنده فسمّي خبرًا، لا أنه خبر في نفسه، وإلا لزم أن يخبر عن أفراد الجنس كلها بأنها واحد، وذلك محال، ويصح أن يكون بدلا من الضمير في كائن، الذي هو الخبر المحذوف، ويصح أن يكون بدلاً من اسم لا، فإذا أردت أن تحلّه محل المبدل تأخذ معنى الكلام وتقول: بطل إلا الله، فتقدر (لا) بمعنى بطل، لأن البطلان بمعنى النفي، إلا أن هذا استثناء مفرغ في

стр. 178

الموجب، وهو لا يجوز، فإذا أردت أن تنطق به على وجه جائز فتقول: ما وجد إله إلاّ الله، لأن هذا هو معنى النفي، ثم تحذف المبدل، وتقيم البدل مقامه فتقول: ما استحق العبادة إلاّ الله. ولك أن تجعله صلة لاسم (لا)، ويكون (إلاّ) بمعنى غير، ويكون تقدير الكلام: لا إله باستحقاق في الوجود غير الله، كما في قوله تعالى: (لو كان فيهما آلهةٌ إلاّ اللهُ ..) [الأنبياء: ٢٢] والمراد بالإله هذا المعبود، فلا بدّ من أن تضمن الصفة وهي باستحقاق، وإلاّ لا يصح النفي لتحقق من عبد في الوجود من الأصنام وغيرها. انتهى. وقال أبو حيّان: إله مبني مع "لا" في موضع رفع على الابتداء، والخبر مقدر، قال: واعترض صاحب المنتخب على النحويين في تقديرهم الخبر في (لا إله إلا الله) بقولهم: (لنا) أو (في الوجود) وقال نفي الحقيقة مطلقة أعم من نفيها مقيدة، فإنها إذا نفيت مقيدة كان نفيًا للحقيقة، وإذا انتفت الحقيقة، انتفت مع كل قيد، أما إذا نفيت مقيدة بقيد مخصوص لم يلزم نفيها مع قيد آخر. قال وأجاب أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل المُرْسي في "ري الظمآن" فقال: هذا كلام من لا يعرف لسان العرب، فإنّ إله في موضع المبتدأ على قول سيبويه وعند غيره اسم لا، وعلى التقديرين فلا بدّ من خبر للمبتدأ أو للا، فما قاله من الاستغناء عن الإضمار فاسد. وأما قوله إذا لم يضمن كان نفيًا للإلهية، فليس بينًا، لأن نفي الماهية هي نفي الوجود، لأنّ الماهية لا تتصور عندنا إلاّ مع الوجود، فلا فرق بين لا ماهية ولا وجود، وهذا مذهب أهل السنة خلافًا للمعتزلة، فإنهم يثبتون الماهية عرية من الوجود وهو فاسد. وقولهم في كلمة الشهادة "إلا هو" في موضع رفع بدلا من (لا إله) ولا يكون خبرًا

стр. 179

للا، لأن (لا) لا تعمل في المعارف، ولو قلنا إن الخبر للمبتدأ وليس للا فلا يصح أيضًا لما يلزم عليه من تنكير المبتدأ وتعريف الخبر. انتهى. واستشكل أبو حيان كون اسم الله بدلاً من إله، قال لا يمكن، أي لأنه لا يمكن فيه تكرار العامل لو قلت لا قوة لم يجز، واختار أنه بدل من الضمير المستكن في الخبر المحذوف العائد على اسم لا، فإذا قلت لا رجل إلاّ زيد، فالتقدير لا كائن أو موجود إلاّ زيد، فزيد بدل من الضمير في الخبر، لا من الرجل، قال: ولولا تصريح النحويين أنه بدل الموضع من اسم لا لتأولنا كلامهم على أنهم يريدون بقولهم: بدل من اسم لا، أي بدل من الضمير العائد على اسم لا. وقال بعضهم: لا يجوز فيه النصب هنا، لأن الرفع يدل على الاعتماد على الثاني والمعنى على ذلك، والنصب يدل على الاعتماد على الأول، وردّ بأنه لا فرق بين: ما قام القوم إلاّ زيد، وإلاّ زيدًا، من حيث أنّ زيدًا استثني من جهة المعنى وإنما الفرق من حيث الإعراب، فأعربوا الأول بدلاً، والثاني استثناء، والبدل أولى. انتهى. وقال الرضي: وأما نحو قولك: لا إله إلاّ الله، ولا فتى إلاّ عليّ، ولا سيف إلاّ ذو الفقار، فالنصب على الاستثناء في أضعف منه في نحو: لا أحد فيها إلاّ زيدًا، لأن العامل فيه - وهو خبر لا - محذوف، إمّا قبل الاستثناء وإمّا بعده، وفي نحو: لا أحد فيها إلاّ زيدًا ظاهر وهو خبر لا. قال ابن فلاح في المغني: أهل الحجاز يحذفون خبر لا كثيرًا، فيقولون: لا بأسَ، ولا أهلَ، ولا مالَ، ولا حولَ ولا قوةَ، ومنه كلمة التوحيد: لا إلهَ إلا الله، ولا سيفَ إلاّ ذو الفقار، ولا فتى إلاّ علي، وإنما حذف للعلم به وهو مراد، فهو في حكم المنطوق، أو أن عموم النفي أغنى عن ظهوره، ولا يصح أن يكون الاسم المستثنى في (لا إلهَ إلا الله) ونحوه خبرًا، لثلاثة أوجه أحدها: أنه خاص والإخبار بالعام عن الخاص يجعل القضية كاذبة كقولك: الحيوان إنسان. الثاني: أنه معرفة و (لا) لا تعمل في المعارف. والثالث: أنه مستثنى من مذكور، فلا يصح جعله خبرًا عنه.

стр. 180

فإن قيل: فهل يصح أن يكون مبتدأ والخبر ما تقدم؟ قلنا: زعم بعضهم ذلك، وذكر أن الكلام مستقل بالإفادة من غير تقدير، فالله مبتدأ، ولا إله الخبر، وتقديره: الله إله، وفائدة الاستثناء إثبات الإلهية لله تعالى، ونفيها عمّا عداه، ونظيره عنده: لا منطلق إلاّ زيد، في إثبات الانطلاق لزيد ونفيه عما عداه، وهذا باطل لوجهين: أحدهما: أنه مستثنى من مذكور، مخرج عنه، وإخراجه يدل على مغايرته له، والخبر صفة قائمة بالمخبر عنه، غير مغايرة له، لأنه أمر يخصّه وإنما الإخبار يصحّ في الاستثناء المفرغ، الذي ليس بمخرج من مذكور، وأما قياسه على: لا منطلق إلاّ زيد، قلنا زيد ليس بمستثنى من منطلق حتى يمتنع جعله خبرًا عنه، بخلاف النزاع. الوجه الثاني: أن (لا) تنصب الاسم، وترفع الخبر في أصل وضعها، فلا يخلو في صورة النزاع إما أن يقدر لها خبر أو لا، لا جائز أن لا يقدر، لأن ذلك إبطال لوضعها، لأن من قال بحذف خبرها يقول بتقديره حملاً على الأعم الأغلب وإذا لزم تقديره بطل قول القائل بعدم التقدير، وذلك ما أردنا، ولأنه إذا لم يقدر يكون الخبر مفردًا، والخبر المفرد تجب مطابقته للمخبر عنه في الإعراب، وهو إما منصوب على قول بعضهم، وإمّا مبني على الفتح على قول بعضهم، وذلك يمنع كونه خبرًا لعدم مطابقته للمبتدأ في الإعراب، فثبت امتناع كونه مبتدأ وإثبات تقدير الخبر. انتهى كلام ابن فلاح. ومثل ذلك حديث: (لا حِمى إلا لله ولرسوله) وحديث: (لا حليمَ إلاّ ذو عَثْرَةٍ ولا حَكَم إلاّ ذو تجربةٍ) وحديث: (لا صلاةَ إلاّ بفاتحة الكتاب، لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد) وحديث: (لا نِكاح إلاّ بوليّ) وحديث: (اللهم لا خيرَ
следующие страницы →