← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

﴿مَّا أصابك مِنْ حَسَنَةٍ﴾ الخ بيانٌ للجواب المُجْملِ المأمور به واجراؤه

стр. 1052

٨٠ - النساء على لسان النبيِّ ﷺ ثم سَوْقُ البيانِ من جهته بطريقِ تلوينِ الخطابِ وتوجيهِه إلى كلِّ واحدٍ من الناس والالتفاتُ لمزيد الاعتناءِ به والاهتمامُ بردِّ مقالتِهم الباطلةِ والإيذان بأن مضمونَه مبنيٌّ على حكمة دقيقة حقيقية بأن يتولى بيانَها علامُ الغيوبِ وتوجيهُ الخطابِ إلى كل واحدٍ منهم دون كلِّهم كما في قوله تعالى وَمَا أصابكم مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ للمبالغة في التحقيق بقطع احتمالِ سببيّة معصيةِ بعضِهم لعقوبة الآخرين أي ما أصابك من نعمة من النعم ﴿فَمِنَ الله﴾ أي فهي منه تعالى بالذات تفصيلا وإحساناً من غير استيجابٍ لها مِنْ قِبَلك كيف لا وأن كلَّ ما يفعله المرءُ من الطاعات التي يُفرض كونُها ذريعةً إلى إصابة نعمةٍ ما فهي بحيث لا تكاد تكافئ نعمةَ حياتِه المقارنةِ لأدائها ولا نعمةَ إقدارِه تعالى إياه على أدائها فضلاً عن استيجابها لنعمة أخرى ولذلك قال ﷺ ما أحدٌ يدخُل الجنة إلا برحمة الله تعالى قيل ولا أنت يا رسولَ الله قالَ ولا أنا ﴿وَمَا أصابك مِن سَيّئَةٍ﴾ أي بلية من البلايا ﴿فَمِن نَّفْسِكَ﴾ أي فهي منها بسبب اقترافِها المعاصيَ الموجبةَ لها وإن كانت من حيث الإيجادُ منتسبة إليه تعالى نازلةً من عنده عقوبةً كقوله تعالى ﴿وَمَا أصابكم مّن مُّصِيبَةٍ فبما كسبت أيديكم ويعفو عَن كَثِيرٍ﴾ وعنْ عائشةَ ﵂ ما من مسلم يُصيبه وصَبٌ ولا نصَبٌ حتى الشوكةُ يُشاكُها وحتى انقطاعُ شِسْعِ نعلِه إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثرُ وقيل الخطابُ لرسولِ الله ﷺ كما قبلَه وما بعدَهُ لكن لا لبيان حالِه ﷺ بل لبيان حالِ الكفرةِ بطريق التصويرِ ولعل ذلك لإظهار كمالِ السخطِ والغضبِ عليهم والإشعارِ بأنهم لفرط جهلهم وبلادتهم بمعزل من استقاق الخطابِ لا سيما بمثل هذه الحكمةِ الأنيقة ﴿وأرسلناك لِلنَّاسِ رَسُولاً﴾ بيانٌ لجلالة منصبه ﷺ ومكانته عند الله بعد بيانِ بُطلانِ زعمِهم الفاسد في حقه ﷺ بناءً على جهلهم بشأنه الجليلِ وتعريفُ الناسِ للاستغراق والجارُّ إما متعلقٌ برسولاً قُدّم عليه للاختصاص الناظرِ إلى قيد العمومِ أي مرسَلاً لكل الناس لا لبعضهم فقط كما في قولِه تعالى ﴿وَمَا أرسلناك إِلَاّ كَافَّةً لّلنَّاسِ﴾ وإما بالفعل فرسولاً حالٌ مؤكدةٌ وقد جوز أن يكون مصدرا مؤكدا كما في قوله ... لقد كذَب الواشون ما فُهْتُ عندهم ... بسرَ ولا أرسلتُهم برسولِ ... أي بإرسال بمعنى رسالة ﴿وكفى بالله شَهِيداً﴾ أي على رسالتك بنصب المعجزاتِ التي من جملتها هذا النصُّ الناطقُ والوحيُ الصادِقُ والالتفاتُ لتربية المهابةِ وتقويةِ الشهادة والجملةُ اعتراضٌ تذييليٌّ

стр. 1053

﴿مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله﴾ بيانٌ لأحكام رسالته ﷺ إثرَ بيانِ تحقّقِها وثبوتِها وإنما كان كذلك لأن الآمرَ والناهيَ في الحقيقةِ هُو الله تعالى وإنما هو ﷺ مبلِّغٌ لأمره ونهيِه فمرجِعُ الطاعة وعدمها هو الله سبحانه روى أنه ﷺ قال من أحبّني فقد أحب الله ومن أطاعني فقد أطاعَ الله فقال المنافقون ألا تسمعون إلى ما يقول هذا الرجل لقد قارف الشركَ وهو ينهي أن يُعبَدَ غيرُ الله ما يريد إلا أن نتخِذَه رباً كما اتخذت النصارى عيسى فنزلت والتعبير عنه ﷺ بالرسول دون الخطابِ للإيذان بأن مناطَ كونِ طاعتِه ﷺ طاعةً له تعالى ليس خصوصية ذاته ﷺ بل من حيثية رسالتِه وإظهار الجلالة لتربية المهابة وتأكيد وحوب الطاعةِ بذكر عنوانِ الألوهيةِ وحملُ الرسولِ على الجنس المنتظم له ﷺ انتظاماً أولياً يأباه تخصيصُ الخطاب

стр. 1054

٨١ - ٨٢ النساء به ﷺ في قوله تعالى ﴿ومن تولى فَمَا أرسلناك عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾ وجوابُ الشرطِ محذوفٌ والمذكورُ تعليلٌ له أي ومن أعرض عن الطاعة فأعرض عنه إنما أرسلناك رسولاً مبلغا لاحفيظا مهيمِناً تحفَظ عليهم أعمالَهم وتحاسِبُهم عليها وتعاقبهم بحسَبها وحفيظاً حالٌ من الكاف وعليهم متعلقٌ بهِ قُدِّم عليهِ رعايةً للفاصلة وجمعُ الضميرِ باعتبارِ مَعْنى من كما أن الإفراد في تولى باعتبار لفظِه

стр. 1055

﴿وَيَقُولُونَ﴾ شروعٌ في بيان معاملتهم مع الرسول ﷺ بعد بيانِ وجوبِ طاعتِه أي يقولون إذا أمرتَهم بشئ ﴿طَاعَةٌ﴾ أي أمرُنا وشأنُنا طاعةٌ أو منا طاعةٌ والأصلُ النصبُ على المصدر والرفعُ للدِلالة على الثبات كسلامٌ ﴿فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ﴾ أي خرجوا من مجلسك ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ﴾ أي من القائلين المذكورين وهم رؤساؤُهم ﴿غَيْرَ الذى تَقُولُ﴾ أي زوَّرتْ طائفةٌ منهم وسوَّتْ خلافَ ما قالت لك من القَبول وضمانِ الطاعةِ لأنهم مُصِرُّون على الرد والعصيانِ وإنما يُظهرون ما يُظهرون على وجه النفاقِ أو خلافَ ما قلتَ لها والتبييتُ إما من البيتوته لأنه قضاءُ الأمرِ وتدبيرُه بالليل يقال هذا أمرٌ بُيِّت بليل وإما من بيت الشِّعر لأن الشاعر يُدبِّره ويسوبه وتذكيرُ الفعلِ لأن تأنيثَ الطائفة غير حقيقى وقرئ بإدغام التاء في الطاء لقُرب المخرَجِ وإسنادُه إلى طائفة منهم لبيان أنهم المتصدّون له بالذات والباقون أتباعٌ لهم في ذلك لا لأن الباقبن ثابتون على الطاعة ﴿والله يَكْتُبُ مَا يُبَيّتُونَ﴾ أي يكتُبه في جملة ما يوحى إليك فيُطلعُك على أسراراهم فلا يحسَبوا أن مكرَهم يخفى عليكم فيجدوا بذلك إلى الإصرار بكم سبيلاً أو يُثبتُه في صحائفهم فيجازيهم عليهِ وأيَّاً ما كانَ فالجملةُ اعتراضيةٌ ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي لاتبال بهم وبما صنعوا أو تَجافَ عنهم ولا تتصدَّ للانتقام منهم والفاءُ لسببيةِ ما قبلَها لما بعدها ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الله﴾ في كل ما تأتِي وما تذرُ لاسيما في شأنهم وإظهارُ الجلالةِ في مقام الإضمارِ للإشعار بعلة الحُكمِ ﴿وكفى بالله وكيلا﴾ فيكفيك معرفتهم وينتقم لن منهم والإظهار ههنا أيضا لما مر والتنبية على استقلال الجملةِ واستغنائِها عما عداها من كل وجه

стр. 1056

﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾ إنكارٌ واستقباحٌ لعدم تدبُّرِهم القرآنَ وإعراضِهم عن التأمل فيما فيه من موجبات الإيمان وتدبر الشئ تأمّلُه والنظرُ في أدباره وما يؤول إليه في عاقبته ومنتهاه ثم استعمل في كل تفكرٍ ونظرٍ والفاءُ للعطف على مقدر أي أيعرضون عن القرآن فلايتأملون فيه ليعلموا كونَه من عند الله تعالى بمشاهدة ما فيه من الشواهد التي من جملتها هذا الوحيُ الصادقُ والنصُّ الناطقُ بنفاقهم المحكيِّ على ما هو عليه ﴿وَلَوْ كَانَ﴾ أي القرآنُ ﴿مِنْ عِندِ غَيْرِ الله﴾ كما يزعُمون ﴿لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً﴾ بأن يكون بعضُ أخبارِه غيرَ مطابقٍ للواقع إذ لا علم با لأمور الغيبيةِ ماضيةً كانت أو مستقبلةً لغيره سبحانه وحيث كانت مطابقةً للواقع تعيَّن كونُه من عندِه تعالَى قال الزجاج ولولا أنَّه من عندِ الله تعالى لكان ما فيه من الإخبار بالغيب مما يُسِرُّه المنافقون وما يُبيِّتونه مختلفاً بعضُه حق وبعضه

стр. 1057

٨٣ - النساء باطلٌ لأن الغيبَ لا يعلمه إلا الله تعالى وقال أبو بكرٍ الأصمُّ إن هؤلاءِ المنافقين كانوا يتواطؤون في السر على أنواع كثيرةٍ من الكيد والمكرِ وكان الله تعالى يكلع الرسول ﷺ على ذلك ويُخبره بها مفصَّلةً فقيل لهم إن ذلك لو ما لم يحصُلْ بإخبار الله تعالى لما اطَّردَ الصِّدقُ فيه ولوقع فيه الاختلافُ فلما لم يقَعْ ذلك قطُّ عُلم أنه بإعلامه تعالى هَذَا هُو الذي يستدعيه جزالةُ النظمِ الكريمِ وأما حملُ الاختلافِ على التناقض وتفاوُتِ النظمِ في البلاغة بأن كان بعضُه دالاً على معنى صحيحٍ عند علماءِ المعاني وبعضُه على معنى فاسدٍ غيرِ ملتئم وبعضه بالغا حدا لإعجاز وبعضُه قاصراً عنه يُمكن معارضتُه كما جنحَ إليه الجمهورُ فمما لا يساعده السباقُ ولا السياقُ ومن رام التقريبَ وقال لعل ذكره ههنا للتنبيه على أن اختلافَ ما سبق من الأحكام ليس لِتناقضٍ في الحِكَم بل لاختلاف في الحِكَم والمصالحِ المقتضيةِ لذلك فقد أبعد عن الحق بمراحلِ

стр. 1058

﴿وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مّنَ الامن أَوِ الخوف أَذَاعُواْ بِهِ﴾ يقال أذاعَ السِّرَّ وأذاع أي أشاعه وأفشاه وقيل معنى أذاعوا به فعلوا به الإذاعةَ وهو أبلغُ من أذاعوه هو كلامٌ مسوقٌ لدفع ما عسى يُتوهَّم في بعض الموادِّ من شائبة الاختلافِ بناءً على عدم فهمِ المرادِ ببيان أن ذلك لعدم وقوفِهم على معنى الكلامِ لا لتخلف مدلولِه عنه وذلك أن ناساً من ضَعَفة المسلمين الذين لا خِبرةَ لهم بالأحوال كانوا إذا أخبرهم الرسولُ ﷺ بما أوحِيَ إليه من وعدٍ بالظفر أو تخويفٍ من لكفرة يُذيعونه من غير فهمٍ لمعناه ولا ضبطٍ لفحواه على حسب ما كانوا يفهمونه ويحمِلونه عليه من المحامل وعلى تقدير الفهمِ قد يكون ذلك مشروطاً بأمور تفوت بالإذاعة فلا يظهر أثرُه المتوقَّعُ فيكون ذلك منشأً لتوهم الاختلافِ فنُعيَ عليهم ذلك وقيل ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ﴾ أي ذلك الأمرَ الذي جاءهم ﴿إِلَى الرسول﴾ أي عرَضوه على رأية ﷺ مستكشفين لمعناه وما ينبغي له من التدبير والالتفاتِ لما أن عنوانَ الرسالةِ من موجبات الردِّ والمراجعةِ إلى رأيه ﷺ ﴿وإلى أُوْلِى الامر مِنْهُمْ﴾ وهم كبراءُ الصحابةِ البصراءِ في الأمور رضي الله تعالى عنهم ﴿لَعَلِمَهُ﴾ أي لعلم الرادُّون معناه وتدبيرَه وإنَّما وضعَ موضعَ ضميرِهم الموصولُ فقيل ﴿الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ للإيذان بأنه ينبغي أن يكون قصدهم برده إليهم استكشافُ معناه واستيضاحُ فحواه أي لعَلِمه أولئك الرادون الذين يستبطونه أى يتلقونه ويستخرجون علمه وتدبيرَه منهم أي من جهة الرسول ﷺ وأولي الأمرِ من صحابته رضوانُ الله عليهم أجمعين ولمّا فعلوا في حقه ما فعلوا فلم يقَعْ ما وقع من الاشتباه وتوهّمِ الاختلافِ وقيل لعَلمه الذين يستخرجون تدبيره بفظنهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدِها فكلمةُ مِنْ في مِنْهُمْ بيانية وقيل إنهم كانوا إذا بلغهم خبرٌ عن سرايا رسولِ الله ﷺ مِنْ أمن وسلامةٍ أو خوفٍ وخللٍ أذاعوا به وكانت إذاعتُهم مفسدةً ولو ردوا ذلك الخبرَ إلى رسول الله ﷺ وإلى أولي الأمرِ لعلم تدبيرَ ما أُخبروا به الذين يستنبطونه أى بستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحربِ ومكايدِها وقيل

стр. 1059

٨٤ - النساء كانوا يقِفون من رسول الله ﷺ وأولي الأمرِ على أمن ووثوقٍ بالظهور على بعض الأعداءِ أو على خوف فيُذيعونه فينتشرُ فيبلُغُ الأعداءَ فتعود إذاعتُهم مفسدةً ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمرِ وفوّضوه إليهم وكانوا كأنْ لم يسمعوا العلم الذين يستنبطون تدبيرَه كيف يدبرونه وما يأتون وما يذرون فيه وقيل كانوا يسمعون من أفواه المنافقين شيئاً من الخبر عن السرايا مظنوناً غيرَ معلومِ الصِحّةِ فيُذيعونه فيعود ذلك وبالاً على المؤمنين ولو ردوه إلى الرسول ﷺ وإلى أولي الأمرِ وقالوا نسكُتُ حتى نسمَعَه منهم ونعلمَ هل هو مما يُذاع أو لا يذاع لعلم صحته وهل مما يذاع أولا يذاع هؤلاء المذيعون وهم الذين يسنبطونه من الرسول وأولي الأمرِ أي يتلقَّوْنه منهم ويستخرجون عِلمَه من جهتهم فمَساقُ النظمِ الكريمِ حينئذ لبيان جنايةِ تلك الطائفةِ وسوءِ تدبيرِهم إثرَ بيانِ جنايةِ المنافقين ومكرِهم والخطابُ في قولِه تعالَى ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ للطائفة المذكورةِ على طريقة الالتفاتِ أي لولا فضلُه تعالى عليكم ورحمتُه بإرشادكم إلى طريق الحقِّ الذي هو المراجعةُ في مظانِّ الاشتباهِ إلى الرسول ﷺ وأولي الأمرِ ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشيطان﴾ وعمِلتم بآراء المنافقين فيمَا تأتونَ وما تذرونَ ولم تهتدوا إلى سُنن الصوابِ ﴿إلا قليلا﴾ وهم أولو الأمرِ الواقفون على أسرار الكتابِ الراسخون في معرفة أحكامِه فالاستثناءُ منقطعٌ وقيل ولولا فضلُه تعالى عليكم ورحمتُه بإرسالِ الرسولِ وإنزالِ الكتابِ لاتَّبعتم الشيطانَ وبقِيتم على الكفر والضلالةِ إلا قليلاً منكم قد تفضَّلَ عليه بعقل راجح اهتدى به إلى طريق الحقِّ والصوابِ وعصَمَه من متابعة الشيطان كقس ابن ساعِدةَ الإياديِّ وزيدِ بنِ عمْرو بنِ نُفيل ووَرَقةَ بنِ نوفلٍ وأضرابِهم فالخطابُ للكل والاستثناءُ متصلٌ وقيل المرادُ بالفضل والرحمة النُصرةُ والظفر بالأعداء أى ولولا حصولُ النصرِ والظفرِ على التواتر والتتابع لاتبعتم الشيطانَ وتركتم الدينَ إلا قليلا منكم وهم أولوا البصائر الناقدة والنياتِ القويةِ والعزائمِ الماضيةِ من أفاضل المؤمنين الواقفين على حقية الدينِ البالغين إلى درجة حقِّ اليقينِ المستغنين عن مشاهدة آثارِ حقِّيتِه من الفتْح والظفَرِ وقيل إلا اتباعاً قليلاً

стр. 1060

﴿فَقَاتِلْ فِى سَبِيلِ الله﴾ تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى رسول الله ﷺ بطريق الالتفاتِ وهو جوابُ شرطٍ محذوفٍ ينساق إليه النظمُ الكريمُ أي إذا كان الأمرُ كما حُكي من عدم طاعةِ المنافقين وكيدِهم وتقصيرِ الآخَرين في مراعاة أحكامِ الإسلامِ فقاتِلْ أنت وحدَك غيرَ مكترثٍ بما فعلوا وقولُه تعالى ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَاّ نَفْسَكَ﴾ أي إلا فِعْلَ نفسِكْ استئناف مقرر لما قبله فإن اختصاص تكليفه ﷺ بفعل نفسِه من موجبات مباشرتِه للقتال وحدَه وفيه دَلالةٌ على أن ما فعلوا من التثبيط لا يضره ﷺ ولا يؤاخَذ به وقيلَ هُو حالٌ من فاعل قاتِلْ أي فقاتِلْ غيرَ مكلف إلا نفسك وقرئ لا تُكَلّفُ بالجزم على النهي وقيل على جواب الأمر وقرئ بنون العظمة أى لانكلفك إلا فعلَ نفسِك لا عَلى معنى لا نكلف أحداً إلا نفسَك ﴿وَحَرّضِ المؤمنين﴾ عطفٌ على الأمر السابقِ داخلٌ في حكمه فإن كونَ حالِ الطائفتين كما

стр. 1061

٨٥ - ٨٦ النساء حُكي سببٌ للأمر بالقتال وحدَه وبتحريض خُلَّصِ المؤمنين التحريض على الشئ الحثُّ عليه والترغيبُ فيه قال الراغبُ كأنه في الأصل إزالةُ الحرض وهو مالا خير فيه ولا يُعتدُّ به أي رغِّبْهم في القتال ولا تُعنِّفْ بهم وإنما لم يُذكر المُحرَّضُ عليه لغاية ظهورِه وقولُه تعالى ﴿عَسَى الله أَن يَكُفَّ بَأْسَ الذين كَفَرُواْ﴾ عِدَةٌ منه محقَّقةُ الإنجازِ بكف شدةِ الكفرة ومكرهم فإن ما صدر بلعل وعسى مقرَّرُ الوقوعِ من جهته وقد كانَ كذلكَ حيثُ رُوِيَ أنَّ رسولَ الله ﷺ واعد أبا سفيانَ بعد حربِ أُحدٍ موسِمَ بدرٍ الصغرى في ذي القَعدةِ فلما بلغ الميعادَ دعا الناسَ إلى الخروج فكرِهه بعضُهم فنزلت فخرج رسولُ الله ﷺ في سبعين راكباً ووافَوا الموعِدَ وألقى الله تعالى في قلوب الذين كفروا الرعبَ فرجعوا من مرِّ الظّهرانِ ورويَ أنَّ رسولَ الله ﷺ وافى بجيشه بدراً وأقام بها ثمانيَ ليالٍ وكانت معهم تجاراتٌ فباعوها وأصابوا خيراً كثيراً وقد مرَّ في سورةِ آل عمران ﴿والله أَشَدُّ بَأْساً﴾ أي من قريش ﴿وَأَشَدُّ تَنكِيلاً﴾ أي تعذيباً وعقوبةً تُنكّل مَنْ يشاهدُها عن مباشرة ما يؤدي إليها والجملةُ اعتراضٌ تذييليٌّ مقرِّرٌ لما قبلها وإظهارُ الاسمِ الجليلِ لتربية المهابة وتعليل الحكم وتقويةِ استقلالِ الجُملة وتكريرُ الخبرِ لتأكيد التشديدِ وقوله تعالى

стр. 1062

﴿مَّن يَشْفَعْ شفاعة حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مّنْهَا﴾ أي من ثوابها جملةٌ مستأنفةٌ سيقت لبيان أن له ﷺ فيما أُمر به من تحريض المؤمنين حظاً موفوراً فإن الشفاعةَ هي التوسُّطُ بالقول في وصول شخصٍ إلى منفعة من المنافع الدنيويةِ أو الأخروية أو خلاصِه من مضَرّة ما كذلك من الشفْع كأن المشفوعَ له كان فرداً فجعله الشفيعُ شَفْعاً والحسنةُ منها ما كانت في أمر مشروعٍ رُوعي بها حقُّ مسلمٍ ابتغاءً لوجهِ الله تعالى من غير أن يتضمَّن غرضاً من الأغراض الدنيويةِ وأيُّ منفعة أجلُّ مما قد حصل للمؤمنين بتحريضه ﷺ على الجهاد من المنافع الدنيويةِ والأخرويةِ وأيُّ مضرةٍ أعظمُ مما تخلّصوا منه بذلك منه بذلك من التثبّط عنه ويندرج فيها الدعاءُ للمسلم فإنه شفاعةٌ إلى الله سبحانه وعليه مَساقُ آيةِ التحيةِ الآتية روي أنه ﷺ قال من دعا لأخيه المسلمِ بظهر الغيبِ استُجيب له وقال له المَلَكُ ولك مثلُ ذلك وهذا بيانٌ لمقدار النصيبِ الموعود ﴿وَمَن يَشْفَعْ شفاعة سَيّئَةً﴾ وهي ما كانت بخلاف الحسنةِ ﴿يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا﴾ أي نصيب من وِزْرها مساوٍ لها في المقدار من غير أن ينقص منه شئ ﴿وَكَانَ الله على كُلّ شَىْء مُّقِيتاً﴾ أي مقتدراً من أقات على الشيء إذا اقتدر عليه أو شهيداً حفيظاً واشتقاقُه من القُوت فإنه يقوِّي البدَنَ ويحفَظُه والجملةُ تذييلٌ مقرِّرٌ لما قبلها على كلا المعنيين

стр. 1063

﴿وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ﴾ ترغيبٌ في فرد شائعٍ من أفراد الشفاعةِ الحسنةِ إثرَ ما رُغِّبَ فيها على الإطلاق وحُذِّر عما يقابلها من الشفاعة السيئةِ وإرشادٌ إلى توفية حقِّ الشفيعِ وكيفيةِ أدائِه فإن تحيةَ الإسلامِ من المسلم شفاعةٌ منه لأخيه إلى الله تعالى والتحية مصدر حيى أصلُها تحْيِيَةٌ كتسمية من سمى

стр. 1064

٨٧ - النساء وأصلُ الأصلِ تَحْيِيٌّ بثلاث ياءاتٍ فحُذفت الأخيرةُ وعُوِّضَ عنها تاءُ التأنيثِ وأُدغمت الأولى في الثانية بعد نقلِ حركتِها إلى الحاء قال الراغبُ أصلُ التحية الدعاءُ بالحياة وطولِها ثم استعملت في كل دعاءٍ وكانت العربُ إذا لقِيَ بعضُهم بعضاً يقول حياك الله ثم استعملها الشرعُ في السلام وهي تحيةُ الإسلام قال تعالى ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سلام﴾ وقال ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سلام﴾ وقال ﴿فَسَلّمُواْ على أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مّنْ عِندِ الله﴾ قالوا في السلام مزيةٌ على التحية لما أنه دعاءٌ بالسلامة من الآفات الدينيةِ والدنيويةِ وهي مستلزِمةٌ لطول الحياةِ وليس في الدعاء بطول الحياةِ ذلك ولأن السلامَ من أسمائه تعالى فالبَداءةُ بذكره مما لا ريب في فضله ومزّيتِه أي إذا سُلِّم عليكم من جهة المؤمنين ﴿فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ أي بتحيةٍ أحسنَ منها بأن تقولوا وعليكم السلامُ ورحمةُ الله إن اقتصر المُسلمُ على الأول وبأن تزيدوا وبركاته إن جمعها المسلمُ وهي النهايةُ لانتظامها لجميع فنونِ المطالبِ التي هي السلامةُ عن المضارِّ ونيلُ المنافعِ ودوامُها ونماؤُها ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ أي أجيبوها بمثلها رُوي أن رجالاً قال أحدُهم لرسول الله ﷺ السلامُ عليك فقال وعليك السلام ورحمةُ الله وقال الآخرُ السلامُ عليك ورحمةُ الله فقال وعليك السلامُ ورحمةُ الله وبركاتُه وقال الآخرُ السلامُ عليك ورحمةُ الله وبركاتُه فقال وعليك فقال الرجل نقصتَني فأين ما قال الله تعالى وتلا الآية فقال ﷺ إنك لم تترُكْ ليَ فضلاً فردَدْتُ عليك مثلَه وجوابُ التسليم واجبٌ وإنما التخييرُ بين الزيادةِ وتركِها وعن النخعيّ أن السلامَ سنةٌ والردَّ فريضةٌ وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الردُّ واجبٌ وما من رجل يمُرُّ على قوم مسلمين فيسلّم عليهم ولا يردّون عليه إلا نزَع الله منهم روُحَ القُدسِ وردَّت عليه الملائكة ولا يردّ في الخُطبة وتلاوةِ القرآنِ جهراً وروايةِ الحديثِ وعند دراسةِ العلمِ والآذانِ والإقامةِ ولا يسلّم على لاعب النرْدِ والشطرنج والمغنّي والقاعدِ لحاجته ومُطيِّرِ الحَمام والعاري في الحمّام وغيرِه قالوا ويسلم الرجلُ على امرأته لا على الأجنبية والسُّنةُ أن يسلِّم الماشي على القاعد والراكبُ على الماشي وراكبُ الفرسِ على راكب الحمارِ والصغيرُ على الكبير والقليلُ على الكثير وإذا التَقَيا ابتدرا وعن أبي حنيفةَ رضى الله عنه لا يجهر بالرد يعني الجهرَ الكثيرَ وعن النبيِّ ﷺ إذا سلَّم عليكُم أهلُ الكتابِ فقولوا وعليكُم أي وعليكم ما قلتم حيث كان يقول بعضُهم السلام عليكم وروي لا تبدأ اليهوديَّ بالسلام وإذا بدأك فقل وعليك وعن الحسن أنه يجوز أن يقول للكافر وعليك السلامُ دون الزيادة وقيل التحيةُ بالأحسن عند كونِ المسلِّمِ مسلماً وردُّ مثلِها عند كونِه كافراً ﴿إِنَّ الله كَانَ على كُلّ شَىْء حَسِيباً﴾ فيحاسبكم على كل شئ من أعمالِكم التي منْ جُملتِها ما أُمرتم بهِ من التحية فحافِظوا على مراعاتها حسبما أُمرتم به

стр. 1065

﴿الله لَا إله إِلَاّ هُوَ﴾ مبتدأٌ وخبرٌ وقولُه تعالَى ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القيامة﴾ جوابُ قسمٍ محذوفٍ أيْ والله ليحشُرَّنكم من قبوركم إلى يومِ القيامةِ وقيلَ إلى بمعنى في والجملةُ القسميةُ إما مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب أو خبرٌ ثانٍ للمبتدأ أو هي الخبر ولا إله إِلَاّ هُوَ اعتراضٌ وقوله تعالَى ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي في يوم القيامةِ أو في الجمع حالٌ من اليوم أو صفةٌ للمصدر أي جمعاً لا ريب فيه ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله حَدِيثاً﴾ إنكار لأن يكون أحد أصدقَ منه تعالى في وعده وسائر

стр. 1066

٨٨ - النساء أخبارِه وبيانٌ لاستحالته كيف لا والكذِبُ مُحالٌ عليه سبحانه دون غيرِه

стр. 1067

﴿فَمَا لَكُمْ﴾ مبتدأٌ وخبرٌ والاستفهامُ للإنكار والنفي والخطابُ لجميع المؤمنين لكنّ ما فيه من معنى التوبيخِ متوجهٌ إلى بعضهم وقولُه تعالى ﴿فِى المنافقين﴾ متعلقٌ إما بما تعلَّق بهِ الخبرُ أي أي شئ كائنٌ لَكُمْ فِيهِمْ أي في أمرهم وشأنِهم فحُذف المضافُ وأُقيمَ المضافُ إليه مُقامَه وإما بما يدلُّ عليه قولُه تعالى ﴿فِئَتَيْنِ﴾ من معنى الافتراقِ أي فما لكم تفترقون في المنافقين وإما بمحذوفٍ وقعَ حالاً من فئتين أي كائنتين في المنافقين لأنَّه في الأصلِ صفةٌ فلما قدمت انتصبت حالا كما هو شأنُ صفاتِ النكراتِ على الإطلاقِ أو منْ الضمير في تفترقون وانتصابُ فئتين عند البصْريين على الحالية من المخاطَبين والعاملُ ما في لكم من معنى الفعلِ كما في قولِه تعالَى ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ﴾ وعند الكوفيين على خبرية كان مُضمرةً أي فما لكم في المنافقين كنتم فئتين والمرادُ إنكارُ أن يكون للمخاطبين شئ مصحح لاختلافهم في أمر المنافقين وبيانِ وجوبِ بتِّ القولِ بكفرهم وإجرائهم مُجرى المجاهرين بالكفر في جميع الأحكامِ وذكرُهم بعنوان النفاقِ باعتبار وصفِهم السابق روي أنهم قومٌ من المنافقين استأذنوا رسولَ الله ﷺ في الخروج إلى البدو معتلين باجتواء المدينةِ فلما خرجوا لم يزالوا راحلين مَرْحلةً فمرحلة حتى لحِقوا بالمشركين فاختلف المسلمون في أمرهم وقيل هم قوم هاجروا من مكةَ إلى المدينةِ ثم بدا لهم فرجعوا وكتبوا إلى رسول الله ﷺ إنا على دينك وما أخرَجَنا إلا اجتواءُ المدينةِ والاشتياقُ إلى بلدنا وقيل هم ناسٌ أظهروا الإسلامَ وقعدوا عن الهجرة وقيل هم قومٌ خرجوا مع الرسول الله ﷺ يوم أُحد ثم رجعوا ويأباهُ ما سيأتِي من جعل هِجرتِهم غايةً للنهي عن تولهم وقيل هم العُرَنيّون الذين أغاروا على السَّرْح وقتلوا راعى رسول الله ﷺ ويرده ما سيأتي من الآيات الناطقةِ بكيفية المعاملة معهم من السلم والحربِ وهؤلاء قد أُخذوا وفُعل بهم ما فُعل من المُثلةِ والقتلِ ولم يُنقلْ في أمرهم اختلافُ المؤمنين ﴿والله أَرْكَسَهُمْ﴾ حال من المنافقين مفيدةٌ لتأكيد الإنكارِ السابقِ واستبعادِ وقوعِ المنكرِ ببيان وجود الباقى بعد بيانِ عدمِ الداعي وقيل من ضمير المخاطَبين والرابطُ هو الواو أي أى شئ يدعوكم إلى الاختلاف في كفرهم معَ تحققِ ما يُوجبُ اتفاقَكم على كفرهم وهو إنَّ الله تعالى قد ردهم في الكفر كما كانوا ﴿بِمَا كَسَبُواْ﴾ بسبب ما كسَبوه من الارتداد واللحوق بالمشركين ولاحتيال على رسُولِ الله ﷺ والعائدُ إلى الموصول محذوفٌ وقيل ما صدرية أي بكسبهم وقيل معنى أركسهم نَكّسهم بأن صيَّرهم للنار وأصلُ الرِّكسِ ردُّ الشئ مقلوبا وقرئ رَكَّسهم مشدداً ورَكَسَهم أيضاً مخففاً ﴿أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ الله﴾ تجريدٌ للخطاب وتخصيصٌ له بالقائلين بإيمانهم من الفئتين وتوبيخٌ لهم على زعمهم ذلك وإشعارٌ بأنه يؤدي إلى محاولة المُحالِ الذي هو هدايةُ من أضله الله تعالى وذلك لأن الحُكمَ بإيمانهم وادعاءِ اهتدائِهم وهم بمعزل من ذلك سعيٌ في هدايتهم وإرادةٌ لها ووضعُ الموصولِ موضعَ ضميرِ المنافقين لتشديد الإنكارِ

стр. 1068

٨٩ - ٩٠ النساء وتأكي استحالةِ الهدايةِ بما ذُكر في حيِّزِ الصلةِ وتوجيهُ الإنكارِ إلى الإرادة لا إلى متعلَّقها بأن يقالَ أتهدون الخ للمبالغة في إنكاره ببيان أنه مما لا يمكن إرادتُه فضلاً عن إمكان نفسِه وحملُ الهدايةِ والإضلالِ على الحُكم بهما يأباه قوله تعالى ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ أي ومن يَخْلُقْ فيه الضلالَ كائناً من كان فلن تجدَ له سبيلاً من السبل فضلاً عن أن تهدِيَه إليه وفيه من الإفصاح عن كمال الاستحالةِ مَا ليسَ في قولِه تعالى ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ ونظائرِه وحملُ إضلالِه تعالى على حُكمه وقضائِه بالضلال مُخِلٌّ بحسن المقابلة بين الشرطِ والجزاءِ وتوجيهُ الخطابِ إلى كلِّ واحدٍ من المخاطَبين للإشعار بشمول عدمِ الوجدان للكل على طريق التفصيلِ والجملةُ إما حالٌ من فاعل تريدون أو تهتدوا والرابطُ هو الواو أو اعتراضٌ تذييليٌّ مقرِّرٌ للإنكار السابق ومؤكده لاستحالة الهدايةِ فحينئذ يجوز أن يكون الخطابُ لكلِّ أحدٍ ممن يصلُح له من المخاطَبين أولاً ومن غيرهم

стр. 1069

﴿وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لبيانِ غلوِّهم وتماديهم في الكفر وتصدِّيهم لإضلال غيرِهم إثرَ بيانِ كفرِهم وضلالِهم في أنفسهم وكلمةُ لو مصدرية غنيةٌ عن الجواب وهي مع ما بعدها نصبٌ على المفعولية أي ودّوا أن تكفروا وقولُه تعالى ﴿كَمَا كَفَرُواْ﴾ نُصب على أنه نعتٌ لمصدر محذوف أى كفر مثلَ كفرِهم أو حالٌ من ضميرِ ذلك المصدرِ كما هُو رأيُ سيبويهِ وقولُه تعالى ﴿فَتَكُونُونَ سَوَاء﴾ عطفٌ على تكفرُونَ داخلٌ في حُكمهِ أيْ ودوا أن تكفروا فتكونوا سواءً مستوِين في الكفر والضلالِ وقيل كلمةُ لو على بابها وجوابُها محذوفٌ كمفعول ودّوا لتقدير ودوا كفرَكم لو تكفرون كما كفروا لسروا بذلك ﴿فَلَا تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء﴾ الفاء جوابُ شرطٍ محذوفٍ وجمعُ أولياءَ لمراعاة جمعِ المخاطَبين فإن المرادَ نهيُ أن يتخذ واحدٌ من المخاطبين ولياً واحداً منهم أيْ إذا كانَ حالُهم ما ذُكر من وِدادة كفرِكم فلا توالوهم ﴿حتى يُهَاجِرُواْ فِى سَبِيلِ الله﴾ أي حتى يؤمنوا ويحققوا إيمانَهم بهجرةٍ كائنةٍ لله تعالى ورسوله ﷺ لالغرض من أغراض الدنيا ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ أي عن الإيمان المظاهر بالهجرة الصحيحية المستقيمةِ ﴿فَخُذُوهُمْ﴾ أي إذا قدَرتم عليهم ﴿واقتلوهم حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ من الحِلّ والحرمِ فإن حُكمَهم حكمُ سائرِ المشركين أسراً وقتلاً ﴿وَلَا تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً﴾ أي جانبوهم مجانبةً كليةً ولا تقبَلوا منهم وِلايةً ولا نُصرةً إبداً

стр. 1070

﴿إلا الذين يصلون إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ ميثاق﴾ استثناءٌ من قولِهِ تعالى ﴿فَخُذُوهُمْ واقتلوهم﴾ أي إلا الذين يتصلون وينتهون إلى قوم عاهدوكم ولم يحاربوكم وهم الأسلميّون كان رسولُ الله ﷺ وقت

стр. 1071

٩١ - النساء خروجِه من مكةَ قد وادع هلال بن عويمرالأسلمى على أنه لايعينه ولا يُعينُ عليه وعلى أن من وَصل إلى هلالٍ ولجأ إليه فله من الجِوار مثلُ الذي لهلال وقيل هم بنو بكرِ بنِ زيدِ مَناةَ وقيل هم خُزاعة ﴿أَوْ جاؤوكم﴾ عطفٌ على الصلة أي أو الذين جاءوكم كافّين عن قتالكم وقتالِ قومِهم استُثني من المأمور بأخذهم وقتلِهم فريقان أحدُهما من ترك المحاربين ولحِق بالمعاهَدين والآخرُ من أتى المؤمنين وكفّ عن قتال الفريقين أو على صفةِ قومٍ كأنه قيل إلا الذين يصلون إلى قوم معاهَدين أو إلى قوم كافّين عن القتال لكم والقتالِ عليكم والأول هو الأظهر لما سيأتِي من قولِه تعالى ﴿فَإِنِ اعتزلوكم﴾ الخ فإنَّه صريحٌ في أن كفَّهم عن القتال أحدُ سَبَبي استحقاقِهم لنفي التعرُّضِ لهم وقرئ جاءوكم بغير عاطفٍ على أنه صفةٌ بعد صفةٍ أو بيانٌ ليصِلون أو استئنافٌ ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ حالٌ بإضمار قد يدليل أنه قرئ حَصِرَةٌ صدورُهم وحَصِراتٌ صدورُهم وحاصرات صدورهم وقيل صفة لموصوفٍ محذوف هو حال من فاعل جاءوا أى أو جاءوكم قوما حصرت صدورُهم وقيل هو بيانٌ لجاءوكم وهم بنو مَدلج جاءوا رسول الله ﷺ غيرَ مقاتلين والحصرُ الضيقُ والانقباض ﴿أن يقاتلوكم أَوْ يقاتلوا قَوْمَهُمْ﴾ أي من أن يقاتلوكم أو لأَنْ يقاتلوكم أو كراهةَ أن يقاتلوكم الخ وَلَوْ شاء الله لسلطنهم عَلَيْكُمْ جملةٌ مبتدأةٌ جاريةٌ مجرى التعليل لا ستثناء الطائفةِ الأخيرةِ من حكم الأخذِ والقتلِ ونظمِهم في سلك الطائفةِ الأولى الجاريةِ مَجرى المعاهَدين مع عدم تعلّقِهم بنا ولا بمن عاهدونا كالطائفة الأولى أي وَلَوْ شَاء الله لَسَلَّطَهُمْ عليكم ببسط صدورِهم وتقويةِ قلوبِهم وإزالةِ الرعبِ عنها ﴿فلقاتلوكم﴾ عَقيبَ ذلك ولم يكفّوا عنكم واللامُ جوابُ لو على التكرير أو الإبدال من الأولى وقرئ فلقتلوكم بالخفيف والتشديد ﴿فَإِنِ اعتزلوكم﴾ ولم يتعرضوا لكم ﴿فَلَمْ يقاتلوكم﴾ مع ما علمتم من تمكنهم من ذلك بمشيئةِ الله ﴿وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السلم﴾ أى الانقياد والاستسلام وقرئ بسكون اللام ﴿فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾ طريقاً بالأسر أو بالقتل فإن مكافتهم عن قتالكم وأن يقاتلوا قومَهم أيضاً وإلقاءَهم إليكم السَّلَم وإن لم يعاهدوكم كافيةٌ في استحقاقهم لعدم تعرضكم لهم

стр. 1072

﴿ستجدون آخرين يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ﴾ هم قومٌ من أسَد وغطَفانَ كانوا إذا أتَوا المدينةَ أسلموا وعاهَدوا ليأمنوا المسليمن فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكَثوا عُهودَهم ليأمَنوا قومَهم وقيل هم بنو عبدِ الدارِ وكان ديدنَهم ما ذكر ﴿كل ما رُدُّواْ إِلَى الفتنة﴾ أي دُعوا إلى الكفر وقتالِ المسلمين ﴿أُرْكِسُواْ فِيِهَا﴾ قُلبوا فيها أقبحَ قلْبٍ وأشنَعَه وكانوا فيها شراً من كل عدو شرَّيرٍ ﴿فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾ بالكف عن التعرُّض لكم بوجه ما ﴿وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السلم﴾ أي لم يُلْقوا إليكم الصُلْحَ والعهدَ بل نَبَذوه إليكم ﴿وَيَكُفُّواْ أَيْدِيَهُمْ﴾ أي لم يكفّوها عن قتالكم ﴿فَخُذُوهُمْ واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾ أي تمكّنتم منهم ﴿وَأُوْلَئِكُمْ﴾ الموصوفون بما عُدّد من

стр. 1073

٩٢ - النساء الصفات القبيحةِ ﴿جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سلطانا مُّبِيناً﴾ حُجةً واضحةً في الإيقاع بهم قتلا وسببا لظهور عدواتهم وانكشافِ حالِهم في الكفر والغدرِ وإضرارِهم بأهل الإسلامِ أو تسلطاً ظاهراً حيث أذِنّا لكم في أخذهم وقتلِهم

стр. 1074

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ أي وما صح له ولا لاقَ بحاله ﴿أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً﴾ بغير حقَ فإن الإيمانَ زاجرٌ عن ذلك ﴿إِلا خطأ﴾ فإنه ربما يقع لعدم دخولِ الاحترازِ عنه بالكلية تحت الطاقةِ البشريةِ وانتصابُه إمَّا على أنَّه حالٌ أي وما كان له أن يقتلَ مؤمناً في حالٍ من الأحوالِ إلا في حال الخطأ أو على أنَّه مفعولٌ له أي وما كان له أن يقتله لعِلّة من العلل إلا للخطأ أو على أنه صفةٌ للمصدر أي إلا قتلاً خطأً وقيل إلا بمعنى ولا والتقديرُ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً عمداً ولا خطأً وقيل مَا كَانَ نفيٌ في مَعْنى النهي والاستثناءُ منقطِعٌ أي لكنْ إن قتله خطأً فجزاؤُه ما يُذكر والخطأ مالا يقارِنه القصْدُ إلى الفعل أو إلى الشخص أولا يُقصد به زُهوقُ الروحِ غالباً أو لا يقصد به محظورٌ كرمي مُسلمٍ في صف الكفارِ مع الجهل بإسلامه وقرئ خطأ بالمد وخَطاً كعصا بتخفيف الهمزة روي أن عياشَ بنَ أبي ربيعةَ وكان أخا أبي جهلٍ لأمّه أسلم وهاجر إلى المدينة خوفاً من أهله وذلك قبل هجرة النبيِّ ﷺ فأقسمَتْ أمُّه لا تأكلُ ولا تشربُ ولا يَأْويها سقفٌ حتى يرجِع فخرج أبو جهل ومعه الحرث بنُ زيدِ بنِ أبي أنيسةَ فأتياه وهو في أطم ففتل منه أبو جهل في الذُّروة والغارب وقال أليس محمدٌ يحثُّك على صلة الرحِمِ انصرِفْ وبَرَّ أمَّك وأنت على دينك حتى نزل وذهب معهما فلما فسَحا من المدينة كتفاه وجلده فقال للحرث هذا أخي فمن أنت يا حرث لله علي إن وجدتك خالياً أن أقتلَك وقدِما به على أمه فحلفت لا يُحَلُّ كِتافُه أو يرتدَّ ففعل بلسانه ثم هاجر بعد ذلك وأسلم الحرث وهاجر فلقِيَه عياشُ بظهر قُباءَ ولم يشعُرْ بإسلامه فأنحى عليه فقتله ثم أُخبر بإسلامه فأتى رسولَ الله ﷺ فقال قتلتُه ولم أشعُرْ بإسلامه فنزلت ﴿وَمَن قَتَلَ مؤمنا خطأ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أي فعليه أو فموجبة تحريرُ رقبةٍ أي إعتاقُ نسمةٍ عبّر عنها بها كما يعبر عنها بالرأس ﴿مؤمنة﴾ أى محكوما بإسلامها وإن كانت صغيرة ﴿وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ﴾ مؤدّاةٌ إلى ورثته يقتسِمونها كسائر المواريث لقول ضحاك بنِ سفيانَ الكِلابيّ كتب إلى رسول الله ﷺ يأمُرني أن أُورّث امرأةَ أشيمَ الضبابيّ من عقْل زوجِها ﴿إِلَاّ أَن يَصَّدَّقُواْ﴾ أي إلا أن يتصدق أهلُه عليه سمِّي العفوُ عنها صدقةً حثاً عليه وتنبيهاً على فضله وعن النبيِّ ﷺ كل معروف صدقة وقرئ إلا أن يتصدقوا وهو متعلقٌ بعليه أو بمُسلّمة أي تجب الديةُ أو يسلّمها إلى أهله إلا وقت تصدقِهم عليه فهو في محل النصب على الظرفية أو إلا حالَ كونِهم متصدِّقين عليه فهو حالٌ من الأهل أو القاتلِ ﴿فَإن كَانَ﴾ أي المقتولُ ﴿مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ﴾ كفارٍ محاربين ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ ولم يَعْلم به القاتلُ لكونه بين أظهُرِ قومه

стр. 1075

٣٩ - النساء بأن أسلم فيما بينهم ولم يفارقْهم أو بأن أتاهم بعد ما فارقهم لِمُهمَ من المهمات ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ أي فعلى قاتله الكفارةُ دون الديةِ إذ لا وِراثة بينه وبين أهلِه لأنهم محارَبون ﴿وَإِن كَانَ﴾ أي المقتولُ المؤمنُ ﴿مِن قَوْمٍ﴾ كفرَة ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ ميثاق﴾ أي عهدٌ مؤقتٌ أو مؤبدٌ ﴿فَدِيَةٌ﴾ أي فعلى قاتله ديةٌ ﴿مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ﴾ من أهل الإسلامِ إن وجدوا ولعل تقديمَ هذا الحكم ههنا مع تأخيره فيما سلف لللإشعار بالمسارعة إلى تسليم الديةِ تحاشياً عن توهّم نقضِ الميثاقِ ﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً﴾ كما هو حكمُ سائرِ المسلمين ولعل إفرادَه بالذكر مع اندراجه في حكم ما سبقَ من قولِه تعالى وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خطأ الخ لبيان أن كونَه فيما بين المعاهَدين لا يمنع وجوبَ الديةِ كما منعه كونُه فيما بين المحارَبين وقيل المرادُ بالمقتول الذميُّ أو المعاهَدُ لئلا يلزَمَ التكرارُ بلا فائدةٍ ولا التوريثُ بين المسلمِ والكافر وقد عرفت عدم لزومها ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾ أيْ رقبةً ليُحرِّرها بأن لم يملِكْها ولا ما يُتوصّل به إليها من الثمن ﴿فَصِيَامُ﴾ أيْ فعليهِ صيامُ ﴿شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ لم يتخللْ بين يومين من أيامهما إفطارٌ ﴿تَوْبَةً﴾ نُصب على أنَّه مفعولٌ له أي شُرع لكم ذلك توبةً أي قَبولاً لها من تاب الله عليه إذا قبِل توبتَه أو مصدرٌ مؤكد لفعل محذوف أي تاب عليكم توبةً وقيل على أنه حال من الضمير المجرورِ في عليه بحذف المضافِ أيْ فعليهِ صيامُ شهرينِ ذا توبةٍ وقولُه تعالى ﴿مِنَ الله﴾ متعلق بمحذوف وقع صفة لتوبةً أي كائنةً منه تعالى ﴿وَكَانَ الله عَلِيماً﴾ بجميعِ الأشياءِ التي مِنْ جملتها حالُه ﴿حَكِيماً﴾ في كل ما شرَع وقضى من الشرائع والأحكامِ التي من جملتها ما شرعه في شأنه

стр. 1076

﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً﴾ لمّا بيّن حُكمَ القتلِ خطأً وفصَّل أقسامَه الثلاثةَ عقّب ذلك ببيان القتلِ عمداً خلا أن حكمَه الدنيويَّ لما بُيِّن في سورة البقرة أقتصر ههنا على حُكمه الأخرويِّ روي أن مقيسِ بنِ ضبابةَ الكِناني وكان قد أسلم هو وأخوه هشامٌ وجَد أخاه قتيلاً في بني النجارِ فأتى رسول الله ﷺ وذكر له القصةَ فأرسل ﵇ معه زبيرَ بنَ عِياضٍ الفِهريَّ وكان من أصحاب بدرٍ إلى بني النجار يأمرُهم بتسليم القاتلِ إلى مقيسٍ ليقتصَّ منه إن علموه وبأداء الديةِ إن لم يعلموه فقالوا سمعاً وطاعةً لله تعالى ولرسوله ﵇ ما نعلم له قاتلاً ولكنا نؤدّي دِيتَه فأتَوْه بمائة من الإبل فانصَرفا راجعَيْن إلى المدينة حتى إذا كانا ببعض الطريقِ أتى الشيطانُ مِقْيَساً فوسوس إليه فقال أتقبل دِيةَ أخيك فيكونَ مَسَبَّةً عليك اقتُل الذي معك فيكونَ نفساً بنفس وفضلَ الديةِ فتغفّل الفِهريَّ فرماه بصخرة فشدَخَه ثم ركِب بعيراً من الإبل واستاق بقيتَها راجعاً إلى مكةَ كافراً وهو يقول ... قتلتُ به فِهراً وحمَّلْتُ عَقُلَه ... سَراةَ بني النجارِ أصحابَ قارعِ ... وأدركتُ ثأري واضطجعتُ موسّدا ... وكنت إلى الأوثان أولَ راجعِ ... فنزلت وهو الذي أستثناه رسول الله ﷺ يوم الفتحِ ممن أمّنه فقُتل وهو متعلِّقٌ بأستارِ الكعبةِ وقوله تعالى معتمدا حالٌ من فاعل يقتل وروي عن الكسائي سكونُ التاءِ كأنه فر من توالي الحركات ﴿فَجَزَاؤُهُ﴾ الذي يستحقه بجنايته

стр. 1077

﴿جَهَنَّمَ﴾ وقولُه تعالى ﴿خَالِداً فِيهَا﴾ حالٌ مقدّرةٌ من فاعل فعلٍ مقدرٍ يقتضيه المقامُ كأنه قيل فجزاؤه أن يدخُلَ جهنَّم خالداً فيها وقيلَ هُو حالٌ من ضمير يجزاها وقيل من مفعول جازه وأُيّد ذلك بأنه أنسبُ بعطف ما بعده عليه لموافقته له صيغةً ولا يخفى أن ما يُقدّر للحال أو العطف عليه حقُّه أن يكون مما يقتضيه المقامُ اقتضاءً ظاهراً ويدل عليه الكلامُ دَلالةً بينةً وظاهرٌ أن كونَ جزائِه ما ذُكر لا يقتضي وقوعَ الجزاءِ البتةَ كما ستقف عليه حتى يُقدَّرَ يُجزاها أو جازاه بطريق الإخبارِ عن وقوعه وأما قولُه تعالى ﴿وغضب الله عليه﴾ فعطف على مقدر يدلُّ عليه الشرطيةُ دِلالةً واضحةً كأنه قيل بطريق الاستئنافِ تقريراً وتأكيداً لمضمونها حكمُ الله بأن جزاءَه ذلك وغضِب عليه أي انتقم منه ﴿وَلَعَنَهُ﴾ أي أبعده عن الرحمة بجعل جزائِه ما ذكر وقيل هو وما بعده معطوفٌ على الخبر بتقدير أنّ وحملُ الماضي على معنى المستقبلِ كَما في قولِه تعالى ﴿وَنُفِخَ فِى الصور﴾ ونظائرِه أي فجزاؤُه جهنمُّ وأن يغضَبَ الله عليه الخ ﴿وَأَعَدَّ لَهُ﴾ في جهنم ﴿عَذَاباً عظيما﴾ لا يقادر قدره ولِما ترى في الآية الكريمةِ من التهديد الشديدِ والوعيدِ الأكيدِ وفنونِ الإبراق والإرعادِ وقد تأيدت بما رُوي من الأخبار الشِّداد كقوله ﷺ والذي نفسي بيده لَزَوالُ الدُّنيا عند الله أهونُ من قتلِ مؤمن وقوله ﷺ لو أن رجلاً قُتل بالمشرق وآخَرُ رضِي بالمغرب لأَشرَك في دمه وقوله ﷺ من أعان على قتل مؤمنٍ ولو بشَطْر كلمةٍ جاء يوم القيامةِ مكتوبٌ بين عينيه آيسٌ من رحمة الله تعالى وبنحو ذلك من القوارع تمسكت الخوارجُ والمعتزلةُ بها في خلود مَنْ قتل المؤمنَ عمداً في النار ولا مُتمَسَّك لهم فيها إلا لِما قيل من أنها في حق المستحِلِّ كما هو رأيُ عِكرِمةَ وأضرابِه بدليل أنها نزلت في مقيسِ بنِ ضبابةَ الكِناني المرتدِّ حسبما مرت حكايتُه فإن العبرةَ بعموم اللفظِ لا بخصوص السببِ بل لأن المرادَ بالخلود هو المكثُ الطويلُ لا الدوامُ لتظاهر النصوصِ الناطقةِ بأن عصاةَ المؤمنين لا يدوم عذابُهم وما رُوي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه لا توبةَ لقاتل المؤمنِ عمداً وكذا ما روي عن سفيانَ أن أهلَ العلم كانوا إذا سُئلوا قالوا لا توبةَ له محمول على الاقتداء بسنة الله تعالى في التشديد والتغليظِ وعليه يُحمل ما روي عن أنسٍ رضيَ الله تعالى عنه أن النبيِّ ﷺ قال أبى الله أن يجعل لقاتل المؤمنِ توبة كيفَ لَا وقد رُويَ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رجلاً سأله ألِقاتلِ المؤمنِ توبةٌ قال لا وسأله آخَرُ ألقاتل المؤمن توبةٌ فقال نعم فقيل له قلت لذلك كذا ولهذا كذا قال كان الأولُ لم يقتُلْ بعد فقلت ما قلت كيلا يقتُلَ وكان هذا قد قتل فقلت له ما قلت لئلا ييأسَ وقد روي عنه جوازُ المغفرةِ بلا توبة أيضاً حيث قال في قوله تعالى فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ الآيةُ هي جزاؤُه فإن شاء عذبه وإن شاء غفر له ورُوي مرفوعا عنِ النبيِّ ﷺ أنه قال هو جزاؤُه إن جازاه وبه قال عونُ بنُ عبدِ اللَّهِ وبكرُ بنُ عبدِ اللَّه وأبو صالح قالوا قد يقول الإنسانُ لمن يزجُره عن أمر إن فعلتَه فجزاؤُك القتلُ والضربُ ثم إن لم يجازِه بذلك لم يكن ذلك منه كذباً قال الواحدي والأصلُ في ذلك إِنَّ الله يجوزُ أن يُخلِفَ الوعيدَ وإن امتنع أن يُخلِف الوعد بهذا وردت السنة عن رسول الله ﷺ في حديث أنسٌ ﵁ أنه ﷺ قال من وعده الله تعالى على عمله ثواباً فهو مُنجِزُه له ومن أوعده على عمله عِقاباً فهو بالخيار والتحقيقُ أنه لا ضرورة إلى تفريع

стр. 1078

٩٤ - النساء ما نحن فيه على الأصل المذكورِ لأنه إخبارٌ منه تعالى بأن جزاءَه ذلك لا بأنه يجزيه بذلك كيفَ لا وقَدْ قالَ الله تعالى وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا ولو كان هذا إخباراً بأنه تعالى يجزي كلَّ سيئةٍ بمثلها لعارض قوله تعالى ﴿ويعفو عن كثير﴾

стр. 1079

﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ﴾ إثرَ ما بيّن حكمَ القتلِ بقسميه وأن ما يُتصوّر صدورُه عن المؤمن إنما هو القتلُ خطأً شرَعَ في التحذير عَمَّا يؤدَّي إليهِ منَ قلة المبالاةِ في الأمور ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ الله﴾ أي سافرتم في الغزو ولِمَا في إذا من معنى الشرطِ صُدِّر قولُه تعالى ﴿فتبينوا﴾ بالفاء أى فاطلُبوا بيانَ الأمرِ في كل ما تأتون وما تذرون ولا تعجَلوا فيه بغير تدبر وروية وقرئ فتثبّتوا أي اطلُبوا إثباته وقوله تعالى ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السلام﴾ نهيٌ عما هو نتيجةٌ لترك المأمورِ به وتعيينٌ لمادّة مُهمّةٍ من الموادّ التي يجب فيها التبيينُ وقرئ السِّلْمَ بغير ألف وبكسر السين وسكون اللام أي لا تقولوا بغير تأمل لمن حياكم بتحية الإسلامِ أو لمن ألقى إليكم مقاليدَ الاستسلام والانقيادِ ﴿لَسْتَ مُؤْمِناً﴾ وإنما أظهرتَ ما أظهرتَ متعوِّذاً بلِ اقبَلوا منه ما أظهره وعاملوه بموجبه وقرئ مُؤمَناً بالفتح أي مبذولاً لك الأمانُ وهذا أنسبُ بالقراءتين الأخرتين ولاقتصار على ذكر تحيةِ الإسلامِ في القراءة الأولى مع كونها مقرونةً بكلمتي الشهادةِ كما سيأتي في سبب النزول للمبالغة في النهي والزجرِ والتنبيهِ على كمال ظهورِ خطئِهم ببيان أن تحية الإسلامِ كانت كافيةً في المُكافّة والانزجارِ عن التعرض لصاحبها فكيف وهي مقرونةٌ بهما وقوله تعالى ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحياة الدنيا﴾ حال من فاعل لاتقولوا منبئ عما يحمِلُهم على العَجَلة وتركِ التأنّي لكن لا على أن يكون النهيُ راجعاً إلى القيد فقط كما في قولك لا تطلُبَ العلمَ تبتغي به الجاهَ بل إليهما جميعاً أي لا تقولوا له ذلك حالَ كونِكم طالبين لمالِه الذي هو حُطامٌ سريع النفاذ وقولُه تعالى ﴿فَعِنْدَ الله مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ تعليلٌ للنهي عن ابتغاء مالِه بما فيه من الوعد الضِّمني كأنه قيل لا تبتغوا مالَه فعند الله مغانمُ كثيرةٌ يُغنِمُكموها فيغنيكم عن ارتكاب ما ارتكبتموه وقولُه تعالى ﴿كذلك كُنتُمْ مّن قَبْلُ فَمَنَّ الله عَلَيْكُمْ﴾ تعليلٌ للنهي عن القول المذكورِ ولعل تأخيرَه لما فيه من نوع تفصيل ربَّما يُخلُّ تقديمُه بتجاوب أطرافِ النظمِ الكريم مع مافيه من مراعاة المقارنةِ بين التعليلِ السابقِ وبين ما عُلِّل به كما في قوله تعالى ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ﴾ الخ وتقديمُ خبرِ كان للقصر المفيد لتأكيد المشابهةِ بين طرفي التشبيهِ وذلك إشارةٌ إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلةِ والفاء في فمن للعطف على كنتم أي مثلَ ذلك الذي ألقى إليكم السلامَ كنتم أنتم أيضا في مبادى إسلامكم لايظهر منكم للناس غيرُ ما ظهر منه لكم من تحية الإسلامِ ونحوِها فمنّ الله عليكم بأن قبل منكم تلك المرتبةَ وعصَم بها دماءَكم وأموالَكم ولم يأمُرْ بالتفحُّص عن سرائركم والفاء في قوله تعالى ﴿فَتَبَيَّنُواْ﴾

стр. 1080

فصيحةٌ أي إذا كان الأمرُ كذلك فاطلُبوا بيانَ هذا الأمرِ البيِّنِ وقيسوا حالَه بحالكم وافعلوا به ما فُعل بكم في أوائلِ أمورِكم من قَبول ظاهرِ الحالِ من غيرِ وقوفٍ على تواطُؤِ الظاهِرِ والباطنِ هذا هو الذي تقتضيهِ جزالةُ التنزيلِ وتستدعيه فخامة شأنه الجليل ومن حسِبَ أن المعنى أولُ ما دخلتم في الإسلام سُمعت من أفواهكم كلمةُ الشهادةِ فحصَّنَتْ دماءَكم وأموالَكم من غير انتظارِ الاطلاعِ على مواطأة قلوبِكم لألسنتكم فمنّ الله عليكم بالاستقامة والاشتهارِ بالإيمان والتقدّمِ فيه وأنْ صِرْتم أعلاماً فيه فعليكم أن تفعلوا بالداخلين في الإسلام كما فُعل بكم وأن تعتبروا ظاهِرَ الإسلام في المكافة ولا تقولوا الخ فقد أبعدَ عن الحق لأن المراد كما عرفت أن تحصينَ الدماءِ والأموالِ حُكمٌ مترتِّبٌ على ما فيه المماثلةُ بينه وبينهم من مجرد التفوُّه بكلمة الشهادة وإظهارِ أن ترتُّبَه عليه في حقهم يقتضي ترتبه عليه في حقه أيضاً إلزاماً لهم وإظهاراً لخطئهم ولا يخفى أن ذلك إنما يتأتى بتفسيرٍ منه تعالى عليهم المترتب على كونهم مثلَه بتحصين دمائِهم وأموالِهم حسبما ذكر حتى يظهرَ عندهم وجوبُ تحصينِ دمِه ومالِه أيضاً بحكم المشاركةِ فيما يوجبه وحيث لم يفعل ذلك بل فسره بما فسّره به لم يبقَ في النظم الكريم ما يدل على ترتب تحصينِ دمائِهم وأموالِهم على ما ذكر فمِنْ أين له أن يقول فحصَّنَتْ دماءَكم وأموالَكم حتى يتأتى البيانُ وارتكابُ تقديرِه بناءً على اقتضاء ما ذُكر في تفسير المنِّ إياه بناءً على أساس واهٍ كيف لا وإنما ذِكرُه بصدد التفسيرِ وإن كان أمراً متفرعاً على ما فيه المماثلةُ مبنياً عليه في حقهم لكنه ليس بحكم أريد إثباته في وجوب بناءً على ثبوته في حقهم كالتحصين المذكورِ حتى يستحقَّ أن يُتعرَّض له ولا بأمر له دخلٌ في وجوب اعتبارِ ظاهرِ الإسلامِ من الداخلين فيه حتى يصِحَّ نظمُه في سلك ما فُرِّع عليه قولُه فعليكم أن تفعلوا الخ وحملُ الكلامِ على معنى أنكم في أول الأمرِ كنتم مثلَه في قصور الرتبة في الإسلام فمنّ الله عليكم وبلغتم هذه الرتبةَ العاليةَ منه فلا تستقصروا حالتَه نظراً إلى حالتكم هذه بل اعتدّوا بها نظراً إلى حالتكم السابقةِ يردُّه أن قتلَه لم يكن لاستقصار إسلامِه بل لتوهم عدمِ مطابقةِ قلبِه للسانه فإن الآية الكريمة نزلت في شأن مرداس ابن نهيكٍ من أهل فدَكٍ وكان قد أسلم ولم يُسلمْ من قومه غيرُه فغزتْهم سريةٌ لرسول الله ﷺ عليهم غالب ابن فَضالةَ الليثي فهربوا وبقيَ مرداسٌ لثقته بإسلامه فلما رأى الخيلَ ألجأ غنمَه إلى عاقول من الجبل وصعِد فلما تلاحقوا وكبّروا وأكبر وقال لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله السلامُ عليكم فقتله أسامةُ بنُ زيدٍ واستاق غنمَه فأخبروا رسول الله ﷺ فوجَد وجْداً شديداً وقال قتلتموه إرادةَ ما معه فقال أسامة بن زيد إنه قال بلسانه دون قلبِه وفي رواية إنما قالها خوفاً من السلاح فقال ﷺ هلا شقَقْتَ عن قلبه وفي رواية أفلا شقَقْتَ عن قلبه ثم قرأ الآيةَ على أسامةَ فقالَ يا رسولَ الله استغفِرْ لي فقال كيف بلا إله إلا الله قال أسامة فما زال ﷺ يعيدُها حتى ودِدتُ أن لم أكن أسلمتُ إلا يومئذ ثم استغفرَ لي وقال أعتِقْ رقبة وقيل نزلت في رجل قال يارسول الله كنا نطلُب القومَ وقد هزمهم الله تعالى فقصَدْتُ رجلاً فلما أحسَّ بالسيف قال إني مسلمٌ فقتلتُه فقال رسولُ الله ﷺ أقتلتَ مسلماً قال إنه كان متعوذا فقال ﷺ أفلا شقَقْتَ عن قلبه ﴿إِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ منَ الأعمالِ الظاهرةِ والخفيةِ وبكيفياتها ﴿خَبِيراً﴾ فيجازيكم بحسبها إنْ خيراً فخيرٌ وإنْ شراً فشرٌّ فلا تتهاونوا في القتل واحتاطوا فيه والجملةُ تعليلٌ لما قبلها بطريق الاستئناف وقرئ بفتح

стр. 1081

٩٥ - النساء إن على أنها معمولُه لِتَبَيَّنوا أو عَلى حذفِ لامِ التعليلِ

стр. 1082

﴿لَاّ يَسْتَوِى القاعدون﴾ بيانٌ لتفاوت طبقاتِ المؤمنين بحسب تفاوتِ درجاتِ مساعيهم في الجهاد بعد ما مر من الأمر به وتحريضِ المؤمنين عليه ليأنَفَ القاعدُ عنه ويترفَّعَ بنفسه عن انحطاط رتبته فيهتزله رغبةً في ارتفاع طبقتِه والمرادُ بهم الذين أُذِن لهم في القعود عن الجهاد اكتفاءً بغيرهم قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هم القاعدون عن بدْر والخارجون إليها وهو الظاهرُ الموافقُ لتاريخ النزولِ لا ما روي عن مقاتل من أنهم الخارجون إلى تبوك فإنه مما لا يوافقه التاريخُ ولا يساعده الحال إذ لم يكن للمتخلّفين يومئذ هذه الرخصةُ وقولُه تعالى ﴿مِنَ المؤمنين﴾ متعلقٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من القاعدين أي كائنين من المؤمنين وفائدتُها الإيذانُ من أولِ الأمرِ بعدمِ إخلالِ وصفِ القعودِ بإيمانهم والإشعارُ بعلة استحقاقِهم لما سيأتي من الحُسنى ﴿غَيْرُ أُوْلِى الضرر﴾ صفة للقاعدون لجريانه مجرئ النكرةِ حيث لم يُقصَدْ به قومٌ بأعيانهم أو بدل منه وقرئ بالنصب على أنه حال منه أو استثناء وبالجر على أنه صفةٌ للمؤمنين أو بدلٌ منه والضررُ المرضُ أو العاهةُ من عمىً أو عرَجٍ أو زَمانةٍ أو نحوها وفي معناه العجزُ عن الأُهبة عن زيدِ بنِ ثابتٍ رضي الله تعالى عنه أنه قال كنت إلى جنب رسول الله ﷺ فغشِيَتْه السكينةُ فوقعت فخِذُه على فخذي حتى خشِيتُ أن ترُضَّها ثم سُرِّيَ عنه فقال اكتبْ فكتبتُ لَاّ يَسْتَوِى القاعدون مِنَ المؤمنين والمجاهدون فقال ابنُ أمِّ مكتومٍ وكان أعمى يا رسول الله وكيف بمن لا يستطيع الجهادَ من المؤمنين فغشيتْه السكينةُ كذلك ثم سُرِّي عنه فقال اكتب ﴿لَاّ﴾ يَسْتَوِى القاعدون مِنَ المؤمنين غَيْرُ أُوْلِى الضرر ﴿والمجاهدون﴾ إيرادُهم بهذا العنوانِ دون الخروجِ المقابلِ لوصف المعطوفِ عليه كما وقع في عبارة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وكذا تقييدُ المجاهدةِ بكونها ﴿فِى سَبِيلِ الله بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ﴾ لمدحهم بذلك والإشعارِ بعلة استحقاقِهم لعلو المرتبةِ مع ما فيه من حسن موقعِ السبيلِ في مقابلة القعودِ وتقديمِ القاعدين في الذكر والإيذانِ من أولِ الأمرِ بأنَّ القصور الذى ينبئ عنه عدمُ الاستواءِ من جهتِهِم لا من جهةِ مقابلِيهِم فإن مفهومَ عدمِ الاستواءِ بين الشيئينِ المتفاوتينِ زيادةً ونقصاناً وإن جازَ اعتبارُهُ بحسبِ زيادةُ الزائدِ لكنْ المتبادرُ اعتبارُهُ بحسبِ قصورِ القاصر وعليهِ قولُه تعالى ﴿هَلْ يَسْتَوِى الأعمى والبصير أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الظلمات والنور﴾ إلى غير ذلك وأما قولُهُ تعالى ﴿هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لَا يَعْلَمُونَ﴾ فلعلَّ تقديمَ الفاضلِ فيهِ لأنَّ صلَتَهُ ملكة لصلة المفضول وقوله ﴿فَضَّلَ الله المجاهدين بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ عَلَى القاعدين دَرَجَةً﴾ استئناف مسوق لتفضيل ما بينَ الفريقينِ من التفاضل المفهومِ من ذكر عدمِ استوائِهما إجمالاً ببيان كيفيتِه وكمِّيتِه مبنيٌّ على سؤال ينساق إليه المقالُ كأنه قيل كيف وقع ذلك فقيل الله الخ وأما تقديرُ ما لهم لا يستووى فإنما يليق بجعل الاستئنافِ

стр. 1083

٩٦ - النساء تعليلاً لعدم الاستواءِ مَسوقاً لإثباته وفيه تعكيس ظاهرٌ فإن الذي يحِقُّ أن يكونَ مقصوداً بالذات إنما هو بيانُ تفاضُلِ الفريقين على درجات متفاوتة وأما عدمُ استوائِهما فقُصارى أمرِه أن يكون توطئةً لذكره ولامُ المجاهدين والقاعدين للعهد فقيدُ كونِ الجهادِ في سبيل الله معتبرٌ في الأول كما أن قيدَ عدمِ الضررِ معتبرٌ في الثاني ودرجة نُصب على المصدرية لوقوعها موقعَ المرَّةِ من التفضيل أي فضل الله تفضيلةً أو على نزع الخافض أي بدرجة وقيل على التمييز وقيل على الحالية من المجاهدين أي ذوي درجةٍ وتنوينُها للتفخيم وقوله تعالى ﴿وَكُلاًّ﴾ مفعولٌ أولٌ لما يعقُبه قُدّم عليه لإفادة القصرِ تأكيداً للوعد أي كلَّ واحدٍ من المجاهدين والقاعدين ﴿وَعَدَ الله الحسنى﴾ أي المثوبةَ الحُسنى وهي الجنةُ لا أحدَهما فقط كما في قولِه تعالى وأرسلناك لِلنَّاسِ رَسُولاً على أن اللامَ متعلقةٌ برسولا والجملة اعتراض جئ به تداركاً لما عسى يُوهِمَهُ تفضيلُ أحدِ الفريقين على الآخَر من حرمانِ المفضول وقوله ﴿وَفَضَّلَ الله المجاهدين عَلَى القاعدين﴾ عطفٌ على قوله تعالى فَضَّلَ الله الخ واللامُ في الفريقين مُغْنيةٌ لهما عن ذكر القيودِ التي تُركت على سبيل التدريجِ وقوله تعالى ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾ مصدرٌ مؤكّدٌ لفضّل على أنه بمعنى أَجَر وإيثار على ما هو مصدرٌ من فعله للإشعار بكون ذلك التفضيل أجرا لأعمالهم أو مفعولٌ ثانٍ له بتضمينه معنى الإعطاءِ أي أعطاهم زيادةً على القاعدين أجراً عظيماً وقيل هو منصوبٌ بنزعِ الخافضِ أي فضّلهم بأجر عظيم وقولُه تعالى

стр. 1084

﴿درجات﴾ بدلٌ من أجراً بدلَ الكلِّ مبينٌ لكمية التفضيلِ وقوله تعالى ﴿مِنْهُ﴾ متعلق بمحذوف وقع صفة لدرجاتٍ دالةً على فخامتها وجلالةِ قدْرِها أي درجاتٍ كائنةً منه تعالى قال ابن محير يزهي سبعون درجةٍ ما بين كلِّ درجتين عدْوُ الفرسِ الجوادِ المُضْمرِ سبعين خريفاً وقال السدي هي سبعُمائةِ درجةٍ وعن أبي هريرةَ ﵁ إن النبيِّ ﷺ قال إنَّ في الجنةِ مائةَ درجةٍ أعدها الله تعالى للمجاهدين في سبيله ما بين الدرجتين كما بينَ السماءِ والأرضِ ويجوز أن يكونَ انتصابُ درجاتٍ على المصدرية كما في قولك ضربه أسواطاً أي ضرباتٍ كأنه قيل فضّلهم تفضيلات وقوله تعالى ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ بدلٌ من أجراً بدلَ البعضِ لأن بعضَ الأجرِ ليس من باب المغفرة أي مغفرة لَما يفرطُ منهم من الذنوب التي لا سائرُ الحسناتِ التي يأتي بها القاعدون أيضاً حتى تُعدَّ من خصائصهم وقولُه تعالى ﴿وَرَحْمَةً﴾ بدل الكلِّ من أجرا مثل درجاتٍ ويجوز أن يكون انتصابُهما بإضمار فعلِهما أي غَفَر لهم مغفرةً ورحِمَهم رحمة هذا ولعل تكريرَ التفضيل بطريق العطف المنبئ عن المغايرة وتقييدَه تارةً بدرجة وأخرى بدرجاتٍ مع اتحاد المفضّلِ والمفضلِ عليه حسبما يقتضيه الكلامُ ويستدعيه حسن النظام إما لتنزيل الاختلاف العنوانيِّ بين التفضيلين وبين الدرجةِ والدرجاتِ منزلةَ الاختلافِ الذاتي تمهيداً لسلوك طريقِ الإبهامِ ثمَّ التفسيرِ رَوْماً لمزيد التحقيقِ والتقريرِ كما في قوله تعالى فلما جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ كأنه قيل فضّل الله المجاهدين على القاعدين درجةٍ لا يقادَر قدرُها ولا يُبلَغُ كُنهُها وحيث كان تحقّقُ هذا البونِ البعيدِ بينهما مُوهِماً لحِرمان القاعدين قيل وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى ثم أريد تفسيرُ ما أفاده

стр. 1085

٩٧ - النساء التنكيرُ بطريق الإبهامِ بحيث يقطَعُ احتمالَ كونِه للوِحْدة فقيل ما قيل ولله درُّ شأنِ التنزيلِ وإما للاختلاف بالذات بين التفضيلين وبين الدرجةِ والدرجاتِ على أن المرادَ بالتفضيل الأولِ ما خوّلهم الله تعالى عاجلاً في الدنيا من الغنيمة والظَّفَر والذِكْرِ الجميلِ الحقيقِ بكونه درجةً واحدةً وبالتفضيل الثاني ما أنعم به في الآخرة من الدرجات العاليةِ الفائتةِ للحصر كما ينبئ عنه تقديمُ الأولِ وتأخيرُ الثاني وتوسيطُ الوعدِ بالجنة بينهما كأنه قيل وفضّلهم عليهم في الدنيا درجةً واحدةً وفي الآخرة درجاتٍ لا تحصى وقد وُسِّط بينهما في الذكر ما هو متوسِّط بينهما في الوجود أعني الواعد بالجنة توضيحاً لحالهما ومسارعةً إلى تسلية المفضولِ والله سبحانه أعلم هذا ما بين المجاهدين وبين القاعدين غيرِ أولي الضررِ وأما أولوا الضررِ فهم مساوون للمجاهدين عند القائلين بمفهوم الصفةِ وبأن الاستثناءَ من النفي إثباتٌ وأما عند من لا يقول بذلك فلا دِلالة لعبارة النصِّ عليه وقد رُوي عن رسول الله ﷺ لقد خلّفتم في المدينة أقواماً ما سِرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم وهم الذين صحّت نياتُهم ونصَحَتْ جيوبُهم وكانت أفئدتُهم تهوى إلى الجهاد وبهم ما يمنعهم من المسير من ضرار أو غيره وبعبارة أخرى إن في المدينة لأقواماً ما سِرتم من مسير ولا قطعتم من وادٍ إلا كانوا معكم فيه قالوا يا رسولَ الله وهم بالمدينة قال نعم وهم بالمدينة حبَسهم العُذرُ قالوا هذه المساواة مشروطة بشريطة أخرى سوى الضرر قذ ذكرت في قوله تعالى ﴿لَّيْسَ عَلَى الضعفاء وَلَا على المرضى﴾ إلى قوله ﴿إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وقيل القاعدون الأُوَلُ هم الأضراءُ والثاني غيرُهم وفيه من تفكيك النظمِ الكريمِ مَا لَا يخفى ولا ريب في أن الأضّراءَ من غيرهم درجةً كما لا ريب في أنهم دون المجاهدين بحسب الدرجةِ الدنيوية ﴿وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً﴾ تذليل مقرِّرٌ لما وَعَد من المغفرة والرحمة

стр. 1086

﴿إن الذين توفاهم الملائكة﴾ بيانٌ لحال القاعدين عن الهجرة إثر بيانِ حالِ القاعدين عن الجهاد وتوفاهم يحتمل أن يكون ماضيا ويؤيده قرأ توفتْهم وأن يكون مضارعاً قد حُذف منه إحدى التاءينِ وأصلُه تتوفاهم على حكايةِ الحالِ الماضيةِ والقصدِ إلى استحضار صورتِها ويَعضده قراءةُ مَن قرأَ تُوَفاهم على مضارع وُفِّيَتْ بمعنى أن الله تعالى يرفى الملائكةَ أنفسِهم فيتوفّونها أي يمكنهم من استيفائها فيستوفونها ﴿ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ﴾ حالٌ من ضمير تَوَفاهم فإنه وإن كان مضافاً إلى المعرفة إلا أنه نكرةٌ في الحقيقة لأن المعنى على الانفصال وإن كان موصولاً في اللفظِ كما في قولِه تعالى غَيْرَ مُحِلّى الصيد وهديا بالغ الكعبه وثانى عِطْفِهِ أي مُحلّين الصّيدَ وبالغاً الكعبةَ وثانياً عِطْفَه كأنه قيل ظالمين أنفسَهم وذلك بترك الهجرةِ واختيارِ مجاورة الكفرة الموجبةِ للإخلال بأمور الدينِ فإنها نزلتْ في ناسٍ من مكةَ قد أسلموا ولم يهاجروا حين كانت الهجرةُ فريضة ﴿قَالُواْ﴾ أي الملائكةُ للمُتوفَّيْن تقريراً لهم بتقصيرهم في إظهار إسرمهم وإقامةِ أحكامِه من الصلاة ونحوها وتوبيخها لهم بذلك ﴿فِيمَ كُنتُمْ﴾ أي في أي شئ كنتم من أمور دينِكم ﴿قالوا﴾ استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية سؤالِ الملائكةِ كأنه قيل فماذا قالوا في الجواب فقيل قالوا متجانِفين عن الإقرار

стр. 1087

٩٨ - ٩٩ النساء الصريحِ بما هُم فيه من التقصير متعلِّلين بما يوجبه على زعمهم ﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الأرض﴾ أي في أرض مكةَ عاجزين عن القيام بمواجب الدينِ فيما بين أهلِها ﴿قَالُواْ﴾ إبطالاً لتعللهم وتبكيتاً لهم ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله واسعة فتهاجروا فِيهَا﴾ إلى قطر آخر منها تقدِرون فيه على إقامةِ أمورِ الدينِ كما فعله من هاجر إلى المدينة وإلى الحبشة وأما حملُ تعلُّلِهم على إظهار العجزِ عن الهجرة وجعلُ جوابِ الملائكةِ تكذيباً لهم في ذلك فيردوه أن سببَ العجز عنها لا ينحصر في فُقدان دار الهجرةِ بل قد يكون لعدم الاستطاعةِ للخروج بسب الفقرِ أو لعدم تمكينِ الكفَرة منه فلا يكون بيانُ سعةِ الأرضِ تكذيباً لهم ورداً عليهم بلْ لا بدَّ من بيان استطاعتِهم أيضاً حتى يتم التبكيتُ وقيل كانت الطائفةُ المذكورة قد خرجوا مع المشركين إلى بدرٍ منهم قيسُ بنُ الفاكِهِ بنِ المغيرةِ وقيسُ بنُ الوليدِ بنِ المغيرة وأشباهُهما فقُتلوا فيها فضَرَبت الملائكةُ وجوهم وأدبارهم وقالوا لهم ماقالوا فيكون ذلك منهم تقريعاً وتوبيخاً لهم بما كانوا فيه من مساعدة الكَفَرةِ وانتظامِهم في عسكرهم ويكون جوابُهم بالاستضعاف تعلّلاً بأنهم كانوا مقهورين تحت أيديهم وأنهم أخرجوا كارهين فرُدَّ عليهم بأنهم كانوا بسبيل من الخلاص عن قهرهم متمكّنين من المهاجرة ﴿فَأُوْلَئِكَ﴾ الذين حُكِيت أحوالُهم الفظيعةُ ﴿مَأْوَاهُمْ﴾ أي في الآخرة ﴿جَهَنَّمُ﴾ كما أن مأواهم في الدنيا دارُ الكفرِ لتركهم الفريضةَ المحتومة فمأواهم مبتدأوجهنم خبره والجملة خبر لأولئك وهذه الجملةُ خبرُ إن والفاءُ فيه لتضمُّن اسمِها معنى الشرطِ وقولُه تعالى قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ حالٌ من الملائكة بإضمار قد عند من يشترطه أو هو الخبرُ والعائدُ منه محذوفٌ أي قالوا لهم والجملةُ المصدرةُ بالفاء معطوفةٌ عليه مستنتَجَةٌ منه ومما في حيّزه ﴿وَسَاءتْ مَصِيراً﴾ أى مصيرهم أي جهنم وفي الآية الكريمةِ إرشادٌ إلى وجوب المهاجرة من موضع لايتمكن الرجلُ من إقامة أمورِ دينِه بأي سبب كان وعن النبيِّ ﷺ من فرَّ بدينِه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الأرض استوجبت له الجنَّة وكان رفيقَ إبراهيمَ ونبيه محمدٍ صلَّى الله عليهِ وسلم

стр. 1088

﴿إِلَاّ المستضعفين﴾ استثناءٌ منقطعٌ لعدم دخولِهم في الموصول وضميرِه والإشارةِ إليه ومِنْ في قولِه تعالَى ﴿من الرجال والنساء والولدان﴾ متعلقةٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من المستضعفين أي كائنين منهم وذِكرُ الوِلدان إن أريد بهم المماليكُ أو المراهقون ظاهرٌ وأما إن أريد بهم الأطفالُ فللمبالغة في أمر الهجرة وإبهام انها بحيث لو استطاعها غيرُ المكلفين لوجبت عليهم والإشعارِ بأنهم لا محيصَ لهم عنها البتة عليهم كما بلغوا حتى كأنها واجبةٌ عليهم قبل البلوغِ لو استطاعوا وأن قومهم يجب عليهم أن يهاجروا بهم متى أمكنت وقوله تعالى ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ صفةٌ للمستضعفين فإنَّ ما فيهِ من اللام ليس للتعريف أو حالٌ منْهُ أو من الضميرِ المستكنِّ فيه وقيل تفسيرٌ لنفس المستضعفين لكثرة وجوهِ الاستضعافِ واستطاعةُ الحيلةِ وُجدانُ أسبابِ الهجرةِ ومباديها واهتداءُ السبيلِ معرفةُ طريقِ الموضعِ المهاجَرِ إليه بنفسه أو بدليل

стр. 1089

﴿فأولئك﴾

стр. 1090

١٠٠ - ١٠١ النساء إشارةٌ إلى المستضعفين الموصوفينَ بما ذُكر من صفاتِ العجزِ ﴿عَسَى الله أَن يعفو عنهم﴾ جئ بكلمة الإطماعِ ولفظِ العفوِ إيذاناً بأن الهجرةَ من تأكُّدِ الوجوبِ بحيث ينبغي أن يُعدَّ تركُها ممن تحقق عدمُ وجوبِها عليه ذنباً يجب طلبُ العفوِ رجاءً وطمعاً لا جزماً وقطعاً
следующие страницы →