Полный текст (8 642 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
﴿إن الذين توفاهم الملائكة﴾ بيانٌ لحال القاعدين عن الهجرة إثر بيانِ حالِ القاعدين عن الجهاد وتوفاهم يحتمل أن يكون ماضيا ويؤيده قرأ توفتْهم وأن يكون مضارعاً قد حُذف منه إحدى التاءينِ وأصلُه تتوفاهم على حكايةِ الحالِ الماضيةِ والقصدِ إلى استحضار صورتِها ويَعضده قراءةُ مَن قرأَ تُوَفاهم على مضارع وُفِّيَتْ بمعنى أن الله تعالى يرفى الملائكةَ أنفسِهم فيتوفّونها أي يمكنهم من استيفائها فيستوفونها
﴿ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ﴾ حالٌ من ضمير تَوَفاهم فإنه وإن كان مضافاً إلى المعرفة إلا أنه نكرةٌ في الحقيقة لأن المعنى على الانفصال وإن كان موصولاً في اللفظِ كما في قولِه تعالى غَيْرَ مُحِلّى الصيد وهديا بالغ الكعبه وثانى عِطْفِهِ أي مُحلّين الصّيدَ وبالغاً الكعبةَ وثانياً عِطْفَه كأنه قيل ظالمين أنفسَهم وذلك بترك الهجرةِ واختيارِ مجاورة الكفرة الموجبةِ للإخلال بأمور الدينِ فإنها نزلتْ في ناسٍ من مكةَ قد أسلموا ولم يهاجروا حين كانت الهجرةُ فريضة
﴿قَالُواْ﴾ أي الملائكةُ للمُتوفَّيْن تقريراً لهم بتقصيرهم في إظهار إسرمهم وإقامةِ أحكامِه من الصلاة ونحوها وتوبيخها لهم بذلك
﴿فِيمَ كُنتُمْ﴾ أي في أي شئ كنتم من أمور دينِكم
﴿قالوا﴾ استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية سؤالِ الملائكةِ كأنه قيل فماذا قالوا في الجواب فقيل قالوا متجانِفين عن الإقرار
стр. 1087
٩٨ - ٩٩ النساء الصريحِ بما هُم فيه من التقصير متعلِّلين بما يوجبه على زعمهم
﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الأرض﴾ أي في أرض مكةَ عاجزين عن القيام بمواجب الدينِ فيما بين أهلِها
﴿قَالُواْ﴾ إبطالاً لتعللهم وتبكيتاً لهم
﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله واسعة فتهاجروا فِيهَا﴾ إلى قطر آخر منها تقدِرون فيه على إقامةِ أمورِ الدينِ كما فعله من هاجر إلى المدينة وإلى الحبشة وأما حملُ تعلُّلِهم على إظهار العجزِ عن الهجرة وجعلُ جوابِ الملائكةِ تكذيباً لهم في ذلك فيردوه أن سببَ العجز عنها لا ينحصر في فُقدان دار الهجرةِ بل قد يكون لعدم الاستطاعةِ للخروج بسب الفقرِ أو لعدم تمكينِ الكفَرة منه فلا يكون بيانُ سعةِ الأرضِ تكذيباً لهم ورداً عليهم بلْ لا بدَّ من بيان استطاعتِهم أيضاً حتى يتم التبكيتُ وقيل كانت الطائفةُ المذكورة قد خرجوا مع المشركين إلى بدرٍ منهم قيسُ بنُ الفاكِهِ بنِ المغيرةِ وقيسُ بنُ الوليدِ بنِ المغيرة وأشباهُهما فقُتلوا فيها فضَرَبت الملائكةُ وجوهم وأدبارهم وقالوا لهم ماقالوا فيكون ذلك منهم تقريعاً وتوبيخاً لهم بما كانوا فيه من مساعدة الكَفَرةِ وانتظامِهم في عسكرهم ويكون جوابُهم بالاستضعاف تعلّلاً بأنهم كانوا مقهورين تحت أيديهم وأنهم أخرجوا كارهين فرُدَّ عليهم بأنهم كانوا بسبيل من الخلاص عن قهرهم متمكّنين من المهاجرة
﴿فَأُوْلَئِكَ﴾ الذين حُكِيت أحوالُهم الفظيعةُ
﴿مَأْوَاهُمْ﴾ أي في الآخرة
﴿جَهَنَّمُ﴾ كما أن مأواهم في الدنيا دارُ الكفرِ لتركهم الفريضةَ المحتومة فمأواهم مبتدأوجهنم خبره والجملة خبر لأولئك وهذه الجملةُ خبرُ إن والفاءُ فيه لتضمُّن اسمِها معنى الشرطِ وقولُه تعالى قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ حالٌ من الملائكة بإضمار قد عند من يشترطه أو هو الخبرُ والعائدُ منه محذوفٌ أي قالوا لهم والجملةُ المصدرةُ بالفاء معطوفةٌ عليه مستنتَجَةٌ منه ومما في حيّزه
﴿وَسَاءتْ مَصِيراً﴾ أى مصيرهم أي جهنم وفي الآية الكريمةِ إرشادٌ إلى وجوب المهاجرة من موضع لايتمكن الرجلُ من إقامة أمورِ دينِه بأي سبب كان وعن النبيِّ ﷺ من فرَّ بدينِه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الأرض استوجبت له الجنَّة وكان رفيقَ إبراهيمَ ونبيه محمدٍ صلَّى الله عليهِ وسلم
стр. 1088
﴿إِلَاّ المستضعفين﴾ استثناءٌ منقطعٌ لعدم دخولِهم في الموصول وضميرِه والإشارةِ إليه ومِنْ في قولِه تعالَى
﴿من الرجال والنساء والولدان﴾ متعلقةٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من المستضعفين أي كائنين منهم وذِكرُ الوِلدان إن أريد بهم المماليكُ أو المراهقون ظاهرٌ وأما إن أريد بهم الأطفالُ فللمبالغة في أمر الهجرة وإبهام انها بحيث لو استطاعها غيرُ المكلفين لوجبت عليهم والإشعارِ بأنهم لا محيصَ لهم عنها البتة عليهم كما بلغوا حتى كأنها واجبةٌ عليهم قبل البلوغِ لو استطاعوا وأن قومهم يجب عليهم أن يهاجروا بهم متى أمكنت وقوله تعالى
﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ صفةٌ للمستضعفين فإنَّ ما فيهِ من اللام ليس للتعريف أو حالٌ منْهُ أو من الضميرِ المستكنِّ فيه وقيل تفسيرٌ لنفس المستضعفين لكثرة وجوهِ الاستضعافِ واستطاعةُ الحيلةِ وُجدانُ أسبابِ الهجرةِ ومباديها واهتداءُ السبيلِ معرفةُ طريقِ الموضعِ المهاجَرِ إليه بنفسه أو بدليل
стр. 1089
﴿فأولئك﴾
стр. 1090
١٠٠ - ١٠١ النساء إشارةٌ إلى المستضعفين الموصوفينَ بما ذُكر من صفاتِ العجزِ
﴿عَسَى الله أَن يعفو عنهم﴾ جئ بكلمة الإطماعِ ولفظِ العفوِ إيذاناً بأن الهجرةَ من تأكُّدِ الوجوبِ بحيث ينبغي أن يُعدَّ تركُها ممن تحقق عدمُ وجوبِها عليه ذنباً يجب طلبُ العفوِ رجاءً وطمعاً لا جزماً وقطعاً
стр. 1091
﴿وَكَانَ الله عَفُوّاً غَفُوراً﴾ تذييلٌ مقررٌ لمَا قبلَهُ
﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِى الارض مُرَاغَماً كَثِيراً﴾ ترغيبٌ في المهاجَرَة وتأنيسٌ لها أي يجدْ فيها متحوَّلاً ومهاجَراً وإنما عبّر عنه بذلك تأكيد للترغيب لما فيه من الإشعار بكون ذلك المتجول بحيث يصل فيه المهاجرُ من الخير والنعمةِ إلى ما يكون سبباً لرغم آنف قومه الذين هاجروهم والرُّغمُ الذلُّ والهوانُ وأصلُه لصوقُ الأنفِ بالرَّغام وهو التراب وقيل يجد فيها طريقاً يراغِمُ بسلوكه قومَه أي يفارقهم على رَغم أنوفهم
﴿وسعة﴾ أي من الرزق
﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مهاجرا إِلَى الله وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الموت﴾ أي قبل أن يصل إلى المقصِد وإن كان ذلك خارج بابه كما ينبئ عنه إيثارُ الخروجِ من بيته على المهاجَرة وهو عطفٌ على فعل الشرطِ وقرئ بالرفع على أنه خبرُ مبتدإٍ محذوفٍ وقيل هو حركةُ الهاءِ نُقلت إلى الكاف على نية الوقفِ كما في قوله ... من عنزى سبنى لم أضربه عجيب والدهر كثير عجبه وقرى بالنصب على إضمار أنْ كما في قوله وألحقُ بالحجاز فأستريحا ...
﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله﴾ أي ثبت ذلك عنده تعالى ثبوتَ الأمرِ الواجبِ رُوِيَ أنَّ رسولَ الله ﷺ لما بَعَث بالآيات المتقدمةِ إلى مسلمي مكةَ قال جُندُبُ بنُ ضَمْرةَ لبنيه وكان شيخاً كبيراً احمِلوني فإني لستُ من المستضعفين وإني لأهتدي الطريقَ والله لا أبيتُ الليلةَ بمكةَ فحمَلوه على سرير متوجِّهاً إلى المدينة فلما بلغ التنعيمَ أشرفَ على الموت فصفق بيمينه على شماله ثم قال اللهم هذه لك وهذه لرسولك أبايُعك على ما بايعك رسولُك فمات حميداً فبلغ خبرُه أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا لو تُوفيَ بالمدينة لكان أتمَّ أجراً فنزلت قالوا كلُّ هجرةٍ في غرض دينيَ من طلبِ علمٍ أو حجَ أو جهاد أونحو ذلك فهي هجرةٌ إلى الله وإلى رسوله ﷺ
﴿وَكَانَ الله غَفُوراً﴾ مبالِغاً في المغفرة فيغفرُ له ما فَرَط منه من الذنوبِ التي من جملتها القعودُ عن الهجرة إلى وقت الخروجِ
﴿رَّحِيماً﴾ مبالِغاً في الرحمة فيرحمه بإكمال ثوابِ هجرتِه
стр. 1092
﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى الأرض﴾ شروعٌ في بيانِ كيفيةِ الصلاةِ عند الضروراتِ من السفر ولقاءِ العدوِّ والمرضِ والمطرِ وفيه تأكيدٌ لعزيمة المهاجِرِ على المهاجَرة وترغيبٌ له فيها لما فيه من تخفيف أونه أي إذا سافرتم أيَّ مسافرةٍ كانت ولذلك لم يُقيَّد بما قُيِّد به المهاجَرة
﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ أى حرج أو اثم
﴿أَن تَقْصُرُواْ﴾ أي في أن تقصُروا والقصرُ خلافُ المد يقال قصرت الشئ أي جعلته قصيراً بحذف بعضِ أجزائِه أو أوصافِه فمُتعلَّقُ القصرِ حقيقةً إنما هو ذلك الشئ لا بعضُه فإنه متعلَّقُ الحذف دون القصرو على هذا فقوله تعالى
стр. 1093
﴿مِنَ الصلاة﴾ ينبغي أن يكون مفعولاً لتقصُروا على زيادة مِنْ حسبما رآه الأخفش وأما على تقديرِ أنْ تكون تبعيضيةً ويكونَ المفعولُ محذوفاً كما هُو رأيُ سيبويهِ أي شيئاً من الصلاة فينبغي أن يُصارَ إلى وصف الجزءِ بصفة الكلِّ أو يرادَ بالقصر معنى الحبْس يقال قصرت الشئ إذا حبستْه أو يرادَ بالصلاة الجنسُ ليكون المقصورُ بعضاً منها وهي الرُّباعياتُ أي فليس عليكم جُناحٌ في أن تقصروا بعضَ الصلاة بتنصيفها وقرئ تُقْصِروا من الإقصار وتُقَصِّروا من التقصير والكل بمعنى وأدنى مدةِ السفرِ الذي ينعلق به القصرُ عند أبي حنيفةَ مسيرةَ ثلاثةِ أيام ولياليها بسير الإبلِ ومشيِ الأقدام بالاقتصاد وعند الشافعيِّ مسيرةَ يومين وظاهرُ الآية الكريمة التخييرُ وأفضليةُ الإتمام وبه تعلق الشافعيّ وبما رُوي عنِ النبيِّ ﷺ أنه أتم في السفر وعنْ عائشةَ ﵂ أنها أتمت تارةً وقصرت أخرى وعن عثمانُ ﵁ أنَّه كان يُتمّ ويَقصُر وعندنا يجب القصرُ لا محالة خلا أن بعضَ مشايخنا سماه عزيمةً وبعضُهم رُخصةَ إسقاطٍ بحيث لا مساغ للإتمام لارخصة ترفيهٍ إذ لا معنى للتخيير بين الأخفِّ والأثقلِ وهو قولُ عمرَ وعليَ وابن عباس وابنِ عمرَ وجابر ورضوان الله عليهم وبه قال الحسنُ وعمرُ بنُ عبد العزيز وقتادةُ وهو قول مالك وقد رُوي عن عمر ﵁ صلاةُ السفر ركعتانِ تمامٌ غيرُ قصرٍ على لسان نبيكم ﷺ وعن أنسٌ ﵁ خرجنا مع النبيِّ ﷺ من المدينة إلى مكةَ فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة وعن عمرانَ بنِ حُصين ﵁ ما رأيت النبيِّ ﷺ يصلي في السفر إلا ركعتين وصلى بمكةَ ركعتين ثم قال أتمُّوا فإنَّا قومٌ سَفْرٌ وحين سمع بن مسعود ان عثمانُ ﵁ صلى بمِنىً أربعَ ركعاتٍ استرجع ثم قال صليت مع رسول الله ﷺ بمنى ركعتين وصليت مع أبي بكرٍ ﵁ بمنى ركعتين وصليت مع عمر ﵁ بمنى ركعتين فليت حظي من أربع ركعاتٍ ركعتان مُتقبَّلتان وقد اعتذر عثمانُ ﵁ عن إتمامه بأنه تأهّل بمكة وعن الزهريّ أنه إنما أتمّ لأنه أزمع الإقامةَ بمكة وعنْ عائشةَ ﵂ أولُ ما فُرضت الصلاةُ فُرضتْ ركعتين ركعتين فأُقِرَّت في السفر وزيدت في الحضر وفي صحيح البخاري أنها قالت فرضَ الله الصلاةَ حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضَر والسفر فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر وأما ماروى عنها من الإتمام فقد اعتذرت عنه وقالت أنا أمُّ المؤمنين فحيث حللتُ فهي داري وإنما ورد ذلك بنفي الجُناحِ لما أنهم ألِفوا الإتمامَ فكانوا مظِنةَ أن يخطُر ببالهم أن عليهم نقصاناً في القصر فصرح بنفي الجناحِ عنهم لتطيب به نفوسُهم ويطمئنوا إليهِ كما في قولِه تعالى فَمَنْ حَجَّ البيت أَوِ اعتمر فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا مع أن ذلك الطوافَ واجبٌ عندنا ركنٌ عند الشافعيِّ وقوله تعالى
﴿إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُواْ﴾ جوابُه محذوفٌ لدِلالة مَا قبلَهُ عليهِ أيْ إنْ خفتم أن يتعرّضوا لكم بما تكرهونه من القتال وغيرِه فليس عليكم جُناح الخ وهو شرطٌ معتبرٌ في شرعية ما يُذكر بعده من صلاة الخوفِ المؤداةِ بالجماعة وأما في حق مُطلقِ القصرِ فلا اعتبار له اتفاقاً لتظاهُر السننِ على مشروعيته حسبما وقفت على تفصيلها وقد ذكر الطحاويُّ في شرح الآثارِ مسنداً إلى يعلى بن أميةَ أنه قال قلت لعمرَ بنِ الخطاب ﵁ إنما قال الله ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُواْ﴾ وقد
стр. 1094
١٠٢ - النساء أمِن الناسُ فقال عمرُ ﵁ عجبتُ مما عجبتَ منه فسألت رسول الله ﷺ فقال صدقةٌ تصدّقَ الله بها عليكم فاقبَلوا صدقتَه وفيه دليلٌ على عدم جوازِ الإكمالِ لأن التصدقَ بما لا يحتمل التمليكَ إسقاطٌ محضٌ لا يحتمل الردَّ كما حُقّق في موضعه ولا يُتَوهّمنّ أنه مخالفٌ للكتاب لأن التقييدَ بالشرط عندنا إنما يدل على ثبوت الحُكمِ عند وجودِ الشرطِ وأما عدمُه عند عدمه فساكت عنه فإن وجدَ له دليلٌ ثبت عنده أيضاً وإلا يبقى على حاله لعدم تحققِ دليلِه لا لتحقق دليلِ عدمِه وناهيك بما سمعتَ من الأدلة الواضحةِ وأما عند القائلين بالمفهوم فلأنه إنما يدل على نفي الحُكمِ عند عدم الشرط إذا لم يكن له فائدةٌ أخرى وقد خرج الشرط ههنا مخرجَ الأغلبِ كما في قوله تعالى وَلَا تُكْرِهُواْ فتياتكم عَلَى البغاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً بل نقول إن الآيةَ الكريمةَ مجملةٌ في حق مقدارِ القصرِ وكيفيتِه وفي حق ما يتعلقُ به من الصلوات وفي مقدار مدةِ الضربِ الذي نيط به القصرُ فكل ما ورد عنه ﷺ من القصر في حال الامن من وتخصيصِه بالرُباعيات على وجه التصنيف وبالضرب في المدة المعينة بيانٌ لإجمال الكتابِ وقد قيل إن قوله تعالى إِنْ خِفْتُمْ الخ متعلقٌ بما بعده من صلاة الخوفِ منفصلٌ عما قبله فإنه روي عن أبي أيوبَ الأنصاري ﵁ أنَّه قال نزل قولُه تعالى وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى الارض فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة ثم سألوا رسول الله ﷺ بعد حولٍ فنزل إِنْ خفتم الخ أي إن خفتم أن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُواْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ الخ وقد قرئ من الصلاة أن يفتنكم بغير إن خفتم على أنَّه مفعولٌ له لما دل عليه الكلامُ كأنه قيل شرُع لكم ذلك كراهةَ أن يفتنكم الخ فإن استمرارَ الاشتغالِ بالصلاة مَظِنةٌ لاقتدارهم على إيقاع الفتنةِ وقوله تعالى
﴿إِنَّ الكافرين كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً﴾ تعليلٌ لذلك باعتبار تعلُّلِه بما ذُكر أو لما يُفهم من الكلام من كون فتنتِهم متوقَّعةً فإن كمالَ عداوتِهم للمؤمنين من موجبات التعرُّض لهم بسوء وقولُه تعالى
стр. 1095
﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ﴾ بيانٌ لما قبله من النص المُجملِ الواردِ في مشروعية القصرِ بطريق التفريعِ وتصويرٌ لكيفيته عند الضرورةِ التامةِ وتخصيصُ البيانِ بهذه الصورة مع الاكتفاء فيما عداها بالبيان بطريق السنةِ لمزيد حاجتِها إليه لما فيها من كثرة التغييرِ عن الهيئة الاصلية ومن ههنا ظهر لك أن مورِدَ النصِّ الشريفِ على المقصورة وحكمُ ما عداها مستفادٌ من حكمها والخطابُ لرسول الله ﷺ بطريق التجريدِ وبظاهره يَتعلّق من لا يرى صلاةَ الخوف بعده ﷺ ولا يخفى أن الأئمةَ بعده نوابه ﷺ قُوّامٌ بما كان يقوم به فيتناولهم حكمُ الخطابِ الوارد له ﷺ كما في قوله تعالى خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً وقد روي أن سعيدَ بنَ العاصِ لما أراد
стр. 1096
أن يصلي بطيرستان صلاةَ الخوفِ قال من شهِد منكم صلاةَ الخوفِ مع رسول الله ﷺ فقام حُذيفةُ بنُ اليمانِ ﵁ فوصف له ذلك فصلى بهم كما وصَف وكان ذلك بحضرة الصحابةِ ﵃ فلم يُنْكِرْه أحدٌ فحل محلَّ الإجماعِ وروي في السنن أنهم غزَوْا معَ عبد الرحمن بنِ سَمُرةَ بابل فصلى بهم صلاةَ الخوفِ
﴿فأقمت لهم الصلاة﴾ أي أردت أن تقيم بهم الصلاة
﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ مَّعَكَ﴾ بعد أن جعلتَهم طائفتين ولتقِف الطائفةُ الأخرى بإزاء العدوِّ ليحرسوكم منهم وإنما لم يصرَّحْ به لظهوره
﴿وَلْيَأْخُذُواْ﴾ أي الطائفةُ القائمة معك
﴿أَسْلِحَتَهُمْ﴾ أي لا يضعوها ولا يلقوها وإنما عبر عن ذلك بالأخذ للإيذان بالاعتناء باستصحابها كأنهم يأخُذونها ابتداءً
﴿فَإِذَا سَجَدُواْ﴾ أي القائمون معك وأتمّوا الركعة
﴿فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ﴾ أي فلينصرِفوا إلى مقابلة العدوِّ للحراسة
﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أخرى لَمْ يُصَلُّواْ﴾ بعدُ وهي الطائفةُ الواقفة تجاه العدوِّ للحراسة وإنما لم تُعرَفْ لما أنها لم تُذكرْ فيما قبل
﴿فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ﴾ الركعةَ الباقيةَ ولم يبيِّنْ في الآية الكريمة حالَ الركعةِ الباقيةِ لكل من الطائفتين وقد بُيِّن ذلك بالسنة حيث روى عن ابن عمرو ابن مسعود ﵃ أن النبيِّ ﷺ حين صلى صلاةَ الخوف صلى بالطائفة الأولى ركعةً وبالطائفة الأخرى ركعةً كَما في الآيةِ الكريمةِ ثم جاءت الطائفةُ الأولى وذهبت هذه إلى مقابلة العدوِّ حتى قضت الأولى الركعة الأخيرةَ بلا قراءة وسلّموا ثم جاءت الطائفةُ الأخرى وقضَوا الركعةَ الأولى بقراءة حتى صار لكل طائفة ركعتان
﴿وَلْيَأْخُذُواْ﴾ أي هذه الطائفة
﴿حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ لعل زيادة الأمرِ بالحذرِ في هذه المرة لكونها مظِنّةً لوقوف الكَفَرة على كون الطائفةِ القائمةِ مع النبيِّ ﷺ في شغل شاغلً وأما قبلها فربما يظنونهم قائمين للحرب وتكليفُ كلَ من الطائفتين بما ذكر لما أن الاشتغالَ بالصلاة مظنةٌ لإلقاء السلاحِ والإعراض عن غيرها ومئنة لهجوم العدوِّ كما ينطِقُ به قوله تعالى
﴿وَدَّ الذين كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً واحدة﴾ فإنه اسئناف مَسوقٌ لتعليل الأمرِ المذكورِ والخطابُ للفريقين بطريق الالتفاتِ أي تمنَّوا أن ينالوا غِرّةً وينتهزوا فرصةً فيشدّوا عليكم شدةً واحدةً والمرادُ بالأمتعة ما يُتمتع به في الحرب لا مطلقاً وهذا الأمر الموجوب لقوله تعالى
﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ﴾ حيث رُخّص لهم في وضعها إذا ثقُل عليهم استصحابها بسبب المطر أو مرضٍ وأُمروا مع ذلك بالتيقظ والاحتياطِ فقيل
﴿وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾ لئلا يهجُمَ العدوُّ عليكم غِيلةً روى الكلبيُّ عن أبي صالحٍ ان رسول الله ﷺ غزا محاربا وبنى إنما فنزلوا ولا يرَوْن من العدو أحداً فوضع الناسُ أسلحتَهم وخرج رسولُ الله ﷺ لحاجة له وقد وضَع سلاحَه حتى قطع الواديَ والسماءُ ترُشّ فحال الوادي بينه ﷺ وبين أصحابِه فجلس رسولُ الله ﷺ فبصُرَ به غَوْرَثُ بنُ الحرث المحاربي فقال قتلني الله إن لم أقتلْك ثم انحدر من الجبل ومعه السيفُ فلم يشعُرْ به رسول الله ﷺ إلا وهو قائمٌ على رأسه وقد سل سيفَه من غِمْدِهِ فقال يا محمد من يعصِمك مني الآن فقال رسول الله ﷺ الله ثم قال اللهم اكفِني غورث بن الحرث بما شئت ثم أهوى بالسيفِ إلى رسولِ الله ﷺ ليضرِبه فأكبَّ لوجهه من زلخة زلخها بين كتفيه فبدر سيفه فقام رسولُ الله ﷺ فأخذه ثم قال يا غَوْرَثُ من يمنعك مني الآن قال لا أحد قال ﷺ تشهدُ أَن لَاّ إلَه إِلَاّ الله وأن محمداً عبدُه ورسولُه وأعطيك سيفَك قال لا ولكن أشهد أن لا أقاتِلَك أبداً ولا أُعينَ عليك عدواً
стр. 1097
١٠٣ - ١٠٤ النساء فأعطاه رسول الله ﷺ سيفَه فقال غورثُ والله لأنت خيرٌ مني فقال رسول الله ﷺ أنا أحقُّ بذلك منك فرجَع غَوْرَثُ إلى أصحابه فقصَّ عليهم قِصتَه فآمن بعضُهم قال وسكن الوادي فقطع عليه رسولُ الله ﷺ إلى أصحابه وأخبرهم بالخبر وقوله تعالى
﴿إِنَّ الله أَعَدَّ للكافرين عَذَاباً مُّهِيناً﴾ تعليلٌ للأمر بأخذ الحذرِ أعد لهم عذاباً مهيناً بأن يخذُلهم وينصُرَكم عليهم فاهتموا بأموركم ولا تُهمِلوا في مباشرة الأسباب كى يحل بهم عذابُه بأيديكم وقيل لما كان الأمرُ بالحذر من العدو مُوهماً لتوقّع غلبتِه واعتزازِه نُفي ذلك الإيهامُ بأن الله تعالى ينصُرهم ويُهين عدوَّهم لتقوى قلوبُهم
стр. 1098
﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصلاة﴾ أي صلاةَ الخوفِ أي أديتموها على الوجه المبيّنِ وفرَغتم منها
﴿فاذكروا الله قياما وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِكُمْ﴾ أي فداوموا على ذكر الله تعالى وحافِظوا على مراقبته ومناجاتِه ودعائِه في جميعِ الأحوالِ حَتَّى في حال المسايفة والقتالِ كما في قوله تعالى إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثبتوا واذكروا الله كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
﴿فَإِذَا اطمأننتم﴾ سكنَت قلوبُكم من الخوف وأمنتم بعد ما وضعت الحربُ أوزارَها
﴿فأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أي الصلاةَ التي دخل وقتُها حينئذ أي أدُّوها بتعديل أركانِها ومراعاةِ شرائطِها وقيل المرادُ بالذكر في الأحوال الثلاثةِ الصلاةُ فيها أى فإذ أردتم أداءَ الصلاةِ فصلّوا قِياماً عند المسايفةِ وقعوداً جاثين على الرّكَب عند المراماةِ وعلى جنوبكم مُثخَنين بالجِراح فإذا اطمأننتم في الجملة فاقضُوا ما صليتم في تلك الأحوالِ التي هي أحوال القلقِ والانزعاجِ وهو رأى الشافعى ﵀ وفيه من البعد مالا يخفى
﴿إنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ أى فرضا مؤقتا قال مجاهدٌ وقّته الله عليهم فلا بد من إقامتها في حالة الخوفِ أيضاً على الوجه المشروحِ وقيل مفروضاً مقدّراً في الحضَر أربَعَ ركعاتٍ وفي السفر ركعتين فلا بد أن تؤدى في كل وقتٍ حسبما قُدِّر فيه
стр. 1099
﴿وَلَا تَهِنُواْ فِى ابتغاء القوم﴾ أى لاتضعفوا ولاتتوانوا في طلب الكفارِ بالقتال والتعرّضِ لهم بالحِراب وقوله تعالى
﴿إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ الله مَا لَا يَرْجُونَ﴾ تعليلٌ للنهي وتشجيعٌ لهم أي ليس ما تقاسونه من الآلام مختصاً بكم بل هو مشترَكٌ بينكم وبينهم ثم إنهم يصبِرون على ذلك فما لكم لاتصبرون مع أنكم أولى به منهم حيث ترجُون من الله من إظهار دينِكم على سائر الأديانِ ومن الثواب في الآخرة مالا يخطر ببالهم وقرئ أن تكونوا بفتح الهمزة أى لاتهنوا لأن تكونوا تألمون وقوله تعالى فَإِنَّهُمْ تعليلٌ للنهي عن الوهن لأجله والآيةُ نزلت في بدرٍ الصُّغرى
﴿وَكَانَ الله عَلِيماً﴾ مبالِغاً في العلم فيعلم أعمالَكم وضمائرَكم
﴿حَكِيماً﴾ فيما يأمُر وينهى فجِدُّوا في الامتثال بذلك فإن فيه عواقب حميدة
стр. 1100
١٠٥ - ١٠٦ ١٠٧ ١٠٨ النساء
стр. 1101
﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق﴾ رُوي أن رجلاً من الأنصار يقال له طُعمةُ بنُ أُبيرِقَ من بني ظفَرٍ سرَق دِرعاً من جاره قتادةَ بنِ النعمانِ في جرابِ دقيقٍ فجعل الدقيقُ ينْتثِرُ من خَرْقٍ فيه فخبأها عند زيد بنِ السمين اليهودي فالتمست الدرعَ عند طعمةَ فلم توجد وحلف ما أخذها وما لَه بها علمٌ فتركوه واتبعوا أثرَ الدقيقِ حتى انتهى إلى منزل اليهوديِّ فأخذوها فقال دفعها إليّ طعمةُ وشهِد له ناسٌ من اليهود فقالت بنو ظفر انطلقوا بنا إلى رسول الله ﷺ فسألوه أن يجادل عن صاحبهم وشهِدوا ببراءته وسرقةِ اليهوديِّ فهمّ رسولُ الله ﷺ أن يفعل فنزلت وروي أن طعمةَ هرب إلى مكةَ وارتدّ ونقَبَ حائطاً بمكةَ ليسرِقَ أهلَه فسقَط الحائطُ عليه فقتله وقيل نزل على رجل من بني سليم من أهل مكة يقال له الحجّاجُ بنُ علاط فنقَبَ بيتَه فسقط عليه حجرٌ فلم يستطِع الدخولَ ولا الخروجَ فأخذ ليقتل فقيل دعه فإنه قد لجأ إليك فتركه وأخرجوه من مكةَ فالتحق بتجارٍ من قضاعةَ نحوَ الشام فنزلوا منزلاً فسرق بعضَ متاعِهم وهرب فأخذوه ورجموه بالحجارة حتى قتلوه وقيل إنه ركب سفينةً إلى جُدّة فسرَق فيها كيساً فيه دنانيرُ فأُخذ وألقيَ في البحر
﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس بِمَا أَرَاكَ الله﴾ أي بما عرّفك وأوحى به إليك
﴿وَلَا تَكُنْ لّلْخَائِنِينَ﴾ أي لأجلهم والذبِّ عنهم وهم طُعمةُ ومن يُعينُه من قومه أو هو ومن يسير بسيرته
﴿خَصِيماً﴾ مخاصماً للبرآء أي لاتخاصم اليهودَ لأجلهم والنهيُ معطوفٌ على أمر ينسحب عليه النظمُ الكريمُ كأنه قيل فاحكم به ولا تكن الخ
стр. 1102
﴿واستغفر الله﴾ مما هممتَ به تعويلاً على شهادتهم
﴿إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ مُبالغاً في المغفرةِ والرحمةِ لمن يستغفره
стр. 1103
﴿وَلَا تجادل عَنِ الذين يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ﴾ أي يخونونها بالمعصية كقوله تعالى عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ جُعلت معصيةُ العُصاةِ خيانةً منهم لأنفسهم كما جُعلت ظلماً لها لرجوع ضررِها إليهم والمرادُ بالموصول إما طعمةٌ وأمثالُه وأما هو ومن عاونه وشهد ببراءته من قومه فإنهم شركاء له في الإثم والخيانةِ
﴿إِنَّ الله لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً﴾ مُفرِطاً في الخيانة مُصِراً عليها
﴿أَثِيماً﴾ منهمكاً فيه وتعليقُ عدمِ المحبةِ الذي هو كنايةٌ عن البغضِ والسُّخطِ بالمبالِغ في الخيانة والإثمِ ليس لتخصيصه به بل لبيان إفراطِ طُعمةَ وقومِه فيهما
стр. 1104
﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ الناس﴾ يستترون منهم حياءً وخوفاً من ضررهم
﴿وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ الله﴾ أيْ لا يستحيون منه وهو أحقُّ بأن يُستحيا منه ويُخافَ من عقابه
﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ عالمٌ بهم وبأحوالهم فلا طريق إلى
стр. 1105
١٠٩ - ١١٠ ١١١ ١١٢ النساء
الاستخفاء سوى تركِ ما يستقبِحُه ويؤاخِذُ به
﴿إِذْ يُبَيّتُونَ﴾ يدبرون ويزورون
﴿مَا لَا يَرْضَى مِنَ القول﴾ مِنْ رمى البرئ والحلِفِ الكاذب وشهادةِ الزور
﴿وَكَانَ الله بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ من الأعمال الظاهرةِ والخافية
﴿مُحِيطاً﴾ لا يعزُب عنه شئ منها ولا يفوت
стр. 1106
﴿ها أنتم هؤلاء﴾ تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إليهم بطريقِ الالتفاتِ إيذاناً بأنَّ تعديد جنايتهم يوجب مشافهتَهم بالتوبيخ والتقريعِ والجملةُ مبتدأٌ وخبرٌ وقولُه تعالَى
﴿جادلتم عَنْهُمْ فِى الحياة الدنيا﴾ جملةٌ مبيِّنةٌ لوقوع أولاءِ خبراً ويجوز أن يكون أولاءِ اسماً موصولاً بمعنى الذين وجادلتم الخ صلة له والمجادَلةُ أشدُّ المخاصَمَة والمعنى هَبُوا أنكم خاصمتم عن طُعمةَ وأمثالِه في الدنيا
﴿فَمَن يجادل الله عَنْهُمْ يَوْمَ القيامة﴾ فمن يخاصم عنهم يومئذ عند تعذيبهم وعقابِهم
﴿أَمْ مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾ حافظاً ومحامياً من بأس الله تعالى وانتقامه
стр. 1107
﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً﴾ قبيحاً يسوء به غيره كما فعلَ طُعمة بقتادةَ واليهوديِّ
﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ بما يختص به كالحلِف الكاذبِ وقيل السوء مادون الشرك والظلم الشركِ وقيل هما الصغيرةُ والكبيرة
﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ الله﴾ بالتوبة الصادقة
﴿يَجِدِ الله غفورا﴾ لذنوبه كائنة ماكانت
﴿رَّحِيماً﴾ متفضّلاً عليه وفيه مزيدُ ترغيبٍ لطعمةَ وقومِه في التوبة والاستغفارِ لما أن مشاهَدةَ التائبِ لآثار المغفرةِ والرحمةِ نعمةٌ زائدةٌ كما مر
стр. 1108
﴿وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً﴾ من الآثام
﴿فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ على نَفْسِهِ﴾ حيث لا يتعدّى ضررُه ووبالُه إلى غيره فليحترز عن تعريضها للعقاب والعذابِ عاجلاً وآجلاً
﴿وَكَانَ الله عَلِيماً﴾ مُبالغاً في العلم
﴿حَكِيماً﴾ مراعياً للحكمة في كل ما قَدَّر وقضى ولذلك لا يحمل وازِرَةٌ وزرَ أخرى
стр. 1109
﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً﴾ صغيرة أو مالا عمْدَ فيه من الذنوب وقرئ ومن يَكِسِّبْ بكسر الكاف وتشديد السين وأصله يكتسب
﴿أَوْ إِثْماً﴾ كبيرةً أو ما كان من عمد
﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ﴾ أي يقذِفْ به ويُسنده وتوحيد الضمير مع تعدد المرجِعِ لمكان أَوْ وتذكيره لتغليب الإثم على الخطيئة كأنه قيل ثم يرم بأحدهما وقرئ يرمِ بهما وقيل الضمير للكسبِ المدلولِ عليه بقوله تعالى يَكْسِبْ وثُمَّ للتراخِي في الرتبةِ
﴿بَرِيئاً﴾ أي مما رماه به ليُحمِّلَه عقوبتَه العاجلةَ كما فعله طعمةُ بزيدٍ
﴿فَقَدِ احتمل﴾ أي بما فعل من تحميل جريرته على البرئ
﴿بهتانا﴾ وهو الكذِبُ على الغير بما يُبَهتُ منه ويُتَحيَّر عند سَماعِه لفظاعته وهولِه وقيل هو الكذبُ الذي يُتحيَّر في عِظَمه
﴿وَإِثْماً مُّبِيناً﴾ أي بيناً فاحشاً وهو صفة لإثماً وقد اكتُفي في بيان عِظَمِ البهتانِ بالتنكير التفخيميّ
стр. 1110
١١٣ - النساء
كأنه قيل بهتاناً لا يقادَرُ قدرُه وإثماً مبيناً على أن وصفَ الإثمِ بما ذُكر بمنزلة وصفِ البهتانِ به لأنهما عبارةٌ عن أمر واحد هو رمى البرئ بجناية نفسِه قد عبّر عنه بهما تهويلاً لأمره وتفظيعاً لحاله فمدارُ العِظَم والفخامةِ كونُ المرميِّ به للرامي فإن رمى البرئ بجناية ما خطيئةً كانت أو إثماً بهتانٌ وإثمٌ في نفسه أما كونُه بهتاناً فظاهرٌ وأما كونُه إثماً فلأن كونَ الذنبِ بالنسبة إلى مَنْ فعله خطيئةً لا يلزم منه كونُه بالنسبة إلى مَنْ نسبه الى البرئ منه أيضاً كذلك بل لا يجوزُ ذلك قطعاً كيف لا وهو كذِبٌ محرَّمٌ في جميع الأديانِ فهو في نفسه بهتانٌ وإثمٌ لا محالةَ وبكون تلك الجنايةِ للرامي يتضاعفُ ذلك شدةً ويزداد قُبحاً لكنْ لا لانضمام جنايتِه المكسوبة الى رمى البرئ وإلا لكان الرميُ بغير جناية مثله في العظم ولا لمجرد اشتماله على تبرئة نفسه الخاطئة وإلا لكان الرميُ بغير جنايةٍ مع تبرئةِ نفسِه كذلك في العِظَم بل لاشتماله على قصد تحميلِ جنايته على البرئ وإجراءِ عقوبتِها عليه كما ينبئ عنه إيثارُ الاحتمالِ على الاكتساب ونحوِه لما فيه من الإيذان بانعكاس تقديرِه على ما فيه من الإشعار بثِقَل الوِزرِ وصعوبةِ الأمرِ نعم بما ذُكر من انضمام كسبِه وتبرئةِ نفسه الى رمى البرئ تزداد الجنايةُ قبحاً لكنّ تلك الزيادةَ وصفٌ للمجموع لا للإثم
стр. 1111
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ الله عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ بإعلامك ما هم عليه بالوحي وتنبيهِك على الحق وقيل بالنبوة والعِصمة
﴿لَهَمَّتْ طَّائِفَةٌ مّنْهُمْ﴾ أي منْ بني ظفَر وهم الذابّون عن طُعمةَ وقد جوز أن يكون المراد بالطائفة كلَّهم ويكونُ الضميرُ راجعاً إلى الناس وقيل هم وفدُ بني ثقيفٍ قدِموا على رسُولِ الله ﷺ وقالوا جئناك لنبايعَك على أن لا تكسِرَ أصنامَنا ولا تعشِّرَنا فردّهم رسولُ الله ﷺ
﴿أَن يُضِلُّوكَ﴾ أي بأن يضلوك عن القضاء بالحق مع علمهم بكُنه الأمرِ والجملةُ جوابُ لولا وإنما نفى همَّهم مع أن المنفيَّ إنما هو تأثيرُه فقط إيذاناً بانتفاء تأثيرِه بالكلية وقيل المراد هو الهمُّ المؤثّر ولا ريب في انتفائه حقيقةً وقيل الجوابُ محذوفٌ أي لأضلوك وقوله تعالى لَهَمَّتْ جملةٌ مستأنفةٌ أي لقد همت طائفة الخ
﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنفُسَهُمْ﴾ لاقتصار وبالِ مكرِهم عليهم من غير أن يصيبك منهم شئ والجملةُ اعتراضٌ وقولُه تعالى
﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْء﴾ عطفٌ عليه ومحلُّ الجارِّ والمجرور النصبُ على المصدرية أي وما يضرونك شيئاً من الضرر لما أنه تعالى عاصمُك وأما ما خطرَ ببالك فكان عملاً منك بظاهر الحالِ ثقةً بأقوال القائلين من غير أن يخطُر ببالك أن الحقيقةَ على خلاف ذلك
﴿وَأَنزَلَ الله عَلَيْكَ الكتاب والحكمة﴾ أي القرآنَ الجامعَ بين العنوانين وقيل المرادُ بالحكمة السنة
﴿وَعَلَّمَكَ﴾ بالوحي من خفيّات الأمورِ التي من جملتها وجوهُ إبطالِ كيدِ المنافقين أو من أمور الدين وأحكامِ الشرع
﴿مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ ذلك إلى وقت التعليم
﴿وَكَانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ إذ لا فضلَ أعظمُ من النبوة العامةِ ووالرياسة التامّة
стр. 1112
١١٤ - ١١٥
стр. 1113
﴿لَاّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ﴾ أي في كثير من تناجي الناسِ
﴿إِلَاّ مَنْ أَمَرَ﴾ أي إلا في نجوى مَنْ أمرَ
﴿بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ وقيل المرادُ بالنجوى المتناجون بطريق المجازِ وقيل النجوى جمع نجى نقله الكرماني وأيَّاً ما كان فالاستثناءُ متصلٌ ويجوز الانقطاعُ أيضاً على معنى لكنْ مَنْ أمر بصدقة الخ ففي نجواه الخير والمعروفُ كلُّ ما يستحسنه الشرعُ ولا يُنكره العقلُ فينتظم أصنافَ الجميلِ وفنونَ أعمالِ البِرِّ وقد فُسِّر ههنا بالقرض وإعاثة الملهوف وصدقةِ التطوعِ على أن المراد بالصدقة الواجبة
﴿أَوْ إصلاح بَيْنَ الناس﴾ عندوقوع المشاقة والمعاداة بينهم من غير أن يجاوزَ في ذلك حدودَ الشرعِ الشريفِ وبين إما متعلقٌ بنفس إصلاحٍ يقال أصلحتُ بين القوم أو بمحذوف هو صفةٌ له أي كائنٍ بين الناسِ عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال له ألا أدلك على صدقةٍ خيرٍ لك من حمر النعم فقال بلى يا رسولَ الله قالَ تُصلح بين الناسِ إذا تفاسدوا وتُقرِّب بينهم إذا تباعدوا قالوا ولعل السرَّ في إفراد هذه الأقسامِ الثلاثةِ بالذكر أن عملَ الخيرِ المتعدِّي إلى الناس إما لإيصال المنفعةِ أو لدفع المضرَّةِ والمنفعةُ إما جُسمانية كإعطاء المالِ واليه الإشارة إلى قولِه تعالى إِلَاّ مَنْ أَمَرَ بصدفة وإما روحانيةٌ وإليه الإشارةُ بالأمر بالمعروف وأما دفعُ الضرر فقد أشير إليه بقوله تعالى أَوْ إصلاح بَيْنَ الناس
﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلك﴾ إشارةٌ إلى الأمور المذكورةِ أعني الصدقةَ والمعروفَ والأصلاح فإنه يشاربه إلى متعدد وما فيه من معنى البعد مع قُرب العهدِ بها للإيذان ببُعد منزلتِها ورفعةِ شأنِها وترتيبُ الوعدِ على فعلها إثرَ بيانِ خيريةِ الأمرِ بها لما أن المقصودَ الأصليَّ هو الترغيبُ في الفعل وبيانُ خيريةِ الأمرِ به للدِلالة على خيريته بالطريق الأولى لما أن مدارَ حُسنِ الأمرِ وقُبحِه حسنُ المأمورِ به وقبحُه فحيث ثبت خيريةُ الأمرِ بالأمور المذكورةِ فخيريةُ فعلِها أثبتُ وفيه تحريضٌ للأمر بها على فعلها أو إشارةٌ إلى الأمر بها كأنه قيل ومن يأمْر بها والكلامُ في ترتيب الوعدِ على فعلها كالذي مر في الخيرية فإن استتباع الأمر بها للأجر العظيمِ إنما هو لكونه ذريعة إلى فعلها فاستتباعُه له أولى وأحقُّ
﴿ابتغاء مَرْضَاتَ الله﴾ علةٌ للفعل والتقييدُ به لأن الأعمالَ بالنيات وأن من فعل خيراً لغير ذلك لم يستحِقَّ به غيرَ الحِرْمان
﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾ بنون العظمةِ على الالتفات وقرئ بالياء
﴿أَجْراً عَظِيماً﴾ يقصُر عنه الوصفُ
стр. 1114
﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرسول﴾ التعرُّض لعنوان الرسالةِ لإظهارِ كمالِ شناعةِ ما اجترءوا عليه من المُشاقة والمخالفةِ وتعليلِ الحُكمِ الآتي بذلك
﴿مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهدى﴾ ظهر له الحق بالوقوف على المعجزات الدالة على نبوته
﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المؤمنين﴾ أي غيرَ ما هم مستمرون عليه من عقد وعمل وهو الدين القيم
﴿نُوَلّهِ مَا تولى﴾
стр. 1115
أي نجعله والياً لِمَا تولاه من الضلال ونخذُله بأن نُخلِّيَ بينه وبين ما اختاره
﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ أي ندخله إياها وقرئ بفتح النون من صَلاه
﴿وَسَاءتْ مَصِيراً﴾ أي جهنمُ وفيها دِلالةٌ على حجية الإجماعِ وحُرمةِ مخالفتِه
стр. 1116
﴿إِنَّ الله لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ قد مر تفسيرُه فيما سبق وهو تكريرٌ للتأكيد والتشديد أو لقصة طُعمةَ وقد مرّ موتُه كافراً ورُوي عن ابن عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما أن شيخاً من العرب جاء إلى رسول الله ﷺ فقال إني شيخٌ منهمِكٌ في الذنوب إلا أني لم أشرِكْ بالله شيئاً منذ عرفتُه وآمنتُ به ولم أتخذ من دونه ولياً ولم أواقع المعاصيَ جراءةً على الله تعالى وما توهّمتُ طرفةَ عينٍ أني أُعجِزُ الله هرباً وإني لنادم تائبٌ مستغفرٌ فما ترى حالي عند الله تعالى فنزلت
﴿وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدْ ضَلَّ ضلالا بعيدا﴾ عن الحق فإن الشركَ أعظمُ أنواعِ الضلالةِ وأبعدُها عن الصواب والاستقامةِ كما أنه افتراءٌ وإثمٌ عظيمٌ ولذلك جُعل الجزاءُ في هذه الشرطيةِ فقد ضل الخ وفيما سبق فقد افترى إثماً عظيما حسبما يقتضيهِ سياقُ النظمِ الكريمِ وسياقُه
стр. 1117
﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ أي ما يعبدون من دونه
﴿إِلَاّ إناثا﴾ يعني اللاتَ والعُزَّى ومناةَ ونحوَها عن الحسن أنه لم يكن من أحياء العربِ حيٌّ إلا كان لهم صنمٌ يعبُدونه يسمُّونه أنثى بني فلان قيل لأنهم كانوا يقولون في أصنامهم هن بناتُ الله وقيل لأنهم كانوا يُلْبِسونها أنواعَ الحَلْي ويزينونها على هيآت النِّسوانِ وقيل المرادُ الملائكةُ لقولهم الملائكةُ بناتُ الله وقيل تسميتُها إناثاً لتأنيث أسمائِها أو لأنها في الأصل جمادٌ والجماداتُ تؤنَّثُ من حيث أنها ضاهت الإناثَ لانفعالها وإيرادُها بهذا الاسم للتنبيه على فرط حماقةِ عَبَدتِها وتناهي جهلِهم والإناثُ جمع أنثى كرِباب وربى وقرئ على التوحيد وأُنُثاً أيضاً على أنه جمع أنيث كقليب وقلُب أو جمع إناث كثمار وثمر وقرئ وثنا واثنا بالتخفيف والتثقيل جمع وثن كقولك أسد وأسد وآسد على الأصل وقلبِ الواو ألفاً نحو أُجوه في وجوه
﴿وَإِن يَدْعُونَ﴾ وما يعبدون بعبادتها
﴿إِلَاّ شيطانا مَّرِيداً﴾ إذ هو الذي أمرهم بعبادتها وأغراهم عليها فكانت طاعتُهم له عبادةً والمَريد والمارد هو الذى لا يعلق بخير وأصلُ التركيبِ للملاسة ومنه صرحٌ مُمرّد وشجرةٌ مرداءُ للتي تناثر ورقُها
стр. 1118
﴿لَّعَنَهُ الله﴾ صفةٌ ثانيةٌ لشيطاناً
﴿وَقَالَ لَاتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً﴾ عطفٌ على الجملة المتقدمةِ أي شيطاناً مريداً جامعاً بين لعنةِ الله وهذا القولِ الشنيعِ الصادرِ عنه عند اللعنِ ولقد برهن على أن عبادةَ الأصنام غايةُ الضلال بطريق التعليلِ بأن ما يعبدونها ينفعل ولا
стр. 1119
١١٩ - ١٢٠ ١٢١ النساء
يفعل فعلاً اختيارياً وذلك ينافي الألوهيةَ غايةَ المنافاةِ ثم استُدل عليه بأن ذلك عبادةٌ للشيطان وهو أفظعُ الضلالِ من وجوه ثلاثةٍ الأولُ أنه منهمكٌ في الغي لا يكاد يعلق بشئ من الخير والهدى فتكون طاعتُه ضلالاً بعيداً عن الحق والثاني أنه ملعونٌ لضلاله فلا تستتبعُ مطاوعتُه سوى اللعنِ والضلالِ والثالثُ أنه في غاية السعي في إهلاكهم وإضلالِهم فموالاةُ مَنْ هذا شأنُه غايةُ الضلالِ فضلاً عن عبادته والمفروضُ المقطوعُ أي نصيباً قُدّر لي وفُرض من قولِهم فرَضَ له في العطاء
стр. 1120
﴿وَلَاضِلَّنَّهُمْ وَلامَنّيَنَّهُمْ﴾ الأمانيَّ الباطلةَ كطول الحياة وأن لا بعْثَ ولا عقابَ ونحوَ ذلك
﴿ولآمرنهم فليبتكن آذان الانعام﴾ أي فلَيقْطَعُنَّها بموجب أمري ويشُقُّنّها من غير تلعثم في ذلك ولا تأخير وذلك ما كانت العرب تفعله فيه بالبحائر والسوائب
﴿وَلَامُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ﴾ ممتثلين به
﴿خَلَقَ الله﴾ عن نهجه صورةً أو صفةً وينتظم فيه ما قيل من فقءِ عين الحامي وخِصاءِ العبيدِ والوشمِ والوشْرِ ونحوِ ذلك وعمومُ اللفظِ يمنع الخِصاءَ مطلقاً لكن الفقهاء رخّصوا في البهائم لمكان الحاجةِ وهذه الجملُ المحكيةُ عن اللعين مما نطق به لسانُه مقالاً أو حالاً وما فيها من اللامات كلَّها للقَسَم والمأمورُ به في الموضعين محذوفٌ ثقةً بدلالة النظمِ عليه
﴿وَمَن يَتَّخِذِ الشيطان وَلِيّاً مّن دُونِ الله﴾ بإيثار ما يدعوا إليه على ما أمر الله تعالى به ومجاوزتِه عن طاعةِ الله تعالَى إلى طاعته
﴿فَقَدْ خَسِرَ خسرانا مبينا﴾ لأنه ضيَّع رأسَ مالِه بالكلية واستبدل بمكانه من الجنة مكانَه من النار
стр. 1121
﴿يعدهم﴾ أى مالا يكاد يُنجِزُه
﴿وَيُمَنّيهِمْ﴾ أي الأمانيَّ الفارغةَ أو يفعل لهم الوعدَ والتمنيةَ على طريقة فلان يُعطي ويمنَعُ والضميران لمَنْ والجمعُ باعتبارِ معناهَا كما أن الإفراد في يتخذ وخسر باعتبار لفظها
﴿وَمَا يَعِدُهُمْ الشيطان إِلَاّ غُرُوراً﴾ وهو إظهارُ النفعِ فيما فيه الضررُ وهذا الوعدُ إما بإلقاء الخواطرِ الفاسدةِ أو بألسنة أوليائِه وغروراً إما مفعولٌ ثانٍ للوعد أو مفعولٌ لأجله أونعت لمصدر محذوفٍ أي وعداً ذا غرورٍ أو مصدرٌ على غير لفظِ المصدرِ لأنّ يَعِدُهُمْ في قوة يغرّهم بوعده والجملةُ اعتراضٌ وعدمُ التعرّضِ للتمنية لأنها بابٌ من الوعد
стр. 1122
﴿أولئك﴾ إشارةٌ إلى أولياء الشيطان وما فيه من معنى البُعد للإشعارِ ببُعد منزلتِهم في الخُسران وهو مبتدأٌ وقولُه تعالى
﴿مَأْوَاهُمْ﴾ مبتدأٌ ثانٍ وقولُه تعالَى
﴿جَهَنَّمُ﴾ خبرٌ للثانِي والجملةُ خبرٌ للأولِ
﴿وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً﴾ أي معدِلاً ومهرَباً من حاص الحمارُ إذا عدَل وقيل خلَص ونجا وقيل الحَيْصُ هو الروغان بنفور وعنها متعلقٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من محيصاً أي كائناً عنها ولا مَساغَ لتعلُّقه بمحيصاً أما إذا كان اسمَ مكانٍ فظاهرٌ وأما إذا كان مصدراً فلأنه لا يعملُ فيما قبلَهُ
стр. 1123
١٢٢ - ١٢٣ النساء
стр. 1124
﴿والذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ مبتدأٌ خبرُه قوله تعالى
﴿سندخلهم جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا أَبَداً﴾ قرَن وعيدَ الكفرةِ بوعد المؤمنين زيادةً لمَسرَّة هؤلاءِ ومَساءةِ أولئك
﴿وَعْدَ الله حَقّا﴾ أي وعَده وعداً وحقَّ ذلك حقاً فالأولُ مؤكدٌ لنفسه لأن مضمونَ الجملةِ الاسميةِ وعدٌ والثاني مؤكدٌ لغيره ويجوز أن ينتصِبَ الموصولُ بمضمر يفسِّره ما بعده وينتصب وَعَدَ الله بقوله تعالى سَنُدْخِلُهُمْ لأنه في معنى نعِدُهم إدخالَ جناتٍ الخ وحقاً على أنه حال من المصدر
﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله قِيلاً﴾ جملةٌ مؤكدةٌ بليغةٌ والمقصودُ من الآية معارضَةُ مواعيدِ الشيطانِ الكاذبةِ لقرنائه بوعد الله الصادقِ لأوليائه والمبالغةُ في تأكيده ترغيباً للعباد في تحصيله والقيلُ مصدرٌ كالقول والقال وقال ابنُ السِّكِّيتِ القيلُ والقالُ اسمانِ لا مصدرانِ ونصبُه على التمييز وقرئ بإشمام الصادِ وكذا كلُّ صادٍ ساكنةٍ بعدها دالٌ
стр. 1125
﴿لَّيْسَ بأمانيكم وَلا أَمَانِىّ أَهْلِ الكتاب﴾ أي ليس ما وعد الله تعالى من الثواب يحصُل بأمانيكم إيها المسلمون ولا بأمانيِّ أهلِ الكتابِ وإنما يحصُل بالإيمان والعملِ الصالحِ ولعل نظمَ أمانيِّ أهلِ الكتابِ في سلك أمانيِّ المسلمين مع ظهور حالِها للإيذان بعدم إجداءِ أمانيِّ المسلمين أصلاً كما في قوله تعالى وَلَا الذين يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ كما سلف وعن الحسن ليس الإيمانُ بالتمنِّي ولكنْ ما وقر في القلب وصدّقه العملُ إن قوماً ألهتْهم أمانيُّ المغفرةِ حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنةَ لهم وقالوا نُحسِنُ الظنَّ بالله وكذَبوا لو أحسنوا الظنَّ به لأحسنوا العملَ وقيل إن المسلمين وأهلَ الكتاب افتخروا فقال أهلُ الكتاب نبيُّنا قبل نبيِّكم وكتابُنا قبل كتابِكم فنحن أولى بالله تعالى منكم فقال المسلمون نحنُ أولى منكم نبيُّنا خاتمُ النبيين وكتابُنا يقضي على الكتب المتقدمةِ فنزلت وقيل الخطابُ للمشركين ويؤيده تقدّمُ ذكرِهم أي ليس الأمرُ بأمانيِّ المشركين وهو قولُهم لا جَنةَ ولا نارَ وقولُهم إنْ كانَ الأمرُ كَما يزعُم هؤلاء لنكونَنّ خيراً منهم وأحسنَ حالاً وقولُهم لأوتين مالاً وولداً ولا أمانيِّ أهلِ الكتاب وهو قولُهم لنْ يدخلَ الجنةَ إلَاّ من كان هودا أو نصارى وقولُهم لَن تَمَسَّنَا النار إلا أياما معدودة ثم قرر ذلك بقوله تعالى
﴿مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ﴾ عاجلاً أو آجلاً لما رُوي أَنَّهُ لمَّا نزلتْ قال أبُو بكرٍ رضيَ الله تعالى عنه فمن ينجو مع هذا يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ أما تحزنُ أو تمرَضُ أو يصيبُك البلاء قال بلى يا رسولَ الله قالَ هو ذاك
﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ الله﴾ أي مجاوزاً لموالاة الله ونُصرتِه
﴿وَلِيّاً﴾ يواليه
﴿وَلَا نَصِيراً﴾ ينصُره في دفع العذاب عنه
следующие страницы →