← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

سورة المائدة اية ٨ سورة المائدة اية ٩ سورة المائدة اية ١٠ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله وقال مجاهد هو الميثاقُ الذي أخذه الله تعالى على عباده حين أخرجهم من صُلْب آدمَ ﵇ ﴿واتقوا الله﴾ أي في نِسيان نعمتِه ونقضِ ميثاقِه أو في كلِّ ما تأتون وما تذرون فيدخُل فيه ما ذُكر دخولا اولياء ﴿إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ أي بخفيّاتِها الملابِسةِ لها ملابَسةً تامة مصحِّحة لإطلاق الصاحبِ عليها فيجازيكم عليها فما ظنكم بحليات الأعمال والجُملةُ اعتراضٌ تذييليٌّ وتعليل الامر بالاتقاءِ وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موقع الاضمار لتريه المهابة وتعليل الحكم وتقوية استقلال الجملة

стр. 1227

﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ﴾ شروعٌ في بيان الشرائع المتعلقةِ بما يجري بينهم وبين غيرِهم إثْرَ بيانِ ما يتعلق بأنفسهم ﴿كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ﴾ مقيمين لأوامره ممتثلين بها معظِّمين لها مراعين لحقوقها ﴿شُهَدَاء بالقسط﴾ أي بالعدل ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ أي لا يحمِلَنَّكم ﴿شَنَانُ قَوْمٍ﴾ أي شدةُ بغضِكم لهم ﴿عَلَى أَلَاّ تَعْدِلُواْ﴾ فلا تشهَدوا في حقوقهم بالعدل أو فتعتلوا عليهم بارتكاب ما لا يحِلُّ كَمُثلةٍ وقَذْفٍ وقتلِ نساءٍ وصِبْيةٍ ونقضِ عهدٍ تشفياً وغيرِ ذلك ﴿اعدلوا هُوَ﴾ أي العدلُ ﴿أَقْرَبُ للتقوى﴾ الذي أمرتم به صرح لهم بالأمر بالعدل وبيّن أنه بمكانٍ من التقوى بعد ما نهاهم عن الجَوْر وبيَّن أنه مقتضى الهوى وإذا كان وجوبُ العدل في حق الكفار في هذه المثابة فما ظنُّك بوجوبه في حق المسلمين ﴿واتقوا الله﴾ أمرَ بالتقوى إثْرَ ما بين أن العدلَ أقربُ له اعتناءً بشأنه وتنبيهاً على أنه مَلاكُ الأمر ﴿إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من الأعمال فيجازيكم بذلك وتكريرُ هذا الحُكم إما لاختلاف السببِ كما قيل إن الأولَ نزل في المشركين وهذا في اليهود أو لمزيد الاهتمام بالعدل والمبالغة في اطفاء فائدة الغيظ والجملةُ تعليلٌ لما قبلها وإظهارُ الجلالة لما مر مرات وحيث كانت مضمونُها منبئاً عن الوعد والوعيد عقَّب بالوعد لمن يُحافظ على طاعته تعالى وبالوعيد لمن يُخِلُّ بها فقيل

стр. 1228

﴿وعد الله الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ التي من جملتها العدل والتقوى ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ حُذفَ ثاني مفعولا وَعَدَ استغناءً عنه بهذه الجملة فإنه استئنافٌ مبيِّنٌ له وقيل الجملةُ في موقع المفعول فإن الوعدَ ضربٌ من القول فكأنه قيل وعدَهم هذا القولَ

стр. 1229

﴿والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بآياتنا﴾ التي من جملتها ما تليت من النصوص الناطقة بالأمر والعدل والتقوى ﴿أولئك﴾ الموصوفون بما ذُكر من الكفر وتكذيبِ الآيات ﴿أصحاب الجحيم﴾ ملابسوها ملابَسةً مؤبَّدة من السُنة السنية القرآنية شفْعُ الوعدِ بالوعيد والجمعُ بين الترغيب والترهيب ايفاء لحق الدعوى بالتبشير والانذار

стр. 1230

سورة المائدة اية

стр. 1231

١١ - ﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ﴾ تذكيرٌ لنعمة الإنجاءِ من الشرائر تذكيرِ نعمةِ إيصالِ الخير الذي هو نعمةُ الإسلام وما يتبَعُها من الميثاق وعليكم متعلِّقٌ بنعمة الله أو بمحذوفٍ وقعَ حالاً منها وقولُه تعالى ﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ﴾ على الأول ظرفٌ لنفس النعمة وعلى الثاني لِما تعلَّق به عليكم ولا سبيلَ إلى كونه ظرفا لا ذكروا التنافي زمانَيْهما أي اذكروا إنعامه تعالى عليكم أو اذكروا نعمته كائنةً عليكم في وقت همِّهم ﴿أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ أي بأن يبطشوا بكنم بالقتل والاهلات يقال بسَطَ إليه يدَه اذا بطش به وبسط إليه لسانَه إذا شتمته وتقديم الجار والمجرور على المفعول الصَّريحِ للمُسارعةِ إلى بيان رجوعِ ضررِ البسطِ وغائلتِه إليهم حملاً لهم منْ أولِ الأمرِ عَلى الاعتداد بنعمةِ دفعِه كما أن تقديم لكم في قولِه هُوَ الذى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الارض للمبادرة إلى بيان كونِ المخلوق من منافعِهم تعجيلاً للمَسَرّة ﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ﴾ عطفٌ على هم وهو النعمة التي أُريد تذكيرُها وذكراً لهم للإيذان بوقوعها عند مزيدا لحاجة إليها والفاءُ للتعقيب المفيدِ لتمام النعمة وكما لها وإظهارُ أيديهم في موقع الإضمار لزيادة التقرير أي منَعَ أيديَهم أن تُمدَّ إليكم عقيب همِّهم بذلك لا أنه كفها عنكم بعد ما مدُّوها إليكم وفيه من الدلالة على كمالِ النعمة من حيثُ إنها لم تكن مشوبةً بضَرَر الخوف والانزعاجِ الذي قلما يعْرَى عنه الكفُّ بعد المد ما لا يخفى مكانُه وذلك ما روى ان المشركين راوا ارسول الله ﷺ وأصحابَه بعَسفانَ في غزوة ذي انما روها غزوةُ ذاتِ الرَّقاع وهي السابعة من مغازيه ﵊ قاموا إلى الظهر معاً فلما صلَّوْا ندِمَ المشركون ألا كانوا قد أكبُّوا عليهم فقالوا إن لهم بعدها صلاةً هي أحبُّ إليهم من آبائهم وأبنائِهم يعنون صلاةَ العصر وهمُّوا ان يوقعوا بهم اذ قاموا إليها فرد الله تعالى كيدَهم بأن أنزلَ صلاةَ الخوف وقيل هو ما رُوي أنَّ رسولَ الله ﷺ أتى بني قُرَيْظَةَ ومعه الشيخانِ وعليٌّ رضي الله تعالى عنهم يستقرِضُهم لدِيَةِ مسلمَيْن قتلهما عمْرُو بنُ أميةَ الضَّمُريُّ خطأً يحسَبُهما مشرِكَيْن فقالوا نعم يا أبا القاسم اجلِسْ حتى نُطعِمَك ونعطِيك ما سألت فأجلسوه في صُفَّةٍ وهمّوا بالفتك به وعمد عمروا بنُ جِحاش إلى رَحا عظيمةٍ يطرَحُها عليه فأمسك الله تعالى يده ونزل جبريلُ ﵇ فأخبره فخرج ﵊ وقيل هو ما رُوي انه ﷺ نزل منزِلاً وتفرّق أصحابُه في العظاء يستظلون بها فعلّق رسولُ الله ﷺ سيفَه بشجرة فجاء أعرابيٌّ فاخذها وسله فقال مَنْ يمنعُك مني فقال ﷺ الله تعالى فاسقطع جبريلُ ﵇ من يده فاخذه الرسول ﷺ فقال من يمنعك مني فقال لا أحدَ أشهدُ أَن لَاّ إلَه إِلَاّ الله وأن محمداً رسولُ الله ﴿واتقوا الله﴾ عطفٌ على اذكُروا أي اتقوه في رعاية حقوقِ نعمتِه ولا تُخِلُّوا بشكرِها أو في كلِّ ما تأتون وما تذرون فيدخُل فيه ما ذُكر دخول اولياء ﴿وَعَلَى الله﴾ أي عليهِ تعالى خاصَّة دونَ غيرِه استقلال واشتراكا ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون﴾ فإنه يكفيهم في إيصال كلِّ خيرٍ ودفع كل شر والجملةُ تذييلٌ مقرِّر لمَا قبلَهُ وإيثارُ صيغة أمْرِ الغائبِ واسنادها إلى المؤمنين لإيجابِ التوكل على

стр. 1232

سورة المائدة اية ١٢ المخاطبين بالطريق البرهاني ولايذان بأن ما وُصفوا به عند الخطابِ من وصف الإيمان داعٍ ألى مَا أُمروا بهِ من التوكل والتقوى وازعٌ عن الإخلال بهما وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موقعِ الإضمارِ لتعليلِ الحُكمِ وتقوية استقلال الجملة التذييلية

стр. 1233

﴿وَلَقَدْ أَخَذَ الله ميثاق بني إسرائيل﴾ كلامٌ مستأنفٌ مشتمِلٌ على ذكر بعضِ ما صدَر عن بني إسرائيلَ من الخِيانة ونقضِ الميثاق وما أدّى إليه ذلك من التّبِعاتِ مَسوقٌ لتقرير المؤمنين على ذكر نعمةِ الله تعالى ومراعاةِ حقِّ الميثاقِ الذي اوثقهم به وتحذيرِهم من نقضِه أو لتقرير ما ذُكر من الهم بالبطش وتحقيقِه على تقدير كون ذلك من بني قريظة حسْبما مرّ من الرواية ببيان أن الغدرَ والخيانة عادةٌ لهم قديمة توار ثوها من أسلافهم وإظهارُ الاسمِ الجليلِ لتربية المهابةِ وتفخيمِ الميثاق وتهويلِ الخطبِ في نقضه مع ما فيه من رعاية حقِّ الاستئنافِ المستدعى لانقطاع عما قبله ولالتفات في قوله تعالى ﴿وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثنى عَشَرَ نَقِيباً﴾ للجَريِ على سَنَنِ الكبرياءِ أو لأن البعثَ كان بواسطة موسى ﵇ كما سيأتي وتقديمُ الجار والمجرور على المفعول الصريح لما مرا مرارا من الاهتمام بالمقدم والتشويقِ إلى المؤخَّر والنقيبُ فعيل بمعنى فاعل مشتقٌ من النَّقْب وهو التفتيش ومنه قوله تعالى فَنَقَّبُواْ فِى البلاد سُمِّيَ بذلك لتفتيشِه عن أحوال القومِ وأسرارِهم قال الزجاجُ وأصله من النقْب وهو الثقب الواسع رُوي إن بني إسرائيلَ لما استقروا بمصْرَ بعهد مَهْلِكِ فرعونَ أمرهم الله بالمسير الى اريحا أرضِ الشام وكان يسكُنها الجبابرةُ الكَنعانيون وقال لهم إني كتبتُها لكم داراً وقراراً فاخرُجوا إليها وجاهِدوا من فيها وإني ناصِرُكم وأمر موسى ﵇ أن يأخُذَ من كلِّ سِبطٍ نقيباً أميناً يكون كفيلاً على قومه بالوفاء بما أُمروا به توثِقَةً عليهم فاختارَ النقباءَ وأُخذ الميثاقُ على بني إسرائيلَ وتكفَّلَ إليهم النُقباء وسار بهم فلما دنا من أرض كنعانَ بعث النقباءُ يتجسسون فرءوا أجراماً عظيمةً وقوةً وشَوْكة فهابوا ورَجَعوا وحدَّثوا قومَهم بما رؤوا وقد نهاهم موسى عن ذلك فنكثوا الميثاقَ إلا كالبَ بنَ يوقنا نقيبَ سبط يهاذا ويُوشَعَ بنَ نونٍ نقيبَ سِبطِ أفراييمَ بن يوسُفَ الصديق ﵊ قيل لما توجه النقباءُ إلى أرضهم للتجسس لقِيَهم عوجُ بنُ عنق وكان طوله ثلاثة الاف وثلاثمائة وثلاثة وثلاثين ذراعا وقد عاش ثلاثة آلاف سنة وكان على رأسه حُزمةُ حطب فأخذهم وجعلهم في الحُزمة وانطلق بهم إلى امرأته وقال انظُري إلى هؤلاء الذين يزعُمون أنهم يريدون قتالنا فطرَحهم بين يدَيْها وقال ألا أطحَنُهم برِجْلي فقالت لا بل خلي عنهم حتى يُخبِروا قومَهم بما رؤوا ففعل فجعلوا يتعرّفون أحوالَهم وكان لا يحمِلُ عنقودَ عِنبِهم إلا خمسةُ رجال أو أربعة فلما خرج النقباءُ قال بعضُهم لبعض إن أخبرتم بني إسرائيلَ بخبر القومِ ارتدوا عن نبي الله ولكنِ اكتُموه

стр. 1234

سورة المائدة اية ١٢ إلا عن موسى وهارونَ ﵉ فيكونان هما يَريانِ رأيَهما فأخذ بعضُهم على بعضٍ الميثاقَ ثم انصرفوا إلى مُوسى ﵇ وكان معهم حبةٌ من عنبِهم وِقْرَ رجل فنكثوا عهدَهم وجعل كلٌّ منهم ينهى سِبْطه عن قتالِهم ويُخبرهم بما رأى الا كالب ويشع وكان معسكرُ موسى فرسخاً في فرسخ فجاء اوج حتى نظر إليهم ثم رجع إلى الجبل فقور منه صخرة عظيمة على قدر العسكر ثم حملها على رأسه ليُطبِقَها عليهم فبعث الله تعالى الهُدُهُد فقوَّر من الصخرة وسَطَها المحاذِيَ لرأسه فانتقبت فوقعت في عُنُق عوج وطوقته فصرعته فاقبل موسى ﵇ وطولُه عشرةُ أذرُعٍ وكذا طولُ العصا فتراما في السماء عشرةَ أذرع فما أصاب العصا إلا كعبا وهو مصروعٌ فقتله قالوا فأقبلت جماعةٌ ومعهم الخناجرُ حتى حزّوا رأسَه ﴿وَقَالَ الله﴾ أي لبني إسرائيل فقد اذاهم المحتاجون إلى ما ذُكر من الترغيب والترهيب كما يُنْبىءُ عنه الالتفاتُ مع ما فيه من تربية المهابة وتأكيدِ ما يتضمنه الكلام من الوعد ﴿إِنّى مَعَكُمْ﴾ أي بالعلم والقدرة والنُّصرة لا بالنصرة فقط فإن تنبيهَهم على علمِه تعالى بكل ما يأتون وما يذرون وعلى كونهم تحت قدرته وملوته مما يحمله على الجد في الامتثال بما أمروا به والانتهاءِ عمَّا نُهوا عنهُ كأنه قيل إني معكم أسمع كلامَكم وأرى أعمالَكم وأعلم ضمائِرَكم فأجازيكم بذلك هذا وقد قيل المرادُ بالميثاق هو الميثاقُ بالإيمان والتوحيد وبالنقباءِ ملوكُ بني إسرائيلَ الذين ينقُبون أحوالَهم ويَلُون أمورَهم بالأمر والنهي وإقامةِ العدل وهو الأنسبُ بقولِه تعالى ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصلاة وآتيتم الزكاة وَآمَنتُم بِرُسُلِي﴾ أي بجميعِهم والالام موطِّئةٌ للقسم المحذوفِ وتأخيرُ الامان عن إقامةِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ مع كونهما من الفروع المترتبةِ عليه لِما أنهم كانوا معترفين بوجوبِهما مع ارتكابِهم لتكذيبِ بعضِ الرسل ﵈ ولمراعاة المقارَنةِ بينه وبينَ قولِهِ تعالى ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ أي نصرتموهم وقوَّيتموهم وأصله الذّبُّ وقيل التعظيمُ والتوقيرُ والثناءُ بخير وقرء وعزرتموهم بالتخفيف ﴿وَأَقْرَضْتُمُ الله﴾ بالإنفاق في سبيل الخير وبالتصدق بالصدقات المندوبة وقوله تعالى ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ إما مصدرٌ مؤكّدٌ وارد على غير صيغة المصدر كما في قوله تعالى فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بقبول حسن وانبتها نبات حسن او مفعول ثاني لأقرضتم على أنه اسم للمال المُقْرَض وقوله تعالى ﴿لأكفرن عنكم سيئاتكم﴾ جوابٌ للقسم المدلولِ عليه بالالام سادٌّ مسدَّ جوابِ الشرط ﴿وَلَادْخِلَنَّكُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار﴾ عطفٌ على ما قبله داخل معه في حُكم الجواب متأخرٌ عنه في الحصول أيضاً ضرورةَ تقدُّمِ التخلية على التحلية ﴿فَمَن كَفَرَ﴾ أي برسلي أو بشيءٍ مما عُدِّد في حيِّز الشرط والفاءُ لترتيب بيانِ حُكمِ من كفَر على بيان حُكمِ من آمن تقويةً للترغيب بالترهيب ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ الشرطِ المؤكّدِ المُعلَّقِ به الوعدُ العظيمُ الموجِبُ للإيمان قطعاً ﴿مّنكُمْ﴾ متعلِّقٌ بمُضْمَرٍ وقعَ حالاً من فاعل كفَرَ ولعل تغييرَ السبْكِ حيث لم يقل وإن كفرتم عطفا على االشرطية السابقة لإخراج كفرِ الكلِّ عن حيِّز الاحتمال وإسقاطِ من كفَرَ عن رُتبة الخطاب وليس المرادُ إحداثَ الكفر بعد الإيمان بل ما يعمُّ الاستمرارَ عليه أيضاً كأنه قيل فمن اتّصفَ بالكفر بعد ذلك خلا أنه قصَدَ بإيراد ما يدلّ على الحدوث بيانَ ترقِّيهم في مراتب الكفر فإن الاتصافَ بشيءٍ بعد ورود ما يوجب الإقلاعَ عنه وإن كان استمرار عليه لكنه بحسَب العنوان فعلٌ جديدٌ وصنعٌ حادثٌ ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السبيل﴾ أي وسَطَ الطريق الواضحَ ضلالاً بيناً وأخطأه خطأً فاحشا لا غذر معه أصلاً بخلافِ من كفر قبل ذلك إذْ ربما يمكن ان

стр. 1235

سورة المائدة اية ١٣ ١٤ يكون له شُبْهةٌ ويُتَوهَّمُ له معذرةً

стр. 1236

﴿فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم﴾ الباء سبيبة وما مزيدةٌ لتأكيد الكلام وتمكينِه في النفس أي بسبب نقضِهم ميثاقَهم المؤكَّدَ لا بشيءٍ آخرَ استقلالاً أو انضماماً ﴿لعناهم﴾ طردناهم وأبعدناهم من رحمتنا ومسخناهم قِرَدَةً وخنازيرَ أو أذللناهم بضرب الجزيةِ عليهم وتخصيصُ البيان بما ذُكر مع أن حقَّه أن يبيَّنَ بعد بيانِ تحققِ نفسِ اللعنِ والنقضِ بأن يقال مثلا فنقصوا ميثاقَهم فلعنّاهم ضرورةَ تقدّمِ هيئةِ الشيءِ البسيطةِ على هيئتِه المُركّبة للإيذانِ بأن تحققَهما أمرٌ جليٌّ غنيٌّ عن البيان وإنما المحتاجُ إلى ذلك ما بينهما من السبيبة والمُسبَّبية ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ بحيث لا تتأثرُ من الايات والنظر وقيل أملينا لهم ولم نعاجِلْهم بالعقوبة حتى قَسَتْ أو خذلناهم ومنعناهم الألطافَ حتى صارت كذلك وقرىء قسي وهي إما مبالغةُ قاسية وإما بمعنى رديئة من قولهم دِرْهمٌ قِسيٌّ أي ردى اذ إذا كان مغشوشاً له يبس وخشونة وقرا بكسر القاف إتباعاً لها بالسبيبة ﴿يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه﴾ استئنافٌ لبيان مرتبةِ قساوةِ قلوبهم فإنه لا مرتبةَ اعظم مما يصحح الا افتراء على تغيير كلامِ الله والافتراءَ عليه وصيغةُ المضارع للدلالة على التجدد والاستمرار وقيل حالٌ من مفعول لعناهم ﴿وَنَسُواْ حَظَّا﴾ أي تركوا نصيباً وافراً ﴿مّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ﴾ من التوراة او من اتباع محمدٍ ﷺ وقيل حرفوا التوراةَ وزلَّتْ أشياءُ منها عن حفظهم وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قد ينسى المرىء بعض العلم بالمعصية وتلى هذه الآية ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ على خَائِنَةٍ مّنْهُمْ﴾ أي خيانةٍ على أنها مصدرٌ كلاغيةٍ وكاذبةٍ أو فَعْلةٍ خائنة أي ذاتِ خيانة أو طائفةٍ خائنة أو شخصٍ خائنةٍ على أن التاء للمبالغة أو نفس خائنة ومنهم متعلقٌ بمحذوف وقع صفة لها خلى أن مِنْ على الوجهين الأولين ابتدائيةٌ أي على خيانةٍ أو على فعلةٍ خائنةٍ كائنةٍ منهم صادرةٍ عنهم وعلى الوجوه الباقيةِ تبعيضية والمعنى أن الغدرَ والخيانة عادةٌ مستمرة لهم ولأسلافهم بحيث لا يكادون يتركونها او يكتمونها فلا تزال ترى ذلك منهم ﴿إِلَاّ قَلِيلاً مّنْهُمُ﴾ استثناء منَ الضميرِ المجرورِ في منهم على الوجوه كلِّها وقيل مِنْ خائنة على الوجوه الثلاثةِ الأخيرةِ والمرادُ بهم الذين آمنوا منهم كعبدِ اللَّهِ بنِ سَلام وأضرابِه وقيل من خائنة على الوجه الثاني فالمرادُ بالقليل الفعلُ القليل ومِنْ ابتدائيةٌ كما مر أي الا فعلى قليلاً كائناً منهم ﴿فاعف عَنْهُمْ واصفح﴾ أي إن تابوا وآمنوا أو عاهدُوا والتزموا الجزية وقيل مطلقٌ نُسخ بآيةِ السيف ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين﴾ تعليلٌ للأمر وحثٌّ على الامتثال به وتنبيهٌ على أنَّ العفوَ على الإطلاقِ من باب الإحسان

стр. 1237

﴿وَمِنَ الذين قَالُواْ إِنَّا نصارى أَخَذْنَا ميثاقهم﴾

стр. 1238

بيانٌ لقبائح النصارى وجناياتهم إثرَ بيان قبائحِ اليهود وخياناتهم ومن متعلقة بأخذنا إذِ التقديرُ وأخذنا من الذين قالوا إنا نصارى ميثاقهم وتقديمُ الجار والمجرور للاهتمام به ولأن ذكرَ حال إحدى الطائفتين مما يوقعُ في ذهن السامع أن حالَ الأخرى ماذا فكأنه قيل ومن الطائفة الأخرى أيضاً أخذنا ميثاقهم وقيل هي متعلِّقةٌ بمحذوفٍ وقع خبر المبتدا محذوفٍ قامت صفتُه أو صلتُه مَقامه أي ومنهم قومٌ أخذنا ميثاقهم أو مَنْ أخذنا ميثاقهم وضميرُ ميثاقَهم راجعٌ إلى الموصوف المقدر وأما في الوجه الأولِ فراجعٌ إلى الموصول وقيل راجع إلى بني إسرائيل أي أخذنا من هؤلاء ميثاق اؤلائك أي مثل ميثاقهم من الإيمان بالله والرسل وبما يتفرع على ذلك من أفعال الخير وإنما نَسَب تسميتَهم نصارى إلى أنفسهم دون أن يُقال ومن النصارى إيذاناً بأنهم في قولهم نحن أنصارُ الله بمعزلٍ من الصدق وإنما هو تقوّلٌ محْضٌ منهم وليسوا من نُصْرة الله تعالى في شيء أو إظهاراً لكمال سوء صنيعهم ببيان التناقض بين أقوالهم وافعالهم فان ادعائهم لنُصْرته تعالى يستدعي ثباتَهم على طاعته تعالى ومراعاة ميثاقه ﴿فَنَسُواْ﴾ عَقيبَ أخذِ الميثاق من غير تلعثم ﴿حظا﴾ ووافرا ﴿مّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ﴾ في تضاعيف الميثاق من الإيمان بالله تعالى وغير ذلك حسبما مرَّ آنفاً وقيل هو ما كُتب عليهم في الإنجيل من أن يؤمنوا بمحمد ﷺ فتركوه ونبذوه وراء ظهورهم واتبعوا اهوائهم فاختلفوا وتفرقوا نصطورية ويعقوبيةً وملكانية أنصاراً للشيطان ﴿فَأَغْرَيْنَا﴾ أي ألزمنا وألصَقنا من غراب الشيء اذ لزم ولصِق به وأغراه غيرُه ومنه الغِراء وقوله تعالى ﴿بَيْنَهُمْ﴾ إما ظرف لأغرينا أو متعلِّق بمحذوفٍ وقعَ حالاً من مفعوله أي أغرينا ﴿العداوة والبغضاء﴾ كائنة بينهم ولا سبيل إلى جعله ظرفاً لهما لأنَّ المصدرَ لا يعملُ فيما قبلَهُ وقوله تعالى ﴿إلى يَوْمِ القيامة﴾ إما غاية للإغراء أو للعداوة والبغضاء أي يتعادَوْن ويتباغضون إلى يوم القيامة حسبنا تقتضيه اهواؤهم المختلفة وارائهم الزائغة المؤدية إلى التفرق والى الفرق الثلاث فضمير بينهم لهم خاصة وقيل لهم ولليهود أي أغرينا العداوة والبغضاء بين اليهود والنصارى ﴿وَسَوْفَ يُنَبّئُهُمُ الله بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ وعيد شديد بالجزاء والعذاب كقول الرجل لمن يتوعده سأخبرك بما فَعَلت أي يجازيهم بما عملوا على الاستمرار من نقض الميثاق ونسيان الحظ الوافر مما ذكروا به وسوف لتأكيد الوعيد والالتفاتُ إلى ذكر الاسم الجديد لتربية المهابة وإدخال الروعة لتشديد الوعيد والتعبيرُ عن العمل بالصنع للإيذان برسوخهم في ذلك وعن المجازاة بالتنبئة للتنبيه على أنهم لا يعلمون حقيقةَ ما يعملونه من الاعمال الشيئة واستتباعِها للعذاب فيكونُ ترتيبُ العذابِ عليها في إفادة العلم بحقيقة حالها بمنزلة الإخبار بها

стр. 1239

﴿يَا أَهْلِ الكتاب﴾ التفاتٌ إلى خطاب الفريقين على أن الكتاب جنسٌ شاملٌ للتوراة والإنجيل إثرَ بيانِ أحوالهما من الخيانة وغيرها من فنون القبائح ودعوةٌ لهم إلى الإيمان برسولِ الله ﷺ والقرآن وإيرادُهم بعنوان أهلية الكتاب للانطواء كلام المصدَّر به على ما يتعلق بالكتاب

стр. 1240

سورة المائدة اية ١٦ وللمبالغة في التشنيع فإن أهلية الكتاب من موجباتِ مراعاته والعمل بمقتضاه وبيان ما فيه من الأحكام وقد فعلوا من الكَتم والتحريف ما فعلوا وهم يعلمون ﴿قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا﴾ للاضافة للتشريف والايذان بموجوب اتباعه وقوله تعالى ﴿يُبَيّنُ لَكُمْ﴾ حال من رسولنا وإيثارُ الجملة الفعلية على غيرها للدَلالة على تجدّد البيان أي قد جائكم رسولُنا حال كونه مبيناً لكم على التدريج حسبما تقتضيه المصلحة ﴿كَثِيراً مّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكتاب﴾ أي التوراةِ والإنجيل كبِعثةِ محمدٍ ﷺ وآيةِ الرجم في التوراة وبشارةِ عيسى بأحمدَ ﵉ في الإنجيل وتأخيرُ كثيراً عن الجار والمجرور بما مر مراراً من إظهار عناية بالمقدم لما فيه من تعجيلِ المسرَّةِ والتِّشويقِ إلى المؤخَّرِ لأن ما حقُّه التقديمُ إذا أُخّر لا سيما الإشعار بكونه من منافع المخاطَب تبقَى النفسُ مترقبة إلى وروده فيتمكن عندها إذا ورد فضلُ تمكنٍ ولأن في المؤخر درب تفصيل ربما يُخِلُّ تقديمُه بتجاذب أطرافِ النظمِ الكريم فإن مما متعلقٌ بمحذوفٍ وقع صفة لكثيرا وما موصولة اسمية وما بعدها صلتُها والعائدُ إليها محذوف ومن الكتاب متعلق بمحذوف هو حال من العائد المحذوف والجمع بين صيغتين الماضِي والمستقبلِ للدِّلالةِ على استمرارهم على الكتم والإخفاء أي بين لكم كثيراً من الذي تخفونه على الاستمرار حال مونه من الكتاب الذي أنتم اهله والمتمسكون به ﴿ويعف عَن كَثِيرٍ﴾ أي ولا يُظهر كثيراً مما تخفونه إذا لم تدعُ إليه داعيةٌ دينية صيانةً لكم عن زيادة الافتضاح كما يُفصحُ عنه التعبير عن عدم الإظهار بالعفو وفيه حثٌّ لهم على عدم الإخفاء ترغيباً وترهيباً والجملةُ معطوفةٌ على الجملةِ الحالية داخلةٌ في حكمها وقيل يعف عن كثيرٍ منكم ولا يؤاخذه في قوله تعالى ﴿قَدْ جَاءكُمْ مّنَ الله نُورٌ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ مَسوقةٌ لبيان أن فائدةَ مجيءِ الرسول ليست منحصرةً فيما ذُكر ومن بيانِ ما كانوا يُخفونه بل له منافعُ لا تحصى ومن الله متعلق بجاء ومِنْ لابتداء الغايةِ مجازاً او محذوف وقع حالا من نور وأيا ما كان فهو تصريحٌ بما يشعر به إضافةُ الرسول من مجيئه من جنابِه وتقديم الجار والجرور على الفاعل للمصارعة إلى بيان كون المجيء من جهته العالية والتشويق إلى الجائي ولأن فيه نوعَ تطويلٍ يُخلُّ تقديمُه بتجاوب أطراف النظم الكريم كما في قوله تعالى وجائك فِى هذه الحق وَمَوْعِظَةٌ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ وتنوين نور للتفخيم والمراد به وبقوله تعالى ﴿وكتاب مُّبِينٌ﴾ القرآنِ لما فيهِ من كشف ظلمات الشرْك والشك وإبانة ما خفِيَ على الناس من الحق والإعجاز البيِّن والعطف لتنزيل المغايَرَة بالعنوان منزلة المغايرة وبالذات وقيل المرادُ بالأول هو الرسول ﷺ وبالثاني القرآن

стр. 1241

﴿يَهْدِى بِهِ الله﴾ توحيد الضمير المجرور لاتحاد المرجِع بالذات أو لكونهما في حكم الواحد أو أريد يهدي بما ذُكر وتقديم الجار والمجرور للاهتمام وإظهارُ الجلالة لإظهار كمال الاعتناء بأمر الهداية ومحل الجملة الرفع على أنها صفةُ ثانية لكتاب أو النصبُ على الحالية منه لتخصصه بالصفة ﴿مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ﴾ أي رضاه بالإيمان به ومن موصوله او

стр. 1242

سورة المائدة اية ١٧ موصوفة ﴿سُبُلَ السلام﴾ أي طرق السلامة من العذاب والنجاة من العقاب أو سبل الله تعالى وهي شريعتُه التي شرعها للناس وقيل هو مفعول ثاني ليهدي والحقُّ أن انتصابه بنزع الخافض على طريقة قوله تعالى واختار موسى قَوْمَهُ وإنما يُعدَّى إلى الثاني بالى او بالام كما في قوله تعالى ان هذا القران يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ ﴿وَيُخْرِجُهُمْ﴾ الضمير لمن والجمع باعتبارِ المَعْنى كَما أنَّ الإفراد في اتبع اعتبار اللفظ مِنَ ﴿الظلمات﴾ أي ظلمات فنون الكفر والظلال ﴿إِلَى النور﴾ إلى الإيمان ﴿بِإِذْنِهِ﴾ بتيسيره أو بإرادته ﴿وَيَهْدِيهِمْ إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ﴾ هو أقرب الطرق إلى الله تعالى وموؤدي إليه لا محالة وهذه الهداية عينُ الهداية إلى سبل السلام وإنما عُطفت عليها تنزيلاً للتغاير الوَصْفيِّ منزلةَ التغايرِ الذاتيِّ كما في قوله تعالى وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ

стр. 1243

﴿لَّقَدْ كَفَرَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله هُوَ المسيح ابن مَرْيَمَ﴾ أي لا غيرُ كما يقال الكرمُ هو التقوى وهم اليعقوبيةُ القائلون بأنه تعالى قد يحِلُّ في بدن إنسان معين أو في روحه وقيل لم يصرِّح به أحدٌ منهم لكن حيث اعتقدوا اتصافَه بصفاتِ الله الخاصة وقد اعترفوا بأن الله تعالى موجود فلزِمهم القول بان المسيح لا غير وقيل لما زعموا أن فيه لا هوتا وقالوا لا إله إلا واحدٌ لزمهم أن يكونَ هو المسيح فنُسب إليهم لازمُ قولِهم توضيحاً لجهلهم وتفضيحاً لمعتَقَدِهم ﴿قُلْ﴾ أي تبكيتاً لهم وإظهاراً لبطلان قولِهمِ الفاسد وإلقاماً لهم الحجَرَ والفاء في قوله تعالى ﴿فَمَن يَمْلِكُ مِنَ الله شيئا﴾ فصيحة ومن اتفهامية الانكار والتوبيخ والملك الضبض والحِفظُ التامُّ عن حزم ومن متعلقةٌ به على حذفِ المضافِ أي إنْ كانَ الأمرُ كَما تزعُمون فمن يمنَعُ من قدرته تعالى وإرادته شيئاً وحقيقتُه فمن يستطيعُ أن يُمسك شيئاً منها ﴿إن أراد أن يهلك المسيح ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِى الأرض جَمِيعاً﴾ ومن حق مَنْ يكون الها ان لا يتعلقَ به ولا بشأنٍ من شؤونه بل بشيءٍ من الموجودات قدرةُ غيرِه بوجهٍ من الوجوه فضلاً عن أن يعجِزَ عن دفع شيءٍ منها عند تعلقِها بهلاكه فلما كان عجزه بينة لا ربي فيه ظهرَ كونُه بمعزل مما تقوَّلوا في حقه والمراد بالاهلاك الايمانة والإعدامُ مطلقاً لا بطريق السُخْط والغضب وإظهارُ المسيح على الوجه الذي نسبوا إليه الألوهية في مقام الإضمارِ لزيادة التقرير والتنصيصِ على أنه من تلك الحيثية بعينها داخلٌ تحت قهره وملوكته تعالى ونفْيِ المالكيةِ المذكورة بالاستفهام الإنكاري عن كل أحدٍ مع تحقق الإلزامِ والتبكيتِ بنفيها عن المسيح فقط بأن يقال فهل يملِك شيئاً مّنَ الله إِنْ أَرَادَ الخ لتحيقيق الحقِّ بنفيِ الألوهية عن كل ما عداه سبحانه وإثباتُ المطلوب في ضمنه بالطريق البرهان فإن انتفاءَ المالكيةِ المستلزِمَ باستحالة الألوهية متى ظهر بالنسبة إلى الكلِّ ظهر بالنسبة إلى المسيح على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه فيظهر استحالةُ الالوهية قطعاً وتعميمُ إرادةِ الإهلاك للكل مع حصول ما ذكر من التحقيق نقصرها عليه بأن يقال فمن يملك من الله شيئا ان

стр. 1244

سورة المائدة اية ١٨ أراد أن يهلك المسيح لتهويل الخطب وإظهارِ كمالِ العجز بيان أن الكلَّ تحت قهره تعالى وملَكوته لا يقدِرُ أحدٌ على دفع ما أريد به فضلاً عن دفه ما اريد بغيره وايذان لان المسيحَ أُسوةٌ لسائر المخلوقات في كونه عُرْضةً للهلاك كما أنه أُسوة لها فيما ذُكر من العجز وعد استحقاقِ الألوهية وتخصيصُ أمِّه بالذكر مع اندراجها في ضمن مَنْ في الأرض بزيادة تأكيدِ عجْز المسيح ولعل نَظْمَها في سِلْك من فَرضَ إرادةَ إهلاكهم مع تحقيق هلاكها قبل ذلك لتأكيد التبكيت وزيادة ترير مضمون الكلام يجعل حالها أُنموذجاً لحال بقيةِ مَنْ فرَضَ إهلاكَه كأنه قيل قل فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح وأمه ومن فى الارض وقد أهلك أمَّه فهل مانَعَه أحد فكذا حال مَنْ عداها من الموجودين وقوله تعالى ﴿وَللَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي ما بين قُطْرَي العالم الجسماني لا بين وجهِ الأرض ومُقعَّرِ فَلك القمر فقط فيتناول ما في السَّمواتِ من الملائكة ﵈ وما في أعماق الأرض والبحار من المخلوقات تنصيصٌ على كون الكلِّ تحت قهره تعالى وملكوته إثرَ الإشارة إلى كون البعض أي من في الأرض كذلك أي له تعالى وحَدهُ ملك جميع الموجودات والتصرُّفُ المطلقُ فيها إيجاداً وإعداماً وإحياءً وإماتة لا لاحد سواه استقلال ولا اشتراكاً فهو تحقيقٌ لاختصاص الألوهية به تعالى إثرَ بيانِ انتفائها عن كلِّ ما سواهُ وقوله تعالى ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاء﴾ جملةٌ مستأنفةٌ مَسوقةٌ لبيان بعض أحكام المُلك والألوهية على وجه يزيح معتراهم من الشبهة في أمر المسيح لولادته من غير أب وخَلْقِ الطير وإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص أي يَخْلُقُ مَا يَشَاء من أنواع الخلق والإيجاد على أن ما نكرة وصوفة محلها النصب على المصدر به لا على المفعولية كأنه قيل يخلق أيَّ خلق يشاء فتارةً يخلق من غير أصل كخلق السموات والأرض وأخرى من أصلٍ كخلق ما بينهما فيُنشىء من أصلٍ ليس من جنسه كخلق آدمَ وكثيرٍ من الحيوانات من أصلٍ يجانسه إما مِنْ ذكرٍ وحده كخلق حواءَ أو أنثى وحدها كخلق عيسى ﵇ أو منهما كخلق سائر الناس ويخلق بلا توسط شيء من المخلوقات كخلق عامة المخلوقات وقد يخلُق بتوسط مخلوق آخرَ كخلق الطير على يد عيسى ﵇ معجزةً له وإحياءِ الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك فيجب أن يُنسَبَ كلُّه إليهِ تعالى لا إلى من أجرى ذلك على يده ﴿والله على كل شىء قدير﴾ اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله وإظهارُ الاسمِ الجليل للتعليل وتقويةِ استقلال الجملة

стр. 1245

﴿وَقَالَتِ اليهود والنصارى نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ حكايةٌ لِما صدر عن الفريقين من الدعوى الباطلة وبيانٌ لبطلانها بعد ذكر ما صدر عن أحدهما وبيانِ بطلانه أي قالت اليهود نحن أشياعُ ابنِه عُزَيْرٍ وقالت النصارى نحن أشياعُ ابه المسيحِ كما قيل لأشياع أبي خُبيب وهو عبدِ اللَّه بن الزبير الخُبيبيّون وكما يقول أقاربُ الملوك عند المفاخرة نحن الملوك وقال ابن

стр. 1246

سورة المائدة اية ١٩ عباس رضي الله تعالى عنهما ان النبيِّ ﷺ دعا جماعة من اليهود إلى دين الإسلام وخوَّفهم بعقاب الله تعالى فقالوا كيف تخوِّفُنا به ونحن أبناء الله وأحباؤه وقيل ان النصارى يتلوون في الإنجيل أَنَّ المسيح قال لهم اني ذاهي إلى أبي وأبيكم وقيل أرادوا أن الله تعالى كالأب لنا في الحُنُوِّ والعطف ونحن كالأبناء له في القُرب والمنزلة وبالجملة أنهم كانوا يدّعون أن لهم فضلا ومزية عند الله تعالى على سائر الخلق فردّ عليهم ذلك وقيل لرسول الله ﷺ ﴿قُلْ﴾ إلزاماً لهم وتبكيتاً ﴿فَلِمَ يُعَذّبُكُم بِذُنُوبِكُم﴾ أي إن صح ما زعمتم فلأيِّ شيءٍ يعذبكم في الدنيا بالقتل والأسر والمسخ وقد عرفتم بأنه تعالى سيعذبكم في الآخرة بالنار أياماً بعدد أيامِ عبادتِكم العجلَ ولو كان الأمر كما زعمتم لما صدر عنكم ما صدر ولما وقع عليكم ما وقع وقولُه تعالى ﴿بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ﴾ عطفٌ على مقدَّرٍ ينسحبُ عليه الكلام أي لستم كذلك بل أنتم بشر ﴿مّمَّنْ خَلَق﴾ أي من جنس مَنْ خَلقه الله تعالى مِنْ غَيْرِ مزيةٍ لكُم عليهم ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء﴾ أنْ يغفر له من أولئك المخلوقين وهم الذين آمنوا به تعالى وبرسله ﴿وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء﴾ أنْ يعذبه منهم وهم الذين كفروا به وبرسله مثلَكم ﴿ولله ملك السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ منْ الموجودات لا ينتمي إليه سبحانه شيء منها إلا بالملوكية والعبودية والمقهورية تحت ملكوته يتصرّف فيهم كيف يشاء إيجاداً وإعداماً وإحياءً وايماتة وايثابة وتعذيباً فأنى لهم ادعاءُ ما زعموا ﴿وَإِلَيْهِ المصير﴾ في الآخرة خاصَّة لا إلى غيرِه استقلال أو اشتراكاً فيجازِي كلاًّ من المحسن والمسيء بما يستدعيه عملُه من غير صارف يَثْنيه ولا عاطفٍ يَلْويه

стр. 1247

﴿يَا أَهْلِ الكتاب﴾ تكريرٌ للخطاب بطريق الالتفات ولطفٌ في الدعوى ﴿قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ﴾ حال من رسولنا وإيثارُه على مبيِّناً لما مر فيما سبق أي يبين لكم الشرائعَ والأحكامَ الدينية المقرونة بالوعد والوعيد من جملتها ما بُيِّن في الآيات السابقة من بطلان أقاويلِكم الشنعاء وما سيأتي من أخبار الأمم السالفة وإنما حُذف تعويلاً على ظهور أن مجيءَ الرسول إنما هو لبيانها أو يفعلُ لكم البيانَ ويبذُله لكم في كل ما تحتاجون فيه إلى البيان من أمور الدين وأما تقديرُ مثل ما سبق في قوله تعالى كَثِيراً مّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكتاب كما قيل فمع كونه تكريراً من غير فائدة يرده قوله ﴿على فترة من الرسل﴾ فان فتور الارسال ونقطاع الوحي انما يحودج إلى بيان الشرائع والأحكام لا إلى بيان ما كتموه وعلى فترة متعلق بجائكم على الظرفية كما في قوله تعالى واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين على مُلْكِ سليمان أي جاءكم على حين فتور الإرسال وانقطاع من الوحي ومزيدِ احتياج إلى بيان الشرائع والأحكام الدينية أو بمحذوف وقع حال من ضمير يبين أو من ضمير لكم أي يبين لكم ما ذُكر حال كونه على فترة من الرسل أو حال كونكم عليها أحوجَ ما كنتم الى البيان ومن الرسل متعلق بمحذوفٍ وقع صفة لفترة أي كائنةٍ من الرسل مبتدا من جهتهم وقوله تعالى ﴿أَن تَقُولُواْ﴾ تعليل لمجيء الرسول بالبيان على حذفِ المضافِ أي كراهةَ أن تقولوا معتذرين عن تفريطكم في مراعات أحكام الدين ﴿مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾

стр. 1248

وقد انطمست آثارُ الشرائع السابقة وانقطعت أخبارُها وزيادة مِنْ في الفاعل للمبالغة فى نفى المجى وتنكير بشير ونذير للتقليل وهذا كما ترى يقتضي أن المقدر أو المنوي فيما سبق هو الشرائع والاحكام لاكيفما كانت بل مشفوعة بما ذكر من الوعد والوعيد وقوله تعالى ﴿فَقَدْ جَاءكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ متعلق بمحذوف ينبى عنه الفاء الفصيحة وتُبيِّنُ أنه مُعلَّل به وتنوينُ بشيرٌ ونذيرٌ للتفخيم أي لاتعتذروا بذالك فقد جاءكم بشير أيُّ بشيرٍ ونذير أيُّ نذير ﴿والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ﴾ فيقدِرُ على الإرسال تترى كما فعله بين مُوسى وعيسى ﵉ حيث كان بينهما ألفٌ وسبعُمائة سنة وألفُ نبيَ وعلى الإرسال بعد الفترة كما فعله بينَ عيسَى ومحمَّدٍ عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ حيثُ كان يبينهما ستُمائة سنةٍ أو خمسُمائةٍ وتسعة وستون سنةً أو خمسُمائةٍ وستة وأربعون سنةً وأربعةُ أنبياءَ على ما روى الكلي ثلاثةٌ من بني إسرائيلَ وواحدٌ من العرب خالد بن سنان العبسي وقيل لم يكن بعد عيسى ﵇ إلا رسولُ الله ﷺ وهُو الأنسبُ بَما في تنوين فترةٍ من التفخيم اللائق بمقام الامتنان عليهم بأن الرسول قد بُعث إليهم عند كمالِ حاجتهم اليه بسبب مضي دهر طويل بعد انقطاعِ الوحي ليهشو إليه ويعُدّوه أعظمَ نعمةٍ من الله تعالَى وفتحَ بابٍ إلى الرحمة وتلزَمُهم الحجةُ فلا يَعتلُّوا غداً بأنه لم يُرسَلْ إليهم من بينهم من غفلتهم

стр. 1249

﴿وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ مَسوقةٌ لبيان ما فعلت بنوا إسرائيلَ بعد أخذِ الميثاق منهم وتفصيلِ كيفيةِ نقضِهم له وتعلّقِه بما قبله من حيث إن ما ذُكر فيه من الأمور التي وصف النبيِّ ﷺ ببيانها ومن حيث اشتمالُه على انتفاء فترة الرسل فيما بينهم واذ نصب على أنه مفعولٌ لفعل مقدرٍ خوطب به النبيُّ ﷺ بطريق تلوين الخطابِ وصرفِه عن أهل الكتاب ليعدِّدَ عليهم ما صدر عن بعضهم من الجنايات أي واذكرهم وقت قولِ موسى لقومه ناصحاً لهم ومستميلاً لهم باضافتهم اليه ﴿يا قوم اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ﴾ وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه من الحوادث مع أنها المقصودةُ بالذات للمبالغة في إيجاب ذكرها لما أن إيجاب ذكر الوقت إيجابٌ لذكر ما وقع فيه بالطريق البرهانيِّ ولأن الوقتَ مشتملٌ على ما وقع فيه تفصيلاً فإذا استُحضِر كان ما وقع فيه حاضرا بتفاصيل كانه مشاهد عيانا وعليكم متعلق بنفس النعمة إذا جُعلت مصدراً وبمحذوف وقع حالاً منها إذا جُعلت اسماً أي اذكروا إنعامه عليكم أو اذكروا نعمة كائنة عليكم وكذا إذ في قوله تعالى ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاء﴾ أي اذكروا إنعامه تعالى عليكم في وقت جَعْله أو اذكروا نعمته تعالى كائنة عليكم في وقت جهله فيما بينكم من أقربائكم أنبياءَ ذوِي عددٍ كثير وأُولي شأنٍ خطير حيث لم يَبْعثْ مِنْ أُمَّةٍ من الأممِ ما بَعَث من بني إسرائيلَ من الأنبياء ﴿وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً﴾ عطفٌ على جعل فيكم داخلٌ في حُكمهِ أيْ جعل فيكم أو منكم ملوكاً كثيرة فإنه قد تكاثر فيهم الملوكُ تكاثرَ الأنبياء وإنما حذف الظرف تعويلاً على ظهور الأمرِ أو جَعْل الكلِّ في مقام الامتنان عليهم ملوكاً لما أن أقاربَ الملوك يقولون

стр. 1250

سورة المائدة اية ٢١ ٢٢ عند المفاخر نحن الملوك وإنما لم يسلُكْ ذلك المسلكَ فيما قبله لما أن منصِبَ النبوةِ مِنْ عِظَم الخطر وعِزَّة المطلب وصعوبة المنال ليس بحيث يليقُ أن يُنْسبَ إليه ولو مجازاً مَنْ ليس ممن اصطفاه الله تعالى له وقيل كانوا مملوكين في أيدي القِبْط فأنقذهم الله تعالى فسمَّى إنقاذهم مُلْكاً وقيل المَلِكُ مَنْ له مسكنٌ واسع فيه ماء جار وقيل من له بيت وخدم وقيل من له مال لا يَحتاج معه إلى تكلف الاعمال وتحمل المشاق ﴿وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين﴾ من فلْق البحر وإغراقِ العدو وتظليلِ الغمامِ وإنزالِ المنِّ والسلوى وغير ذلك مما آتاهُم الله تعالى من الأمور العِظام والمرادُ بالعالمين الأممُ الخالية إلى زمانهم وقيل مِنْ عالَمِي زمانهم

стр. 1251

﴿يا قوم ادْخُلُوا الاْرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ كرر النداء بالاضافة التشريفية اهتمام بشأن الأمر ومبالغةً في حثهم على الامتثال به والأرضُ هي أرضُ بيت المقدس سُمِّيت بذلك لأنها كانت قرارَ الأنبياء ومسكنَ المؤمنين وقيل هي الطورُ وما حوله وقيل دمشقُ وفِلَسطينُ وبعضُ الأردن وقيل هي الشام ﴿الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي كتَبَ في اللوح المحفوظ أنها تكونُ مسكناً لكم إن آمنتم وأطعتم لقوله تعالى له بعض ما عصَوْا فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ وقولِه تعالى ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا على أدباركم فَتَنْقَلِبُوا خاسرين﴾ فإن ترتيبَ الخَيبة والخُسران على الارتداد يدل على اشتراط الكَتْب بالمجاهدة المترتِّبة على الإيمان والطاعة قطعاً أي لا ترجِعوا مُدبرين خوفاً من الجبابرة فالجار والمجرور متعلقٌ بمحذوفٍ هو حال من فاعل ترتدوا ويجوز أن يتعلق بنفس الفعل قيل لما سمعوا أحوالهم من النقباء بكوا وقالوا يا ليتنا مِتْنا بمصر تعالَوْا نجعلُ لنا رأساً ينصرِفْ بنا الى مصر اولا ترتدوا عن دينكم بالعصيان وعدم الوثوق بالله تعالى وقوله فتنقلبوا إما مجزومٌ عطفا على ترتدوا أو منصوبٌ على جواب النهي والخُسران خُسرانُ الدين والدنيا لا سيما دخولُ ما كتب لهم

стр. 1252

﴿قالوا﴾ استئناف مبنى نشىء من مَساق الكلام كأنه قيل فماذا قالوا بمقابلة أمرِه ﵇ ونهيِه فقيل قالوا غيرَ ممتثِلين بذلك ﴿يا موسى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ﴾ متغلبين لا ياتي منازعتهم ولا يتسنى مناصبتهم والجبارُ العاتي الذي يُجبرُ الناس ويقصرهم كائناً مَن كانَ على ما يريده كائناً ما كان فعّال من جبرَه على الأمر أي أجْبَره عليه ﴿وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حتى يَخْرُجُواْ مِنْهَا﴾ من غير صُنْع مِنْ قِبَلِنا فان لا طاقة لنا بإخراجهم مِنْهَا ﴿فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا﴾ بسببٍ من الأسباب التي لا تعلق لنابها ﴿فَإِنَّا داخلون﴾ حينئذ أتَوْا بهذه الشرطية مع كون مضمونها مفهوماً مما سبق من توقيت عدمِ الدخول وخروجهم منها تصريحاً بالمقصود وتنصيصاً على أن امتناعهم من دخولها ليس إلا لمكانهم فيما وأتَوا في الجزاء بالجملة الاسمية المصدرة بحرف التحقيق دلالة على تقرر

стр. 1253

سورة المائدة اية ٢٣ ٢٤ الدخول وثباتِه عند تحقّق الشرط لا محالة وإظهاراً لكمال الرغبة فيه وفي الامتثال بالأمر

стр. 1254

﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾ استئنافٌ كما سبق كأنه قيل هل اتفقوا على ذلك أو خالفهم البعض فقيل قال رجلان ﴿مِنَ الذين يَخَافُونَ﴾ أي يخافون الله تعالى دون العدوِّ ويتّقونه في مخالفة أمرِه ونهيِه وبه قرأ ابنُ مسعود وفيه تعريضٌ بأن مَنْ عداهما لا يخافونه تعالى بل يخافون العدو وقيل من الذين يخافون العدو أي منهم في النسَب لا في الخوف وهما يوشَعُ بنُ نون وكالب بن يوقنا من النقباء وقيل هما رجلان من الجبابرة اسلما وصارا مِن موسى ﵇ فالو او حينئذ لبني إسرائيلَ والموصول عبارة عن الجبابرة وإليهم يعود العائد المحذوف أي من الذين يخافهم بنو اسرائيل ويعضه قرات من قراء يُخافون على صيغة المبني للمفعول أي المَخُوفين وعلى الأول يكون هذا من الاخافة أي من الذين يخوِّفون من الله تعالى بالتذكير أو يخوِّفهم الوعيدُ ﴿أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمَا﴾ أي بالتثبيت وربْطِ الجأش والوقوف على شؤونه تعالى والثقة بوعده أو بالإيمان وهو صفة ثانيةٌ لرجلان أو اعتراض وقيلَ حالٌ من الضميرِ في يخافون أو من رجلان لتخصّصه بالصفة أي قال مخاطِبين لهم ومشجعين ﴿ادخلوا عَلَيْهِمُ الباب﴾ أي بابَ بلدهم وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ عليهِ للاهتمام به لأن المقصودَ إنما هو دخولُ الباب وهم في بلدهم أي باغتوهم وضاغضوهم في المضيق وامنعوهم في البُروز إلى الصحراء لئلا يجدوا للحرب مجالاً ﴿فَإِذَا دخلتموه﴾ أي بلدهم وهم فيه ﴿فَإِنَّكُمْ غالبون﴾ منْ غيرِ حاجةٍ إلى القتال فان قد رأيناهم وشاهدنا أن قلوبَهم ضعيفة وإن كانت أجسادُهم عظيمة فلا تخشَوْهم واهجُموا عليهم في المضايق فإنهم لا يقدرون فيها على الكر والفر وقيل إنما حَكَما بالغَلَبة لما عَلِماها من جهة موسى ﵇ ومن قوله تعالى كَتَبَ الله لَكُمْ أو لِما علِما من سنّته تعالى في نَصْره رسله وما عهِدا من صُنعه تعالى لموسى ﵇ من طهر أعدائه والأول أنسبُ بتعليق الغلَبةِ بالدخول ﴿وَعَلَى الله﴾ تعالى خاصةً ﴿فَتَوَكَّلُواْ﴾ بعد ترتيب الأسباب ولا تعتمدوا عليها فإنها بمعزلٍ من التأثير وإنما التأثير من عند الله العزيز القدير ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ أي مؤمنين به تعالى مصدِّقين لوعده فإنَّ ذلكَ ممَّا يوجبُ التوكل عليه حتماً

стр. 1255

﴿قَالُواْ﴾ استئنافٌ كما سبق أي قالوا غيرَ مبالين بهما وبمقالتهما مخاطِبين لموسى ﵇ إظهاراً لإصرارهم على القول الأول وتصريحاً بمخالفتهم له ﵇ ﴿يا موسى إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَا﴾ أي أرضَ الجبابرة فضلاً عن دخول بابهم وهم في بلدهم ﴿أَبَدًا﴾ أي دهراً طويلاً ﴿مَّا دَامُواْ فِيهَا﴾ أي في أرضهم وهو بدل من أبداً بدلَ البعض أو عطفُ بيان ﴿فاذهب﴾ الفاء فصيحة أي فإذا كان الأمرُ كذلك فاذهب

стр. 1256

سورة المائدة اية ٢٥ ٢٦ ﴿أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا﴾ أي فقاتلاهم إنما قالوا ذلك استهانة واستهزاء بع سبحانه وبرسوله وعدمَ مبالاةٍ بهما وقصدوا ذهابَهما حقيقةً كما يُنْبىء عنْهُ غايةُ جهلهم وقصوة قلوبهم وقيل اراد وارادتهما وقصْدَهما كما تقول كلمتُه فذهب يجيبني كأنهم قالوا فاريد قتالَهم واقْصِداهم وقيل التقدير فاذهبْ أنت وربُك يُعينُك ولا يساعده قوله تعالى فَقَاتِلا ولم يذكروا هارون ولا الرجلين كأنهم لم يجزموا بذهابهم أو لم يعبأوا بقتالهم وقوله تعالى ﴿إنا ها هنا قاعدون﴾ يؤيد الوجه الأول وأرادوا بذلك عدمَ التقدم لا عدمَ التأخر

стр. 1257

﴿قَالَ﴾ ﵇ لما رأى منهم ما رأى من العِناد على طريقة البثِّ والحُزن والشكوى إلى الله تعالى مع رقة القلبِ التي بمثلها تُستجلبُ الرحمةُ وتُسْتَنزَلُ النُّصرة ﴿رَبّ إنى لا أملك إلا نَفْسِى وَأَخِى﴾ عطف على نفسي وقيل على الضَّميرِ في إني على معنى إنى لا أملك إلا نفسي وإن أخي لا يملِكُ إلا نفسَه وقيل على الضَّميرِ في لا أملك للفصل ﴿فافرق بَيْنَنَا﴾ يريد نفسه وأخاه والفاء لترتيب الفرق أو الدعاءِ به على ما قبلَه ﴿وَبَيْنَ القوم الفاسقين﴾ الخارجين عن طاعتك المُصِرّين على عِصيانك بأن تحكُم لنا بما نستحقّه وعليهم بما يستحقونه وقيل بالتعبيد بيننا وبينهم وتخليصِنا من صحبتهم

стр. 1258

﴿قَالَ فَإِنَّهَا﴾ أي الأرض المقدسة والفاءُ لترتيب ما بعدها على ما قبلها من الدعاء ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ تحريمَ منعٍ لا تحريمَ تعبُّد لا يدخُلونها ولا يملِكونها لأن كتابتها لهم كانت مشروطةً بالإيمان والجهاد وحيث نكصوا على أدبارهم حُرموا ذلك وانقلبوا خاسرين وقوله تعالى ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ إن جُعل ظرفاً لمحرمةٌ يكون التحريم موقتا لا مؤبداً فلا يكون مخالفاً لظاهر قولِه تعالى كَتَبَ الله لَكُمْ فالمراد بتحريمها عليهم أنه لا يدخلها أحد منهم في هذه المدة لكن لا بمعنى أن كلَّهم يدخلونها بعدها بل بعضهم ممن بقي حسب ما رُوي أن موسى ﵇ صار بمن بقيَ من بني إسرائيلَ إلى أريحا وكان يوشعُ بنُ نون على مقدمته ففتحها وأقام بها ما شاء الله تعالى ثم قُبض ﵇ وقيل لم يدخلها أحد ممن قال لن ندخُلها أبداً وإنما دخلها معَ مُوسى ﵇ النواشي من ذرياتهم فالموقت بالأربعين في الحقيقة تحريمها على ذرياتهم وإنما جُعل تحريمُها عليهم لما بينهما من العلاقة التامة المتاخمة للاتحاد وقوله تعالى ﴿يَتِيهُونَ فِى الارض﴾ أي يتحيرون في البرية استئناف لبيان كيفية حِرْمانهم أو حالٌ من ضميرِ عليهم وقيل ظرف متعلق بيتهون فيكون التيه موقتا والتحريم مطلقاً قيل كانوا ستمائة ألف مقاتل وكان طول البرية تسعون فرسخاً وقد تاهوا في ستة فراسخَ أو تسعة فراسخَ في ثلاثين فرسخاً وقيل في ستة فراسخَ في اثنى عشرَ فرسخاً روي أنهم كانوا كلَّ يوم يسيرون جادّين حتى إذا أمسَوا إذا هم بحيث ارتحلوا وكان الغمامُ يُظلُّهم من حر الشمس ويطلُع بالليل عمودٌ من نور يضيء لهم ويَنزِلُ عليهم المن والسلوى ولا تطول شعورُهم وإذا ولد لهم مولود كان عليه ثوبٌ كالظُفُر يطول بطوله وهذه الإنعاماتُ عليهم مع أنهم معاقَبون لِما أن عقابهم كان بطريق العرك والتأديب قيل كان موسى وهارون معهم ولكن

стр. 1259

سورة المائدة اية ٢٧ كان ذالك لهما روحاوسلامه كالنار لاءابراهيم وملائكت العذاب ﵈ وروي أن هارون مات في النيه ومات موسى بعده بسنة ودخل يوشعُ أريحا بعد موته بثلاثة اشهرولا يساعده ظاهرُ النَّظمِ الكريمِ فإنَّه تعالى بعد ما قبل دعوته على بني اسراءيل وعذبهم بالتيه بعيدان ينجِّيَ بعضَ المدعوِّ عليهم اوذراريهم ويقدّر وفاتَهما في محل العقوبه ضاهرا وان كان ذالك لهما منزِلَ رَوْحٍ وراحةٍ وقد قيل إنهما لم يكونا معهم في التيه وهو الأنسب بتفسير الفرق با لمباعده ومن قال بأنهما كانا معهم فيه فقد فسر الفَرْقَ بما ذُكر من الحُكْمِ بما يستحقّه كلُّ فريق ﴿فَلَا تَأْسَ﴾ فلا تحزن ﴿عَلَى القوم الفاسقين﴾ روي أنه ﵇ ندم على دعاءه عليهم فقيل لاتندم ولاتحزن فانهم احقاء بذالك لفسقهم

стр. 1260

﴿واتل عَلَيْهِمْ﴾ عطفٌ على مقدّر تعلق به قولُه تعالى وَإِذَا قَالَ موسى الخ وتعلُقه به من حيث إنه تمهيدٌ لما سيأتي من جنايات بنى اسراءيل بعد ماكتب عليهم ما كُتب وجاءتهم الرسلُ بما جاءت به من البينات ﴿نَبَأَ ابْنَي آدَم﴾ هما قابيلُ وهابيلُ ونُقل عن الحسن والضحاك أنهما رجلان من بني اسراءيل بقرينه اخر القسه وليس كذلك أوحى الله إلى آدمَ أن يزوج كلاًّ منهما توأمةَ الآخر وكانت توأمةُ قابيلَ أجملَ واسمها اقليما فحسد عليها أخاه وسخِط وزعم ان ذالك ليس من عند الله تعالى بل من جهة آدمَ ﵇ فقال لهما ﵇ قرِّبا قُرباناً فمِنْ أيِّكما قُبل تزوّجها ففعلا فنزلت نارٌ على قُربانِ هابيلَ فأكلتْه ولم تتعرَّضْ لقُربانِ قابيلَ فازداد قابيل حسَداً وسُخْطاً وفعل ما فعل ﴿بالحق﴾ متعلقٌ بمحذوفٍ وقع صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ أي تلاوه ملتبسه با لحق والصِّحة أو حالاً من فاعلِ اتْلُ أو من مفعولِه أي ملتبساً أنت او نبأَهما بالحق والصدقِ حسبما تقرّر في كتب الأولين ﴿إِذْ قَرَّبَا قربانا﴾ منصوب بالنبأ ظرفٌ له أي اتلُ قصتهما ونبأهما في ذالك الوقت وقيل بدلٌ منه على حذفِ المضافِ أي اتلُ عليهم نبأهما نبأَ ذلك الوقت ورُد عليه بان اذ لايضاف اليهما غير الزمان كوقتذ وحينذ والقُربان اسمٌ لما يُتقرَّب بهِ إلى الله تعالى من نسُكٍ أو صَدَقةٍ كا لحلوان اسمٌ لما يُحْلى أي يعطى وتوحيدُه لما أنه في الأصل مصدرٌ وقيل تقديره إذ قرّب كلٌّ منهما قرباناً ﴿فَتُقُبّلَ مِن أَحَدِهِمَا﴾ هو هابيلُ قيل كان هو صاحبَ ضَرْعٍ وقرب جَملاً سميناً فنزلت نارٌ فأكلتْه ﴿وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الاخر﴾ هو قابيل قيل كان هو صاحبَ زرع وقرّب أردأَ ما عنده من القمح فلم تتعرضْ له النارُ أصلاً ﴿قال﴾ استناف مبني على سوال نشأ من سوق الكلام كأنَّه قيلَ فماذَا قالَ من لم يُتقبَّلْ قُربانه فقيل قال لأخيه لِتضاعُفِ سَخَطِه وحسَدِه لما ظهر فضلُه عليه عند الله ﴿لَاقْتُلَنَّكَ﴾ أي والله لأقتلنَّك بالنون المشددة وقرىء بالمخففة ﴿قال﴾ استناف كما قبله أي قال الذي تُقُبِّل قُربانُه لمّا رأى أن حسَدَه لقَبول قربانه وعدم قبول قربانه نفسِه ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله﴾ أي القربانَ ﴿مِنَ المتقين﴾ لامن غيرهم وإنما تقبَّلَ قُرباني وردّ قُربانَك لما فينا من التقوى وعدمِه أي إنما أُتيتَ من قِبَل نفسك لا من

стр. 1261

سوره المائدة ايه ٢٨ سوره الماءده ايه ٢٩ قِبَلي فلم تقتلني خلا أنه لم يصرِّحْ بذلك بل سلك مسلكَ التعريضِ حذراً من تهييج غضبه وحملاً له على التقوى والإقلاعِ عما نواه ولذلك أُسند الفعلُ إلى الإسم الجليل لتربية المهابة ثم صرح بتقواه على وجهٍ يستدعي سكونَ غيظِه لو كان له عقلٌ وازعٌ حيث قال بطريق التوكيد

стр. 1262

﴿لَئِن بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لاِقْتُلَكَ﴾ حيث صدر الشرطيه باللام المؤ طه للقسم وقدم الجارَّ والمجرورَ على المفعول الصريح إيذانا من أول الأمر برجوعِ ضرر البسط وغاءلته إليه ولم يُجْعلْ جوابُ القسمِ السادُّ مسدَّ جوابِ الشرط جملةً فعليةً موافقة لما في الشرط بل اسميه مصدرت بما الحجازية المفيدةِ لتأكيدِ النفي بما في خبرها من الباء للمبالغة في إظهار براءتِه عن بسْطِ اليد ببيانِ استمراره على نفي البسط كما في قوله تعالى وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ وقوله وَمَا هُم بخارجين منها فاءن الجملةَ الاسميةَ الإيجابية كما تدل بمعونة المقام على دوامَ الثبوت كذلك السلبيةُ تدل بمعونته على دوام الانتفاءِ لا على انتفاء الدوام وذلك با عتبار الدوام والاستمرار بعد اعتبارِ النفى لاقبله حتى يردَ النفيُ على المقيّدِ بالدوام فيرفعَ قيدَه اى والله لءن باشرتَ قتلي حسبما أوعدتني به وتحقق ذلك منك ما أنا بفاعلٍ مثلَه لك في وقتٍ من الأوقاتِ ثم علل ذالك بقوله ﴿إِنّى أَخَافُ الله رَبَّ العالمين﴾ وفيه من إرشادِ قابيلَ إلى خشية الله تعالى على أبلغِ وجهٍ وآكدِه مالا يخفى كأنه قال إني أخافه تعالى إن بسطتُ يدِيَ إليك لأقتلك أن يعاقبَني وإن كان ذلك مني لدفع عداوتِك عني فما ظنُّك بحالك وأنت البادى العادي وفي وصفه تعالى بربوبية العالمين تأكيدٌ للخوف قيل كان هابيل اقوا منه ولكن تحرَّج عن قتله واستسلم خوفاً من الله تعالى لأن القتلَ للدفع لم يكن مباحا حينذ وقيل تحرِّياً لما هو الأفضلُ حسبما قال ﵇ كن عبدَ الله المقتول ولا تكنْ عبدَ الله القاتل ويا باه التعليلُ بخوفه تعالى إلا أن يدعى أن تركَ الأَوْلى عنده بمنزلة المعصية في استتباع الغائلة مبالغةً في التنزه وقوله تعالى

стр. 1263

﴿إِنّى أُرِيدُ أَن تَبُوء بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ﴾ تعليل آخرُ لامتناعه عن المعارضة على أنه غرَضٌ متأخِّرٌ عنه كما أن الأولَ باعثٌ متقدِّمٌ عليه وإنما لم يُعطفْ عليه تنبيهاً على كفاية كل منها في العِلّية والمعنى إني أريد باستسلامي لك وامتناعي عن التعرّض لك أن ترجِعَ بإثمي أي بمثل إثمي لو بسطتُ يدي اليك وباثمك ببسط يدِك إِلى كَما في قولِه ﵇ المُسْتَبَّانِ مَا قَالَا فَعَلَى البادى مَا لَمْ يَعْتَدِ المَظْلُوم اى على البادى عينُ إثمِ سبِّه ومثلُ سبِّ صاحبه بحكم كونه سَبَباً له وقيل معنى بإثمي إثمِ قتلي ومعنى باثمك الذي لأجله لم يُتقبَّلْ قربانك وكلا هما نُصب على الحالية أي ترجع ملتبساً بالإثمين حاملاً لهما ولعل مرادَه بالذات إنما هو عدمُ ملابستِه للاثم لاملابسة أخيه له وقيل المراد بالإثم عقوبتُه ولا ريب في جواز إرادة عقوبةِ العاصي ممن عَلِم أنه لا يرعوي عن المعصية أصلاً ويأباه قولُه تعالى ﴿فَتَكُونَ مِنْ أصحاب النار﴾ فإن كونَه منهم إنما يترتّب على رجوعه بالإثمين لا على ابتلائِه بعقوبتهما وحملُ العقوبة على نوعٍ اخر يترتب عليها

стр. 1264

سورة المائدة ايه ٣٠ سورة الماءده ايه ٣١ العقوبةُ النارية يردّه قوله تعالى ﴿وَذَلِكَ جَزَاء الظالمين﴾ فإنه صريحٌ في أن كونه من أصحاب النار تمامُ العقوبة وكمالُها والجُملة تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبلَها ولقد سلك في صَرْفه عما نواه من الشر كلَّ مسلك من العظة والتذكير بالترغيب تارةً والترهيب أخرى فما أورثه ذلك إلا الإصرارَ على الغيِّ والانهماك في الفساد

стр. 1265

﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ أي وسَّعَتْه وسهّلته من طاعَ له المرتَعُ إذا اتسع وترتيبُ التطويع عَلى ما حُكي من مقالات هابيلَ مع تحققه قبلها أيضاً كما يُفصح عنهُ قولُه لَاقْتُلَنَّكَ لِما أن بقاءَ الفعل بعد تقرّر ما يُزيله من الدواعي القوية وإن كان استمرار عليه بحسَب الظاهر لكنه في الحيقيقة أمرٌ حادث وصُنع جديد كما في قولك وعظتُه فلم يتَّعظ أو لأن هذه المرتبةَ من التطويع لم تكن حاصلةً قبلَ ذلك بناءً على تردُّده في قُدرته على القتل لما أنه كان أقوى منه وإنما حصلت بعد وقوفه على استسلام هابيلَ وعدم معارضتِه له والتصريحُ بأُخوَّته لكمال تقبيحِ ما سوَّلته نفسُه وقرىء فطاوعت على أنه فاعَلَ بمعنى فعل أو على أن قتل اخيه كلانه دعا نفسه إلى الإقدام عليه فطاوعته ولم تمتنع وله لزيادة الربطِ كقولك حفظتُ لزيد مالَه ﴿فَقَتَلَهُ﴾ قيل لم يدر قابيلُ كيف يقتل هابيلَ فتمثل إبليسُ وأخذ طائراً ووضع رأسه على حجر ثم شدَخها بحجر آخرَ فتعلّم منه فرضخَ رأسَ هابيلَ بين حجرين وهو مستسلم لا يستعصي عليه وقيل اغتالَه وهو نائم وكان لهابيلَ يوم قُتل عشرون سنة واختلف في موضِع قتلِه فقيل عند عقبةِ حِراء وقيل بالبصرة في موضع المسجدِ الأعظم وقيل في جبل بود ولما قتله تركه بالعَراء لا يدري ما يصنع به فخاف عليه السباع فحمله في جِراب على ظهره أربعين يوماً وقيل سنة حتى أروح وعكفت عليه الطيور والسباع تنظر متى يرمي به فتأكلَه ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الخاسرين﴾ ديناً ودنيا
следующие страницы →