Полный текст (8 642 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ﴾ أي بما أنزل الله تعالى وشهِد به أو بكلِّ ما يجبُ الإيمانُ به وهو داخلٌ فيه دخولاً أولياً والمرادُ بهم اليهودُ حيث كفروا به
﴿وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله﴾ وهو دينُ الإسلام مَنْ أراد سلوكَه بقولهم ما نعرِف صفةَ محمدٍ في كتابنا وقرئ صُدُّوا مبنياً للمفعول
﴿قَدْ ضَلُّواْ﴾ بما فعلُوا منَ الكفرِ والصدِّ عن طريق الحق
﴿ضلالا بَعِيداً﴾ لأنهم جمعوا بين الضلال والإضلالِ ولأن المُضِل يكون أعرقَ في الضلال وأبعدَ من الإقلاع عنه
стр. 1192
﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ﴾ أي بما ذكر آنفاً
﴿وَظَلَمُواْ﴾ أي محمدا ﷺ بإنكار نبوّتِه وكتمانِ نعوتِه الجليلةِ ووضعِ غيرِها مكانَها أو الناسَ بصدهم عما فيه صلاحُهم في المعاش والمعاد
﴿لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ لاستحالة تعلّقِ المغفرةِ بالكافر
﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طريقا﴾
стр. 1193
١٦٩ - ١٧٠ النساء
стр. 1194
﴿إِلَاّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ لعدم استعدادِهم للهداية إلى الحق والأعمالِ الصالحةِ التي هي طريقُ الجنةِ والمرادُ بالهداية المفهومةِ من الاستثناء بطريق الإشارةِ خلقُه تعالى لأعمالهم السيئة المؤديةِ بهم إلى جهنم عند صرف قددرتهم واختيارِهم إلى اكتسابها أو سوقُهم إليها يوم القيامة بواسطة الملائكةِ والطريقُ على عمومه والاستثناءُ متصل وقيل خاصٌّ بطريق الحقِّ والاستثناءُ منقطع
﴿خالدين فِيهَا﴾ حالٌ مقدرةٌ من الضمير المنصوب والعاملُ فيها ما دل عليه الاستثناءُ دلالةً واضحةً كأنه قيل يُدخلهم جهنمَ خالدين فيها الخ وقوله تعالى
﴿أَبَدًا﴾ نصبٌ على الظرفية رافعٌ لاحتمال حملِ الخلودِ على المكث الطويل
﴿وَكَانَ ذلك﴾ أي جعلهم خالدين في جهنم
﴿عَلَى الله يَسِيراً﴾ لاستحالة أن يتعذّر عليه شيءٌ من مراداته تعالى
стр. 1195
﴿يا أيها الناس﴾ بعد ما حكَى لرسول الله ﷺ تعللَ اليهودِ بالأباطيل واقتراحَهم الباطلَ تعنتاً وردّ عليهم ذلك بتحقيق نبوتِه ﵊ وتقريرِ رسالتِه ببيان أن شأنِه ﵊ في أمر الوحي والإرسالِ كشئون من يعترفون بنبوته من مشاهيرِ الأنبياءِ ﵈ وأكد ذلك بشهادته سبحانه وشهادة الملائكة أمر المكلفون كافةً على طريق تلوينِ الخطابِ بالإيمان بذلك أمراً مشفوعاً بالوعد بالإجابة والوعيدِ على الرد تنبيهاً على أن الحجةَ قد لزِمَت ولم يبقَ بعد ذلك لأحد عذرٌ في عدم القبول وقوله
﴿قَدْ جَاءكُمُ الرسول بالحق مِن رَّبّكُمْ﴾ تكريرٌ للشهادة وتقريرٌ لحقية المشهودِ به وتمهيدٌ لما يعقُبه من الأمر بالإيمان وإيرادُه ﵊ بعنوان الرسالةِ لتأكيد وجوبِ طاعتِه والمرادُ بالحق هو القرآنُ الكريمُ والباء متعلقةٌ بجاءكم فهي للتعدية أو بمحذوفٍ وقعَ حالاً من الرسول أي ملتبساً بالحق ومِنْ أيضاً متعلقةٌ إما بالعقل وإمَّا بمحذوفٍ هو حالٌ من الحق أي جاءكم به من عنده تعالى أو جاءكم بالحق ومِنْ أيضاً متعلقةٌ إما بالفعل وإمَّا بمحذوفٍ هو حالٌ من الحق أي جاءكم به من عنده تعالى أو جاءكم بالحق كائناً من عندِه تعالَى والتعّرضُ لعنوان الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضمير المخاطَبين للإيذان بأن ذلك لتربيتهم وتبليغِهم إلى كمالهم اللائقِ بهم ترغيباً لهم في الامتثال بما بعده من الأمر والفاء في قوله
﴿فَآمِنُواْ﴾ للدِلالة على إيجاب ما قبلَها لما بعدَها أي فآمنوا به وبما ءجاء به من الحق وقولُه تعالى
﴿خَيْراً لَّكُمْ﴾ منصوبٌ على أنَّه مفعولٌ لفعل واجبِ الإضمار كما هو رأيُ الخليل وسيبويهِ أي اقصِدوا أو ائتوا أمراً خيراً لكم مما أنتم فيه من الكفر أو على أنه نعتٌ لمصدر محذوف كما هو في رأي الفراء أي آمنوا إيماناً خيراً لكم أو على أنَّه خبرُ كان المضمرةِ الواقعةِ جواباً للأمر لاجزاء للشرط الصناعيّ وهو رأيُ الكسائي وأبي عبيدةَ أي يكنِ الإيمانُ خيراً لكم
﴿وَإِن تَكْفُرُواْ﴾ أي أن تُصِرُّوا وتستمروا على الكفر به
﴿فَإِنَّ للَّهِ مَا فِى السماوات والارض﴾ من الموجودات سواء كانت داخلةً في حقيقتهما وبذلك يُعلم حالُ أنفسِهما على أبلغِ وجهٍ وآكدِه أو خارجة عنهما متسقرة فيهما من العُقلاء وغيرِهم فيدخلُ في جملتهم المخاطَبون دخولاً أولياً أي كلُّها له عز وجل
стр. 1196
١٧١ - النساء خلقا وملكا وتصرفا لا يخرُج من ملكوته وقهرِه شيءٌ منها فمَنْ هذا شأنُه فهو قادرٌ على تعذيبكم بكفركم لا محالة أو فمن كان كذلك فهو غنيٌّ عنكم وعن غيركم لا يتضرّر بكفركم ولا ينتفع بإيمانكم وقيل فمَنْ كان كذلك فله عبيدٌ يعبُدونه وينقادون لأمره
﴿وَكَانَ الله عَلِيماً﴾ مُبالغاً في العلم فهو أعلم بأحوال الكلِّ فيدخُل في ذلك علمُه تعالى بكفرهم دخولاً أولياً
﴿حَكِيماً﴾ مراعياً للحِكمة في جميع أفعالِه التي من جملتها تعذيبُه تعالى إياهم بكفرهم
стр. 1197
﴿ياْ أَهْلِ الكتاب﴾ تجريدٌ للخطاب وتخصيصٌ له بالنصارى زجراً لهم عمَّا هُم عليهِ من الكفر والضلال
﴿لا تغلوا فى دينكم﴾ بالإفراط في رفع شأنِ عيسى ﵇ وادعاءِ ألوهيتِه وأما غلوُّ اليهودِ في حط رتبتِه ﵇ ورميِهم له بأنه وُلد لغير رَشْدةٍ فقد نعى عليهم ذلك فيما سبق
﴿وَلَا تَقُولُواْ عَلَى الله إِلَاّ الحق﴾ أي لا تصِفوه بما يستحيل اتصافُه به من الحلول والاتحادِ واتخاذِ الصاحبةِ والولدِ بل نزّهوه عن جميع ذلك
﴿إِنَّمَا المسيح﴾ قد مر تفسير في سورة آل عمران وقرئ بكسر الميم وتشديد السين كالسِّكّيت على صيغة المبالغة وهو مبتدأُ وقولُه تعالى
﴿عِيسَى﴾ بدلٌ منه أو عطفُ بيانٍ له وقولُه تعالى
﴿رَسُولِ الله﴾ خبرٌ للمبتدأ والجملةُ مستأنفةٌ مسوقةٌ لتعليل النهي عن القول الباطلِ المستلزِم للأمر بضده أعني الحقَّ أي إنه مقصورٌ على رتبة الرسالةِ لا يتخطاها
﴿وَكَلِمَتُهُ﴾ عطف على رسولُ الله أي مُكوَّن بكلمته وأمرِه الذي هو كنْ من غير واسطةِ أبٍ ولا نطفة
﴿ألقاها إلى مَرْيَمَ﴾ أي أوصلها إليها وحصلها فيها بنفخ جبريلَ ﵇ وقيل أعلمها إياها وأخبرَها بها بطريق البِشارةِ وذلك قولُه تعالى إِنَّ الله يُبَشّرُكِ بِكَلِمَةٍ مّنْهُ اسمه المسيح عيس بن مَرْيَمَ وقيل الجملةُ حالٌ من ضميره ﵇ المستكنِّ فيما دل عليه وكلمتُه من معنى المشتق الذي هو العاملُ فيها وقد مقدَّرة معها
﴿وَرُوحٌ مّنْهُ﴾ قيل هو الذي نفخ جبريلُ ﵇ في دِرْع مريم فحملت بإذن الله تعالى سُمِّي النفخُ روحاً لأنه ريحٌ تخرج من الروح ومِنْ لابتداء الغايةِ مجازاً لا تبعيضية كما زعمت النصارى يُحكى أن طبيباً حاذقاً نصرانياً للرشيد ناظر عليَّ بن حسين الواقدي المروزي ذاتَ يوم فقال له إن في كتابكم ما يدلُّ على إنَّ عيسَى ﵇ جزءٌ منه تعالى وتلا هذه الآية فقرأ الواقديُّ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السموات وَمَا فى الأرض جَمِيعاً مّنْهُ فقال إذن يلزم أن يكونَ جميعُ تلك الأشياء جزءا من الله تعالى علواً كبيراً فانقطع النصرانيُّ فأسلم وفرِح الرشيدُ فرحاً شديداً ووصل الواقديَّ بصلة فاخرة وهي متعلقةٌ بمحذوف وقع صفة لروح أي كائنةٌ من جهته تعالى جعلت منه تعالى وإن كانت بنفخ جبريلَ ﵇ لكون النفخِ بأمره سبحانه وقيل سُمِّي روحاً لإحيائه الأمواتَ وقيل لإحيائه القلوبَ كما سمي به القرآن
стр. 1198
١٧٢ - النساء لذلك في قوله تعالى وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا وقيل أريد بالروح الذي أُوحيَ إلى مريمَ بالبشارة وقيل جرت العادةُ بأنهم إذا أرادوا وف شيءٍ بغاية الطهارة والنظافة ق الوا إنه روحٌ فلما كان عيسى ﵇ متكوِّناً من النفخ لا من النطفة وُصِف بالروح وتقديمُ كونِه ﵇ رسولَ الله في الذكر مع تأخّره عن كونه كلمتَه تعالى وروحاً منه في الوجود لتحقيق الحقِّ من أول الأمرِ بما هو نصٌّ فيه غيرُ محتملٍ للتأويل وتعيينُ مآلِ ما يحتمله وسدِّ بابِ التأويلِ الزائغ
﴿فآمِنُوا باللهِ﴾ وخُصّوه بالألوهية
﴿وَرُسُلِهِ﴾ أجمعين وصِفوهم بالرسالة ولا تُخرجوا بعضَهم عن سلكهم بوصفه بالألوهية
﴿وَلَا تَقُولُواْ ثلاثة﴾ أي الألهةُ ثلاثةٌ الله والمسيحُ ومريم كما ينبئ عنه قوله تعالى أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى وَأُمّىَ إلهين مِن دُونِ الله ثلاثةٌ إن صح أنهم يقولون الله جوهر واحدٌ ثلاثةُ أقانيمَ أقنومُ الأب وأقنوم الابن وأقنوم الروح القدس وأنهم يريدون بالأول الذات وقيل الوجود وبالثاني العلمَ وبالثالث الحياةَ
﴿انتهوا﴾ أي عن التثليث
﴿خَيْراً لَّكُمْ﴾ قد مر وجوهُ انتصابِه
﴿إِنَّمَا الله إله واحد﴾ أي بالذات مُنزَّه عن التعدد بوجهٍ من الوجوه فالله مبتدأوإله خبرُه وواحدٌ نعتٌ أي منفردٌ في ألوهيته
﴿سبحانه أن يكون له ولد﴾ أي أسبّحه تسبيحاً من ذلك فإنه إنما يُتصوَّر فيمن يماثله شيءٌ ويتطرق إليه فناء والله سبحانه منزه عن أمثاله وقرئ إنْ يكونُ أي سبحانه ما يكون له ولد وقوله تعالى
﴿لَّهُ مَا في السماوات وَمَا فِي الارض﴾ جملةٌ مستأنفةٌ مسوقةٌ لتعليل التنزيهِ وتقريرِه أي له مَا فِيهمَا مِنَ الموجوداتِ خلقاً وملكا وتصرفا لا يخرج عن ملكوته شيءٌ من الأشياء التي من جملتها عيسى ﵇ فكيف يُتوَّهم كونُه ولداً له تعالى
﴿وكفى بالله وَكِيلاً﴾ إليه يكل كل الخلق مورهم وهو غني عن العالمين فأنى يُتصوَّر في حقه اتخاذُ الولدِ الذي هو شأن المعجزة المحتاجين في تدبير أمورِهم إلى من يَخلُفهم ويقوم مقامهم
стр. 1199
﴿لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح﴾ استئنافٌ مقررٌ لما سبقَ من التنزيه والاستنكافُ الأنَفةُ والترفعُ من نكفتَ الدمعَ إذا نجيته عن وجهك بالأصبع أي لن يأنف ولن يترفع
﴿أن يكون عبدا لله﴾ أي أن يكون عبداً له تعالى مستمراً على عبادته وطاعتِه حسبما هو وظيفةُ العبودية كيف وإن ذلك أقصى مراتبِ الشرفِ والاقتصارُ على ذكر عدمِ استنكافِه ﵇ عنه مع أن شأنه ﵇ المباهاةُ به كما يدل عليه أحوالُه ويُفصِحُ عنه أقواله أو لا يُرى أن أولَ مقالةٍ قالها للناس قوله إِنّى عَبْدُ الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا لوقوعه في موقع الجوابِ عما قاله الكفرة روي إن وفد نجران قالوا لرسول الله ﷺ لِمَ تَعيبُ صاحبَنا قال ومن صاحبُكم قالوا عيسى قال وأيُّ شيء أقول قالوا تقول إنه عبدٌ الله قال إنه ليس بعار أن يكون عبداً لله قالوا بلى فنزلت وهو السرُّ في جعل المستنكَفِ عنه كونَه ﵇ عبداً له تعالى دون أن يقال عن عبادة الله ونحوُ ذلك مع إفادة فائدةٍ جليلةٍ هي كمالُ نزاهتِه ﵇ عن الاستنكافِ بالكلية فإن كونَه عبداً له تعالى مستمرة لدوام العبادةِ قطعاً فعدمُ الاستنكافِ عنه مستلزِمٌ لعدم الاستنكافِ
стр. 1200
عن عبادته تعالى كما أشير إليه بخلاف عبادتِه تعالى فإنها حالةٌ متجدِّدة غيرُ مستلزِمةٍ للدوام يكفي في اتصاف موصوفها بها تحققها مرةً فعدمُ الاستنكافِ عنها لا يستلزم عن دوامها
﴿ولا الملائكة المقربون﴾ عطفٌ على المسيح أي ولا يستنكف الملائكةُ المقربون أن يكونوا عبيداً لله تعالى وقيل أن أريد بالملائكة كلُّ واحد منهم لم يُحتَجْ إلى التقدير واحتَجّ بالآية من زعم فضلَ الملائكةِ على الأنبياءِ ﵈ وقال مسافة لرد النصارى في رفع المسيحِ عن مقام العبوديةِ وذلك يقتضي أن يكون المعطوفُ أعلى درجةً من المعطوف عليه حتى يكون عدمُ استنكافِهم مستلزماً لعدم استنكافِه ﵇ وأجيب بأن مناطَ كفرِ النصارى ورفعِهم له ﵇ عن رتبة العبوديةِ لمّا كان اختصاصُه ﵇ وامتيازُه عن سائر أفرادِ البشرِ بالولادة من غير أب وبالعلم من المغيبات وبالرفع إلى السماء عُطف على عدم استنكافِه عن عبوديته تعالى عدمُ استنكافِ مَنْ هو أعلى درجةً منه فيما ذكر فإن الملائكةَ مخلوقون من غير أبٍ ولا أمَ وعالمون بما لا يعلمه البشرُ من المغيبات ومَقارُّهم السمواتُ العلا ولا نزاعَ لأحد في علو درجتِهم من هذه الحيثيةِ وإنما النزاعُ في علوّها من حيث كثرةُ الثوابِ على الطاعات وبأن اآية ليست للرد على النصارى فقط بل على عبَدة الملائكةِ أيضاً فلا اتجاه لما قالوا حينئذ وإنْ سَلِم اختصاصُها بالرد على النصارى فلعله أُريد بالعطف المبالغةُ باعتبار التكثيرِ والتفصيلِ لا باعتبار التكبيرِ والتفضيلِ كما في قولك أصبح الأميرُ لا يخالفه رئيسٌ ولا مرءوس ولئن سُلّم إرادةُ التفضيلِ فغايةُ الأمرِ الدلالةُ على أفضلية المقربين منهم وهم الكروبيون الذين حول العرشِ أو من هو أعلى منهم رتبةً من الملائكةِ ﵈ على المسيح من الأنبياءِ ﵈ وليس يلزم من ذلك فضل أحدِ الجنسين على الآخر مطلقاً وهل التشاجرُ إلا فيه
﴿وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ أي عن طاعته فيشمل جميعَ الكفرةِ لعدم طاعتهم الثبوت للكفرة فإن عدم طاعتِهم له تعالى ممَّا لا سبيلَ لهم إن إنكار اتصافهم به إن قيل لم عبّر عن عدم طاعتِهم له تعالى بالاستنكاف عنها مع أن ذلك منهم كان بطريق إنكارِ كونِ الأمرِ منْ جهتِه تعالَى لا بطريق الاستنكافِ قلنا لأنهم كانوا يستنكفون عن طاعة رسول الله ﷺ وهل هو الإستنكاف عن طاعةِ الله تعالَى إذ لا أمرَ له ﵊ سوى أمرِه تعالى مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله
﴿وَيَسْتَكْبِرْ﴾ الاستكبارُ الأنَفةُ عما لا ينبغي أن يُؤنَفَ عنه وأصلُه طلبُ الكِبْر لنفسه بغير استحقاقٍ له لا بمعنى طلب تحصيلِه مع اعتقاد عدمِ حصولِه فيه بل بمعنى عدِّ نفسِه كبيراً واعتقادِه كذلك وإنما عبَّر عنه بما يدلُّ على الطلب للإيذان بأن مآلَه محضُ الطلبِ بدون حصولِ المطلوب وقد عبر عن مثل ذلك بنفس الطلبِ في قولِه تعالَى يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا فإنهم ما كانوا يطلبون ثبوتَ العِوِجِ لسبيل الله مع اعتقادهم لاستقامتها بل كانوا يعدّونها ويعتقدونها مُعْوجّةً ويحكمون بذلك ولكن عبّر عن ذلك بالطلب لِما ذكر من الإشعار بأن ليس هناك شيءٌ سوى الطلبِ والاستكبارِ دون الاستنكافِ المنبئ عن توهم لحقوق العارِ والنقصِ من المستنكَفِ عنه
﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً﴾ أي المستنكِفين ومقابليهم المدلولَ عليه بذكر عدمُ استنكافِ المسيحِ والملائكةِ ﵈ وقد تُرك ذكرُ أحدِ الفريقين في المفصل تعويلاً على إنباء التفصيل عنه وثقة
стр. 1201
١٧٣ - ١٧٤ النساء بظهور اقتضاءِ حشرِ أحدِهما لحشر الآخرِ ضرورةَ عمومِ الحشرِ للخلائق كافةً كما تُرك ذكرُ أحدِ الفريقين في التفصيل عند قوله تعالى فَأَمَّا الذين آمنوا بالله الآية مع عموم الخطابِ لهما اعتماداً على ظهور اقتضاءِ إثابةِ أحدِهما لعقاب الآخر ضرورةَ شمولِ الجزاءِ للكل وقيل الضميرُ للمستنكفين وهناك مقدر اقتضاءِ إثابةِ أحدِهما لعقاب الآخر ضرورةَ شمولِ الجزاءِ للكل وقيل الضميرُ للمستنكِفين وهناك مقدَّرٌ معطوفٌ عليه والتقدير فسيحشرهم وغيرهم وقيل المعنى فسيحشرهم إليه يوم يحشرُ العبادَ لمجازاتهم وفيه أن الأنسبَ بالتفصيلِ الآتي اعتبارُ حشرِ الكلِّ في الإجمال على نهج واحد وقرئ فسيحشرهم بنونِ العظمةِ بطريقِ الالتفاتِ
стр. 1202
﴿فأما الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ بيانٌ لحال الفريق المطوي ذكرُه في الإجمال قُدّم على بيان حالِ ما يقابله إبانةً لفضله ومسارعةً إلى بيان كونه حشرِه أيضاً معتبراً في الإجمال وإيرادُه بعنوان الإيمانِ والعملِ الصالحِ لا بوصف عدمِ الاستنكافِ المناسبِ لما قبله وما بعده للتنبيه على أنه المستتبِعُ لما يعقبه من الثمرات
﴿فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ من غير أن ينقُص منها شيئاً أصلاً
﴿وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ﴾ بتضعيفها أضعافا مضاعفة وبإعطاء ما لا عينٌ رأتْ ولا أذنٌ سمعتْ ولا خطَر على قلب بشر
٦ - ﴿وَأَمَّا الذين استنكفوا﴾ أي عن عبادته
﴿واستكبروا فَيُعَذّبُهُمْ﴾ بسبب استنكافِهم واستكبارِهم
﴿عَذَاباً أَلِيماً﴾ لا يُحيط به الوصفُ
﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مّن دُونِ الله وليا﴾ بلى أمورَهم ويدبّر مصالحَهم
﴿وَلَا نصيرا﴾ بنصرهم من بأسه تعالى وينجِّيهم من عذابه
стр. 1203
﴿يَا أَيُّهَا الناس﴾ تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى كافة المكلفين إثرَ بيانِ بطلانِ ما عليه الكفرةُ من فنون والضلالِ وإلزامِهم بالبراهين القاطعةِ التي تخِرُّ لها صُمُّ الجبالِ وإزاحةِ شُبَهِهم الواهيةِ بالبينات الواضحةِ وتنبيهٌ لهم على أن الحجةَ قد تمت فلم يبقَ بعد ذلك علةٌ لمتعلِّلٍ ولا عُذرٌ لمعتذر
﴿قَدْ جَاءكُمُ﴾ أي وصل إليكم وتقرَّرَ في قلوبكم بحيث لا سبيلَ لكم إلى الإنكار
﴿بُرْهَانَ﴾ البرهانُ ما يُبرهَنُ به على المطلوب والمرادُ به القرآنُ الدالُّ على صحة نبوة النبيِّ ﷺ المُثبِتُ لِما فيهِ من الأحكامِ التي من جُملتها ما أشير إليه مما أثبتته الآياتُ الكريمةُ من حقية الحقِّ وبُطلانِ الباطل ورُوي عن ابن عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما أن النبيِّ ﷺ عبَّر عنه به لما معه من المعجزات التي تشهد بصدقه وقيل هو المعجزاتُ التي أظهرها وقيل هو دينُ الحقِّ الذي أتى به وقوله تعالى
﴿مِنْ رَّبّكُمْ﴾ إما متعلق بجاءكم أو بمحذوف وقع صفةً مشرّفةً لبرهانٌ مؤكدة لما أفادَه التنوينُ من الفخامةِ الذاتيةِ بالفخامةِ الإضافيةِ أي كائنٌ منه تعالى على أن مِنْ لابتداء الغايةِ مجازاً وقد جُوِّز على الثاني كونُها تبعيضيةً بحذف المضافِ أي كائنٌ من براهينِ ربِّكم والتعرضُ لعنوانِ الربوبيةِ مع الإضافةِ إلى ضميرِ المخاطبينَ لإظهار اللُّطفِ بهم والإيذانِ بأن مجيئَه إليهم لتربيتهم وتكميلِهم
﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً﴾ أريد به أيضاً القرآنُ الكريمُ عبّر عنه تارة بالبُرهان لما أشير إليه آنفا وأخرى بالنور المنير بنفسه المنوَّرِ لغيره إيذاناً
стр. 1204
١٧٥ - ١٧٥ النساء بأنه بيِّنٌ بنفسه مستغنٍ في ثبوت حقِّيتِه وكونِه من عندِ الله تعالى بإعجازه غيرُ محتاجٍ إلى غيره مبينٌ لغيره من الأمور المذكورةِ وإشعاراً بهدايته للخلق ووإخراجهم من ظلمات الكفرِ إلى نور الإيمانِ وقد سلك به مسلك العطفِ المبنيِّ على تغايُر الطرفين تنزيلاً للمغايرة العُنوانيةِ منزلةَ المغايَرَةِ الذاتية وعبر عن ملابسته للمخاطَبين تارةً بالمجيء المسنَدِ إليه المنبء عن كمال قوتِه في البرهانية كأنه يجيء بنفسه فيُثبِتُ أحكامَه من غير أن يجيءَ به أحدٌ على شُبَه الكفرةِ بالإبطال وأخرى بالإنزال الموُقَعِ عليه الملائمِ لحيثية كونِه نوراً توقيرا له باعتبار كلِّ واحدٍ من عنوانية حظِّه اللائقِ به وإسنادُ إنزالِه إليه تعالى بطريق الالتفاتِ لكمال تشريفِه هذا على تقديرِ كونِ البرهانِ عبارةً عن القرآن العظيمِ وأما على تقدير كونِه عبارةً عن الرسول ﷺ أو عن المعجزات الظاهرةِ على يده أو عن الدينِ الحقِّ فالأمرُ هيِّنٌ وقولُه تعالى إِلَيْكُمْ متعلقٌ بإنزالنا فإن إنزالَه بالذات وإن كان إلى النبيِّ ﷺ لكنه منزلٌ إليهم أيضاً بواسطته ﵊ وإنَّما اعتبر حاله لإظهار كمالِ اللطفِ بهم والتصريح بوصوله إليهم مبالغا في الإعذار وتقديمُه على المفعولِ الصريحِ مع أن حقَّه التأخرُ عنه لما مر غيرَ مرة من الاهتمامِ بما قُدِّمَ والتشويق إلى ما أُخِّر وللمحافظة على فواصلِ الآي الكريمة
стр. 1205
﴿فأما الذين آمنوا بالله﴾ حسبما يوجبُه البرهانُ الذي أتاهم
﴿واعتصموا بِهِ﴾ أي عصَموا به أنفسَهم مما يُرديها من زيغ الشيطان وغيره
﴿فسيدخلهم في رَحْمَةٍ مَّنْهُ وَفَضْلٍ﴾ قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هي الجنةُ وما يتفضل عليهم مما لا عينٌ رأتْ ولا أذن سمعت ولا خطَر على قلب بشر وعبّر عن إفاضة الفضلِ بالإدخال على طريقةِ قوله علفتُها تِبْناً وماء باردا وتنوينُ رحمةً وفضلٍ تفخيميٌّ ومنه متعلقٌ بمحذوف وقع صفة مشرِّفة لرحمة
﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ﴾ أي إلى الله وقيل إلى الموعود وقيل إلى عبادته
﴿صراطا مُّسْتَقِيماً﴾ هو الإسلامُ والطاعةُ في الدنيا وطريقُ الجنةِ في الآخرة وتقديمُ ذكرِ الوعد بإدخال الجنةِ على الوعد بالهداية إليها على خلاف الترتيبِ في الوجود بين الموعودَين للمسارعة إلى التبشير بما هو المقصد الأصلي قبل انتصابُ صِراطاً على أنه مفعولٌ لفعل محذوف ينبئ عنه يهديهم أي يعرِفهم صراطاً مستقيماً
стр. 1206
﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ أي في الكلالة استُغني عن ذكره بوروده في قوله تعالى
﴿قل الله يُفْتِيكُمْ فِى الكلالة﴾ وقد مر تفسيرُها في مطلع السورةِ الكريمةِ والمستفتي جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه يروى
стр. 1207
أنه أتى رسولَ الله ﷺ في طريقمكة عام حَجةِ الوداعِ فقال إن لي أختاً فكم آخذُ من ميراثها إن ماتت وقيل كان مريضاً فعاده رسول الله ﷺ فقال إني كَلالةٌ فكيف أصنع في مالي وروي عنه ﵁ أنَّه قال عادني رسولُ الله ﷺ وأنا مريضٌ لا أعقِل فتوضأ وصبَّ من وَضوئه عليَّ فعقَلْت فقلت يا رسولَ الله لمن الميراثُ وإنما يرثني كلالةٌ فنزلت وقولُه تعالى
﴿إِن امرؤ هَلَكَ﴾ استئنافٌ مبينٌ للفُتيا وارتفع امرؤ أنه مفسِّرٌ للمحذوف غيرُ مقصودٍ في الكلام أي إن هلَك امرؤٌ غيرُ ذي ولد ذكراً كان أو أنثى واقتُصر على ذكر عدمِ الولدِ مع أن عدم الولد أيضاً معتبرٌ في الكلالة ثقةً بظهور الأمرِ ودَلالةِ تفصيل الورثةِ عليه وقوله تعالى
﴿وله أخت﴾ عطف على قوله تعالى لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ أو حالٌ والمرادُ بالأخت من ليست لأم فقط فإن فرضَها السدسُ وقد مر بيانُه في صدرِ السورةِ الكريمةِ
﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ أي بالفرض والباقي للعصبة أولها بالردد إن لم يكن له عَصَبة
﴿وَهُوَ﴾ أي المرءُ المفروضُ
﴿يَرِثُهَا﴾ أي أختَه المفروضةَ إن فُرض هلاكُها مع بقائه
﴿إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَا وَلَدٌ﴾ ذكراً كان أو أنثى فالمرادُ بإرثه لها إحرازُ جميعِ ما لها إذ هو المشروطُ بانتفاء الولدِ بالكلية لا إرثُه لها في الجملة فإنه يتحقق مع وجود بنتِها وليس في الآية ما يدل على سقوط الإخوةِ بغير الولدِ ولا على عدمِ سقوطِهم وإنما دلت على سقوطهم مع الأب السنة الشريفة
﴿فَإِن كَانَتَا اثنتين﴾ عطفٌ على الشرطية الأولى أي اثنتين فصاعداً
﴿فَلَهُمَا الثلثان مِمَّا تَرَكَ﴾ الضميرُ لمن يرث بالأخُوّة والتأنيثُ والتثنيةُ باعتبار المعنى قيل وفائدةُ الإخبارِ عنها باثنتين مع دَلالة ألفِ التثنية على الاثْنَيْنِيّة التنبيهُ عَلى أنَّ المعتبرَ في اختلاف الحُكْمِ هو العددُ دون الصِغَر والكِبَر وغيرِهما
﴿وَإِن كَانُواْ﴾ أي من يرث بطريق الأخُوّة
﴿إِخْوَةً﴾ أي مختلطة
﴿رّجَالاً وَنِسَاء﴾ بدلٌ من إخوةٍ والأصلُ وإن كانوا إخوةً وأخواتٍ فغلَبَ المذكرُ على المؤنث
﴿فَلِلذَّكَرِ﴾ أي فللذكر منهم
﴿مِثْلُ حَظِ الانثيين﴾ يقتسمون التركةَ على طريقة التعصيبِ وهذا آخر ما أُنزل من كتاب الله تعالى في الأحكام روي أن الصِّدِّيقِ رضي الله تعالى عنه قال في خطبته ألا إن الآيةَ التي أنزلَهَا الله تعالَى في سورة النساءِ في الفرائض فأولها الولد والوالد وثانيها في الزوج والزوجة والأخُوَّة من الأم والآيةُ التي خَتَم بها السورةَ في الأخوة والأخوات لأبوين أو لأب والآيةُ التي خَتَم بها سورةَ الأنفالِ أنزلها في أولي الأرحام
﴿يُبَيّنُ الله لَكُمْ﴾ أي حكمَ الكلالةِ أو أحكامَه وشرائعَه التي من جملتها حِكَمُها
﴿أَن تَضِلُّواْ﴾ أي كراهةَ أن تضلوا في ذلك وهذا رأيُ البصريين صرّح به المبرَّدُ وذهب الكسائيُّ والفراءُ وغيرُهما من الكوفيين إلى تقدير اللام في طرفي أن أي لئلا تَزُولَا وقال أبو عبيد رويتُ للكسائي حديثَ ابنِ عُمر رضي الله تعالى عنهما وهو لا يدعُوَنّ أحدُكم على ولده أن يوافقَ من الله إجابةً أي لئلا يوافقَ فاستحسنه وليس ما ذُكر من الآيةِ والحديثِ نصاً فيما ذهب إليه الكسائي وأضرابُه فإن التقديرَ فيهما عند البصْريين كراهةَ أن تزولا وكراهةَ أن يوافِقَ الخ وقيل ليس هناك حذفٌ ولا تقديرٌ وإنما هو مفعولُ يبيِّن أي يُبين لكم ضلالَكم الذي هو من شأنكم إذا خُلِّيتم وطباعَكم لتحترزوا
стр. 1208
عنه وتتحرَّوا خلافَه وأنتُ خبيرٌ بأنَّ ذلكَ إنما يليق بيما إذا كان بيانُه تعالى تعيين على طريقة مواقع الخطأ والضلالِ من غير تصريح بما هو الحقُّ والصواب وليس كذلك
﴿والله بِكُلّ شيءٍ﴾ من الأشياء التي من جملتها أحوالُكم المتعلقةُ بمحياكم ومماتِكم
﴿عَلِيمٌ﴾ مبالِغٌ في العلمِ فيبيِّنُ لكم ما فيه مصلحتُكم ومنفعتُكم عن رسول الله ﷺ مَنْ قرأَ سورةَ النساءِ فكأنما تصدّق على كل مؤمنٍ ومؤمنةٍ ورِث ميراثاً وأُعطي من الأجر كمن اشترى محررا وبرئ من الشرك وكان في مشيئة الله تعالى من الذين يُتجاوز عنهم والله أعلم
стр. 1209
٥ سورة المائدة (١)
سورة المائدة مدنية وهي مائة وعشرون آية (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم)
стр. 1210
(يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود) الوفاءُ القيامُ بموجَبِ العَقْد وكذا الإيفاء والعقد هو العهدُ الموَثَّقُ المشبَّه بعقد الحبل ونحوه والمراد بالعقود ما يعمّ جميعَ ما ألزمه الله تعالى عبادَه وعقَده عليهم من التكاليف والأحكام الدينية وما يعقِدونه فيما بينهم من عقود الأمانات والمعاملات ونحوها مما يجب الوفاء به أو يحسنُ دِيناً بأن يُحمل الأمرُ على معنىً يعمّ الوجوبَ والندبَ أُمرَ بذلك أولاً على وجهِ الإجمالِ ثم شُرِعَ في تفصيلِ الأحكام التي امر بالايفاء بها وبدء بما يتعلّق بضروريات مَعايشِهم فقيل (احلت بَهِيمَةُ الانعام) البهيمةُ كلُّ ذات أربع وإضافتُها إلى الأنعام للبيان كثوب الخزّ وإفرادُها لإرادة الجنس أي أحِلّ لكم أكلُ البهيمة من الأنعام وهي الأزواجُ الثَّمانيةُ المعدودة في سورة الانعام والحق بها الضباء وبقَرُ الوَحْش ونحوُهما وقيل هي المرادة بالبهيمة همنا لتقدّم بيان حِلِّ الأنعام والإضافةُ لما بينهما من المشابهةِ والممائلة في الاجترار وعد الأنياب وفائدتُها الإشعارُ بعِلة الحكم المشتركة بين المضافَيْن كأنه قيل أحلت لكم البهيمةُ الشبيهة بالأنعام التي بَيَّن إحلالَها فيما سبق الممائلة لها في مَناطِ الحُكم وتقديم الجار والمجرور على القائم مقام الفاعلِ لما مرَّ مراراً من إظهار العناية بالمقدم لما فيه من تعجيلِ المسرَّةِ والتِّشويقِ إلى المؤخَّرِ فانما حقَّه التقديمُ إذا أُخرَ تبقى النفسُ مترقبة إلى وروده فيتمكّن عندها فضلُ تمكن (ال مَا يتلى عَلَيْكُمْ) استثناء من بهيمة الانعام أي إلا مُحرَّمَ ما يتلى عليكم من قوله تعالى حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة ونحوَه أو إلا ما يُتلى عليكم آيةُ تحريمه (غَيْرَ مُحِلّى الصيد) أي الاصطياد في البراء واكل صيده وهو نصبٌ على الحالية من ضمير لكم ومعنى عدمِ إحلالِهم له تقريرُ حرمته عملاً واعتقاداً وهو شائع في الكتاب والسنة وقوله تعالى (وَأَنتُمْ حرم) أي محرومون حال من الضمير في محلى وفائدة تقيد إحلالِ بهيمةِ الأنعام بما ذُكر من عدم إحلالِ الصيد حالَ الإحرام على تقدير كونِ المراد بها الظباءَ ونظائرَها ظاهرةٌ لما ان احلالها غي مُطلق كأنه قيل أحل لكم الصيدُ حالَ كونِكم ممتنعين عنه عند إحرامكم وأمَّا على التَّقديرِ الأوَّلِ ففائدته إتمامُ النعمة وإظهارُ الامتنان بإحلالها بتذكير احتياجهم إليه فإن حرمةَ الصيد في حالة الإحرام من
стр. 1211
٥ سورة المائدة (٢) مظانِّ حاجتهم إلى إحلال غيرِه حينئذ كأنه قيل أحلت لكم الأنعام مطلقاً حالَ كونكم ممتنِعين عن تحصيل ما يُغنيكم عنها في بعض الأوقات محتاجين إلى إحلالها وفي إسناد عدم الإحلال إليهم بالمعنى المذكور مع حصول المراد بان يقال غي محلَّلٍ لكم أو محرماً عليكم الصيدُ حال إحرامكم مزيد تربية الامتنان وتقرير للحاجة ببيان علتها القريبة فإن تحريم الصيد عليهم إنما يوجب حاجتهم إلى إحلال ما يغنيهم عنه باعتبار تحريمهم له عملاً واعتقاداً مع ما في ذلك من وصفهم بما هو اللائق بهم (إِنَّ الله يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ) من الأحكام حسبما تقتضيه مشيئتُه المبنيةُ على الحِكَم البالغة فيدخُل فيها ما ذُكر من التحليل والتحريم دخولا او وليا ومعنى الإيفاء بهما الجرَيانُ على موجبهما عقداً وعملاً والاجتنابُ عن تحليل المحرمات وتحريم بعضِ المحلَّلاتِ كالبَحيرة والنظائرها التي سياتي بيانها
стр. 1212
(يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ الا تُحِلُّواْ شَعَائِرَ الله) لمّا بيّن حُرمةَ إحلال الإحرام الذي هو من شعائر الحج عقّب ذلك ببيان حرمة إحلال سائر الشعائر واضافتها إلى الله لتشريفها وتهويلِ الخطب في إحلالها وهي جمع شعيرةٍ وهي اسم لما أُشعِر أي جُعل شِعاراً وعَلَماً للنُسُك من مواقيت الحج ومرامي الجمار والمطافِ والمسعى والأفعالِ التي هي علاماتُ الحاج يُعرف بها من الإحرام والطوافِ والسعْي والحلق والنحر وإحلالُها أن يُتهاوَن بحرمتها ويحال بينهما وبين المتنسّكين بها ويُحدَثَ في أشهر الحج ما يصد به للناس عن الحج وقيل المراد بها دينُ الله لقوله تعالى وَمَن يُعَظّمْ شعائر الله أي دِينه وقيل حرماتِ الله وقيل فرائضَه التي حدها العبادة وإحلالُها الإخلالُ بها والأول أنسبُ بالمقام (وَلَا الشهر الحرام) أي لا تُحِلّوه بالقتال فيه وقيل بالنسي والاول هو الاولى بحال المؤمنين والمراد به شهر الحج وقيل الأشهر الأربعة الحرم والإفراد لإرادة الجنس (وَلَا الهدى) بأن يُتعرَّضَ له بالغصب أو بالمنع عن بلوغِ مَحِلِّه وهو ما أُهدِيَ إلى الكعبة من إبل او بقر او شاة جمع هدية كجدي وجدية (وَلَا القلائد) هي جمعُ قِلادة وهي ما يُقلَّد به الهدْيُ من نعلٍ أو لِحاءِ شجرٍ ليُعلم به أنه هدْيٌ فلا يُتعرَّضَ له والمراد النهيُ عن التعرض لذوات القلائد من الهدْي وهي البُدْن وعطفُها على الهدي مع دخولها فيه لمزيد التوصية بها لمزيتها على ما عداها كما عَطفَ جبريلَ وميكالَ على الملائكة ﵈ كأنه قيل والقلائدَ منه خصوصاً أو النهيُ عن التعرض لنفس القلائدِ مبالغةً في النهي عن التعرض لأصحابها على معنى لا تحلو قلائدَها فضلاً عن أن تحلوها كما نهى عن إبداء الزينة بقوله تعالى وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ مبالغةً في النَّهيِ عن إبداءِ مواقعها (ولا امين البيت الحرام) أي لا تحلو قوما قاصدين زيارته بانه تصُدّوهم عن ذلك بأي وجه كان وقيلَ هناكَ مضافٌ محذوفٌ أي قتالَ قومٍ أو أذى قوم امين الخ وقرا ولا آمِّي البيتِ الحرامِ بالإضافة وقولُه تعالَى (يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّن رَّبّهِمْ ورضوانا
стр. 1213
حال من المستكن في امين لاصفة له لأن المختار أن اسم الفاعل إذا وُصف بطَلَ عملُه أي قاصدين زيارته حال كونهم طالبين أن يُثيبَهم الله تعالى ويرضَى عنهم وتنكيرُ فضلاً ورضوانا للتفخيم ومن ربهم متعلق بنفس الفعل أو بمحذوف وقع صفة لفضلاً مُغنيةً عن وصفِ ما عُطف عليه بها أي فضلاً كائناً من ربهم ورضواناً كذلك والتعرُّضُ لعنوانِ الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضميرهم لتشريفهم والإشعارِ بحصول مبتغاهم وقرىءتبتغون على الخطاب فالجملة حينئذ حالٌ من ضميرِ المخاطبينَ في لا تُحلوا على أنَّ المرادَ بيانُ منافاة حالهم هذه للمنهيِّ عنه لا تقييدُ النهي بها وإضافة الرب إلى ضمير الآمّين للإيماء إلى اقتصار التشريف عليهم وحِرمانِ المخاطَبين عنه وعن نيل المبتغى وفي ذلك من تعليلِ النهْي وتأكيدِه والمبالغة في استنكار المنهى عنه مالا يخفى ومن ههنا قيل ان المراد بالآمّين هم المسلمون خاصة وبه تمسك من ذهب إلى أن الآية وقد رُويَ أن النبيَّ ﷺ قال سورة المائدة من آخر القرآن نزولا فأحلوا احلالها وحرِّموا حرامَها وقال الحَسَنِ رحَمهُ الله تعالَى ليس فيها منسوخ وعن أبي ميسرة فيها ثماني عشرةَ فريضةً وليس فيها منسوخ وقد قيل هم المشركون خاصة لأنهم المحتاجون إلى نهي المؤمنين عن إحلالهم دون المؤمنين على أن حرمة إحلالهم ثبتت بطريق دلالة النص ويؤيده أنَّ الآيةَ نزلتْ في الحطم بن ضبعة البَكْري وقد كان أتى المدينة فخلّف خيلَه خارجها فدخل على النبيِّ ﷺ وحده ووعده أن يأتيَ بأصحابه فيُسلموا ثم خرج من عنده ﵇ فمر بسَرْح المدينة فاستاقه فلما كان في العام القابل خرج من اليمامة حاجاً في حُجّاج بكرِ بنِ وائل ومعه تجارة عظيمة وقد قلّدوا الهدْي فسال المسلمون النبيِّ ﷺ أن يُخلِّيَ بينهم وبينه فاباه النبيِّ ﷺ فأنزل الله يأَيُّهَا الذين امنوا لَا تُحِلُّواْ شَعَائِرَ الله الآية وفُسِّر ابتغاءُ الفضل بطلب الرزق بالتجارة وابتغاءُ الرضوان بأنهم كانوا يزعُمون أنهم على سِدادٍ من دَيْنهم وأن الحج يقرّبهم إلى الله تعالى فوصفهم الله تعالى بظنهم وذلك الظنُّ الفاسد وإن كان بمعزل من استتباع رضوانِه تعالى لكن لا بُعدَ في كونه مداراً لحصول بعض مقاصدهم الدنيوية وخلاصِهم عن المكاره العاجلة لا سيما في ضمن مراعاة حقوق الله تعالى وتعظيم شعائره وقال قتادة هو أن يُصلح معايشَهم في الدنيا ولا يعجّلَ لهم العقوبة فيها وقيل هم المسلمون والمشركون لما رُوي عن ابن عباس ﵄ أنَّ المسلمين والمشركين كانوا يُحجّون جميعاً فنهى الله المسلمين أن يمنعوا أحداً عن حج البيت بقوله تعالى لَا تُحِلُّواْ الآية ثم نزل بعد ذلك إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ فلا تقربوا المسجد الحرام وقولُه تعالى مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله وقال مجاهد والشعى لا تحلوا نُسخ بقوله تعالى اقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ولا ريب في تناول الآمّين للمشركين قطعاً إما استقلالاً واما اشتراكا سيأتي من قوله تعالى ولا يجر منكم شَنَانُ قَوْمٍ الخ فيتعين النسخُ كُلاًّ أو بعضاً ولا بد في الوجه الأخير من تفسير الفضل والرضوان ان يناسب الفريقين فقيل ابتغاء الفضل أي الرزق للمؤمنين والمشركين عامة وابتغاء الرضوان للمؤمنين خاصة ويجوز أن يكون الفضلُ على إطلاقه شاملاً للفضل الأخروي أيضاً ويختص ابتغاؤه بالمؤمنين ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا﴾ تصريح بما أشير إليه بقوله تعالى وَأَنتُمْ حُرُمٌ من انتهاء حرمة الصيد بانتفاء موجِبِها والأمر للإباحة بعد الحظر كانه قيل واذا حَلَلْتم فلا جُناح عليكم في الاصطياد وقرىء أَحْللتم وهو لغة في حلى وقُرىء بكسر الفاء بإلقاءِ حركة همزة الوصل عليها وهو
стр. 1214
٥ سورة المائدة اية ٢ ضيعف جداً ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ نهَى عن إحلال قومٍ من الآمِّين خُصّوا به مع اندراجهم في النَهْي عن إحلال الكلِّ كافة لاستقلالهم بأمور ربما يُتوهَّم كونُها مُصحِّحةً لإحلالهم داعيةً إليه وجَرَم جارٍ مَجْرى كَسَبَ في المعنى وفي التعدِّي إلى مفعول واحد وإلى اثنين يقال جَرَم ذنباً نحوُ كسبَه وجرَمتُه ذنباً نحو كسبته الياه خلا أن جَرَم يستعمل غالباً في كسْبِ ما لا خيرَ فيه وهو السبب في ايثاره ههنا على الثاني وقد يُنقل الأولُ من كلَ منهما بالهمزة إلى معنى الثاني فيقال أجرمته ذنباً وأكسبته إياه وعليه قراءةُ مَن قرأ يجر منكم بضم الياء ﴿شَنَانُ قَوْمٍ﴾ بفَتْح النون وقرىء بسكونها وكلاهما مصدر ضعيف إلى مفعوله لا إلى فاعله كما قيل وهو شدة البغض وغاية المقت ﴿أَن صَدُّوكُمْ﴾ متعلق بالشنآن بإضمار لام العلة أي لان صدوركم عامَ الحُدَيْبية ﴿عَنِ المسجد الحرام﴾ عن زيارته والطواف به للعمرة وهده آية بيّنةٌ في عموم آمّين للمشركين قطعاً وقُرىء ان صدوركم على أنه شرط معترضٌ أغنى عن جوابه لا يجر منكم قد أبرز الصدَّ المحقّقَ فيما سبق في معرِض المفروض للتوبيخ والتنبيه على ان حقه ان لا يكون وقوعُه إلا على سبيل الفرض والتقدير ﴿أَن تَعْتَدُواْ﴾ أي عليهم وإنما حُذف تعويلاً على ظهوره وإيماءً إلى أن المقصِدَ الأصليَّ من النهْي منعُ صدورِ الاعتداء عن المخاطَبين محافظةً على تعظيم الشعائر لا منعُ وقوعِه على القوم مراعاة لجانبهم وهو ثاني مفعولي يجر منكم أي لا يكسبنكم شدو بغضِكم لهم لصدهم إياكم عن المسجد الحرام اعتداءَكم عليهم وانتقامَكم منهم للتشفّي وهذا وإن كان بحسب الظاهر نهياً للشنآن عن كسب الاعتداء للمخاطَبين لكنه في الحقيقة نهيٌ لهم عن الاعتداء على أبلغِ وجهٍ وآكدِه فإن النهي عن أسباب الشيءِ ومباديه المؤديةِ إليه نهيٌ عنه بالطريق البرهاني وإبطالٌ للسَّببيةِ وقد يُوجَّه النهيُ إلى المسبَّب ويراد النهيُ عن السَّببِ كما في قوله لا أرينك هَهُنا يريد به نهيَ مخاطِبَه عن الحضورِ لديهِ ولعل تأخير هذا النهي عن قوله تعالى وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا مع ظهور تعلقِه بما قبله للإيذان بأن حرمة الاعتداء لا تنتهي بالخروج عن الإحرام كانتهاء حرمة الاصطياد به بل هي باقية ما لم تنقطع علاقتُهم عن الشعائر بالكلية وبذلك يُعلم بقاءُ حرمة التعرضِ لسائر الآمّين بالطريق الأَوْلى ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى﴾ لما كان الاعتداءُ غالباً بطريق التظاهرُ والتعاون أُمروا إِثْرَ ما نُهوا عنه بأن يتعاونوا على كل ما هو من باب البر والتقوى ومتابعةِ الأمر ومجانبةِ الهوى فدخل فيه ما نحن بصدده من التعاون على العفو والإغضاءِ عما وقع منهم دخولاً أولياً ثم نُهُوا عن التعاون في كل ما هو من مَقولة الظلمِ والمعاصي بقوله تعالى ﴿وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان﴾ فاندرج فيه النهيُ عن التعاون على الاعتداء والانتقام بالطريق البرهاني وأصل لا تعاونوا لا تتعاونوا فحذَفَ منه إحدى التاءين تخفيفاً وإنما أَخَّر النهْي عن الأمر مع تقدم التخلية على التحلية مسارعةً إلى إيجاب ما هو مقصود بالذات فإن المقصود من إيجاب تركِ التعاونِ على الإثم والعدوان إنما هو تحصيلُ التعاون على البر والتقوى ثم أُمروا بقوله تعالى ﴿واتقوا الله﴾ بالاتقاء في جميعَ الأمورِ التي من جملتها مخالفةُ ما ذُكر من الأوامرِ والنَّواهِي فثبت وجوبُ الاتقاءِ فيها بالطريق البرهاني ثم علل ذلك بقولِهِ تعالَى ﴿أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب﴾ أي لمن لا يتقيه فيعاقبكم لا محالة إن لم تتقوه وإظهارُ الاسم الجليل لما مر مرارا من إدخال الرَّوْعة وتربية المهابةِ وتقويةِ استقلال الجملة
стр. 1215
٥ سورة المائدة اية ٣
стр. 1216
﴿حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة﴾ شروعٌ في بيان المُحرَّمات التي أشير إليها بقوله تعالى إِلَاّ مَا يتلى عليكم والميتة ما فارقه الروحُ من غير ذبح ﴿والدم﴾ أي المسفوحُ منه لقوله تعالى أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا وكان أهلُ الجاهلية يصُبّونه في الأمعاء ويشْوونه ويقولون لم يحرم من فزدله أي من فصْدٍ له ﴿وَلَحْمُ الخنزير وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ﴾ أي رفعُ الصوت لغير الله عند ذبحِه كقولهم باسم اللات والعزى ﴿والمنخنقة﴾ أي التي ماتت بالخنق ﴿والموقوذة﴾ أي التي قُتلت بالضرب بالخشب ونحوِه مِنْ وَقَذْتُه إذا ضربته ﴿والمتردية﴾ أي التي تردّت مِنْ علوَ أو إلى بئرٍ فماتت ﴿والنطيحة﴾ أي التي نطحتها أخرى فماتت بالنطح والتاء للنقل وقرىء والمنطوحة ﴿وَمَا أَكَلَ السبع﴾ أي وما أكل منه السبُعُ فمات وقرىء بسكون الباء وقرىء وأكيلُ السبع وفيه دليلٌ على أنَّ جوارحَ الصيد إذا أكلت مما صادته لم يحِلّ ﴿إِلَاّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ إلا ما أدركتم ذَكاتَه وفيه بقيةُ حياةٍ يضطرِبُ اضطرابَ المذبوح وقيل الاستثناء مخصوص بما أكل السبع والذَكاةُ في الشرع بقطع الحُلقومِ والمَرِيء بمُحدَّد ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب﴾ قيل هو منفرد وقيل جمع نِصاب وقرىء بسكون الصاد واياما كان فهو واحد الأنصاب وهي أحجار كانت منصوبةً حول البيت يَذبَحون عليها ويعدّون ذلك قُربة وقيل هي الأصنام ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بالازلام﴾ جمع زَلَم وهو القدح أي وحرم عليكم الاستقسام بالاقداح وذلك أنهم إذا قصدوا فعلا ضربوا ثلاثة اقداح مكتوب على أحدها أمرني ربي وعلى الثاني نهاني ربي وعلى الثالث فإن خرج الآمرُ مضَوا على ذلك وإن خرج الناهي اجتنبوا عنه وإن خرج الغافل أجالوها مرة أخرى فمعنى الاستقسام طلبُ معرفةِ ما قُسِم لهم بالأزلام وقيل هو اسقسام الجَزورِ بالأقداح على الأنْصِباء المعهودة ﴿ذلكم﴾ إشارة إلى الاستقسام بالأزلام ومعنى البعد فيه للإشارة إلى بُعد منزلتِه في الشرِّ ﴿فِسْقٌ﴾ تمرد وخروج عن الحدود دخول في علم الغيب وضلال باعتقاد أنه طريق إليه وافتراء على الله سبحانه إن كان هو المراد بقولهم ربي وشركٌ وجهالة إن كان هو الصنم وقيل ذلكم إشارةٌ إلى تناول المحرَّماتِ المعدودةِ لأن معنى تحريمها تحريمُ تناولِها ﴿اليوم﴾ اللام للعَهْد والمراد به الزمان الحاضرُ وما يتصل به من الأزمنة الماضية الاتية وقيل يومُ نزولِها وقد نزلت بعد عصر الجمعةِ يومَ عَرَفةَ في حَجةِ الوداع والنبي ﷺ واقفٌ بعَرَفاتٍ على العضباء فكادت عضُدُ الناقة تندق لثقلها فبركت واياما كان فهو منصوب على أنه ظرف لقوله تعالى ﴿يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ﴾ أي من إبطالِه ورُجوعِكم عنه بتحليل هذه لخبائث أو غيرِها أو مِنْ أن يغلِبوكم عليه لِمَا شاهدوا من أن الله وفى بوعدِه حيث أظهره على الدِّينِ كلِّه وهُو الانسب بقوله
стр. 1217
سورة المائدة اية ٤ تعالى ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾ أي أنْ يظهرَوا عليكم ﴿واخشون﴾ أي وأخْلِصوا إليّ الخشية ﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ بالنصر والإظهار على الأديان كلها أو بالتنصيص على قواعد العقائد والتوقيفِ على أصول الشرائع وقوانين الاجتهاد وتقديمُ الجار والمجرور للإيذانِ من أولِ الأمرِ بأن الإكمالَ لمنفعتهم ومصلحتهم كما في قوله تعالى أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وعليكم في قوله تعالى ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى﴾ متعلِّقٌ بأتممت لا بنعمتي لأن المصدرَ لا يتقدم عليه معمولُه وتقديمُهُ على المفعولِ الصريحِ لمامر مراتٍ أي أتممتُها بفتح مكةَ ودخولِها آمنين ظاهرين وهدمِ منارِ الجاهلية ومناسكِها والنهْيِ عن حجِّ المشرك وطوافِ العُرْيان أو بإكمال الدينِ والشرائع أو بالهداية والتوفيق قيل معنى أتممت عليكم نعمتي أنجزتُ لكم وعدي بقولي وَلاِتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الأسلام دِيناً﴾ أي اخترتُه لكم من بين الأديان وهو الدينُ عند الله لا غيرُ عن عمرَ بنِ الخطاب رضي الله تعالَى عنهُ إنَّ رجلاً من اليهود قال له يا أمير المؤمنين آيةٌ في كتابكم تقرءونها لو علينا معشرَ اليهود نزلت لاتخذْنا ذلك اليوم عيداً قال أي آية قال اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى الآية قال عُمر رضي الله تعالى عنه عرفنا ذلك اليومَ والمكانَ الذي أنزلت فيه على النبيِّ ﷺ وهو قائم بعرفَةَ يومَ الجمعة أشار رضي الله تعالى عنه إلى أن ذلك اليومَ عيدٌ لنا وروي أنه لمَّا نزلتْ هذهِ الآيةُ بكى عمرُ رضي الله تعالى عنه فقال النبيِّ ﷺ ما يُبكيك يا عمر قال أبكاني أنا كنا في زيادةٍ من دينِنا فاذ اكمل فإنه لا يكملُ شيءٌ الا نقص فقال ﵊ صدقت فكانت هذه الآيةُ نعى رسول الله ﷺ فما لبِثَ بعد ذلك إلا أحداً وثمانين يوماً ﴿فَمَنِ اضطر﴾ متصلٌ بذكر المحرمات وما بينهما اعتراضٌ بما يوجبُ أن يُجتنَبَ عنه وهو أن تناوُلَها فسوقٌ وحرمتُها من جملة الدين والنعمةِ التامةِ والإسلامِ المَرْضِيِّ أي فمن اضطُر إلى تناول شيءٍ من هذه المحرمات ﴿فِى مَخْمَصَةٍ﴾ أي مجاعة يَخافُ معها الموتَ أو مبادِيَه ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾ قيل غيرَ مائلٍ ومنحرفٍ إليه بأن يأكُلَها تلذذا او مجاوزا حدَّ الرُّخصة أو ينتزِعَها من مضطرٍ آخَرَ كقوله تعالى غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ ﴿فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ لا يؤاخذه بذلك
стр. 1218
﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ شروع في تفصيل المحلَّلاتِ التي ذَكَر بعضَها على وجه الإجمال إِثْرَ بيانِ المحرمات كأنهم سألوا عنها عند بيان أضدادِها ولِتَضَمُّنِ السؤال معنى القولِ أوقعُ على الجملة فماذا مبتدا واحل لهم خبرُه وضميرُ الغَيْبَة لِمَا أنّ يسألون بلفظ الغيبة فإنه كما يُعتبرُ حالُ المحكيِّ عنه فيقال أقسمَ زيدٌ لأفعلَنّ يُعتبرُ حالُ الحاكي فيقال أقسمَ زيدٌ ليفعَلَنّ والمسؤول ما أحل لهم من المطاعم ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات﴾ أي ما لم تستخبثْه الطّباعُ السليمة ولم تنفِرْ عنْهُ كما في قولِه تعالى وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مّنَ الجوارح﴾ عطفٌ على الطيبات بتقدير المضاف على أن ما موصولةٌ والعائد محذوف أي وصيدُ ما علَّمتُموه أو مبتدا على ان
стр. 1219
سورة المائدة اية ٥ ما شرطيةٌ والجوابُ فكلوا وقد جوَّزَ كونَها مبتدأً على تقدير كونها موصولة أيضاً والخبرُ كلوا وإنما دخلته الفاء تشبيهاً للموصول باسم الشرط ومن الجوارح حالٌ منَ الموصولِ أو ضميرِه المحذوف والجوارحُ الكواسبُ من سباع البهائم والطير وقيل سميت بها لأنها تجرَحُ الصيدَ غالباً ﴿مُكَلّبِينَ﴾ أي معلِّمين لها الصيدَ والمكلِّبُ مؤدّبُ الجوارحِ ومضربها بالصيد مشتقٌ من الكَلْب لأن التأديب كثيراً ما يقع فيه أو لأن كلَّ سبُعٍ يسمى كَلْباً لقوله ﵊ في حق عُتبةَ بنِ أبي لهبٍ حين أراد سفرَ الشأم فقال النبيِّ ﷺ اللهمَّ سلِّطْ عليهِ كلباً من كلابك فأكلَه الأسد وانتصابُه عَلى الحاليةِ من فاعل علمتم وفائتها المبالغةُ في التعليم لما ان الاسم المكلّب لا يقع إلا على النحرير في علمِه وقرىء مُكْلِبين بالتخفيف والمعنى واحد ﴿تُعَلّمُونَهُنَّ﴾ حال ثانية منه أو حالٌ من ضميرِ مكلِّبين أو استئناف ﴿مِمَّا عَلَّمَكُمُ الله﴾ من الحِيَل وطُرُق التعليم والتأديب فإن العلمَ به إلهامٌ من الله تعالى أو مكتسَبٌ بالعقل الذي هو منحةٌ منه أو مما عرَّفَكم أن تعلموه من اتباعِ الصيدِ بإرسالِ صاحبِه وانزجارِه بزَجْرِه وانصرافِه بدعائه وإمساكِ الصيد عليه وعدمِ أكلِه منه ﴿فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ قد مر فيما سبق أن هذه الجملةَ على تقدير كونِ ما شرطيةً جوابُ الشرط وعلى تقدير كونِها موصولةً مرفوعةٌ على الابتداءِ خبرٌ لها وأما على تقدير كونِها عطفاً على الطيبات فهي جُملةٌ متفرِّعةٌ على بيان حلِّ صيدِ الجوارح المُعْلَمة مبيِّنةٌ للمضاف المقدَّر الذي هو المعطوف وبه يتعلق الإحلالُ حقيقةً ومشيرةٌ إلى نتيجةِ التعليم وأثره داخلةٌ تحت الأمر فالفاء فيها كما في قولِه أمرتُك الخيرَ فافعلْ ما أُمِرْت به ومِنْ تبعيضيةٌ لما أن البعضَ مما لا يتعلق به الاكل الجلود والعظامِ والريش وغير ذلك ومما موصولةٌ أو موصوفةٌ حذِفَ عائدها وعلى متعلقة بأمسكن أي فكلوا بعض ما أمسَكْنه عليكم وهو الذي لم يأكُلْن منه وأما ما أكلن منه فهو مما أمسَكْنه على انفسهن لقوله ﷺ لعديِّ بن حاتم وإن أكل منه فلا تأكل إنما أمْسَكَ على نفسِهِ وإليه ذهب أكثرُ الفقهاء وقال بعضُهم لا يشترط عدمُ الأكل في سباعِ الطير لما أن تأديبَها إلى هذه الدرجة متعذِّر وقال آخرون لا يُشترط ذلك مطلقاً وقد رُوي عن سلمان وسعد ابن أبي وقاص وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم انه اذا الكلبُ ثلثيه وبقيَ ثلثُه وقد ذكرتَ اسم الله عليه فكُل ﴿واذكروا اسم الله عَلَيْهِ﴾ الضميرُ لما عَلَّمتم أي سمُّوا عليه عند إرسالِه أو لِما أمسكنه أي سموا عليه إذا أدركتم ذكاتَه ﴿واتقوا الله﴾ في شأن محرماته ﴿إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب﴾ أي سريع ائتيان حسابه أو سريعُ تمامِه واذا شرَعَ فيه يتِمُّ في أقربِ ما يكون من الزمان والمعنى على التقديرين أنه يؤاخِذُكم سريعاً في كلِّ ما جلَّ ودقَّ وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موقع الإضمارِ لتربيةِ المهابةِ وتعليلِ الحُكْم
стр. 1220
﴿اليوم أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات﴾
стр. 1221
قيل المرادُ بالأيام الثلاثة وقتٌ واحدٌ وإنما كرر للتاكيد ولا اختلاف الاحداث والواقعة فيه حَسُنَ تكريرُه والمراد بالطيبات ما مر ﴿وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ أي اليهودُ والنَّصارَى واستثنى عليٌّ رضي الله تعالى عنه نصارَى بني تغلِبَ وقال ليسوا على النصرانية ولم يأخُذوا منها إلا شرْبَ الخمر وبه أخذ الشافعي ﵁ والمراد بطعامهم ما يتناولُ ذبائحهم وغيرها ﴿حل لكم﴾ أي حلال وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهُمَا أنَّه سال عن ذبائح نصارى العرب فقال لا بأسَ وهو قول عامة التابعين وبه اخذ ابو حنيفة رضى الله عنه وأصحابُه وحُكمُ الصابئين حكْمُ أهلِ الكتاب عنده وقال صاحباه هما صنفان صنفٌ يقرؤون الزَّبورَ ويعبُدون الملائكة ﵈ وصنفٌ لا يقرؤون كتاباً ويعبُدون النجوم فهؤلاء ليسوا من أهل الكتاب وأما المجوسُ فقد سُنَّ بهم سُنةَ أهلِ الكتاب في أخذ الجزيةِ منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم لقوله ﵊ سُنوا بهم سُنّةَ أهلِ الكتاب غيرَ ناكِحِي نسائِهم ولا اكلي ذبائحهم ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ﴾ فلا عليكم أن تُطعِموهم وتَبيعوه منهم ولو حُرِّم عليهم لم يجز ذلك ﴿والمحصنات مِنَ المؤمنات﴾ رفع على أنه مبتدأ حُذف خبرُه لدلالةِ ما تقدم عليه أي حِلٌّ لكم أيضاً والمراد بهم الحرائرُ العفائِف وتخصيصُهن بالذكر للبعث على ما هو الاول لا لنَفْيِ ما عداهن فان نكاح الايماء المسلماتِ صحيحٌ بالاتفاق وكذا نكاحُ غيرِ العفائِفِ منهن واما الايماء الكتابياتُ فهن كالمسلمات عند أبي حنيفة رضى الله عنه خلافا للشافعي ﵁ ﴿والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ﴾ أي هن أيضاً حل لكم وإن كنّ حَرْبيات وقالَ ابنُ عباسٍ رضيَ الله تعالى عنهما لا تَحِلُّ الحربيات ﴿إذا آتيتموهن أجورهن﴾ أي مُهورَهن وتقييدَ الحِلِّ بإيتائِها لتأكيد وجوبها والحثِّ على الأولى وقيل المرادُ بايتاءها التزامُها وإذا ظرفيةٌ عاملُها حَلَّ المحذوف وقيل شرطية حُذِف جوابُها أي إذا آتيتموهن أجورهن حَلَلْنَ لكم ﴿محصنين﴾ حال من فاعل آتيتموهن أي حال كونِكم أعفّاءَ بالنكاح وكذا قوله تعالى ﴿غَيْرَ مسافحين﴾ وقيلَ هُو حالٌ من ضمير محصنين وقيل صفة لمحصِنين أي غيرَ مجاهِرين بالزنا ﴿وَلَا مُتَّخِذِى أَخْدَانٍ﴾ أي ولا مصرين به والخدم الصديق يقع على الذكر والأنثى وهو إما مجرورٌ عطفا على مسافحين وزيدة لا لتأكيدِ النَّفيِ المستفادِ من غير أو منصوبٌ عطفاً على غير مسافحين باعتبار اوجه الثلاثة ﴿وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان﴾ أي ومن ينكرْ شرائعَ الإسلام التي من جملتها ما بين ههنا من الأحكام المتعلقة بالحِلِّ والحرمة ويمتنعْ عن قَبولها ﴿فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ الصالح الذي عمل قبل ذلك ﴿لكم الدار الآخرة عِندَ الله﴾ وهو مبتدا من الخاسئين خبره وفي متعلقة بما تعلَّق بهِ الخبرُ من الكون المطلق وقيل بمحذوف دل عليه المذكور أي خاسرة بالاخرة وقيل بالخاسرين على أن الالف والللام للتعريف لا موصولة لأن ما بعدها لا يعملُ فيما قبلَها وقيل يُغتفرُ في الظرف ما لا يغتفر في غيره كما في قوله ربيت حي إذا تمعددا كان جزائي بالعصا ان اجلدا
стр. 1222
سورة المائدة اية
стр. 1223
٦ - ﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ﴾ شروعٌ في بيان الشرائع المتعلقةِ بدِينهم بعد بيانِ ما يتعلقُ بدنياهم ﴿إِذَا قُمتُم إِلَى الصلاة﴾ أي أردتم القيامَ إليها كما في قوله تعالى فَإِذَا قرات القران فاستعذ بالله عبر عن إرادة الفعل بالفعل المسبَّبِ عنها مَجازاً للإيجاز والتنبيهِ على أنَّ منْ أراد الصلاةَ حقُّه أن يبادِرَ إليها بحيث لا ينفك عن إرادتها أو إذا قصدتم الصلاةَ إطلاقاً لاسمِ أحدِ لازميها على لازمِها الآخَرِ وظاهرُ الآية الكريمةِ يوجبُ الوضوءَ على كل قائمٍ إليها وإن لم يكنْ محدِثاً لما أن الأمرَ للوجوب قطعاً والإجماعُ على خلافِه وقد رُويَ أن النبيَّ ﷺ صلى الصلواتِ الخمسَ يومَ الفتح بوُضوءٍ واحد فقال عمرُ رضي الله تعالى عنه صنعتَ شيئاً لم تكن تصنعه فقال ﵊ عمداً فعلتُه يا عمر يعني بياناً للجواز وحُمل الأمرُ بالنسبة إلى غيرِ المحدثِ على الندب مما لا مَساغَ له فالوجهُ أن الخِطابَ خاصٌّ بالمُحْدِثين بقرينةِ دَلالةِ الحال واشتراطِ الحدَثِ في التيمم الذي هو بدلُه وما نُقل عنِ النبيِّ ﷺ والخلفاء من أنهم كانوا يتوضّؤون لكل صلاةٍ فلا دلالةَ فيه على أنهم كانوا يفعلونه بطريق الوجوبِ أصلاً كيف لا وما رُوي عنْهُ ﵊ من قوله من توضَّأ على طُهْرٍ كتبَ الله له عشرَ حسنات صريحٌ في أن ذلك كان منهم بطريق الندب وما قيل كان ذلك أولَ الأمرِ ثم نُسخ يردُّه قوله ﵊ المائدة من آخر القرآن نزولا فأحلوا حلالها وحرموا حرامها ﴿فاغسلوا وُجُوهَكُمْ﴾ أي أمِرُّوا عليها الماء ولا حاجةَ إلى الدلك خلافاً لمالك ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق﴾ الجمهورُ على دخول المِرْفَقَين في المغسول ولذلك قيل إلى بمعنى مَعَ كما في قوله تعالى وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ وقيل هي إنما تُفيد معنى الغاية مطلقاً وأما دخولُها في الحُكْم أو خروجُها منه فلا دلالة لها عليه وإنما هو أمرٌ يدور على الدليلِ الخارجي كما في حفظة القرآنَ من أولِه إلى آخِرِه وقوله تعالى فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ فإن الدخولَ في الأول والخروجَ في الثاني مُتيقَّنٌ بناءً على تحقُّق الدليل وحيث لم يتحققْ ذلك في الآية وكانت الأيدي متناوِلةً للمرافِقِ حُكِمَ بدخولها فيها احتياطاً وقيل إلى من حيث إفادتُها للغاية تقتضي خروجَها لكن لما لم تتميَّزِ الغاية همنا عن ذي الغايةِ وجبَ ادخالها احتياطا ﴿وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ الباءُ مزيدةٌ وقيل للتبعيض فإنه الفارقُ بين قولِك مسَحْتُ المِنْديلَ ومسحتُ بالمنديل وتحقيقُه أنها تدل على تضمينِ الفعل معنى الإلصاق فكأنه قيل وألصِقوا المسحَ برؤوسِكم وذلك لا يقتضي الاستيعابَ كما يقتضيه ما لو قيل وامسحُوا رؤوسَكم فإنه كقوله تعالى فاغسلوا وُجُوهَكُمْ واختلف العلماء في القدر الواجب فأوجب الشافعيُّ أقلَّ ما ينطلِقُ عليه الاسمُ أخذاً باليقين وأبو حنيفةَ ببيانِ رسول الله ﷺ حيث مسح على ناصيته وقدرها
стр. 1224
سورة المائدة اية ٧ برُبُعِ الرأس ومالكٌ مسَحَ الكُلَّ أخذاً بالاحتياط ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين﴾ بالنْصب عطفاً على وجوهَكم ويؤيده السنةُ الشائعةُ وعَمَلُ الصحابةِ وقولُ اكثر الائمة والتحديد اذا المسْحُ لم يُعهَدْ محدوداً وقرء بالجرِّ على الجِوار ونظيرُه في القرآن كثير كقوله تعالى عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ونظائره وللنحات في ذلك بابٌ مفرَدٌ وفائدتُه التنبيهُ على أنه ينبغي أن يقتصِدَ في صبِّ الماء عليها ويغسِلَها غسلاً قريباً من المسح وفي الفصل بينه وبين أخواتِه إيماءٌ إلى أفضلية الترتيب وقرء بالرفع أي وأرجلُكم مغسولةٌ ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فاطهروا﴾ أي فاغتسلوا وقرء فاطْهُروا أي فطهِّروا أبدانَكم وفي تعليق الأمرِ بالطهارة الكبرى بالحدثِ الأكبر إشارةٌ إلى اشتراط الأمر بالطهارةِ الصغرى بالحدث الأصغر ﴿وَإِنْ كُنتُم مرضى﴾ مرضاً يُخاف به الهلاكُ أو ازديادُه باستعمال الماء ﴿أَوْ على سَفَرٍ﴾ أي مستقرِّين عليه ﴿أَوْ جَاء أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن الغائط أَوْ لامستم النساء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيّباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ من لا ابتداء الغاية وقيل للتبعيض وهي متعلقة بامسح وقرء فأمُوُّا صعيداً وقد مر تفسيرُ الآية الكريمة مشبَعاً في سورة النساء فليرجَعْ إليه ولعل التكريرَ ليتّصِلَ الكلامُ في أنواع الطهارة ﴿مَا يُرِيدُ الله﴾ أي ما يريدُ بالأمرِ بالطهارة للصلاة او بالمر بالتيمم ﴿لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ﴾ من ضيقٍ في الامتثال به ﴿ولكن يُرِيدُ﴾ ما يريد بذلك ﴿لّيُطَهّرَكُمْ﴾ أي ليُنظِّفَكم أو ليطهِّرَكم عن الذنوب فإن الوضوءَ مكفِّرٌ لها أو ليطهرَكم بالتراب اذا اعوذكم التطَهُّر بالماء فمفعولُ يريد في الموضعين محذوفٌ واللام للعلة وقيل مزيدة والمعنى ما يريد الله أن يجعلَ عليكم من حرجٍ في باب الطهارة حتى لا يُرَخَّصَ لكم في التيمم ولكن يريد أن يطهركم بالتراب إذا أعوزكم التطهّرُ بالماء ﴿وَلَّيْتُم﴾ بشرعه ما هو مطهرة لا لأبدانكم ومُكفِّرةٌ لذنوبكم ﴿نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ في الدين أو ليُتم برُخَصِه إنعامَه عليكم لعزائمه ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ نعمته ومن لطائف الآية الكريمة أنها مشتملةٌ على سبعةِ أمور كلُّها مثنى طهارتانِ أصلٌ وبدلٌ والأصلُ اثنان مستوعَبٌ وغير مستوعب باعتبار الفعل غسلٌ ومسح وباعتبار المحلِّ محدودٌ وغيرُ محدود وأن آلتَهما مائعٌ وجامِد وموجِبُهما حدثٌ أصغرُ وأكبرُ وأن المبيحَ للعُدول إلى البدلِ مَرَضٌ وسفر وأن الموعودَ عليهما تطهيرُ الذنوب وإتمامُ النعمة
стр. 1225
﴿واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ﴾ بالإسلام لتُذكِّرَكم المنعِمَ وتُرغِّبَكم في شكره ﴿وميثاقه الذى وَاثَقَكُم بِهِ﴾ أي عهدَه المؤكَّدَ الذي أخذه عليكم وقوله تعالى ﴿إِذْ قُلْتُمْ سمعنا وأطعنا﴾ ظرف لوثاقكم به او لمحذوف لمحذوفٍ وقع حالاً منَ الضميرِ المجرورِ في به أو مِنْ ميثاقه أي كائناً وقت قولِكم سمعنا وأطعنا وفائدةُ التقييدِ به تاكيد وجوب مراعاته بتذكير قبولهم والتزامهم بالمحافظة عليه وهو الميثاق الذي أخذه على المسلمين حين بايعهم رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في حال العُسر واليُسر والمنشَطِ والمَكْره وقيل هو الميثاقُ الواقعُ ليلةَ العقبة وفي بَيْعةِ الرضوان وإضافتُه إليه تعالى مع صدوره عنه ﵊ لكون المرجِعَ إليه كما نطق به قولُه تعالى إِنَّ
стр. 1226
سورة المائدة اية ٨ سورة المائدة اية ٩ سورة المائدة اية ١٠ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله وقال مجاهد هو الميثاقُ الذي أخذه الله تعالى على عباده حين أخرجهم من صُلْب آدمَ ﵇ ﴿واتقوا الله﴾ أي في نِسيان نعمتِه ونقضِ ميثاقِه أو في كلِّ ما تأتون وما تذرون فيدخُل فيه ما ذُكر دخولا اولياء ﴿إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ أي بخفيّاتِها الملابِسةِ لها ملابَسةً تامة مصحِّحة لإطلاق الصاحبِ عليها فيجازيكم عليها فما ظنكم بحليات الأعمال والجُملةُ اعتراضٌ تذييليٌّ وتعليل الامر بالاتقاءِ وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موقع الاضمار لتريه المهابة وتعليل الحكم وتقوية استقلال الجملة
стр. 1227
﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ﴾ شروعٌ في بيان الشرائع المتعلقةِ بما يجري بينهم وبين غيرِهم إثْرَ بيانِ ما يتعلق بأنفسهم ﴿كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ﴾ مقيمين لأوامره ممتثلين بها معظِّمين لها مراعين لحقوقها ﴿شُهَدَاء بالقسط﴾ أي بالعدل ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ أي لا يحمِلَنَّكم ﴿شَنَانُ قَوْمٍ﴾ أي شدةُ بغضِكم لهم ﴿عَلَى أَلَاّ تَعْدِلُواْ﴾ فلا تشهَدوا في حقوقهم بالعدل أو فتعتلوا عليهم بارتكاب ما لا يحِلُّ كَمُثلةٍ وقَذْفٍ وقتلِ نساءٍ وصِبْيةٍ ونقضِ عهدٍ تشفياً وغيرِ ذلك ﴿اعدلوا هُوَ﴾ أي العدلُ ﴿أَقْرَبُ للتقوى﴾ الذي أمرتم به صرح لهم بالأمر بالعدل وبيّن أنه بمكانٍ من التقوى بعد ما نهاهم عن الجَوْر وبيَّن أنه مقتضى الهوى وإذا كان وجوبُ العدل في حق الكفار في هذه المثابة فما ظنُّك بوجوبه في حق المسلمين ﴿واتقوا الله﴾ أمرَ بالتقوى إثْرَ ما بين أن العدلَ أقربُ له اعتناءً بشأنه وتنبيهاً على أنه مَلاكُ الأمر ﴿إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من الأعمال فيجازيكم بذلك وتكريرُ هذا الحُكم إما لاختلاف السببِ كما قيل إن الأولَ نزل في المشركين وهذا في اليهود أو لمزيد الاهتمام بالعدل والمبالغة في اطفاء فائدة الغيظ والجملةُ تعليلٌ لما قبلها وإظهارُ الجلالة لما مر مرات وحيث كانت مضمونُها منبئاً عن الوعد والوعيد عقَّب بالوعد لمن يُحافظ على طاعته تعالى وبالوعيد لمن يُخِلُّ بها فقيل
стр. 1228
﴿وعد الله الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ التي من جملتها العدل والتقوى ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ حُذفَ ثاني مفعولا وَعَدَ استغناءً عنه بهذه الجملة فإنه استئنافٌ مبيِّنٌ له وقيل الجملةُ في موقع المفعول فإن الوعدَ ضربٌ من القول فكأنه قيل وعدَهم هذا القولَ
стр. 1229
﴿والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بآياتنا﴾ التي من جملتها ما تليت من النصوص الناطقة بالأمر والعدل والتقوى ﴿أولئك﴾ الموصوفون بما ذُكر من الكفر وتكذيبِ الآيات ﴿أصحاب الجحيم﴾ ملابسوها ملابَسةً مؤبَّدة من السُنة السنية القرآنية شفْعُ الوعدِ بالوعيد والجمعُ بين الترغيب والترهيب ايفاء لحق الدعوى بالتبشير والانذار
стр. 1230
سورة المائدة اية
следующие страницы →