← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ في آياتنا﴾ أي بالتكذيب والاستهزاءِ بها والطعنِ فيها كما هو دأْبُ قريشٍ ودَيدَنُهم ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ بترك مُجالستهم والقيامِ عنهم وقولُه تعالى ﴿حتى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ غايةٌ للإعراض أي استمِرَّ على الإعراضِ إلى أن يخوضوا في حديثٍ غيرِ ى ياتنا والتذكيرُ باعتبار كونها حديثاً فإن وصفَ الحديثِ بمغايرتها مشيرٌ إلى اعتبارها بعُنوان الحديثية وقيل باعتبار كونِها قرآناً ﴿وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشيطان﴾ بأن يشغَلَك فتنسى النهْيَ فتُجالِسَهم ابتداءً أو بقاءً وقرىء يُنَسِّينَّك من التَنْسِية ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذكرى﴾ أي بعد تذكُّرِ النهي ﴿مَعَ القوم الظالمين﴾ أي معهم فوضَعَ المُظهرَ موضعَ المُضمر نعياً عليهم أنهم بذلك الخوضِ ظالمون واضعون للتكذيب والاستهزاءِ موضِعَ التصديق والتعظيم راسخون في ذلك

стр. 1542

﴿وَمَا عَلَى الذين يَتَّقُونَ﴾ روي عن ابن عباس ﵄ أنَّ المسلمين حين نُهوا عن مجالستهم عند خوضِهم في الآيات قالوا لئن كنا نقول كلما استهزءوا بالقرآن لم نستطِعْ أن نجلِسَ في المسجد الحرام ونطوفَ بالبيت فنزلت أي ما على الذين يتقون قبائحَ أعمالِ الخائضين وأحوالَهم ﴿مِنْ حِسَابِهِم﴾ أي مما يُحاسَبون عليه من الجرائر ﴿من شىء﴾ أي شيء ما على أنه في محلِ الرفعِ على أنه مبتدأ وما تميمية أو اسم لها وهي حجازية ومن مزيدة للاستغراق ومن حسابهم حال منه وعلى الذين يتقون في محلِ الرفعِ على أنه خبر للمبتدأ أو لما الحجازية على رأي مَن لا يُجيز إعمالَها في الخبر المقدَّم مطلقاً أو في محلِّ النصبِ على رأي من يجوِّز إعمالَها في الخبر المقدّم عند كونه ظرفاً أو حرفَ جر ﴿ولكن ذكرى﴾ استدراك من النفي السابق أي ولكن عليهم أن يذكِّروهم ويمنعوهم عمَّا هُم عليهِ من القبائح بما أمكن من العِظة والتذكير ويُظهروا لهم الكراهَةَ والنكيرَ ومحل ذكرى إما النصبُ على أنَّه مصدرٌ مؤكِّد للفعل المحذوف أي عليهم أن يذكّروهم تذكيراً أو الرفعُ عَلى أنَّه مبتدأٌ محذوفُ الخبرِ أيْ ولكن عليهم ذكرى ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي يجتنبون الخوضَ حياءً أو كراهةً لمسَاءتهم وقد جُوِّز كونُ الضمير للموصول أي يذكّروهم رجاءَ أن يثبُتوا على تقواهم أو يزدادوها

стр. 1543

الأنعام آية ٧٠

стр. 1544

﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتخذوا دِينَهُمْ﴾ الذين كُلِّفوه وأُمروا بإقامة مواجبِه ﴿لَعِباً وَلَهْواً﴾ حيث سخِروا به واستهزءوا أو بنَوْا أمرَ دينهم على ما لا يكاد يتعاطاه العاقلُ بطريق الجِدّ وإنما يصدُر عنه لو صدَر بطريق اللعِبِ واللهوِ كعبادة الأصنام وتحريمِ البحائرِ والسوائبِ ونحوِ ذلك والمعنى أعرضْ عنهم ولا تُبالِ بأفعالهم وأقوالهم وقيل هو تهديدٌ لهم كقوله تعالى ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ الآية ﴿وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا﴾ واطمأنوا بها حتى زعموا أنْ لا حياةَ بعدها أبداً ﴿وَذَكّرْ بِهِ﴾ أي بالقرآنِ من يصلُح للتذكير ﴿أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ أي لئلا تُبْسَلَ كقوله تعالى أَن تَضِلُّواْ الآية أو مخافةَ أن تُبسَل أو كراهةَ أن تبسل نفوسٌ كثيرة كما في قوله تعالى عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ وتُرتَهنَ لسوء عملِها وأصلُ الإبسالِ والبَسْل المنعُ ومنه أسد باسلٌ لأن فريستَه لا تُفلت منه أو لأنه ممتنَعٌ والباسل الشجاع لامتناعه من قِرْنه وهذا بَسْلٌ عليك أي حرام ممنواع وقد جوز أن يكون الضمير المجرور في به راجعها إلى الإبسال مع عدم جرَيانِ ذكرِه كما في ضمير الشأن وتكون الجملةُ بدلاً منه مفسِّراً له في الإبهام أولاً والتفسيرِ ثانياً من التفخيم وزيادةِ التَّقريرِ كما في قولِه ... على جودِه لَضَنَّ بالماء حانم بجر حانم على أنه بدل من ضمير جوده فالمعنى وذكر بارتهان النفوس وحبسها بما كسبت وقوله تعالى ﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ الله وَلِىٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ استئنافٌ مَسوقٌ للإخبار بذلك وقيل في محل النصب على أنه حالٌ من ضمير كسبت وقيل في محلِ الرفعِ عَلى أنَّه وصفٌ لنفسٌ والأظهرُ أنَّه حالٌ من ف = نفسٌ فإنه في قوة نفسٌ كافرةٌ أو نفوسٌ كثيرة كما في قوله تعالى عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ ومن دون الله متعلقٌ بمحذوف هو حال من وليٌّ كما بُيّن في تفسيرِ قولِه تعالى وَأَنذِرْ بِهِ الآية وقيل هو خبرٌ لليس فيكون لها حينئذٍ متعلقاً بمحذوفٍ على البيان ﴿وَإِن تَعْدِلْ﴾ أي إن تَفْدِ تلك النفسُ ﴿كُلَّ عَدْلٍ﴾ أي كلَّ فِداءٍ على أنَّه مصدرٌ مُؤكدٌ ﴿لَاّ يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ على إسنادِ الفعلِ إلى الجار والمجرور لا إلى ضمير العدل كما في قوله تعالى وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ فإنه المَفْدِيُّ به لا المصدرُ كما نحن فيه ﴿أولئك﴾ إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيزِ الصلةِ وما فيهِ من معنى البعد للإيذان ببعدِ درجتِهم في سُوءِ الحال ومحلُه الرفعُ على الابتداء والخبر في قوله تعالى ﴿الذين أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ﴾ والجملةُ مستأنفةٌ سيقت إثرَ تحذيرِهم من الإبسال المذكور لبيان أنهم المبتَلَوْن بذلك أي أولئك المتخِذون دينَهم لعباً ولهواً المغترون بالحياة الدنيا هم الذين أُبسِلوا بما كسبوا وقولُه تعالى ﴿لَهُمْ شَرَابٌ مّنْ حَمِيمٍ﴾ استئناف آخَرُ مُبينٌ لكيفية الإبسال المذكور وعاقبتِه مبنيٌّ على سوء نشأَ من الكلامِ كأنَّه قيل ماذا لهم حين أُبسلوا بما كسبوا فقيل لهم شرابٌ من ماءٍ مغليَ يتجَرْجَرُ في بطونهم وتتقطَّعُ به أمعاؤهم ﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ بنار تشتعل بأبدانهم ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ﴾ أي بسبب كفرهم المستمر في الدنيا وقد جُوِّز أن يكون لهم شراب الخ حالاً من ضمير أبسلوا وترتيب

стр. 1545

الأنعام آية ٧١ ما ذُكر من العذابَيْن على كفرهم مع أنهم معذبون بسائر معاصيهم أيضاً حسبما ينطِق به قوله تعالى بِمَا كَسَبُواْ لأنه العُمدةُ في إيجاب العذاب والأهمُ في باب التحذير أو أريد بكفرهم ما هو أعمُّ منه ومن مستتْبِعاته من المعاصي والسيئات هذا وقد جوِّز أنْ يكون أولئك إشارةً إلى النفوس المدلولِ عليها بنفسٌ محلُه الرفعُ بالابتداء والموصولُ الثاني صفتُه أو بدلٌ منه ولهم شراب الخ خبرُه والجملة مَسوقةٌ لبيان تبعة الإبسال

стр. 1546

﴿قل أندعو مِن دُونِ الله مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾ قيلَ نزلتْ في أبي بكرٍ ﵁ حين دعاه ابنه عبدُ الرحمن إلى عبادة الأصنام فتوجيهُ الأمر إلى رسول الله ﷺ حينئذ للإيذان بما بينهما من الاتصال والاتحادِ تنويهاً لشأن الصديقَ رضي الله تعالى عنه أي أنعبد متجاوزين عبادةَ الله الجامعِ لجميعِ صفاتِ الألوهيةِ التي من جملتها القدرةُ على النفع والضر ما لا يقدر على نفعنا إذا عبدناه ولا على ضَرِّنا إذا تركناه وأدنى مراتبِ المعبوديةِ القُدرةُ على ذلك وقوله تعالى ﴿وَنُرَدُّ على أعقابنا﴾ عطفٌ على ندعوا إذا حل في حكم الإنكارِ والنفْي أي ونُرَدّ إلى الشرك والتعبير عنه بالرد غعلى الأعقاب لزيادة تقبيحِه بتصويره بصورةِ ما هو عَلَمٌ في القُبح مع ما فيه من الإشارة إلى كون الشركِ حالةً قد تُركت ونُبذتْ وراءَ الظهر وإيثارُ نرد على نرتد لتوجيه الإنكار إلى الارتداد بردِّ الغير تصريحاً بمخالفة المُضلِّين وقطعاً لأطماعهم الفارغةِ وإيذاناً بأن الارتدادَ من غير رادَ ليس في حيِّزِ الاحتمال ليُحتاجَ إلى نفيه وإنكاره وقولُه تعالى ﴿بَعْدَ إِذْ هدانا الله﴾ أي إلى الإسلام وأنقذنا من الشرك متعلقٌ بنرُدّ مَسوقٌ لتأكيد النكيرِ لا لتحقيق معنى الرد وتصويرِه فقط وإلا لكفى أن يقالَ بعد إذ اهتدينا كأنه قيل ونُرَدّ إلى الشرك بإضلال المضِلّ بعد إذ هدانا الله الذي لا هاديَ سواه وقوله تعالى ﴿كالذى استهوته الشياطين﴾ في محل النصب على أنه حالٌ من مرفوع نرد أي نُرد أي أنرد على أعقابنا مشبَّهين بالذي استهوته مَرَدةُ الجن واستغوته إلى المهامه أو المهالك أو على أنه نعتٌ لمصدر محذوف أي أنُرد رداً مثلَ ردِّ الذي استهوته الخ والاستهواءُ استفعال من هَوَى في الأرض إذا ذهَب فيها كأنها طلبت هُويَّه وحرصت عليه وقرىء استهواه بألف مما له وقوله تعالى ﴿فِي الأرض﴾ إما متعلق باستهوته أو بمحذوفٍ هو حالٌ من مفعوله أي كائناً في الأرضَ وكذا قوله تعالى ﴿حَيْرَانَ﴾ حال منه على أنها بدلٌ من الأولى أو حال الثنية عند من يجيزها أو من الذي أو من المستكنّ في الظرف أي تائهاً ضالاً عن الجادة لا يدري ما يصنع وقوله تعالى ﴿لَهُ أصحاب﴾ جملة في محل النصب على أنها صفةٌ لحيران أو حال من الضمير فيه أو مستأنفةٌ سيقت لبيان حالِه وقوله تعالى ﴿يَدْعُونَهُ إِلَى الهدى﴾ صفةٌ لأصحاب أي لذلك المستهوى رفقةٌ يهدونه إلى الطريق المستقيم تسميةٌ له بالمصدر مبالغةً كأنه نفس الهدى ﴿ائتنا﴾ على إرادةِ القولِ على أنه بدل ممن يدونه أو حالٌ من فاعلِه أي يقولون ائتنا وفيه إشارة

стр. 1547

الأنعهام آية ٧٢ ٧٣ إلى أنهم مهتدون على الطريق المستقيم وأن من يدعونه ليس ممن يعرف الطريق المستقيم ليدعى إلى إتيانه وإنما يُدرك سمتَ الداعي ومورِدَ النعيق فقط ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى الله﴾ الذي هدانا إليه وهخو الإسلام ﴿هُوَ الهدى﴾ وحدَه وما عداه ضلال محضٌ وغيٌّ بحتٌ كقوله تعالى فَمَاذَا بَعْدَ الحقِّ إِلَاّ الضلال ونحوِه وتكريرُ الأمر للاعتناء بشأن المأمورِ به ولأن ما سبق للزجْرِ عن الشرك وهذا حثٌّ على الإسلام وهو توطِئةٌ لما بعده فإن اختصاصَ الهُدى بهُداه تعالى مما يوجبُ الامتثالَ بالأوامر الواردةِ بعده ﴿وَأُمِرْنَا﴾ عطفٌ على إن هُدى الله هو الهدى داخلٌ تحت القول واللام في ﴿لِنُسْلِمَ لِرَبّ العالمين﴾ لتعليل الأمر المَحْكيِّ وتعيينِ ما أريد به كمن الأوامر الثلاثة كما في قوله تعالى قُل لّعِبَادِىَ الذين آمنوا يُقِيمُواْ الصلاة وَيُنْفِقُواْ الآية كأنه قيل أمرنا وقيل لنا اسلموا لأجل أنم نسلَمَ وقيل هي بمعنى الباء أي أمرنا بأن نُسلم وقيل زائدة أي أُمرنا أن نُسلم على حذف الباء وقوله تعالى

стр. 1548

﴿وَأَنْ أَقِيمُواْ الصلاة واتقوه﴾ أي الله تعالى في مخالفةِ أمرهِ عطفٌ على نُسلم على الوجوه الثلاثة على أنّ أنْ المصدريةَ إذا وصلت بالأمر بتجرد هو عن معنى الأمر نحوُ تجردِ الصلةِ الفعليةِ عن معنى المضي والاستقبال فالمعنى على الأول أمرنا أي قيل لنا أسلموا وأقيموا الصلاة واتقوا الله لأجل أن نُسلمَ ونُقيمَ الصلاة ونتّقِيَه تعالى وعلى الأخيرين أمرنا بأن نسلمَ ونقيم الصلاة ونتقيه تعالى والتعرضُ لوصف ربوبيته تعالى للعالمين لتعليل الأمرِ وتأكيدِ وجوبِ الامتثالِ به كما أن قوله تعالى

стр. 1549

﴿وَهُوَ الذى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ موجِبةٌ للامتثال بما أُمر به من الأمور الثلاثة ﴿وَهُوَ الذى خلق السماوات والارض﴾ أُريد بخلقهما خلقُ ما فيهما أيضاً وعدمُ التصريح بذلك لظهور اشتمالهما على جميع العُلويات والسُفليات وقوله تعالى ﴿بالحق﴾ متعلقٌ بمحذوفٍ هو حالٌ من فاعلِ خلقَ أوْ منْ مفعولِه أو صفةٌ لمصدرِه المؤكِّد له أي قائماً بالحق أو متلبسه بالحق أو خلقا متلبساً به وقوله تعالى ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحق﴾ استئنافٌ لبيانِ أنّ خلقَه تعالى لِما ذُكر من السمواتِ والأرضِ ليس مما يَتوقَّفُ على مادّةٍ أو مُدّة بل يتَمّ بمحض الأمرِ التكوينيِّ من غير توقفٍ على شيءٍ آخَرَ أصلاً وأن ذلك الأمرَ المتعلِّقَ بكل فردٍ فردٌ من أفراد المخلوقات في حينٍ معينٍ من أفراد الأحيان حقٌّ في نفسه متضمنٌ للحكمة ويومَ ظرفٌ لمضمون جملةِ قولُه الحقُّ والواو بحسب المعنى داخلٌ عليها وتقديمُه عليها للاعتناءِ به من حيث إنه مدارُ الحقّيةِ وتركُ ذكرِ المقولِ له للثقةِ بغاية ظهوره والمرادُ باالقول كلمةُ كن تحقيقاً أو تمثيلاً كما هو المشهورُ فالمعنى وأمرُه المتعلقُ بكل شيءٍ يريد خلقَه من الأشياء في حينِ تعلّقِه به لا قبلَه ولا بعده من أفراد الأحيان الحقُّ أي المشهودُ له بالحقّية المعروفُ بها هذا وقد قيلَ قولُه مبتدأ والحق صفته ويوم يقول خبره مقدما عليه كقولك يومَ الجمعةِ القتالُ وانتصابه بمعنى الاستقرار وحاصلُ المعنى قولُه الحقُّ كائنٌ

стр. 1550

الأنعام آية ٧٤ ٧٥ حينَ يقول لشيءٍ من الأشياء كنْ فيكونُ ذلك الشيءُ وقيل يوم منصوبٌ بالعطف على السمواتِ أو على الضمير في واتقوه أو بمحذوف دل عليه بالحق وقوله الحق مبتدأ وخبر أو فاعلُ يكون على معنى حين يقول لقوله الحق أي لقضائه الحقِّ كن فيكون والمرادُ حين يكوِّن الأشياءَ ويُحدِثُها أو حين تقومُ القيامةُ فيكونُ التكوينُ حشرَ الأجساد وإحياءَها فتأملْ حقَّ التأمل ﴿وَلَهُ الملك يَوْمَ يُنفَخُ فِى الصور﴾ تقييدُ اختصاصِ المُلك بهِ تعالَى بذلك اليومِ مع عموم الاختصاصِ لجميع الأوقات لغاية ظهورِ ذلك بانقطاعِ العلائقِ المجازيةِ الكائنةِ في الدنيا المصحِّحة للمالكيةِ المجازية في الجملة كقوله تعالى لّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الواحد القهار ﴿عالم الغيب والشهادة﴾ أي هو عالمُهما ﴿وَهُوَ الحكيم﴾ في كلِّ ما يفعله ﴿الخبير﴾ بجميعِ الأمور الجليّة والخفيّة

стр. 1551

﴿وَإِذْ قَالَ إبراهيم﴾ منصوبٌ على المفعوليةِ بمضمرِ خوطب به النبي ﵊ معطوف على قل أندعو لا على أقيموا كما قيل لفساد المعنى أي واذكر لهم بعد ما أنكرتَ عليهم عبادةَ ما لا يقدِرُ على نفعٍ وضُرَ وحققتَ أن الهدى هو هدى الله وما يتبعه من شئونه تعالى وقتَ قولِ إبراهيمَ الذي يدّعون أنهم على ملته موبخا ﴿لأبيه آزر﴾ على عبادة الأصنام فإن ذلك مما يبكِّتُهم وينادي بفساد طريقتِهم وتوجيهُ الأمرِ بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه من الحوادث مع أنها المقصودةُ لما مر مرارا من المبالغة في إيجاب ذكرِها وآزرُ بزنةِ آدم وعابَر وعازَر وفالَغ وكذلك تارَحُ ذكره محمد بن إسحق والضحاكُ والكلبيُّ وكان من قريةٍ من سَواد الكوفة ومُنعَ صَرْفُه للعُجمة والعَلَمية وقيل اسمُه بالسريانية تارَحُ وآزَرُ لقبُه المشهورُ وقيل اسمُ صنمٍ لُقِّب هو به للزومه عبادتَه فهو عطف بيان لأبيه وبدل منه وقال الضحاك معناه الشيخ الهرم وقال الزجاج المُخطىء وقال الفراءُ وسليمانُ التيمي المعوَجُّ فهو نعتٌ له كما إذا جُعل مشتقاً من الأزْرِ أو الوز وأريد به عابدُ آزرَ على حذفِ المضافِ وإقامةِ المضافِ إليه مُقامَه وقرىء آزرُ على النداء وهو دليلُ العَلَمية إذ لا يُحذف حرفُ النداء إلا من الأعلام ﴿أَتَتَّخِذُ﴾ متعدَ إلى مفعولين هما ﴿أَصْنَاماً آلِهَة﴾ أي أتجعلُها لنفسك آلهةً على توجيه الإنكارِ إلى اتخاذ الجنس من غير اعتبار الجمعية وإنما إيرادُ صيغةِ الجمع باعتبار الوقوعِ وقرىء أاَزْراً بفتح الهمزة وكسرها بعج همزة الاستفهام وزاءٍ ساكنةٍ وراءٍ منونةٍ منصوبةٍ وهو اسمُ صنم ومعناه أتعبدُ آزرا ثم قيل تتخذ أصناماً آلهة تثبيتاً لذلك وتقريراً وهو داخل تحت الإنكار لكونه بيانا له وقيل الأزرُ القوة والمعنى ألأجل القوة والمظاهَرَةِ تتخذ أصناماً آلهة إنكاراً لتعزُّزِه بها على طريقة قوله تعالى أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العزة ﴿إِنّى أَرَاكَ وَقَوْمَكَ﴾ الذين يتبعونك في عبادتها ﴿فِى ضلال﴾ عن الحق ﴿مُّبِينٌ﴾ أي بيِّنٌ كونُه ضلالاً لا اشتباهَ فيه أصلاً والرؤيةُ إما علميةٌ فالظرفُ مفعولُها الثاني وإما بصَرية فهو حال من المفعول والجملة تعليلٌ للإنكار والتوبيخ

стр. 1552

﴿وَكَذَلِكَ نُرِى إبراهيم﴾ هذه الإرادة من الرؤية البصَريةِ المستعارةِ للمعرفة ونظرِ البصيرة أي عرفاناه

стр. 1553

٢ - الأنعام آية ٧٦ وبصَّرناه وصيغةُ الاستقبال حكايةٌ للحال الماضيةِ لاستحضار صورتِها وذلكَ إشارةٌ إلى مصدرِ نُري لا إلى إراءةٍ أخرى مفهومةٍ من قوله إني أراك وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو درجة المُشَارِ إليهِ وبُعدِ منزلتِه في الفضل وكمال تميزه بذلك وانتظامِه بسببه في سلك الأمور المشاهَدة والكافُ لتأكيد ما أفاده اسمُ الإشارةِ من الفخامة ومحلُها في الأصلِ النصبُ على أنَّه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ وأصل التقدير نُري إبراهيم إراءةً كائنة مثلَ تلك الإراءة فقُدّم على الفعلِ لإفادةِ القصِر واعتُبرت الكافُ مقحمةً للنكتة المذكورة فصار المشارُ إليه نفسَ المصدرِ المؤكدِ لا نعتاً له أي ذلك التبصيرَ البديعَ نبصِّره ﵇ ﴿مَلَكُوتَ السماوات والارض﴾ أي ربوبيته تعالى ومالكيته لهما وسلطانَه القاهرَ عليهما وكونَهما بما فيهما مربوباً ومملوكاً له تعالى لا تبصيراً آخَرَ أدنى منه والملكوتُ مصدرٌ على زنة المبالغة كالرَهَبوت والجَبَروت ومعناه الملك العظيم والسلطان القاهرُ ثم هل هو مختصٌّ بمُلك الله عزَّ سلطانه أو لا فقد قيل وقيل والأول هو الأظهر وبه قال الراغب وقيل ملكوتهما وعجائبهما وبدائعهما روي أنه كُشف لع ﵇ عن السموات والأرض حتى العرشُ وأسفلُ الأرضين وقبل ى ياتهما وقيل ملكوتُ السموات الشمسُ والقمرُ والنجومُ وملكوتُ الأرض الجبالُ والأشجار والبحارُ وهذه الأقوالُ لا تقتضي أن تكون الإراءَةُ بصَريةً إذ ليس المرادُ بإراءةِ ما ذُكر منَ الأمورِ الحسية مجردَ تمكينِه ﵇ من إبصارها ومشاهدتها في أنفسها بل إطلاعه ﵇ على حقائقها وتعريفَها من حيث دلالتها على شئونه لا ريبَ في أن ذلك ليس مما يُدرَك حسا كما يُنبىء عنه اسمُ الإشارة المُفصِحُ عن كون المشار إليه أمراً بديعاً فإن الإراءة البصرية المعتادو بمعزلٍ من تلك المثابة وقرىء تُري بالتاء وإسنادُ الفعل إلى الملكوت أي تُبصِره ﵇ دلائل الربوبية واللام في قوله تعالى ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الموقنين﴾ متعلقةٌ بمحذوفٍ مؤخر والجملةُ مقرِّر لما قبلها أي وليكون من زُمرة الرَّاسخين في الإيقان البالغين درجةَ عينِ اليقين من معرفة الله تعالى فعلنَا مَا فعلنَا منْ التبصير البديعِ المذكورِ لا لأمرٍ آخرَ فإن الوصولَ إلى تلك الغاية القاصيةِ كمالٌ مترتبٌ على ذلك التبصير لا ينه وليس القصرُ لبيان انحصار فائدتِه في ذلك كيف لا وإرشادُ الخلق وإلزامُ المشركين كما سيأتي من فوائده بلا مرْية بل لبيان أنه الأصلُ الأصيلُ والباقي من مستَتْبِعاته وقيل هي متعلقة بالفعل السابق والجملةُ معطوفةٌ على علةٍ أخرى محذوفةٍ ينسحبُ عليها الكلام أي يستدل بها وليكونَ الخ فينبغي أن يُرادَ بملكوتهما بدائعُهما وآياتُهما لأن الاستدلالَ من غاياتِ إراءَتِها لا من غايات إراءةِ نفسِ الربوبية وقوله تعالى

стр. 1554

﴿فلما جن عليه الليل﴾ على الأول وهو الحق المبين عطفٌ على قال إبراهيم دجاخل تحت ما أُمر بذكره بالأمرِ بذكرِ وقتِه وما بينهما اعتراض مقررلما سبق وما لحِق فإن تعريفَه ﵇ ربوبيتَه ومالكيتَه للسمواتِ والأرض وما فيهما وكونَ الكلِّ مقهوراً تحت ملكوتِه مفتقِراً إليه في الوجود وسائرِ ما يترتبُ عليه من الكمالات وكونَه من الراسخين في معرفة شئونه تعالى الواصلين إلى ذُروة عينِ اليقين مما يقضي بأن يَحكُم ﵇ باستحالة إلهية ما سواه

стр. 1555

الأنعام آية ٧٧ ٧٨ سبحانه من الأصنام والكواكب وعلى الثاني هو تفصيلٌ لما ذُكر من إراء ملكوتِ السموات والأرض وبيانٌ لكيفية استدلالِه ﵇ ووصولِه إلى رتبة الإيقان ومعنى جبن عليه الليل ستره بظلامهوقوله تعالى ﴿رَأَى كَوْكَباً﴾ جوابُ لمّا فإن رؤيتَه إنما تتحقق بزوال نورِ الشمس عن الحسّ وهذا صريحٌ في أنه لم يكن في ابتداءِ الطلوع بل كان غَيبتُه عن الحس بطريق الاضمحلال بنور الشمس والتحقيقُ أنه كان قريباً من الغروب كما ستعرفه قيل كان ذلك الكوكبُ هو الزُّهُرَة وقيل هو المشتري وقوله تعالى ﴿قَالَ هذا ربي﴾ اسئناف مبني على سؤال نشأ من الشرطيةِ السابقةِ المتفرعة على بيان إراءتِه ﵇ ملكوتَ السمواتِ والأرض فإن ذلك مما يحمِلُ السامعَ على استكشاف ماظهر منه ﵇ من آثار تلك الإراءةِ وأحكامِها كأنه قيل فماذا صنعَ ﵇ حين رأى الكوكب فقيل قال على سبيل الوضْع والفرضِ هذا ربي مجاراةً مع أبيه وقومِه الذين كانوا يعبُدون الأصنامَ والكواكب فإن المستدِلَّ على فساد قولٍ يحكيه على رأي خصمِه ثم يَكُرُّ عليه بالإبطال ولعل سلوكَ هذه الطريقة في بيان استحالةِ ربوبيةِ الكواكب دون بيانِ استحالةِ إلهية الأصنام لما أن هذا أخفى بُطلاناً واستحالةً من الأول فلو صدَعَ بالحق من أول الأمرِ كما فعله في حقّ عبادةِ الأصنام لتمادَوْا في المكابرة والعِناد ولجُّوا في طُغيانهم يعمهونوقيل قال ﵇ على وجه النظر والاستدلال وكان ذلك في زمان مراهقتِه وأولِ أوانِ بلوغه وهو مبنيٌّ على تفسير الملكوتِ بآياتهما وعطف قوله تعالى لكون على ما ذكر من العلة المقدرة وجَعْلِ قوله تعالى فَلَمَّا جَنَّ الخ تفصيلاً لما ذُكر من الإراءة وبياناً لكيفية الاستدلال وأنت خبير بأن كلَّ ذلك مما يُخِلُّ بجزالة النظمِ الجليل وجلالةِ منصِبِ الخليل ﵊ ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ أي غرٍب ﴿قَالَ لا أُحِبُّ الافلين﴾ أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغير من حال إلى حال المحتجبين بالأستار فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية

стр. 1556

﴿فَلَمَّا رَأَى القمر بَازِغاً﴾ أي مبتدئاً في الطلوعِ إثرَ غروبِ الكوكب ﴿قَالَ هذا رَبّى﴾ على الأسلوب السابق ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ كما أفل النجم ﴿قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبّى﴾ إلى جناابه الذي هو الحق لا محيدَ عنه ﴿لَاكُونَنَّ مِنَ القوم الضالين﴾ فإن شيئاً مما رأيته لا يليق بالربوبية وهذا مبالغةٌ منه ﵇ في إظهار النَّصَفة ولعله ﵇ كان إذ ذاك فيموضع كان في جانبه الغربيِّ جبلٌ شامخ يستتر به الكوكب والقمر وقت الظهر من النهار أو بعدجه بقليل وكان الكوكب قريباً منه وأُفقُه الشرقيُّ مكشوفٌ أولاً وإلا فطلوعُ القمر بعد أفولِ الكوكب ثم أفوله قل طلوع الشمس كما ينبىء عنه قوله تعالَى

стр. 1557

﴿فَلَماَّ رَأَى الشمس بَازِغَةً﴾ أي مبتدئةً في الطلوع مما لا يكاد يُتصور ﴿قَالَ﴾ أي على النهج السابق

стр. 1558

الأنعام آية ٧٩ ٨٠ ﴿هذا رَبّى﴾ وإنما لم يؤنِّثْ لَمَا أنَّ المشارَ إليهِ والمحكومَ عليه بالربوبية هو الجِرمُ المشاهَدُ من حيث هو لا من حيث هو مسمّىً باسمٍ من الأسامي فضلاً عن حيثيةِ تسميتِه بالشمس أو لتذكير الخبر وصيانةِ الربِّ عن وَصْمة التأنيث وقوله تعالى ﴿هذا أَكْبَرُ﴾ تأكيدٌ لما رامه ﵇ من إظهار النَّصَفة مع إشارةٍ خفيةٍ إلى فساد دينهم من جهة أخرى ببيان أن الأكبرَ أحقُّ بالربوبية من الأصغر ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾ هي أيضاً كما أفل اكوكب والقمرُ ﴿قَالَ﴾ مخاطباً للكلِّ صادِعاً بالحق بين أظهُرِهم ﴿يا قوم إنى برىء مما تشركون﴾ أي من الذي تشركونه من الأجرام المُحْدَثةِ المتغيرةِ من حالة إلى أخرى المسخَّرة لمحدِثها أو من إشراككم وترتيبُ هذا الحكمِ ونظيرَيْه على الأفول دون البزوغِ والظهور من ضروريات سَوْق الاحتجاجِ على هذا المَساق الحكيم فإن كلاًّ منهما وإن كان في نفسه انتقالاً منافياً لاستحقاق معروضِه للربوبية قطعاً لكن لما كان الأولُ حالةً موجبةً لظهور الآثارِ والأحكامِ ملائمةً لتوهُّم الاستحقاقِ في الجملة رتب عليها الحمكم الأول على الطريقة الم ١ كورة وحيث كان الثاني حالة مقتضِيةً لانطماس الآثار وبطلان الأحكام المنافيين للاستحقاق المذكور منافاةً بيّنةً يكاد يعترف بها كلُّ مكابرٍ عنيدٍ رُتّب عليها ما رتب ثم تبرأ ﵇ منهم توجَّه إلى مبدعِ هذي المصنوعات ومُنشئها فقال

стр. 1559

﴿إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فطر السماوات والأرض﴾ التي هي الأجرامُ التي تعبدونها من أجزائها ﴿والارض﴾ التي تغيب هي فيها ﴿حَنِيفاً﴾ أي مائلا عن الأديان الباطلة والعقائدِ الزائغة كلِّها ﴿وَمَا أَنَاْ مِنَ المشركين﴾ في شيء من الأفعال والأقوال

стр. 1560

﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ أي شرَعوا في مغالبته في أمر التوحيد ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ وقع جوابا عن سؤالٍ نشأَ من حكايةِ مُحاجَّتهم كأنَّه قيلَ فماذَا قالَ ﵇ حين حاجّوه فقيل قال منكرا لما اجترءوا عليه من مُحاجَّته مع قصورهم عن تلك الرُتبة وعِزّةِ المطلب وقوةِ الخصم ﴿أَتُحَاجُّونّى فِى الله﴾ بإدغام نون الجمع في نون الوقاية وقرىء بحذف الأولى وقوله تعالى ﴿وَقَدْ هَدَانِ﴾ حال من ضمير المتكلم مؤكِّدة للإنكار فإن كونه ﵇ مَهدِياً من جهة الله تعالى ومؤيَّداً من عنده مما يوجب استحالةَ مُحاجَّتِه ﵇ أي أتجادلونني في شأنه تعالى ووحدانيّتِه والحال أنه تعالى هداني إلى الحق بعد ما سلكت طريقتك بالفرض والتقدير وتبيَّن بُطلانُها تبيناً تاماً كما شاهدتموه وقوله تعالى ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ جوابٌ عما خوّفوه ﵇ في أثناء المُحاجّة من إصابة مكروهٍ من جهة أصنامِهم كما قال لهودٍ ﵇ قومُه إِن نَّقُولُ إِلَاّ اعتراك بَعْضُ آلهتنا بِسُوء ولعلهم فعلوا ذلك حين فعل ﵇ بآلهتهم ما فعل وما موصولةٌ اسميةٌ حُذف عائدُها وقوله تعالى ﴿إَّلا أَن يَشَاء رَبّى شَيْئاً﴾ استثناءٌ مفرغ من أعم الأوقات أي لا أخاف ما تشركونه به سبحانه من معبوداتكم في وقتٍ من الأوقاتِ إلا في وقتِ مشيئته

стр. 1561

٤ - الأنعام آية ٨١ تعالى شيئاً من إصابة مكروه من جهتها وذلك إنما هو منْ جهتِه تعالَى منْ غير دَخْلٍ لآلهتكم فيه أصلاً وفي التعرُّض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره ﵇ إظهارٌ منه لانقيادِه لحُكمه واستسلام لأمره واعتراف بكَوْنه تحتَ ملَكوتِه ورُبوبيتِه وقوله تعالى ﴿وَسِعَ رَبّى كُلَّ شَىْء عِلْماً﴾ كأنه تعليلٌ للاستثناء أي أَحَاطَ بِكُلّ شيءٍ عِلْمَا فلا يبعُد أنْ يكونَ في علمه تعالى أنْ يَحيقَ بي مكروهٌ مِنْ قِبَلها بسببٍ من الأسباب وفي الإظهار في موضع الإضمار تأكيدٌ للمعنى المذكور واستلذاذٌ بذكره تعالى ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ أي أتُعرضون عن التأمل في أن آلهتَكم جماداتٌ غيرُ قادرةٍ على شيء ما من نفه ولا ضر فلا تتذكرون أنها غيرُ قادرة على إضراري وفي إيراد التذكّرِ دون التفكر ونظائره غشارة إلى أن أمرَ أصنامِهم مركوزٌ في العقول لا يتوقف إلى على التذكر وقوله تعالى

стр. 1562

﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ﴾ استئنافٌ مَسوقٌ لنفي الخوفِ عنه ﵇ بحسَب زعمِ الكفَرةِ بالطريق الإلزاميِّ كما سيأت بعد نفيه عنه بسبب الواقع ونفسِ الأمر والاستفهامُ لإنكار الوقوعِ ونفيِه بالكليةِ كما في قولِه تعالى كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عند الله الآية لإنكار الواقعِ واستبعادِه مع وقوعِه كما في قوله تعالى كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله إلخ في توجيه الإنكارِ إلى كيفية الخوفِ من المبالغة ما ليس في توجيهه إلى نفسه بأن يقالَ أأخافُ لِما أن كلَّ موجودٍ يجب أن يكون وجودُه على حال من الأحوال وكيفيةٍ من الكيفيات قطعاً فإذا انتفى جميعُ أحواله وكيفياتِه فقد انتفى وجودُه من جميع الجهات بالطريق البرهاني وقوله تعالى ﴿وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بالله﴾ حال من ضمير أخاف بتقدير مبتدأ والواوُ كافة في الربط منْ غيرِ حاجةٍ إلى الضميرالعائد إلى ذي الحال وهو مقرِّرٌ لإنكار الخوفِ ونفيِه عنه ﵇ ومُفيدٌ لاعترافهم بذلك فإنهم حيث لم يخافوا في محلِّ الخوف فلأَنْ لا يَخافُ ﵇ في محل الأمنِ أولى وأحرى أي وكيف أخافُ أنا ما ليس في حيز الخوفِ أصلاً وأنتم لا تخافون غائلةَ ما هو أعظم المخوفات وأهولُها وهو إشراكُكم بالله الذي ليسَ كمثلِه شيءٌ في الأرض ولا في السماء ما هو من جملة مخلوقاته وإنما عبّر عنه بقوله تعالى ﴿مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ﴾ أي بإشراكه ﴿عَلَيْكُمْ سلطانا﴾ على طريقة التهكّم مع الإيذان بأن الأمورَ الدينية لا يُعوَّل فيها إلا على الحُجة المنزلةِ من عند الله تعالى وفي تعليق الخوفِ الثاني بإشراكهم من المبالغة مراعاة حسنِ الأدب ما لا يخفى هذا وأمَّا مَا قيلَ مِنْ أنَّ قولَه تعالى وَلَا تَخَافُونَ الخ معطوفٌ على أخاف داخل معه في حكم الإنكار والتعجيب فمما لا سبيلَ إليه أصلاً لإفضائه إلى فساد المعنى قطعاً كيف لا وقد عرفت أن الإنكارَ بمعنى النفي بالكلية فيؤول المعنى إلى نفي الخوف عنه ﵊ ونفي نفيه عنهم وأنه بيِّنُ الفساد وحملُ الإنكارِ في الأول على معنى نفي الوقوعِ وفي الثاني على استبعاد الواقع مما لا مَساغَ له على أنَّ قولَه تعالى ﴿فَأَىُّ الفريقين أَحَقُّ بالامن﴾ ناطقٌ ببُطلانه حتماً فإنه كلام مرتَّبٌ على إنكار خوفِه عليه الصلاة

стр. 1563

الأنعام آية ٨٢ ٨٣ والسلام في محل الأمن مع تحقق عدم خوفهم في محل الخوف مَسوقٌ لإلجائهم إلى الاعتراف باستحقاقه ﵊ لما هو عليه من الأمن وبعدم استحقاقِهم لما هم عليه وإنما جيءَ بصيغة التفضيلِ المُشعِرَةِ باستحقاقهم له في الجملة لْاستنزالهم عن رُتبة المكابرةِ والاعتسافِ بسَوْق الكلام على سَنن الإنصاف والمرادُ بالفريقين الفريقُ الآمنُ في محل الأمن والفريقُ الآمنُ في محلِّ الخوف فإيثارُ مَا عليهِ النظمُ الكريمُ على أن يُقال فأيُّنا أحقُّ بالأمن أنا أم أنتم لتأكيد الإلجاءِ إلى الجواب الحقِّ بالتنبيه على علّة الحُكم والتفادي عن التصريح بتخطئتهم لا لمجردِ الاحترازِ عن تزكية النفس ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ المفعولُ إما محذوفٌ تعويلاً على ظهوره بمعونه المقام أي إن كنتم تعملون من أحقُّ بذلك أو قصداً إلى التعميم أي إنْ كنتُم تعلمون شيئاً وإما متروكٌ بالمرة أي إن كنتم مِنْ أوُلي العلم وجوابُ الشرطِ محذوفٌ أي فأخبروني

стр. 1564

﴿الذين آمَنُواْ﴾ استئنافٌ من جهتِه تعالى للجواب الحقِّ الذي لا محيد عنه أي الفريقين الذين آمنوا ﴿وَلَمْ يَلْبِسُواْ إيمانهم﴾ ذلك أي لم يخلِطوه ﴿بِظُلْمٍ﴾ أي بشركٍ كما يفعله الفريق المشكون حيث يزعُمون أنهم يؤمنون بالله وأن عبادتَهم للأصنام من تتماتِ إيمانهم وأحكامِه لكونها لأجْل التقريبِ والشفاعة كما قالوا مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى وهذا معنى الخلْطِ ﴿أولئك﴾ إشارةٌ إلى الموصول من حيثُ اتصافُه بما في حيز الصلة وفي الإشارة إليه بعدَ وصْفِه بما ذُكر إيذانٌ بأنهم تميَّزوا بذلك عن غيرهم وانتظموا في سلك الأمور المشاهدة وما فيه من معنى البُعد للإشعار بعلوّ درجتِهم وبُعد منزلتِهم في الشرف وهو مبتدأٌ ثانٍ وقولُه تعالى ﴿لَهُمُ الامن﴾ جملةٌ من خبرٍ مقدمٍ ومبتدأ مؤخَّرٍ وقعت خبراً لأولئك وهو مع خبره للمبتدأ الأول الذي هو الموصول ويجوز أن يكونَ أولئك بدلاً من الموصول أو عطفُ بيان له خبراً للموصول والأمنُ فاعلاً للظرف لاعتماده على المبتدأ ويجوزُ أن يكون لهم خبراً مقدماً والأمنُ مبتدأً والجملةُ خبراً للموصول ويجوز أن يكون أولئك مبتدأً ثانيا ولهم خبره والأمن فاعلاً له والجملة خبر للموصولِ أي أولئك الموصوفينَ بما ذُكر من الإيمان الخالصِ عو شَوْب الشرك لهم الأمنُ فقط ﴿وَهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾ إلى الحق ومَنْ عداهم في ضلال مبين رُوي أنَّه لمَّا نزلتْ الآيةُ شقَّ ذلك على الصحابة رضوانُ الله علهم وقالوا أينا لم يظْلِمْ نفسه فقال ﵊ ليس ما تظنون إنما هو قال لقمانُ لابنه يا بني لا تُشرِكْ بالله إِنَّ الشرْكَ لظُلم عَظِيمٌ وليس الإيمانُ به أن يُصَدِّقَ بوجود الصانعِ الحكيم ويخلِطَ بهذا التصديق الإشراكَ به وليس من قضية الخلطِ بقاءُ الأصلِ بعد الخلطِ حقيقةً وقيل المرادُ بالظلم المعصيةُ التي تُفسِّق صاحبَها والظاهرُ هو الأولُ لوروده موردَ الجواب عن حالة الفريقين

стр. 1565

﴿وَتِلْكَ﴾ إشارةٌ إلى ما احتج به إبراهيمُ ﵇ من قوله تعالى فَلَمَّا جَنَّ وقيل من قوله أتحاجونيإلى قوله مُّهْتَدُونَ وما في إسمِ الإشارةِ من معنى البُعد لتفخيم شأن المُشار إليه والإشعارِ بعلو طبقته وسمو منزلته

стр. 1566

الأنعام آية ٨٤ في الفضل وهو مبتدأ وقوله تعالى ﴿حُجَّتُنَا﴾ خبرُه وفي إضافتها إلى نونِ العظمةِ من التفخيم ما لا يخفى وقوله تعالى ﴿آتَيْنَاهَا إبراهيم﴾ أي أرشدناه إليها وعلمناه إياها في محل النصب على أنه حال من حجتُنا والعاملُ فيها معنى الإشارةِ كما في قوله تعالى فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بماظلموا أو في محلِ الرفعِ على أنه خبرٌ ثانٍ أو هو الخبر وحدجبتنا بدل أو بيان المبتدأ وإبراهيم مفعولٌ أولٌ لآتينا قُدِّم عليه الثاني لكونه ضميراً وقوله تعالى ﴿على قَوْمِهِ﴾ متعلِّقٌ بحجتُنا إن جُعل خبراً لتلك أو بمحذوفٍ إن جُعل بدلاً أي آتينا إبراهيمَ حجةً على قومه وقيل بقوله آتينا ﴿نَرْفَعُ﴾ بنون العظمةِ وقرىء بالباء على طريق الالتفات وكذا الفعل الآتي ﴿درجات﴾ أي رتباً عظيمةً عالية من العلم والحكمة وانتصابُها على المصدرية أو الظرفية أو على نزع الخافض أي إلى درجات أو على التمييز والمفعولُ قوله تعالى ﴿من نشاء﴾ وتأخيرُه على الوجوه الثلاثةِ الأخيرةِ لما مرَّ من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخَّر ومفعولُ المشيئة محذوفٌ أي من نشاء رفعَه حسبما تقتضيه الحكمة وتستدعيه المصلحةُ وإيثارُ صيغةِ الاستقبالِ للدلالةِ عَلى أنَّ ذلكَ سُنةٌ مستمرَّة جاريةٌ فيما بين المُصطَفَيْنَ الأخيارِ غيرُ مختصةٍ بإبراهيمَ ﵇ وقرىء بالإضافة إلى من والجملةُ مستأنَفة مقرِّرةٌ لما قبلها لا محلَّ لها من الإعراب وقيل هي في محل النصب على أنها حالٌ من فاعل آتينا أي حال كوننا رافعين الخ ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ﴾ في كلِّ ما فعل من رفْعٍ وخفضٍ ﴿عَلِيمٌ﴾ بحال من يرفعُه واستعدادِه له على مراتبَ متفاوتة والجملةُ تعليلٌ لما قبلها وفي وضع الرَّبِّ مُضافاً إلى ضميرِه ﵇ موضِعَ نونِ العظمةِ بطريق الالتفاتِ في تضاعيف بيان أحوال غبراهيم ﵇ إظهارٌ لمزيد لُطفٍ وعنايةٍ به عليه السلام

стр. 1567

﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ﴾ عطف على قوله تعالى وَتِلْكَ حُجَّتُنَا الخ فإن عطفَ كلَ من الجملة الفعلية والاسميةِ على الأخرى مما لا نزاعَ في جوازه ولا مساغَ لعطفه على آتيناها لأن له محلاً من الإعراب نصْباً ورفعاً حسبما بُيِّن من قبلُ فلو عُطف هذا عليه لكان في حُكمه من الحالية والخبرية المستدعيتين للرابط ولا سبيلَ إليه ههنا ﴿كَلَاّ﴾ مفعولٌ لِمَا بعده وتقديمه للقصر لكن لا بالنسبة إلى غيرهما مطلقاً بل بالنسبة إلى أحدهما أي كلُّ واحدٍ منهما ﴿هَدَيْنَا﴾ لا أحدَهما دون الآخَر وتركُ ذكر المهدى إليه لظهور أنه الذي أوتيَ إبراهيمُ وأنهما مقتدِيان به ﴿وَنُوحاً﴾ منصوبٌ بمضمر يفسِّره ﴿هَدَيْنَا مِن قَبْلُ﴾ أي من قبلِ إبراهيمَ ﵇ عَدَّ هُداه نعمةً على إبراهيمَ ﵇ لأن شرفَ الوالدِ سارٍ إلى الولد ﴿وَمِن ذُرّيَّتِهِ﴾ الضمير لإبراهيمَ لأن مَساقَ النظمِ الكريمِ لبيانِ شئونه العظيمةِ من إيتاءِ الحجةِ ورفع الدرحات وهبةِ الأولادِ الأنبياءِ وإبقاءِ هذه الكرامةِ في نسله إلى يوم القيامة كلُّ ذلك الإلزام مَنْ ينتمي إلى ملتِه ﵇ من المشركين واليهود وقيل لنوحٍ لأنه أقربُ ولأن يونُسَ ولوطاً ليسا من ذرِّية إبراهيمَ فلو كان الضميرُ له لاختصَّ بالمعدودين في هذه الآية التي بعدها وأما المذكورون في الآية الثالثةِ فعطفٌ على نوحاً ورُوي عن ابن عبَّاسٍ أن هؤلاءِ الأنبياءَ كلَّهم مُضافون إلى ذرِّية إبراهيم وإن كان

стр. 1568

الأنعام آية ٨٥ ٨٦ منهم من لم يلْحَقه بولادةٍ من قِبَلِ أمَ ولا أب لأن لوطاً ابنُ أخي إبراهيم والعربُ تجعل العمَّ أباً كما أخبر الله تعالى عن أبناءِ يعقوبَ أنهم قالوا نَعْبُدُ إلهك وإله آبَائِكَ غبراهيم وغسماعيل وأسحق مع إن إسمعيل عم يعقوب ﴿داود وسليمان﴾ منصوبان بمُضمرٍ مفهومٍ مما سبق وكذا ما عكف عليهما وبه يتعلق من ذريته وتقديمه على المفعول في الصريح للاهتمام بشأنه مع ما في المفاعيلِ من نوع طكول ربما يُخلُّ تأخيرُه بتجاوب النظم الكريم أي وهدينا من ذريته داودَ وسليمان ﴿وَأَيُّوبَ﴾ هو ابنُ أموصَ من أسباطِ عيصِ بنِ إسحاقَ ﴿وَيُوسُفَ وموسى وهارون﴾ أو بمحذوفٍ وقعَ حالاً من المذكورين أي وهديناهم حال كونهم من ذريته ﴿وكذلك﴾ إشارةٌ إلى ما يُفهم من النظم الكريم من جزاءِ إبراهيمَ ﵇ ومحلُّ الكافِ النصبُ على أنه تعت لمصدر محذوف وأصل التقدير ﴿نَجْزِى المحسنين﴾ جزاءً مثلَ ذلك الجزاءِ والتقديمُ للقصر وقد مرَّ تحقيقُه مراراً والمراد بالمحسنين لجنس وبمماثلة جزائِهم لجزائه ﵇ مطلقُ المشابهةِ في مقابلةِ الإحسانِ بالإحسان والمكافأةِ بين ألعمال والأجْزِية من غير بخسٍ لا المماثلةُ من كل وجه ضرورةَ أن الجزاءَ بكثرةِ الأولاد الأنبياءِ مما اختص به إبراهيمُ ﵇ والأقربُ أن لامَ المحسنين للعهد وذلكَ إشارةٌ إلى مصدرِ الفعل الذي بعده وهو عبارةٌ عما أوتيَ المذكورون من فنُون الكرامات وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو صفته للإيذان بعلو طبقته والطاف لتأكيد ما أفاده اسمُ الإشارةِ من الفخامة ومحلها في الأصلِ النصبُ على أنَّه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ وأصل التقدير ونجزي المحسنين المذكورين جزاء كائناً مثل ذلك الجزاء فقُدّم على الفعلِ لإفادةِ القصِر واعتُبرت الكافُ مقحمةً للنكتة المذكورة فصار المشارإليه نفسَ المصدرِ المؤكدِ لا نعتاً له أي وذلك الجزاءَ البديعَ نجزي المحسنين المذكورين لا جزاءً آخرَ أدنى منه والإظهارُ في موضعِ الإضمارِ للثناء عليهم بالإحسان الذي هو عبارةٌ عن الإتيان بالأعمال الحسنة على لا الوجه اللائقِ الذي هو حسنهال الوصفيُّ المقارِنُ لحُسنها الذاتي وقد فسَّره ﵊ بقولِه أنْ تعبدَ الله كأنَّك تراهُ فإنْ لم تكرن تراهُ فإنَّهُ يَرَاكَ والجملةُ اعتراض لما قبلها

стр. 1569

﴿وزكريا﴾ هو ابنُ آذَنَ ﴿ويحيى﴾ ابنُه ﴿وَعِيسَى﴾ هو ابنُ مريم وفيه دليلٌ على أنَّ الذرية تتناول أولادَ البنات ﴿وَإِلْيَاسَ﴾ قيل هو إدريسُ جدُّ نوحٍ فيكونُ البيانُ مخصوصاً بمِنْ في الآية الأولى وقيل هو من اسباط هرون أخِي مُوسى ﵉ ﴿كُلٌّ﴾ أي كلَّ واحدٍ من أولئك المذكورين ﴿مّنَ الصالحين﴾ أي من الكاملينَ في الصلاحِ الذي هو عبارةٌ عن الإتيان بما ينبغي والتحرُّز عما لا ينبغي والجملةُ اعتراضٌ جيءَ به للثناءِ عليهم بالصلاح

стр. 1570

﴿وإسماعيل واليسع﴾ هو ابنُ أخطوبَ بنِ العجوز وقرىء واليسع وهو على القراءتين على أعجميٌّ أُدخل عليه اللام ولا اشتقاق له ويقال إنه يوشَعُ بنُ نون وقيل إنه منقولٌ من مضارعِ وسِعَ واللام كما في يزيد في قول من قال أرأيت الوليدَ بنَ اليزيدَ مُبارَكاً شديداً بأعباءِ الخِلافة كاهلُه ﴿ويونس﴾

стр. 1571

الأنعام آية ٨٧ ٨٩ هو ابن متى ﴿وَلُوطاً﴾ هو ابن هاران بنِ أخي إبراهيمَ ﵇ ﴿وَكُلاًّ﴾ أي وكلَّ واحدٍ من أولئك المذكورين ﴿فضلنا﴾ بالن لا بعضهم دون أخي ﴿عَلَى العالمين﴾ على عالَمي عصرهم والجملة اعتراض كأختها وقوله تعالى

стр. 1572

﴿ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم﴾ إما متعلقٌ بما تعلقَ بهِ من ذريته ومن ابتدائية والمفعول محذوف أي وهدجينا من آبائهم وذرياتهم وإخوانهم جماعاتٍ كثيرةً وإما معطوف على كلاًّ ومن تبعيضية أي وفضلنا بعضَ آبائهم الخ ﴿واجتبيناهم﴾ عطفٌ على فضلنا أي اصطفيناهم ﴿وهديناهم إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ﴾ تكريرٌ للتأكيدِ وتمهيدٌ لبيان ما هُدوا إليه

стр. 1573

﴿ذلك﴾ إشارة إلى ما يُفهم من النظم الكريم من مصادرِ الأفعال المذكورة وقيل إلى ما دانوا به وما في ذلك من معنى البُعد لما مر مراراً ﴿هدى الله﴾ الإضافة للشريف ﴿يَهْدِى بِهِ مَن يشاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ وهم المستعدّون للهداية وافرشاد وفيه إشارةٌ إلى أنَّه تعالى متفضِّلٌ بالهداية ﴿وَلَوْ أَشْرَكُواْ﴾ أي هؤلاءِ المذكورون ﴿لَحَبِطَ عَنْهُمْ﴾ مع فضلهم وعلوِّ طبقاتِهم ﴿مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ من الأعمال المَرْضيّة الصالحة فكيف بمَنْ عداهم وهم هم وأعمالهم أعمالهم

стр. 1574

﴿أولئك﴾ إشارةٌ إلى المذكورين من الأنبياء الثمانيةَ عشَرَ والمعطوفين عليهم ﵈ باعتبار اتصافهم بما ذكر من الهداية وغيرِها من النعوت الجليلةِ الثابتةِ لهم وما فيه من معنى البُعد لما مرَّ غيرَ مرة من الإيذان بعلوِّ طبقتهم وبُعد منزلَتهِم في الفضلِ والشرف وهو مبتدأٌ خبرُه قولُه تعالى ﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾ أي جنسَ الكتابِ المتحقِّقِ في ضمن أيِّ فردٍ كان من أفراد الكتب السماوية والمراد بإيتائه التفهيمُ التام بما فيه من الحقائق والتمكينُ من الإحاطةِ بالجلائلِ والدقائق أعمُّ من أن يكون ذلك بالإنزال ابتداءً أو بالإيراث بقاءً فإن المذكورين لم يُنْزَلْ على كلِّ واحدٍ منهم كتاب معين ﴿الحكم﴾ أي الحِكمةَ أو فصلَ الأمر على ما يقتضيه الحقُّ والصواب ﴿والنبوة﴾ أي الرسالة ﴿فَإِن يَكْفُرْ بِهَا﴾ أي بهذه الثلاثة أو بالنبوة الجامعة للباقين ﴿هَؤُلاء﴾ أي كفارُ قريشٍ فإنهم بكفرهم برسولِ الله ﷺ وما أنزل عليه من القرآن كافرون بما يصدِّقه حميعا وتقديم الجار والمجرور على الفاعلِ لما مرَّ مراراً من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخّر ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا﴾ أي أمَرْنا بمراعاتها ووفَّقْنا للإيمان بها والقيامِ بحقوقها ﴿قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بكافرين﴾ أي في وقتٍ من الأوقاتِ بل مستمرون على الإيمان بها فإن الجملةَ الاسميةَ الإيجابية كما تفيد دوامَ الثبوت كذلك السلبيةُ تُفيدُ دوامَ النَّفيِ بمعونةِ المقامِ لا نفْيِ الدوام كما حقق مقامه قال ابنُ عباس ومجاهدٌ رضي الله تعالى عنهما الأنصارُ وأهلُ المدينة وقيل أصحاب النبيِّ ﷺ وقيل كل مؤمن من بني آدمَ وقيل الفرس فإن

стр. 1575

الأنعام ٩٠ ٩١ كلاًّ من هؤلاء الطوائف موَفّقون للإيمان بالأنبياء وبالكتب المُنْزَلة إليهم عاملون بما فيها من أصول الشرائعِ وفروعِها الباقية في شريعتنا وبه يتحقق الخروجُ عن عهدة التوكيل دون المنسوخة منها فإنها بانتساخها خادة عن كونها من أحكامها وقد مرَّ تحقيقُه في تفسير سورة المائدة وقيل هم الأنبياءُ المذكورون فالمرادُ بالتوكيل الأمرُ بما هو أعمُّ من إجراء أحكامِها كما هو شأنهم في حق كتابهم ومِنِ اعتقاد حقِّيتِها كما هو في شأنهم في حق سائرِ الكتبِ التي من جملتها القرآنُ الكريم وقيل هم الملائكةُ فالتوكيل هو الأمرُ بإنزالها وحفظها واعتقاد حقيتها وأياً ما كان فتنكيرُ قوماً للتفخيم والباء الأولى صلة لكافرين قدمت عليه محافظةً على الفواصل والثانية لتأكيد النفي وأما تقديم صلة وكلنا على مفعوله الصريح فلِما ذكر آنفاً من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر ولأن فيه نوعَ طولٍ ربما يؤدِّي تقديمُه إلى الإخلال بتجاوب النظم الكريم أو إلى الفصلِ بين الصفةِ والموصوف وجوابُ الشرط محذوفٌ يدلُّ عليه المذكور أي فإن يكفُرْ بها هؤلاءِ فلا اعتدادَ به أصلاً فقد وفّقنا للإيمان بها قوماً فِخاماً ليسوا بكافرين بها قطعاً بل مستمرون على الإيمان بها والعملِ بما فيها ففي إيمانهم بها مندوحةٌ عن إيمان هؤلاء ومن هذا تبيّن أن الوجه أن يكونَ المرادُ بالقوم إحدى الطوائف المذطورة إذْ بإيمانهم بالقرآن والعملِ بأحكامه تتحقّقُ الغُنية عن إيمان الكَفَرة به والعملِ بأحكامه وأما الأنبياءُ والملائكةُ ﵈ فإنما به ليس من قبيل إيمانِ آحادِ الأمةِ كما أشير إليه

стр. 1576

﴿أولئك﴾ إشارة إلى ألنبياء المذكورين وما فيه من معنى البُعد للإيذانِ بعلوِّ رُتبتهم وهو مبتدأٌ خبرُه قولُه تعالى ﴿الذين هَدَى الله﴾ أي إلى الحق والنهج المستقيم والالتفاتُ إلى الإسم الجليل للإشعار بعلة الهداية ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقتده﴾ أي فاختصَّ هداهم بالاقتداء ولا تقتَدِ بغيرهم والمرادُ بهداهم طريقتُهم في الأيمان بالله تعالى وتوحيدِه وأصولِ الدين دون الشرائعِ القابلةِ للنسخ فإنها بعد النسخ لا تبقى هُدىً والهاء في اقتده للوقف حقها أنم تسقط في الدّرْج واستُحسن إثباتُها فيه أيضاً إجراءً له مُجرى الوقفِ واقتداءً بالإمام وقرىء بإشباعها على أنها كناية المصدر ﴿قُل لَاّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي على القُرآنِ أو على التبليغ فإن مَساقَ الكلامِ يدل عليهما وإن لم يجْرِ ذكرُهما ﴿أَجْراً﴾ من جهتكم كما لم يسألْه مَنْ قبلي من الأنبياءِ ﵈ وهذا من جملة ما أمر ﷺ بالاقتداء بهم فيه ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي مَا القرآنُ ﴿إِلَاّ ذكرى للعالمين﴾ أي عظةٌ وتذكيرٌ لهم كافةً من جهته سبحانه فلا يختَصُّ بقوم دون آخرين

стр. 1577

﴿وَمَا قَدَرُواْ الله﴾

стр. 1578

لما بيَّن شأنَ القرآنِ العظيم وأنه نعمةٌ جليلةٌ منه تعالى على كافة الأمم حسبما يتعلق به قولُه تعالى وَمَا أرسلناك إِلَاّ رَحْمَةً للعالمين عقّب ذلك ببيان غمْطِهم إياها وكفرِهم بها على وجْهٍ سرَى ذلك إلى الكفر بجميع الكتب الإلهية وأصلُ القدْر السبْرُ والحزْرُ يقال قدَر الشيء يقدرُه بالم قدْراً إذا سبَره وحزَره ليعرِف مقداره ثم استُعمل في معرفة الشيء في مقداره وأحوالِه وأوصافِه وقوله تعالى ﴿حَقَّ قَدْرِهِ﴾ نُصب على المصدرية وهو في الأصل صفةٌ للمصدر أي قدْرَه الحقَّ فلما أضيف إلى موصوفه انتصبَ على ما كان ينتصبُ عليه موصوفُه أي ما عرفوه تعالى حقَّ معرفتِه في اللُطف بعباده والرحمةِ عليهم ولم يُراعوا حقوقَه تعالى في ذلك بل أخلّوا بها إخلالاً ﴿إِذْ قَالُواْ﴾ منكرين لبِعثة الرسلِ وإنزالِ الكتُب كافرين بنعمته الجليلةِ فيهما ﴿مَا أَنزَلَ الله على بشر من شىء﴾ فنفي معرفتهم لقره سبحانه كنايةً عن حطِّهم لقدرة الجليل ووصفهو له تعالى بنقيضِ نعتِه الجميل كما أنَّ نفيَ المحبةِ في مثل إِنَّ الله لَا يُحِبُّ الكافرين كنايةٌ عن البغضِ والسُّخطِ وإلا فنفيُ معرفةِ قدرِه تعالى يتحقق مع عدم التعرُّض لحطِه بل مع السعْي في تحصيل المعرفةِ كما في قول من يناجي مستقصِراً لمعرفته وعبادته سبحانك ما عرَفناك حقَّ معرفتِك وما عبدناك حقَّ عبادتك وما عرفوه حقَّ معرفتِه في السخط على لكفار وشدّةِ بطشِه تعالى بهم حسبما نطقَ به القرآنُ حين اجترءوا على التفوُّه بهذه العظيمةِ الشنعاءِ فالنفيُ بمعناه الحقيقي والقائلون هم اليهودُ وقد قالوه مبالغةً في إنكار إنزالِ القرآنِ على رسولِ الله ﷺ فأُلزِموا بما لا سبيلَ لهم في إنكاره أصلاً حيث قيل ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذي جاءَ به موسَى﴾ أي قل لهم ذلك على طريقة التبكيت وإلقامِ الحجر وروي أن مالكَ بنَ الصيف من أحبار اليهودِ ورؤسائِهم قال له رسول الله ﷺ أنشُدُك الله الذي أنزل التوراةَ على موسى هل تجد فيها أن الله يُبغض الحِبرَ السمين فأنت الحِبرُ السمين قد سمِنْتَ من مالك الذي تُطعمُك اليهود فضحك القومُ فغضبَ ثم التفت إلى عمرَ ﵁ فقال ما أنزل الله على بشر من شىء فنزعوه وجعلوا مكانه كعبَ بن الأرشف وقيل هم المشركون وإلزامُهم إنزالُ التوراة لما أنه كان عندهم من المشاهير الذائعةِ ولذلك كانوا يقولون لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الكتاب لَكُنَّا أهدى مِنْهُمْ ووصفُ الكتاب بالوصول إليهم لزيادة التقريعِ وتشديدِ التبكيت وكذا تقييدُه بقوله تعالى ﴿نُوراً وَهُدًى﴾ فإن كونَه بيّناً بنفسه ومبيِّناً لغيره مما يؤكد الإلزامَ أيَّ تأكيدٍ وانتصابُهما على الحاليَّةِ من الكتابِ والعامل أَنزل أو من الضميرِ في به والعامل جاء واللام في قوله تعالى ﴿لِلنَّاسِ﴾ إما متعلقٌ بهدىً أو بمحذوف هو صفةٌ له أي هدى كائناً للناس وليس المرادُ بهذا مجردَ إلزامِهم بالاعتراف بإنزال التوراةِ فقط بل بإنزال القرآنِ أيضاً فإن الاعترافَ بإنزالها مستلزِمٌ للاعتراف بإنزاله قطعاً لما فيها من الشواهد الناطقةِ به وقد نعى عليهم ما فعلوا بها من التحريف والتغييرِ حيث قيل ﴿تَجْعَلُونَهُ قراطيس﴾ أي تضعونه في قراطيسَ مقطعة وورقات مفرقة بحذ الجارِّ بناءً على تشبيه القراطيس بالظرف المُبْهم أو تجعلونه نفسَ القراطيس المقطعة وفيه زيادةُ توبيخٍ لهم بسوء سنيعهم كأنهم أخرجوه من جنس الكتاب ونزّلوه منزلةَ القراطيسِ الخاليةِ عن الكتابة والجملة حالٌ كما سبق وقوله تعالى ﴿تُبْدُونَهَا﴾ صفةٌ لقراطيسَ وقوله تعالى ﴿وَتُخْفُونَ كَثِيراً﴾

стр. 1579

الأنعام آيو ٩٢ معطوفٌ عليه والعائدُ إلى الموصول محذوفٌ أي كثيراً منهم وقيل كلامٌ مبتدأ لا محلَّ له من الإعراب والمرادُ بالكثير نعوتُ النبيِّ ﵊ وسائرُ ما كتموه من أحكام التوراة وقرىء الأفعالُ الثلاثةُ بالياء حملاً على قالوا وما قدروا وقوله تعالى ﴿وَعُلّمْتُمْ مَّا لَمْ تعلموا أنتم ولا آباؤكم﴾ قيل هو حالٌ من فاعل تجعلونه بإضمار أو بدونِه على اختلافِ الرأيين قلت فينبغي أن يجعل ما عبارةً عما أخذوه من الكتاب من العلوم والشرائعِ ليكون التقييدُ بالحال مفيداً لتأكيد التوبيخِ وتشديدِ التشنيع فإن ما فعلوه بالكتاب من التفريق والتقطيعِ لما ذُكر من الإبداءِ والإخفاءِ شناعةٌ عظيمة في نفسها ومع ملاحظة كونه مأخذاً لعلومهم ومعارفِهم أشنعَ وأعظمَ لا عما تلقَّوْه من جهة النبيِّ ﷺ زيادةٍ على ما في التوراة وبياناً لما التَبَس عليهم وعلى ى بائهم من مشكلاتها حسْبما ينطِق به قوله تعالى إن هذا القرآن يقص على بني غسرائل أَكْثَرَ الذى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ كما قالوا لأنّ تلقَّيَهم لذلك من القرآن الكريم ليس مما يزجُرهم عما صنعوا بالتوراة أما ما ورد فيه زيادةً على ما فيها فلأنه لا تعلّقَ له بها نفياً ولا إثباتاً وأما ما ورد بطريق البيانِ فلأن مدارَ ما فعلوا بها من التبديل والتحريفِ ليس ما وقع فيها من التباس الأمرِ واشتباهِ الحال حتى يُقلِعوا عن ذلك بإيضاحه وبيانِه فتكونَ الجملةُ حينئذ خاليةً عن تأكيد التوبيخ فلا تستحق أن تقعَ موقع الحال بل الوجهُ حينئذٍ أن تكون استئنافاً مقرِّراً لما قبلها من مجيءِ الكتابِ بطريق التكملةِ والاستطراد والتمهيدِ لما يعقُبه من مجيءِ القرآن ولا سبيل إلى جعل ما عبارةً عما كتموه من أحكام التوراةِ كما يفصحُ عنه قولُه تعالى قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ كَثِيراً مّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكتاب فإن ظهورَه وإن كان مزْجَرةً لهم عن الكتم مخافةَ الافتضاح ومصحِّحاً لوقوعِ الجملة في موقع الحالِ لكن ذلك مما يعلمه الكاتمون حتماً هذا وقد قيل الخطابُ لمن آمن من قريش كما في قوله تعالى لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ آباؤهم وقوله تعالى ﴿قُلِ الله﴾ أمر لرسول الله ﷺ بأن يُجيبَ عنهم إشعاراً بتعيُّن الجوابِ بحيث لا محيدَ عنه وإيذاناً بأنهم أُفحموا ولم يقدِروا على التكلم أصلاً ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ﴾ في باطلهم الذي يخوضون فيه ولا عليك بعد إلزامِ الحجة وإلقامِ الحجر ﴿يَلْعَبُونَ﴾ حال من الضمير الأول والظرفُ صلة للفعل المقدّم أو المؤخر أو متعلقٌ بمحذوفٍ هو حال من مفعولِ الأولِ أو من فاعل الثاني أو الضمير الثاني لأنه فاعلٌ في الحقيقة والظرفُ متَّصل بالأول

стр. 1580

﴿وهذا كتاب أنزلناه﴾ تحقيقٌ لنزول القرآن الكريم بعدج تقرير إنزال ما بَشَّر به من التوراة وتكذيبٌ لهم في كلمتهم الشنعاءِ إثرَ تكذيبٍ ﴿مُّبَارَكٌ﴾ أي كثيرُ الفوائد وجمُّ المنافع ﴿مُّصَدّقُ الذى بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من التوراة لنزوله حسبما وُصِف فيها أو الكتُبِ التي قبله فإنه مصدِّقٌ للكل في إثبات التوحيد والأمرِ به ونفي الشرْك والنهي عنه وفي سائر أصولِ الشرائعِ التي لا تُنسخ ﴿وَلِتُنذِرَ أُمَّ القرى﴾ عطفٌ على ما دل عليه مبارك أي للبركات وإنذارك أهل مكة إنما ذُكرت باسمها المُنبىءِ عن كونها أعظم القرآ شأناً وقِبْلةً لأهلها قاطبةً إيذاناً بأن إنذارَ أهلِها أصلٌ مستتبِعٌ لإنذار أهلِ الأرض كافة وقرىء
следующие страницы →