← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

﴿أولئك﴾ إشارة إلى ألنبياء المذكورين وما فيه من معنى البُعد للإيذانِ بعلوِّ رُتبتهم وهو مبتدأٌ خبرُه قولُه تعالى ﴿الذين هَدَى الله﴾ أي إلى الحق والنهج المستقيم والالتفاتُ إلى الإسم الجليل للإشعار بعلة الهداية ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقتده﴾ أي فاختصَّ هداهم بالاقتداء ولا تقتَدِ بغيرهم والمرادُ بهداهم طريقتُهم في الأيمان بالله تعالى وتوحيدِه وأصولِ الدين دون الشرائعِ القابلةِ للنسخ فإنها بعد النسخ لا تبقى هُدىً والهاء في اقتده للوقف حقها أنم تسقط في الدّرْج واستُحسن إثباتُها فيه أيضاً إجراءً له مُجرى الوقفِ واقتداءً بالإمام وقرىء بإشباعها على أنها كناية المصدر ﴿قُل لَاّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي على القُرآنِ أو على التبليغ فإن مَساقَ الكلامِ يدل عليهما وإن لم يجْرِ ذكرُهما ﴿أَجْراً﴾ من جهتكم كما لم يسألْه مَنْ قبلي من الأنبياءِ ﵈ وهذا من جملة ما أمر ﷺ بالاقتداء بهم فيه ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي مَا القرآنُ ﴿إِلَاّ ذكرى للعالمين﴾ أي عظةٌ وتذكيرٌ لهم كافةً من جهته سبحانه فلا يختَصُّ بقوم دون آخرين

стр. 1577

﴿وَمَا قَدَرُواْ الله﴾

стр. 1578

لما بيَّن شأنَ القرآنِ العظيم وأنه نعمةٌ جليلةٌ منه تعالى على كافة الأمم حسبما يتعلق به قولُه تعالى وَمَا أرسلناك إِلَاّ رَحْمَةً للعالمين عقّب ذلك ببيان غمْطِهم إياها وكفرِهم بها على وجْهٍ سرَى ذلك إلى الكفر بجميع الكتب الإلهية وأصلُ القدْر السبْرُ والحزْرُ يقال قدَر الشيء يقدرُه بالم قدْراً إذا سبَره وحزَره ليعرِف مقداره ثم استُعمل في معرفة الشيء في مقداره وأحوالِه وأوصافِه وقوله تعالى ﴿حَقَّ قَدْرِهِ﴾ نُصب على المصدرية وهو في الأصل صفةٌ للمصدر أي قدْرَه الحقَّ فلما أضيف إلى موصوفه انتصبَ على ما كان ينتصبُ عليه موصوفُه أي ما عرفوه تعالى حقَّ معرفتِه في اللُطف بعباده والرحمةِ عليهم ولم يُراعوا حقوقَه تعالى في ذلك بل أخلّوا بها إخلالاً ﴿إِذْ قَالُواْ﴾ منكرين لبِعثة الرسلِ وإنزالِ الكتُب كافرين بنعمته الجليلةِ فيهما ﴿مَا أَنزَلَ الله على بشر من شىء﴾ فنفي معرفتهم لقره سبحانه كنايةً عن حطِّهم لقدرة الجليل ووصفهو له تعالى بنقيضِ نعتِه الجميل كما أنَّ نفيَ المحبةِ في مثل إِنَّ الله لَا يُحِبُّ الكافرين كنايةٌ عن البغضِ والسُّخطِ وإلا فنفيُ معرفةِ قدرِه تعالى يتحقق مع عدم التعرُّض لحطِه بل مع السعْي في تحصيل المعرفةِ كما في قول من يناجي مستقصِراً لمعرفته وعبادته سبحانك ما عرَفناك حقَّ معرفتِك وما عبدناك حقَّ عبادتك وما عرفوه حقَّ معرفتِه في السخط على لكفار وشدّةِ بطشِه تعالى بهم حسبما نطقَ به القرآنُ حين اجترءوا على التفوُّه بهذه العظيمةِ الشنعاءِ فالنفيُ بمعناه الحقيقي والقائلون هم اليهودُ وقد قالوه مبالغةً في إنكار إنزالِ القرآنِ على رسولِ الله ﷺ فأُلزِموا بما لا سبيلَ لهم في إنكاره أصلاً حيث قيل ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذي جاءَ به موسَى﴾ أي قل لهم ذلك على طريقة التبكيت وإلقامِ الحجر وروي أن مالكَ بنَ الصيف من أحبار اليهودِ ورؤسائِهم قال له رسول الله ﷺ أنشُدُك الله الذي أنزل التوراةَ على موسى هل تجد فيها أن الله يُبغض الحِبرَ السمين فأنت الحِبرُ السمين قد سمِنْتَ من مالك الذي تُطعمُك اليهود فضحك القومُ فغضبَ ثم التفت إلى عمرَ ﵁ فقال ما أنزل الله على بشر من شىء فنزعوه وجعلوا مكانه كعبَ بن الأرشف وقيل هم المشركون وإلزامُهم إنزالُ التوراة لما أنه كان عندهم من المشاهير الذائعةِ ولذلك كانوا يقولون لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الكتاب لَكُنَّا أهدى مِنْهُمْ ووصفُ الكتاب بالوصول إليهم لزيادة التقريعِ وتشديدِ التبكيت وكذا تقييدُه بقوله تعالى ﴿نُوراً وَهُدًى﴾ فإن كونَه بيّناً بنفسه ومبيِّناً لغيره مما يؤكد الإلزامَ أيَّ تأكيدٍ وانتصابُهما على الحاليَّةِ من الكتابِ والعامل أَنزل أو من الضميرِ في به والعامل جاء واللام في قوله تعالى ﴿لِلنَّاسِ﴾ إما متعلقٌ بهدىً أو بمحذوف هو صفةٌ له أي هدى كائناً للناس وليس المرادُ بهذا مجردَ إلزامِهم بالاعتراف بإنزال التوراةِ فقط بل بإنزال القرآنِ أيضاً فإن الاعترافَ بإنزالها مستلزِمٌ للاعتراف بإنزاله قطعاً لما فيها من الشواهد الناطقةِ به وقد نعى عليهم ما فعلوا بها من التحريف والتغييرِ حيث قيل ﴿تَجْعَلُونَهُ قراطيس﴾ أي تضعونه في قراطيسَ مقطعة وورقات مفرقة بحذ الجارِّ بناءً على تشبيه القراطيس بالظرف المُبْهم أو تجعلونه نفسَ القراطيس المقطعة وفيه زيادةُ توبيخٍ لهم بسوء سنيعهم كأنهم أخرجوه من جنس الكتاب ونزّلوه منزلةَ القراطيسِ الخاليةِ عن الكتابة والجملة حالٌ كما سبق وقوله تعالى ﴿تُبْدُونَهَا﴾ صفةٌ لقراطيسَ وقوله تعالى ﴿وَتُخْفُونَ كَثِيراً﴾

стр. 1579

الأنعام آيو ٩٢ معطوفٌ عليه والعائدُ إلى الموصول محذوفٌ أي كثيراً منهم وقيل كلامٌ مبتدأ لا محلَّ له من الإعراب والمرادُ بالكثير نعوتُ النبيِّ ﵊ وسائرُ ما كتموه من أحكام التوراة وقرىء الأفعالُ الثلاثةُ بالياء حملاً على قالوا وما قدروا وقوله تعالى ﴿وَعُلّمْتُمْ مَّا لَمْ تعلموا أنتم ولا آباؤكم﴾ قيل هو حالٌ من فاعل تجعلونه بإضمار أو بدونِه على اختلافِ الرأيين قلت فينبغي أن يجعل ما عبارةً عما أخذوه من الكتاب من العلوم والشرائعِ ليكون التقييدُ بالحال مفيداً لتأكيد التوبيخِ وتشديدِ التشنيع فإن ما فعلوه بالكتاب من التفريق والتقطيعِ لما ذُكر من الإبداءِ والإخفاءِ شناعةٌ عظيمة في نفسها ومع ملاحظة كونه مأخذاً لعلومهم ومعارفِهم أشنعَ وأعظمَ لا عما تلقَّوْه من جهة النبيِّ ﷺ زيادةٍ على ما في التوراة وبياناً لما التَبَس عليهم وعلى ى بائهم من مشكلاتها حسْبما ينطِق به قوله تعالى إن هذا القرآن يقص على بني غسرائل أَكْثَرَ الذى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ كما قالوا لأنّ تلقَّيَهم لذلك من القرآن الكريم ليس مما يزجُرهم عما صنعوا بالتوراة أما ما ورد فيه زيادةً على ما فيها فلأنه لا تعلّقَ له بها نفياً ولا إثباتاً وأما ما ورد بطريق البيانِ فلأن مدارَ ما فعلوا بها من التبديل والتحريفِ ليس ما وقع فيها من التباس الأمرِ واشتباهِ الحال حتى يُقلِعوا عن ذلك بإيضاحه وبيانِه فتكونَ الجملةُ حينئذ خاليةً عن تأكيد التوبيخ فلا تستحق أن تقعَ موقع الحال بل الوجهُ حينئذٍ أن تكون استئنافاً مقرِّراً لما قبلها من مجيءِ الكتابِ بطريق التكملةِ والاستطراد والتمهيدِ لما يعقُبه من مجيءِ القرآن ولا سبيل إلى جعل ما عبارةً عما كتموه من أحكام التوراةِ كما يفصحُ عنه قولُه تعالى قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ كَثِيراً مّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكتاب فإن ظهورَه وإن كان مزْجَرةً لهم عن الكتم مخافةَ الافتضاح ومصحِّحاً لوقوعِ الجملة في موقع الحالِ لكن ذلك مما يعلمه الكاتمون حتماً هذا وقد قيل الخطابُ لمن آمن من قريش كما في قوله تعالى لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ آباؤهم وقوله تعالى ﴿قُلِ الله﴾ أمر لرسول الله ﷺ بأن يُجيبَ عنهم إشعاراً بتعيُّن الجوابِ بحيث لا محيدَ عنه وإيذاناً بأنهم أُفحموا ولم يقدِروا على التكلم أصلاً ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ﴾ في باطلهم الذي يخوضون فيه ولا عليك بعد إلزامِ الحجة وإلقامِ الحجر ﴿يَلْعَبُونَ﴾ حال من الضمير الأول والظرفُ صلة للفعل المقدّم أو المؤخر أو متعلقٌ بمحذوفٍ هو حال من مفعولِ الأولِ أو من فاعل الثاني أو الضمير الثاني لأنه فاعلٌ في الحقيقة والظرفُ متَّصل بالأول

стр. 1580

﴿وهذا كتاب أنزلناه﴾ تحقيقٌ لنزول القرآن الكريم بعدج تقرير إنزال ما بَشَّر به من التوراة وتكذيبٌ لهم في كلمتهم الشنعاءِ إثرَ تكذيبٍ ﴿مُّبَارَكٌ﴾ أي كثيرُ الفوائد وجمُّ المنافع ﴿مُّصَدّقُ الذى بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من التوراة لنزوله حسبما وُصِف فيها أو الكتُبِ التي قبله فإنه مصدِّقٌ للكل في إثبات التوحيد والأمرِ به ونفي الشرْك والنهي عنه وفي سائر أصولِ الشرائعِ التي لا تُنسخ ﴿وَلِتُنذِرَ أُمَّ القرى﴾ عطفٌ على ما دل عليه مبارك أي للبركات وإنذارك أهل مكة إنما ذُكرت باسمها المُنبىءِ عن كونها أعظم القرآ شأناً وقِبْلةً لأهلها قاطبةً إيذاناً بأن إنذارَ أهلِها أصلٌ مستتبِعٌ لإنذار أهلِ الأرض كافة وقرىء

стр. 1581

الأنعام آية ٩٣ ٩٤ لينذرَ بالياءِ على أنَّ الضمير للكتاب ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ من أهل المدَر والوبَر في المشارق والمغارب ﴿والذين يُؤْمِنُونَ بالأخرة﴾ وبما فيها من أفانين العذاب ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي بالكتاب لأنهم يخافون العاقبةَ ولا يزال الخوف يحملهم على النظرة والتأمُّل حتى يؤمنوا به ﴿وَهُمْ على صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ تخصيصُ محافظتِهم على الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات التي لا بد للمؤمنين من أدائها للإيذان بإنافتِها من بين سائر الطاعات وكونِها أشرفَ العباداتِ بعد الإيمان

стр. 1582

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً﴾ فزعَم أنه تعالى بعثه نبياً كمسيلِمةَ الكذابِ والأسودِ العنسيِّ أو اختلق عليه أحكاماً من الحِلِّ والحُرمة كعَمْرِو بنِ لُحَيَ ومتابعيه أيْ هُو أظلمَ منْ كل ظالم وإنْ كانَ سبكُ التركيبِ على نفيِ الأظلمِ منه وإنكارِه من غيرِ تعرضٍ لنفْي المساوي وإنكارِه فإن الاستعمالَ الفاشيَ في قولك مَنْ أفضلُ من زيدٍ أو لا أكرمَ منه على أنه أفضلُ من كل فاضلٍ وأكرمُ من كل كريم وقد مرَّ تمامُ الكلامِ فيه ﴿أَوْ قَالَ أُوْحِى إِلَىَّ﴾ من جهته تعالى ﴿وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ﴾ أي والحال أنه لم يوح إليه ﴿شَىْء﴾ أصلاً كعبد اللَّه بنِ سعدِ بنِ أبي سَرْح كان يكتُب للنبي ﷺ فلما نزلت وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طكين فلما بلغ ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقَاً آخَر قال عبد اللَّه تبارك الله أحسنُ الخالقين تعجباً من تفصيل خلقِ الإنسان ثم قال ﷺ اكتُبها كذلك فشك عبدُ اللَّه وقال لئن كان محمد صادقاً فقد أُوحيَ إلي كما أوحيَ إليه ولئن كان كاذباً فقد قلت كما قال ﴿وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ الله﴾ كالذين قالوا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هذا ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظالمون﴾ حُذف مفعولُ ترى لدِلالة الظرفِ عليه أي ولو ترى الظالمين إذ هم ﴿فِى غَمَرَاتِ الموت﴾ أي شدائده من غَمَره إذا غشيه ﴿والملائكة بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ﴾ بقبض أرواحِهم كالمتقاضي الملظ المُلِحّ يبسُط يدَه إلى من عليه الحقُّ ويعنِّف عليه في المطالبة من غير إمهالٍ وتنفيسٍ أو باسطوها بالعذاب قائلين ﴿أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ﴾ أي أخرجوا أرواحَكم إلينا من أجسادكم وخلصوا أنفسكم من العذاب ﴿اليوم﴾ أي وقتَ الإماتة أو الوقتَ الممتدّ بعده إلى ما لا نهاية له ﴿تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهون﴾ أيْ العذابَ المتضمِّنَ لشدةٍ وإهانةٍ فإضافتُه إلى الهون وهو الهوانُ لعراقته فيه ﴿بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى الله غَيْرَ الحق﴾ كاتخاذ الولد له ونسبةِ الشريك إليه وادعاء انبوة والوحيِ كاذباً ﴿وَكُنتُمْ عَنْ آياته تَسْتَكْبِرُونَ﴾ فلا تتأملون فيها ولا تؤمنون بها

стр. 1583

﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ للحساب ﴿فرادى﴾

стр. 1584

الأنعام آية ٩٥ ٩٦ منفردين عن الأموال والأولاد وغير ذلك مما ى ثرتموه من الدنيا أو عن الأعوان والأصنامِ التي كنتم تزعمون أنها شفعاؤكم وهم جمع فَرْد والألفُ للتأنيث ككسالى وقرىء فرادا كرخال وفَرادَ كثلاثَ وفَرْدَى كسَكْرى ﴿كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ بدل من فرادى أي على الهيئة التي ولدتم عليها في الانفراد أو حال ثانية عند من يجوِّزُ تعددَها أو حال من الضمير في فرادى أي مشبهن ابتداءَ خلقِكم عُراةً حُفاة غر لابهما أو صفةُ مصدرِ جئتمونا أي مجيئاً كخلقنا لكم أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴿وَتَرَكْتُمْ مَّا خولناكم﴾ تفضّلناه عليكم في الدنيا فشُغِلتم به عن الآخرة ﴿وَرَاء ظُهُورِكُمْ﴾ ما قدمتم منه شيئاً ولم تحملو نقيراً ﴿وَمَا نرى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الذين زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء﴾ أي شركاءُ الله تعالى في الربوبية واستحقاقِ العبادة ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ أي وقع التقطعُ بينكم كما يقال جمع بين الشيئين أي أوقع الجمع بينهما وقرىء بينكمك بالرفع على إسنادِ الفعلِ إلى الظرف كما يقال قوتل أمامُكم وخلفُكم أو على أن البينَ اسمٌ للفصل والوصل أي تقطع وصلُكم وقرىء ما بينَكم ﴿وَضَلَّ عَنكُم﴾ أي ضاع أو غاب ﴿مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أنها شفعاؤكم أو أنْ لا بعثَ ولا جزاء

стр. 1585

﴿إِِنَّ الله فَالِقُ الحب والنوى﴾ شروعٌ في تقرير بعضِ أفاعيلِه تعالى الدالةِ على كمال علمه وقدرته ولطفِ صُنعِه وحِكمتِه إثرَ تقريرِ أدلةِ التوحيد والفَلْقُ الشَقُّ بإبانةٍ أي شاقُّ الحبِّ بالنبات والنوى بالشجر وقيل المرادُ به الشِقُّ الذي في الحبوب والنَّوى أي خالقُهما كذلك كما في قولُك ضَيِّقْ فمَ الرَّكِيةِ ووسِّعْ أسفلَها وقيل الفلْقُ بمعنى الخلق قال الواحدي ذهبوا بفالقُ مذهبَ فاطر ﴿يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت﴾ أي يُخرج ما ينمومن الحيوان والنبات مما لا ينمو من النطفة والحبِّ والجملة مستأنفة مبنية لما قبلَها وقيلَ خبرٌ ثان لأن وقوله تعالى ﴿وَمُخْرِجُ الميت﴾ كالنطفة والحب ﴿مِنَ الحى﴾ كالحيوان والنبات عطفٌ على فالقُ الحب لا على يُخرج على الوجه الأول لأن إخراج الميِّتِ من الحيِّ ليس من قبيل فلقِ الحب والنوى ﴿ذلكم﴾ القادرُ العظيمُ الشأنِ هو ﴿الله﴾ المستحِقّ للعبادة وحده ﴿فأنى تُؤْفَكُونَ﴾ فكيفَ تُصرَفون عن عبادتِه إلى غيره ولا سبيل إليه أصلاً

стр. 1586

﴿فَالِقُ الإصباح﴾ خبرٌ آخَرُ لأنَّ أو لمبتدإٍ محذوفٍ والإصباحُ مصدرٌ سمِّي به الصبحُ وقُرِىءَ بفتح الهمزة على أنه جمعُ صُبْح أي فالقُ عمودِ الفجر عن بياضِ النهار وإسفارِه أو فالق ظلمةِ الإصباحِ وهي الغَبَشُ الذي يلي الصبحَ وقرىء فالقَ بالنصب على المد ﴿وجعل الليل سَكَناً﴾ يسكُن إليه التعِبُ بالنهار لاستراحته فيه من سَكَن إليه إذا اطمأن إليه استئناساً به أو يسكن فيه الخلقُ من قوله تعالى لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وقرىء جاعلُ الليل فانتصابُ سكناً بفعل دل عليه جاعل وقيل بنفسه على أن المرادَ به الجعلُ المستمرُّ في الأزمنة المتجددة حسَب تجدّدِها لا الجعلُ الماضي فقط وقيل اسمُ الفاعل من الفعل المتعدِّي إلى اثنينِ يعملُ في الثاني وإن كان بمعنى الماضي لأنه لما أُضيف إلى الأول تعيّن نصبُه للثاني لتعذّر الإضافة بعد ذلك

стр. 1587

الأنعام آية ٩٧ ٩٨ ﴿والشمس والقمر﴾ معطوفان على الليل وعلى القراءة الأخيرة قيل هما معطوفان على محله والأحسنُ نصبُهما حينئذ بفعل مقدرٍ وقد قُرئا بالجرِّ وبالرفعِ أيضاً على الابتداء والخبرُ محذوفٌ أي مجعولان ﴿حُسْبَاناً﴾ أي على أدوار مختلفة يُحسبُ بها الأوقاتُ التي نيط بها العباداتُ والمعاملاتُ أو محسوبان حُسباناً والحُسبانُ بالضم مصدرُ حسَب كما أن الحسابَ بالكسر مصدر حسَب ﴿ذلك﴾ إشارة إلى جعلهما كذلك وما فيه من معنى البُعْدِ للإيذان بعلوِّ رُتبةِ المُشار إليهِ وبُعْدِ منزلتِه أي ذلك التيسير البديع ﴿تقدير﴾ البديع تَقْدِيرُ ﴿العزيز﴾ الغالب القاهرِ الذي لا يستعصي عليه شيءٌ من الأشياء التي من جملتها تسييرُهما على الوجه المخصوص ﴿العليم﴾ بجميعِ المعلوماتِ التي مِنْ جملتها ما في ذلك التسييرِ من المنافعِ والمصالحِ المتعلقةِ بمعاش الخلق ومَعادِهم

стр. 1588

﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ النجوم﴾ شروعٌ في بيان نعمتِه تعالى في الكواكب إثرَ بيانِ نعمتِه تعالى في النَّيِّرَيْنِ والجَعلُ متعدٍ إلى واحد واللامُ متعلقةٌ به وتأخيرُ المفعول الصريح عن الجار والمجرور لما مرَّ غيرَ مرَّةٍ من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر أي أنشأها وأبدعها لأجلكم فقوله تعالى ﴿لِتَهْتَدُواْ بِهَا﴾ بدلٌ من المجرور بإعادة العامل بدلَ اشتمال كما قي قوله تعالى لجعلنا لمكن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً والتقدير جعلَ لكم النجومَ لاهتدائكم لكن لا على أن غايةَ خلقِها اهتداؤُهم فقط بل على طريقة إفراد بعضِ منافعِها وغاياتها بالذكر حسبما يقتضيه المقام وقد جوز أن يكون مفعولاً ثانياً للجعل وهو بمعنى التصييرِ أي جعلها كائنةً لاهتدائكم في أسفاركم عند دخولكم المافوز أو البحارَ كما ينبىء عنه قولُه تعالى ﴿فِى ظلمات البر والبحر﴾ أي في ظلمات الليل في البر والبحر وإضافتُها إليهما للملابسة فإن الحاجة إلى الاهتداء بها إنما يتحقق عند ذلك أو في مشتَبِهات الطرقِ عبّر عنها بالظلمات على طريق الاستعارة ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الآيات﴾ أي بيّنا الآياتِ المتلُوَّةَ المذكِّرةَ لنِعَمه التي هذه النعمةُ من جملتها أو الآياتِ التكوينيةِ الدالةِ على شئونه تعالى مفصّلةً ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي معانِيَ الآياتِ المذكورةِ ويعلمون بموجبها أو يتفكرون في الآيات التكوينية فيعلمون حقيقةَ الحال وتخصيصُ التفصيل بهم مع عمة ومه للكلِّ لأنَّهم المنتفعونَ بِه

стр. 1589

﴿وَهُوَ الذى أَنشَأَكُم مّن نَّفْسٍ واحدة﴾ تذكيرٌ لنعمةٍ أخرى من نعمه تعالى دالة على عظم قدرتِه ولطيفِ صُنعه وحكمتِه أي أنشأكم مع كثرتكم من نفسُ آدمَ ﵇ ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ أي فلكم استقرارٌ في الأصلاب أو فوق الأرض واستيداعٌ في الأرحام أو تحت الأرض أو موضعُ استقرارٍ واستيداعٍ فيما ذكر والتعبيرُ عن كة ونهم ي الأصلاب أو فوق الأرض بالاستقرار لأنهما مقرُّهم الطبيعيُّ كما أنَّ التعبيرَ عن كونهم في الأرحام أو تحت الأرض بالاستيداع لِما أنَّ كلاً منهُمَا ليس ليس بمقرِّهم الطبيعيِّ وقد حُمل الاستيداعُ على كونهم في الأصلاب وليس بواضح وقرىء فمستقِر بكسر القاف أي فمنكم مستقِرٌ ومنكم مستوْدَعٌ فإن الاستقرارَ منّا

стр. 1590

الأنعام آية ٩٩ بخلاف الاستيداع ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الآيات﴾ المبينةَ لتفاصيل خلقِ البشرِ من هذه الآية ونظائرِها ﴿لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ غوامضَ الدقائقِ باستعمال الفِطنة وتدقيقِ النظر في لطائف صنع الله في أطوار تخليقِ بني آدمَ مما تحارُ في فهمه الألبابُ وهو السرُّ في إيثارِ يفقهون على يعلمون كما ورد في شأن النجوم

стр. 1591

﴿وَهُوَ الذى أَنزَلَ مِنَ السماء مَاء﴾ تذكيرٌ لنعمةٍ أخرى من نعمه تعالى مُنَبِّئةٍ عن كمالِ قدرتِه تعالى وسَعة رحمتِه أي أنزل من السحاب أو من سَمْتِ السماء ماءً خاصاً هو المطر وتقديمُ الجار والمجرور على المفعول الصريح لما مر مرارا ﴿فأخرجنا به﴾ التفت إلى التكلم إظهاراً لكمال العناية بشأن ما أُنزل الماءُ لأجله أي فأخرجنا بعظمتِنا بذلك الماءِ مع وِحْدته ﴿نَبَاتَ كُلّ شَىْء﴾ من الأشياء التي من شأنها النمو من أصنافالنجم والشجر وأنواعهما المختلفة في الكم والكيف والخواص والآثار اختلافا متفاوتها في مراتبِ الزيادة والنقصان حسبما يُفصح عنه قولُه تعالى يسقى بِمَاء واحد وَنُفَضّلُ بَعْضَهَا على بَعْضٍ فِى الاكل وقولُه تعالى ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً﴾ شروعٌ في تفصيل ما أجمل من الإخراج وقد بُدِىء بتفصيل حال النجم أي فأخرجنا من النبات الذي لا ساقَ له شيئاً غضّاً أخضرَ يقال شيءٌ أخضَرٌ وخضِرٌ كأعوَرَ وعَوِرٍ وأكثرُ ما يُستعمل الخضِرُ فيمال تكون خُضرتُه خَلْقية وهو ما تشعّب من أصل النبات الخارج من الحبة وقوله تعالى ﴿نُّخْرِجُ مِنْهُ﴾ صفة لخضرا أو صيغة المضارع لاستحضار الصور لما فيها من الغرابة أي نخرج من ذلك الخضِرِ ﴿حَبّاً مُّتَرَاكِباً﴾ هو السنبل المنتظم الحبوب المتراكبة بعضُها فوق بعض على هيئة مخصوصةٍ وقرىء يخرج منه حب متراكب وقوله تعالى ﴿وَمِنَ النخل﴾ شروع في تفصيل حال الشجر إثرَ بيانِ حال النجم فقوله تعالى مِنْ النخل خبرٌ مقدم وقوله تعالى ﴿مِن طَلْعِهَا﴾ بدلٌ منه بإعادة العامل كما في قوله تعالى لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لّمَن كَانَ يَرْجُو الله الخ والطَّلْعُ شيء يخرُج من النخل كأنه نعلانِ مُطبَقانِ والحِمْلُ بينهما منضود وقوله تعالى ﴿قنوان﴾ مبتدأ أي وحاصلةٌ من طلع النخل قنوانٌ ويجوز أن يكون الخبرُ محذوفاً لدلالة أخرجنا عليه أي ومُخرِجةٌ من طلع النخل قنوانٌ ومَنْ قرأ يخرُجُ منه حبٌّ متراكبٌ كان قنوانٌ عنده معطوفاً على حبٌّ وقيل المعنى وأخرجنا من النخل نخلاً من طلعها قنوانٌ أو ومن النخل شيءٌ من طلعها قنوان وهو جمع قِنْوٍ وهو عنقودُ النخلة كصِنْوٍ وصِنْوان وقرىء بضم القاف كذِئبٍ وذؤبان وبفتحها أيضاً على أنه اسمُ جمعٍ لأن فَعلان ليس من أبنية الجمع ﴿دَانِيَةٌ﴾ سهلةُ المُجتَنى قريبةٌ من القاطففإنها وإن كانت صغيرةً ينالها القاعدُ تأتي بالثمر لا يُنتظَرُ الطولُ أو ملتفةٌ متقاربة والاقتصارُ على ذكرها لدلالتها على مقابلتها كقولِه تعالى سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر ولزيادة النعمة فيها ﴿وجنات مّنْ أعناب﴾ عطفٌ على نباتَ كل شيء أي وأخرجنا به جناتٍ كائنةً من أعناب وقرىء جناتٌ بالرَّفعِ على الابتداءِ أي ولكم

стр. 1592

الأنعام آية ١٠٠ أو ثَمةَ جناتٌ وقد جوِّز عطفُه على قنوان كأنه قيل وحاصلةٌ أو مخجة من النخل قنوانٌ وجناتٌ من نباتٍ وأعناب ولعل زيادة الجنات ههنا من غير اكتفاءٍ بذكر اسمِ الجنس كما فيما تقدم وما تأخر لما أن الانتفاعَ بهذا الجنس لا يتأتى غالباً إلا عند اجتماع طائفةٍ من أفراده ﴿والزيتون والرمان﴾ منصوبان على الاختصاص لعزة هذين الصنفين عندهم أو على العطف على نباتَ وقوله تعالى ﴿مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ متشابه﴾ حال من الزيتون اكتُفي به عن حال ما عطف عليه كما يكتفى بخبر المعطوف عليه عن خبر لمعطوف في نحوِ قولِه تعالى والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ وتقديرُه والزيتونَ مشتبهاً وغيرَ متشابه والرمانَ كذلك وقد جوز أن يكون حالاً من الرمان لقُربه ويكون المحذوفُ حالَ الأول والمعنى بعضُه متشابهاً وبعضُه غير مكتشابه في الهيئة والمقدار واللون والطعم وغيرِ ذلك من الأوصاف الدالة على كمال قدرة صانعِها وحكمةِ مُنشئِها ومبدعِها ﴿انظروا إلى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ أي انظروا إليه نظرَ اعتبارٍ واستبصارٍ إذا أخرج ثمرَه كيف يُخرجه ضئيلاً لا يكاد يُنتفعُ به وقرىء إلى ثمره ﴿وَيَنْعِهِ﴾ أي وإلى حال نضجه كيف يصر إلى كماله اللائق به ويكون شيئاً جامعاً لمنافِعَ جمّةٍ واليَنْعُ في الأصل مصدر ينعت الثمر إذا أدركت وقيل جمعُ يانع كتاجر وتجْرٍ وقرىء بالضمِّ وهي لغةٌ فيه وقرىء يانِعِهِ ﴿إِنَّ فِى ذلكم﴾ إشارةٌ إلى ما أُمر بالنظر إليه وما في إسمِ الإشارةِ من معنى البعد للإيذان بعلوِّ رُتبةِ المُشار إليهِ وبعد منزلته ﴿لايات لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي لآيات عظيمة أوثيرة دالةً على وجود القادر الحكيم ووحدته فإن حدوت هاتيك الأجناسِ المختلفة والأنواع المتشعبة من أصل واحدٍ وانتقالَها من حال إلى حال على نمط بديع يحار في فهمه الألباب لا يكاد يكون إلا بإحداث صانعٍ يعلم تفاصيلَها ويرجّح ما تقتضيه حكمتُه من الوجوه الممكنة على غيره ولا يَعوُقه عن ذلك ضد يناويه أو ند يفاويه ولذلك عقّب بتوبيخِ من أشرك به والردِّ عليه حيث قيل

стр. 1593

﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء﴾ أي جعلوا في اعتقادهم لله الذي شأنُه ما فُصّل في تضاعيفِ هذه الآياتِ الجليلةِ شركاءَ ﴿الجن﴾ أي الملائكةَ حيث عبدوهم وقالوا الملائكةُ بناتُ الله وسُمُّوا جنا لاجتنابهم تحقير لشأنهم بالنسبة إلى مَقام الألوهية أو الشياطينَ حيث أطاعوهم كما أطاعوا الله تعالى أو عبدوا الأوثانَ بتسويلهم وتحريضِهم أو قالوا الله خالقُ الخير وكلِّ نافعٍ والشيطانُ خالقُ الشرِّ وكلِّ ضارَ كما هو رأي التنويه ومفعولا جعلوا قوله تعالى شُرَكَاء الجن قُدِّم ثانيهما على الأول لاستعظام أن يتخذ الله سبحانه شريكٌ ما كائناً ما كان ولله متعلق بشركاء قدم عليه للنكتة المذكورة وقيل هما لله شركاء والجنَّ بدلٌ من شركاءَ مفسِّرٌ له نَصَّ عليه الفراءُ وأبو إسحاقَ أو منصوبٌ بمضمرٍ وقعَ جوابا على سؤالٍ مقدَّرٍ نشأ من قوله تعالى وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء كأنه قيل مَنْ جعلوه شركاءَ لله تعالى فقيل الجنَّ أي جعلوا الجن ويؤيده قراءةُ أبي حيوة ويزيدَ بن قطيب الجن بالرفع على تقديرهم الجنُّ في جواب من قال مَن الذين جعلوهم شركاءَ لله تعالى وقد قرىء بالجر على أن الإضافة للتبيين

стр. 1594

الأنعام آية ١٠١ ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾ حالٌ من فاعل جعلوا بتقدير قد أو بدونه على اختلاف الرأيين مؤكدةٌ لما في جَعْلهم ذلك من كمال القباحة والبُطلان باعتبار علمِهم بمضمونها أي وقد علموا أنه تعالى خالقُهم خاصة وقيل الضميرُ للشركاءِ أي والحالُ أنَّه تعالى خلق الجنَّ فكيف يجعلون مخلوقَه شريكاً له تعالى وقرىء خَلْقَهم عطفاً على الجنَّ أي وما يخلقونه من الأصنام أو على شركاءَ أي وجعلوا له اختلافهم الإفكَ حيث نسبوه إليه تعالى ﴿وَخَرَقُواْ لَهُ﴾ أي افتعلوا وافترَوْا له يقال خلقَ الإفكَ واختلقه وخَرَقه واخترقه بمعنى وقرىء خرّقوا بالتشديد للتكثير وقرىء وحرّفوا له أي زوّروا ﴿بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾ فقالت اليهودُ عزيرٌ ابنُ الله وَقَالَتِ النصارى المسيحُ ابنُ الله وقالت طائفة من العربِ الملائكةُ بناتُ الله ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي بحقيقة ما قالوه من خطأ أو صوابٍ بل رميا بقول عن عمى وجهالة من غير فكرٍ ورويّة أو بغير علم بمرتية ما قالوه وأنه من الشناعة والبطلان بحيث لا يقادَرُ قدرُه والباءُ متعلقةٌ بمحذوفٍ هو حالٌ من فاعل خرقوا أو نعتٌ لمصدرٍ مؤكدٍ لهُ أي خرقوا ملتبسين بغير علم أو خرقاً كائناً بغير علم ﴿سبحانه﴾ استئناف مسوق لتتنزيهه عما نسَبوه إليه وسبحانه علمٌ للتَّسبيحِ الذي هو التبعيدُ عن السُّوءِ اعتقاداً وقولاً أي اعتقادَ البعدِ عنه والحكمَ به مِنْ سبَح في الأرضِ والماءِ إذا أبعدَ فيهما وأمعنَ ومنه فرسٌ سَبُوحٌ أي واسعُ الجرْي وانتصابُه على المصدريّةِ ولا يكاد يُذكر ناصبُه أي أُسبِّحُ سبحانَه أي أنزّهُه عمَّا لا يليقُ به عقْداً وعملاً تنزيها خاصا به حقيقة بشأنِه وفيه مبالغةٌ من جهةِ الاشتقاقِ من السَّبْح ومن جهة النَّقلِ إلى التَّفعيلِ ومن جهة العدولِ عن المصدرِ الدَّالِ على الجنسِ إلى الاسمِ الموضوع له خاصَّة لا سيِّما العلمُ المشيرُ إلى الحقيقةِ الحاضرةِ في الذِّهنِ ومن جهة إقامتهِ مُقامَ المصدرِ مع الفعلِ وقيل هو مصدرٌ كغُفرانٍ لأنه سُمع له فعلٌ من الثلاثي كما ذُكر في القاموس أُريد به التنزُّهُ التامُّ والتباعدُ الكُلي ففيه مبالغةٌ من حيث إسنادُ التنزهِ إلى ذاتِه المقدسةِ أي تنزه بذاته تنزهال لائقاً به وهو الأنسبُ بقوله سبحانه ﴿وتعالى﴾ فإنمه معطوفٌ على الفعل المُضمر لا محالة ولِمَا في السُّبحان والتعالي من معنى التباعُد قيل ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي تباعد عما يصفونه من أن له شريكاً أو ولدا

стр. 1595

﴿بديع السماوات والارض﴾ أي مُبدِعُهما ومخترِعُهما بلا مثالٍ يَحتذيه ولا قانونٍ ينتحيه فإن البديعَ كما يطلق على المُبدِع نصَّ عليه أئمة اللغة كالصريخ بمعنى المُصرِخ وقد جاء بَدَعَه كمنعه بمعنى أنشأه كابتدعه على ما ذُكر في القاموس وغيرِه ونظيرُه السميعُ بمعنى المسمِع في قوله ... أَمِنْ رَيْحانَةَ الدَّاعي السميعُ وقيل هو من إضافة الصفةِ المشبّهةِ إلى الفاعل للتخفيف بعد نصبِه تشبيهاً لها باسم الفاعِلِ كما هو المشهورُ أي بديعُ سمواتِه وأرضِه من بَدَع إذا كان على نمطٍ عجيبٍ وشكلٍ فائق وحُسنٍ رائقٍ أو إلى الظرف كما في قولهم ثبت الغدر بمعنى أنه عديم اتلنظير فيهما والأولُ هو الوجه والمعنى أنه تعالى مبدعٌ لقطري العالم العلويِّ والسفليِّ بلا مادة فاعلٍ على الإطلاق منزَّه عن الانفعال بالمرة والوالدُ عنصرُ الولد منفعل

стр. 1596

٩ - الأنعام آية ١٠٢ بانتقال مادتِه عنه فكيف يمكنُ أن يكونَ له ولد وقرىء بديعَ بالنصبَ على المدح وبالجرِّ على أنه بدلٌ من الاسم الجليل أو منَ الضميرِ المجرورِ في سبحانه على رأي من يُجيزه وارتفاعُه في القراءة المشهورة على أنه خبر مبتدأ محذوف أو فاعلُ تعالى وإظهارُه في موضعِ الإضمارِ لتعليلِ الحكمِ وتوسيطُ الظرفِ بينه وبين الفعل للاهتمام ببيانه أو مبتدأٌ خبرُه قوله تعالى ﴿أنى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ وهو على الأولَيْن جملة مستقلة مسوقة كما قبلها لبيان استحالةِ ما نسبوه إليه تعالى وتقرير تنزُّهِه عنه وقوله تعالى ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صاحبة﴾ حال مؤكدةٌ للاستحالة المذكورة فإن انتفاءَ أن يكون له تعالى صاحبةٌ مستلزمٌ لانتفاءِ أن يكونَ له ولدٌ ضرورةَ استحالة وجودِ الولدِ بلا والدة وإن أمكن وجودُه بلا والد وانتفاءُ الأولِ مما لا ريبَ فيه لأحد فمن ضرورته انتفاءُ الثاني أي من أين أو كيف يكون له ولد كما زعموا والحالُ أنه ليس له على زعمهم أيضاً صاحبةٌ يكون الولدُ منها وقرىء لم يكنْ بتذكير الفعل للفصل أو لأن الاسمَ ضميرُه تعالى والخبرُ هو الظرفُ وصاحبةٌ مرتفعٌ به على الفاعليةِ لاعتماده على المبتدإ أو الظرفُ خبرٌ مقدمٌ وصاحبةٌ مبتدأٌ مؤخرٌ والجملةُ خبرٌ للكون وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون الاسمُ ضميرَ الشأنِ لصلاحية الجملةِ حينئذ لأن تكونَ مفسِّرةً لضمير الشأنِ لا على الوجه الأولِ لما بُيِّن في موضعِه أن ضميرَ الشأنِ لا يفسَّر إلا بجملة صريحةٍ وقوله تعالى ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء﴾ إما جملةٌ مستأنفةٌ أخرى سيقت لتحقيق ما ذُكر من الاستحالة أو حالٌ أخرى مقرِّرةٌ لها أي أنى يَكُونُ لَهُ ولدٌ والحالُ أنه خلق كلَّ شيءٍ انتظمه التكوينُ والإيجادُ من الموجودات التي من جملتها ما سمَّوْه ولداً له تعالى فكيفَ يتُصورُ أن يكونَ المخلوقُ ولداً لخالقه ﴿وَهُوَ بِكُلّ شَىْء﴾ مِنْ شأنه أن يُعلم كائناً ما كان مخلوقاً أو غيرَ مخلوق كما ينبىء عنه ترك افضمار إلى الإظهار ﴿عَلِيمٌ﴾ مبالغٌ في العلمِ أزلاً وأبداً حسبما يعرب عنه العجول إلى الجملة الاسميةِ فلا يخفى عليه خافيةٌ ممَّا كانَ وما سيكونُ من الذوات والصفاتِ والأحوالِ التي من جملتها ما يجوز عليه تعالى ما لا يجوز من المُحالات التي ما زعموه فردٌ من أفرادها والجملةُ استئنافٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبلها من الدلائل القاطعة ببطلان مقالته الشنعاء التي اجترءوا عليها بغير علم

стр. 1597

﴿ذلكم﴾ إشارةٌ إلى المنعوتُ بما ذُكر من جلائل النعوتِ وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو شأنِ المُشَارِ إليهِ وبُعْدِ منزلتِه في العظمة والخطابُ للمشركين المعهودين بطريق الالتفاتِ وهو مبتدأُ وقولُه تعالى ﴿الله رَبُّكُمْ لا إله إِلَاّ هُوَ خالق كُلّ شَىْء﴾ أخبارٌ أربعةٌ مترادفةٌ أي ذلك الموصوفُ بتلك الصفاتِ العظيمةِ هو الله المستحِقُّ للعبادة خاصةً مالكُ أمرِكم لا شريك له أصلاً خالقُ كلِّ شيءٍ مما كانَ ومما سيكون فلا تكرارَ إذ المعتبرُ في عنوان الموضوعِ إنما هو خالقيتُه لما كان فقط كما يُنبىء عنه صيغةُ الماضي وقيل الخبرُ هو الأولُ والبواقي أبدالٌ وقيل الاسمُ الجليلُ بدلٌ من المبتدأ والبواقي أخبارٌ وقيل يقدر لكلَ من الأخبار الثلاثةِ مبتدأٌ وقيل يُجعل الكلُّ بمنزلة اسمٍ واحد وقولُه تعالى ﴿فاعبدوه﴾ حكم مترتبٌ على مضمون الجملة فإن مَنْ جمع هذه الصفاتِ كان هو المستحقُّ للعبادة خاصة وقولُه تعالى ﴿وَهُوَ على كُلّ شَىْء وَكِيلٌ﴾ عطفٌ على الجملة

стр. 1598

الأنعام ١٠٣ ١٠٥ المتقدمة أي هو مع ما فُصل من الصفاتِ الجليلةِ متولي أمورِ جميعِ مخلوقاتِه التي أنتم من جملتها فكِلوا أمورَكم إليه وتوسلوا بعبادته إلى نجاح مآربِكم الدنيويةِ والأخروية

стр. 1599

﴿لَاّ تُدْرِكُهُ الابصار﴾ البصرُ حاسةُ النظرِ وقد تطلق على العين من حيث أنها محلُّها وإدراكُ الشيءِ عبارةٌ عن الوصول إليه والإحاطةِ به أي لا تصِل إليه الأبصارُ ولا تُحيط به كما قال سعيدُ بنُ المسيِّب وقال عطاء كانت أبصارُ المخلوقين عن الإحاطة به فلا مُتمسَّك فيه لمنكري الرؤيةِ على الإطلاق وقد رُوي عن ابن عباس ومقاتل ﵃ لا تدركه الأبصارُ في الدنيا وهو يُرى في الآخرة ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الابصار﴾ أي يحيطُ بها علمُه إذ لا تَخفى عليهِ خافيةٌ ﴿وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ فيدركه ما لا تدركه الأبصارُ ويجوز أن يكون تعليلاً للحُكمين السابقين على طريقة االف أي لا تدركه الأبصارُ لأنه اللطيفُ وهو يدرك الأبصارَ لأنه الخبيرُ فيكون اللطيفُ مستفاداً من مقابل الكثيفِ لما لا يُدرك بالحاسة ولا ينطبع فيها وقولُه تعالى

стр. 1600

﴿قَدْ جَاءكُمْ بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ﴾ استئنافٌ وارد على لسان النبيِّ ﷺ والبصائرُ جمعُ بصيرةٍ وهي النورُ الذي به تستبصِرُ النفسُ كما أنَّ البصرَ نورٌ به تبصِرُ العين والمرادُ بها الآيةُ الواردةُ ههنا أو جميع الآيات المنتظمةِ لها انتظاماً أولياً ومِنْ لابتداء الغايةِ مجازاً سواءٌ تعلقت بجاء أو بمحذوف هو صفة لبصائر والتعرضُ لعنوانِ الربوبيةِ مع الإضافةِ إلى ضميرِ المخاطبينَ لإظهار كمل اللطف بهم أي أي قد جاءكم من جهة مالككم ومبلِّغِكم إلى كمالكم اللائقِ بكم من الوحي الناطقِ بالحق والصوابِ ما هو كالبصائر للقلوب أو قد جاءكم بصائرُ كائنةٌ من ربكم ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ﴾ أي الحقَّ بتلك البصائرِ وآمن به ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ أي فلنفسه أبصر أو فإبصارُه لنفسه لأن نفعَه مخصوصٌ بها ﴿وَمَنْ عَمِىَ﴾ أي ومن لم يبصر الحقَّ بعد ما ظهر له بتلك البصائرِ ظهوراً بيِّناً وضلَّ عنه وإنما عبّر عنه بالعمى تقبيحاً له وتنفيراً عنه ﴿فَعَلَيْهَا﴾ أي فعليهات عمِي أو فعَماهُ عليها أو وبال عماه ﴿وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ وإنما أنا منذر والله هو الذي يحفظ أعمالَكم ويجازيكم عليها

стр. 1601

﴿وكذلك نُصَرّفُ الايات﴾ أي مثلَ ذلك التصريفِ البديعِ نصرِّف الآياتِ الدالةَ على المعاني الرائقةِ الكاشفةِ عن الحقائق الفائقةِ لا تصريفاً أدنى منه وقوله تعالى ﴿وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ﴾ علةٌ لفعل قد حُذف تعويلاً على دلالة السباق عليه أي وليقولوا درست نفعلُ ما نفعل من التصريفِ المذكورِ واللامُ للعاقبة والواو اعتراضيةٌ وقيل هي عاطفةٌ على علة محذوفةٍ واللام متعلقةٌ بنُصرِّف أي مثلَ ذلك التصريفِ نصرِّف الآياتِ لنُلزِمَهم الحجةَ وليقولوا الخ وقيل اللام لامُ الأمرِ وتنصُره القراءةُ بسكون اللامِ كأنه قيل وكذلك نصرف الآياتِ وليقولوا هم ما يقولون فإنه لا احتفالَ بهم ولا اعتدادَ بقولهم وهذا أمرٌ معناه الوعيدُ والتهديدُ وعدمُ الاكتراثِ بقولهم ورُدَّ عليه بأن ما بعده يأباه ومعنى درست قرأتَ وتعلمات وقُرىء دارسْتَ أي دارستَ العلماء ودرست أي قدمت

стр. 1602

الأنعام آية ١٠٦ ١٠٨ هذه الآياتُ وعفَت كما قالُوا أساطيرُ الأوَّلينَ ودَرُسَت بضم الراءِ مبالغةً في درَست أي اشتد دروسُها ودُرست على البناء للمفعول بمعنى قُرئت أو عُفِيت ودارَسَتْ وفسروها بدارست اليهودُ محمدا ﷺ وجاز الإضمارُ لاشتهارهم بالدراسة وقد جُوز إسنادُ الفعل إلى الآيات وهو في الحقيقة لأهلها أي دارسَ أهلُ الآيات وحَمَلتُها محمداً ﷺ وهم أهلُ الكتاب ودرَسَ أي درَسَ محمدٌ ودارِسات أي هي دارساتٌ أي قديمات أو ذاتُ دَرْسٍ كعيشة راضية وقوله تعالى ﴿وَلِنُبَيّنَهُ﴾ عطفٌ على ليقولوا واللام على الأصل لأن التبيينَ غايةُ التصريفِ والضميرُ للآيات باعتبار المعنى أو للقرآن وإن لم يُذكر أو للمصدر أي ولِنفعلَ التبيينَ واللامُ في قوله تعالى ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ متعلقةٌ بالتبيين وتخصيصُه بهم لما أنهم المنتفِعون بِهِ قال ابنُ عبَّاسٍ هم أولياؤُه الذين هداهم إلى سبيل الرشادِ ووصفُهم بالعلم للإيذان بغاية جهلِ الأولين وخلوِّهم عن العلم بالمرة

стр. 1603

﴿اتبع مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِنَ رَّبّكَ﴾ لما حُكي عن المشركين قدحُهم في تصريف الآياتِ عُقِّب ذلك بأمره ﷺ بالثبات على ما هو عليه وبعدم الاعتدادِ بهم وبأباطيلهم أي دُمْ على ما أنت عليه من اتباع مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِنَ الشرائع والأحكامِ التي عُمدتُها التوحيدُ وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره ﷺ من إظهار اللطفِ به ما لا يَخْفى وقوله تعالى ﴿لَا إله إِلَاّ هُوَ﴾ اعتراضٌ بين الأمرين المتعاطفَين مؤكِّدٌ لإيجاب اتباعِ الوحي لا سيِّما في أمرِ التوحيدِ وقد جُوز أن يكون حالاً من ربك أي منفرداً في الألوهية ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين﴾ لا تحتفِلْ بهم وبأقاويلهم الباطلةِ التي من جُملتِها ما حُكي عنهم آنفاً ومن جعله منسوخاً بآية السيفِ حَمل الإعراضَ على ما يعُمّ الكفَّ عنهم

стр. 1604

﴿وَلَوْ شَاء الله﴾ أي عدمَ إشراكِهم حسبما هو القاعدةُ المستمرةُ في حذفِ مفعولِ المشيئةِ من وقوعها شرطاً وكونِ مفعولِها مضمونَ الجزاء ﴿مَا أَشْرَكُواْ﴾ وهذا دليلٌ على أنَّه تعالى لا يريد إيمانَ الكافرِ لكنْ لا بمعنى أنَّه تعالى يمنعه عنه مع توجّهِه إليه بل بمعنى أنه تعالى لا يريده منه لعدم صرفِ اختيارِه الجزئيِّ نحوَ الإيمان وإصرارِه على الكفر والجملةُ اعتراضٌ مؤكد للإعراض وكذا قولُه تعالى ﴿وَمَا جعلناك عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾ أي رقيباً مهيمناً مِنْ قِبلنا تحفظ عليهم أعمالَهم وكذا قولُه تعالى ﴿وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ من جهتهم تقوم بأمورهم وتدبر مصالِحَهم وعليهم في الموضعين متعلقٌ بما بعده قد عليه للاهتمام به أو لرعاية الفواصل

стр. 1605

﴿وَلَا تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله﴾ أي لا تشتُموهم من حيث عبادتُهم لآلهتهم كأن تقولوا تباً لكم ولما تعبُدونه مثلاً ﴿فَيَسُبُّواْ الله عَدْواً﴾ تجاوزاً عن الحق إلى الباطل بأن يقولوا لكم مثلَ قولِكم لهم ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي بجهالة بالله تعالى وبما يجب أن يذكر

стр. 1606

الأنعام آية ١٠٩ به وقرىء عُدُوّاً يقال عدا يعدو وعُدُوّاً وعِداء وعُدْواناً روي أنهم قالُوا لرسول الله ﷺ عند نزول قوله تعالى إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ لتنتهِيَنَّ عن سب آلهتِنا ولنهجون إلهك وقيل كان المسلمون يسبّونهم فنُهوا عن ذلك لئلا يستتبِعَ سبُّهم سبَّه وفيه أن الطاعةَ إذا أدتْ إلى معصية راجحةٍ وجب تركُها فإن ما يؤدي إلى الشر شرٌّ ﴿كذلك﴾ أي مثلَ ذلك التزيينِ القويِّ ﴿زَيَّنَّا لِكُلّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ من الخير والشر بإحداث ما يُمكّنهم منه ويحمِلُهم عليه توفيقاً أو تخذيلاً ويجوز أن يُراد بكل أمة أمم الكفرة إذا الكلامُ فيهم وبعملهم شرُّهم وفسادُهم والمشبَّه به تزيينُ سبِّ الله تعالى لهم ﴿ثُمَّ إلى رَبّهِمْ﴾ مالك أمره ﴿مرجعهم﴾ أي رجوعهم بالبعث بعد الموت ﴿فَيُنَبّئُهُمْ﴾ من غير تأخير ﴿بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا على الاستمرار من السيئات المزيَّنةِ لهم وهو وعيدٌ بالجزاء والعذاب كقول الرجل لمن يتوعده سأخبرك بما فعلت وفيه نكتةٌ سِرّية مبنيةٌ على حِكمة أبيةٍ وهي أن كلَّ ما يظهر في هذه النشأةِ من الأعيان والأعراضِ فإنما يظهر بصورة مستعارةٍ مخالفةٍ لصورته الحقيقية التي بها يظهر في النشأة الآخرة فإن المعاصي سمون قاتلةٌ قد برزت في الدنيا بصورةٍ ما تستحسنها نفوسُ العصاة كما نطقت به هذه الآيةُ الكريمة وكذا الطاعاتُ فإنها مع كونها أحسن الأحاسن قد ظهرت عندهم بصورة مكروهةٍ لذلك قال ﷺ حُفّتِ الجنَّةُ بالمكاره وحُفّتِ النارُ بالشهواتِ فأعمال الكفرةِ قد برزت لهم في النشأة بصورة مزيَّنةٍ يستحسنها الغُواةُ ويستحبّها الطغاةُ وستظهر في النشأة الآخرةِ بصورتها الحقيقيةِ المنكرةِ الهائلةِ فعند ذلك يعرِفون أن أعمالهم ماذا عبر عن إظهارها بصورها الحقيقة بالإخبار بها لمَا إنَّ كُلاًّ منهُمَا سببٌ للعلم بحقيقتها كما هي فلْيُتدبر قولِه تعالى

стр. 1607

﴿وَأَقْسَمُواْ بالله﴾ روي أن قريشاً اقترحوا بعضَ آيات فقال رسول الله ﷺ فإن فعلت بعذ ما تقولون أتصدّقونني فقالوا نعم وأقسموا لئن فعلتَه لنؤمنن جميعاً فسأل المسلمون رسولَ الله ﷺ أن ينزلها طمعاً في إيمانهم فهم ﷺ بالدعاء فنزلت وقوله تعالى ﴿جَهْدَ أيمانهم﴾ مصدرٌ في موقعِ الحالِ أي أقسمُوا به تعالى جاهدين في أيمانهم ﴿لئن جاءتهم آية﴾ من مقترحاتهم أو من جنس الآياتِ وهو الأنسبُ بحالهم في المكابرة والعناد وترامي أمرِهم في العتو والفساد حيث كانوا لا يعُدّون ما يشاهدونه من المعجزات الباهرةِ من جنس الآيات ﴿لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ وما كان مَرْمى غرضِهم في ذلك لا التحكمَ على رسُولِ الله ﷺ في طلب المعجزةِ وعدم الاعتدادِ بما شاهدوا منه من البينات الحقيقةِ بأن تُقطعَ بها الأرضُ وتُسيَّر بها الجبالُ ﴿قُلْ إِنَّمَا الايات﴾ أي كلُّها فيدخُل فيها ما اقترحوه دخولاً أولياً ﴿عَندَ الله﴾ أي أمرُها في حُكمه وقضائِه خاصةً يتصرف فيها حسبَ مشيئتِه المبنيةِ على الحكم البالغةِ لا تتعلق بها ولا بشأن من شئونها قُدرةُ أحدٍ ولا مشيئتُه لا استقلالاً ولا اشتراكاً بوجه من الوجوه حتى يُمكِنَني أن أتصدّى لاستنزالها بالاستدعاء وهذا كما ترى سدٌّ لباب الاقتراحِ على أبلغ وجه وأحسنه

стр. 1608

الأنعام آية ١١٠ ببيان علوِّ شأن الآياتِ وصعوبةِ منالِها وتعاليها من أن تكون عُرضةً للسؤال والاقتراحِ وأما ما قيل من أن المعنى إِنَّمَا الآياتُ عِندَ الله تعالَى لَا عندي فكيف أُجيبكم إليها وآتيكم بها وهو القادِرُ عليها لا أنا حتى آتِيَكم بها فلا مناسبةَ له بالمقام كيف لا وليس مقترَحُهم مجيئها بغير قدرةِ الله تعالى وغرادته حتى يجابوا بذلك وقوله تعالى ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إذا جاءت لا يؤمنون﴾ كلامٌ مستأنفٌ غيرُ داخلٍ تحت الأمرِ مَسوقٌ من جهتِه تعالَى لبيان الحكمةِ الداعيةِ إلى ما أشعر به الجوابُ السابقُ من عدم مجيءِ الآياتِ خوطب به المسلمون إما خاصةً بطريق التلوينِ لمّا كانوا راغبين في نزولها طمعاً في إسلامهم وإما معه ﷺ بطريق التعميم لما روي عنه ﷺ من الهم بالدعاء وقد بُيّن فيه أن أيْمانَهم فاجرةٌ وإيمانُهم مما لا يدخلُ تحتَ الوجودِ وإن أجيب إلى ما سألوه وما استفهاميةٌ إنكاريةٌ لكن لا على أن مرجِعَ الإنكارِ هو وقوعُ المشعَرِ به بل هو نفسُ الإشعارِ مع تحقق المشعَرِ به في نفسه أي وأيُّ شيءٍ يُعلِمُكم أن الآيةَ التي يقترحونها إذا جاءت لا يؤمنون بل يبقَوْن على ما كانُوا عليهِ من الكفر والعناد أي لا تعلمون ذلك فتتمنّون مجيئها طمعاً في إيمانهم فكأنه بسطُ عذرٍ من جهة المسلمين في تمنيهم نزولَ الآياتِ وقيل لا مزيدةٌ فيتوجه الإنكارُ إلى الإشعار والمشعر به جميعاً أي أيُّ شيءٍ يعلمكم إيمانَهم عند مجيءِ الآياتِ حتى تتمنَّوا مجيئها طمعاً في إيمانهم فيكونُ تخطئةً لرأي المسلمين وقيل أنّ بمعنى لعل يقال ادخُل السوقَ أنك تشتري اللحمَ وعنك وعلّك ولعلك كلُّها بمعنى ويؤيده أنه قرىء لعلها إذا جاءت لا يؤمنون على أنَّ الكلامَ قد تمّ قبله والمفعولُ الثاني ليُشعرَكم محذوفٌ كما في قوله تعالى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يُزَكّى والجملة استئنافٌ لتعليل الإنكار وتقريرِه أي أيُّ شيءٍ يعلمكم حالَهم وما سيكون عند مجيءِ الآياتِ لعلها إذا جاءت لا يؤمنون بها فمالكم تتمنون مجيئها فإن تمنيته إنما يليقُ بما إذا كان إيمانُهم بها محقَّقَ الوجودِ عند مجيئِها لا مرجوَّ العدم وقرىء إنها بالكسر على أنه استئنافٌ حسبما سبق مع زيادة تحقيقٍ لعدم إيمانِهم وقرىء لا تؤمنون بالفوقانية فالخطابُ في وما يشعركم للمشركين وقرىء وما يشعرهم أنها إذا جاءتهم لا يؤمنون فمرجِعُ الإنكارِ إقدامُ المشركين على الإقسام المذكورِ مع جهلهم بحال قلوبِهم عند مجيءِ الآياتِ وبكونها حينئذٍ كما هي الآن

стр. 1609

﴿وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وأبصارهم﴾ عطفٌ على لا يؤمنون داخلٌ في حكم ما يشعركم مقيدٌ بما قُيِّد به أي وما يُشعرُكم أنا نقلّب أفئدتَهم عن إدراك الحقِّ فلا يفقهونه وأبصارَهم عن اجتلائه فلا يُبصرونه لكن لا مَعَ توجهها إليها واستعدادِها لقبوله بل لكمال نُبوِّها عنه وإعراضِها بالكلية ولذلك أخِّر ذكرُه عن ذكر عدمِ إيمانِهم إشعاراً بأصالتهم في الكفر وحما لتوهُّم أن عدم إيمانِهم ناشىءٌ من تقليبه تعالى مشاعرَهم بطريق الإجبار ﴿كَمَا لم يُؤْمِنُواْ بِهِ﴾ أي بما جاء من الآيات ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي عند ورودِ الآياتِ السابقةِ والكافُ في محل النصب على أنَّه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ منصوبٌ بلا يؤمنون وما مصدريةٌ أي لا يؤمنون بل يكفرون كفراً كائناً ككفرهم أولَ مرةٍ وتوسيطُ تقليبِ الأفئدةِ والأبصارِ بينهما لأنه من متمّمات عدمِ إيمانهم ﴿ونذرهم﴾ عكف على لا يؤمنون داخلٌ في حكم الاستفهامِ الإنكاريِّ مقيدٌ بما قُيِّد به مبيِّنٌ لما هو المرادُ بتقليب الأفئدة

стр. 1610

الأنعام آية ١١١ والأبصار ومعْرِبٌ عن حقيقته بأنه ليس على ظاهره بأن يُقلِّب الله سبحانه مشاعِرَهم عن الحق مع توجههم إليه واستعدادِهم له بطريق الإجبارِ بل بأن يُخلِّيَهم وشأنَهم بعد ما عُلم فسادُ استعدادِهم وفرطُ نفورِهم عن الحق وعدمُ تأثيرِ اللطفِ فيهم أصلاً ويطبَعُ على قلوبهم حسبما يقتضيه استعدادُهم كما أشرنا إليه وقوله تعالى ﴿فِي طغيانهم﴾ متعلِّقٌ بنذرهم وقوله تعالى ﴿يَعْمَهُونَ﴾ حالٌ من الضميرِ المنصوبِ في نذرهم أي ندعُهم في طغيانهم متحيِّرين لا نهديهم هدايةَ المؤمنين أو مفعولٌ ثانٍ لنذرُهم أي نصيِّرهم عامِهين وقرىء يُقلِّب ويَذَرُ بالياءِ على إسنادِهما إلى ضمير الجلالةِ وقرىء تُقلَّبُ بالتاء والبناءِ للمفعول على إسناده إلى أفئدتهم

стр. 1611

﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الملائكة﴾ تصريحٌ بما أَشعَرَ به قولُه وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لَا يُؤْمِنُونَ منَ الحكمةِ الداعيةِ إلى ترك الإجابةِ إلى ما اقترحُوه من الآيات إثرَ بيانِ أنها في حكمه تعالى وقضائه المبنيِّ على الحِكَم البالغةِ لا مدخلَ لأحد في أمرها بوجه من الوجوه وبيانٌ لكذبهم في أيْمانهم الفاجرةِ على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه أي ولو أننا لم نقتصِرْ على إيتاء ما اقترحوه ههنا من آية واحدةٍ من الآيات بل نزلنا إليهم الملائكةَ كما سألوه بقولهم لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا المَلائِكَةُ وقولِهم لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملائكة ﴿وَكَلَّمَهُمُ الموتى﴾ وشهدوا بحقية الإيمانِ بعد أن أحييناهم حسبما اقترحوه بقولهم فأتوا بأبائنا ﴿وحشرنا﴾ أي جميعا ﴿عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْء قُبُلاً﴾ بضمتين وقرىء بسكون الباء أي كفلاء بصحة الأمر وصدق النبيِّ ﷺ على أنه جمع قبيل بمعنى الكفيل كرغيف ورُغُف وقضيب وقُضُب وهو الأنسبُ بقولِه تعالى أَوْ تَأْتِىَ بالله والملائكة قَبِيلاً أي لو لم نقتصر على ما اقتحوه بل زدنا على ذلك بأ أحضرنا لديهم كلَّ شيءٍ يتأتّى منه الكفالةُ والشهادةُ بما ذُكر لا فرادى بل بطريق المعيةِ أو جماعاتٍ على أنه جمعُ قبيل وهو الأوفق لعموم كلِّ شيءٍ وشمولِه للأنواع والأصنافِ أي حشرنا كلَّ شيء نوعاً نوعاً وصنفاً صنفاً وفوجاً فوجاً وانتصابُه على الحالية وجمعيتُه باعتبار الكل المجموعيِّ اللازمِ للكل الإفراديِّ أو مقابلةً وعِياناً على أنه مصدرٌ كقِبَلا وقد قرىء كذلك وانتصابُه على الوجهين على أنه مصدرٌ في موقعِ الحالِ وقد نقل عن المبرِّد وجماعةٍ من أهل اللغة أن الأخيرَ بمعنى الجهة كما في قولك لي قِبَلَ فلانٍ حقٌّ وأن انتصابَه على الظرفية ﴿مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ﴾ أي ما صح وما استقام لهم الإيمانُ لتماديهم في العصيان وغلوِّهم في التمرد والطُّغيانِ وأما سبق القضاءُ عليهم بالكفر فمن الأحكامِ المترتبةِ على ذلك حسبما ينبيء عنه قوله وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ وقوله تعالى ﴿إَّلا أَن يشاء الله﴾ استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم الأحوالِ والالتفاتُ إلى الإسم الجليل لتربية المهابةِ وإدخالِ الروعة أي ما كانوا ليؤمنوا بعد اجتماعِ ما ذُكِرَ منَ الأمورِ الموجبةِ للإيمان في حالٍ من الأحوالِ الداعيةِ إليه المتمِّمة لموجباته المذكورةِ إلا في حال مشيئتِه تعالى لإيمانهم أو من أعمِّ العللِ أي ما كانوا ليؤمنوا لعلة من العلل المعدودةِ وغيرِها إلا لمشيئته تعالى له وأيا ما كان فليس المرادُ بالاستثناء بيانَ أن إيمانَهم على خطر الوقوعِ بناءً على كون مشيئته

стр. 1612

الأنعام آية ١١٢ تعالى أيضاً كذلك بل بيانَ استحالةِ وقوعِه بناءً على استحالة وقوعِها كأنه قيل ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله وهيهات ذلك وحالهم حال بدليل ما سبقَ من قولِه تعالى وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ الآية كيف لا وقولُه ﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ استدراكٌ من مضمون الشرطيةِ بعد ورودِ الاستثناءِ لا قبله ولا ريب في أن الذي يجهلونه سواءٌ أريد بهم المسلمون وهو الظاهرُ أو المُقسِمون ليس عدمَ إيمانِهم بلا مشيئة الله تعالى كما هو اللازمُ من حمل النظمِ الكريمِ على المعنى الأولِ فإنه ليس مما يعتقده الأولون ولا مما يدّعيه الآخَرون بل إنما هو عدمُ غيمانهم لعدم مشيئته غيمانهم ومرجعه إلى جهلهلم بعدم مشيئته غياه فالعمنى أن حالَهم كما شُرح ولكن أكثر المسلمين يجهلون عدم غيمانهم عند مجيء الآيات لجهلهم عدمَ مشيئتِه تعالى لإيمانهم فيتمنَّوْن مجيئَها طمعاً فيما لا يكون فالجملةُ مقرِّرةٌ لمضمون قوله تعالى وَمَا يُشْعِرُكُمْ الخ على القراءة المشهورة أو ولكن أكثرَ المشركين يجهلون عدمَ إيمانِهم عند مجيء الآيات لجهلهم عدمَ مشيئتِه تعالى لإيمانهم حينئذ فيقسمون بالله جهد أيمانهم على ما لا يكاد يكونُ فالجملةُ على القراءة السابقةِ بيانٌ مبتدأٌ لمنشأ خطأ المقسِمين ومناطِ إقسامهم وتقريرٌ له على قراءة لا تؤمنون بالتاء الفوقانية وكذا على قراءة ما يشعرهم أنها إذا جاءتهم لا يؤمنون

стр. 1613

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً﴾ كلامٌ مبتدأٌ مَسوقٌ لتسليةِ رسولِ الله ﷺ عما كان يشاهده من عداوة قريش له ﵊ وما بنَوْا عليها مما لا خير فيه من الأقاويل والأفاعيلِ ببيان أن ذلك ليس مختصاً بك بل هو أمرٌ ابتُليَ به كلُّ من سبَقك من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومحلُّ الكافِ النصبُ على أنَّه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ أشير إليه بذلك منصوب بفعله المحذوف مؤكذا لما بعده وَذَلِكَ إشارةٌ إلى ما يفهم مما قبله أي جَعَلْنَا لِكُلّ نبيَ عَدُوّاً والتقديمُ على الفعل المذكورِ للقصر المفيدِ للمبالغة أي مثلَ ذلك الجعلِ الذي جعلنا في حقك حيث جعلنا لك عدواً يُضادُّونك ويضارُّونك ولا يؤمنون ويبغونك الغوائلويدبرون في إبطال أمرِك مكايدَ جعلنا لكل نبيَ تقدمَك عدواً فعلوا بهم ما فعل بك أعداؤُك لا جعلاً أنقصَ منه وفيه دليلٌ على أنَّ عداوةَ الكفرةِ للأنبياء ﵈ بخلقه تعالى للابتلاء ﴿شياطين الإنس والجن﴾ أي مَرَدةَ الفريقين على أن الإضافةَ بمعنى مِنْ البيانية وقيل هي إضافةُ الصفةِ إلى الموصوف والأصلُ الإنسُ والجنُّ الشياطين وقيل هي بمعنى اللام أي الشياطين التي للإنس والتي للجن وهو بدلٌ من عدواً والجَعلُ متعدٍ إلى واحد أو إلى اثنين وهو أولُ مفعوليْه قُدِّم عليه الثاني مسارعةً إلى بيان العداوةِ واللام على التقديرين متعلقةٌ بالجعل أو بمحذوفٍ هو حالٌ من عدواً وقوله تعالى ﴿يوحى بعضهم إلى بعض﴾ كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لبيانِ أحكامِ عداوتِهم وتحقيقُ وجهِ الشبهِ بين المشبهِ والمشبَّه به أو حالٌ من الشياطين أو نعتٌ لعدواً وجمعُ الضميرِ باعتبار المعنى فإنه عبارةٌ عن الأعداء كما في قوله ... إذَا أنا لم أنفعْ صديقي بودّه فإن عدوِّي لم يضُرَّهمو بغضي والوحيُ عبارةٌ عن الإيماء والقول السريعِ أي يلقى

стр. 1614

الأنعام ١١٣ ١١٤ ويوسوس شياطينُ الجنِّ إلى شياطينِ الإنسِ أو بعضُ كلَ من الفريقين إلى بعض آخَرَ ﴿زُخْرُفَ القول﴾ أي المموَّهَ منه المزيَّنَ ظاهرُه الباطلَ باطنُه من زخرفه إذ زيّنه ﴿غُرُوراً﴾ مفعول له ليوحي أي ليغرهم أو مصدرٌ في موقعِ الحال أي غارّين أو مصدر مؤكد لفعل مقدر هو حال من فاعل يوحى أي يغرونغرورا ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ﴾ رجوعٌ إلى بيان الشئون الجارية بينه ﷺ وبين قومِه المفهومةِ من حكايةِ ما جَرَى بينَ الأنبياء ﵈ وبيم أُممِهم كما يُنْبىءُ عنه الالتفاتُ والتعرضُ لوصفِ الربوبيةِ مع الإضافةِ إلى ضميره ﷺ المُعرِبة عن كمال اللطفِ في التسلية أي ولو شاء ربُّك عدمَ الأمورِ المذكورةِ لا إيمانَهم كما قيل فإن القاعدةَ المستمرةَ أن مفعولَ المشيئةِ إنما يحذف عند وقوعِها شرطاً وكونِ مفعولِها مضمونَ الجزاء وهو قوله تعالى ﴿مَّا فَعَلُوهُ﴾ أي ما فعلوا ما ذكر من عداوتك وإيحاءِ بعضهم إلى بعض مزخرفاتِ الأقاويلِ الباطلةِ المتعلقةِ بأمرك خاصة لا بما يعمّه وأمورَ الأنبياءِ ﵈ أيضاً كما قيلَ فإنَّ قولَه تعالى ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ صريحٌ في أنَّ المرادَ بهم الكفرةُ المعاصرون له ﵊ أي إذا كان ما فعلوه من أحكام عداوتِك من فنون المفاسد بمشيئته تعالى فاترُكْهم وافتراءَهم أو وما يفترونه من أنواع المكايدِ فإن لهم في ذلك عقوباتٍ شديدةً ولك عواقبُ حميدةٌ لابتناء مشيئتِه تعالى على الحِكَم البالغة البتة

стр. 1615

﴿ولتصغى إِلَيْهِ﴾ أي إلى زُخرُفِ القولِ وهو على الوجه الأولِ علة أخرى للإيحاء معطوفةٌ على غروراً وما بينهما اعتراضٌ وإنما لم ينصَبْ لفقد شرطِه إذ الغرورُ فعلُ الموحي وصغْوُ الأفئدةِ فعلُ الموحى إليه أي يوحي بعضُهم إلى بعض زُخْرفَ القولِ ليغرهم به ولتميل إليه ﴿أَفْئِدَةُ الذين لَا يُؤْمِنُونَ بالأخرة﴾ إنما خصَّ بالذكر عدمُ إيمانِهم بالآخرة دون ما عداها من الأمور التي يجب الإيمانُ بها وهم بها كافرون إشعاراً بما هو المدارُ في صغْو أفئدتِهم إلى ما يُلقى إليهم فإن لذّاتِ الآخرةِ محفوفةٌ في هذه النشأةِ بالمكاره وآلامُها مزينةٌ بالشهوات فالذين لا يؤمنون بها وبأحوال ما فيها لا يدرون أن وراءَ تلك المكاره لذات ودون الشهواتِ آلاماً وإنما ينظُرون إلى ما بدا لهم في الدنيا بادي الرأي فهم مضطرون إلى حبّ الشهواتِ التي من جملها مزخْرَفاتُ الأقاويلِ ومُموَّهاتُ الأباطيل وأما المؤمنون بها فحيث كانوا واقفين على حقيقة الحالِ ناظرين إلى عواقب الأمورِ لم يُتصوَّر منهم الميلُ إلى تلك المزخرَفاتِ لعلهم ببطلانها ووخامة عاقبتِها وأما على الوجهين الأخيرين فهو علةٌ لفعلٍ محذوف يدلُّ عليه المقامُ أي ولكون ذلك جعلنا ما جعلنا والمعتزلةُ جعلوا اللامَ لامَ العاقبةِ أو لام القسَم أو لامَ الأمر وضعفُه في غاية الظهور ﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾ لأنفسم بعد ما مالت إليه أفئدتهم ﴿وَلِيَقْتَرِفُواْ﴾ أي يكتسبوا بموجب ارتضائِهم له ﴿مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ﴾ له من القبائح التي لا يليق ذكرُها
следующие страницы →