← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

الحكمةُ فنتركهم إمهالاً واستدراجاً ﴿فِي طغيانهم﴾ الذي هو عدمُ رجاءِ اللقاء وإنكارُ البعثِ والجزاءِ وما يتفرع على ذلك من أعمالهم السيئةِ ومقالاتهم الشنيعة ﴿يَعْمَهُونَ﴾ أي يترددون ويتحيرون ففي وضع الموصول موضع الضمير نوعٌ بيانٍ للطغيان بما في حيز الصلةِ وإشعارٌ بعليته للترك والاستدراج سورة يونس (١٢ ١٣)

стр. 2347

﴿وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر﴾ أي أصابه جنسُ الضرِّ من مرض وفقرٍ وغيرِهما من الشدائد إصابةً يسيرة ﴿دَعَانَا﴾ لكشفه وإزالتِه ﴿لِجَنبِهِ﴾ حالٌ من فاعل دعا بشهادة ما عُطف عليه من الحالين واللام بمعنى على كما في قوله تعالى يَخِرُّونَ لِلاْذْقَانِ أي دعانا كائناً على جنبه أي مضطجعاً ﴿أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ أي في جميع الأحوالِ ممَّا ذُكر ومَا لم يذكر وتخصيصُ المعدوداتِ بالذكر لعدم خلوِّ الإنسانِ عنها عادةً أو دعانا في جميع أحوالِ مرضِه على أنه المرادُ بالضر خاصة مضطجعا عاجزاً عن القعود وقاعداً غيرَ قادرٍ على النهوض وقائماً لا يستطيع الحَراك ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ﴾ الذي مسه غِبَّ ما دعانا حسبما ينبىء عنه الفاء ﴿مَرَّ﴾ أي مضى واستمرَّ على طريقته التي كان ينتحيها قبل مساسِ الضرِّ ونسيَ حالةَ الجَهْدِ والبلاءِ أو مر عن موقف الضراعةِ والابتهالِ ونأى بجانبه ﴿كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا﴾ أي كأنه لم يدعُنا فخُفف وحُذف ضميرُ الشأنِ كما في قوله ... كأنْ لم يكن بين الحَجون إلى الصفا ... والجملةُ التشبيهيةُ في محل النصب على الحالية من فاعل مرّ أي مرّ مشبَّهاً بمن لم يدْعنا ﴿إلى ضُرّ﴾ أي إلى كشف ضرَ ﴿مَسَّهُ﴾ وهذا وصفٌ للجنس باعتبار حال بعضِ أفرادِه ممن هو متصفٌ بهذه الصفات ﴿كذلك﴾ نصبٌ على المصدرية وذلكَ إشارةٌ إلى مصدرِ الفعلِ الآتي وما فيه من معنى البعد للتفخيم والكافُ مقحَمةٌ للدلالة على زيادة فخامةِ المشارِ إليه إقحاماً لا يكاد يترك في لغة العرب ولا في غيرها ومن ذلك قولهم مثلك لا يَبخلُ مكان أنت لا تبخل أي مثلَ ذلك التزيينِ العجيب ﴿زُيّنَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ أي للموصوفين بما ذُكر من الصِّفاتِ الذميمةِ وإسرافُهم لما أنَّ الله تعالى إنما أعطاهم القُوى والمشاعرَ ليصرِفوها إلى مصارفها ويستعملوها فيما خُلقت له من العلوم والأعمالِ الصالحة فلما صرفوها إلى ما لا ينبغِي وهي رأسُ مالِهم فقد أتلفوها وأسرفوا إسرافاً ظاهراً والتزيينُ إما من جهة الله سبحانه على طريقه التخليةِ والخِذلانِ أو من الشيطان بالوسوسة والتسويل ﴿ما كانوا يعملون﴾ من الاعراض عن الذكر والدعاءِ والانهماكِ في الشهوات وتعلقُ الآيةِ الكريمة بما قبلها من حيث إن في كل منهما إملاءً للكفرة على طريقة الاستدراجِ بعد الأنقاذِ من الشر المقدّرِ في الأولى ومن الضرِّ المقررِ في الأخرى

стр. 2348

﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا القرون﴾ أي القرونَ الخاليةَ مثلَ قومِ نوح وعاد وأضرابهم ومِنْ في قولِه تعالَى ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ متعلقةٌ بأهلكنا أي أهلكناهم من قبل زمانِكم والخطابُ لأهل مكةَ على طريقة الالتفاتِ

стр. 2349

للمبالغة في تشديد التهديدِ بعد تأييدِه بالتوكيد القسمي ﴿لَمَّا ظَلَمُواْ﴾ ظرفٌ للإهلاك أي أهلكناهم حين فعلوا الظلمَ بالتكذيب والتمادي في الغي والضلالِ من غير تأخير وقوله تعالى ﴿وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم﴾ حالٌ من ضمير ظلموا بإضمار قد وقوله تعالى ﴿بالبينات﴾ متعلقٌ بجاءتهم على أن الباء للتعدية أو بمحذوفٍ وقعَ حالاً من رسلهم دالةٌ على إفراطهم في الظلم وتناهيهم في المكابرة أي ظلموا بالتكذيب وقد جاءتهم رسلُهم بالآيات البينةِ الدالةِ على صدقهم أو ملتبسين بها حين لا مجالَ للتكذيب وقد جُوِّز أن يكون قولُه تعالى وَجَاءتْهُمْ عطفاً على ظلموا فلا محلَّ له من الإعراب عند سيبويه وعند غيره محلُّه الجرُّ لأنه معطوفٌ على ما هو مجرورٌ بإضافة الظرفِ إليه وليس الظلمُ منحصراً في التكذيب حتى يُحتاج إلى الاعتذار بأن الترتيبَ الذكريَّ لا يجب كونه على وفق الترتيب الوقوعيّ كما في قوله تعالى وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العرش وَخَرُّواْ لَهُ الخ بل هو محمولٌ على سائر أنواعِ الظلم والتكذيبُ مستفادٌ من قوله تعالى ﴿وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ﴾ على أبلغِ وجهٍ وآكدِه فإن اللام لتأكيد النفي أي وما صحَّ وما استقام لهم أن يؤمنوا لفساد استعدادِهم وخذلانِ الله تعالى إياهم لعلمه بأن الألطافَ لا تنجع فيهم والجملةُ على الأولِ عطفٌ على ظلموا لأنه إخبارٌ بإحداث التكذيب وهذا بالإصرار عليه وعلى الثاني عطفٌ على ما عطف عليه وقيل اعتراضٌ بين الفعلِ وما يجري مَجرى مصدرِه التشبيهيِّ أعني قولَه تعالى ﴿كذلك﴾ فإن الجزاءَ المشارَ إليه عبارةٌ عن مصدره أي مثلَ ذلك الجزاءِ الفظيعِ أي الإهلاكِ الشديدِ الذي هو الاستئصالُ بالمرة ﴿نَجْزِي القوم المجرمين﴾ أي كلَّ طائفةٍ مجرمة وفيه وعيدٌ شديدٌ وتهديدٌ أكيدٌ لأهل مكةَ لاشتراكهم لأولئك المهلَكين في الجرائم والجرائر التي هي تكذيبُ الرسولِ والإصرارُ عليه وتقريرٌ لمضمونِ ما سبقَ من قوله تعالى وَلَوْ يُعَجّلُ الله لِلنَّاسِ الشر استعجالهم بالخير وقُرىء بالياءِ على الالتفات إلى الغَيبة وقد جُوِّز أن يكون المرادُ بالقوم المجرمين أهلَ مكةَ على طريقة وضع الظاهرِ موضعَ ضميرِ الخطابِ إيذاناً بأنهم أعلامٌ في الإجرام ويأباه كلَّ الإباء قوله سورة يونس (١٤)

стр. 2350

﴿ثُمَّ جعلناكم خلائف فِى الارض مِن بَعْدِهِم﴾ فإنَّه صريحٌ في أنَّهُ ابتداءٌ تعرّضَ لأمورهم وأن ما بينّ فيه إنما هو مبادي أحوالِهم لاختبار كيفياتِ أعمالِهم على وجه يُشعر باستمالتهم نحوَ الإيمان والطاعةِ فمُحالٌ أن يكون ذلك إثرَ بيانِ منتهى أمرِهم وخطابِهم ببتّ القولِ بإهلاكهم لكمال إجرامِهم والمعنى ثم استخلفناكم في الأرض من بعد إهلاكِ أولئك القرونِ التي تسمعون أخبارَها وتشاهدون آثارَها استخلافَ من يَختبر ﴿لِنَنظُرَ﴾ أي لنعاملَ معاملةَ من ينظُر ﴿كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ فهي استعارةٌ تمثيلية وكيف منصوبٌ على المصدرية بتعملون لا بننظر فإنَّ ما فيهِ من معنى الاستفهام مانعٌ من تقدم عاملِه عليه أي أيَّ عملٍ أو على الحالية أي على أيّ حالٍ تعملون الأعمالَ اللائقةَ بالاستخلاف من أوصاف الحُسن كقوله عز وعلا لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ففيه إشعارٌ بأن المرادَ بالذات والمقصودَ الأصليَّ من الاستخلاف إنما هو ظهورُ الكيفياتِ الحسنةِ للأعمال الصالحةِ وأما الأعمالُ السيئةُ فبمعزل من أن تصدُرَ عنهم لا سيما بعد ما سمِعوا أخبارَ القرونِ المهلَكه وشاهَدوا آثارَ بعضِها فضلاً عن أن يُنظمَ ظهورُها في سلك العلة الغائبة

стр. 2351

للاستخلاف وقيل منصوبٌ على أنَّه مفعولٌ به أي أيَّ عملٍ تعملون أخيراً أم شراً فنعاملَكم بحسبه فلا يكون في كلمة كيف حينئذ دلالةٌ على أن المعتبرَ في الجزاء جهاتُ الأعمالِ وكيفياتُها لا ذواتُها كما هو رأيُ القائل بل تكون حينئذ مستعارةً لمعنى أيّ شيء سورة يونس (١٥)

стр. 2352

﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ﴾ التفاتٌ من خطابهم إلى الغَيبة إعراضا عنهم وتوجيها لخطاب إلى رسول الله ﷺ بتعديد جناياتِهم المضادةِ لما أريد منهم بالاستخلاف من تكذيب الرسولِ والكفر بالآيات البيناتِ وغيرِ ذلك كدأبِ مَنْ قبلهُم منَ القرون المهلَكة وصيغةُ المضارعِ للدِلالة على تجدد جوابِهم الآتي حسب تجدد التلاوة ﴿آياتنا﴾ الدالةُ على حقية التوحيدِ وبُطلانِ الشركِ والإضافةُ لتشريف المضافِ والترغيبِ في الإيمان به والترهيبِ عن تكذيبه ﴿بينات﴾ حالَ كونِها واضحاتِ الدِلالةِ على ذلك وإيرادُ فعل التلاوةِ مبنياً للمفعول مسنداً إلى الآيات دون رسول الله ﷺ ببنائه للفاعل للإشعار بعدمِ الحاجةِ لتعيّن التالي وللإيذان بأن كلامَهم في نفس المتلو دون التالي ﴿قَالَ الذين لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا﴾ وضعَ الموصولُ موضعَ الضميرِ إشعاراً بعلية مَا في حيزِ الصِّلةِ للعظيمة المحكيةِ عنهم وأنهم إنما اجترءوا عليها لعدم خوفِهم من عقابه تعالى يوم اللقاءِ لإنكارهم له ولما هو من مباديه من البعث وذماً لهم بذلك أي قالوا لمن يتلوها عليهم وهو رسولُ الله ﷺ وإنما لم يذكر إيذاناً بتعينه ﴿ائتِ بقرآن غَيْرِ هذا﴾ أشاروا بهذا إلى القرآنِ المشتملِ على تلك الآياتِ لا إلى نفسها فقط قصداً إلى إخراج الكلِّ من البين أي ائت بكتاب آخرَ نقرؤه ليس فيه ما نستبعده من البعث والحسابِ والجزاءِ وما نكرهه من ذم آلهتِنا ومعايبِها والوعيدِ على عبادتها ﴿أَوْ بَدّلْهُ﴾ بتغيير ترتيبِه بأن تجعلَ مكانَ الآيةِ المشتملةِ على ذلك آيةً آخرى خاليةً عنها وإنما قالوه كيداً وطمعاً في المساعدة ليتوسلوا به إلى الإلزام والاستهزاء به ﴿قُلْ﴾ لهم ﴿مَا يَكُونُ لِى﴾ أي ما يصح وما يستقيم لي ولا يمكنني أصلاً ﴿أَنْ أُبَدّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِى﴾ أي من قبل نفسي وهو مصدرٌ استعمل ظرفاً وقرىء بفتح التاءِ وقصر الجواب ببيان امتناعِ ما اقترحوه على اقتراحهم الثاني للإيذان بأن استحالةَ ما اقترحوه أو لا منَ الظهورِ بحيثُ لا حاجة إلى بيانها وأن التصدّيَ لذلك مع كونه ضائعاً ربما يُعد من قبيل المجاراةِ مع السفهاء إذا لا يصدُر مثلُ ذلك الاقتراحِ عن العقلاء ولأن ما يدل على استحالة الثاني يدل على استحالة الأولِ بالطريق الأولى ﴿إِنْ أَتَّبِعُ﴾ أي ما أتبع في شيء مما آتي وأذَرُ ﴿إِلَاّ مَا يُوحَى إِلَىَّ﴾ من غير تغيير له في شيء أصلاً على معنى قصرِ حالِه ﷺ على اتباع ما يوحى إليه لا قصرِ اتباعِه على ما يوحى إليه كما هو المتباد من ظاهر العبارةِ كأنَّه قيل ما أفعلُ إلا اتباعَ ما يوحى إلي وقد مر تحقيقُ المقامِ في سورة الأنعام وهو تعليلٌ لصدر الكلامِ فإن مَنْ شأنُه اتباعُ الوحي على ما هو عليه لا يستبد بشيء دونه قطعاً وفيه جوابٌ للنقض بنسخ بعضِ الآياتِ ببعض وردٌّ لما عرّضوا به صلى الله عليه وسلم

стр. 2353

بهذا السوال من أن القرآنَ كلامُه ﷺ ولذلك قيّد التبديلُ في الجواب بقوله مِن تِلْقَاء نَفْسِى وسماه عصياناً عظيماً مستتبِعاً لعذاب عظيم بقوله تعالى ﴿إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فإنه تعليلٌ لمضمونِ ما قبله من امتناع التبديل واقتصار أمره ﷺ على اتباع الوحي أي أخاف إن عصيتُه تعالى بتعاطي ما ليس لي من التبديل من تلقاء نفسي والإعراضِ عن اتباع الوحي عذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ هو يومُ القيامة أو يومُ اللقاءِ الذي لا يرجونه وفيه إشعارٌ بأنهم استوجبوه بهذا الاقتراحِ والتعرضُ لعنوانِ الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضميره ﷺ لتهويل أمرِ العصيان وإظهارِ كمال نزاهته ﷺ عنه وإيرادُ اليوم بالتنوين التفخيميّ ووصفُه بالعظم لتهويل ما فيه من العذاب وتفظيعِه ولا مساغَ لحمل مُقترَحِهم على التبديل والإتيانِ بقرآن آخرَ من جهة الوحي بتفسير قوله تعالى مَا يَكُونُ لِى أَنْ أُبَدّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِى بأنه لا يتسهّلُ لي أن أبدلَه بالاستدعاء من جهة الوحي ما أَتَّبِعُ إِلَاّ مَا يوحى إلى من غير صنعٍ ما من الاستدعاء وغيرِه من قِبلي لأنه يرده التعليلُ المذكورُ لا لأن المقترَحَ حينئذٍ ليس فيه معصيةٌ أصلاً كما تُوُهم فإن استدعاءَ تبديلِ الآياتِ النازلِة حسبما تقتضيه الحكمة التشعريعية بعضِها ببعض لا سيما بموجب اقتراح الكفرة مما لا ريبَ في كونه معصيةً بل لأنه ليس فيه معصيةُ الافتراءِ مع أنها المقصودةُ بما ذُكر في التعليل ألا يُرى إلى ما بعدَهُ من الآيتين الكريمتين فإنه صريحٌ في أن مقترحَهم الإتيانُ بغير القرآنِ وتبديلُه بطريق الافتراءِ وأن زعمَهم في الأصل أيضاً كذلك وقوله سورة يونس (١٦)

стр. 2354

﴿قُل لَّوْ شَاء الله مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ تحقيقٌ لحقية القرآنِ وكونِه من عند الله تعالى إثرَ بيانِ بطلانِ ما اقترحوا الإتيانَ به واستحالتِه عبارةً ودلالةً وإنما صدر بالأمر المستقلِّ مع كونه داخلاً تحت الأمرِ السابقِ إظهاراً لكمال الاعتناءِ بشأنه وإيذاناً باستقلاله مفهوماً وأسلوباً فإنه برهانٌ دالٌّ على كونه بأمر الله تعالى ومشيئتِه كما سيأتي وما سبق مجردُ إخبارٍ باستحالة ما اقترحوه ومفعولُ شاء محذوفٌ ينبىء عنه الجزاءلا غيرُ ذلك كما قيل فإن مفعلول المشيئةِ إنما يحذف إذا وقعتشرطا وكان مفعولُها مضمونَ الجزاءِ ولم يكن في تعلقها به غرابةٌ كما في قوله ... وَلَوْ شئتُ أن أبكِي دماً لبكَيتُه ... حيث لم يحُذف لفقدان الشرطِ الأخيرِ ولأن المستلزِمَ للجزاء أعني عدمَ تلاوته ﷺ للقرآن عليهم إنما هو مشيئتُه تعالى له لا مشيئتُه لغير القرآن والمعنى أن الأمرَ كلَّه منوطٌ بمشيئته تعالى وليس لي منه شيء قط ولو شاء عدمَ تلاوتي له عليكم لا بأن شاء عدمَ تلاوتي له من تلقاء نفسي بل بأن لم لنزله عليّ ولم يأمُرْني بتلاوته كما ينبىء عنه إيثارُ التلاوة على القراءة ما تلوتُه عليكم ﴿وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ أي ولا أعلمَكم به بواسطتي والتالي وهو عدمُ التلاوةِ والإدراءِ منتفٍ فينتفى المقدم أعنى مشيئة عدمَ التلاوة ولا يخفى أنها مستلزمة لعدم مشيئة التلاوة قطعاً فانتفاؤُها مستلزمٌ لانتفائه حتماً وانتفاءُ عدمِ مشيئة التلاوةَ إنما يكون بتحقق مشيئةِ التلاوةِ فثبت أن تلاوته ﷺ للقرآن بمشيئته تعالى وأمرِه وإنما قيدنا الإدراءَ بكونه

стр. 2355

بواسطته ﷺ لأن عدمَ الإعلامِ مطلقاً ليس من لوازم الشرطِ الذي هو مشيئةُ عدمِ تلاوته ﷺ فلا يجوز نظمُه في سلك الجزاءِ وفي إسناد عدمِ الإدراءِ إليه تعالى المنبىءِ عن استناد الإدراءِ إليه تعالى إيذانٌ بأنْ لا دخل له ﷺ في ذلك حسبما يقتضيه المقام وقرىء ولا أدرأتكم ولا أدرَأَكم بالهمزة فيهما على لغة من يقول أعطأتُ وأرضأتُ في أعطيت وأرضيتُ أو على أنه من الدرء بمعنى الدفعِ أي ولا جعلتُكم بتلاوته عليكم خصماء تدرءوننى بالجِدال وقرىء ولا أنذرتُكم به وقرىء لأدْرَاكم بلام الجوابِ أي لو شاء الله ما تلوته عليكم أنا ولأَعلَمكم به على لسان غيري على معنى أنه الحقُّ الذي لا محيصَ عنه لو لم أُرسل به أنا لأُرسل به غيري البتة أو على معنى أنه تعالى يمُنّ على من يشاء فخصّني بهذه الكرامة ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً﴾ تعليلٌ للملازمة المستلزِمةِ لكون تلاوتِه بمشيئة الله تعالى وأمره حسبما بيّن آنفاً لكن لا بطريق الاستدلالِ عليها بعدم تلاوته ﷺ فيما سبق بسبب مشيئتِه تعالى إياه بل بطريق الاستشهادِ عليها بما شاهدوا منه ﷺ في تلك المدةِ الطويلةِ من الأمور الدالةِ على استحالة كونِ التلاوةِ من جهته ﷺ بلا وحيٍ وعمراً نُصب على التشبيه بظرف الزمانِ والمعنى قد أقمتُ فيما بينكم دهراً مديداً مقدارَ أربعين سنةً تحفظون تفاصيلَ أحوالي طرّاً وتحيطون بما لديّ خبراً ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ أي منْ قبلِ نزولِ القرآن لا أتعاطى شيئاً مما يتعلق به لا من حيث نظمُه المعجزُ ولا من حيث معناه الكاشفُ عن أسرار الحقائقِ وأحكامِ الشرائع ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أي ألا تلاحِظون ذلك فلا تعقلون امتناعَ صدورِه عن مثلي ووجوبَ كونِه منزَّلاً من عند الله العزيز الحكيم فإنه غيرُ خافٍ على مَن له عقلٌ سليمٌ والحقُّ الذي لا محيدَ عنه أن مَنْ له أدنى مَسَكةٍ من العقل إذا تأمل في أمره ﷺ وأنه نشأ فيما بينهم هذا الدهرَ الطويلَ من غير مصاحبةِ العلماء في شأن من الشئون ولا مراجعةٍ إليهم في فن من الفنون ولا مخالطةِ البلغاءِ في المفاوضة والحِوار ولا خوضٍ معهم في إنشاء الخُطبِ والأشعار ثم أتى بكتاب بهَرتْ فصاحته كل فصيح قائق وبذت بلاغتُه كلَّ بليغٍ رائقٍ وعلا نظمُه كلَّ منثور ومنظومٍ وحوى فحواه بدائعَ أصنافِ العلوم كاشف عن أسرارَ الغيبِ من وراء أستارِ الكمُون ناطقٌ بأخبار ما قد كان وما سيكون مصدِّقٌ لما بين يديهِ من الكتب المنزلةِ مهيمنٌ عليها في أحكامها المُجْملة والمفصّلة لا يبقى عنده شائب اشتباهٍ في أنه وحيٌ منزلٌ من عند الله هذا هو الذي اتفقت عليه كلمةُ الجمهور ولكن الأنسبَ ببناء الجوابِ فيما سلف على مجرد امتناعِ صدورِ التغيير والتبديلِ عنه ﷺ لكونه معصيةً موجبةً للعذاب العظيم واقتصار حاله ﷺ على اتباع الوحي وامتناعِ الاستبدادِ بالرأي من غير تعرض هناك ولا ههنا لكون القرآنِ في نفسه أمراً خارجاً عن طَوْق البشر ولا لكونه ﷺ غيرَ قادرٍ على الإتيان بمثله أن يستشهد ههنا على المطلب بملا يلائم ذلك من أحواله المستمرة فى تلك الكدة المتطاولةِ من كمال نزاهتِه ﷺ عما يوهم شائبةَ صدورِ الكذبِ والافتراءِ عنه في حق أحدٍ كائناً مَنْ كان كما ينبىء عنه تعقيبُه بتظليم المفتري على الله تعالى والمعنى قد لبثتُ فيما بين ظَهْرانيكم قبل الوحي لا أتعرض لأحد قط بتحكم ولا جدالٍ ولا أحوم حولَ مقالٍ فيه شائبةُ شبهةٍ فضلاً عما فيه كذبٌ أو افتراءٌ ألا تلاحظون فلا تعقِلون أن مَنْ هذا شأنُه المطردُ في هذا العهد البعيدِ مستحيلٌ أن يفترى على الله ويتحكم على كافة الخلقِ بالأوامر والنواهي الموجبةِ لسلب الأموالِ وسفكِ الدماءِ ونحو ذلك وأن ما أتى به وحيٌ

стр. 2356

مبينٌ تنزيلٌ مّن ربِّ العالمينَ وقوله عز وجل

стр. 2357

﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا﴾ استفهامٌ إنكاريٌّ معناه الجحدُ أي لا أحدَ أظلمُ منه على معنى أنه أظلمَ منْ كلِّ ظالمٍ وإنْ كانَ سبكُ التركيبِ مفيداً لإنكار أن يكون أحدٌ أظلم منه من غير تعرض لإنكار المساواة ونفيها فإنه إذا قيل مَنْ أفضل من فلان أولا أعلمَ منه يُفهم منه حتماً أنه أفضلُ من كل فاضل وأعلمُ من كل عالم وزيادةُ قوله تعالى كَذِبًا مع أن الافتراءَ لا يكون إلا كذاك للإيذان بأن ما أضافوه إليه ضمنا وحملوه ﷺ عليه صريحاً مع كونه افتراءً على الله تعالى كذبٌ في نفسه فربّ افتراءٍ يكون كذبُه في الإسناد فقط كما إذا أسند ذنبُ زيدٍ إلى عمرو وهذا للمبالغة منه ﷺ في التفادي عما ذُكر من الافتراءِ على الله سبحانه ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ فكفر بها وهذا تظليمٌ للمشركين بتكذيبهم للقرآن وحملِهم على أنه من جهته ﷺ والفاءُ لترتيب الكلامِ على ما سبق من بيان كونِ القرآنِ بمشيئته تعالى وأمرِه فلا مجال لحمل الافتراء على الافتراءِ باتخاذ الولدِ والشريك أي وإذَا كانَ الأمرُ كذلك فمن افترى عليه تعالى بأن يختلقَ كلاماً فيقول هذا من عند الله أو يبدل بعضَ آياتِه تعالى ببعض كما تجوّزون ذلك في شأني وكذلك مَن كذب بآياته تعالى كما تفعلونه أظلمَ منْ كلِّ ظالمٍ ﴿إِنَّهُ﴾ الضمير للشأن وقع اسماً لإن والخبرُ ما يعقُبه من الجملة ومدارُ وضعِه موضعَه ادِّعاءُ شهرتِه المُغْنية عن ذكره وفائدةُ تصديرِها به الإيذانُ بفَخامة مضمونِها مع ما فيه من زيادة تقريرِه في الذهن فإنَّ الضميرَ لا يُفهمُ منه من أولِ الأمرِ إلا شأنٌ مبهمٌ لهُ خطرٌ فيبقى الذهنُ مترقِّباً لما يعقُبه فيتمكن عند وروده عليه فضلُ تمكُّنٍ فكأنه قيل إن الشأنَ هذا أي ﴿لَا يُفْلِحُ المجرمون﴾ أي لا ينجُون من محذور ولا يظفَرون بمطلوب والمرادُ جنسُ المجرمين فيندرج فيه المفتري والمكذب اندراجاً أولياً

стр. 2358

﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ حكاية لجناية أخرى لهم نشأتْ عنها جنايتُهم الأولى معطوفةٌ على قولِه تعالى وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ الآية عطفَ قصةٍ على قصة ومن دون متعلقٌ بيعبدون ومحلُّه النصبُ عَلى الحاليّةِ من فاعله أي متجاوزين الله سبحانه لا بمعنى تركِ عبادتِه بالكلية بل بمعنى عدم الاكتفاءِ بها وجعلها قريناً لعبادة الأصنامِ كما يُفصح عنه سياقُ النطم الكريم ﴿مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾ أي ما ليس من شأنه الضرُّ والنفعُ من الأصنام التي هي جمادات وما موصولةٌ أو موصوفةٌ وتقديمُ نفي الضررِ لأن أدنى أحكامِ العبادةِ دفعُ الضررِ الذي هو أولُ المنافع والعبادةُ أمرٌ حادث مسبوقٌ بالعدم الذي هو مظِنّةُ الضرر فحيث لم تقدِر الأصنامُ على الضرر لم يوجد لإحداث العبادة سببٌ وقيل لا يضرّهم إن تركوا عبادتَها ولا ينفعهم إن عبدوها كان أهلُ الطائفِ يعبُدون اللاتَ وأهلُ مكةَ عزى ومَناةَ وهُبَل وإسافاً ونائلةً ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شفعاؤنا عِندَ الله﴾ عن النضْر بن الحرث إذا كان يوم القيامة يشفع لى اللاتُ قيل إنهم كانوا يعتقدون أن المتوليَ لكل إقليمٍ روحٌ معينٌ من أرواح الأفلاكِ

стр. 2359

فعيّنوا لذلك الروحِ صنماً معيناً من الأصنام واشتغلوا بعبادته ومقصودُهم ذلك الروحُ ثم اعتقدوا أن ذلك الروحَ يكون عند الإله الأعظمِ مشتغلاً بعبوديته وقيل إنهم كانوا يعبدون الكواكبَ فوضعوا لها أصناماً معينة واشتغلوا بعبادتها قصداً إلى عبادة الكواكبِ وقيل إنهم وضعوا طلسماتٍ معينةً على تلك الأصنام ثم تقربوا إليها وقيل إنهم وضعوا هذه الأصنامَ على صور أنبيائِهم وأكابرِهم وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيلِ فإن أولئك الأكابرَ يشفعون لهم عند الله تعالى ﴿قُلْ﴾ تبكيتاً لهم ﴿أَتُنَبّئُونَ الله بِمَا لَا يَعْلَمُ﴾ أي أتخبرونه بما لا وجودَ له أصلاً وهو كونُ الأصنامِ شفعاءَهم عندِ الله تعالى إذ لولاه لعلمه علامُ الغيوبِ وفيه تقريعٌ لهم وتهكّمٌ بهم وبما يدعونه من المُحال الذي لا يكادُ يدخُل تحتَ الصحة والإمكانِ وقرىء أتنبِّيون بالتخفيف وقوله تعالى ﴿في السماوات وَلَا فِى الأرض﴾ حالٌ منْ العائد المحذوفِ في يعلم مؤكدةٌ للنفي لأن ما لا يوجد فيهما فهو منتفٍ عادة ﴿سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ عن إشراكهم المستلزمِ لتلك المقالةِ الباطلةِ أو عن شركائهم الذين يعتقدونهم شفعاءَهم عند الله تعالى وقرىء تُشركون بتاء الخطاب على أنه من جملةِ القولِ المأمورِ به وعلى الأول هو اعتراض تذييلى من جهته سورة يونس (١٩)

стр. 2360

﴿وَمَا كَانَ الناس إِلَاّ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ بيانٌ لأن التوحيدَ والإسلامَ ملةٌ قديمةٌ أجمعت عليها الناسُ قاطبة فطرةً وتشريعاً وأن الشركَ وفروعَه جهالاتٌ ابتدعها الغواةُ خلافاً للجمهور وشقاً لعصا الجماعة وأما حمل اتخاذهم على الاتفاق على الضلال عند الفترةِ واختلافُهم على ما كان منهم من الاتباع والإصرارِ فممَّا لا احتمالَ له أي وما كان الناسُ كافةً من أولِ الأمرِ إلا متفقين على الحق والتوحيد من غير اختلافٍ وذلك من عهد آدم ﵊ إلى أن قتل قابيلُ هابيلَ وقيل إلى زمن إدريسَ ﵇ وقيل إلى زمنِ نوحٍ ﵇ وقيل من حينِ الطوفانِ حينَ لم يذر الله من الكافرين دياراً إلى أن ظهر فيما بينهم الكفرُ وقيل من لدن إبراهيمَ ﵊ إلى أن أظهر عمْرُو بنُ لحيَ عبادةَ الأصنام فالمرادُ بالناس العربُ خاصةً وهو الأنسب بإيراد الآيةِ الكريمة إثرَ حكايةِ ما حُكي عنهم من الهَنات وتنزيهِ ساحةِ الكبرياء عن ذلك ﴿فاختلفوا﴾ بأن كفرَ بعضُهم وثبت آخرون على ما هم عليه فخالف كلٌّ من الفريقين الآخرَ لا أن كلاًّ منهما أحدث ملةً على حدة من ملل الكفرِ مخالفةً لملة الآخر فإن الكلامَ ليس في ذلك الاختلافِ إذ كلٌّ منهما مبطِلٌ حينئذ فلا يُتصوَّر أن يقضى بينهما بإبقاء المُحقّ وإهلاكِ المبطل والفاء التعقيبيةُ لا تنافي امتدادَ زمانِ الاتفاقِ إذ المرادُ بيانُ وقوعِ الاختلاف عقيبَ انصرامِ مدةِ الاتفاقِ لا عقيبَ حدوثِ الاتفاق ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ﴾ بتأخير القضاءِ بينهم أو بتأخير العذابِ الفاصل بينهم إلى يوم القيامة فإنه يومُ الفصل ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ عاجلاً ﴿فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ بتمييز الحقِّ من الباطل بإبقاء المحق وإهلاكِ المبطل وصيغةُ الاستقبال لحكاية الحالِ الماضيةِ وللدلالة على الاستمرار

стр. 2361

سورة يونس (٢٠ ٢١)

стр. 2362

﴿وَيَقُولُونَ﴾ حكاية لجناية أخرى لهم معطوفةٌ على قولِه تعالى وَيَعْبُدُونَ وصيغةُ المضارعِ لاستحضار صورةِ مقالتهم الشنعاءِ والدلالةِ على الاستمرار والقائلون أهلُ مكة ﴿لَوْلَا أُنزِلَ عليه آية مّن رَّبّهِ﴾ أرادوا آيةٌ من الآيات التي اقترحوها كأنهم لفرط العتوِّ والفساد ونهايةِ التمادي في المكابرة والعِناد لم يعدّوا البيناتِ النازلة عليه ﷺ من جنس الآياتِ واقترحوا غيرَها مع أنه قد أنزل عليه من الآيات الباهرةِ والمعجزاتِ المتكاثرةِ ما يضطرهم إلى الانقياد والقبولِ لو كانوا من أرباب العقولِ ﴿فَقُلْ﴾ لهم في الجواب ﴿إِنَّمَا الغيب للَّهِ﴾ اللامُ للاختصاص العلميِّ دون التكوينيِّ فإن الغيبَ والشهادةَ في ذلك الاختصاصِ سيان والمعنى أن ما اقترحتموه وزعمتم أنه من لوازمِ النبوة وعلّقتم إيمانَكم بنزوله من الغيوب المختصّة بالله تعالى لا وقوف لي عليه ﴿فانتظروا﴾ نزولَه ﴿إِنّى مَعَكُم مّنَ المنتظرين﴾ أي لما يفعل الله بكم لاجترائكم على مثل هذه العظيمة من جحود الآياتِ واقتراحِ غيرِها وجعلُ الغيبِ عبارةً عن الصارف عن إنزال الآياتِ المقترحةِ يأباه ترتيبُ الأمرِ بالانتظار على اختصاص الغيبِ به تعالى

стр. 2363

﴿وَإِذَا أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً﴾ صِحةً وسَعةً ﴿مّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ﴾ أي خالطتْهم حتى أحسوا بسوء أثرِها فيهم وإسنادُ المساسِ إلى الضراء بعد إسنادِ الإذاقةِ إلى ضميرِ الجلالة من الآداب القرآنيةِ كما في قولِه تعالى وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ونظائره قيل سلط الله تعالى على أهل مكةَ القحطَ سبع سنينَ حتى كادوا يهلِكون ثم رحمهم بالحَيا فطفقوا يطعنون في آياته تعالى ويعادون رسوله ﷺ ويكيدونه وذلكَ قولُه تعالى ﴿إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِى آيَاتِنَا﴾ أي بالطعن فيها وعدمِ الاعتداد بها والاحتيالِ في دفعها وإذا الأولى شرطيةٌ والثانيةُ جوابُها كأنه قيل فاجؤوا وقع المكرِ منهم وتنكيرُ مكرٌ للتفخيم وفي متعلقةٌ بالاستقرار الذي يتعلق به اللام ﴿قُلِ الله أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ أي أعجلُ عقوبةً أي عذابُه أسرعُ وصولاً إليكم مما يأتي منكم في دفع الحقِّ وتسميةُ العقوبةِ بالمكر لوقوعها في مقابلة مكرِهم وجوداً أو ذكراً ﴿إِنَّ رُسُلَنَا﴾ الذين يحفظون أعمالَكم والإضافةُ للتشريف ﴿يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ أي مكرَكم أو ما تمكُرونه وهو تحقيقٌ للانتقام منهم وتنبيهٌ على أن ما دبروا في إخفائه غيرُ خافٍ على الحفَظة فضلاً عن العليم الخبير وصيغةِ الاستقبال في الفعلينِ للدِلالة على الاستمرار التجدّدي والجملةُ تعليلٌ من جهته تعالى لأسرعية مكرِه سبحانه غيرُ داخلٍ في الكلامِ الملقن كقوله تعالى وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً فإن كتابةَ الرسلِ لما يمكرون من مبادىء بطلانِ مكرِهم وتخلف أثرِه عنه بالكلية وفيه من المبالغة ما لا يوصف وتلوينُ الخطاب بصرفه عن رسول الله ﷺ إليهم للتشديد في التوبيخ وقرىء على لفظ الغَيبة فيكون حينئذٍ تعليلاً لما ذكر أو للأمر

стр. 2364

سورة يونس (٢٢)

стр. 2365

﴿هُوَ الذى يُسَيّرُكُمْ﴾ كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لبيانِ جنايةٍ أخرى لهم مبنيةٍ على ما مر آنفاً من اختلاف حالِهم حسب اختلافِ ما يعتريهم من السراء والضراءِ أي يمكّنكم من السير تمكيناً مستمراً عند الملابسة به وقبلها ﴿فِى البر﴾ مشاةً ورُكباناً وقرىء ينشُركم من النشر ومنه قوله بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ ﴿والبحر حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِى الفلك﴾ أي السفن فإنه جمعُ فَلك على زنة أُسْد جمعُ أسَد لا على وزن قفل وغايةُ التسييرِ ليست ابتداءَ ركوبِهم فيها بل مضمونُ الشرطيةِ بتمامه كما ينبىء عنه إيثارُ الكونِ المؤذنِ بالدوام على الركوب المُشعِرِ بالحدوث ﴿وَجَرَيْنَ﴾ أي السفن ﴿بِهِمُ﴾ بالذين فيها والالتفاتُ إلى الغَيبة للإيذانِ بما لهم من سوء الحالِ الموجبِ للإعراض عنهم كأنه يذكر لغيرهم مساوى أحوالِهم ليعجِّبهم منها ويستدعيَ منه الإنكارَ والتقبيحَ وقيل ليس فيه التفاتٌ بل معنى قوله تعالى حتى إِذَا كُنتُمْ فِى الفلك إذا كان بعضُكم فيها إذ الخطابُ للكل ومنهم المسيَّرون في البر فالضميرُ الغائبُ عائدٌ إلى ذلك المضافِ المقدر كما في قوله تعالى أَوْ كظلمات فِى بَحْرٍ لُّجّىّ يغشاه أي أو كذى ظلماتٍ يغشاه موجٌ ﴿بِرِيحٍ طَيّبَةٍ﴾ ليّنةِ الهُبوب موافقةٍ لمقصدهم ﴿وَفَرِحُواْ بِهَا﴾ بتلك الريحِ لطيبها وموافقتها ﴿جَاءتْهَا﴾ جوابُ إذا والضميرُ المنصوبُ للريح الطيبةِ أي تلقتْها واستولتْ عليها من طرف مخالِفٍ لها فإن الهبوبَ على وفقها لا يسمى مجيئاً لريح أخرى عادةً بل هو اشتدادٌ للريح الأولى وقيل للفُلك والأول أظهرُ لاستلزامه للثاني من غير عكس لأن الهبوبَ على طريقة الريح اللينةِ يعد مجيئاً بالنسبة إلى الفُلك دون الريح اللينة مع أنه لا يستتبع تلاطمَ الأمواجِ الموجبِ لمجيئها من كل مكان ولأن التهويلَ في بيان استيلائِها على ما فرحوا به وعلَّقوا به حبالَ رجائِهم أكثرُ ﴿رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ أي ذاتُ عصْفٍ وقيل العصُوفُ مختصٌّ بالريح فلا حاجة إلى الفارق وقيل الريحُ قد يذكّر ﴿وَجَاءهُمُ الموج﴾ في الفلك ﴿مّن كُلّ مَكَانٍ﴾ أي من أمكنة مجيءِ الموجِ عادةً ولا بُعدَ في مجيئه من جميع الجوانبِ أيضاً إذ لا يجب أن يكون مجيئُه من جهة هبوبِ الريح فقط بل قد يكون من غيرها بحسب أسبابٍ تتفق له ﴿وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ أي هلَكوا فإن ذلك مثلٌ في الهلاك أصلُه إحاطةُ العدو بالحيّ أو سدّت عليهم مسالكُ الخلاص ﴿دَّعَوَا الله﴾ بدلٌ من ظنوا بدل اشتمال لما بينهما من الملابسة والتلازم أو استئنافٌ مبنيُّ على سؤال ينساق إليه الأذهانُ كأنه قيل فماذا صنعوا فقيل دعوُا الله ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينِ﴾ من غير أنْ يشركوا به شيئاً من آلهتهم لا مخصصين للدعاء به تعالى فقط بل للعبادة أيضاً فإنهم بمجرد تخصيصِ الدعاء به تعالى لا يكونون مخلِصين له الدين ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا﴾ اللامُ موطئةٌ للقسم على إرادةِ القولِ أيْ قائلين والله لئن أنجيتنا ﴿من هذه﴾ الورطة ﴿لَنَكُونَنَّ﴾ البتةَ بعد ذلك أبداً ﴿مِنَ الشاكرين﴾ لنعمك التي من جُمْلتِها هذهِ النعمة المسئولة وقيل الجملةُ مفعولُ دعَوا لأن الدعاءَ من قبيل القولِ والأولُ هو

стр. 2366

الأَولى لاستدعاء الثاني لاقتصار دعائِهم على ذلك فقط وفي قوله لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين من المبالغة في الدِلالة على كونهم ثابتين في الشكر مثابرين عليه منتظِمين في سلك المنعوتين بالشكر الراسخين فيه ما ليس في أن يقال لنشكرن سورة يونس (٢٣)

стр. 2367

﴿فَلَمَّا أَنجَاهُمْ﴾ مما غشِيَهم من الكُربة والفاءُ للدِلالة على سرعةِ الإجابة ﴿إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى الارض﴾ أي فاجئوا الفسادَ فيها وسارعوا إليه متراقين في ذلك متجاوزين عمَّا كانوا عليه من حدود العيثِ من قولهم بغى الجرحُ إذا ترامى في الفساد وزيادةُ في الأرض للدِلالة على شمول بغيهم لأقطارها وصيغة المضارع للدلالة على التجدد والاستمرارِ وقوله تعالى ﴿بغير الحق﴾ تأكير لما يفيده البغيُ أو معناه أنه بغير الحقِّ عندهم أيضاً بأن يكون ذلك ظلماً ظاهراً لا يخفى قبحُه على أحدٌ كما في قولِهِ تعالى وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ الحق وأما ما قيل من أنه للاحتراز عن البغي بحق كتخريب الغزاةِ ديارَ الكفرةِ وقطعِ أشجارِهم وإحراق زرعِهم فلا يساعدُهُ النظمُ الكريمُ لابتنائه على كون البغي بمعنى إفسادِ صورةِ الشيء وإبطالِ منفعتِه دون ما ذكر من المعنى اللائق بحال المفسدين ﴿يَا أَيُّهَا الناس﴾ توجيهٌ للخطاب إلى أولئك الباغين للتشديد في التهديد والمبالغةِ في الوعيد ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ﴾ الذي تتعاطَوْنه وهو مبتدأُ وقولُه تعالى ﴿على أَنفُسِكُمْ﴾ خبرُه أي عليكم في الحقيقة لا على الذين تبغون عليهم وإن ظُنَّ كذلك وقوله تعالى ﴿مَّتَاعَ الحياة الدنيا﴾ بيانٌ لكون ما فيه من المنفعة العاجلةِ شيئاً غيرَ معتدَ به سريعَ الزوال دائمَ الوبال وهو نُصبَ على أنَّه مصدرٌ مُؤكدٌ لفعلٍ مقدرٍ بطريقِ الاستئنافِ أي تتمتعون متاعَ الحياةِ الدنيا وقيل على أنه مصدرٌ وقعَ موقِعَ الحالِ أي متمتعين بالحياة الدنيا والعاملُ هو الاستقرارُ الذي في الخبر لا نفسُ البغي لأنه يؤدي إلى الفصلَ بين المصدرِ ومعمولِه بالخبر ولا يخبر عن الموصولِ إلا بعد تمامِ صلتِه وأنت خبيرٌ بأنه ليس في تقييد كونِ بغيهم على أنفسهم بحال تمتعِهم بالحياة الدنيا معنىً يعتدّ به وقيل على أنه ظرفُ زمانٍ نحو مقدمَ الحاجِّ أي زمنَ متاعِ الحياةِ الدنيا وفيه ما مر بعينه وقيل على أنه مفعولٌ لفعل دل عليه المصدرُ أي تبغون متاعَ الحياة الدنيا ولا يخفى أنه لا يدل على البغي بمعنى الطلب وجعل المصدر أيضاً بمعناه مما يُخلُّ بجزالة النظمِ الكريم لأن الاستئنافَ لبيان سوءِ عاقبةِ ما حُكيَ عنهم من البغي المفسّر بالإفساد المفْرطِ اللائقِ بحالهم فأيُّ مناسبةٍ بينه وبين البغي بمعنى الطلب وجعلُ الأول أيضاً بمعناه مما يجب تنزيهُ ساحةِ التنزيلِ عنه وقيل على أنَّه مفعولٌ له أي لأجل متاعِ الحياة الدنيا والعاملُ ما ذكر من الاستقرار وفيه أن المعلّلَ بما ذُكر نفسُ البغي لا كونُه على أنفسهم وقيل أنفسهم وقيل العاملُ فيه فعلٌ مدلولٌ عليه بالمصدر أي تبغون لأجل متاعِ الحياةِ الدُّنيا على أن الجملةَ مستأنفةٌ وقيل على أنه مفعولٌ صريحٌ للمصدر وعلى أنفسكم ظرفٌ لغوٌ متعلقٌ به والمرادُ بالأنفس الجنسُ والخبرُ محذوفٌ لطول الكلامِ والتقديرُ إنما بغيُكم على أبناء جنسِكم متاعَ الحياة الدنيا محذورا أو ظاهرُ الفساد أو نحوُ ذلك وفيه ما مر من ابتنائه على ما لا يليق بالمقام

стр. 2368

من كون البغي بمعنى الطلب نعم لو جُعل نصبُه على العلة أي إنما بغيُكم على أبناء جنسِكم لأجل متاعِ الحياةِ الدنيا محذورٌ كما اختاره بعضُهم لكان له وجهٌ في الجملة لكن الحقَّ الذي تقتضيهِ جزالةُ التنزيلِ إنما هو الأولُ وقرىء متاعُ بالرفع على أنَّه الخبرُ والظرفُ صلةٌ للمصدر أو خبرٌ ثانٍ أو خبرُ لمبتدأٍ محذوفٍ أي هُو متاعُ الخ كما في قوله تعالى إِلَاّ سَاعَةً من نَّهَارٍ بَلَاغٌ أي هذا بلاغٌ فالمرادُ بأنفسهم على الوجه الأول أبناءُ جنسِهم وإنَّما عبَّر عنهم بذلك هزاً لشفقتهم عليهم وحثاً لهم على ترك إيثارِ التمتعِ المذكورِ على حقوقهم ولا مجال للحمل على الحقيقة لأن كونَ بغيهم وَبالاً عليهم ليس بثابت عندهم حسبما يقتضيه ما حُكي عنهم ولم يُخبَر به بعدُ حتى يُجعلَ من تتمة الكلام ويجعل كوُنه متاعاً مقصودَ الإفادِة على أن عنوانَ كونِه وبالاً عليهم قادحٌ في كونه متاعاً فضلاً عن كونه من مبادىء ثبوتِه للمبتدأ كما هو المتبادَرُ من السَّوْق وأما كونُ البغي على أبناء الجنسِ فمعلومُ الثبوتِ عندهم ومتضمن لمبادى التمتعِ من أخذ المالِ والاستيلاءِ على الناس وغيرِ ذلك وأما على الوجهين الأخيرين فلا موجبَ للعدول عن الحقيقة فإن المبتدأَ إما نفسُ البغي أو الضميرُ العائدُ إليه من حيث هو هو لا من حيث كونُه وبالاً عليهم كما في صورة كونِ الظرفِ صلةً للمصدر فتدبر وقرىء متاعاً الحياةَ الدنيا أما نصبُ متاعاً فعلى ما مر وأما نصبُ الحياةَ فعلى أنه بدلٌ من متاعاً بدلَ اشتمالٍ وقيل على أنه مفعولٌ به لمتاعاً إذا لم يكن انتصابُه على المصدرية لأن المصدرَ المؤكدَ لا يعمل عنِ النبيِّ ﷺ أنه قال لا تمكُرْ ولا تُعِن ماكراً ولا تبغِ ولا تُعن باغياً ولا تنكُث ولا تُعِن ناكثاً وكان يتلوها وقالَ محمدُ بنُ كعبٍ ثلاثٌ من كنّ فيه كنّ عليه البغيَ والنكثَ والمكر قال تعالى إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَاّ بِأَنفُسِهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ على نَفْسِهِ وعنه ﷺ أسرع الخير ثواباً صلةُ الرحم وأعجلُ الشر عقاباً البغيُ واليمينُ الفاجرة وروي ثنتان يعجّلهما الله تعالَى في الدُّنيا البغيُ وعقوقُ الوالدين وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لو بغى جبلٌ على جبل لدُكّ الباغي ﴿ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ﴾ عطفٌ على ما مر من الجملة المستأنفةِ المقدرةِ كأنه قيل تتمتعون متاعَ الحياةِ الدُّنيا ثم ترجِعون إلينا وإنما غُيّر السبكُ إلى الجملة الاسمية مع تقديم الجارِّ والمجرور للدِلالة على الثبات والقصرِ ﴿فَنُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنيا على الاستمرار من البغي وهو وعيدٌ بالجزاء والعذاب كقول الرجل لمن يتوعده سأخبرك بما فعلت وفيه نكتةٌ خفيةٌ مبنية على حكمة أبية وهي أن كلَّ ما يظهر في هذه النشأةِ من الأعيان والأعراضِ فإنما يظهر بصورة مغايرةٍ لصورته الحقيقية التي بها يظهر في النشأة الآخرة فإن المعاصيَ مثلاً سمومٌ قاتلةٌ قد برزت في الدنيا بصورة تستحسنها نفوسُ العصاةِ وكذا الطاعاتُ مع كونها أحسن الأحاسن قد ظهرت عندهم بصور مكروهةٍ ولذلك قال ﷺ حفت الجبة بالمكاره وحُفّتِ النَّارُ بالشَّهواتِ فالبغي في هذه النشأة وإن برز بصورة تشتهيها البغاةُ وتستحسنها الغواةُ لتمتعهم به من حيث أخذُ المالِ والتشفّي من الأعداء ونحوُ ذلك لكن ذلك ليس بتمتع في الحقيقة بل هو تضرّر من حيث لا يحتسبون وإنما يظهرُ لهم ذلك عند إبرازِ ما كانوا يعملونه من البغى بصورة الحقيقة المضادّةِ لِما كانوا يشاهدونه على ذلك من الصورة وهو المرادُ بالتنبئة المذكورةِ والله أعلمُ

стр. 2369

سورة يونس (٢٤ ٢٥)

стр. 2370

﴿إِنَّمَا مَثَلُ الحياة الدنيا﴾ كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لبيانِ شأنِ الحياةِ الدنيا وقصرِ مدة التمتعِ بها وقربِ زمانِ الرجوع الموعودِ وقد شبه حالها العجيبة الشأنِ البديعةُ المثالِ المنتظمةُ لغرابتها في سلك الأمثالِ في سرعة تقضِّيها وانصرامِ نعيمها غِبَّ إقبالِها واغترارِ الناسِ بها بحال ما على الأرض من أنواع النباتِ في زوال رونقِها ونضارتِها فجأةً وذهابِها حُطاماً لم يبق لها أثرٌ أصلاً بعد ما كانت غضّةً طرية قد التف بعضُها ببعض وزُيِّنت الأرضُ بألوانها وتقوّت بعد ضعفِها بحيث طمِع الناسُ وظنوا أنها سلِمت من الجوائح وليس المشبَّهُ به ما دخله الكافُ في قولِه ﴿كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السماء فاختلط بِهِ نَبَاتُ الارض﴾ بل ما يُفهم من الكلام فإنه من التشبيه المركب ﴿مِمَّا يَأْكُلُ الناس والانعام﴾ من البقول والزروعِ والحشيش ﴿حتى إِذَا أَخَذَتِ الارض زُخْرُفَهَا﴾ جُعلت الأرضُ في تزينها بما عليها من أصناف النباتاتِ وأشكالِها وألوانِها المختلفة المونقةِ آخذةً زخْرُفَها على طريقة التمثيلِ بالعروس التى قد خذت من ألوان الثيابِ والزَّيْن فتزيّنت بها وازينت أصله تزينت فأدغم وقرىء على الأصل وقرىء وأزْينت كأغيلت من غير إعلالٍ والمعنى صارت ذاتَ زينةٍ وازْيانَّت كابياضّت ﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾ متمكنون من حصدها ورفعِ غَلّتها ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا﴾ جوابُ إذا أي ضرب زرعَها ما يجتاحه من الآفات والعاهات ﴿لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا﴾ أي زرعها وساء ما عليها ﴿حَصِيداً﴾ أي شبيهاً بما حُصد من أصله ﴿كَأَن لَّمْ تَغْنَ﴾ كأن لم يغنَ زرعُها والمضافُ محذوفٌ للمبالغة وقرىء بتذكير الفعل ﴿بالامس﴾ أي فيما قبلُ بزمان قريبٍ فإن الأمسَ مثلٌ في ذلك كأنه قيل لم تغنَ آنفاً ﴿كذلك﴾ أي مثلَ ذلك التفصيلِ البديعِ ﴿نُفَصّلُ الآيات﴾ أي الآيات القرآنيةَ التي من جُمْلتِها هذهِ الآيات المنبهةُ على أحوال الحياةِ الدنيا أي نوضّحها ونبيِّنها ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في تضاعيفها ويقفون على معانيها وتخصيصُ تفصيلِها بهم لأنهم المنتفعون بها ويجوز أن يُراد بالآياتِ ما ذُكر في أثناء التمثيلِ من الكائنات والفاسداتِ وبتفصيلها تصريفُها على الترتيب المحكيِّ إيجاداً وإعداماً فإنها آياتٌ وعلاماتٌ يستدل بها من يتفكر فيها على أحوال الحياةِ الدنيا حالاً ومآلاً

стр. 2371

﴿والله يَدْعُو إلى دَارِ السلام﴾ ترغيبٌ للناس في الحياة الأخرويةِ الباقيةِ إثرَ ترغيبهم عن الحياة الدنيا الفانية أي يدعو الناسَ جميعاً إلى دار السلامةِ عن كلِّ مكروهٍ وآفةٍ وهي الجنةُ وإنما ذُكرت

стр. 2372

بهذا الاسم لذكر الدنيا بما يقابله من كونها معَرْضاً للآفات أو إلى دار الله تعالى وتخصيصُ الإضافةِ التشريفية بهذا الاسم الكريمِ للتنبيه على ذلك أو إلى دار يسلّم الله أو الملائكةُ فيها على من يدخلها أو يسلم بعضُهم علي بعض ﴿ويهدي من يشاء﴾ هدايته منهم ﴿إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ﴾ موصلٍ إليها وهو الإسلامُ والتزودُ بالتقوى وفي تعميم الدعوة وتخصيصِ الهدايةِ بالمشيئة دليلٌ على أن الأمرَ غيرُ الإرادة وإن من أصر على الضلالة لم يرد الله رشده سورة يونس (٢٦ ٢٧)

стр. 2373

﴿لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ﴾ أي أعمالَهم أي عمِلوها على الوجه اللائقِ وهو حسنُها الوصفيُّ المستلزِمُ لحسنها الذاتي وقد فسره رسول الله ﷺ بقولِه أنْ تعبدَ الله كأنَّك تراهُ فإنْ لم تكنْ تراهُ فإنَّه يراكَ ﴿الحسنى﴾ أي المثوبةَ الحُسنى ﴿وزيادة﴾ أى وما يزيد على تلك المثوبة تفضلاً لقوله عز اسمه وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ وقيل الحسنى مثلُ حسناتِهم والزيادةُ عشرُ أمثالهِا إلى سبعمائةِ ضعفٍ وأكثر وقيل الزيادةُ مغفرةٌ من الله ورِضوانٌ وقيل الحُسنى الجنةُ والزيادة اللقاء ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ﴾ أي لا يغشاها ﴿قَتَرٌ﴾ غبرةٌ فيها سوادٌ ﴿وَلَا ذِلَّةٌ﴾ أي أثرُ هوانٍ وكسوفُ بالٍ والمعنى لا يرهقهم ما يرهَق أهلَ النار أو لا يرهَقُهم ما يُوجبُ ذلك من الحزن وسوءِ الحالِ والتنكيرُ للتحقير أيْ شيءٌ منهما والجملةُ مستأنفةٌ لبيان أمنِهم من المكاره إثرَ بيان فوزِهم بالمطالب والثاني وإن اقتضى الأولَ إلا أنه ذُكر إذكاراً بما ينقذهم الله تعالى منه برحمته وتقديمُ المفعولِ على الفاعلِ للإهتمام ببيان أن المصونَ من الرهَق أشرفُ أعضائِهم وللتشويق إلى المؤخَّر فإنَّ ما حقُّه التقديمُ إذا أُخرَ تبقى النفسُ مترقبةً لوروده فعند ورودِه عليها يتمكن عندها فضلُ تمكّنٍ ولأن في الفاعل ضربَ تفصيلٍ كما في قوله تعالى يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ وقوله وَجَاءكَ فِى هذه الحق وَمَوْعِظَةٌ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿أولئك﴾ إشارةٌ إلى المذكورين باعتبار اتصافِهم بالصفات المذكورةِ وما في إسمِ الإشارةِ من معنى البعد للإيذان بعلو درجتِهم وسموّ طبقتِهم أي أولئك الموصوفون بما ذُكر من النعوت الجميلةِ الفائزون بالمثوبات الناجون عن المكاره ﴿أصحاب الجنة هُمْ فِيهَا خالدون﴾ بلا زوالٍ دائمون بلا انتقال

стр. 2374

﴿والذين كَسَبُواْ السيئات﴾ أي الشركَ والمعاصيَ وهو مبتدأٌ بتقدير المضافِ خبرُه قوله تعالى ﴿جَزَاء سَيّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ أي جزاءُ الذين كسبوا السيئاتِ أن يجازى سيئةً واحدةً بسيئة مثلها لا يزاد عليها كما يزاد في الحسنة وتغييرُ السبْكِ حيث لم يقل وللذين كسبوا السيئاتِ السوآى لمراعاة ما بينَ الفريقينِ من كمال التنائي والتبايُن وإيرادُ الكسب للإيذان بأن ذلك إنما هو لسوء صنيعِهم وبسبب جنايتِهم على أنفسهم أو الموصولُ معطوفٌ على الموصول الأولِ كأنه

стр. 2375

قيل وللذين كسبوا السيئاتِ جزاء بسيئة مثلها كقولك في الدار زيدٌ والحجرةِ عمروٌ وفيه دلالةٌ على أن المرادَ بالزيادة الفضلُ ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ وأيُّ ذلةٍ كما ينبىء عنه التنوينُ التفخيميُّ وفي إسناد الرَهق إلى أنفسهم دون وجوهِهم إيذانٌ بأنها محيطةٌ بهم غاشيةٌ لهم جميعاً وقرىء يرهَقهم بالياء التحتانية ﴿مَّا لَهُمْ مّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ﴾ أي لا يعصِمُهم أحدٌ من سُخطه وعذابِه تعالى أو ما لهم من عنده تعالى مَن يعصمهم كما يكون للمؤمنين وفي نفي العاصمِ من المبالغة في نفي العصمةِ ما لا يخفى والجملةُ مستأنفةٌ أو حالٌ من ضمير ترهقهم ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَت وُجُوههم قطعاً مِنَ اللَّيْلِ﴾ لفرط سوادِها وظلمتِها ﴿مُظْلِماً﴾ حالٌ من الليل والعاملُ فيه أغشيت لأنه العاملُ في قِطَعاً وهو موصوفٌ بالجار والمجرور والعاملُ في الموصوف عاملٌ في الصفة أو معنى الفعلِ في مِنَ الليل وقرىء قِطْعاً بسكون الطاء وهو طائفة من الليل قال ... افتحي الباب وانظُري في النجوم ... كم علينا من قِطْع ليلٍ بهيم ... فيجوزُ كونُ مظلماً صفةً له أو حالاً منه وقرىء كأنما يغشى وجوهَهم قِطعٌ من الليل مظلمٌ والجملةُ كما قبلها مستأنفةٌ أو حالٌ من ضمير ترهقهم ﴿أولئك﴾ أي الموصوفون بما ذكر من الصفات الذميمة ﴿أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون﴾ وحيث كانت الآيةُ الكريمةُ في حق الكفارِ بشهادة السياقِ والسباقِ لم يكن فيها تمسك للوعيدية سورة يونس (٢٨)

стр. 2376

﴿ويوم نحشرهم﴾ كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لبيانِ بعضٍ آخرَ من أحوالهم الفظيعةِ وتأخيرُه في الذكر مع تقدمه في الوجود على بعض أحوالِهم المحكيةِ سابقاً للإيذان باستقلال كلَ من السابق واللاحقِ بالاعتبار ولو روعيَ الترتيبُ الخارجيُّ لعُدَّ الكلُّ شيئاً واحداً كما مرَّ في قصَّةِ البقرة ولذلك فصل عما قبله ويومَ منصوبٌ على المفعوليةِ بمضمرِ أي أنذرْهم أو ذكرْهم وضمير نحشُرهم لكلا الفريقين الذي أحسنوا والذين كسبوا السيئاتِ لأنه المتبادرُ من قوله تعالى ﴿جَمِيعاً﴾ ومن أفراد الفريقِ الثاني بالذكر في قوله تعالى ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾ أي نقول للمشركين من بينهم ولأن توبيخهم وتهديدهم على رءوس الأشهادِ أفظعُ والإخبارُ بحشر الكلِّ في تهويل اليومِ أدخل وتخصيصُ وصفِ إشراكهم بالذكر في حيز الصلةِ من بين سائر ما اكتسبوه من السيئات لابتناء التوبيخِ والتقريعِ عليه مع ما فيه من الإيذان بكونه معظمَ جناياتِهم وعمدةَ سيئاتِهم وقيل للفريق الثاني خاصةً فيكون وضعُ الموصولِ موضعَ الضميرِ لما ذكر آنفاً ﴿مَكَانَكُمْ﴾ نُصب على أنه في الأصلِ ظرفٌ لفعل أقيم مُقامه لا على أنه اسمُ فعل وحركتُه حركةُ بناءٍ كما هو رأيُ الفارسي أي الزَموه حتى تنظُروا ما يفعل بكم ﴿أَنتُمْ﴾ تأكيدٌ للضمير المنتقل إليه من عامله لسده مسدَّه ﴿وَشُرَكَاؤُكُمْ﴾ عطفٌ عليه وقُرىء بالنَّصبِ على أنَّ الواو بمعنى مع ﴿فزيلنا﴾ من زلت الشىء عن مكانه أُزيِّله أي أزلتُه والتضعيف للتكثير لا للتعدية وقرىء فزايلنا بمعناه نحو كلّمتُه وكالمته وهو معطوفٌ على نقول وإيثارُ صيغةِ الماضِي للدَلالة على التحققِ الموروث لزيادة التوبيخِ والتحسيرِ والفاءُ للدِلالة على وقوع التزييل ومباديه عقيبَ الخطابِ من غير مُهلةٍ إيذاناً

стр. 2377

بكمال رخاوةِ ما بينَ الفريقينِ من العلاقة والوصلةِ أي ففرقنا بَيْنَهُمْ وقطّعنا أقرانهم والوصل التي كانت بينهم في الدنيا لكن لا من الجانبين بل من جانب العبَدةِ فقط لعدم احتمالِ شمولِ الشركاءِ للشياطين كما سيجيء فخابت آمالُهم وانصرمت عُرى أطماعِهم وحصل لهم اليأسُ الكليُّ من حصول ما كانوا يرجونه من جهتهم والحالُ وإن كانت معلومةً لهم من حين الموتِ والابتلاءِ بالعذاب لكن هذه المرتبةَ من اليقين إنما حصلت عند المشاهدةِ والمشافهةِ وقيل المرادُ بالتزييل التفريقُ الحسيُّ أي فباعدنا بينهم بعد الجمعِ في الموقفِ وتبرُّؤ شركائِهم منهم ومن عبادتهم كما في قوله أَيْنَمَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ الله قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا فالواو حينئذ في قوله تعالى ﴿وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ حاليةٌ بتقدير كلمةِ قد عند من يشترطها وبدونه عند غيره لا عاطفة كما في التفسير الأول لاستدعاء المحاورةِ المحاضرةَ الفائتةَ بالمباعدة وليس في ترتيب التزييلِ بهذا المعنى على الأمر بلزوم المكانِ ما في ترتيبه عليه بالمعنى الأول من النكتة المذكورةِ ليُصار لأجل رعايتِها إلى تغيير الترتيبِ الخارجيِّ فإن المباعدةَ بعد المحاورةِ حتماً وأما قطعُ الأقران والعلائق فليس كذلك بل ابتداؤُه حاصلٌ من حين الحشر بل بعضُ مراتبه حاصلٌ قبله أيضاً وإنما الحاصلُ عند المحاورةِ أقصاها كما أشير إليه فلا اعتداد بما في تقديمه من التغيير لا سيما مع رعاية ما ذكر من النكتة ولو سلم تأخرُ جميعِ مراتبِه عن المحاورة فمراعاةُ تلك النكتةِ كافيةٌ في استدعاء تقديمِه عليها ويجوز أن تكون حاليةً على هذا التقديرِ أيضاً والمرادُ بالشركاء قيل الملائكةُ وعزيز والمسيحُ وغيرُهم ممن عبدوه من أولي العلم ففيه تأييدٌ لرجوع الضميرِ إلى الكل وقولهم ﴿مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ عبارةٌ عن تبرئهم من عبادتهم وأنهم إنما عبدوا في الحقيقة أهواءَهم وشياطينَهم الذين أغوَوْهم لأنها الآمرةُ لهم بالإشراك دونهم كقولهم سبحانك أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ الآية وقيل الأصنامُ يُنطِقها الله الذى أنطق كلَّ شيء فتُشافِهُهم بذلك مكانَ الشفاعةِ التي كانوا يتوقعونها

стр. 2378

﴿فكفى بالله شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ فإنه العليمُ الخبير ﴿إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لغافلين﴾ أي عن عبادتكم لنا وتركهُ للظهور وللإيذان بكمال الغفلةِ عنها والغفلةُ عبارةٌ عن عدم الارتضاءِ وإلا فعدمُ شعورِ الملائكةِ بعبادتهم لهم غيرُ ظاهرٍ وهذا يقطع احتمالَ كونِ المرادِ بالشركاء الشياطينَ كما قيل فإن ارتضاءَهم بإشراكهم مما لا ريبَ فيه وإن لم يكونوا مُجْبِرين لهم على ذلك وإنْ مخففةٌ من أن واللامُ فارقة

стр. 2379

﴿هُنَالِكَ﴾ أي في ذلك المقام الدهِش أو في ذلك الوقت على استعارة ظرفِ المكان للزمان تبلو أي تختبر وتذوق ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ مؤمنةً كانت أو كافرةً سعيدةً أو شقية ﴿مَّا أَسْلَفَتْ﴾ من العمل وتعاينه بكُنهه مستتبِعاً لآثاره من نفع أو ضر وخيرٍ أو شر وأما ما علِمتْ من حالها من حين الموتِ والابتلاءِ بالعذاب في البرزخ فأمرٌ مجملٌ وقرىء نبلو بنونِ العظمةِ ونصبِ كلُّ وإبدالِ ما منه أي نعاملها معاملةَ من يبلوها ويتعرّفُ أحوالَها من السعادة والشقاوةِ باختبار ما أسلفت من العمل ويجوزُ أن يُراد نُصيب بالبلاء أي العذاب

стр. 2380

عاصيةٍ بسبب ما أسلفت من الشر فيكون ما منصوبة بنزع الخافض وقرئ تتلو أي تتبع لأن عملَها هو الذي يهديها إلى طريق الجنةِ أو إلى طريق النارِ أو تقرأ في صحيفه أعمالِها ما قدمت من خير أو شر ﴿وَرُدُّواْ﴾ الضمير للذين أشركوا على أنه معطوفٌ على زيلنا وما عطف عليه قوله ﴿هنالك تبلو﴾ الخ اعتراضٌ في أثناء الحكايةِ مقرّرٌ لمضمونها ﴿إِلَى الله﴾ أي إلى جزائه وعقابه ﴿مولاهم﴾ ربِّهم ﴿الحق﴾ أي المتحقق الصادِق ربوبيتُه لا ما اتخذوه ربا باطلا وقرئ الحقَّ بالنصب على المدح كقولهم الحمدُ لله أهلَ الحمدُ لله أهلَ الحمد أو على المصدر المؤكد ﴿وَضَلَّ عَنْهُم﴾ وضاع أي ظهر ضَياعُه وضلالُه لا أنه كان قبل ذلك غيرَ ضالٍ أو ضل في اعتقادهم أيضاً ﴿مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ من أن آلهتَهم تشفع لهم أو ما كانوا يدعون أنها آلهةٌ هذا وجُعل الضميرُ في رُدوا للنفوسِ المدلولِ عليها بكلِّ نفسٍ على أنه معطوفٌ على تبلو وأن العدولَ إلى الماضِي للدلالةِ على التحققِ والتقرر وأن إيثارَ صيغةِ الجمعِ للإيذان بأن ردّهم إلى الله يكون على طريقة الاجتماعِ لا يلائمه التعرُّض لوصف الحقيةِ في قوله تعالى مولاهم الحق فإنه للتعريض بالمردودين حسبما أشير إليه ولئن اكتُفيَ فيه بالتعريض ببعضهم أو حُمل الحقِّ على معنى العدل في الثواب والعقاب فقوله وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ مما لا مجال فيه للتدارك قطعاً فإنَّ ما فيهِ من الضمائر الثلاثة للمشركين فيلزم التفكيكُ حتماً وتخصيصُ كلُّ نفس بالنفوس المشركة مع عموم البلوى للكل يأ باه مقامُ تهويلِ المقام والله تعالَى أعلمُ سورة يونس (٣١)

стр. 2381

﴿قُلْ﴾ أي لأولئك المشركين الذين حُكيت أحوالُهم وبيّن ما يؤدي إليه أعمالُهم احتجاجاً على حقية التوحيدِ وبُطلانِ ما هم عليه من الإشراك ﴿مَن يَرْزُقُكُم مّنَ السماء والارض﴾ أي منهما جميعاً فإن الأرزاقَ تحصُل بأسباب سماوية وموادَّ أرضيةٍ أو من كل واحدة منهما توسعةً عليكم وقيل مِنْ لبيان كلمة مَنْ على حذفِ المضافِ أي مِنْ أهل السماء والأرض ﴿أَم مَّنْ يَمْلِكُ السمع والابصار﴾ أمْ منقطعةٌ وما فيَها من كلمةِ بل للإضراب عن الاستفهام الأولِ لكنْ لا على طريقةِ الإبطالِ بل على وجه الانتقالِ وصرفِ الكلام عنه إلى استفهام آخرَ تنبيهاً على كفايته فيما هو المقصودُ أي من يستطيع خلقَهما وتسويتَهما على هذه الفطرة العجيبة أو من يحفظهما من الآفات مع كثرتها وسرعة انفعالِهما من أدنى شيءٍ يصيبهما ﴿وَمَن يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت وَيُخْرِجُ الميت مِنَ الحى﴾ أي ومن يحيي ويميت أو ومن ينشىء الحيوانَ من النطفة والنطفةَ من الحيوان ﴿وَمَن يُدَبّرُ الامر﴾ أي ومن يلي تدبيرَ أمرِ العالم جميعاً وَهُوَ تعميمٌ بعدَ تخصيصِ بعضِ ما اندرج تحته من الأمور الظاهرةِ بالذكر ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ بلا تلعثم ولا تأخير ﴿الله﴾ إذ لا مجال للمكابرة لغاية وضوحِه والخبرُ محذوف أي الله يفعل ما ذُكر من الأفاعيلِ لا غيرُه فَقُلْ عند ذلك تبكيتاً لهم أَفَلَا تَتَّقُونَ الهمزةُ لإنكار عدمِ الاتقاء بمعنى إنكار الواقعِ كَما في أتضربُ أباك لا بمعنى إنكارُ الوقوعِ كما في أأضرِب أبي والفاء للعطف على مقدر ينسحب عليه النظمُ الكريمُ أي أتعلمون ذلك فلا تقون

стр. 2382

أنفسَكم عذابَه الذي ذَكر لكم بما تتعاطَونه من إشراككم به ما لا يشاركه في شيءٍ مَّما ذُكر من خواصّ الإلهية سورة يونس (٣٢ ٣٤)

стр. 2383

﴿فَذَلِكُمُ﴾ فذلكةٌ لما تقدم أي ذلكم الذي اعترفتم باتصافه بالنعوت المذكورةِ وهو مبتدأُ وقولُه تعالى ﴿الله﴾ خبرُه وقوله تعالى ﴿رَبُّكُمْ﴾ أي مالكُكم ومتولي أمورِكم على الإطلاق بدلٌ منه أو بيانٌ له وقوله تعالى الحق صفةٌ له أي ربكم الثابتُ ربوبيتُه والمتحقق ألوهيته تحققا لاريب فيه فَمَاذَا يجوز أن يكون الكلُّ اسماً واحداً قد غلب فيه الاستفهامُ على اسم الإشارةِ وأن يكون ذا موصولاً بمعنى الذي أي ما الذي ﴿بَعْدَ الحق﴾ أي غيرُه بطريق الاستعارةِ وإظهارُ الحق إما لأن المرادَ به غيرُ الأول وإما لزيادة التقريرِ ومراعاةِ كمالِ المقابلةِ بينه وبين الضلالِ والاستفهامُ إنكاريٌّ بمعنى إنكارِ الوقوعِ ونفيِه أي ليس غيرُ الحق ﴿إِلَاّ الضلال﴾ الذي لا يختاره أحدٌ فحيث ثبت أن عبادةَ من هو منعوتٌ بما ذُكِرَ من النعوتِ الجميلةِ حقٌّ ظهر أن ما عداها من عبادة الأصنامِ ضلالٌ محضٌ إذ لا واسطةَ بينهما وإنما سُميت ضلالاً مع كونها من أعمال الجوارحِ باعتبار ابتنائِها على ما هو ضلالٌ من الاعتقاد والرأيُ هذا على تقديرِ كونِ الحقِّ عبارةً عن التوحيد وأما على تقدير كونِه عبارةً عن الأول فالمرادُ بالضلال هو الأصنامُ لا عبادتُها والمعنى فماذا بعد الربِّ الحقِّ الثابتِ ربوبيّتُه إلا الضلالُ أي الباطلُ الضائعُ المضمحلُّ وإنما سمي بالمصدر مبالغةً كأنه نفسُ الضلالِ والضياعِ وهذا أنسبُ بقوله تعالى وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ على التفسير الثاني ﴿فأنى تُصْرَفُونَ﴾ استفهامٌ إنكاريٌّ بمعنى إنكارِ الواقعِ واستبعادُه والتعجيبُ منه وفيه من المبالغة ما ليس في توجيه الإنكارِ إلى نفس الفعلِ لأن كلَّ موجودٍ لا بد من أن يكون وجودُه على حال من الأحوال قطعاً فإذا انتفى جميعُ أحوال وجودِه فقد انتفى وجودُه على الطريق البرهاني كما مر مراراً والفاءُ لترتيب الإنكارِ على ما قبله أي كيف تُصرفون من الحق الذي لا محيد عنه وهو التوحيدُ إلى الضلال عن السبيل المستبينِ وهو الإشراكُ وعبادةُ الأصنام أو من عبادة ربكم الحقِّ الثابتِ ربوبيتُه إلى عبادة الباطلِ الذي سمعتم ضلالَه وضياعَه في الآخرة وفي إيثار صيغةِ المبنيِّ للمفعول إيذانٌ بأن الانصرافَ من الحق إلى الضلال مما لا يصدُر عن العاقل بإرادته وإنما يقع عند وقوعِه بالقسر من جهة صارفٍ خارجيَ

стр. 2384

﴿كذلك﴾ أي كما حقت الربوبيةُ لله تعالى أو كما أنه ليس بعد الحقِّ إلا الضلالُ أو أنهم مصروفون عن الحق ﴿حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ﴾ وحكمُه وقضاؤُه عَلَى الذين فَسَقُواْ أي تمردوا في الكفر وخرجوا من أقصى حدودِه ﴿أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بدلُ الكلمة من أو تعليلٌ لحقيتها والمرادُ بها العِدَةُ بالعذاب

стр. 2385

﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ﴾
следующие страницы →