← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

استقام لهم ﴿وَمَنْ حَوْلَهُمْ مّنَ الاعراب﴾ كمزينةَ وجهينةَ وأشجعَ وغِفارٍ وأضرابهِم ﴿أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ الله﴾ عند توجهه ﷺ إلى الغزو ﴿وَلَا يَرْغَبُواْ﴾ نصب وقد جُوِّز الجزمُ ﴿بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ﴾ أي لا يصرِفوها عن نفسه الكريمةِ ولا يصونوها عما لم يصُن عنه نفسَه بل يكابده معه ما يكابده من الأهوال والخطوب والكلامُ في معنى النهي وَإِن كان على صورة الخبر ﴿ذلك﴾ إشارةٌ إلى ما دل عليه الكلامُ من وجوب المشايعة ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ بسبب أنهم ﴿لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ﴾ أي عطشٌ يسير ﴿وَلَا نَصَبٌ﴾ ولا تعب ما ﴿وَلَا مخمصة﴾ أي مجاعة ما لا يستباح عنده المحرمات من مراتبها فإن الظمأَ والنصبَ اليسيرين حين لم يخلُوَا من الثواب فلأَنْ لا يخلو ذلك منه أولى فلا حاجة إلى تأكيد النفي بتكرير كلمة لا ويجوزُ أنْ يُرادَ بها تلك المرتبةُ ويكونُ الترتيبُ بناءً على كثرة الوقوعِ وقِلّته فإن الظمأَ أكثرُ وقوعاً من النصب الذي هو أكثرُ وقوعاً من المخمصة بالمعنى المذكور فتوسيطُ كلمةِ لا حينئذ ليس لتأكيد النفي بل للدلالة على استقلال كلَ واحدٍ منها بالفضيلة والاعتداد به ﴿فِى سَبِيلِ الله﴾ وإعلاء كلمتِه ﴿ولا يطؤون مَوْطِئًا يَغِيظُ الكفار﴾ أي لا يدوسون بأرجلهم وحوافِر خيولِهم وأخفافِ رواحلِهم دَوْساً أو مكاناً يداس ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوّ نَّيْلاً﴾ مصدرٌ كالقتل والأسرِ والنهب أو مفعول أي شيئاً يُنال من قِبَلهم ﴿إِلَاّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ﴾ أي بكلِّ واحدٍ من الأمور المعدودةِ ﴿عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ وحسنةٌ مقبولةٌ مستوجبةٌ بحكم الوعد الكريمِ للثواب الجميلِ ونيل الزُّلفى والتنوينُ للتفخيم وكونُ المكتوبِ عينَ ما فعلوه من الأمور لا يمنع دخولَ الباء فإن اختلافَ العنوان كافٍ في ذلك ﴿إِنَّ الله لَا يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين﴾ على إحسانهم تعليلٌ لما سلف من الكتب والمرادُ بالمحسنين إما المبحوثُ عنهم ووضعُ المُظْهر موضعَ المضمرِ لمدحهم والشهادةِ عليهم بالانتظام في سلك المحسنين وأن أعمالَهم من قبيل الإحسانِ وللإشعار بعلية المأخَذ للحكم وإما جنسُ المحسنين وهم داخلون فيه دخولا أوليا سورة براءة آية (١٢١ ١٢٢)

стр. 2312

﴿وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً﴾ ولو تمرةً أو علاقةَ سَوْط ﴿وَلَا كَبِيرَةً﴾ كما أنفق عثمانُ ﵁ والترتيب باعتبار ما ذُكر من كثرة الوقوعِ وقلته وتوسيطُ لا للتنصيص على استبداد كلَ منهما بالكتْب والجزاءِ لا لتأكيد النفي كما في قوله ﴿وَلَا يَقْطَعُونَ﴾ أي لا يجتازون في مسيرهم ﴿وَادِيًا﴾ وهو في الأصل كلُّ منفرَجٍ من الجبال والآكامِ يكون منفذاً للسيل اسمُ فاعلٍ من ودَى إذا سال ثم شاع في الأرض على الإطلاق ﴿إِلَاّ كتب لهم﴾ أي أثبت لَهُمْ ذلك الذي فعلوه من الإنفاق والقطع ﴿لِيَجْزِيَهُمُ الله﴾ بذلك ﴿أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أحسنَ جزاءِ أعمالِهم أو جزاءَ أحسنِ أعمالِهم

стр. 2313

﴿وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَافَّةً﴾

стр. 2314

أي ما صح وما استقام لهم أن ينفِروا جميعاً لنحو غزْوٍ أو طلب علمٍ كما لا يستقيم لهم أن يتثبّطوا جميعاً فإن ذلك مُخِلٌّ بأمر المعاش ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ﴾ فهلا نفَر ﴿مِن كُلّ فِرْقَةٍ﴾ أي طائفة كثيرة ﴿مِنْهُمْ﴾ كأهل بلدةٍ أو قبيلةٍ عظيمة ﴿طَائِفَةٌ﴾ أي جماعة قليلة ﴿لّيَتَفَقَّهُواْ فِى الدين﴾ أي يتكلفوا الفَقاهةَ فيه ويتجشموا مشاقَّ تحصيلِها ﴿وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ﴾ أي وليجعلوا غايةَ سعيِهم ومرمى غرضِهم من ذلك إرشادَ القومِ وإنذارَهم ﴿إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ﴾ وتخصيصُه بالذكر لأنه أهم وفيه دليلٌ على أنَّ التفقهَ في الدين من فروض الكفايةِ وأن يكون غرضُ المتعلمِ الاستقامةَ والإقامةَ لا الترفعَ على العباد والتبسط في البلاد كما هو ديدن أبناء الزمان والله المستعان ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ إرادةَ أن يحذروا عما ينذرون واستُدل به على أنَّ أخبارَ الآحادِ حجةٌ لأن عمومَ كلِّ فرقةٍ يقتضي أن ينفِرَ من كل ثلاثةٍ تفردوا بقرية طائفةٌ إلى التفقه لتنذر فرقتها كي يتذكروا ويحذروا فلو لم يعتبر الإخبارُ ما لم يتواتر لم يُفِدْ ذلك وقد قيل للآية وجهٌ آخرُ وهو أن المؤمنين لما سمعوا ما نزل في المتخلفين سارعوا إلى النفير رغبةً ورهبةً وانقطعوا عن التفقه فأُمروا أن ينفر من كل فرقةٍ طائفةٌ إلى الجهاد ويبقى أعقابُهم يتفقهون حتى لا ينقطع الفقهُ الذي هو الجهادُ الأكبرُ لأن الجدالَ بالحجة هو الأصلُ والمقصودُ من البعثة فالضميرُ في ليتفقهوا ولينذِروا لبواقي الفِرَق بعد الطوائفِ النافرةِ للغزو وفي رجعوا للطوائف أي ولينذر البواقي قومَهم النافرين إذا رجَعوا إليهم بما حصلوا في أيام غيبتهم من العلوم سورة براءة آية (١٢٣ ١٢٤)

стр. 2315

﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الذين يَلُونَكُمْ مّنَ الكفار﴾ أُمروا بقتال الأقربِ منهم فالأقرب كما أُمر ﷺ أولاً بإنذار عشيرتِه فإن الأقربَ أحقُّ بالشفقة والاستصلاحِ قيل هم اليهودُ حوالي المدينة كبني قرُيظةَ والنَّضير وخيبَر وقيل الرومُ فإنهم كانوا يسكنون الشامَ وهو قريبٌ من المدينة بالنسبة إلى العراق وغيره ﴿وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ أي شدة وصبرا على القتال وقرئ بفتح الغين كسَخْطة وبضمها وهما لغتان فيها ﴿واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين﴾ بالعصمة والنصرة والمرادُ بهم إما المخاطَبون ووضعُ الظاهرِ موضعَ الضمير للتنصيص على أن الإيمانَ والقتالَ على الوجه المذكور من باب التقوى والشهادة بكونهم من زمرة المتقين وإما الجنس وهم داخلون فيه دخولا أولياً والمرادُ بالمعية الولايةُ الدائمةُ وقد ذُكر وجهُ دخولِ مع على المتبوع في قوله تعالى إن الله مَعَنَا

стр. 2316

﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ﴾ من سور القرآن ﴿فَمِنْهُمْ﴾ أي من المنافقين ﴿مَن يقول﴾ لإخوانهم ليثبِّتهم على النفاق أو لعوامّ المؤمنين وضعفتِهم ليصُدّهم عن الإيمان ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذه﴾ السورة ﴿إيمانا﴾ وقرئ بنصب أيَّكم على تقدير فعلٍ يفسِّره المذكورُ

стр. 2317

أي زادت أيُّكم زادتْه هذه الخ وإيرادُ الزيادةِ مع أنه لا إيمانَ فيهم أصلاً باعتبار اعتقادِ المؤمنين حسبما نطق به قوله تعالى إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ زَادَتْهُمْ إيمانا ﴿فَأَمَّا الذين آمنوا﴾ جوابٌ من جهته سبحانه وتحقيقٌ للحق وتعيينٌ لحالهم عاجلاً وآجلاً أي فأما الذين آمنوا بالله تعالى وبما جاء من عنده ﴿فَزَادَتْهُمْ إيمانا﴾ بزيادة العلمِ اليقينيِّ الحاصلِ من التدبر فيها والوقوفِ عَلى ما فَيها من الحقائق وانضمامِ إيمانِهم بما فيها بإيمانهم السابق ﴿وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ بنزولها وبما فيه من المنافع الدينيةِ والدنيويةِ سورة براءة آية (١٢٥ ١٢٧)

стр. 2318

﴿وَأَمَّا الذين فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي كفرٌ وسوءُ عقيدة ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ أي كُفراً بها مضموماً إلى الكفر بغيرها وعقائدَ باطلةً وأخلاقاً ذميمةً كذلك ﴿وَمَاتُواْ وَهُمْ كافرون﴾ واستحكم ذلك إلى أن يموتوا عليه

стр. 2319

﴿أَوْ لَا يَرَوْنَ﴾ الهمزةُ للإنكار والتوبيخ والواوُ للعطفِ على مقدرٍ أي ألا ينظُرون ولا يرَوْن ﴿أَنَّهُمْ﴾ أي المنافقين ﴿يُفْتَنُونَ فِى كُلّ عَامٍ﴾ من الأعوام ﴿مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ والمرادُ مجردُ التكثيرِ لا بيانُ الوقوع حسب العدد المزبورِ أي يُبتلَوْن بأفانينِ البليات من المرض والشدةِ وغيرِ ذلك مما يذكّر الذنوبَ والوقوفَ بين يدي ربَّ العِزَّة فيؤدي إلى الإيمان به تعالى أو الجهاد مع رسول الله ﷺ فيعانون ما ينزل عليه من الآيات لا سيما القوارعُ الزائدة للإيمان الناعية عليه ما فيهم من القبائح المخزيةِ لهم ﴿ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ﴾ عطف على لا يَرَوْن داخلٌ تحت الإنكار والتوبيخِ وكذا قوله تعالى ﴿وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ والمعنى أولا يَرَون افتتانَهم الموجبَ لإيمانهم ثم لا يتوبون عمَّا هُم عليهِ من النفاق ولا هم يتذكرون بتلك الفِتن الموجبةِ للتذكر والتوبة وقرئ بالتاء والخطاب للمؤمنين والهمزةُ للتعجيب أي ألا تظرون ولا ترَوْن أحوالَهم العجيبة التي هي افتتانُهم على وجه التتابعِ وعدمَ التنبّهِ لذلك فقوله تعالى ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وما عطف عليه معطوفٌ على يفتنون

стр. 2320

﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ﴾ بيان لأحوالهم عند نزولِها وهم في محفل تبليغِ الوحي كما أن الأولَ بيانٌ لمقالاتهم وهم غائبون عنه ﴿نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ﴾ تغامزوا بالعيون إنكاراً لها أو سخريةً بها أو غيظاً لما فيها من مخازيهم ﴿هَلْ يَرَاكُمْ مّنْ أَحَدٍ﴾ أي قائلين هل يراكم أحدٌ من المسلمين لننصرف مظهرين أنهم لا يصطبرون على استماعها ويغلبُ عليهم الضحِكُ فيفتَضِحون أو ترامقوا يتشاورون في تدبير الخروجِ والانسلال لو إذا يقولون هل يراكم من أحد إن قمتم من المجلس وإيرادُ ضمير الخطابِ لبعث المخاطَبين على الجد في انتهاز الفرصةِ فإن المرءَ بشأنه أكثرُ اهتماماً منه بشأن أصحابِه كما في قوله تعالى وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا وقيل المعنى وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ في عيوب

стр. 2321

المنافقين ﴿ثُمَّ انصرفوا﴾ عطفٌ على نظَر بعضُهم والتراخي باعتبار وُجدانِ الفرصةِ والوقوفِ على عدمِ رؤيةِ أحدٍ من المؤمنين أي انصرفوا جميعاً عن محفِل الوحيِ خوفاً من الافتضاح أو غير ذلك ﴿صَرَفَ الله قُلُوبَهُم﴾ أي عن الإيمان حسَب انصرافِهم عن المجلس والجملة إخبارية أو دعائية ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ أي بسببِ أنَّهم ﴿قَوْمٌ لَاّ يَفْقَهُونَ﴾ لسوء الفهم أو لعدم التدبر سورة براءة آية (١٢٨ ١٢٩)

стр. 2322

﴿لَقَدْ جَاءكُمْ﴾ الخطابُ للعرب ﴿رسول﴾ أي رسول رسول عظيمُ الشأن ﴿مّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ من جنسِكم عربيٌّ قرشي مثلكم وقرئ بفتح الفاء أي أشرفِكم وأفضِلكم ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ أي شاقٌّ شديدٌ عليه عَنَتُكم ولقاؤكم المكروهَ فهو يخاف عليكم سوءَ العاقبةِ والوقوعَ في العذاب وهذا من نتائج ما سلف من المجانسة ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ في إيمانكم وصلاحِ حالِكم ﴿بالمؤمنين﴾ منكم ومن غيركم ﴿رؤوف رَّحِيمٌ﴾ قدِّم الأبلغُ منهما وهي الرأفةُ التي هي عبارةٌ عن شدة الرحمةِ محافظةً على الفواصل

стр. 2323

﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى النبيِّ ﷺ تسليةً له أي إن أعرضوا عن الإيمان بك ﴿فَقُلْ حَسْبِىَ الله﴾ فإنه يكفيك ويُعينك عليهم ﴿لَا إله إِلَاّ هُوَ﴾ استئنافٌ مقررٌ لمضمونِ ما قبله ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ فلا أرجو ولا أخاف إلا منه ﴿وَهُوَ رَبُّ العرش العظيم﴾ أي المُلك العظيمِ أو الجِسم الأعظمِ المحيط الذي تنزل منه الأحكامُ والمقادير وقرئ العظيمُ بالرفع وعن أبي أن آخِرَ ما نزل هاتان الآيتان وعن النبيِّ ﷺ ما نزل القرآن على إلا آيةً آيةً وحرفاً حرفاً ما خلا سورةَ براءةٌ وسورةَ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ فإنهما أُنزلتا عَليّ ومعهما سبعونَ ألفَ صفٍ منَ الملائكة

стр. 2324

سورة يونس ﵇ مكية وهى مائة وتسع آيات سورة يونس (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2325

﴿الر﴾ بتفخيم الراءِ المفتوحةِ وقرىء بالإمالة إجراءً للأصلية مُجرى المنقلبة عن الياء وقرىء بينَ بين وهو إمَّا مسرودٌ على نمطِ التعديدِ بطريقِ التَّحدِّي على أحدِ الوجهينِ المذكورينِ في فاتحةِ سُورةِ البقرةِ فلا محلَّ له من الإعرابِ وإمَّا اسمٌ للسُّورةِ كما عليه إطباقُ الأكثرِ فمحلُّه الرفعُ على أنَّه خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ أي هذه السورةُ مسماةٌ بألر وهو أظهرُ من الرَّفع على الابتداء لعدم سبق العلمِ بالتسميةِ بعدُ فحقُّها الإخبارُ بها لا جعلُها عنوانَ الموضوع لتوقفه على علم المخاطب بالانتساب كما مر والإشارةُ إليها قبل جَرَيانِ ذكرها لِما أنها باعتبار كونِها على جناح الذكْرِ وبصدده صارت في حكم الحاضِر كما يقال هذا ما اشترى فلان أو النصبُ بتقديرِ فعلِ لائقٍ بالمقام نحوُ اذكُر أو اقرأْ وكلمةُ ﴿تِلْكَ﴾ إشارةٌ إليها إما على تقدير كونِ الر مسرودة على نمط التعديدِ فقد نُزّل حضورُ مادتِها التي هي الحروفُ المذكورةُ منزلةَ ذكِرها فأشير إليها كأنه قيل هذه الكلماتُ المؤلفةُ من جنس هذه الحروفِ المبسوطةِ الخ وأما على تقديرِ كونِه اسماً للسورة فقد نوّهتُ بالإشارة إليها بعد تنويهِها بتعيين اسمِها أو الأمر بذكرها أو بقراءتها وما في إسمِ الإشارةِ من معنى البُعد للتنبيه على بُعد منزلِتها في الفخامةِ ومحلُّه الرفعُ على أنه مبتدأ خبره قوله تعالى ﴿آيَات الكتاب﴾ وعلى تقدير كون الر مبتدأً فهو مبتدأٌ ثانٍ أو بدلٌ من الأَّولِ والمعنى هي آياتٌ مخصوصةٌ منه مترجمةٌ باسم متسقل والمقصودُ ببيانِ بعضيَّتِها منه وصفُها بما اشتهر اتصافُه به من النعوت الفاضلةِ والصفاتِ الكاملةِ والمرادُ بالكتاب إما جميعُ القرآنِ العظيم وإن لم ينزل الكلُّ حينئذ إما باعبتار تعيّنِه وتحققِه في علمِ الله عزَّ وعلا أو في اللَّوحِ أو باعتبار أنه أُنزل جُملةً إلى السماءِ الدُّنيا كَما هو المشهورُ فإن فاتحةَ الكتاب كانت مسماة بهذا الاسم وبأم القرآن في عهد النبوة ولمّا يحصُلِ المجموعُ الشخصي إذ ذاك فلا بد من ملاحظة كلَ من الكتاب والقرآن بأحد الاعتبارات المذكورة وإما جميعُ القرآنِ النازلِ وقتئذ المتفاهَمِ بين الناسِ إذ ذاك فإنه كما يُطلق على المجموع الشخصيّ يُطلق على مجموع ما نزل في كل عصرٍ ألا يُرى إلى ما رُوي عنْ جابرٌ ﵁ أنه قال كان النبيِّ ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أحُدٍ في ثوب واحد ثم يقول أيُّهم أكثرُ أخذاً للقرآن فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد فإن ما يفهمه الناسُ من القرآن في ذلك الوقت ويحافظون على التفاوت في أخذه إنما هو المجموعُ النازلُ حينئذ من غير

стр. 2326

ملاحظةٍ لتحقق المجموعِ الشخصيِّ في علم الله سبحانه أو في اللوح ولا لنزوله جُملةً إلى السماءِ الدُّنيا ﴿الحكيم﴾ ذي الحِكمة وصُف به لاشتماله على فنون الحِكَم الباهرةِ ونُطقِه بها أو هو من باب وصفِ الكلامِ بصفة صاحبِه أو من باب الاستعارة المكنيةِ المبنيةِ على تشبيه الكتابِ بالحكيم الناطق بالحكمة هذا وقد جعل الكتابُ عبارةً عن نفس السورةِ وكلمةُ تلك إشارةٌ إلى من ضمنها من الآي فإنها في حكم الحاضرِ لا سيما بعد ذكرِ ما يتضمنها من السورة عند بيان اسمِها أو الأمرِ بذكرها أو بقراءتها وينبغي أن يكون المشارُ إليه حينئذ كلَّ واحدةٍ منها لا جميعَها من حيث هو جميعٌ لأنه عينُ السورةِ فلا يكون للإضافة وجهٌ ولا لتخصيص الوصفِ بالمضاف إليه حكمةٌ فلا يتأتى ما قُصد من مدح المضافِ بما للمضاف إليه من صفات الكمال ولأن في بيان اتصافِ كلَ منها بالكمال من المبالغة ما ليس في بيان اتصافِ الكلِّ بذلك والمتبادرُ من الكتاب عند الإطلاقِ وإن كان كلُّه بأحد الوجهين المذكورين لكنّ صحةَ إطلاقِه على بعضه أيضاً مما لا ريب فيها والمعهودُ المشهورُ وإن كان اتصافُ الكل بأحد الاعتبارين بما ذُكر من نعوت الكمالِ إلا أن شهرةَ اتصافِ كل سورةٍ منه بما اتصف به الكلُّ مما لا ينكر وعليه يدور تحققُ مدحِ السورةِ بكونها بعضاً من القرآن الكريم إذ لولا أن بعضَه منعوتٌ بنعت كلِّه داخلٌ تحت حكمهِ لما تسنى ذلك وفيه ما لا يَخفْى من التكلف والتعسف سورة يونس آية

стр. 2327

٢ - ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾ الهمزةُ لإنكار تعجّبِهم ولتعجب السامعين منه لكونه في غير محلِّه والمرادُ بالناس كفارُ مكةَ وإنما عبِّر عنهم باسم الجِنسِ من غير تعرُّضٍ لكفرهم مع أنه المدارُ لتعجبهم كما تُعُرِّض له في قولِه قَالَ الكافرون الخ لتحقيق ما فيه الشركةُ بينهم وبين رسول الله ﷺ وتعيينِ مدارِ التعجبِ في زعمهم ثم تبيينِ خطئِهم وإظهارِ بطلانِ زعمِهم بإيراد الإنكارِ والتعجيب واللامُ متعلقةٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من عجباً وقيل بعجباً على التوسع المشهورِ في الظروف وقيل المصدرُ إذا كان بمعنى اسم الفاعلِ أو اسمِ المفعول جاز تقديمُ معمولِه عليه وقيل متعلقةٌ بكان وهو مبنيٌّ على دلالة كان الناقصةِ على الحدث ﴿أَنْ أَوْحَيْنَا﴾ اسمُ كان قُدِّم عليه خبرُها اهتماماً بشأنه لكونه مدارَ الإنكارِ والتعجيبِ وتشويقاً إلى المؤخَّر ولأنَّ في الاسم ضربَ تفصيلٍ ففي مراعاة الأصل نوع إخلال بتجاوب أطرافِ الكلام وقرىء برفع عجب على أنه الاسمُ وهو نكرةٌ والخبرُ أن أوحينا وهو معرفةٌ لأن أن مع الفعل في تأويل المصدرِ المضافِ إلى المعرفة البتةَ والمختارُ حينئذ أن تجعل كان تامةٌ وأن أوحينا متعلقاً بعجبٌ على حذف حرف التعليم أي أحدث للناس عجبٌ لأن أوحينا أو من أن أوحينا أو بدلاً من عجبٌ لكن لا على توجيه الإنكارِ والتعجيب إلى حدوثه بل إلى كونه عجباً فإن كونَ الإبدالَ في حُكم تنحيةِ المبدَلِ منه ليس معناه إهدارَه بالمرة وإنما قيل للناس لا عند الناس للدِلالة على أنهم اتخذوه أعجوبةً لهم وفيهِ من زيادةِ تقبيحِ حالِهم ما لا يَخْفى ﴿إلى رَجُلٍ مّنْهُمْ﴾ أي إلى بشر من جنسهم كقولهم أبعث الله بشراً رسولاً أو من أفنائهم

стр. 2328

من حيث المال لا من عظمائهم كقولهم لَوْلَا نزِّل هذا القرآنُ على رَجُلٍ مّنَ القريتينِ عَظِيمٍ وكلا الوجهين من ظهور البطلانِ بحيث لا مزيد عليه أما الأولُ فلأن بعض الملَكِ إنما يكون عند كون المبعوثِ إليهم ملائكةً كما قال سبحانه قُل لَوْ كَانَ فِى الارض ملائكة يَمْشُونَ مُطْمَئِنّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مّنَ السماء مَلَكًا رَّسُولاً وأما عامة البشر فهم بمعزل من استحقاق المفاوضةِ الملكية كيف لا وهي منوطةٌ بالتناسب والتجانس فبعثُ الملَكِ إليهم مزاحِمٌ للحمكة التي عليها يدورُ فلكُ التكوينِ والتشريع وإنما الذي تقتضيه الحكمةُ أن يُبعث الملك من بينهم إلى الخواصّ المختصّين بالنفوس الزكية المؤيدين بالقوة القدسية المتعلّقين بكلا العالَمَين الروحانيِّ والجُسماني ليتلقَّوا من جانب ويلقوا إلى جانب وأما الثاني فلما أن مناطَ الاصطفاء للنبوة والرسالةِ هو التقدُم في الاتِّصافُ بما ذُكر من النعوت الجميلةِ والصفاتِ الجليلة والسبْقِ في إحراز الفضائلِ العلية وحيازةِ الملَكات السَّنية جِبِلّةً واكتساباً ولا ريب لأحد منهم في أنه ﷺ في ذلك الشأنِ في غايةُ الغاياتِ القاصيةِ ونهايةُ النهاياتِ النائيةِ وأما التقدمُ في الرياسات الدنيويةِ والسبْقِ في نيل الحظوظِ الدَّنيةِ فلا دخلَ له في ذلك قطعاً بل له إخلالٌ به غالباً قال ﷺ لو كانتِ الدُّنيا تزنُ عندَ الله جناحَ بعوضةٍ ما سَقَى الكافرَ منها شربةَ ماء ﴿أَنْ أَنذِرِ الناس﴾ أن مصدريةٌ لجوازِ كونِ صلتِها أمراً كما في قولِهِ تعالَى وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ وذلك لأن الخبرُ والإنشاءُ في الدلالةِ على المصدر سيانِ فساغ وقوعُ الأمرِ والنهي صلةً حسب وقوع الفعل فليجرد عند ذلك عن مَعْنَى الأمرِ والنَّهيِ نحوُ تجردِ الصلةِ الفعليةِ عن معنى المضيِّ والاستقبالِ ووجوبُ كونِ الصلةِ في الموصول الاسميِّ خبريةً إنما هو للتوصل بها إلى وصفِ المعارفِ بالجملِ لا لقصور في دلالة الإنشاءِ على المصدر أو مفسرةٌ إذ الإيحاءُ فيه معنى القولِ وقد جوز كونُها مخفّفة من المثقّلة على حذف ضميرِ الشأنِ والقولِ من الخبر والمعنى أن الشأنَ قولُنا أنذر الناسَ والمرادُ به جميعُ الناسِ كافةً لا ما أريد بالأول وهو النكتةُ في إيثار الإظهارِ على الإضمار وكونُ الثاني عينَ الأولِ عند إعادة المعرفةِ ليس على الإطلاق ﴿وبشر الذين آمنوا﴾ بما أوحيناه وصدّقوه ﴿أَنَّ لَهُمْ﴾ أي بأن لهم ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ أي سابقةً ومنزلةً رفيعة ﴿عِندَ رَبّهِمْ﴾ وإنما عبر عنها بها إذ بها يحصُل السبْقُ والوصولُ إلى المنازل الرفيعةِ كما يعبر عن النعمة باليد لأنها تعطى بها وقيل مقامَ صدقٍ والوجهُ أو الوصولَ إلى المقام إنما يحصُل بالقدم وإضافتُها إلى الصدق للدلالة على تحققها وثباتِها وللتنبيه على أن مدارَ نيلِ ما نالوه من المراتب العليةِ هو صدقُهم فإن التصديقَ لا ينفك عن الصدق ﴿قَالَ الكافرون﴾ هم المتعجبون وإيرادُهم ههنا بعنوان الكفر مما لا حاجة إلى ذكر سببِه وتركُ العاطفِ لجرَيانه مَجرى البيانِ للجملة التي دخلت عليها همزةُ الإنكار أو لكونه استئنافاً مبنيَّاً على السُّؤالِ كأنَّه قيلَ ماذا صنعوا بعد التعجبِ هل بقُوا على التردد والاستبعادِ أو قطعوا فيه بشيء فقيل قال الكافرون على طريقة التأكيدِ ﴿إِنَّ هَذَا﴾ يعنون به ما أوحيَ إلى رسول الله ﷺ من القرآن الحكيم المنطوي على الإنذار والتبشير ﴿لَسِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ أي ظاهرٌ وقرىء لساحْر على أنَّ الإشارةَ إلى رسول الله ﷺ وقرىء مَا هذا إِلَاّ سِحْرٌ مُّبِينٌ وهذا اعترافٌ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ بأن ما عاينوه خارجٌ عن طوْق البشر نازلٌ من جناب خلاق القُوى والقدَر ولكنهم سمَّوه بما قالوا تمادياً في العناد كما هو ديدنُ

стр. 2329

المكابرِ اللَّجوجِ ودأبُ المُفحَمِ المحجوج سورة يونس آية (٣)

стр. 2330

﴿إِنَّ رَبَّكُمُ﴾ كلامٌ مستأنفٌ سيق لإظهار بطلانِ تعجُّبهم المذكورِ وما بنَوا عليه من المقالة الباطلةِ غِبَّ الإشارةِ إليه بالإنكار والتعجيبِ وحُقّق فيه حقيةُ ما تعجبوا منه وصِحّةُ ما أنكروه بالتنبيه الإجمالي على بعض ما يدل عليها من شئون الخلقِ والتقديرِ وأحوالِ التكوينِ والتدبيرِ ويُرشدهم إلى معرفتها بأدنى تذكيرٍ لاعترافهم به من غير نكيرٍ لقولِه تعالى قُلْ مَن رَّبُّ السموات السبع وَرَبُّ العرش العظيم سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ وقوله تعالى قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مّنَ السماء والارض إلى قوله تعالى وَمَن يُدَبّرُ الامر فَسَيَقُولُونَ الله أي إن ربكم ومالكَ أمرِكم الذي تتعجبون من أن يرسِل إليكم رجلاً منكم بالإنذار والتبشيرِ وتُعدّون ما أوحيَ إليه من الكتاب الحكيم سحراً هو ﴿الله الذى خلق السماوات والارض﴾ وما فيهما من أصول الكائنات ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ أي في ستة أوقاتٍ أو في مقدار ستةِ أيام معهودةٍ فإن نفسَ اليوم الذي هو عبارةٌ عن زمان كونِ الشمس فوق الأرض مما لا يتصور تحققُه حين لا أرض ولا سماء وفي خلقها مدرجا مع القدرة التامةِ على إبداعها دفعة دليل على الاختيار واعتبارٌ للنظّار وحثٌّ لهم على التأنيّ في الأحوال والأطوار وأما تخصيصُ ذلك بالعدد المعينِ فأمرٌ قد استأثر بعلم ما يستدعيه علامُ الغيوب جلت قدرتُه ودقتْ حكمتُه وإيثارُ صيغةِ الجمعِ في السموات لما هو المشهورُ من الإيذان بأنها أجرامٌ مختلفةُ الطباعِ متباينةُ الآثارِ والأحكام ﴿ثُمَّ استوى عَلَى العرشُ﴾ هو الجسمُ المحيطُ بسائر الأجسام سمي به لارتفاعه أو للتشببه بسرير الملِك فإن الأوامرَ والتدابير منه تنزل وقيل هو المُلك ومعنى استوائِه سبحانه عليه استيلاؤُه عليه أو استواءُ أمرِه وعن أصحابنا أن الاستواءَ على العرش صفةٌ له سبحانه بلا كيف والمعنى أنه سبحانه استوى على العرش على الوجه الذي عناه منزَّهاً عن التمكن والاستقرار وهذا بيانٌ لجلالة مُلكه وسلطانه بعد بيان عظمةِ شأنِه وسَعة قدرتِه بما مر من خلق هاتيك الأجرامِ العظام ﴿يُدَبّرُ الامر﴾ التدبيرُ النظرُ في أدبار الأمورِ وعواقبِها لتقعَ على الوجه المحمودِ والمرادُ ههنا التقديرُ على الوجه الأتمِّ الأكملِ والمرادُ بالأمر أمرُ ملكوتِ السمواتِ والأرضِ والعرشِ وغيرُ ذلك من الجزيئات الحادثةِ شيئاً فشيئاً على أطوار شتى وأنحاء لا تكاد تحصى من المناسبات والمبايناتِ في الذوات والصفاتِ والأزمنةِ والأوقاتِ أي يقدّر ما ذُكر من أمر الكائناتِ الذي ما تعجبوا منه من أمر البعث والوحي فردٌ من جملته وشُعبةٌ من دوحته ويهييء أسبابَ كل منها حدوثاً وبقاءً في أوقاتها المعينةِ ويرتب مصالحَها على الوجه الفائقِ والنمطِ اللائقِ حسبما تقتضيه الحكمة وتستدعيه المصلحة والجملة في محل النصب على أنها حالٌ من ضمير استوى وقد جوز كونُها خبراً ثانياً لإن أو مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب مبنيّةٌ على سؤال نشأ من ذكر الاستواءِ على العرش المنبىءِ عن إجراء أحكامِ المُلك وعلى كل حال فإيثارُ صيغةِ المضارعِ للدَلالة على تجددِ التدبيرِ واستمرارِه وقوله ﴿مَا مِن شَفِيعٍ﴾

стр. 2331

بيانٌ لاستبداده سبحانه في التقدير والتدبيرِ ونفيٌ للشفاعة على أبلغ الوجوهِ فإن نفيَ جميعِ أفرادِ الشفيعِ بمن الاستغراقية يستلزم نفيَ الشفاعةِ على أتم الوجوه كما في قوله تعالى لَا عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله وهذا بعد قوله تعالى يُدَبّرُ الامر جارٍ مجرى قوله تعالى وَهُوَ يُجْيِرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ عقيب قوله تعالى قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلّ شَىْء وقولُه تعالى ﴿إِلَاّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ استثناه مفرغٌ منْ أعمِّ الأوقاتِ أي ما من شفيع يشفع لأحد في وقتٍ من الأوقاتِ إلا بعد إذنِه المبنيِّ على الحكمة الباهرةِ وذلك عند كون الشفيع من المصطَفْين الأخيارِ والمشفوعُ له ممن يليق بالشفاعة كقوله تعالى يَوْمَ يَقُومُ الروح والملائكة صَفّاً لَاّ يَتَكَلَّمُونَ إِلَاّ مَنْ أذِن لَهُ الرحمن وَقَالَ صَوَاباً وفيه من الدِلالة على عظمة جلالِه سبحانه ما لا يخفى ﴿ذلكم﴾ إشارةٌ إلى المعلوم بتلك العظمةِ أي ذلكم العظيمُ الشأنِ المنعوتُ بما ذكر من نعوت الكمالِ التي عليها يدور استحقاق الألوهية ﴿الله﴾ وقوله تعالى ﴿رَبُّكُمْ﴾ بيانٌ له أو بدلٌ منه أو خبرٌ ثانٍ لاسمِ الإشارةِ وهذا بعد بيانِ أن ربَّهم الله الذى خَلَقَ السموات والارض الخ لزيادة التقريرِ والمبالغةِ في التذكير ولتفريع الأمرِ بالعبادة عليه بقوله تعالى ﴿فاعبدوه﴾ أي وحّدوه من غير أن تُشركُوا به شيئاً من ملَك أو نبيَ فضلاً عن جماد لا يُبصر ولا يَسمع ولا يضرُّ ولا ينفعُ وآمِنوا بما أنزله إليكم ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أي أتعلمون أن الأمرَ كما فُصل فلا تتذكرون ذلك حتى تقِفوا على فساد ما أنتم عليه فترتدعوا عنه سورة يونس الآية (٤)

стр. 2332

﴿إِلَيْهِ﴾ لا إلى أحدٍ سواهُ استقلالاً أو اشتراكاً ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ أي بالبعث كما ينبىء عنه قوله تعالى ﴿جميعا﴾ فإنه حالٌ منَ الضميرِ المجرورِ لكونه فاعلاً في المعنى أي إليه رجوعُكم مجتمعين والجملةُ كالتعليل لوجوب العبادة ﴿وَعَدَ الله﴾ مصدرٌ مؤكدٌ لنفسه لأن قوله إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ وعد منه سبحانه بالبعث أو لفعل مقدر أي وعَدَ الله وأيا ما كان فهو دليلٌ على أن المرادَ بالمرجِع هو الرجوعُ بالبعث لأن ما بالموت بمعزل من الوعد كما أنه بمعزل من الاجتماع وقرىء بصيغة الفعل ﴿حَقّاً﴾ مصدرٌ آخرُ مؤكدٌ لما دل عليه الأول ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الخلق﴾ وقرىء يُبدِىء ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ وهو استئنافٌ عُلّل به وجوبُ المرجعِ إليه فإن غايةَ البدء والإعادة هو جزاءُ المكلّفين بأعمالهم حسنةً أو سيئةً وقرىء بالفتح أي لأنه ويجوز كونُه منصوباً بما نصب وعدَ الله أي وعَد الله وعدا بدء الخلق ثم إعادتَه ومرفوعاً بما نصب حقاً أي حق حقا بدءُ الخلقِ الخ ﴿ليجزي الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾ أي بالعدل وهو حالٌ من فاعلِ يجزي أي ملتبساً بالعدل أو متعلق بيجزي أي ليجزيَهم بقسطه ويوفيَهم أجورَهم وإنما أجمل ذلك إيذانا بأنه لا يفي به الحصرُ أو بقسطهم وعدلِهم عند إيمانِهم ومباشرتِهم للأعمال الصالحة وهو الأنسبُ بقوله ﴿والذين كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ﴾ فإن معناه ويجزي الذين كفروا بسبب كفرِهم وتكريرُ الإسناد يجعل الجملةِ الظرفية خبراً للموصول لتقوية الحكمِ والجمعُ بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة

стр. 2333

على مواظبتهم على الكفر وتغيير النظم الكريم للإيذان بكمال استحقاقِهم للعقاب وأن التعذيبَ بمعزلٍ عن الانتظامِ في سلكِ العلةِ الغائيّة للخلق بدءاً وإعادةً وإنما يحيقُ ذلك بالكفرة على موجَبِ سوءِ اختيارِهم وأما المقصودُ الأصليُّ من ذلك فهو الإثابة سورة يونس (٥)

стр. 2334

﴿هُوَ الذى جَعَلَ الشمس ضِيَاء﴾ تنبيهٌ على الاستدلال على وجوده تعالى ووَحدتِه وعلمه وقدرته وحمكته بآثار صُنعِه في النّيِّريْن بعد التنبيه على الاستدلال بما مر من إبداع السمواتِ والأرضِ والاستواءِ على العرش وغيرِ ذلك وبيانٌ لبعض أفرادِ التدبيرِ الذي أشير إليه إشارةً إجماليةً وإرشادٌ إلى أنه حيث دبّرت أمورُهم المتعلقة بمعاشهم هذا التدبيَر البديعَ فلأن يدبّرَ مصالحَهم المتعلقةَ بالمعاد بإرسالِ الرسولِ وإنزالِ الكتابِ وتبيينِ طرائقِ الهدى وتعيينِ مهاوي الردى أولى وأحرى والجعلُ إن جُعل بمعنى الإنشاءِ والإبداعِ فضياءً حالٌ من مفعولِهِ أي خلقها حالَ كونِها ذاتَ ضياءٍ على حذف المضافِ أو ضياء محضا للمابلغة وإن جعل بمعنى التصيير فهو مفعولُه الثاني أي جعلها ضياءً على أحدِ الوجهينِ المذكورينِ لكنْ لا بعدَ أنْ كانت خاليةً عن تلك الحالةِ بل أبدعها كذلكَ كما في قولِهم ضيِّقْ فمُ الرَّكيَّةِ ووسِّعْ أسفلها والضياءُ مصدرٌ كقيام أو جمعُ ضوءٍ كسياط وسَوْط وياؤه منقلبة من الواو لانكسار ما قبلها وقرىء ضِئاء بهمزتين بينهما ألفٌ بتقديم اللَاّمِ على العينِ ﴿والقمر نُوراً﴾ الكلامُ فيه كالكلام في الشمس والضياءُ أقوى من النور وقيل ما بالذات ضوءٌ وما بالعرَض نور ففيه إشعارٌ بأن نورَه مستفادٌ من الشمس ﴿وَقَدَّرَهُ﴾ أي قدّر له وهيأ ﴿مَنَازِلَ﴾ أو قدّر مسيرَه في منازلَ أو قدره ذا منازلَ على تضمين التقديرِ معنى التصييرِ وتخصيصُ القمر بهذا التقديرِ لسرعة سيرِه ومعاينةِ منازِله وتعلقِ أحكامِ الشريعة به وكونِه عمدةً في تواريخ العرب وقد جُعل الضميرُ لكل منهما وهي ثمانيةٌ وعشرون منزلاً ينزل القمرُ كلَّ ليلةٍ في واحدٍ منها لا يتخظاه ولا يتقاصر عنه على تقدير مستوٍ لا يتفاوت يسير فيها من ليلة المستهلِّ إلى الثامنة والعشرين فإذا كان في آخرِ منازلِه دقّ واستقوس ثم يستسرّ ليلتين أو ليلةً إذا نقص الشهرُ ويكون مقامُ الشمس في كل منزلةٍ منها ثلاثةَ عشرَ يوماً وهذه المنازلُ هي مواقعُ النجومِ التي نسَبت إليها العربُ الأنواءَ المستمطَرةَ وهى الشرطان والبطينُ والثريا الدبَرانُ الهقعةُ الهنعةُ الذراعُ النثرةُ الطرفُ الجبهةُ الزبرةُ الصّرفةُ العواءُ السِّماكُ الغفرُ الزباني الإكليلُ القلبُ الشوْلةُ النعائمُ البلدةُ سعدُ الذابحُ سعدُ بلَع سعدُ السعودِ سعدُ الأخبيةِ فرغُ الدلوِ المقدَّم فرغُ الدَّلوِ المؤخّرُ الرَّشا وهو بطن الحوت ﴿لّتَعْلَمُواْ﴾ إما بتعاقب الليلِ والنهارِ المنوطَين بطلوع الشمسِ وغروبِها أو باعتبار نزولِ كلَ منهما في تلك المنازل ﴿عَدَدَ السنين﴾ التي يتعلق بها غرض علمي لإقامة مصالحكم الدينية والدنيوية ﴿والحساب﴾ أي حسابَ الأوقاتِ من الأشهر والأيام والليالي وغيرِ ذلك مما نيط به شيء من المصالح المذكورةِ وتخصيصُ العدد بالسنين والحسابِ بالأوقات لما أنه لم يُعتبرْ في السنينَ المعدودةِ معنى مغايرٌ لمراتب الأعداد كما اعتُبر في

стр. 2335

الأوقات المحسوبةِ وتحقيقُه أن الحسابَ إحصاءُ ما له كميةٌ انفصاليةٌ بتكرير أمثالِه من حيث يتحصل بطائفة معينة منها حد معين له اسم خاص وحكم مستقلٌّ كالسنة المتحصِّلةِ من اثنى عشرَ شهراً قد تحصل كل من ذلك من ثلاثين يوماً قد تحصل كل من ذلك من أربع وعشرين ساعةً مثلاً والعدُّ مجردُ إحصائِه بتكرير أمثالِه من غير اعتبارِ أن يتحصل بذلك شيءٌ كذلك ولما لم يعتبر في السنين المعدودة تحصُّلُ حدَ معيَّنٍ له اسمٌ خاصٌّ غيرُ أسامي مراتبِ الأعدادِ وحكم مستقلٌّ أضيف إليها العدد وتحصّلُ مراتب الأعداد من العشرات والمئات والألوف اعتباري لا يجدى فى تحصل المعدودة نفعاً وحيث اعتُبر في الأوقات المحسوبة تحصل ما ذُكر من المراتب التي لها أسامٍ خاصةٌ وأحكامٌ مستقلةٌ علّق بها الحسابُ المنبىءُ عن ذلك والسنةُ من حيث تحققُها في نفسها مما يتعلق به الحسابُ وإنما الذي يتعلق به العدُّ طائفةٌ منها وتعلقُه في ضمن ذلك بكل واحدةٍ من تلك الطائفةِ ليس من الحيثية المذكورة أعني حيثية تحصّلِها من عدة أشهرٍ قد تحصل كلَّ واحدٍ منها من عدة أيامٍ قد حصل كلٌ منها بطائفة من الساعات فإن ذلك وظيفة الحساب بل من حيث إنها فرد من تلك الطائفة المعدودة من غيرِ أنْ يعتبرَ معها شيءٌ غيرُ ذلك وتقديم العدد على الحساب مع أن الترتيبَ بين متعلّقيهما وجوداً وعلماً على العكس لأن العلمَ المتعلّقَ بعدد السنين علم إجمالي بما تعلق به الحساب تفصيلاً وإن لم تتّحِد الجهةُ أو لأن العددَ من حيث إنه لم يعتبر فيه تحصل أمرا آخرَ حسبما حُقق آنفاً نازلٍ من الحساب الذي اعتُبر فيه ذلك منزلةَ البسيطِ من المركب ﴿مَا خَلَقَ الله ذلك﴾ أي ما ذكر من الشمس والقمر عَلى ما حُكي من الأحوال وفيه إيذانٌ بأن معنى جعلِهما على تلك الأحوالِ والهيئاتِ ليس إلا خلقَهما كذلك كما أشير إليه ولا يقدحُ في ذلك أن استفادةَ القمرِ النورَ من الشمس أمرٌ حادثٌ فإن المرادَ بجعله نوراً إنما هو جعلُه بحيث يتصف بالنور عند وجودِ شرائطِ الاتصافِ به بالفعل ﴿إِلَاّ بالحق﴾ استثناءٌ مفرغٌ من أعم أحوالِ الفاعل أو المفعول أي ما خلق ذلك ملتبساً بشيءٍ من الأشياءِ إلا ملتبساً بالحق مراعياً لمقتضى الحِكمة البالغةِ أو مراعىً فيه ذلك وهو ما أشير إليه إجمالاً من العلم بأحوال السنينَ والأوقاتِ المنوطِ به أمورُ معاملاتِهم وعباداتِهم ﴿يُفَصّلُ الآيات﴾ أي الآياتِ التكوينيةَ المذكورةَ أو جميعَ الآياتِ فيدخلُ فيها الآياتُ المذكورةُ دخولاً أولياً أو يفصل الآياتِ التنزيليةَ المنبِّهة على ذلك وقرىء بنون العظمة ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ الحكمةَ في إبداع الكائناتِ فيستدلون بذلك على شئون مُبدعِها جل وعلا أو يعلمون ما في تضاعيفِ الآياتِ المنزلة فيؤمنون بها وتخصيصُ التفصيلِ بهم لأنهم المنتفعون به سورة يونس آية (٦)

стр. 2336

﴿إن في اختلاف الليل والنهار﴾ تنبيهٌ آخرُ إجماليٌّ على ما ذُكر أي في تعاقبهما وكونِ كلَ منهما خِلْفةً للآخر بحسَب طلوعِ الشمسِ وغروبِها التابعَين لحركات السمواتِ وسكونِ الأرضِ أو في تفاوتهما في أنفسهما بازدياد كلَ منهما بانتقاص الآخرِ وانتقاصِه بازدياده باختلاف حالِ الشمسِ بالنسبة إلينا قُرباً وبُعداً بحسب الأزمنةِ أو في اختلافهما وتفاوتِهما بحسب الأمكنةِ إما في الطول والقِصَر فإن البلادَ القريبةَ من القُطب

стр. 2337

سورة يونس الشماليِّ أيامُها الصيفيةُ أطولُ ولياليها الصيفيةُ أقصرُ من أيام البلادِ البعيدةِ منه ولياليها وأما فى أنفسهما فإن كرية الأرضِ تقتضي أن يكون بعض الأوقات فى بعضُ الأماكنِ ليلاً وفي مقابله نهاراً ﴿وَمَا خَلَقَ الله فِى السماوات والارض﴾ من أصناف المصنوعات ﴿لَايَاتٍ﴾ عظيمةً أو كثيرةً دالةً على وجودِ الصَّانعِ تعالى ووحدته وكمال علمه وقدرته وبالغِ حكمتِه التي من جملة مقتضياتِها ما أنكروه من إرسال الرسول ﷺ وإنزال الكتب والبعثِ والجزاء ﴿لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ خصّهم بذلك لأن الداعيَ إلى النظر والتدبر إنما هو تقوى الله تعالى والحذرُ من العاقبة فهم الواقفون على أن جميعَ المخلوقاتِ آيات دون غيرهم وكأى من آية فِى السموات والارض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ سورة يونس (٧)

стр. 2338

﴿إَنَّ الذين لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا﴾ بيانٌ لمآل أمرِ مَنْ كفر بالبعث وأعرضَ عن البينات الدالةِ عليه بعد تحقيقِ أن مرجِعَ الكلِّ إليه تعالى وأنه يعيدهم بعد بدئِهم للجزاء ثواباً وعقاباً وتفصيلِ بعض الآياتِ الشاهدة بذلك والمرادُ بلقائه إمَّا الرجوعُ إليه تعالى بالبعث أو لقاءُ الحساب كما في قوله عز وعلا إِنّى ظَنَنتُ أَنّى ملاق حِسَابِيَهْ وأيا ما كان ففيه مع الالتفات إلى ضميرِ الجلالةِ من تهويل الأمر مَا لا يخفى والمرادُ بعدم الرجاءِ عدمُ التوقعِ مطلقاً المنتظمِ لعدم الأملِ وعدمِ الخوف فإن عدمَهما لا يستدعي عدمَ اعتقادِ وقوعِ المأمول والمخوف أي لا يتوقعَّون الرجوعَ إلينا أو لقاءَ حسابِنا المؤدِّي إما إلى حسن الثوابِ أو إلى سوء العذابِ فلا يأمُلون الأولَ وإليه أُشير بقولِه ﴿وَرَضُواْ بالحياة الدنيا﴾ فإنه منبىءٌ عن إيثار الأدنى الخسيسِ على الأعلى النفيسِ كقوله تعالى أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ولا يخافون الثانيَ وإليه أشير بقوله تعالى ﴿واطمأنوا بِهَا﴾ أي سكَنوا فيها سكونَ مَنْ لا بَراحَ له منها آمنين مِن اعتراء المزعجاتِ غيرَ مُخطرين ببالهم ما يسوؤهم من عذابنا وقيل المرادُ بالرجاء معناه الحقيقيُّ وباللقاء حسنُ اللقاءِ أي لا يأمُلون حسنَ لقائِنا بالبعث والإحياءِ بالحياة الأبدية ورضُوا بدلاً منها ومما فيها من فُنُونِ الكراماتِ السنيةِ بالحياة الدنيا الدنيةِ الفانيةِ واطمأنوا بها أي سكَنوا إليها منكبين عليها قاصرين مجامعَ هِممِهم على لذائذها وزخارفِها من غير صارف يلويهم ولا عاطفٍ يَثنيهم وإيثارُ الباءِ على كلمة إلى المنبئة عن مجرد الوصولِ والانتهاء للإيذان بتمام الملابسةِ ودوام المصاحبةِ والمؤانسة وحملُ الرجاءِ على الخوف فقط يأباه كلمةُ الرضا بالحياة الدنيا فإنها مُنبئةٌ عما ذُكر من ترك الأعلى وأخذِ الأدنى واختيارُ صيغةِ الماضي في الصلتين الأخيرتين للدِلالة على التحقق والتقّررِ كما أن اختيارَ صيغةِ المستقبلِ في الأولى للإيذان باستمرارِ عدم الرجاء ﴿والذين هُمْ عن آياتنا﴾ المفصلةِ في صحائف الأكوانِ حسبما أشير إلى بعضها أو آياتِنا المنزلِة المنبّهةِ على الاستشهاد بها المتفقةِ معها في الدلالة على حقية ما لا يرجونه من اللقاء المترتبِ على البعث وعلى بطلان ما رضُوا به واطمأنوا إليه من الحياة الدنيا ﴿غافلون﴾ لا يتفكرون فيها أصلاً وإن نُبّهوا على ذلك وذُكّروا بأنواع القوارعِ لانهماكهم فيما يصُدهم

стр. 2339

عنها من الأحوال المعدودةِ وتكريرُ الموصولِ للتوسل به إلى جعل صلتِه جملةً اسميةً منبئةً عمَّا هُم عليهِ من استمرار الغفلةِ ودوامِها وتنزيلُ التغايرِ الوصفيِّ منزلةَ التغايرِ الذاتي إيذاناً بمغايرة الوصفِ الأخير للأوصاف الأُوَل واستقلالِه باستتباع العذابِ هذا وأمَّا مَا قيلَ من أن العطفَ إما لتغاير الوصفين والتنبيهِ على أن الوعيدَ على الجمع بين الذهولِ عن الآيات رأساً والانهماكِ في الشهوات بحيث لا يخطُر ببالهم الآخرةُ أصلاً وإما لتغاير الفريقين والمرادُ بالأولين من أنكر البعثَ وَلَمْ يُرد إِلَاّ الحياةَ الدنيا وبالآخِرين مَنْ ألهاه حبُّ العاجل عن التأمل في الآجل فكلامٌ ناءٍ عن السداد فتأمل سورة يونس (٨ ٩)

стр. 2340

﴿أولئك﴾ الموصوفون بما ذكر من صفات السوء ﴿مَأْوَاهُمُ﴾ أي مسكنُهم ومقرُّهم الذي لا بَراحَ لهم منه ﴿النار﴾ لا ما اطمأنوا بها من الحياة الدنيا ونعيمُها ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ منَ الأعمال القلبية المعدودة وما يستتبعه من أصناف المعاصي والسيئاتِ أو بكسبهم إياها والجمعُ بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على الاستمرار التجددي والباء متعلقةٌ بمضمون الجملةِ الأخيرةِ الواقعةِ خبراً عن اسم الإشارةِ وهو مع خبره خبر لإن في قوله تعالى إَنَّ الذين لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا الخ

стр. 2341

﴿إن الذين آمنوا﴾ أي فعلوا الإيمانَ أو آمنوا بما يشهَد به الآياتُ التي غفَل عنها الغافلون أو بكلِّ ما يجبُ أن يؤمن به فيندرجُ فيه ذلك اندراجاً أولياً ﴿وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ أي الأعمالَ الصالحةَ في أنفسها اللائقةَ بالإيمان وإنما تُرك ذكرُ الموصوف لجريانها مَجرى الأسماءِ ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ﴾ أُوثر الالتفاتُ تشريفاً لهم بإضافة الربِّ وإشعاراً بعلة الهِداية ﴿بِإِيمَانِهِمْ﴾ أي يهديهم بسبب إيمانِهم إلى مأواهم ومقصِدِهم وهي الجنةُ وإنما لم تُذكر تعويلاً على ظهورها وانسياقِ النفسِ إليها لا سيما بملاحظة ما سبق من بيان مأوى الكفَرة وما آواهم إليه من أعمالهم السيئةِ ومشاهدةِ ما لحق من التلويح والتصريحِ وفي النظم الكريم إشعارٌ بأن مجردَ الإيمانِ والعملِ الصالحِ لا يكفي في الوصول إلى الجنةَ بل لا بد بعد ذلك من الهداية الربانية وأن الكفرَ والمعاصيَ كافيةٌ في دخول النارِ ثم إنه لا نزاعَ في أن المرادَ بالإيمان الذي جعل سبباً لتلك الهداية هو إيمانُهم الخاصُّ المشفوعُ بالأعمال الصالحةِ لا الإيمانُ المجردُ عنها ولا ما هو أعمُّ منهما إلا أن ذلك بمعزل عن الدلالة على خلاف ما عليه أهلُ السنةِ والجماعة من أن الإيمانَ الخاليَ عن العمل الصالحِ يُفضي إلى الجنة في الجملة ولا يخلّد صاحبُه في النار فإن منطوقَ الآيةِ الكريمةِ أن الإيمانَ المقرونَ بالعمل الصالحِ سببٌ للهداية إلى الجنة وأما أن كلَّ ما هو سببٌ لها يجب أن يكون كذلك فلا دلالةَ لها ولا لغيرها عليه قطعاً كيف لا وقوله الذين آمنوا وَلَمْ يَلْبِسُواْ إيمانهم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الامن وَهُمْ مُّهْتَدُونَ منادٍ بخلافه فإن المرادَ بالظلم هو الشركُ كما أطبق عليه المفسرون والمعنى لم يخلِطوا إيمانَهم بشرك ولئن حُمل على ظاهره أيضاً يدخُل في الاهتداء من آمن ولم يعمل صالحاً ثم مات قبل أن يظلم

стр. 2342

بفعل حرامٍ أو بترك واجب ﴿تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الأنهار﴾ أي بين أيديهم كقوله سبحانه وهذه الانهار تجرى من تحتي أو تجرى وهم على سرر مرفوعةٍ وأرائِكَ مصفوفةٍ والجملةُ مستأنفةٌ أو خبرٌ ثانٍ لأنَّ أو حالٌ من مفعول يهديهم على تقدير كونه المهديِّ إليه ما يريدونه في الجنة كما قيل وقيل يهديهم ويسدّدهم للاستقامة على سلوك السبيلِ المؤدي إلى الثواب والجنة وقوله تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الأنهار جارٍ مجرى التفسيرِ والبيان فإن التمسكَ بحبل السعادةِ فى حكم الموصول إليها وقيل يهديهم إلي إدراك الحقائقِ البديعةِ بحسب القوةِ العملية كما قال ﷺ من عمِل بما علِم ورَّثه الله علمَ ما لم يعلَمْ سورة يونس (١٠ ١١) ﴿فِي جنات النعيم﴾ خبرٌ آخرُ أو حالٌ أُخرى منْهُ أو من الأنهار أو متعلق بتجري أو بيهدي فالمراد بالمهدى إليه إما منازلهم في الجنة أو ما يريدونه فيها

стр. 2343

﴿دَعْوَاهُمْ﴾ أي دعاؤُهم وهو مبتدأ وقوله فِيهَا متعلقٌ به وقولُه تعالى ﴿سبحانك اللهم﴾ خبرُه أي دعاؤهم هذا الكلامُ وهو معمولٌ لمقدر لا يجوز إظهارُه والمعنى اللهم إنا نسبّحك تسبيحاً ولعلهم يقولونه عندما عاينوا فيها من تعاجيبِ آثارِ قدرتِه تعالى ونتائجِ رحمتِه ورأفتِه ما لا عينٌ رأتْ ولا أذنٌ سمعتْ ولا خطَر على قلب بشر تقديساً لمقامه تعالى عن شوائب العجز والنقصانِ وتنزيهاً لوعده الكريمِ عن سمات الخُلف ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا﴾ التحيةُ التكرمةُ بالحالة الجليلة أصلُها أحياك الله حياةً طيبة أي ما يحيي به بعضُهم بعضاً أو تحيةُ الملائكةِ إياهم كما في قوله تعالى والملائكة يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ سلام أو تحية الله لهم كما في قوله تعالى سَلَامٌ قَوْلاً من رَّبّ رَّحِيمٍ ﴿سلام﴾ أي سلامة عن كل مكروه ﴿وآخر دعواهم﴾ أي خاتمةُ دعائِهم ﴿أَنِ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين﴾ أي أن يقولوا ذلك نعتا له بصفات الإكرام إثرَ نعتِه تعالى بصفات الجلال أي دعاؤهم منحصِرٌ فيما ذُكر إذ ليس لهم مطلبٌ مترقب حتى ينظموه في سلك الدعاء وإنْ هي المخففةُ من إن المثقلة أصلُه أنه الحمدُ لله فحُذف ضميرُ الشأنِ كما في قوله أنْ هالكٌ كلُّ من يحفى وينتعلُ وقرىء أنّ الحمدَ لله بالتشديد ونصل الحمدُ ولعل توسيط ذكرِ تحيتِهم عند الحكايةِ بين دعائِهم وخاتمتِه للتوسل إلى ختم الحكاية بالتحميد تركا مع أن التحيةَ ليست بأجنبية على الإطلاق ودعوى كونِ ترتيبِ الوقوعِ أيضاً كذلك بأن كانوا حين دخلوا الجنةَ وعاينوا عظمة الله تعالى وكبرياءَه مجدّوه ونعتوه بنعوت الجلالِ ثم حياهم الملائكةُ بالسلامة من الآفات والفوزِ بأصناف الكراماتِ أو حياهم بذلك ربُّ العزةِ فحمِدوه تعالى وأثنَوا عليه يأباها إضافةُ الآخرِ إلى دعواهم وقد جوز أن يكون المرادُ بالدعاء العبادةَ كما في قوله تعالى وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ الخ إيذاناً بأنْ لا تكليفَ في الجنة أي ما عبادتُهم إلا أن يسبحوه ويحمَدوه وليس ذلك بعبادة إنما يلهمونه وينطقون به تلذذاً ولا يساعده تعيينُ الخاتمة

стр. 2344

﴿وَلَوْ يُعَجّلُ الله لِلنَّاسِ﴾ هم الذين لا يرجون لقاءَ الله تعالى لإنكارهم البعثَ وما يترتَّبُ عليهِ

стр. 2345

من الحساب والجزاءِ أشير إلى بعض من عظائمِ معاصيهم المتفرّعةِ على ذلك وهو استعجالُهم بما أُوعدوا به من العذاب تكذيباً واستهزاءً وإيرادُهم باسم الجنسِ لما أن تعجيلَ الخيرِ لهم ليس دائراً على وصفهم المذكور إذ ليس كلُّ ذلك بطريق الاستدراجِ أي لو يعجل الله لهم ﴿الشر﴾ الذي كانوا يستعجلون به فإنهم كانوا يقولون اللهم إِن كَانَ هَذا هُوَ الحقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماءِ أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ونحو ذلك وقوله تعالى ﴿استعجالهم بالخير﴾ نُصبَ على أنَّه مصدرٌ تشبيهيٌّ وُضع موضِعَ مصدرٍ ناصبِه دلالةً على اعتبار الاستعجالِ في جانب المشبّهِ كاعتبار التعجيلِ في جانب المشبَّه به وإشعاراً بسرعة إجابتِه تعالى لهم حتى كان استعجالُهم بالخير نفسَ تعجيلِه لهم والتقديرُ ولو يعجل الله لهم الشر عند استعجالِهم به تعجيلاً مثلَ تعجيلِه لهم الخيرَ عند استعجالِهم به فحُذف ما حذفَ تعويلاً على دلالة الباقي عليه ﴿لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ لأدى إليهم الأجلَ الذي عيّن لعذابهم وأُميتوا وأهلِكوا بالمرة وما أُمهلوا طرفةَ عينٍ وفي إيثار صيغةِ المبنيِّ للمفعول جري على سنن الكبرياء مع الإيذان بتعين الفاعلِ وقرىء على البناء للفاعل كما قرىء لقضينا واختيارُ صيغةِ الاستقبال في الشرط وإن كان المعنى على المضيِّ لإفادة أن عدم قضاءِ الأجلِ لاستمرار عدمِ التعجيل فإن المضارعَ المنفيَّ الواقعَ موقعَ الماضي ليس بنص في إفادة انتفاءِ استمرارِ الفعل بل قد يفيد استمرارَ انتفائِه أيضاً بحسب المقامِ كما حُقّق في موضعه واعلم أن مدارَ الإفادةِ في الشرطية أن يكون التالي أمراً مغايراً للمقدّم في نفسه مترتباً عليه في الوجودِ كما في قوله لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مّنَ الامر لَعَنِتُّمْ فإن العنَتَ أي الوقوعَ في المشقة والهلاكِ أمرٌ مغايرٌ لطاعته ﷺ لهم مترتبٌ عليها في الوجود أو يكون فرداً كاملاً من أفراده ممتازاً عن البقية بأمر يخصّه كما فى الأجوبة المحذوفة في مثلِ قولِه تعالى وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ على رَبّهِمْ وقوله تعالى وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النار وقوله تعالى وَلَوْ ترى إِذِ المجرمون ونظائرِها أي لرأيتَ أمراً هائلاً فظيعاً أو نحوَ ذلك وكما في قوله تعالى وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا ما دَابَّةٍ إذا فسر الجوابُ بالاستئصال فإنه فردٌ كاملٌ من أفراد مطلقِ المؤاخذة قد عبّر عنه بما لا مزيدَ عليهِ في الدلالة على الشدة والفظاعةِ فحسنُ موقعِه في معرض التالي للمؤاخذة المطلقةِ وأما ما نحن فيه من القضاء فليس بأمر مغايرٍ لتعجيل الشرِّ في نفسه وهو ظاهرٌ بل هو إما نفسُه أو جزئيٌّ منه كسائر جزئياتِه من غير مزية على البقية إذ لم يُعتبر في مفهومه ما ليس فى مفهوم تعجيلِ الشرِّ من الشدة والهولِ فلا يكونُ في ترتّبه عليه وجوداً أو عدها مزيدُ فائدةٍ مصحِّحة لجعله تالياً له فالحقُّ أن المقدمَ ليس نفسَ التعجيلِ المذكورِ بل هو إرادتُه المستتبعةِ للقضاء المذكورِ وجوداً وعدماً كما في قوله تعالى لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ العذاب أي لو يريد مؤاخذتهم فإن تعجيلَ العذاب لهم نفسُ المؤاخذةِ أو جزئيٌّ من جزئياتها غيرُ ممتازٍ عن البقية فليس في بيان ترتبِه عليها وجوداً أو عدماً مزيدُ فائدةٍ وإنما الفائدةُ فى بيان ترتبه على إرادتها حسبما ذكر وأيضاً في ترتب التالي على إرادة المقدمِ ما ليس في ترتبه على نفسه من الدِلالة على المبالغة وتهويلِ الأمر والدلالةِ على أن الأمور منوطةٌ بإرادته تعالى المبنية على الحِكم البالغة ﴿فَنَذَرُ الذين لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا﴾ بنون العظمة الدالة على التشديد في الوعيد وهو عطفٌ على مقدر تنبىء عنه الشرطيةُ كأنه قيل لكن لا نفعل ذلك لما تقتضيه

стр. 2346

الحكمةُ فنتركهم إمهالاً واستدراجاً ﴿فِي طغيانهم﴾ الذي هو عدمُ رجاءِ اللقاء وإنكارُ البعثِ والجزاءِ وما يتفرع على ذلك من أعمالهم السيئةِ ومقالاتهم الشنيعة ﴿يَعْمَهُونَ﴾ أي يترددون ويتحيرون ففي وضع الموصول موضع الضمير نوعٌ بيانٍ للطغيان بما في حيز الصلةِ وإشعارٌ بعليته للترك والاستدراج سورة يونس (١٢ ١٣)

стр. 2347

﴿وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر﴾ أي أصابه جنسُ الضرِّ من مرض وفقرٍ وغيرِهما من الشدائد إصابةً يسيرة ﴿دَعَانَا﴾ لكشفه وإزالتِه ﴿لِجَنبِهِ﴾ حالٌ من فاعل دعا بشهادة ما عُطف عليه من الحالين واللام بمعنى على كما في قوله تعالى يَخِرُّونَ لِلاْذْقَانِ أي دعانا كائناً على جنبه أي مضطجعاً ﴿أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ أي في جميع الأحوالِ ممَّا ذُكر ومَا لم يذكر وتخصيصُ المعدوداتِ بالذكر لعدم خلوِّ الإنسانِ عنها عادةً أو دعانا في جميع أحوالِ مرضِه على أنه المرادُ بالضر خاصة مضطجعا عاجزاً عن القعود وقاعداً غيرَ قادرٍ على النهوض وقائماً لا يستطيع الحَراك ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ﴾ الذي مسه غِبَّ ما دعانا حسبما ينبىء عنه الفاء ﴿مَرَّ﴾ أي مضى واستمرَّ على طريقته التي كان ينتحيها قبل مساسِ الضرِّ ونسيَ حالةَ الجَهْدِ والبلاءِ أو مر عن موقف الضراعةِ والابتهالِ ونأى بجانبه ﴿كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا﴾ أي كأنه لم يدعُنا فخُفف وحُذف ضميرُ الشأنِ كما في قوله ... كأنْ لم يكن بين الحَجون إلى الصفا ... والجملةُ التشبيهيةُ في محل النصب على الحالية من فاعل مرّ أي مرّ مشبَّهاً بمن لم يدْعنا ﴿إلى ضُرّ﴾ أي إلى كشف ضرَ ﴿مَسَّهُ﴾ وهذا وصفٌ للجنس باعتبار حال بعضِ أفرادِه ممن هو متصفٌ بهذه الصفات ﴿كذلك﴾ نصبٌ على المصدرية وذلكَ إشارةٌ إلى مصدرِ الفعلِ الآتي وما فيه من معنى البعد للتفخيم والكافُ مقحَمةٌ للدلالة على زيادة فخامةِ المشارِ إليه إقحاماً لا يكاد يترك في لغة العرب ولا في غيرها ومن ذلك قولهم مثلك لا يَبخلُ مكان أنت لا تبخل أي مثلَ ذلك التزيينِ العجيب ﴿زُيّنَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ أي للموصوفين بما ذُكر من الصِّفاتِ الذميمةِ وإسرافُهم لما أنَّ الله تعالى إنما أعطاهم القُوى والمشاعرَ ليصرِفوها إلى مصارفها ويستعملوها فيما خُلقت له من العلوم والأعمالِ الصالحة فلما صرفوها إلى ما لا ينبغِي وهي رأسُ مالِهم فقد أتلفوها وأسرفوا إسرافاً ظاهراً والتزيينُ إما من جهة الله سبحانه على طريقه التخليةِ والخِذلانِ أو من الشيطان بالوسوسة والتسويل ﴿ما كانوا يعملون﴾ من الاعراض عن الذكر والدعاءِ والانهماكِ في الشهوات وتعلقُ الآيةِ الكريمة بما قبلها من حيث إن في كل منهما إملاءً للكفرة على طريقة الاستدراجِ بعد الأنقاذِ من الشر المقدّرِ في الأولى ومن الضرِّ المقررِ في الأخرى

стр. 2348

﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا القرون﴾ أي القرونَ الخاليةَ مثلَ قومِ نوح وعاد وأضرابهم ومِنْ في قولِه تعالَى ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ متعلقةٌ بأهلكنا أي أهلكناهم من قبل زمانِكم والخطابُ لأهل مكةَ على طريقة الالتفاتِ

стр. 2349

للمبالغة في تشديد التهديدِ بعد تأييدِه بالتوكيد القسمي ﴿لَمَّا ظَلَمُواْ﴾ ظرفٌ للإهلاك أي أهلكناهم حين فعلوا الظلمَ بالتكذيب والتمادي في الغي والضلالِ من غير تأخير وقوله تعالى ﴿وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم﴾ حالٌ من ضمير ظلموا بإضمار قد وقوله تعالى ﴿بالبينات﴾ متعلقٌ بجاءتهم على أن الباء للتعدية أو بمحذوفٍ وقعَ حالاً من رسلهم دالةٌ على إفراطهم في الظلم وتناهيهم في المكابرة أي ظلموا بالتكذيب وقد جاءتهم رسلُهم بالآيات البينةِ الدالةِ على صدقهم أو ملتبسين بها حين لا مجالَ للتكذيب وقد جُوِّز أن يكون قولُه تعالى وَجَاءتْهُمْ عطفاً على ظلموا فلا محلَّ له من الإعراب عند سيبويه وعند غيره محلُّه الجرُّ لأنه معطوفٌ على ما هو مجرورٌ بإضافة الظرفِ إليه وليس الظلمُ منحصراً في التكذيب حتى يُحتاج إلى الاعتذار بأن الترتيبَ الذكريَّ لا يجب كونه على وفق الترتيب الوقوعيّ كما في قوله تعالى وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العرش وَخَرُّواْ لَهُ الخ بل هو محمولٌ على سائر أنواعِ الظلم والتكذيبُ مستفادٌ من قوله تعالى ﴿وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ﴾ على أبلغِ وجهٍ وآكدِه فإن اللام لتأكيد النفي أي وما صحَّ وما استقام لهم أن يؤمنوا لفساد استعدادِهم وخذلانِ الله تعالى إياهم لعلمه بأن الألطافَ لا تنجع فيهم والجملةُ على الأولِ عطفٌ على ظلموا لأنه إخبارٌ بإحداث التكذيب وهذا بالإصرار عليه وعلى الثاني عطفٌ على ما عطف عليه وقيل اعتراضٌ بين الفعلِ وما يجري مَجرى مصدرِه التشبيهيِّ أعني قولَه تعالى ﴿كذلك﴾ فإن الجزاءَ المشارَ إليه عبارةٌ عن مصدره أي مثلَ ذلك الجزاءِ الفظيعِ أي الإهلاكِ الشديدِ الذي هو الاستئصالُ بالمرة ﴿نَجْزِي القوم المجرمين﴾ أي كلَّ طائفةٍ مجرمة وفيه وعيدٌ شديدٌ وتهديدٌ أكيدٌ لأهل مكةَ لاشتراكهم لأولئك المهلَكين في الجرائم والجرائر التي هي تكذيبُ الرسولِ والإصرارُ عليه وتقريرٌ لمضمونِ ما سبقَ من قوله تعالى وَلَوْ يُعَجّلُ الله لِلنَّاسِ الشر استعجالهم بالخير وقُرىء بالياءِ على الالتفات إلى الغَيبة وقد جُوِّز أن يكون المرادُ بالقوم المجرمين أهلَ مكةَ على طريقة وضع الظاهرِ موضعَ ضميرِ الخطابِ إيذاناً بأنهم أعلامٌ في الإجرام ويأباه كلَّ الإباء قوله سورة يونس (١٤)

стр. 2350

﴿ثُمَّ جعلناكم خلائف فِى الارض مِن بَعْدِهِم﴾ فإنَّه صريحٌ في أنَّهُ ابتداءٌ تعرّضَ لأمورهم وأن ما بينّ فيه إنما هو مبادي أحوالِهم لاختبار كيفياتِ أعمالِهم على وجه يُشعر باستمالتهم نحوَ الإيمان والطاعةِ فمُحالٌ أن يكون ذلك إثرَ بيانِ منتهى أمرِهم وخطابِهم ببتّ القولِ بإهلاكهم لكمال إجرامِهم والمعنى ثم استخلفناكم في الأرض من بعد إهلاكِ أولئك القرونِ التي تسمعون أخبارَها وتشاهدون آثارَها استخلافَ من يَختبر ﴿لِنَنظُرَ﴾ أي لنعاملَ معاملةَ من ينظُر ﴿كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ فهي استعارةٌ تمثيلية وكيف منصوبٌ على المصدرية بتعملون لا بننظر فإنَّ ما فيهِ من معنى الاستفهام مانعٌ من تقدم عاملِه عليه أي أيَّ عملٍ أو على الحالية أي على أيّ حالٍ تعملون الأعمالَ اللائقةَ بالاستخلاف من أوصاف الحُسن كقوله عز وعلا لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ففيه إشعارٌ بأن المرادَ بالذات والمقصودَ الأصليَّ من الاستخلاف إنما هو ظهورُ الكيفياتِ الحسنةِ للأعمال الصالحةِ وأما الأعمالُ السيئةُ فبمعزل من أن تصدُرَ عنهم لا سيما بعد ما سمِعوا أخبارَ القرونِ المهلَكه وشاهَدوا آثارَ بعضِها فضلاً عن أن يُنظمَ ظهورُها في سلك العلة الغائبة
следующие страницы →