← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

﴿ويستنبئونك﴾ أى يستخرونك فيقولون على طريقة الاستهزاءِ أو الإنكار ﴿أَحَقٌّ هُوَ﴾ أحقٌّ خبرٌ قُدم على المبتدإ الذي هو الضميرُ للاهتمام بهِ ويؤيدُه قولُه تعالى إِنَّهُ لَحَقٌّ أو مبتدأٌ والضميرُ مرتفعٌ به سادٌّ مسدَّ الخبر والجملةُ في موقع النصب بيستنبئونك وقرىء أحق هو تعريضاً بأنه باطلٌ كأنه قيل أهو الحق لا الباطل أو أهو الذي سميتموه الحقَّ ﴿قُلْ﴾ لهم غيرَ ملتفتٍ إلى استهزائهم مغضياً عما قصدوا وبانياً للأمر على أساس الحكمة ﴿إِى وَرَبّى﴾ إي من حروف الإيجابِ بمعنى نعم في القسم خاصةً كما أن هل بمعنى قد في الاستفهام خاصةً ولذلك يوصل بواوه ﴿إِنَّهُ﴾ أي العذابُ الموعودُ ﴿لَحَقُّ﴾ لثابتٌ البتةَ أُكّد الجوابُ بأتم وجوهِ التأكيدِ حسب شدةِ إنكارِهم وقوتِه وقد زيد تقريراً وتحقيقاً بقوله عز اسمُه ﴿وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾ أي بفائتين العذابَ بالهرب وهو لاحقٌ بكم لا محالة وهو إما معطوفٌ على جواب القسم أو مستأنفٌ سيق لبيانِ عجزِهم عن الخلاص مع ما فيه من التقرير المذكور

стр. 2417

﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ﴾ بالشرك أو التعدّي على الغير أو غيرِ ذلك من أصناف الظلمِ ولو مرةً حسبما يفيده كونُ الصفةِ فعلاً ﴿مَّا فِى الأرض﴾ أي ما في الدُّنيا من خزائنها وأموالِها ومنافعها قاطبةً بما كثُرت ﴿لَافْتَدَتْ بِهِ﴾ أي لجعلتْه فديةً لها من العذاب من افتداه بمعنى فداه ﴿وَأَسَرُّواْ﴾ أي النفوسُ المدلولُ عليها بكل نفس والعدولُ إلى صيغة الجمعِ مع تحقق العمومِ في صورة الإفرادِ أيضاً لإفادة تهويلِ الخطبِ بكون الإسرارِ بطريق المعيةِ والاجتماع وإنما لم يُراعَ ذلك فيما سبق لتحقيق ما يتوخى من فرض كونِ جميعَ ما في الأرض لكل واحدةٍ من النفوس وإيثارُ صيغة الجمع المذكرِ لحمل لفظ النفسِ على الشخص أو لتغليب ذكورِ مدلولِه على إناثه ﴿الندامة﴾ على مافعلوا من الظلم أي أخفَوْها ولم يظهروها لكن لا للاصطبار والتجلد هيهاتَ ولاتَ حينَ اصطبارٍ بل لأنهم بُهتوا ﴿لَمَّا رَأَوُاْ العذاب﴾ أي عند معاينتِهم من فظاعة الحالِ وشدةِ الأهوالِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ فلم يقدروا على أن ينطِقوا بشيء فلما بمعنى حين منصوبٌ بأسرّوا أو حرفُ شرطٍ حذف جوابُه لدِلالة ما تقدم عليه وقيل أسرها رؤساؤُهم ممن أضلوهم حياءً منهم وخوفاً من توبيخهم ولكن الأمرَ أشدُّ من أن يعترِيَهم هناك شيءٌ غيرَ خوفِ العذاب وقيل أسروا الندامةَ أخلصوها الأن إسرارها إخلاصُها أو لأن سرَّ الشيءِ خالصتُه حيث تخفى ويُضَنّ بها ففيه تهكمٌ بهم وقيل أظهروا الندامةَ من قولهم أسرَّ الشىء وأشره إذا ظهره حين عيل صبره وفى تجلُّده ﴿وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ﴾ أي أُوقع القضاءُ بين الظالمين من المشركين وغيرِهم من أصناف أهل الظلمِ بأن أُظهر الحقُّ سواءٌ كان من حقوق الله سبحانه أو من حقوق العبادِ من الباطل وعومل أهلُ كلَ منهما بما يليق به ﴿بالقسط﴾ بالعدل وتخصيصُ الظلم بالتعدي وحملُ القضاء على مجرد الحكومةِ بين الظالمين والمظلومين من غير أن يُتعرَّضَ لحال المشركين وهم أظلمُ الظالمين لا يساعدُه المقامُ فإن مقتضاه

стр. 2418

سورة يونس (١٥٥) إما كونُ الظلم عبارةً عن الشرك أو عما يدخُل فيه دخولاً أولياً ﴿وَهُمْ﴾ أي الظالمون ﴿لَا يُظْلَمُونَ﴾ فيما فعلى بهم من العذاب بل هو من مقتضيات ظلمِهم ولوازمِه الضرورية

стр. 2419

﴿أَلا إِنَّ للَّهِ مَا في السماوات والارض﴾ أي ما وُجد فيهما داخلاً في حقيقتِهما أو خارجاً عنهما متمكناً فيهما وكلمةُ ما لتغليب غيرِ العقلاءِ على العقلاء فهو تقريرٌ لكمال قدرتِه سبحانه على جميع الأشياءِ وبيان لاندارج الكلِّ تحت ملكوتِه يتصرف فيه كيفما يشاء إيجاداً وإعداماً وإثابةً وعقاباً ﴿أَلَا إِنَّ وَعْدَ الله﴾ إظهارُ الاسمِ الجليلِ لتفخيم شأنِ الوعدِ والإشعارِ بعلة الحكم وهو إما بمعنى الموعودِ أي جميعِ ما وُعد به كائناً ما كانَ فيندرج فيه العذابُ الذي استعجلوه وما ذُكر في أثناء بيان حالِه اندراجاً أولياً أو بمعناه المصدريِّ أي وعدَه بجميع ما ذكر فمعنى قولِه تعالى ﴿أحق﴾ على الأول ثابتٌ واقعٌ لا محالة وعلى الثاني مطابقٌ للواقع وتصديرُ الجملتين بحرفي التنبيهِ والتحقيقِ للتسجيل على مضمونهما المقرِّر لمضمون ما سلف من الآيات الكريمة والتنبيهِ على وجوب استحضارِه والمحافظةِ عليه ﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ﴾ لقصور عقولِهم واستيلاءِ الغفلة عليهم والفهمِ بالأحوال المحسوسةِ المعتادة ﴿لا يعلمون﴾ ذلك فيقولون ما يقولُون ويفعلُون ما يفعلون

стр. 2420

﴿هو يحيي وَيُمِيتُ﴾ في الدُّنيا منْ غيرِ دخلٍ لأحدٍ في ذلك ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ في الآخرة بالبعث والحشر

стр. 2421

﴿يا أيها الناس﴾ التفاتٌ ورجوعٌ إلى استمالتهم نحوَ الحق واستنزالِهم إلى قَبوله واتباعه غِبَّ تحذيرِهم من غوائل الضلالِ بما تُليَ عليهم من القوارع الناعيةِ عليهم سوءَ عاقبتِهم وإيذانٌ بأن جميعَ ذلك مسوقٌ لمصالحهم ومنافعِهم ﴿قَدْ جَاءتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ﴾ هي والوعظ والعظة التذكيرُ بالعواقب سواءٌ كان بالزجر والترهيبِ أو بالاستمالة والترغيبِ وكلمة مِن في قوله تعالى ﴿من رَّبّكُمْ﴾ ابتدائيةٌ متعلقةٌ بجاءتكم أو تبعيضة متعلقةٌ بمحذوف وقع صفة لموعظة أي موعظةٌ كائنةٌ من مواعظ ربِّكم وفي التعرض لعنوان الربوببة من حُسنِ الموقِع ما لا يخفى ﴿وَشِفَاء لِمَا فِى الصدورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي كتاب جامعٌ لهذه الفوائد والمنافِع فإنه كاشفٌ عن أحوال الأعمالِ حسناتِها وسيئاتِها مرغب في الأولى ورادِعٌ عن الأخرى ومبينٌ للمعارف الحقةِ التي هي شفاءٌ لَما في الصدورِ منْ الأدواء القلبيةِ كالجهل والشكِّ والشِّرْكِ والنفاق وغيرِها من العقائد الزائغةِ وهادٍ إلى طريق الحقِّ واليقين بالإرشاد إلى الاستدلال بالدلائل المنصوبةِ في الآفاق والأنفسِ وفي مجيئه رحمةً للمؤمنين حيث نجَوا به من ظلمات الكفرِ والضلال إلى نور الإيمانِ وتخلصوا من دركاتِ النيرانِ وارتقَوا إلى درجات الجنانِ والتنكيرُ فى الكل للتفخيم

стр. 2422

سورة يونس (٥٨ ٥٩)

стр. 2423

﴿قُلْ﴾ تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى رسول الله ﷺ ليأمرَ الناسَ بأن يغتنموا ما في القرآن العظيم من الفضل والرحمة ﴿بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ﴾ المرادُ بهما إما ما في مجيء القرآنِ من الفضل والرحمةِ وإما الجنسُ وهما داخلان فيه دخولاً أولياً والباء متعلقةٌ بمحذوف وأصلُ الكلام ليفرَحوا بفضل الله وبرحمته وتكرير الباء فى رحمته للإيذان باستقلالها في استيجاب الفرحِ ثم قُدّم الجارُّ والمجرورُ على الفعلِ لإفادةِ القصرِ ثم أُدخل عليه الفاد لإفادة معنى السببيةِ فصار بفضل الله وبرحمته فليفرَحوا ثم قيل ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ﴾ للتأكيد والتقريرِ ثم حُذف الفعلُ الأولُ لدِلالة الثاني عليهِ والفاءُ الأولى جزائيةٌ والثانية لدلالة على السببية والأصلُ إن فرِحوا بشيء فبذلك ليفرحوا لا بشيء آخرَ ثم أدخل الفاء لدلالة على السببية ثم حذف الشرطُ ومعنى البُعد في اسم الإشارةِ لدلالة على بُعد درجةِ فضلِ الله تعالَى ورحمتِه ويجوز أن يراد بفضل الله وبرحمته فلْيعتنوا فبذلك فليفرحوا ويجوز أن يتعلق الباءُ بجاءتكم أي جاءتكم موعظةٌ بفضل الله وبرحمته فبذلك أي فبمجيئها فليفرَحوا وقرىء فلتفرحوا وقرأ أُبيّ فافرَحوا وعن ابن كعب أن رسولَ الله ﷺ تلا قل بفضلِ الله وبرحمتِهِ فقالَ بكتاب الله والإسلامِ وقيل فضلُه الإسلامُ ورحمتُه ما وعَد عليه ﴿هُوَ﴾ أي ما ذكر من فضل الله ورحمته ﴿خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ من حُطام الدنيا وقرىء تجمعون أي فبذلك فليفرَحِ المؤمنون هو خير مما تجمعون أيها المخاطبون

стр. 2424

﴿قل أرأيتم﴾ أي أخبروني ﴿مَّا أَنزَلَ الله لَكُمْ مّن رّزْقٍ﴾ ما منصوبةُ المحلِّ بما بعدها أو بما قبلها واللامُ للدِلالة على أن المرادَ بالرزق ما حل لهم وجعلُه منزلاً لأنه مقدّرٌ في السماء محصّلٌ هو أو ما يتوقف عليه وجوداً أو بقاءً بأسباب سماويةٍ من المطر والكواكبِ في الإنضاج والتلوين ﴿فَجَعَلْتُمْ مّنْهُ﴾ أي جعلتم بعضَه ﴿حَرَامًا﴾ أي حكمتم بأنه حرامٌ ﴿وَحَلَالاً﴾ أي وجعلتم بعضَه حلالاً أي حكمتم بحِلّه مع كون كلِّه حلالاً وذلك قولُهم هذه أنعام وَحَرْثٌ حِجْرٌ الآية وقولهم مَا فِى بُطُونِ هذه الانعام خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ على أزواجنا ونحوُ ذلك وتقديمُ الحرامِ لظهور أثرَ الجعلِ فيه ودورانِ التوبيخِ عليه ﴿قُلْ﴾ تكريرٌ لتأكيد الأمرِ بالاستخبار أي أخبروني ﴿الله أَذِنَ لَكُمْ﴾ في ذلك الجعلِ فأنتم فيه ممتثلون بأمره تعالى ﴿أَمْ عَلَى الله تَفْتَرُونَ﴾ أم متصلةٌ والاستفهامُ للتقرير والتبكيتِ لتحقق العلمِ بالشق الأخيرِ قطعاً كأنه قيل أم لم يأذنْ لكم بل تفترون عليه سبحانه فأظهر الاسمَ الجليلَ وقدّم على الفعل دِلالةً على كمال قبحِ افترائِهم وتأكيداً للتبكيت إثرَ تأكيدٍ مع مراعة الفواصلِ ويجوز أن يكون الاستفهامُ للإنكار وأمْ منقطعةً ومعنى بل فيها الإضرابُ والانتقال من التوبيخ والزجرِ بإنكار الرذن إلى ما تفيده همزتُها من التوبيخ على الافتراء عليه سبحانه وتقريرِه وتقديمُ الجارِّ والمجرور على هَذا يجوزُ أنْ يكونَ للقصر كأنه قيل بل أعلى الله تعالى خاصة تفترون

стр. 2425

سورة يونس (٦٠ ٦١)

стр. 2426

﴿وَمَا ظَنُّ الذين يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب﴾ كلامٌ مَسوقٌ من قِبَله تعالى لبيان هولِ ما سيلقَونه غيرُ داخلٍ تحت القولِ المأمورِ به والتعبيرُ عنهم بالموصول في موقع الإضمارِ لقطع احتمالِ الشق الأولِ من الترديد والتسجيلِ عليهم بالافتراء وزيادةِ الكذب مع أن الافتراءَ لا يكون إلا كذباً لإظهار كمالِ قبحِ ما افتعلوا وكونِه كذباً في اعتقادهم أيضاً وكلمةُ ما استفهاميةٌ وقعت مبتدأً وظن خبرُها ومفعولاه محذوفان وقوله ﴿يَوْمُ القيامةِ﴾ ظرفٌ لنفس الظنِّ أي أيُّ شيءٍ ظنُّهم في ذلك اليوم يومَ عرضِ الأفعال والأقوالِ والمجازاة عليها مثقالاً بمثقال والمرادُ تهويلُه وتفظيعُه بهول ما يتعلق به مما يُصنع بهم يومئذ وقيل هو ظرفٌ لما يتعلق به ظنُّهم اليومَ من الأمور التي ستقع يوم القيامة تنزيلاً له ولِما فيه من الأحوال لكمال وضوح أمره فى التقرر والتحققِ منزلةَ المسلم عندهم أي أي شيء ظنهم لما سيقع يوم القيامة أيحسبون أنهم لا يُسألون عن افترائهم أو لا يجازون عليه أو يجازون جزاءً يسيراً ولأجل ذلك يفعلون ما يفعلون كلا إنهم لفي أشدِّ العذاب لأن معصيتَهم أشدُّ المعاصي وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى على الله كذباً وقرىء على لفظ الماضي أي ظنوا يوم القيامة وإيرادُ صيغةِ الماضي لأنه كائنٌ فكأنه قد كان ﴿إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ﴾ أي عظيم لا يكتنه كنهه ﴿عَلَى الناس﴾ أي جميعاً حيث أنعم عليهم بالعقل المميّز بين الحقِّ والباطلِ والحسَنِ والقبيحِ ورحِمهم بإنزال الكتبِ وإرسالِ الرسلِ وبيّن لهم الأسرارَ التي لا تستقلُ العقولُ في إدراكها وأرشدهم إلى ما يُهمّهم من أمر المعاشِ والمعاد ﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ تلك النعمةَ الجليلةَ فلا يصرِفون قُواهم ومشاعرَهم إلى ما خُلقت له ولا يتبعون دليل العقل فيما يستبد به ولا دليلَ الشرعِ فيما لا يدرك إلا به وقد تفضل عليهم ببيان ما سيلقَوْنه يومَ القيامةِ فلا يلتفتون إليه فيقعون فيما يقعون فهو تذييلٌ لما سبق مقررٌ لمضمونه

стр. 2427

﴿وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ﴾ أي في أمر من شأنْتُ شأْنه أي قصدتُ قصدَه مصدر بمعنى المفعول ﴿وما تتلو مِنْهُ﴾ الضميرُ للشأنِ والظرفُ صفةٌ لمصدر محذوفٍ أي تلاوةً كائنةً من الشأن إذ هى معظم شئونه ﵇ أو للتنزيل والإضمار قبل الذكر لتفخم شأنِه ومن ابتدائيةٌ أو تبعيضية أو لله ومن ابتدائيةٌ والتي في قوله تعالى ﴿من قرآن﴾ مزيدةٌ لتأكيد النفيِ أو ابتدائيةٌ على الوجه الأول وبيانية أو تبعيضيةٌ على الثاني والثالث ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾ تعميمٌ للخطاب إثر تخصيصه بمقتدى الكلِّ وقد رُوعي في كل من المقامين ما يليق به حيث ذُكر أولاً من الأعمال ما فيه فخامةٌ وجلالةٌ وثانياً ما يتناول الجليلَ والحقيرَ ﴿إِلَاّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾

стр. 2428

استثناء مفرغ من أعم أحوال المخاطبين بالأفعال الثلاثة أي ما تلابِسون بشيء منها في حالٍ من الأحوالِ إلا حالَ كونِنا رُقباءَ مطّلعين عليه حافظين له ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أي تخوضون وتندفعون فيه وأصلُ الإفاضة الاندفاعُ بكثرة أو بقوة وحيث أريد بالأفعال السابقةِ الحالةُ المستمرَّةُ الدائمةُ المقارنةُ للزمان الماضي أيضاً أوثر في الاستثناء صيغةُ الماضي وفي الظرف كلمةُ إذ التي تفيد المضارعَ معنى الماضي ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبّكَ﴾ أي لا يبعُد ولا يغيب على علمه الشامل وفي التعرض لعنوان الربوبيةِ من الإشعار باللطف ما لا يخفى وقرئ بكسر الزاى ﴿مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ كلمةُ مِنْ مزيدةٌ لتأكيدِ النَّفي أي ما يعزُب عنه ما يساوي في الثقل نملةً صغيرةً أو هباءً ﴿في الأرض ولا في السماء﴾ أي في دائرة الوجودِ والإمكان فإن العامة لا تعرِف سواهما ممكناً ليس على أحدهما أو متعلِّقاً بهما وتقديمُ الأرضِ لأن الكلامَ في حال أهلِها والمقصودُ إقامةُ البرهانِ على إحاطة علمِه تعالى بتفاصيلها وقوله تعالى ﴿وَلَا أَصْغَرَ مِن ذلك وَلا أَكْبَرَ إِلَاّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ كلامٌ برأسه مقرِّرٌ لما قبله وَلَا نافيةٌ للجنس وأصغرَ اسمُها وفي كتاب خبرُها وقرئ بالرفع على الابتداء والخبر ومن عطفَ على لفظ مثقالِ ذرةٍ وجعل الفتحَ بدلَ الكسرِ لامتناع الصرف أو على محله مع الجار جعلَ الاستثناءَ منقطعاً كأنه قيل لا يعزُب عن ربك شيءٌ ما لكنْ جميعُ الأشياء في كتاب مبين فكيف يعزُب عنه شيءٌ منها وقيل يجوز أن يكون الاستثناءُ متصلاً ويعزُب بمعنى يَبينُ ويصدُر والمعنى لا يصدُر عنه تعالى شيءٌ إلا وهو في كتابٌ مبين والمراد بالكتاب المبين اللوحُ المحفوظ

стр. 2429

﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء الله﴾ بيانٌ على وجه التبشير والوعد لما هو نتيجةٌ لأعمال المؤمنين وغايةٌ لما ذكر قبله من كونه تعالى مهيمناً على نبيه ﷺ وأمتِه في كلِّ ما يأتُون وما يذرون وإحاطةِ علمه سبحانه بجميع ما فى السماء والأرض وكونِ الكلِّ مثبتاً في الكتاب المبين بعد ما أُشير إلى فظاعة حالِ المفترين على الله تعالى يومَ القيامةِ وما سيعتريهم من الهول إشارةٌ إجماليةٌ على طريق التهديدِ والوعيد وصُدّرت الجملةُ بحرفي التنبيهِ والتحقيقِ لزيادة تقريرِ مضمونِها والوليُّ لغة القريبُ والمرادُ بأولياء الله خُلّصُ المؤمنين لقربهم الروحاني منه كما سيفصح عنه تفسيرهم ﴿لَا خوفٌ عَلَيْهِمْ﴾ في الدارين من لُحوق مكروهٍ ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ من فواتِ مطلوبِ أي لا يعتريهم ما يوجب ذلك لا أنه يعتريهم لكنهم لا يخافون ولا يحزنون ولا أنه لا يعتريهم خوفٌ وحزنٌ أصلاً بل يستمرون على النشاط والسرورِ كيف لا واستشعارُ الخوفِ والخشيةِ استعظاماً لجلال الله سبحانه وهيبتِه واستقصاراً للجد والسعي في إقامة حقوقِ العبوديةِ من خصائص الخواصِّ والمقرَّبين والمرادُ بيانُ دوامِ انتفائِهما لا بيانُ انتفاءِ دوامِهما كما يُوهمه كونُ الخبرِ في الجملة الثانية مضارِعاً لما مر مرارا من أن النفى إن دخل على نفس المضارع يفيد الاستمرارَ والدوامَ بحسب المقام وإنما يعتريهم ذلك لأن مقصِدَهم ليس إلا طاعةَ الله تعالى ونيلَ رضوانِه المستتبِعِ للكرامة والزُّلفى وذلك مما لا ريب في حصوله ولا احتمالَ لفواته بموجب الوعدِ بالنسبة إليه تعالى وأما ما عدا ذلك من الأمور الدنيويةِ المترددةِ بين الحصول والفوات فهي بمعزل من الانتظام في سِلكِ مقصِدهم وجوداً وعدماً حتى يخافوا من حصول

стр. 2430

سورة يونس (٦٣) ضارِّها أو يحزنوا بفوات نافعها وقوله عز وجل

стр. 2431

﴿الذين آمنوا﴾ أي بكل ما جاء من عند الله تعالى ﴿وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ أي يقون أنفسَهم عما يحِقّ وقايتُها عنه من الأفعال والتروك وقايةً دائمةً حسبما يفيدُه الجمعُ بينَ صيغتي المَاضِي والمستقبل بيانٌ وتفسيرٌ لهم وإشارةٌ إلى ما به نالوا ما نالوا على طريقة الاستئنافِ المبنيِّ على السؤال ومحلُّ الموصولِ الرفعُ على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ كأنه قيل مَنْ أولئك وما سببُ فوزِهم بتلك الكرامةِ فقيل هم الذين جمعوا بين الإيمانِ والتقوى المُفْضِيَيْن إلى كل خير المُنْحِيَيْن عن كل شر وقيل محلُّه النصبُ أو الرفعُ على المدحِ أو على أنه وصفٌ مادحٌ للأولياء ولا يقدحُ في ذلك توسطُ الخبرِ والمرادُ بالتقوى المرتبةُ الثالثةُ منها الجامعة لما تحتها من مرتبة النوقى عن الشرك التي يفيدها الإيمانُ أيضاً ومرتبةِ التجنبُ عن كلِّ ما يُؤثِّمُ من فعلٍ وتركٍ أعني تنزهَ الإنسانِ عن كل ما يشغل سره عن الحق والتبتلِ إليه بالكلية وهي التقوى الحقيقيُّ المأمورُ به في قوله تعالى يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ وبه يحصُل الشهودُ والحضورُ والقُرب الذي عليه يدورُ إطلاقُ الاسمِ عليه وهكذا كان حال من دخل معه ﷺ تحت الخطاب بقوله وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ خلا أن لهم في شأن التبتّلِ والتنزّهِ درجاتٍ متفاوتةً حسَب تفاوتِ درجاتِ استعداداتهم الفائضةِ عليهم بموجب المشيئةِ المبنيةِ على الحِكَم الأبيةِ أقصاها ما انتهى إليه هم الأنبياءِ ﵈ حتى جمعوا بذلك بين رياسَتي النبوة والولاية ولم يعُقْهم التعلقُ بعالم الأشباحِ عن الاستغراقِ في عالم الأرواح ولم تصُدَّهم الملابسةُ بمصالح الخلقِ عن التبتل إلى جناب الحقِّ لكمال استعدادِ نفوسِهم الزكيةِ المؤيدةِ بالقوة القدسيةِ فمَلاكُ أمرِ الولاية هو التقوى المذكورُ فأولياءُ الله هم المؤمنون المتقون ويقرُب منه ما قيلَ من أنهم الذين تولّى الله هدايتَهم بالبرهان وتولَّوُا القيامَ بحق عبوديةِ الله تعالى والدعوةِ إليه ولا يخالفه ما قيلَ من أنهم الذين يُذكرُ الله برؤيتهم لما رُوي عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ أن رسول الله ﷺ سُئل مَنْ أولياءُ الله فقال هم الذين يُذكرُ الله برؤيتهم أي بسَمْتهم وإخباتهم وسكينتهم ولا ما قيلَ من أنهم المتحابّون في الله لما رُوي عن عمر ﵁ أنَّه قال سمعت النبيِّ ﷺ يقول إن من عبادِ الله عباداً ليسوا بأنبياءَ ولا شهداءَ يغبِطُهم الأنبياءُ والشهداءُ يوم القيامة لمكانهم من الله قالوا يا رسولَ الله خبِّرنا من هم وما أعمالُهم فلعلنا نحبّهم قال هم قوم تحابُّوا في الله على غير أرحامٍ منهم ولا أموالٍ يتعاطَونها فوالله إن وجوهم لنورٌ وإنهم لعلى منابرَ من نور لا يخافون إذا خاف الناسُ ولا يحزنون إذا حزِن الناسُ فإنَّ ما ذُكر من حسن السَّمْت والسكينةِ المذكِّرةِ لله تعالى والتحابِّ في الله سبحانه من الأحكام الدنيوية الازمة للإيمان والتقوى والآثارِ الخاصّةِ بهما الحقيقةِ بالتخصيص بالذكر لظهورها وقُربها من أفهام الناسِ قد أورد رسولُ الله ﷺ كُلاًّ من ذلك حسبما يقتضيه مقام الإرشاد والذكير ترغيباً للسائلين أو غيرِهم من الحاضرين فيما خصه بالذكر هناك من أحكامهما فلعلَّ الحاضرين أولاً كانوا محتاجين إلى إصلاح الحالِ من جهة الأقوالِ والأفعال والملابس ونحو ذلك والحاضرين ثانياً مفتقرين إلى تأليف قلوبِهم وعطِفها نحوَ المؤمنين الذين لا علاقة بينهم وبينهم من جهة النسبِ والقرابةِ وتأكيدِ ما بينهم من الأخوة

стр. 2432

سورة يونس (٦٤) الدينية ببيان عِظَم شأنِها ورفعةِ مكانتها وحُسن عاقبتِها ليُراعوا حقوقَها ويهجُروا من لا يواتفقهم في الدين من أرحامهم وأما ما ذكر من أنه يغبِطُهم الأنبياءُ فتصويرٌ لحسن حالِهم على طريقة التثميل قال الكواشي وهذا مبالغةٌ والمعنى لو فُرض قومٌ بهذه الصفة لكانوا هؤلاء وقيل أولياءُ الله الذين يتولّونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة وجعل قولِه الذين آمنوا وكانوا يتقون تفسير لتولّيهم إياه تعالى وقوله عز وجل

стр. 2433

﴿لَهُمُ البشرى فِي الحياةِ الدُّنيا وَفِي الاخرة﴾ تفسيراً لتولّيه تعالى إياهم ولا ريب في أن اعتبارَ القيد الأخيرِ في مفهوم الولاية غير مناسبٍ لمقام ترغيبِ المؤمنين في تحصيلها والثباتِ عليها وبشارتهم بآثارها ونتائجها بل مخِلٌّ بذلك إذ التحصيلُ إنما يتعلق بالمقدور والاستبشارُ لا يحصل إلا بما علم وجود سببِه والقيدُ المذكور ليس بمقدور لهم حتى يحصّلوا الولاية بتحصيله ولا بمعلوم لهم عند حصولِه حتى يعرفوا حصولَ الولايةِ لهم ويستبشروا بمحاسنِ آثارِها بل التولي بالكرامة عينُ نتيجةِ الولاية فاعتبارُه في عنوان الموضوعِ ثم الإخبارُ بعدم الخوفِ والحزنِ مما لا يليق بشأن التنزيل الجليل فالذي يقتضيه نظمُه الكريمُ أن الأولَ تفسيرٌ للأولياء حسبما شُرح والثاني بيانٌ لما أولاهم من خيرات الدارين بعد بيانِ إنجائِهم من شرورهما ومكارههما والجملةُ مستأنفةٌ كما سبق كأنه قيل هل لهم وراء ذلك من نعمة وكرامةٍ فقيل لهم ما يسرّهم في الدارين وتقديمُ الأول لما أن التخلِيَةَ سابقةٌ على التحلية مع ما فيه من مراعاة حقِّ المقابلةِ بين حسن حالِ المؤمنين وسوءِ حال المقتريين وتعجيلُ إدخالِ المسرّةِ بتبشير الخلاصِ عن الأهوال وتوسيطُ البيان السابق بين بشار الخلاص عن المحذور وبشارةِ الفوز بالمطلوب لإظهار كمالِ العناية بتفسير الأولياءِ مع الإيذان بأن انتفاءَ الخوف والحزنِ لاتقائهم عما يؤدّي إليهما من الأسباب والبُشرى مصدرٌ أريد به المبشَّرُ به من الخيرات العاجلةِ كالنصر والفتحِ والغنيمة وغيرُ ذلك والآجلةِ الغنيةِ عن البيان وإيثارُ الإبهام والإجمالِ للإيذان بكونه وراءَ البيان والتفصيلِ والظرفان في موقع الحالِ منه والعاملُ ما في الخبر من مَعْنى الاستقرارِ أيْ لهم البشرى حالَ كونها في الحياة الدنيا وحالَ كونِها في الآخرة أي عاجلةً وآجلةً أو من الضمير المجرور أي حالَ كونِهم في الحياة الخ ومن البشرى العاجلةِ الثناءُ الحسنُ والذكرُ الجميلُ ومحبةُ الناس عن أبى ذرَ ﵁ قلتُ يا رسولَ الله الرجلُ يعمل العملَ لله ويحبه الناس فقال ﷺ تلك عاجل بشرى المؤمن هذا وقيل البشرى مصدرٌ والظرفان متعلقان به أما البُشرى في الدنيا فهي البشاراتُ الواقعةُ للمؤمنين المتقين في غير موضعٍ من الكتاب المبين وعن النبيِّ ﷺ هي الرؤيا الصالحةُ يراها المؤمنُ أو تُرى له وعنه ﷺ ذهبت النبوةُ وبقيت المبشِّراتُ وعن عطاء لهم البشرى عند الموت تأتيهم الملائكةُ بالرحمة قال الله تعالى تتزل عليهم الملائكة أن لا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بالجنة وأما البشرى في الآخرة فتلقِّي الملائكةِ إياهم مسلمين مبشَّرين بالفوز والكرامة وما يرون من بياض وجوهم وإعطاء الصحائفِ بأيْمانهم وما يقرءون منها وغيرُ ذلك من البشارات فتكون هذه بِشارةً بما سيقع من البشارات العاجلةِ والآجلةِ المطلوبة لغاياتها لا لذواتها ولا يخفى أن صرفَ البشارة الناجزةِ

стр. 2434

سورة يونس (٦٥ ٦٦) عن المقاصد بالذات إلى وسائلها مما لا يساعده جلالةُ شأنِ التنزيل الكريم ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله﴾ لا تغييرلأقواله التي من جملتها مواعيدُه الواردةُ بشارةً للمؤمنين المتقين فيدخل فيها البشارات الواردة ههنا دخولاً أولياً ويثبُت امتناعُ الإخلافِ فيها ثبوتاً قطعياً وعلى تقدير كون الموراد البشرى الرؤيا الصالحةَ فالمرادُ بعدم تبديل كلماتهِ تعالى ليس عدم الخلف بينها وبين نتائجِها الدنيوية والأخرويةِ بل عدم الخلف بينها وبين ما دل على ثبوتها ووقوعِها فيما سيأتي بطريق الوعد من قولِه تعالى لَهُمُ البشرى فتدبر ذلك إشارة إلى ما ذكر من أن لهم البشرى في الدارين ﴿هُوَ الفوز العظيم﴾ الذِي لا فوزَ وراءَه وفيه تفسيرٌ لما أبهم فيما سبق وهاتيك الجملة والتي قبلها اعتراضٌ لتحقيق المبشر به وتعظيمٌ شأنه وليس من شرطه أن يكون بعده كلامٌ متصل بما قبله أو هذه تذييلٌ والسابقة اعتراضٌ

стр. 2435

﴿وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ﴾ تسليةٌ للرسول ﷺ عما كان يلقاه من جهتهم من الأذية الناشئةِ عن مقالاتهم الموحشةِ وتبشيرٌ له ﷺ بأنه ينصُره ويُعزّه عليهم إثرَ بيانِ أن له ولأتباعه أمْناً من كل محذورٍ وفوزا بكل مطلوب وقرئ ولا يُحْزِنك من أحزنه وهو في الحقيقة نهيٌ له ﷺ عن الحزن كأنه قيل لا تحزنْ بقولهم ولا تُبالِ بتكذيبهم وتشاورِهم في تدبير هلاكِك وإبطالِ أمرِك وسائرِ ما يتفوهون به في شأنك مما لا خيرَ فيه وإنما وُجِّه النهيُ إلى قولهم للمبالغة فى نهيه ﷺ عن الحزن لما أن النهيَ عن التأثر نهيٌ عن التأثر بأصله ونفيٌ له بالمرة وقد يُوجِّه النهيُ إلى اللازم والمرادُ هو النهيُ عن الملزوم كما في قولك لا أُرَينّك ههنا وتخصيصُ النهي عن الحزن بالإيراد مع شمول النفي السابقِ للحزن أيضاً لِما أنه لم يكن فيه ﷺ في بعض الأوقاتِ نوعُ حزنٍ فسُلِّيَ عن ذلكَ وقولُه تعالَى شائبةُ خوفٍ حتى ينهى عنه وربما كان يعتريه ﷺ ﴿إِنَّ العزة﴾ تعليلٌ للنهي على طريقة الاستئنافِ أي الغلبةَ والقهرَ ﴿للَّهِ جَمِيعاً﴾ أي في ملكته وسلطانِه لا يملك أحدٌ شيئاً منها أصلاً لا هم ولا غيرُهم فهو يقهرُهم ويعصِمُك منهم وينصُرك عليهم وقد كان كذلك فهي من جملة المبشرات العاجلة وقرئ بفتح أن على صريح التعليلِ أي لأن العزة لله ﴿هُوَ السميع العليم﴾ يسمع ما يقولون في حقك ويعلم ما يعزمون عليه وهو مكافِئُهم بذلك

стр. 2436

﴿أَلا إِنَّ للَّهِ مَن في السماوات وَمَن فِى الأرض﴾ أي العقلاء من الملائكة والثقلين وتخصيصُهم بالذكر للإيذان بعدمِ الحاجةِ إلى التَّصريحِ بغيرهم فإنهم مع شرفهم وعلو طبقتهم إذا كانوا عبيداً له سبحانه مقهورين تحت قهرِه وملكته فما عداهم من الموجودات أولى بذلك وهو مع ما فيه من التأكيد لما سبق من اختصاص العزة بالله تعالى الموجب لسلوته ﷺ وعدمِ مبالاتِه بالمشركين وبمقالاتهم تمهيدا لما لَحِقَ من قوله تعالى ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الذين يدعون من دون الله شُرَكَاء﴾ وبرهانٌ على بطلان

стр. 2437

سورة يونس (٦٧ ٧٨) ظنونِهم وأعمالِهم المبنيةِ عليها وما إما نافيةٌ وشركاءَ مفعولُ يتّبع ومفعولُ يدْعون محذوفٌ لظهوره أي ما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاءَ في الحقيقة وإن سمَّوْها شركاءَ فاقتُصر على أحدهما لظهور دلالتِه على الآخر ويجوز أن يكون المذكورُ مفعولَ يدعون ويكون مفعولُ يتّبع محذوفاً لانفهامه من قولِه تعالَى ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَاّ الظن﴾ أي ما يتبعون يقيناً إنما يتبعون ظنَّهم الباطلَ وإما موصولةٌ معطوفةٌ على مَنْ كأنه قيل ولله ما يتبعه الذين يدعون من دون الله شركاء أي وله شركاؤهم وتخصيصُهم بالذكر مع دخولهم فيما سبق عبارةٌ أو دلالةٌ للمبالغة في بيان بطلان اتباعِهم وفسادِ ما بنَوْه عليه من ظنهم شركاءَهم معبودين مع كونهم عبيداً له سبحانه وإما استفهاميةٌ أي وأيُّ شيءٍ يتّبعون أى لا يتبعون شيئا ما يتبعون إلا الظن والحال الباطلَ كقوله تعالى مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَاّ أسماء سميتوها الخ وقرىء تدعون بالتاء فالاستفهامُ للتبكيت والتوبيخ كأنه قيل وأي شيءٍ يتّبع الذين تدعونهم شركاءَ من الملائكة والنبيين تقريراً لكونهم متّبعين لله تعالى مطيعين له وتوبيخاً لهم على عدم اقتدائهم بهم في ذلك كقوله تعالى أولئك الذيم يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبّهِمُ الوسيلة ثم صُرف الكلامُ عن الخطاب إلى الغَيبة فقيل إنْ يتبعُ هؤلاء المشركون إلا الظنَّ ولا يتبعون ما يتبعه الملائكةُ والنبيون من الحق ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَاّ يَخْرُصُونَ﴾ يكذبون فيما ينسوبه إليه سبحانه ويحزَرون ويقدّرون أنهم شركاءُ تقديراً باطلاً

стр. 2438

﴿هُوَ الذى جعلَ لكُم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا﴾ تنبيهٌ على تفرّده تعالى بالقدرة الكاملةِ والنعمةِ الشاملة ليدلّهم على توحّده سبحانه باستحقاق العبادة وتقريرٌ لما سلف من كون جميعِ الموجوداتِ الممكنةِ تحت قدرتِه وملكته المفصِحِ عن اختصاص العزةِ به سبحانه والجعلُ إن كان بمعنى الإبداعِ والخلق فمبصِراً حالٌ وإلا فلكم مفعولُه الثاني أو هو حالٌ كما في الوجه الأولِ والمفعولُ الثاني لتسكنوا فيه أو هو محذوف بدل عليه المفعولُ الثاني من الجملة الثانيةِ كما أن العلةَ الغائيّةَ منها محذوفةٌ اعتماداً على ما في الأولى والتقديرُ هُوَ الذى جعلَ لكُم الليلَ مظلماً لتسكنوا فيه والنهار مبصرا لتتحركوا فيه لمصالحكم كما سيجيء نظيره في قوله تعالى وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَاّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا راد لفضله الآية فحذفت في كلِّ واحدٍ من الجانبين ما ذُكِرَ في الآخر اكتفاءً بالمذكور عن المتروك وإسنادُ الإبصار إلى النهار مجازيٌّ كالذي في نهارُه صائمٌ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي في جعل كلَ منهما كما وُصف أو فيهما وما في إسمِ الإشارةِ من معنى البُعد للإيذان ببُعد منزلةِ المشارِ إليه وعلوِّ رتبته ﴿لَايَاتٍ﴾ عجيبةً كثيرةً أو آياتٍ أُخَرَ غيرَ ما ذكرَ ﴿لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أي هذه الآياتِ المتلوةَ ونظائرَها المنبّهةَ على تلك الآيات التكوينيةِ الآمرةِ بالتأمل فيها سماع تدبرو اعتبار فيعملون بمقتضاها وتخصيصُ الآيات بهم مع أنها منصوبة لمصلحة الكل لما أنهم المنتفعون بها

стр. 2439

﴿قَالُواْ﴾ شروعٌ في ذكر ضربٍ آخرَ من أباطيلهم وبيانُ بطلانه ﴿اتخذ الله ولدا﴾ ﴿اتخذ الله ولدا﴾

стр. 2440

سورة يونس (٦٩ ٧٠) أي تبنّاه ﴿سبحانه﴾ تنزيهٌ وتقديس له عما نسبوا إليه وتعجيبٌ من كلمتهم الحمقاء ﴿هُوَ الغنى﴾ على الإطلاق عن كل شيءٍ في كل شيء وهو علةٌ لتنزيهه سبحانه وإيذانٌ بأن اتخاذَ الولدِ من أحكام الحاجة وقوله ﴿له ما في السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ أي من العقلاء وغيرِهم تقريرٌ لغناه وتحقيقٌ لمالكيته تعالى لكل ما سواه وقوله تعالى ﴿إِنْ عِندَكُمْ مّن سُلْطَانٍ﴾ أي حجة ﴿بهذا﴾ أي بما ذُكر من قولهم الباطل توضيح لبطلانه بتحقيق سلامةِ ما أقيم من البرهان الساطِع عن المعارض فِمنْ في قوله تعالى من سلطان زائدةٌ لتأكيد النفي وهو مبتدأ والظرف المقدم خبره أو مرتفعٌ على أنه فاعلٌ للظرف لاعتماده على النفي وبهذا متعلقٌ إما بسلطان لأنه بمعنى الحجةِ والبرهانِ وإما بمحذوف وقعَ صفةً له وإما بما في عندكم من معنى الاستقرارِ كأنه قيل إن عندكم في هذا القول من سلطان والالتفاتُ إلى الخطاب لمزيد المبالغةِ في الإلزام والإفحام وتأكيدِ ما في قوله تعالى ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من التوبيخ والتقريعِ على جهلهم واختلافهم وفيه تنبيه على أن كل مقالةٍ لا دليلَ عليها فهي جهالةٌ وأن العقائدَ لا بد لها من برهان قطعيَ وأن التقليدَ بمعزل من الاعتداد به

стр. 2441

﴿قُلْ﴾ تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى رسول الله ﷺ ليبين لهم سوءَ مغبّتِهم ووخامةَ عاقبتِهم ﴿إِنَّ الذين يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب﴾ أي في كلِّ أمرٍ فيدخل ما نحن بصدده من الافتراء بنسبة الولدِ والشريكِ إليه سبحانه دخولاً أولياً ﴿لَا يُفْلِحُونَ﴾ أي لا ينجُون من مكروهٍ ولا يفوزون بمطلوب أصلاً وتخصيصُ عدم النجاةِ والفوز بما يندرج في ذلك من عدم النجاةِ من النار وعدمِ الفوز بالجنة لا يناسب مقامَ المبالغةِ في الزَّجرِ عن الافتراء عليه سبحانه

стр. 2442

﴿متاع فِى الدنيا﴾ كلامٌ مستأنفٌ سيقَ لبيانِ أن ما يتراءى فيهم بحسب الظاهرِ من نيل المطالبِ والفوزِ بالحظوظ الدنيويةِ على الإطلاقِ أو في ضمن افترائِهم بمعزل من أن يكون من جنس الفلاحِ كأنه قيل كيف لا يُفلحون وهم في غِبطة ونعيم فقيل هو متاعٌ يسير في الدنيا وليس بفوز بالمطلوب ثم أشير إلى انتفاء النجاةِ عن المكروه أيضاً بقوله عز وعلا ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ أي بالموت ﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العذاب الشديد بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ﴾ فيبقَوْن في الشقاء المؤبدِ بسبب كفرِهم المستمرِّ أو بكفرهم في الدنيا فأين هم من الفلاح وقيل المبتدأُ المحذوف حياتُهم أو تقلُّبهم وقد قيل إنه افتراؤُهم ولا يخفى أن المتاعَ إنما يطلق على ما يكون مطبوعاً عند النفسِ مرغوباً فيه في نفسه يُتمتع ويُنتفع به وإنما عدمُ الاعتدادِ به لسرعة زوالهِ ونفسُ الافتراء عليه سبحانه أقبحُ القبائح عند النفس فضلاً عن أن يكونَ مطبوعاً عندها وعده كذلك باعتبار إجراءِ حكمِ ما يُؤدِّي إليه من رياستهم عليه مما لا وجهَ لَهُ فالوجهُ ما ذُكِرَ أولاً وليس ببيعد ما قيل أن المحذوفَ هو الخبرُ أي لهم متاعُ والآية إما مسوقةٌ من جهة الله تعالى لتحقيق عدم إفلاحِهم غيرُ داخلةٍ في الكلام المأمورِ به كما يقتضيه ظاهرُ قوله تعالى ثم إلينا وقوله تعالى ثُمَّ نُذِيقُهُمُ وإما داخلةٌ فيه على أن النبيِّ ﷺ مأمورٌ بنقله وحكايتِه عنه عز وجل

стр. 2443

سورة يونس (٧١)

стр. 2444

﴿واتل عَلَيْهِمْ﴾ أي على المشركين من أهل مكةَ وغيرِهم لتحقيق ما سبق من أنهم لا يفلحون وأن ما يتمتعون به على جناح الفواتِ وأنهم مشرِفون على العذاب الخالد ﴿نَبَأَ نُوحٍ﴾ أي خبره الذي له شأنٌ وخطَرٌ مع قومه الذين هم أضرابُ قومِك في الكفر والعنادِ ليتدبروا ما فيه من زوال ما تمتعوا به من النعيم وحلولِ عذابِ الغرق الموصولِ بالعذاب المقيمِ لينزجروا بذلك عمَّا هُم عليهِ من الكفر أو تنكسر شدةُ شكيمتهم أو يعترف بعضُهم بصحة نبوتك بأن عرفوا أن ما تتلوه موافقا لما ثبت عندهم من غير مخالفةٍ بينهما أصلاً مع علمهم بأنك لم تسمَعْ ذلك من أحد ليس إلا بطريقِ الوحي وفيه من تقرير ما سبق من كون الكلِّ لله سبحانه واختصاصِ العزةِ به تعالى وانتفاءِ الخوفِ والحزن عن أوليائه عز وعلا قاطبةً وتشجيعِ النبيِّ ﷺ وحملِه على عدم المبالاة بهم وبأقوالهم وأفعالهم ما لا يخفى ﴿إِذْ قَالَ﴾ معمولٌ لنبأَ أو بدلٌ منه بدل اشتمال وأياما كان فالمرادُ بعضُ نَبئِه ﷺ لا كلُّ ما جرى بينَه وبينَ قومِه واللامُ في قوله تعالى ﴿لِقَوْمِهِ﴾ للتبليغ ﴿يا قوم إِن كَانَ كَبُرَ﴾ أي عظمُ وشقّ ﴿عَلَيْكُمْ مَّقَامِى﴾ أي نفسي كما يقال فعلتُه لمكان فلان أي لفلان ومنه قولِه تعالَى وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ أي خاف ربَّه أو قيامي ومُكثي بين ظَهْرانيكم مدةً طويلة أو قيامي ﴿وَتَذْكِيرِى بِآيَاتِ الله﴾ فإنهم كانوا إذا وعَظوا الجماعةَ يقومون على أرجلهم والجماعةُ قعودٌ ليظهر حالُهم ويُسمع مقالُهم ﴿فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ﴾ جواب الشرط أي دمت على تخصيص التوكلِ به تعالى ويجوزُ أن يرادَ بهِ إحداثُ مرتبةٍ مخصوصةٍ من مراتبِ التوكل ﴿فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ﴾ عطفٌ على الجواب والفاءُ لترتيب الأمرِ بالإجماع على التوكل لا لترتيب نفسِ الإجماعِ عليه أو هو الجوابُ وما سبق جملةٌ معترضةٌ والإجماعُ العزم قيل هو متعدَ بنفسه وقيل فيه حذفٌ وإيصال قال السدوسي أجمعتُ الأمرَ أفصحُ من أجمعت عليه وقال أبو الهيثم أجمع أمرَه جعله مجموعاً بعد ما كان متفرقاً وتفرُّقُه أنه يقول مرة أفعلُ كذا وأخرى أفعل كذا وإذا عزم على أمر واحدٍ فقد جمعه أي جعله جميعاً ﴿وَشُرَكَاءكُمْ﴾ بالنصب على أن الواو بمعنى مع كما تدل عليه القراءةُ بالرفع عطفاً على الضمير المتصل تنزيلاً للفصل منزلةَ التأكيدِ وإسنادُ الإجماعِ إلى الشركاء على طريقة التهكم وقيل إنه عطفٌ على أمرَكم بحذف المضافِ أي أمرَ شركائهم وقيل منصوبٌ بفعل محذوفٍ أي وادعوا شركاءَكم وقد قُرِىءَ كذلكَ وقُرِىءَ فاجْمعوا من الجمع أي فاعزِموا على أمركم الذى تريدون بي من السعي في إهلاكي واحتشِدوا فيه على أي وجه يمكنكم ﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ﴾ ذلك ﴿عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ أي مستوراً من غمّه إذا ستره بل مكشوفاً مشهوراً تجاهرونني به فإن السرَّ إنما يُصار إليه لسد باب تدارُك الخلاصِ بالهرب أو نحوه فحيث استحال ذلك في حقي لم يكن للسروجه وإنما خاطبهم ﷺ بذلك إظهاراً لعدم المبالاةِ بهم وأنهم لم يجدوا إليه سبيلاً وثقةً بالله سبحانه وبما وعده من عصمته وكَلاءتِه فكلمةُ ثمّ للتراخى فى

стр. 2445

سورة يونس (٧٢ ٧٣) الرتبة وإظهارُ الأمر في موقع الإضمارِ لزيادة تقريرٍ يقتضيها مقامُ الأمرِ بالإظهار الذي يستلزمه النهيُ عن التستر والإسرار وقيل المرادُ بأمرهم ما يعتريهم من جهته ﷺ من الحال الشديدةِ عليهم المكروهةِ لديهم والغُمة والغمّ كالكُربة والكرب وثم للتراخي الزماني والمعنى لا يكن حالُكم عليكم غمةً وتخلّصوا بإهلاكي من ثِقَل مقامي وتذكيري ولا يخفى أنه لا يساعده قولُه ﴿ثُمَّ اقضوا إِلَىَّ وَلَا تُنظِرُونَ﴾ أي أدّوا إليّ أي أحكِمُوا ذلك الأمرَ الذي تريدون بي ولا تمهلوني كقوله تعالى وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الامر أو أدوا إلي ما هو حقٌّ عليكم عندكم من إهلاكي كما يقضي الرجلُ غريمَه فإن توسيطَ ما يحصل بعد الإهلاك بين الأمر بالعزم على مباديه وبين الأمر بقضائه من قبيل الفصل بين الشجر ولِحائِه وقرىء أفضوا بالفاء أي انتهوا إليّ بشرّكم أو ابرُزوا إليّ من أفضى إذا خرج إلى الفضاء

стр. 2446

﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ﴾ الفاءُ لترتيب التولِّي على ما سبق فالمرادُ به إما الاستمرارُ عليه وإما إحداثُ التولّي المخصوصِ أي إن أعرضتم عن نصيحتي وتذكيري إثرَ ما شاهدتم مني من مخايل صحةِ ما أقول ودلائلِها التي من جملتها دعوتي إياكم جميعاً إلى تحقيق ما تريدون بي من السوء غيرَ مبالٍ بكم وبما يأتي منكم وإحجامُكم من الإجابة علماً منكم بأني على الحق المبين مؤيدٌ من عندِ الله العزيز ﴿فَمَا سَأَلْتُكُمْ﴾ بمقابلة وعظي وتذكيري ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ تؤدّونه إلي حتى يؤدي ذلك إلى توليكم إما لاتهامكم إياي بالطمع والسؤالِ وإما لثقلِ دفع المسئول عليكم أو حتى يضرّني توليكم المؤدِّي إلى الحرمان فالأولُ لإظهار بطلان التولي ببيان عدمِ ما يصححه والثاني لإظهار عدم مبالاتِه ﷺ بوجوده وعدمه وعلى التقديرين فالفاء الجزائيةُ لسببية الشرطِ لإعلام مضمونِ الجزاءِ لا لنفسه والمعنى إن توليتم فاعلموا أن ليس في مصحِّح له ولا تأثّرٍ منه وَقَولُهُ ﴿إِنَّ أجرى إلا على الله﴾ ينتظم المعنيين جميعاً خلا أنه على الأول تأكيدٌ وعلى الثاني تعليلٌ لاستغنائه ﷺ عنهم أي ما ثوابي على العِظة والتذكير إلا عليه تعالى يُثيبني به آمنتم أو توليتم ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين﴾ المنقادين لحكمه لا أخالف أمرَه ولا أرجو غيرَه أو المستسلمين لكل ما يصيب من البلاء في طاعة الله تعالى

стр. 2447

﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ فأصروا على ما هم عليه من التكذيب بعد ما ألزمهم الحجةَ وبيّن لهم المَحَجّةَ وحقق أن تولّيَهم ليس له سببٌ غيرُ التمردِ والعناد فلا جرم حقت عليهم كلمةُ العذاب ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِى الفلك﴾ من المسلمين وكانوا ثمانين ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ﴾ من الهالكين ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي بالطوفان وتأخيرُ ذكره عن ذكر الإنجاءِ والاستخلاف حسبما وقع في قولِه عز وعلا وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا والذين آمنوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا وَأَخَذَتِ الذين ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ وغيرِ ذلك من الآيات الكريمة لإظهار كمالِ العنايةِ بشأن المقدّمِ ولتعجيل المسرةِ للسامعين وللإيذان بسبق الرحمةِ التي هي من مقتضيات الربوبية على الغضب الذي هو من مستتبعات

стр. 2448

سورة يونس (٧٤) جرائمِ المجرمين ٨ - ﴿فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المنذرين﴾ تهويلٌ لما جرى عليهم وتحذيرٌ لمن كذب الرسول ﷺ وتسلية له صلى الله عليه وسلم

стр. 2449

﴿ثُمَّ بَعَثْنَا﴾ أي أرسلنا ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ أي من بعد نوحٍ ﵇ ﴿رُسُلاً﴾ التنكير للتفخيم ذاتاً ووصفاً أي رسلاً كراماً ذوي عددٍ كثير ﴿إلى قَوْمِهِمْ﴾ أي إلى أقوامهم لكن لا بأن أرسلنا كلَّ رسولٍ منهم إلى أقوام الكل أو إلى قوم ما أيَّ قومٍ كانوا بل كلُّ رسولٍ إلى قومه خاصة مثلُ هودٍ إلى عاد وصالحٍ إلى ثمودَ وغير ذلك ممن قُصَّ منهم ومن لم يقص ﴿فجاؤوهم﴾ أي جاء كلُّ رسولٍ قومَه المخصوصين به ﴿بالبينات﴾ أي المعجزات الواضحةِ الدالةِ على صدق ما قالوا والباءُ إما متعلقةٌ بالفعل المذكور على أنها للتعدية أو بمحذوفٍ وقعَ حالاً من ضمير جاءوا أي ملتبسين بالبينات لكن لا بأن يأتيَ كلُّ رسولٍ ببينة واحدة بل ببينات كثيرة خاصةٍ به معينةٍ له حسب اقتضاءِ الحِكمة فإن مراعاة انقسام الآحاد إلى الآحاد إنما هي فيما بين ضميري جاءوهم كما أشير إليه فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بيانٌ لاستمرار عدم إيمانهم في الزمان الماضي لا لعدم استمرارِ إيمانِهم كما مر مثلُه في هذه السورةِ الكريمةِ غيرَ مرة أي فما صح وما استقام لقوم من أولئك الأقوامِ في وقتٍ من الأوقاتِ أن يؤمنوا بل كان ذلك ممتنعاً منهم لشدة شكيمتِهم في الكفر والعناد ثم إن كان المحكيُّ آخرَ حال كلِّ قومٍ حسبما يدل عليه حكايةُ قوم نوحٍ فالمراد بعدم إيمانِهم المذكور ههنا إصرارُهم على ذلك بعد اللتيا والتي وبما أشير إليه في قولِه بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قبل تكذيبهم من حين مجيء الرسل إلى زمان الإصرارِ والعناد وإنما لم يُجعل ذلك مقصوداً بالذات كالأول حيث جُعل صلةً للموصول إيذاناً بأنه بيِّنٌ بنفسه غنيٌّ عن البيان وإنما المحتاجُ إلى ذلك عدمُ إيمانِهم بعد تواتر البينات الظاهرة وتظاهر المعجزات الباهرة التي كانت تضطرهم إلى القبول لو كانوا من أصحاب العقول والموصول الذي تعلق به الإيمان والتكذيب سلبا وإيجاباً عبارةٌ عن جميع الشرائعِ التي جاء بها كلُّ رسولٍ أصولِها وفروعِها وإن كان المحكيُّ جميعَ أحوال كل قوم منهم فالمراد بما ذكر أولا كفرُهم المستمرُّ من حين مجئ الرسلِ إلى آخره وبما أشير إليه آخرا تكذيبهم قبل مجيئهم فلابد من كون الموصولِ المذكور عبارة عن أصول الشرائعِ التي أجمعت عليها الرسلُ قاطبة ودعوا أممهم إليها آثر ذي أثير لاستحالة تبدلها وتغيرها مثل ملة التوحيد ولوازمِها ومعنى تكذيبهم بها قبل مجئ رسلهم أنهم ما كانوا في زمن الجاهلية بحيث لم يسمعوا بكلمة التوكيد قط بل كان كلُّ قومٍ من أولئك الأقوام يتسامعون بها من بقايا من قبلهم كثمودَ من بقايا عادٍ وعادٍ من بقايا قومُ نوحٍ ﵇ فيكذبونها ثم كانت حالتُهم بعد مجيء الرسلِ كحالتهم قبل ذلك كأن لم يبعث إليهم أحد وتخصيص التكذيب وعدم الإيمان بما ذكر من الأصول لظهور حال الباقي بدلالة النص فإنهم حيث لم يؤمنوا بما أجمعت عليه كافة الرسل فلأن لا يؤمنوا بما تفرَّد به بعضهم أولى وعدم جعل هذا التكذيبِ مقصوداً بالذات لما أن ما عليه يدورُ أمرُ العذابِ والعقابِ

стр. 2450

سورة يونس (٧٥) (٧٦) عند اجتماعِ المكذِّبين هو التكذيبُ الواقعُ بعد الدعوةِ حسبما يُعرب عنه قوله تعالى وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً وإنما ذُكر ما وقع قبلها بياناً لعراقتهم في الكفر والتكذيبِ وعلى التقديرين فالضمائرُ الثلاثة متوافقة في المرجع وقيل ضميرُ كذبوا راجعٌ إلى قومُ نوحٍ ﵇ والمعنى فما كان قومُ الرسلِ ليؤمنوا بما كَذب بمثله قومُ نوح ولا يَخْفى ما فيهِ من التعسف وقيل الباءُ للسببية أي بسبب تعوُّدِهم تكذيب الحق وتمرنهم عليه قبل بعثة الرسل ولا يخفى أن ذلك يؤدّي إلى مخالفة الجمهورِ من جعل ما المصدريةِ من قبيل الأسماء كما هو رأيُ الأخفشِ وابنِ السرّاج ليرجِع إليها الضميرُ وفي إرجاعه إلى الحق بادعاء كونِه مركوزاً في الأذهان مالا يخفى من التعسف ﴿كذلك﴾ أي مثلَ ذلك الطبعِ المُحكَم ﴿نَطْبَعُ﴾ بنون العظمةِ وقرئ بالياء على أن الضمير لله سبحانه ﴿على قُلوبِ المعتدين﴾ المتجاوزين عن الحدود المعهودةِ في الكفر والعناد المتجافين عن قَبول الحق وسلوكِ طريقِ الرشادِ وذلك بخذلانهم وتخليتهم وشأنَهم لانهماكهم في الغيّ والضلالِ وفي أمثال هذا دلالةٌ على أن الأفعالَ واقعةٌ بقدرة الله تعالى وكسب العبد

стр. 2451

﴿ثُمَّ بَعَثْنَا﴾ عطفٌ على قوله تعالى ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إلى قَوْمِهِمْ عطفَ قصةٍ على قصة ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ أي من بعد أولئك الرسلِ ﵈ ﴿موسى وهارون﴾ خُصّت بعثتُهما ﵉ بالذكر ولم يُكتفَ باندراج خبرِهما فيما أشير إليه إشارة إجمالية من أخبار الرسل ﵈ مع أقوامهم وأُوثر في ذلك ضربُ تفصيلٍ إيذاناً بخطر شأنِ القصةِ وعِظَمِ وقعها كما في نبأ نوح ﵇ ﴿إلى فرعون وَمَلَئِهِ﴾ أي أشرافِ قومِه وتخصيصُهم بالذكر لأصالتهم في إقامة المصالحِ والمُهمّات ومراجعةِ الكل إليهم في النوازل والملمات ﴿آياتنا﴾ أي ملتبسين بها وهي الآياتُ المفصّلات في الأعراف فاستكبروا الاستكبارُ ادعاءُ الكِبْر من غير استحقاقٍ والفاءُ فصيحة أي فأتيَاهم فبلغاهم الرسالةَ فاستكبروا عن اتباعهما وذلك قول للعين لموسى ﵇ أَلَمْ نُرَبّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ الخ ﴿وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ﴾ اعتراضٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبله أي كانوا معتادين لارتكاب الذنوبِ العظامِ فإن الإجرامَ مؤذنٌ بعظم الذنبِ ومنه الجِرمُ أي الجثة فلذلك اجترءوا على ما اجترءوا عليه من الاستهانة برسالةِ الله تعالى وحملُ الاستكبارِ على الامتناع عن قَبول الآيات لا يساعده قولُه عزو علا

стр. 2452

﴿فلما جاءهم الحق من عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ فإنه صريحٌ في أن المرادَ باستكبارهم ما وقع منهم قبل مجئ الحقِّ الذي سمَّوه سحراً أغنى العصا واليدَ البيضاءَ كما ينبئ عنه سياقُ النظمِ الكريم وذلك أولُ ما أظهره ﷺ من الآياتِ العظام والفاء فيه أيضاً فصيحةٌ معربةٌ عما صُرِّح به في مواضعَ أُخَرَ كأنَّه قيل قال موسى قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيّنَةٍ مّن رَّبّكُمْ إلى قوله تعالى فألقى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَاء للناظرين فلما جاءهم الحقُّ من عندنا وعرَفوه قالوا من فَرْط عتوِّهم

стр. 2453

سورة يونس (٧٧) وعنادهم إن هذا السحر مبين أي ظاهرٌ كونُه سحراً أو فائقٌ في بابه واضحٌ فيما بين أضرابه وقرئ لساحر

стр. 2454

﴿قَالَ موسى﴾ استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال تنساقُ إليه الأذهانُ كأنَّه قيلَ فماذَا قالَ لهم موسى حينئذٍ فقيل قال على طريقة الاستفهامِ الإنكاريِّ التوبيخيِّ ﴿أَتقُولُونَ لِلْحَقّ﴾ الذي هو أبعدُ شيءٍ من السحر الذي هو الباطلُ البحتُ ﴿لَمَّا جَاءكُمْ﴾ أي حين مجيئِه إياكم ووقوفِكم عليه أو من أول الأمر من غير تأمل وتدبرٍ وكلا الحالين مما ينافي القولَ المذكور والمقولُ محذوفٌ ثقةً بدِلالة ما قبلَهُ وما بعده عليه وإيذاناً بأنه مما لا ينبغي أن يُتفوَّه به ولو على نهج الحكاية أي أتقولون له ما تقولون من أنه سحرٌ يعني به أنه مما لا يمكن أن يقوله قائلٌ ويتكلمَ به متكلمٌ أو القول بمعنى العيب والطعن من قولهم فلان يخاف القالَةَ وبين الناسِ تقاولٌ إذا قال بعضهم لبعض ما يسوؤه ونظيرُه الذكرُ في قوله تعالى سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ الخ فيُستغنى عن المفعول أي أتعيبونه وتطعنون فيه وعلى الوجهين فقوله ﴿أَسِحْرٌ هذا﴾ إنكارٌ مستأنفٌ من جهته ﵇ لكونه سحراً وتكذيبٌ لقولهم وتوبيخٌ لهم على ذلك إثرَ توبيخٍ وتجهيلٌ بعد تجهيلٍ أما على الأول فظاهرٌ وأما على الثاني فوجهُ إيثارِ إنكارِ كونه سحراً على إنكار كونِه معيباً بأن يقال مثلاً أفيه عيبٌ حسبما يقتضيه ظاهرُ الإنكارِ السابق التصريحَ بالرد عليهم في خصوصية ما عابوه به بعد التنبيهِ بالإنكار السابقِ على أن ليس فيه شائبةُ عيبٍ ما وما في هذا من معنى القربِ لزيادة تعيينِ المشارِ إليه واستحضارِ ما فيه من الصفات الدالةِ على كونه آيةً باهرةً من آيات الله المناديةِ على امتناع كونِه سحراً أي أسحرٌ هذا الذي أمرُه واضحٌ مكشوفٌ وشأنُه مشاهَدٌ معروفٌ بحيث لا يرتاب فيه أحدٌ ممن له عين مبُصِرةٌ وتقديمُ الخبر للإيذان بأنه مصب الإنكارِ ولما استلزَم كونُه سحراً كونَ من أتى به ساحراً أكِّد الإنكارُ السابق وما فيه من التوبيخ والتجهيل بقوله ﴿وَلَا يُفْلِحُ الساحرون﴾ وهو جملةٌ حالية من ضمير المخاطَبين والرابطُ هو الواو بلا ضمير كما في قول من قال ... جاء الشتاءُ ولست أملِك عُدّةً ... وقولك جاء زيدٌ ولم تطلُع الشمس أي أتقولون للحق إنه سحرٌ والحالُ أنه لا يُفلح فاعلُه أي لا يظفَر بمطلوب ولا ينجو من مكروه فكيف يمكن صدورُه من مثلي من المؤيَّدين من عند الله العزيزِ الحكيم الفائزين بكل مطلب الناجين من كل محذورٍ وقوله تعالى أَسِحْرٌ هذا جملةٌ معترضةٌ بين الحال وصاحبِها أكّد بها الإنكارُ السابقُ ببيان استحالةِ كونه سحراً بالنظر إلى ذاته قبل بيانِ استحالتِه بالنظر إلى صدوره عنه ﵇ هذا وأمَّا تجويزُ أنْ يكونَ الكلُّ مقولَ القولِ على أن المعنى أجئتما بالسحر تطلُبان به الفلاحَ ولا يفلح الساحرون فمما لا يساعده النظمُ الكريم أصلاً أما أولاً فلأن ما قالوا هو الحكمُ بأنه سحرٌ من غير أن يكون فيه دِلالةٌ على ما تعسف فيه من المعنى بوجه من الوجوه فصرف جوابه ﷺ عن صريح ما خاطبوه به إلى مالا يُفهم منه أصلاً مما يجب تنزيهُ النظمِ التنزيليِّ عن الحمل على أمثاله وأما ثانياً فلأن التعرضَ لعدم إفلاحِ السحرةِ على الإطلاق من وظائف من يتمسك بالحق المبينِ دون الكفرة المتشبثين بأذيال بعضٍ منهم في معارضته ﷺ ولو كان ذلك من كلامهم لناسب تخصيصَ عدم الإفلاح بمن زعموه ساحراً بناءً على غلبة من يأتون به من السحرة وأما ثالثاً فلأن قولَه عز وجل

стр. 2455

سورة يونس (٧٨) (٧٩) (٨٠) (٨١)
следующие страницы →