← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

﴿ثُمَّ بَعَثْنَا﴾ عطفٌ على قوله تعالى ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إلى قَوْمِهِمْ عطفَ قصةٍ على قصة ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ أي من بعد أولئك الرسلِ ﵈ ﴿موسى وهارون﴾ خُصّت بعثتُهما ﵉ بالذكر ولم يُكتفَ باندراج خبرِهما فيما أشير إليه إشارة إجمالية من أخبار الرسل ﵈ مع أقوامهم وأُوثر في ذلك ضربُ تفصيلٍ إيذاناً بخطر شأنِ القصةِ وعِظَمِ وقعها كما في نبأ نوح ﵇ ﴿إلى فرعون وَمَلَئِهِ﴾ أي أشرافِ قومِه وتخصيصُهم بالذكر لأصالتهم في إقامة المصالحِ والمُهمّات ومراجعةِ الكل إليهم في النوازل والملمات ﴿آياتنا﴾ أي ملتبسين بها وهي الآياتُ المفصّلات في الأعراف فاستكبروا الاستكبارُ ادعاءُ الكِبْر من غير استحقاقٍ والفاءُ فصيحة أي فأتيَاهم فبلغاهم الرسالةَ فاستكبروا عن اتباعهما وذلك قول للعين لموسى ﵇ أَلَمْ نُرَبّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ الخ ﴿وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ﴾ اعتراضٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبله أي كانوا معتادين لارتكاب الذنوبِ العظامِ فإن الإجرامَ مؤذنٌ بعظم الذنبِ ومنه الجِرمُ أي الجثة فلذلك اجترءوا على ما اجترءوا عليه من الاستهانة برسالةِ الله تعالى وحملُ الاستكبارِ على الامتناع عن قَبول الآيات لا يساعده قولُه عزو علا

стр. 2452

﴿فلما جاءهم الحق من عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ فإنه صريحٌ في أن المرادَ باستكبارهم ما وقع منهم قبل مجئ الحقِّ الذي سمَّوه سحراً أغنى العصا واليدَ البيضاءَ كما ينبئ عنه سياقُ النظمِ الكريم وذلك أولُ ما أظهره ﷺ من الآياتِ العظام والفاء فيه أيضاً فصيحةٌ معربةٌ عما صُرِّح به في مواضعَ أُخَرَ كأنَّه قيل قال موسى قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيّنَةٍ مّن رَّبّكُمْ إلى قوله تعالى فألقى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَاء للناظرين فلما جاءهم الحقُّ من عندنا وعرَفوه قالوا من فَرْط عتوِّهم

стр. 2453

سورة يونس (٧٧) وعنادهم إن هذا السحر مبين أي ظاهرٌ كونُه سحراً أو فائقٌ في بابه واضحٌ فيما بين أضرابه وقرئ لساحر

стр. 2454

﴿قَالَ موسى﴾ استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال تنساقُ إليه الأذهانُ كأنَّه قيلَ فماذَا قالَ لهم موسى حينئذٍ فقيل قال على طريقة الاستفهامِ الإنكاريِّ التوبيخيِّ ﴿أَتقُولُونَ لِلْحَقّ﴾ الذي هو أبعدُ شيءٍ من السحر الذي هو الباطلُ البحتُ ﴿لَمَّا جَاءكُمْ﴾ أي حين مجيئِه إياكم ووقوفِكم عليه أو من أول الأمر من غير تأمل وتدبرٍ وكلا الحالين مما ينافي القولَ المذكور والمقولُ محذوفٌ ثقةً بدِلالة ما قبلَهُ وما بعده عليه وإيذاناً بأنه مما لا ينبغي أن يُتفوَّه به ولو على نهج الحكاية أي أتقولون له ما تقولون من أنه سحرٌ يعني به أنه مما لا يمكن أن يقوله قائلٌ ويتكلمَ به متكلمٌ أو القول بمعنى العيب والطعن من قولهم فلان يخاف القالَةَ وبين الناسِ تقاولٌ إذا قال بعضهم لبعض ما يسوؤه ونظيرُه الذكرُ في قوله تعالى سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ الخ فيُستغنى عن المفعول أي أتعيبونه وتطعنون فيه وعلى الوجهين فقوله ﴿أَسِحْرٌ هذا﴾ إنكارٌ مستأنفٌ من جهته ﵇ لكونه سحراً وتكذيبٌ لقولهم وتوبيخٌ لهم على ذلك إثرَ توبيخٍ وتجهيلٌ بعد تجهيلٍ أما على الأول فظاهرٌ وأما على الثاني فوجهُ إيثارِ إنكارِ كونه سحراً على إنكار كونِه معيباً بأن يقال مثلاً أفيه عيبٌ حسبما يقتضيه ظاهرُ الإنكارِ السابق التصريحَ بالرد عليهم في خصوصية ما عابوه به بعد التنبيهِ بالإنكار السابقِ على أن ليس فيه شائبةُ عيبٍ ما وما في هذا من معنى القربِ لزيادة تعيينِ المشارِ إليه واستحضارِ ما فيه من الصفات الدالةِ على كونه آيةً باهرةً من آيات الله المناديةِ على امتناع كونِه سحراً أي أسحرٌ هذا الذي أمرُه واضحٌ مكشوفٌ وشأنُه مشاهَدٌ معروفٌ بحيث لا يرتاب فيه أحدٌ ممن له عين مبُصِرةٌ وتقديمُ الخبر للإيذان بأنه مصب الإنكارِ ولما استلزَم كونُه سحراً كونَ من أتى به ساحراً أكِّد الإنكارُ السابق وما فيه من التوبيخ والتجهيل بقوله ﴿وَلَا يُفْلِحُ الساحرون﴾ وهو جملةٌ حالية من ضمير المخاطَبين والرابطُ هو الواو بلا ضمير كما في قول من قال ... جاء الشتاءُ ولست أملِك عُدّةً ... وقولك جاء زيدٌ ولم تطلُع الشمس أي أتقولون للحق إنه سحرٌ والحالُ أنه لا يُفلح فاعلُه أي لا يظفَر بمطلوب ولا ينجو من مكروه فكيف يمكن صدورُه من مثلي من المؤيَّدين من عند الله العزيزِ الحكيم الفائزين بكل مطلب الناجين من كل محذورٍ وقوله تعالى أَسِحْرٌ هذا جملةٌ معترضةٌ بين الحال وصاحبِها أكّد بها الإنكارُ السابقُ ببيان استحالةِ كونه سحراً بالنظر إلى ذاته قبل بيانِ استحالتِه بالنظر إلى صدوره عنه ﵇ هذا وأمَّا تجويزُ أنْ يكونَ الكلُّ مقولَ القولِ على أن المعنى أجئتما بالسحر تطلُبان به الفلاحَ ولا يفلح الساحرون فمما لا يساعده النظمُ الكريم أصلاً أما أولاً فلأن ما قالوا هو الحكمُ بأنه سحرٌ من غير أن يكون فيه دِلالةٌ على ما تعسف فيه من المعنى بوجه من الوجوه فصرف جوابه ﷺ عن صريح ما خاطبوه به إلى مالا يُفهم منه أصلاً مما يجب تنزيهُ النظمِ التنزيليِّ عن الحمل على أمثاله وأما ثانياً فلأن التعرضَ لعدم إفلاحِ السحرةِ على الإطلاق من وظائف من يتمسك بالحق المبينِ دون الكفرة المتشبثين بأذيال بعضٍ منهم في معارضته ﷺ ولو كان ذلك من كلامهم لناسب تخصيصَ عدم الإفلاح بمن زعموه ساحراً بناءً على غلبة من يأتون به من السحرة وأما ثالثاً فلأن قولَه عز وجل

стр. 2455

سورة يونس (٧٨) (٧٩) (٨٠) (٨١)

стр. 2456

﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا﴾ الخ مسوقٌ لبيان أنه ﷺ ألقمهم الحجرَ فانقطعوا عن الإتيان بكلام له تعلقٌ بكلامه ﷺ فضلاً عن الجواب الصحيحِ واضطروا إلى التثبت بذيل التقليدِ الذي هو دأبُ كل عاجزٍ محجوجٍ وديدن كل معاند لجوج على أنه استئنافٌ وقع جوابا عما قبله من كلامه ﷺ على طريقة قوله تعالى قَالَ موسى الخ حسبما أشير إليه كأنه قيل فماذا قالوا لموسى ﵇ عندما قال لهم ما قال فقيل قالوا عاجزين عن المحاجّة أجئتنا ﴿لِتَلْفِتَنَا﴾ أي لتصْرِفنا فإن الفتلَ واللفتَ أخوَان ﴿عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آباءنا﴾ أي من عبادة الأصنامِ ولا ريب في أن ذلك إنما يتسنى بكون ما ذكر من تتمة كلامِه ﵇ على الوجه الذي شرح إذ على تقدير كونِه محكياً من قِبَلهم يكون جوابُه ﵇ خاليا عن التبكيت الملجئ لهم إلى العدول عن سنن المُحاجّة ولا ريب في أنه لا علاقةَ بين قولِهم أجئتنا الخ وبن انكارِه ﵇ لما حكى عنهم مصصحة لكونه جواباً عنه ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الكبرياء﴾ أي المُلكُ أو التكبرُ على الناس باستتباعهم وقرئ ويكون بالياء التحتانية وكلمة في في قولِه تعالى ﴿فِى الأرض﴾ أي أرضِ مصرَ متعلقةٌ بتكون أو بالكبرياء أو بالاستقرار في لكما لوقوعه خبراً أو بمحذوفٍ وقعَ حالاً من الكبرياء أو من الضميرِ في لكما لتحمُّله إياه ﴿وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي بمصدّقين فيما جئتما به وتثنيةُ الضمير في هذين الموضعين بعد إفرادِه فيما تقدم من المقامين باعتبار شمولِ الكبرياءِ لهما ﵉ واستلزامِ التصديقِ لأحدهما التصديقَ للآخر وأما اللفت والمجئ له فحيث كانا من خصائص صاحب الشريعةِ أسند إلى مُوسى ﵇ خاصة

стр. 2457

﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ﴾ توحيدُ الفعلِ لأن الأمرَ من وظائف فرعونَ أي قال لملئه يأمرهم بترتيب مبادئ إلزامهما ﵉ بالفعل بعد اليأس من إلزامها بالقول ﴿ائتونى بِكُلّ ساحر عَلِيمٍ﴾ بفنون السحر حاذقٍ ماهر فيه وقرئ سحار

стр. 2458

﴿فَلَمَّا جَاء السحرة﴾ عطف على مقدرٍ يستدعيهِ المقامُ قد حذف إيذاناً بسرعة امتثالِهم لأمر فرعونَ كما هو شأنُ الفاء الفصيحة في كل مقام أي فأتوا به فلما جاءوا ﴿قَالَ لَهُمْ موسى﴾ لكنْ لا في ابتداء مجيئِهم بل بعد ما قالوا ﵇ ما حُكي عنهم في السور الأُخَرِ من قولهم إِمَّا أَن تُلْقِىَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الملقين ونحو ذلك ﴿أَلْقُواْ مَا أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾ أي ملقون له كائناً ما كانَ منْ أصناف السحر

стр. 2459

﴿فَلَمَّا أَلْقُوْاْ﴾ ما ألقَوْا من العِصِيّ والحبالِ واسترهبوا الناس وجاءوا بسحر عظيم ﴿قَالَ﴾ لهم ﴿موسى﴾ غيرَ مكترثٍ بهم وبما صنعوا ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السحر﴾ ما موصولةٌ

стр. 2460

سورة يونس (٨٢) (٨٣) وقعت مبتدأ والسحرُ خبرُه أي هو السحرُ لا ما سماه فرعونُ وقومه من آيات الله سبحانه أو هو من جنس السحرِ يُريهم أن حالَه بيِّن لا يُعبأ به كأنه قال ما جئتم به مما لا ينبغي أن يجاء به وقرئ آلسحر على الاسفهام فما استفهاميةٌ أي أيُّ شيء جئتم به أهو السحرُ الذي يعرِف حالَه كلُّ أحدٍ ولا يتصدى له عاقل وقرئ ما جئتم به سحرٌ وقرئ ما أتيتم به سحرٌ ودلالتُهما على المعنى الثاني في القراءة المشهورة أظهرُ ﴿إِنَّ الله سَيُبْطِلُهُ﴾ أي سيمحقه بالكلية بما يُظهره على يدي من المعجزة فلا يبقى له أثرٌ أصلا أو سظهر بطلانُه للناس والسين للتأكيد ﴿إِنَّ الله لَا يُصْلِحُ عَمَلَ المفسدين﴾ أي عملَ جنسِ المفسدين على الإطلاق فيدخل فيه السحرُ دخولاً أولياً أو عملُكم فيكون من باب وضعِ المُظْهر موضعَ المُضمَرِ للتسجيل عليهم بالإفساد والإشعارِ بعلة الحكم وليس المرادُ بعدم إصلاحِ عملِهم عدَم جعل فسادِهم صلاحا بل عدم إثابته وإتمامِه أي لا يُثبته ولا يكلمه ولا يُديمه بل يمحقه وبهلكه ويسلِّط عليه الدمارَ والجملةُ تعليلٌ لما سبق من قوله إِنَّ الله سَيُبْطِلُهُ والكلُّ اعتراضٌ تذييليٌّ وفيه دليلٌ على أنَّ السحر إفسادٌ وتمويهٌ لا حقيقةٌ له

стр. 2461

﴿وَيُحِقُّ الله الحق﴾ عطفٌ على قوله سيبطله أي يثبته ويقوّيه وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في المقامين الأخيرين لإلقاء الروعةِ وتربيةِ المهابةِ ﴿بكلماته﴾ بأوامره وقضاياه وقرئ بكلمته ﴿وَلَوْ كَرِهَ المجرمون﴾ ذلك والمرادُ بهم كلُّ منِ اتَّصف بالإجرامِ من السحرة وغيرهم

стр. 2462

﴿فما آمن لموسى﴾ معطوفٌ على مقدر قد فصل في مواقعَ أُخَرَ أي فألقى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ تلقف ما يأفِكون الخ وإنما لم يذكر تعويلاً على ذلك وإيثار للإيجاز وإيذاناً بأن قوله تعالى إِنَّ الله سَيُبْطِلُهُ مما لا يحتمل الخُلفَ أصلاً وعطفُه على ذلك بالفاء مع كونه عدماً مستمراً من قبيل ما في قوله فاتبعوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وما في قولك وعظتُه فلم يتَّعِظْ وصِحْتُ به فلم ينزجِرْ والسرُّ في ذلك أن الإتيان بالشئ بعد ورود ما يوجب الإقلاعَ عنه وإن كان استمرار عليه لكنه بحسَب العنوان فعلٌ جديدٌ وصنعٌ حادثٌ أي فما آمن له ﵇ بمشاهدة تلك الآياتِ القاهرة ﴿إِلَاّ ذُرّيَّةٌ مّن قَوْمِهِ﴾ أي إلا أولادٌ من أولاد قومِه بني إسرائيلَ حيث دعا الآباءَ فلم يجيبوه خوفاً من فروعون وأجابتْه طائفةٌ من شبانهم وقيل الضميرُ لفرعون والذريةُ طائفة من شبابهم آمنوا به ﵇ أو مؤمنُ آلِ فرعونَ وامرأتُه آسيةُ وخازنُه وامرأتُه وماشطته وهو بعيد ﴿على خَوْفٍ﴾ أي كائنين على خوف عظيم ﴿مِن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِم﴾ الضميرُ لفرعون والجمعُ لما هو المعتادُ في ضمائر العظماءِ ولا يأباه مقامُ بيانِ علوِّه في الفساد وغلوِّه في الشر والتسلطِ على العباد أو لأنَّ المرادَ بهِ آلُه كما يقال ربيعةُ ومضرُ أو للذرية أو للقوم أي على خَوْفٍ مّن فرعونَ ومن أشراف بني إسرائيلَ حيث كانوا يمنعون أعقابَهم خوفاً من فرعونَ عليهم وعلى أنفسهم ﴿أَن يَفْتِنَهُمْ﴾

стр. 2463

سورة يونس (٨٤) (٨٥) (٨٦) (٨٧) أي يعذّبَهم وهو بدلُ اشتمالٍ أو مفعولُ خوفٍ فإن إعمالَ المصدرِ المنكّر كثيرٌ كما في قوله أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ يَتِيماً أو مفعولٌ له بعد حذفِ اللامِ وإسنادُ الفعلِ إلى فرعون خاصةً لأنه الآمرُ بالتعذيب ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الارض﴾ لغالبٌ في أرض مصرَ ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ المسرفين﴾ في الظلم والفسادِ بالقتلِ وسفكِ الدماءِ أو في الكبر والعتوِّ حتى ادّعى الربوبيةَ واسترقَّ أسباطَ الأنبياءِ والجملتانِ اعتراضٌ تذييليٌّ مؤكدٌ لمضمون ما سبق

стр. 2464

﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ لما رأى تخوف المؤمنين منه ﴿يا قوم إن كنتم آمنتم بالله﴾ أي صدقتم به وبآياته ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ﴾ وبه ثقِوا ولا تخافوا أحداً غيرَه فإنه كافيكم كلَّ شرَ وضُرّ ﴿إِن كُنْتُم مُّسْلِمِينَ﴾ مستسلمين لقضاءِ الله تعالى مخلِصين له وليس هذا من تعليل الحكم بشرطين فإن المعلل بالإيمان وجوبُ التوكلِ عليه تعالى فإنه المقتضي له والمشروط بالإسلام وجودُه فإنه لا يتحقق مع التخليط ونظيرُه إنْ أحسنَ إليك زيدٌ فأحسنْ إليه إن قدَرتَ عليه

стр. 2465

﴿فَقَالُواْ﴾ مجيبين له ﵇ من غير تلعثم في ذلك ﴿عَلَى الله تَوَكَّلْنَا﴾ لأنهم كانوا مؤمنين مخلِصين ثم دعَوا ربَّهم قائلين ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً﴾ أي موقعَ فتنةٍ ﴿لّلْقَوْمِ الظالمين﴾ أي لا تسلِّطْهم علينا حتى يعذّبونا أو يفتنونا عن ديننا أو يُفتَتنوا بنا ويقولوا لو كان هؤلاء على الحق لَما أصيبوا وقوله تعالى

стр. 2466

﴿وَنَجّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القوم الكافرين﴾ دعاءٌ منهم بالإنجاء من سوء جوارِهم وشؤمِ مصاحبتِهم بعد الإنجاءِ من ظلمهم ولذلك عبر عنهم بالكفر بعد ما وُصفوا بالظلم وفي ترتيب الدعاءِ على التوكل تلويحٌ بأن الداعَي حقُّه أن يبنيَ دعاءَه على التوكلِ على الله تعالى

стр. 2467

﴿وَأَوْحَيْنَا إلى موسى وَأَخِيهِ أن تبوآ﴾ أنْ مفسرةٌ لأنّ في الوحي معنى القولِ أي اتخذا مَباءةً ﴿لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ تسكُنون فيها وترجِعون إليها للعبادة ﴿واجعلوا﴾ أنتما وقومكما ﴿بُيُوتِكُمْ﴾ تلك ﴿قِبْلَةَ﴾ مصلّىً وقيل مساجدَ متوجهةً نحو القِبلة يعني الكعبةَ فإن موسى ﵇ كان يصلي إليها ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أي فيها أُمروا بذلك في أول أمرهم لئلا يظهرَ عليهم الكفرةُ فيؤذوهم ويفتِنوهم عن دينهم ﴿وَبَشّرِ المؤمنين﴾ بالنصرة في الدنيا إجابةً لدعوتهم والجنةِ في العقبى وإنما ثُنِّيَ الضميرُ أولاً لأن التبوُّؤَ للقوم واتخاد المعابد مما يتولاه رؤساءُ القوم بتشاور ثم جُمع لأن جعلَ البيوتِ مساجدَ والصلاةَ فيها مما يفعله كلُّ أحدٍ ثم وُحِّد لأن بشارةَ الأمةِ وظيفةُ صاحبِ الشريعة ووضعُ المؤمنين موضعَ ضميرِ القوم لمدحهم بالايمان وللإشعار بأنه المدارُ في التبشير

стр. 2468

سورة يونس (٨٨) (٨٩) (٩٠)

стр. 2469

﴿وَقَالَ موسى رَبَّنَا إِنَّكَ آتيت فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً﴾ أي ما يُتزَيَّن به من اللباس والمراكبِ ونحوِها ﴿وَأَمْوَالاً﴾ وأنواعاً كثيرةً من المال ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِك﴾ دعاءٌ عليهم بلفظ الأمرِ بما عُلم بممارسة أحوالِهم أنه لا يكون غيرُه كقولك لعن الله إبليسَ وقيل اللامُ للعاقبة وهي متعلقةٌ بآتيتَ أو للعلة لأن إيتاءَ النعم على الكفر استدراجٌ وتثبيت على الضلال ولأنهم لما جعلوها ذريعةً إلى الضلال فكأنهم أُوتوها ليضلوا فيكون ربنا تكرير للأول تأكيداً أو تنبيهاً على أنَّ المقصودَ عرضُ ضلالِهم وكفرانِهم تقدمةً لقوله تعالى ﴿رَبَّنَا اطمس على أموالهم﴾ الطمس المحو وقرئ بضم الميم أي أهلكْها ﴿واشدد على قُلُوبِهِمْ﴾ أي اجعلها قاسيةً واطبَع عليها حتى لا تنشرحَ للإيمان كما هو قضيةُ شأنهم ﴿فَلَا يُؤْمِنُواْ﴾ جوابٌ للدعاء أو دعاءٌ بلفظ النهي أو عطفٌ على ليضلوا وما بينهما دعاء معترض ﴿حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم﴾ أي يعاينوه ويوقنوا به بحيث لا ينفعهم ذلك إذ ذاك

стр. 2470

﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا﴾ يعنى موسى وهرون ﵉ لأنه كان يؤمن كما يشعر به إضافة الرب إلى ضمير المتكلم مع الغير في المواقعِ الثلاثةِ ﴿فاستقيما﴾ فاثبُتا على ما أنتما عليه من الدعوى وإلزام الحجةِ ولا تستعجلا فإن ماطلبتما كائنٌ في وقته لا محالة روي أنه مكث فيهم بعد الدعاء أربعين سنة ﴿وَلَا تَتَّبِعَانّ سَبِيلَ الذين لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي بعادات الله سبحانه في تعليق الأمور بالحكم والمصالح أو سبيل الجهلةِ في الاستعجال أو عدمِ الوثوق بوعد الله تعالى وقرئ بالنون الخفيفةِ وكسرِها لالتقاء الساكنين ولا تتْبعانِ من تبع ولا تتّبعانِ أيضاً

стр. 2471

﴿وجاوزنا ببني إسرائيل البحر﴾ هو من جاوز المكانَ إذا تخطاه وخلفه والباء للتعدية أي جعلناهم مجاوزين البحرَ بأن جعلناه يبساً وحفِظناهم حتى بلغوا الشط وقرئ جوّزنا وهو من التجويز المرادفِ للمجاوزة لا مما هو بمعنى التنفيذ نحو ما وقع في قول الأعشى ... كما جوّز السّكِّيَّ في الباب فيتقُ ... وإلا لقيل وجوزنا نبى إسرائيلَ في البحر ولخلا النظمُ الكريم عن الإيذان بانفصالهم عن البحر وبمقارنة العناية الإلهية لهم عند الجوازَ كما هو المشهور في الفرق بين أذهبه وذهَب به ﴿فَأَتْبَعَهُمْ﴾ يقال تبِعتُه حتى أتبعتُه إذا كان سبقك فلحقته أي أدركهم ولحِقهم ٨ - فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ ٨ حتى تراءت الفئتان وكاد يجتمع الجمعان ٨ - بَغْيًا وعدوا ٨ ظلما واعتداء

стр. 2472

سورة يونس (٩١) أي باغين وعادين أو للبغى والعدوان وقرئ وعدواً وذلك أن موسى ﵇ خرج ببني إسرائيلَ على حِينِ غفلةٍ مّنْ فرعون فلما سمع به تبِعهم حتى لحِقهم ووصل إلى الساحل وهم قد خرجوا من البحر ومسلُكهم باق على حاله يبَساً فسلكه بجنوده أجمعين فلما دخل آخرُهم وهم أولُهم بالخروج غشِيهم مّنَ اليم مَا غَشِيَهُمْ ﴿حتى إِذَا أَدْرَكَهُ الغرق﴾ أي لحقه وألجمه ﴿قال آمنت أَنَّهُ﴾ أي بأنه والضميرُ للشأن وقرئ أنه على الاستئناف بدلاً من آمنت وتفسير له ﴿لا إله إِلَاّ الذي آمنت به بنو إسرائيل﴾ لم يقل كما قاله السحرةُ آمنا بربّ العالمين رب موسى وهرون بل عبر عنه تعالى بالموصول وجعل صلتُه إيمانَ بني إسرائيل به تعالى للإشعار برجوعه عن الاستعصاء وباتباعه لمن كان يستتبعهم طمعاً في القبَول والانتظامِ معهم في سلك النجاة ﴿وَأَنَاْ مِنَ المسلمين﴾ أي الذين أسلموا نفوسَهم لله أى جعلوها سالمة خاصة له تعالى وأراد بهم إما بني إسرائيلَ خاصةً وإما الجنس وهم داخلون فيه دخولا أولياء والجملةُ على الأولِ عطفٌ على آمنت وإيثار الاسميةِ لا دعاء الدوامِ والاستمرارِ وعلى الثَّاني يحتملُ الحاليةَ أيضاً من ضمير المتكلمِ أي آمنتُ مخلصاً لله منتظماً في سلك الراسخين فيه ولقد كُرّر المعنى الواحد بثلاث عباراتٍ حرصاً على القبول المفضي إلى النجاة وهيهاتَ هيهاتَ بعد ما فات ما فات وأتى ما هو آت وقوله عز وجل

стр. 2473

٨ - ﴿الآن﴾ مقولٌ لقولٍ مقدرٍ معطوفٍ على قال أي فقيل آلآن وهو إلى قوله تعالى آية حكايةٌ لما جرى منه سبحانه من الغضب على المخذول ومقابلة ما أظهره بالرد على وجه الإنكارِ التوبيخيَّ على تأخيره وتقريعِه بالعصيان والإفساد وغير ذلك وفي حذف الفعل المذكورِ وإبرازِ الخبرِ المحكيِّ في صورة الإنشاءِ من الدِلالة على عظم السخطِ وشدةِ الغضب مالا يخفى كما يُفصح عنه ما روي من أن جبريل دس فاه عند ذلك يحال البحر وسده به فإنه تأكيد الرد القوليّ بالرد الفعليِّ ولا ينافيه تعليلُه بمخافة إدراكِ الرحمةِ فيما نقل أنه قال للنبي ﷺ فلو رأيتَني يا محمدُ وأنا آخذٌ من حال البحرِ فأدُسّه في فيه مخافةَ أن تدركه الرحمةُ إذ المرادُ بها الرحمةُ الدنيويةُ أي النجاة التي هي طِلْبةُ المخذولِ وليس من ضرورة إدراكِها صحةُ الإيمان كما في إيمان قوم يونس ﵇ حتى يلزم من كراهته مالا يتصور في شأن جبريلُ ﵇ من الرضا بالكفر إذْ لا استحالةَ في ترتب هذه الرحمةِ على مجرد التفوّه بكلمة الإيمانِ وإن كان ذلك في حالة البأسِ واليأس فيحمل دسُّه ﷺ على سد باب الاحتمالِ البعيد لكمال الغيظِ وشدةِ الحرْدِ فتدبر والله الموفق وحقُّ العاملِ في الظرف أن يقدر مؤخراً ليتوجه الإنكارُ والتوبيخُ إلى تأخير الإيمانِ إلى حد يمتنعُ قبولُه فيه أي آلآن تؤمن حين يئستَ من الحياة وأيقنتَ بالممات وقوله عز وعلا ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ حال من فاعل الفعل المقدر جئ به لتشديد التوبيخِ والتقريعِ على تأخير الإيمانِ إلى هذا الآن ببيان أنه لم يكن تأخيرُه لعدم بلوغِ الدعوةِ إليه ولا للتأمل والتدبر في دلائله وآياته ولا لشئ آخر مما عسى يعد عذراً في التأخير بل كان ذلك على طريقة الردِّ والاستعصاءِ والإفساد فإن قوله تعالى ﴿وَكُنتَ مِنَ المفسدين﴾ عطفٌ على عصيت داخلٌ في حيز الحال أي وكنت من الغالين في الإضلال والإضال عن الإيمانِ كقوله تعالى الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله زدناهم

стр. 2474

سورة يونس (٩٢) (٩٣) عَذَابًا فَوْقَ العذاب بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ فهذا عبارةٌ عن فساده الراجعِ إلى نفسه والساري إلى غيره من الظلم والتعدي وصدِّ بني إسرائيلَ عن الإيمان والأولُ عن عصيانه الخاصِّ به

стр. 2475

﴿فاليوم نُنَجّيكَ﴾ أي نخرجك مما وقع فيه قومُك من قعر البحرِ ونجعلك طافيا وفي التعبيرعنه بالتنجية تلويحٌ بأن مرادَه بالإيمان هو النجاةُ كما مر وتهكمٌ به أو نلقيك على نجوة من الأرض ليراك بنو إسرائيلَ وقرئ نُنْجيك من الإنجاء ونُنَحِّيك بالحاء من التنحية أى نلقيك بناحية الساحل ﴿بِبَدَنِكَ﴾ في موضع الحالِ من ضمير المخاطَب أي ننجيك ملابساً ببدنك فقط لا مع روحك كما هو مطلوبُك فهو تخييبٌ له وحسمٌ لأطماعه بالمرة أو عارياً عن اللباس أو كاملاً سوياً أو بدِرْعك وكانت له درع من الذهب يعرف بها وقرئ بأبدانك أي بأجزاء بدنك كلها كقولهم هوى بأجرامه أو بدروعك كأنه كان مُظاهِراً بينها ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خلفك آية﴾ لمن وراءك علامةً وهم بنو إسرائيلَ إذ كان في نفوسهم من عظمته ما خيَّل إليهم أنه لا يهلِك حتى يُروى أنهم لم يصدقوا موسى ﵇ حين أخبرهم بغرقه إلى أن عاينوه مطرحا على ممرهم من الساحل أو تكون لمن يأتي بعدك من الأمم إذا سمعوا مآلَ أمرِك ممن شاهدك عبرةً ونكالاً من الطغيان أو حجةً تدلهم على أن الإنسانَ وإن بلغ الغايةَ القصوى من عظم الشأنِ وعلوِّ الكبرياء وقوةِ السلطان فهو مملوكٌ مقهورٌ بعيد عن مظانّ الربوبية وقرئ لمن خَلَفك فعلاً ماضياً أي لمن خلفك من الجبابرة وقرئ لمن خلقك بالقاف أي لتكون لخالقك آيةً كسائر الآيات فإن إفرادَه سبحانه إياك بالإلقاء إلى الساحل دليلٌ على أنه قصد منه لكشف تزويرِك وإماطةَ الشبهةِ في أمرك وبرهانٌ نيِّرٌ على كمال علمِه وقدرتِه وحكمتِه وإرادتِه وهذا الوجهُ محتملٌ على القراءة المشهورة أيضاً وفي تعليل تنجيته بما ذكر إيذانٌ بأنها ليست لإعزازه أو لفائدة أخرى عائدةٍ إليه بل لكمال الاستهانة به وتفضيحِه على رءوس الأشهاد وزيادةِ تفظيعِ حالِه كمن يُقتل ثم يُجرُّ جسدُه في الأسواق أو يدار برأسه في البلاد واللامُ الأولى متعلقةٌ بننجّيك والثانيةُ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من آية أي كائنةً لمن خلفك ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ النَّاسِ عَن آيَاتِنَا لغافلون﴾ لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها وهو اعتراضٌ تذييليٌّ جىءَ به عند الحكايةِ تقريراً لفحوى الكلامِ المحكيِّ

стр. 2476

﴿ولقد بوأنا بني إسرائيل﴾ كلامٌ مستأنفٌ سيق لبيان النعم الفائضةِ عليهم إثرَ نعمة الإنجاء على وجه الإجمال وإخلالهم بشكرها وأداءِ حقوقها أي أسكناهم وأنزلناهم بعد ما أنجيناهم وأهلكنا أعداءَهم ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ أي منزِلاً صالحاً مرْضياً وهو الشامُ ومصرُ ملكوهما بعد الفراعنةِ والعمالقةِ وتمكنوا

стр. 2477

سورة يونس (٩٤) (٩٥) (٩٦) في نواحيهما حسبما نطقَ به قولهُ تعالى ﴿وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مشارق الارض ومغاربها التى بَارَكْنَا فِيهَا﴾ ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مّنَ الطيبات﴾ أي اللذائذِ ﴿فَمَا اختلفوا﴾ في أمر دينهم ﴿حتى جَاءهُمُ العلم﴾ أي إلا بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم بقراءتهم التوارة وعلمِهم بأحكامها أو في أمر محمدٍ ﷺ إِلَاّ مِن بَعْدِ مَا علموا صدق نبوته وتظاهر معجزاته فالمراد بالمختلفين أعقابهم الذين كانوا في عصر النبيِّ ﷺ ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فيميزُ بين المُحِق والمُبطلِ بالإثابة والتعذيب

стр. 2478

﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكّ﴾ أي في شك ما يسير على الفرْض والتقدير فإن مضمونَ الشرطيةِ إنما هو تعليقُ شيءٍ بشيء من غير تعرُّضٍ لإمكان شيءٍ منهما كيف لا وقد يكون كلاهما ممتنعاً كقوله قُلْ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين وقوله تعالى لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ونظائرِهما ﴿مّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ من القصص التي من جملتها قصةُ فرعون وقومِه وأخبارُ بني إسرائيل ﴿فاسأل الذين يقرؤون الكتاب مِن قَبْلِكَ﴾ فإن ذلك محققٌ عندهم ثابتٌ في كتبهم حسبما ألقَينا إليك والمراد إظهار نبوته ﷺ بشهادة الأحبارِ حسبما هو المسطورُ في كتبهم وإن لم يكن إليه حاجة أصلاً أو وصفُ أهلِ الكتاب بالرسوخ في العلم بصحة نبوته ﷺ أو تهييجه ﷺ وزيادةِ تثبيتهُ على ما هو عليه من اليقين لا تجويزِ صدورِ الشك منه ﷺ ولذلك قال ﷺ لا أشُكُّ ولا أسأَلُ وقيل المراد بالموصول مؤمنوا أهلِ الكتابِ كعبدِ اللَّه بن سلام وتميمٍ الداري وكعبٍ وأضرابِهم وقيل الخطابُ للنبى ﷺ والمرادُ أمتُه أو لكل من يسمع أي إن كنت أيها السامعُ في شك مما أنزلنا إليك على لسان نبيِّنا وفيه تنبيهٌ على أن من خالجتْه شبهةٌ في الدين ينبغي أن يسارِعَ إلى حلها بالرجوع إلى أهل العلم وقرئ فاسأل الذين يقرءون الكتب ﴿لَقَدْ جَاءكَ الحق﴾ الذي لا محيدَ عنه ولا ريبَ في حقيته ﴿مِن رَبّكَ﴾ وظهرَ ذلك بالآيات القاطعةِ التي لا يحوم حولَها شائبةُ الارتيابِ وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره ﷺ من التشريف ما لا يخفى ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الممترين﴾ بالتنزلزل عما أنت عليه من الجزم واليقينِ ودُمْ على ذلك كما كنت من قبل

стр. 2479

﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الذينَ كَذَّبُواْ بآياتِ الله﴾ منْ بابِ التَّهييج والإلهابِ والمرادُ به إعلامُ أن التكذيبَ من القُبحِ والمحذوريةِ بحيث ينبغي أن يُنهى عنه من لا يُتصورُ إمكانُ صدورُه عنه فكيف بمن يمكن اتصافُه به وفيه قطعٌ لأطماع الكفرة ﴿فَتَكُونَ﴾ بذلك ﴿مّنَ الخاسرين﴾ أنفساً وأعمالاً

стр. 2480

﴿إِنَّ الذين حَقَّتْ عَلَيْهِمْ﴾ شروعٌ في بيان سرِّ إصرارِ الكفرة على ما هم عليه من الكفر والضلالِ أي ثبتت ووجبتْ بمقتضى المشيئةِ المبْنيةِ على الحكمةِ البالغة ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ حكمُه وقضاؤه

стр. 2481

سورة يونس (٩٧) (٩٨) بأنهم يموتون على الكفر ويخلدون في النار كقوله تعالى ﴿ولكن حَقَّ القول مِنْى لَامْلانَّ جَهَنَّمَ﴾ إلى آخره ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أبداً إذلا كذِبَ لكلامه ولا انتقاضَ لقضائه أي لا يؤمنون إيماناً نافعاً واقعاً في أوانه فيندرج فيهم المؤمنون عند معاينةِ العذابِ مثلَ فرعونَ باقياً عند الموتِ فيدخل فيهم المرتدون

стр. 2482

﴿ولو جاءتهم كل آية﴾ واضحةُ المدلولِ مقبولةٌ لدى العقولِ لأن سببَ إيمانِهم وهو تعلقُ إرادته تعالى به مفقودٌ لكنّ فقدانَه ليس لمنعٍ منه سبحانه مع استحقاقهم له بل لسوء اختيارِهم المتفرِّعِ على عدم استعدادِهم لذلك ﴿حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم﴾ كدأب آلِ فرعونَ وأضرابهم

стр. 2483

﴿فَلَوْلَا كَانَتْ﴾ كلامٌ مستأنفٌ لتقرير ما سبق من استحالة إيمانِ من حقت عليهم كلمتُه تعالى لسوءِ اختيارِهم مع تمكنهم من التدارك فيكونُ الاستثناءُ الآتي بياناً لكون قومِ يونسَ ﵇ ممن لم يحِقَّ عليه الكلمةُ لاهتدائهم إلى التدارك في وقته ولولا بمعنى هلا وقرئ كذلك أى فلا كانت ﴿قَرْيَةٌ﴾ من القُرى المهلكة ﴿آمنت﴾ قبل معاينةِ العذابِ ولم تؤخِّرْ إيمانَها إلى حين معاينتِه كما فعل فرعونُ وقومُه ﴿فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ بأن يقبَله الله تعالى منها ويكشِفَ بسببه العذابَ عنها ﴿إِلَاّ قَوْمَ يُونُسَ﴾ استثناءٌ منقطعٌ أي لكِنْ قومُ يونس ﴿لما آمنوا﴾ أولَ ما رأوا أمارةَ العذابِ ولم يؤخِّروا إلى حلوله ﴿كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخزى فِى الحياة الدنيا﴾ بعد ما أظلهم وكاد يحِلّ بهم ويجوز أن تكونَ الجملةُ في معنى النفي كما يُفصح عنه حرف التخصيص فيكون الاستثناء متصلاً إذِ المرادُ بالقرى أهاليها كأنه قيل ما آمنت طائفةٌ من الأمم العاصية فنفعهم إيمانُهم إلا قومَ يونَس ﵇ فيكون قوله تعالى لما آمنوا استئنافاً لبيان نفعِ إيمانِهم ويؤيده قراءةُ الرفعِ على البدلية ﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ﴾ بمتاع الدنيا بعد كشفِ العذاب عنهم ﴿إلى حِينٍ﴾ مقدرٍ لَهُمْ في علم الله سبحانه رُوي أن يونسَ ﵇ بُعث إلى نينوى من أرض الموْصِل فكذبوه فذهب عنهم مغاضباً فلما فقَدوه خافوا نزولَ العذاب فلبِسوا المُسوحَ وعجّوا أربعين ليلةً وقيل قال لهم يونسُ ﵇ أجلُكم أربعون ليلةً فقالوا إن رأينا أسبابَ الهلاك آمنّا بك فلما مضَتْ خمسٌ وثلاثون أغامت السماء غيماً أسودَ هائلاً يدخّن دُخاناً شديداً ثم يهبِط حتى يغشى مدينتَهم ويسودّ سطوحُهم فلبِسوا المسوحَ وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائِهم وصِبيانهم ودوابهم وفرقوا بين النساء والصبيان وبين الدواب وأولادِها فحنّ بعضُها إلى بعض وعلت الأصواتُ والعجيجُ وأظهروا الإيمانَ والتوبةَ وتضرَّعوا إلى الله تعالى فرحمهم وكشف عنهم وكان ذلك يومَ عاشوراءَ يومَ الجمعة وعن ابن مسعود ﵁ بلغ من توبتهم أن ترادّوا المظالمَ حتى إن الرجل كان يقتلع الحجرَ وقد وضع عليه أساسَ بنائه فيرده إلى صاحبه وقيل خرجوا إلى الشيخ من بقية علمائِهم فقالوا قد نزل بنا العذابُ فما ترى فقال لهم قولوا يا حيُّ حين لا حيَّ ويا حيُّ محي الموتى ويا حيُّ لا إله إلا أنت فقالوها

стр. 2484

سورة يونس (٩٩) (١٠٠) فكشف عنهم وعن الفضيل بن عياض قالوا إن ذنوبَنا قد عظُمت وجلّت وأنت أعظمُ منها وأجلُّ افعل بنا ما أنت أهلُه ولا تفعلْ بنا ما نحن أهلُه

стр. 2485

﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِى الارض﴾ تحقيقٌ لدوران إيمانِ كافةِ المكلفين وجوداً وعدماً على قُطب مشيئتِه تعالى مطلقاً إثرَ بيانِ تبعيةِ كفرِ الكفرةِ لكلمته ومفعولُ المشيئة محذوفٌ لوجود ما يقتضيه من وقوعها شرطاً وكونِ مفعولِها مضمونَ الجزاء وأن لا يكونَ في تعلقها به غرابةٌ كما هو المشهورُ أي لو شاء سبحانه إيمانَ من في الأرض من الثقلين لآمن ﴿كُلُّهُمْ﴾ بحيث لا يشد عنهم أحد ﴿جَمِيعاً﴾ مجتمعين على الإيمان لا يختلفون فيه لكنه لا يشاؤه لكونه مخالفاً للحِكمة التي عليها بُنيَ أساسُ التكوين والتشريع وفيه دِلالةٌ على أن مَن شاء الله تعالى إيمانَه يؤمن لا محالة ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس﴾ على ما لم يشأ الله منهم حسبما ينيء عنه حرفُ الامتناعِ في الشرطية والفاء للعطف على مقدر ينسحبُ عليه الكلامُ كأنَّه قيل أربُّك لا يشاء ذلك فأنت تُكرههم ﴿حتى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ فيكون الإنكارُ متوجهاً إلى ترتيب الإكراهِ المذكورِ على عدم مشيئته تعالى ويجوز أن تكون الفاء لترتيب الإنكارِ على عدم مشيئته تعالى بناء على أن الهمزة متأخرة في الاعتبار وإنما قدمت لاقتضائها الصدارةَ كما هو رأيُ الجمهورِ وأياً ما كان فالمشيئةُ على إطلاقها إذ لا فائدةَ بل لا وجهَ لاعتبار عدمِ مشيئة الإلجاءِ خاصة في إنكار الترتيبِ عليه أو ترتيب الإنكارِ عليه وفي إيلاء الاسم حرف الاستفهام إيذان بأن الإكراهَ أمرٌ ممكنٌ لكن الشأنَ في المكرَه مَنْ هو وما هو إلا هو وحده لا يشارك فيه لأنه القادرُ على أن يفعل في قلوبهم ما يضطرهم إلى الإيمان وذلك غيرُ مستطاعٍ للبشر وفيه إيذانٌ باعتبار الإلجاءِ في المشيئة كما أشير إليه

стр. 2486

﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ﴾ بيانٌ لتبعية إيمانِ النفوس المؤمنةِ لمشيئته تعالى وجوداً بعد بيانِ الدوران الكليِّ عليها وجوداً وعدماً أي ما صح وما استقام لنفس من النفوس التي علم الله تعالى أنها تؤمنُ ﴿أَن تُؤْمِنَ إِلَاّ بِإِذْنِ الله﴾ أي بتسهيله ومنحِه للألطاف وإنما خُصت النفسُ بمن ذُكر ولم يُجعل من قبيل قولِه تعالَى وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَاّ بِإِذْنِ الله لأن الاستئشاء مفرغٌ من أعمِّ الأحوالِ أي ما كان لنفس أن تؤمن في حالٍ من أحوالِها إلا حالَ كونِها ملابسةً بإذنه تعالى فلا بد من كون الإيمان مما يئول إليه حالُها كما أن الموتَ مآلٌ لكل نفس بحيث لا محيصَ لها عنه فلا بد من تخصيص النفسِ بمن ذكر فإن النفوسَ التي علم الله أنها لا تؤمنُ ليس لها حالٌ تؤمن فيها حتى يستثنى تلك الحال من غيرها ﴿وَيَجْعَلُ الرجس﴾ أي الكفر بقرينة ما قبله عبر عنه بالرجس الذي هو عبارةٌ عن القبيح المستقدر المستكرَه لكونه علماً في القبح والاستكراه وقيل هو العذاب أو الخِذلان المؤدي إليه وقرى بنون العظمة وقرئ بالزاي أي يجعل الكفرَ ويبقيه ﴿عَلَى الذين لَا يَعْقِلُونَ﴾ لا يستعملون عقولهم بالنظر في الحجج والآيات أولا يعقلون دلائله وأحكامه لما على قلوبهم من الطبع

стр. 2487

سورة يونس (١٠١١٠٢١٠٣) فلا يحصُل لهم الهدايةُ التي عبّر عنها بالإذن فيبقَون مغمورين بقبائح الكفرِ والضلال أو مقهورين بالعذاب والنَّكال والجملةُ معطوفةٌ على مقدر ينسحب عليه النظمُ الكريمُ كأنه قيل فيأذن لهم بمنح الألطافِ ويجعل الخ

стр. 2488

﴿قُلْ﴾ مخاطِباً لأهل مكةَ بعثاً لهم على التدبر في ملكوتُ السموات والأرض وما فيهما من تعاجيب الآياتِ الأنفسية والآفاقية ليتضحَ لك أنهم من الذين لا يعقِلون وحقّت عليهم الكلمة ﴿انظروا﴾ أي تفكروا وقرئ بنقل حركةِ الهمزةِ إلى لام قل ﴿مَاذَا فِى السماوات والارض﴾ أي أيُّ شيءٍ بديعٍ فيهما من عجائب صُنعه الدالةِ على وحدته وكمالِ قدرتِه على أن ماذا جعل بالتركيب اسماً واحداً مغلّباً فيه الاستفهامُ على اسم الإشارةِ فهو مبتدأٌ خبرُه الظرفُ ويجوز أن يكون ما مبتدأ وذا بمعنى الذي والظرفُ صلته والجملةُ خبرٌ للمبتدأ وعلى التقديرين فالمبتدأ والخبرُ في محل النصبِ بإسقاط الخافضِ وفعلُ النظر معلقٌ بالاستفهام ﴿وَمَا تُغْنِى﴾ أي ما تنفع وقرئ بالتذكير ﴿الايات﴾ وهي التي عُبّر عنها بقوله تعالى مَاذَا فِى السموات والارض ﴿والنذر﴾ جمع نذير على أنه فاعَلَ بمعنى منذر أو على أنَّه مصدرٌ أي لا تنفع الآيات والرسل المنذرون أو الإنذارات ﴿عَن قَوْمٍ لَاّ يُؤْمِنُونَ﴾ في علم الله تعالى وحكمه فما نافية والجملة إما حالية أو اعتراضية ويجوز كون ما استفهاميةً إنكاريةً في موضع النصبِ على المصدرية أي أي إغناء تغني الخ فالجملة حينئذ اعتراضية

стр. 2489

﴿فهل ينتظرون﴾ أي مشركو مكة وأضرابهم ﴿إِلَاّ مِثْلَ أَيَّامِ الذين خَلَوْاْ﴾ أي إلا يوماً مثل أيام الذين خلوا ﴿من قبلهم﴾ من مشركي الأممِ الماضية أي مثل وقائعهم ونزول بأس الله بهم إذ لا يستحقون غيره من قولِهم أيامُ العربِ لوقائعها ﴿قُلْ﴾ تهديداً لهم ﴿فانتظروا﴾ ما هو عاقبتكم ﴿إِنّى مَعَكُم مّنَ المنتظرين﴾ لذلك

стр. 2490

﴿ثُمَّ نُنَجّى رُسُلَنَا﴾ بالتشديد وقرئ بالتخفيف وهو عطفٌ على مقدرٍ يدلُّ عليه قوله مثل أيام الذين خلوا وما بينهما اعتراضٌ جيءَ به مسارعةً إلى التهديد ومبالغة في تشديد الوعيد كأنه قيل أهلكنا الأمم ثم نجينا رسلنا المرسلة إليهم ﴿والذين آمنوا﴾ وصيغةُ الاستقبالِ لحكاية الأحوالِ الماضية لتهويل أمرها باستحضار صورِها وتأخيرُ حكايةِ التنجيةِ عن حكاية الإهلاكِ على عكس ما في قوله تعالى فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِى الفلك الخ ونظائِره الواردةِ في مواقعَ عديدة ليتصل به قولُه ﴿كذلك﴾ أي مثلَ ذلك الإنجاء ﴿حَقّاً عَلَيْنَا﴾ اعتراض بين العامل والمعمول أي حق ذلك حقاً وقيل بدل من المحذوف الذي ناب عنه كذلك أي إنجاء مثل ذلك حقاً والكاف متعلقة بقوله تعالى ﴿نُنَجِّى المؤمنين﴾ أي من كل شدة وعذاب والجملةُ تذييلٌ لما قبلَها مقرر لمضمونه والمرادُ بالمؤمنين إما الجنسُ المتناول للرسل ﵈ والأتباع وإما الأتباعُ فقط وإنما لم يذكر إنجاء الرسل إيذانا بعدم الحاجة إليه وأيا ما كان ففيه
следующие страницы →