Полный текст (8 642 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.
стр. 2906
﴿الله يَبْسُطُ الرزق﴾ أي يوسّعه ﴿لِمَن يَشَاء﴾ مِنْ عِبَادِهِ ﴿وَيَقْدِرُ﴾ أي يضيّقه على من يشاء حسبما تقتضيه الحكمة من غير أن يكون لأحد مدخلٌ في ذلك ولا شعورٌ بحكمته فربما يبسُطه للكافر إملاءً واستدراجاً وربما يضّيقه على المؤمن زيادةً لأجره فلا يُغترَّ ببسط الكافر كما لا يَقنط بقدره المؤمنُ ﴿وَفَرِحُواْ﴾ أي أهلُ مكة فرَحَ أشَرٍ وبطر لا فرحَ سرورٍ بفضل الله تعالى ﴿بالحياة الدنيا﴾ وما بُسط لهم فيها من نعيمها ﴿وَمَا الحياة الدنيا﴾ وما يتبعها من النعيم ﴿فِى الاخرة﴾ أي في جنب نعيمِ الآخرة ﴿إِلَاّ متاع﴾ إلا شيءٌ نزْرٌ يُتمتع به كعُجالة الراكب وزادِ الراعي والمعنى أنهم رضُوا بحظ الدنيا معرِضين عن نعيم الآخرةِ والحالُ أن ما أشِروا به في جنب ما أعرضوا عنه شيءٌ قليل النفع سريعُ النفاد
стр. 2907
﴿وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ﴾ أي أهلُ مكة وإيثارُ هذه الطريقة على الإضمار مع ظهور إرادتِهم عقيبَ ذكرِ فرحِهم بالحياة الدنيا لذمهم والتسجيلِ عليهم بالكفر فيما حُكيَ عنهم من قولهم ﴿لولا أنزل عليه آية مّن رَّبّهِ﴾ فإن ذلك في أقصى مراتبِ المكابرةِ والعِناد كأن ما أنزل ﵇ من الآياتِ العظامِ الباهرةِ ليس بآية حتى اقترحوا مالا تقتضيه الحِكمةُ من الآيات المحسوسةِ التي لا يبقى لأحد بعد ذلك طاقةٌ بعدم القَبول ولذلك أُمر في الجواب بقوله تعالى ﴿قُلْ إِنَّ الله يُضِلُّ مَن يشاء﴾ إضلالة مشيئتَه تابعةٌ للحكمة الداعيةِ إليها أي يخلُق فيه الضلال لصرفه اختيارَه إلى تحصيله ويدعُه منهمكاً فيه لعلمه بأنه لا ينجَع فيه اللطفُ ولا ينفعه الإرشاد كمن كان على صفتكم في المكابرة والعِناد وشدةِ الشكيمةِ والغلوِّ في الفساد فلا سبيل له إلى الاهتداء ولو جاءتْه كلُّ آية ﴿وَيَهْدِى إِلَيْهِ﴾ أي إلى جنابه العليِّ الكبير هدايةً موصِلةً إليه لا دَلالةً مطلقة على ما يوصِل إليه فإن ذلك غيرُ مختصٍ بالمهتدين وفيه من تشريفهم مالا يوصف ﴿مَنْ أَنَابَ﴾ أقبل
стр. 2908
الرعد ٢٨ ٣٠ إلى الحق وتأملَ في تضاعيف ما نزل من دلائله الواضحةِ وحقيقةُ الإنابة لدخول في نوبة الخير وإيثارُ إيرادِها في الصلة على إيراد المشيئةِ كما في الصلة الأولى للتنبيه على الداعي إلى الهداية بل إلى مشيئتها والإشعارِ بما دعا إلى المشيئة الأولى من المكابرة وفيه حث للكفرة على الإقلاع عماهم عليهِ من العُتوِّ والعِنادِ وإيثارُ صيغةِ الماضي للإيماء إلى استدعاء الهدايةِ لسابقة الإنابة كما أن إيثارَ صيغةِ المضارعِ في الصلةِ الأولى للدلالة على استمرار المشيئةِ حسب استمرار مكابرتهم
стр. 2909
﴿الذين آمنوا﴾ بدل ممن أناب فإن أريد بالهداية الهدايةُ المستمرةُ فالأمر ظاهر لظهور كونِ الإيمانِ مؤدياً إليها وإن أريد إحداثُها فالمراد بالذين آمنوا الذين صار أمرُهم إلى الإيمان كما في قوله تعالى هُدًى لّلْمُتَّقِينَ أي الصائرين إلى التقوى وإلا فالإيمانُ لا يؤدّي إلى الهداية نفسها أو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ أي هم الذين آمنوا أو منصوبٌ على المدحِ ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ﴾ أي تستقر وتسكُن ﴿بِذِكْرِ الله﴾ بكلامه المعجزِ الذي لا ريب فيه كقوله تعالى وهذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أنزلناه وقوله إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون ويعلمون أن لا أعظمُ منه فيقترحوها والعدولُ إلى صيغة المضارعِ لإفادة دوامِ الاطمئنان وتجدّده حسبَ تجدّدِ الآيات وتعددها ﴿أَلَا بِذِكْرِ الله﴾ وحده ﴿تَطْمَئِنُّ القلوب﴾ دون غيرِه من الأمور التي تميل إليها النفوس من الدنياويات وهذا ظاهر وأما سائرُ المعجزات فالقصرُ من حيث إنها ليست في إفادة الطُّمأنينة بالنسبة إلى من لم يشاهدْها بمثابة القرآنِ المجيدِ فإنه معجزةٌ باقية إلى يوم القيامة يشاهدها كلُّ أحد وتطمئن به القلوبُ كافة وفيه إشعارٌ بأن الكفرةَ ليست لهم قلوب وأفئدتُهم هواءٌ حيث لم يطمئنوا بذكر الله تعالى ولم يعدّوه آيةً وهو أظهرُ الآياتِ وأبهرُها وقيل تطمئن قلوبُهم بذكر رحمتِه ومغفرتِه بعد القلق والاضطرابِ من خشيته كقوله تعالى ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله أو بذكر دلائلِه الدالةِ على وحدانيته أو بذكره جل وعلا نسا به وتبتلاً إليه فالمرادُ بالهداية دوامُها واستمرارُها
стр. 2910
﴿الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ بدلٌ من القلوب على حذف المضافِ بدلَ الكلِّ حسبما رُمز إليه أي قلوبُ الذين آمنوا وفيه إيماءٌ إلى أن الإنسان إنما هو القلبُ أو مبتدأٌ خبرُه الجملة الدعائيةُ على التأويل أعني قوله ﴿طوبى لَهُمْ﴾ أوْ خبرُ مبتدإٍ مضمرٍ أو نُصب على المدحِ فطوبى لهم حالٌ عاملُها الفعلان وطوبى مصدرٌ من طاب كبُشرى وزُلفى والواوُ منقلبةٌ من الياء كموقن وموسر وقرأ مكوزة الأعرابي طيبى لتسلم الياء والمعنى أصابوا خيراً ومحلُّها النصبُ كسلاماً لك أو الرفعُ على الابتداء وإنْ كانتْ نكرةً لكونِها في معنى الدعاء كسلامٌ عليك يدل على ذلك القراءة في قوله تعالى ﴿وحسن مآب﴾ بالنصب والرفع واللامُ في لهم للبيان مثلها في سقيا لك
стр. 2911
﴿كذلك﴾
стр. 2912
الرعد ٣١ مثلَ ذلك الإرسالِ العظيمِ الشأن المصحوبِ بهذه المعجزة الباهرة ﴿أَرْسَلْنَاكَ فِى أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ﴾ أي مضت ﴿مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ﴾ كثيرة قد أُرسل إليهم رسل ﴿لّتَتْلُوَ﴾ لتقرأ ﴿عَلَيْهِمُ الذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ مِنَ الكتاب العظيمِ الشأنِ وتهديَهم إلى الحق رحمةً لهم وتقديمُ المجرور على المنصوب من قبيل الإبهام ثم البيان كما في قوله تعالى وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ وفيه مالا يخفى من ترقب النفس إلى ما سيرِدُ وحسنِ قبولها له عند ورودِه عليها ﴿وَهُمْ﴾ أي والحال أنهم ﴿يَكْفُرُونَ بالرحمن﴾ بالبليغ الرحمةِ الذي وسعت كلَّ شيء رحمتُه وأحاطت به نعمتُه والعدول إلى المُظهر المتعرِّض لوصف الرحمةِ من حيث أن الإرسالَ ناشىءٌ منها كما قال تعالى وَمَا أرسلناك إِلَاّ رَحْمَةً للعالمين فلم يقدِروا قدرَه ولم يشكروا نِعمَه لا سيما ما أنعم به عليهم بإرسال مثلِك إليهم وإنزال القرآنَ الذي هو مدارُ المنافع الدينية والدنياوية عليهم وقيل نزلت في مشركي مكةَ حين أُمروا بالسجود فقالوا وما الرحمن ﴿قُلْ هُوَ﴾ أي الرحمن الذي كفرتم به وأنكرتم معرفته ﴿رَبّى﴾ الربُّ في الأصل بمعنى التربية وهي تبليغُ الشيءِ إلى كماله شيئاً فشيئاً ثم وُصف به مبالغةً كالصوم والعدْل وقيل هو نعت أي خالقي ومبلّغي إلى مراتب الكمالِ وإيرادُه قبل قوله ﴿لَاّ إله إِلَاّ هو﴾ أي لا مستحقَّ للعبادة سواه تنبيهٌ على أن استحقاق العبادة منوطٌ بالربوبية وقيل إن أبا جهل سمع النبيِّ ﷺ يقول يا ألله يا رحمن فرجع إلى المشركين فقال إن محمداً يدعو إلهين فنزلت ونزل قوله تعالى قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن الآية ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في جميع أموري لا سيما في النصرة عليكم لا على أحد سواه ﴿وَإِلَيْهِ﴾ خاصة ﴿مَتَابِ﴾ أي توبتي كقوله تعالى واستغفر لِذَنبِكَ أُمر ﵇ بذلك إبانة لفضل التوبة ومقدارها عند الله تعالى وأنها صفةُ الأنبياء وبعثاً للكفرة على الرجوع عما هم عليه بأبلغ وجهٍ وألطفه فإنه ﵇ حيث أُمر بها وهو منزَّه عن شائبةِ اقترافِ ما يوجبها من الذنب وإن قل فتوبتهم وهو عاكفون على أنواع الكفر والمعاصي مما لا بد منه أصلاً وقد فُسّر المتابُ بمطلق الرجوعِ فقيل مرجعي ومرجعُكم وزِيد فيحكُم بيني وبينكم وقد قيل فيثيبُني على مصابرتكم فتأمل
стр. 2913
﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْانًا﴾ أي قرآناً ما وهو اسمُ أن والخبر قوله تعالى ﴿سُيّرَتْ بِهِ الجبال﴾ وجوابُ لو محذوفٌ لانسياق الكلام إليه بحيث يتلقّفه السامعُ من التالي والمقصودُ إما بيانُ عِظم شأنِ القرآنِ العظيم وفساد رأي الكفرة حيث لم يقدروا قدرَه العليَّ ولم يعدّوه من قبيل الآيات فاقترحوا غيره مما أوتي مُوسى وعيسى ﵉ وإما بيانُ غلوهم في المكابرة والعِنادِ وتماديهم في الضلال والفساد فالمعنى على الأول لو أن قرانا سيرت به الجبالُ أي بإنزاله أو بتلاوته عليها وزُعزعت عن مقارّها كما فُعل ذلك بالطور لموسى ﵊ ﴿أو قطعت به الارض﴾ أي شُقّقت وجُعلت أنهاراً وعيوناً كما فُعل بالحجر حين ضربه ﵇ بعصاه أو جعلت قطعاً متصدّعة ﴿أَوْ كُلّمَ بِهِ الموتى﴾ أي بعد أن
стр. 2914
أحييَ بقراءته عليها كما أحييتْ لعيسى ﵇ لكان ذلك هذا القرآنَ لكونه الغايةَ القصوى في الانطواء على عجائبِ آثارِ قُدرةِ الله تعالى وهيبته كقوله تعالَى لَوْ أَنزَلْنَا هذا القرآن على جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خاشعا مُّتَصَدّعاً مّنْ خَشْيَةِ الله لا في الإعجاز إذ لا مدخلَ له في هذه الآثار ولا في التذكير والإنذار والتخويفِ لاختصاصها بالعقلاء مع أنه لا علاقةَ لها بتكليم الموتى واعتبارُ فيض العقول إليها مُخلٌّ بالمبالغة المقصودة وتقديمُ المجرور في المواضع الثلاثة على المرفوع لما مر غيرَ مرة من قصد الإبهامِ ثم التفسيرِ لزيادة التقريرِ لأن بتقديم ما حقُّه التأخيرُ تبقى النفسُ مستشرفةً ومترقّبةً إلى المؤخر أنه ماذا فيتمكن عند ورودِه عليها فضلُ تمكن وكلمةُ أو في الموضعين لمنع الخلوّ لا لمنع الجمع واقتراحُهم وإن كان متعلقاً بمجرد ظهورِ مثل هذه الأفاعيلِ العجيبة على يده ﵇ لا بظهورها بواسطة القرآنِ لكن ذلك حيث كان مبنياً على عدم اشتمالِه في زعمهم على الخوارق نيط ظهورُها به مبالغةً في بيان اشتمالِه عليها وأنه حقيقٌ بأن يكون مصدراً لكل خارقٍ وإبانةً لركاكة رأيهم في شأنه الرفيعِ كأنه قيل لو أن ظهورَ أمثالِ ما اقترحوه من مقتَضيات الحِكمة لكان مظهرُها هذا القرآنَ الذي لم يعدّوه آية وفيه من تفخيم شأنه العزيزِ ووصفهم بركاكة العقل مالا يخفى (بَل للَّهِ الأمر جَمِيعًا) أي له الأمرُ الذي عليه يدورُ فلَكُ الأكوان وجوداً وعدماً يفعل ما يشاء وبحكم ما يريد لما يدعو إليه من الحِكَم البالغةِ وهو إضراب عما تضمنه الشرطيةُ من معنى النفي لا بحسب منطوقِه بل باعتبار موجِبه ومؤدّاه أي لو أن قرآناً فُعل به ما ذكر لكان ذلك هذا القرآنَ ولكن لم يُفعل بل فُعل ما عليه الشأنُ الآن لأن الأمرَ كلَّه له وحده فالإضرابُ ليس بمتوجِّهٍ إلى كون الأمرِ لله سبحانه بل إلى ما يؤدِّي إليه ذلك من كون الشأنِ على ما كان لما تقتضيه الحِكمة من بناء التكليف على الاختبار ﴿أَفَلمْ يَيأس الَّذِينَ آمنواْ﴾ أي أفلم يعلموا على لغة هوازنَ أو قومٍ من النَّخْع أو على استعمال اليأس في معنى العِلم لتضمّنه له ويؤيده قراءة عليَ وابنِ عباس وجماعةٍ من الصحابة والتابعين ﵃ أفلم يتبين بطريق التفسير والفاءُ للعطف على مقدر أي أغفَلوا عن كون الأمر جميعا لله تعالى فلم يعلموا ﴿أَن لَّوْ يَشَاء الله﴾ على حذف ضميرِ الشأنِ وتخفيفِ أن ﴿لَهَدَى الناس جَمِيعًا﴾ بإظهار أمثالِ تلك الآثارِ العظيمةِ فالإنكارُ متوجهٌ إلى المعطوفين جميعاً أو أعلموا كون الأمر جميعا لله فلم يعلموا ما يوجبه ذلك العلمُ مما ذكر فهو متوجِّهٌ إلى ترتب المعطوفِ على المعطوف عليه أي تخلف العلم الثاني عن العلم الأول وعلى التقديرين فالإنكارُ إنكارُ الوقوعِ كما في قوله تعالى أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حسنا إنكار الواقعِ كما في قولك ألم تخفِ الله حتى عصيتَه ثم إن مناطَ الإنكارِ ليس عدمَ علمهم بمضمون الشرطية فقط بل مع عدم علمِهم بعدم تحققِ مقدَّمها كأنَّه قيل ألم يعلمُوا أن الله تعالى لو شاء هدايتَهم لهداهم وأنه لم يشأْها وذلك لأنهم كانوا يودون أن يظهر ما اقترحوا من الآيات ليجتمعوا على الإيمان وعلى الثاني لو أن قرآناً فُعل به ما فُصِّل من التعاجيب لما آمنوا به كقوله تعالى ولو أننا أنزلنا إليهم الملائكة وَكَلَّمَهُمُ الموتى الآية فالإضرابُ حينئذٍ متوجّهٌ إلى ما سلف من اقتراحهم مع كونهم في العناد على ما شُرح أي فليس لهم ذلك بل لله الأمر جميعاً إن شاء أتى بما اقترحوا وإن شاء لم يأت به حسبما تستدعيه داعيةُ الحكمةِ من غير أن يكون لأحد عليه تحكّم أو اقتراحٌ واليأسُ بمعنى القنوط أي ألم يعلم الذين آمنوا حالَهم هذه فلم يقنَطوا من إيمانهم حتى أحبّوا ظهورَ مقترحاتِهم فالإنكارُ متوجه
стр. 2915
الرعد ٣٢ إلى المعطوفين أو وأعلموا ذلك فلم يقنَطوا من إيمانهم فهو متوجهٌ إلى وقوع المعطوفِ بعد المعطوفِ عليه أي إلى تخلف القنوط عن العلم المذكور والإنكارُ على التقديرين إنكارُ الواقعِ كما في قوله تعالى ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ ونظائرِه لا إنكارُ الوقوع فإن عدم قنوطِهم منه مما لا مردَّ لهُ وقوله تعالى أَن لَّوْ يَشَاء الله الخ متعلق بمحدوف أي أفلم ييأسوا من إيمانهم علماً منهم أو عالمين بأنه لو يشاء الله لهدى الناس جميعا وأنه لم يشأ ذلك أو بآمنوا أي أفلم يقنط الذين آمنوا بأن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا على معنى أفلم ييأس من إيمانهم المؤمنون بمضمون الشرطية وبعدم تحققِ مقدّمها المنفهم من مكابرتهم حسبما تحكيه كلمةُ لو فالوصفُ المذكورُ من دواعي إنكارِ يأسِهم وقيل إن أبا جهل وأضرابه قالوا لرسول الله ﷺ إن كنت نبياً سيّر بقرآنك الجبالَ عن مكة حتى تتسعَ لنا ونتخذ فيها لبساتين والقطائع وقد سُخِّرت لداود ﵇ فلست بأهونَ على الله منه إنْ كنتَ نبياً كما زعمت أو سخّر لنا به الريحَ كما سُخّرت لسليمان ﵇ لنتّجر عليها إلى الشام فقد شق علينا قطعُ الشُقةِ البعيدة أو ابعث لنا به رجلين أو ثلاثة ممن مات من آبائنا فنزلت فمعنى تقطيعِ الأرض حينئذ قطعُها بالسير ولا حاجة حينئذ إلى الاعتذار في إسناد الأفاعيلِ المذكورة إلى القرآن كما احتيج إليه في الوجهين الأولين وعن القراء أنه متعلقٌ بمَا قبلَه منْ قولِه وَهُمْ يَكْفُرُونَ بالرحمن وما بينهما اعتراضٌ وهو بالحقيقة دالٌّ على الجواب والتقدير ولو أن قرانا سيرت به الجبال أو قطعت به الارض أو كلم به الموتى لكفروا بالرحمن والتذكير في كلم به الموتى لتغليب المذكر من الموتى على غيره ﴿وَلَا يَزَالُ الذين كَفَرُواْ﴾ مِنْ أَهْلِ مكةَ ﴿تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ﴾ أي بسبب ما صنعوه من الكفر والتمادي فيه وعدمُ بيانه إما للقصد إلى تهوليه أو استهجانه وهو تصريحٌ بما أَشعَرَ به بناء الحكم على الموصول من علّية الصلةِ له مع ما في صيغة الصنعِ من الإيذان برسوخهم في ذلك ﴿قَارِعَةٌ﴾ داهيةٌ تقرعهم وتقلقهم وهو ما كان يصيبهم من أنواع البلايا والمصائبِ من القتل والأسر والنهب والسلبِ وتقديم المجرورِ على الفاعلِ لما مرَّ مرارا من إرادة التفسير إثرَ الإبهام لزيادة التقرير والإحكامِ مع ما فيه من بيانِ أن مدارَ الإصابة من جهتهم آثرَ ذي أثير ﴿أَوْ تَحُلُّ﴾ تلك القارعةُ ﴿قَرِيبًا﴾ أي مكاناً قريباً ﴿مّن دَارِهِمْ﴾ فيفزَعون منها أو يتطاير إليهم شَرارُها شبِّهت القارعةُ بالعدو المتوجّه إليهم فأُسند إليها الإصابةُ تارة والحلولُ أخرى ففيه استعارةٌ بالكناية وتخييلٌ وترشيحٌ ﴿حتى يَأْتِىَ وَعْدُ الله﴾ أي موتُهم أو القيامةُ فإن كلاًّ منهما وعد محتوم ولا مرد له وفيه دِلالةٌ على أن ما يصيبهم عند ذلك من العذاب في غاية الشدةِ وأن ما ذكر سابقةُ نفحةٍ يسيرة بالنسبة إليه ثم حُقق ذلك بقولِهِ تعالَى ﴿أَنَّ الله لَا يُخْلِفُ الميعاد﴾ أي الوعدَ كالميلاد والميثاق بمعنى الولادةِ والتوثِقةِ لاستحالة ذلك على الله سبحانه وقالَ ابنُ عباسٍ رضيَ الله تعالى عنهُما أرادَ بالقارعة السرايا التي كان رسول الله ﷺ يبعثها وكانوا بين إغارةٍ واختطاف وتخويفٍ بالهجوم عليهم في ديارهم فالإصابة والحلولُ حينئذ من أحوالهم ويجوز على هذا أنْ يكونَ قولُه تعالى أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مّن دَارِهِمْ خطاباً للرسول ﷺ مراداً به حلولُه الحديبيةَ والمرادُ بوعد الله ما وعد به من فتح مكة
стр. 2916
﴿ولقد استهزئ برسل﴾ كثيرة حلت ﴿مّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي تركتهم ملاوةً من الزمان في أمن
стр. 2917
الرعد ٣٣ ودعة كما يملي للبهيمة في المرعى وهذا تسليةٌ لرسول الله ﷺ عما لقيَ من المشركين من التكذيب والاقتراحِ على طريقة الاستهزاءِ به ووعيدٌ لهم والمعنى أن ذلك ليس مختصاً بك بل هو أمرٌ مطردٌ قد فُعل ذلك برسل كثيرة كائنةٍ من قبلك فأمهلت الذين فعلوه بهم والعدولُ في الصلة إلى وصف الكفر ليس لأن المملى لهم غيرُ المستهزئين بل لإرادة الجمعِ بين الوصفين أي فأمليت للذين كفروا مع استهزائهم فقط ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ أي عقابي إياهم وفيه من الدلالة على تناهي كيفيته في الشدة والفظاعة ما يخفى
стр. 2918
﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ﴾ أي رقيبٌ مهيمنٌ ﴿على كُلّ نَفْسٍ﴾ كائنة من كانت ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾ منْ خَيرٍ أو شر لا يخفى عليه شيءٌ من ذلك بل يجازي كلاًّ بعمله وهو الله تعالى والخبرُ محذوفٌ أي كمن ليس كذلك إنكاراً لذلك وإدخالُ الفاء لتوجيه الإنكارِ إلى توهم المماثلة غبَّ ما عُلم مما فعل تعالى بالمستهزئين من الإملاء المديدِ والأخذ الشديد ومن كون الأمرِ كله لله تعالى وكونِ هداية الناس جميعاً منوطةً بمشيئته تعالى ومن تواتر القوارعِ على الكفرة إلى أن يأتيَ وعدُ الله كأنَّه قيل الأمرُ كذلك فمن هذا شأنُه كما ليس في عداد الأشياء حتى تُشركوه به فالإنكار متوجهٌ إلى ترتب المعطوفِ أعني توهّمَ المماثلة على المعطوف عليه المقدر أعني كونَ الأمر كما ذُكر كما في قولك أتعلم الحقَّ فلا تعملُ به لا إلى المعطوفَين جميعاً كما إذا قلت ألا تعلمه فلا تعملُ به وقوله تعالى ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء﴾ جملةٌ مستقلة جيءَ بها للدِّلالةِ على الخبر أو حيالة أي أفمن هذه صفاتُه كما ليس كذلك وقد جعلوا له شركاءَ لا شريكاً واحداً أو معطوفةٌ على الخبر إن قدّر ما يصلح لذلك أي أفمن هذا شأنُه لم يوحّدوه وجعلوا له شركاءَ ووضع المظهر للتنصيص على وحدانيته ذاتاً واسماً وللتنبيه على اختصاصه باستحقاق العبادةِ مع ما فيه من البيان بعد الإبهام بإيراده موصولاً للدلالة على التفخيم وقوله تعالى ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ تبكيتٌ لهم إثرَ تبكيتٍ أي سمُّوهم من هم وماذا أسماؤهم أو صِفوهم وانظروا هل لهم ما يستحقون به العبادة ويستأهلون الشِرْكة ﴿أَمْ تُنَبّئُونَهُ﴾ أي بل أَتُنَبّئُونَ الله ﴿بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى الأرض﴾ أي بشركاءَ مستحقين للعبادة لا يعلمهم الله تعالى ولا يعزُب عنه مثقالُ ذَرَّةٍ في السموات والأرض وقرىء بالتخفيف ﴿أَم بظاهر مّنَ القول﴾ أي بل أتسمونهم بشركاء بظاهر من القول من غير أن يكون له معنى وحقيقةٌ كتسمية الزنجيّ كافوراً كقوله تعالى ذلك قَوْلُهُم بأفواههم وهاتيك الأساليبُ البديعة التي ورد عليها الآيةُ الكريمةُ مناديةٌ على أنها خارجةٌ عن قدرة البشر من كلام خلاقِ القُوى والقدَر فتبارك الله رب العالمين ﴿بَلْ زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ وضْعُ الموصولِ موضِعَ المضمرِ ذماً لهم وتسجيلاً عليهم بالكفر ﴿مَكْرِهِمْ﴾ تمويهُهم الأباطيلَ أو كيدهم للإسلام بشركهم ﴿وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله﴾ أي سبيلِ الحق من صدّه صداً وقُرِىءَ بكسرِ الصَّادِ على نقل حركة الدالِ إليها وقرىء بفتحها أي صدوا الناس أو
стр. 2919
الرعد ٣٥ ٣٦ من صد صدوداً ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله﴾ أي يخلق فيه الضلالَ بسوء اختيارِه أو يخذلْه ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ وفقه للهدى
стр. 2920
﴿لهم عذاب﴾ شاق ﴿في الحياة الدنيا﴾ بالقتل والأسر وسائرِ ما يصيبهم من المصائب فإنها إنما تصيبهم عقوبةً على كفرهم (وَلَعَذَابُ الاخرة أَشَقُّ) من ذلك بالشدة والمدة (وَمَا لَهُم مِنَ الله) مِن عذابه المذكور (مِن وَاقٍ) من حافظ يعصِمهم من ذلك فمِن الأولى صلةٌ للوقاية والثانية مزيدةٌ للتأكيد
стр. 2921
(مَّثَلُ الجنة) أي صفتُها العجيبة الشأنِ التي في الغرابة كالمثل (التى وُعِدَ المتقون) عن الكفر والمعاصي وهو مبتدأ خبرُه محذوفٌ عند سيبويهِ أي فيما قصصنا عليك مثلُ الجنة وقوله تعالى (تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار) تفسير لذلك المثَل على أنه حالٌ من الضمير المحذوف من الصلة العائدِ إلى الجنة أي وعدها وهو الخبرُ عند غيره كقولك شأنَ زيد يأتيه الناسُ ويعظمونه أو على حذف موصوفٍ أي مثلُ الجنة جنةٌ تجري الخ (أُكُلُهَا) ثمرُها (دَائِمٌ) لا ينقطع (وِظِلُّهَا) أيضاً كذلك لا تنسخه الشمسُ كما تنسخ ظلالَ الدنيا (تِلْكَ) الجنة المنعوتةُ بما ذكر (عقبى الذين اتقوا) الكفرَ والمعاصيَ أي مآلهم ومنتهى أمرِهم (وَّعُقْبَى الكافرين النار) لا غيرُ وفيه مالا يخفى من إطماع المتقين وإقناط الكافرين
стр. 2922
(والذين آتيناهم الكتاب) هم المسلمون من أهلِ الكتابِ كعبدِ اللَّه بنِ سَلَام وكعبٍ وأضرابِهما ومَنْ آمن من النصارى وهم ثمانون رجلاً أربعون بنجرانَ وثمانيةٌ باليمن واثنانَ وثلاثون بالحبشة (يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ) إذ هو الكتابُ الموعودُ في التوراة والإنجيل (وَمِنَ الاحزاب) أي من أحزابهم وهم كفرتُهم الذين تحزّبوا على رسُولِ الله ﷺ بالعداوة نحو كعب بن الأشرف والسيد العاقب أسقُفيْ نجرانَ وأتباعِهما (مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ) وهو الشرائعُ الحادثة إنشاءً أو نسخاً لا ما يوافق ما حرفوه وإلا لنُعيَ عليهم من أول الأمر أن مدارَ ذلك إنما هو جناياتُ أيديهم وأما ما يوافق كتبهم فلم ينكروه وإن لم يفرحوا به وقيل يجوز أن يراد بالموصول الأول عامتُهم فإنهم أيضاً يفرحون به لكونه مصداقاً لكتبهم في الجملة فحينئذ يكون قوله تعالى وَمِنَ الأحزاب الخ تتمةً بمنزلة أن يقال ومنهم من ينكر بعضه (قُلْ) إلزاماً لهم ورداً لإنكارهم (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله وَلا أُشْرِكَ بِهِ) أي شَيْئاً من الأشياءِ أو لا أفعل الإشراكَ به والمراد قصرُ الأمر بالعبادة على الله تعالى لا قصرُ الأمرِ مطلقاً على عبادته تعالى خاصة أي قل إنما أمرتُ فيما أُنزل إلي بعبادة الله وتوحيده وظاهرٌ أن لا سبيلَ
стр. 2923
الرعد ٣٧ ٣٨ لكم إلى إنكاره لإطباق جميعِ الأنبياءِ والكتبِ على ذلك كقوله تعالى قُلْ يا أَهْلِ الكتاب تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَن لا نَعْبُدَ إِلَاّ الله وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً فما لكم تشركون به عزير أو المسيح وقرىء ولا أشركُ به بالرفع على الاستئناف أي وأنا لا أشرك به (إِلَيْهِ) إلى الله تعالى خاصة على النهج المذكورِ من التوحيد أو إلى ما أُمرت بهِ من التوحيد (أَدْعُو) الناسَ لا إلى غيره أولا إلى شيء آخرَ مما لم يُطبق عليه الكتبُ الإلهية والأنبياءُ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ فما وجهُ إنكارِكم (وَإِلَيْهِ) إلى الله تعالى وحده (مآب) مرجعي للجزاء وحيث كانت هذه الحجةُ الباهرة لازمةً لهم لا يجدون عنها محيصا أُمرَ ﵊ بأن يخاطبَهم بذلك إلزاماً وتبكيتاً لهم ثم شرُع في رد إنكارِهم لفروع الشرائع الواردةِ ابتداءً أو بدلاً من الشرائع المنسوخةِ ببيان الحكمةِ في ذلك فقيل
стр. 2924
(وكذلك أنزلناه) أي ما أنزل إليك وذلكَ إشارةٌ إلى مصدرِ أنزلناه أو أنزل إليك ومحلُه النصبُ على المصدرية أي مثلَ ذلك الإنزالِ البديعِ المنتظم لأصول مجمَعٍ عليها وفروعٍ متشعبة إلى موافِقة ومخالِفة حسبما تقتضيه قضيةُ الحكمةِ والمصلحة أنزلناه (حُكْمًا) حاكماً يحكم في القضايا والواقعات بالحق أو يُحكم به كذلك والتعرضُ لذلك العنوان مع أن بعضَه ليس بحكم لتربية وجوبِ مراعاتِه وتحتم المحافظةِ عليه (عَرَبِيّاً) مترجماً بلسان العربِ والتعرضُ لذلك للإشارةِ إلى أنَّ ذلكَ إحدى موادِّ المخالفة للكتب السابقةِ مع أن ذلك مقتضى الحكمةِ إذ بذلك يسهُل فهمه وإدراكُ إعجازه والاقتصارُ على اشتمال الإنزالِ على أصول الديانات المجمعِ عليها حسبما يفيده قولَه تعالى قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله الخ يأباه التعرّض لاتباع أهوائهم وحديث المحور والإثبات وأنْ لكل أجلٍ كتابٌ فإن المجمعَ عليه لا يتصور فيه الاستتباعُ والإتباع (ولئن تبعت أَهْوَاءهُم) التي يدعونك إليها من تقرير الأمور المخالفةِ لما أُنزلَ إليك من الحق كالصلاة إلى بيت المقدس بعد التحويل (بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ العلم) العظيمِ الشأن الفائضِ من ذلك الحُكم العربيِّ أو العلم بمضمونه (مالك مِنَ الله) من جنابه العزيز والالتفاتُ منَ التكلمِ إلى الغَيبة وإيرادُ الإسم الجليلِ لتربية المهابة قال الأزهري لا يكون إلها حتى يكون معبوداً وحتى يكون خالقاً ورازقاً ومدبراً (مِن وَلِىّ) يلي أمرَك وينصرك على من يبغيك الغوائلَ (وَلَا وَاقٍ) يقيك من مصارع السوءِ وحيث لم يستلزم نفيُ الناصرِ على العدو نفيَ الواقي من نكايته أُدخل على المعطوف حرفُ النفي للتأكيد كقولك مالي دينارٌ ولا درهم أو مالك مِن بَأْسِ الله من ناصر وواقٍ لاتباعك أهواءَهم وأمثالُ هاتيك القوارعِ إنما هي لقطع أطماعِ الكفرة وتهييجِ المؤمنين على الثبات في الدين واللامُ في لئن موطِّئةٌ ومالك سادٌّ مسدَّ جوابي الشرط والقسم
стр. 2925
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً) كثيرةً كائنة (مّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لهم أزواجا وذريته)
стр. 2926
الرعد ٣٩ ٤١ نساء وأولاداً كما جعلناها لك وهو رد لما كانوا يعيبونه ﷺ بالزواج والولاد كما كانوا يقولون ما لهذا الرسولِ يأكل الطعام الخ (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ) منهم أي ما صح وما استقام ولم يكن في وسعه (أن يأتي آية) مما اقتُرح عليه وحكمٍ مما التُمس منه (إِلَاّ بإذن الله) ومشيئته المنية على الحِكم والمصالحِ التي عليَها يدورُ أمرُ الكائنات لا سيما مثلُ هذه الأمورِ العظام والالتفاتُ لما قدمناه ولتحقيق مضمون الجملةِ بالإيماء إلى العلة (لِكُلّ أَجَلٍ) أي لكل مدةٍ ووقت من المُدد والأوقات (كِتَابٌ) حكمٌ معين يُكتب على العباد حسبما تقتضيه الحكمةُ فإن الشرائعَ كلها الإصلاح أحوالِهم في المبدأ والمعاد ومن قضية ذلك أنه يختلف حسب اختلافِ أحوالِهم المتغيرة حسب تغيرا الأوقات كاختلاف العِلاج حسب اختلافِ أحوالِ المرضى بحسب الأوقات
стр. 2927
(يَمْحُو الله مَا يَشَاء) أي ينسخ ما يشاء نسخَه من الأحكام لما تقتضيه الحكمةُ بحسب الوقت (وَيُثَبّتْ) بدلَه ما فيه المصلحةُ أو يبقيه على حاله غيرَ منسوخ أو يثبتُ ما شاء إثباتَه مطلقاً أعمَّ منهما ومن الإنشاء ابتداءً أو يمحو من ديوان الحفَظةِ الذين ديدنُهم كَتْبُ كلِّ قولٍ وعمل مالا يتعلق به الجزاءُ ويثبت الباقيَ أو يمحو سيئاتِ التائبِ ويثبت مكانها الحسنةَ أو يمحو قَرْناً ويثبت آخرين أو يمحو الفاسداتِ من العالم الجُسماني ويثبت الكائنات أو يمحو الرزق ويزيد فيه أو يمحو الأجل أو السعادة والشقاوة وبه قال ابنُ مسعودٍ وابنُ عمر رضى الله عنهم والقائلون به يتضرعون إلى الله تعالَى إِنَّ يجعلهم سعداءَ وهذا رواه جابر عنِ النبيِّ ﷺ والأنسبُ تعميمُ كل من المحو والإثبات ليشمل الكل ويدخلُ في ذلك موادُّ الإنكار دخولا أولياء وقرىء بالتشديد (وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب) أي أصلُه وهو اللوحُ المحفوظُ إذْ مَا من شيءٍ من الذاهب والثابت إلا وهو مكتوبٌ فيه كما هو
стр. 2928
(وإما نرينك) أصله إن نُرِكَ ومَا مزيدةٌ لتأكيدِ معنى الشرط ومن ثمة أُلحقت النون بالفعل (بَعْضَ الذى نَعِدُهُمْ) أي وعدناهم من إنزال العذابِ عليهم والعدول إلى صيغة المضارعِ لحكايةِ الحالِ الماضيةِ أو نعدهم وعدا متجددا حسبما تقتضيه الحكمة من إنذار غب إنذار وفي إيراد البعض رمزا إلى إرادة بعض الموعودِ (أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ) قبلَ ذلكَ (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ) أي تبليغُ أحكام الرسالةِ بتمامها لا تحقيقُ مضمون ما بلّغته من الوعيد الذي هو من جملتها (وَعَلَيْنَا) لا عليك (الحساب) محاسبةُ أعمالهم السيئةِ والمؤاخذةُ بها أي كيفما دارت الحال أريناك بعض ما وعدناهم من العذاب الدنيويِّ أو لم تركه فعلينا ذلك وما عليك إلا تبليغُ الرسالة فلا تهتم بما وراء ذلك فنحن نكفيكه ونتمّ ما وعدناك من الظفر ولا يُضجِرْك تأخرُه فإن ذلك لما نعلم من المصالح الخفيةِ ثم طيَّب نفسَه ﵊ بطلوع تباشيره فقال
стр. 2929
(أولم يروا) استفهام إنكاري والواو للعطفِ على مقدرٍ يقتضيه المقام أي أأنكروا نزول
стр. 2930
الرعد ٤٢ ما وعدناهم أو أشكّوا أو ألم ينظرُوا في ذلك ولم يرَوا (أَنَّا نَأْتِى الأرض) أي أرضَ الكفر (نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا) بأن نفتحها على المسلمين شيئاً فشيئاً ونُلحقَها بدار الإسلام ونُذهب منها أهلها بالقتل والأسر والإجلاءِ أليس هذا من ذلك ومثلُه قوله عز سلطانه أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الغالبون وقوله ننقُصها حالٌ من فاعل نأتي أو من مفعوله وقرىء نُنَقصها بالتشديد وفي لفظ الإتيان المؤذِن بالاستواء المحتوم والاستيلاءِ العظيم من الفخامة ما لا يخفى كما في قوله وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً (والله يَحْكُمُ) ما يشاءُ كما يشاءُ وقد حكم للإسلام بالعزة والإقبال وعلى الكفر بالذلة والإدبار حسبما يشاهَد من المخايل والآثار وفي الالتفات منَ التكلمِ إلى الغَيبة وبناءِ الحُكم على الاسم الجليل من الدِلالة على الفخامة وتربية المهابة وتحقيق مضمون الخبر بالإشارة إلى العلة ما لا يخفى وهي جملة اعتراضية جيء بها لتأكيد فحوى ما تقدمها وقوله تعالى (لَا مُعَقّبَ لِحُكْمِهِ) اعتراضٌ في اعتراض لبيان علوّ شأن حكمِه ﷻ وقيل نصبٌ على الحالية كأنه قيل والله يحكمُ نافذاً حكمُه كما تقول جاء زيد لا عمامةٌ على رأسه أي حاسراً والمعقّب من يكُرّ على الشيء فيبطله وحقيقتُه مِن يعقبه ويقفّيه بالرد والإبطال ومنه قيل لصاحب الحق معقّب لأنه يقفى غريمه بالاقتضاء والطلب (وَهُوَ سَرِيعُ الحساب) فعما قليلٍ يحاسبهم ويجازيهم في الآخرة بأفانينِ العذاب غِبّ ما عذبهم بالقتل والأسر والإجلاءِ حسبما يُرى وقالَ ابنُ عباسٍ ﵄ سريعُ الانتقام
стр. 2931
(وَقَدْ مَكَرَ) الكفار (الذين) خلوا (من قبلهم) من قبلِ كفارِ مكةَ بأنبيائهم والمؤمنين كما مكر هؤلاءِ وهذا تسليةٌ لرسول الله ﷺ بأنه لا عبرةَ بمكرهم ولا تأثير بل لا وجود له في الحقيقة ولم يصرّح بذلك اكتفاءً بدلالة القصرِ المستفادِ من تعليله أعني قوله تعالى (فَلِلَّهِ المكر) أي جنسُ المكر (جَمِيعاً) لا وجودَ لمكرهم أصلاً إذ هو عبارةٌ عن إيصال المكروهِ إلى الغير من حيث لا يشعُر به وحيث كان جميع ما يأتون وما يذرون بعلم الله تعالى وقدرتِه وإنما لهم مجردُ الكسب من غير فعلٍ ولا تأثير حسبما يبينه قوله (يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ) ومن قضيته عصمةُ أوليائِه وعقابُ الماكرين بهم توفيةً لكل نفس جزاءَ ما تكسبه ظهر اليس لمكرهم بالنسبة إلى مَن مكروا بهم عينٌ ولا أثرٌ وأن المكرَ كله لله تعالى حيث يؤاخذهم بما كسبوا من فنون المعاصي التي من جملتها مكرُهم من حيثُ لا يحتسبون أو لله المكرُ الذي باشروه جميعاً لا لهم على معنى أن ذلك ليس مكراً منهم بالأنبياء بل هو بعينه مكرٌ من الله تعالى بهم وهم لا يشعرون حيث لا يحيق المكر السيء إلا بأهله (وَسَيَعْلَمُ الكفار) حين يقضي بمقتضى علمه فيوفِّي كلَّ نفس جزاءَ ما تكسبه (لِمَنْ عُقْبَى الدار) أي العاقبةُ الحميدةُ من الفريقين وإن جهِلوا ذلك يومئذ وقيل السينُ لتأكيد وقوعِ ذلك وعلمِهم به حينئذ وقرىء سيعلم الكافرُ على إرادة الجنسِ والكافرون والكفرُ أي أهله والذين كفروا وسيُعلم على صيغة المجهول من الإعلام أي سيخبر
стр. 2932
الرعد
стр. 2933
٤٣ - (وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً) قيل قاله رؤساءُ اليهود وصيغةُ الاستقبال لاستحضار صورةِ كلمتهم الشنعاءِ تعجيباً منها أو للدِلالة على تجدد ذلك واستمرارِه منهم (قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) فإنه قد أظهر على رسالتي من الحجج القاطعةِ والبينات الساطعةِ ما فيه مندوحةٌ عن شهادة شاهد آخرَ (وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب) أي علمُ القرآنِ وما عليه من النظم المعجز أو مَن هو مِن علماء أهلِ الكتابِ الذين أسلموا لأنهم يشهدون بنعته ﵊ في كتبهم والآية مدنيةٌ بالاتفاق أو مَنْ عنده علم اللوحِ المحفوظ وهو الله سبحانه أي كفى به شاهداً بيننا بالذي يستحق العبادةَ فإنه قد شحَن كتابه بالدعوة إلى عبادته وأيدني بأنواع التأييدِ وبالذي يختص بعلم ما في اللوح من الأشياء الكائنةِ الثابتةِ التي من جملتها رسالتي وقرىء من عنده بالكسر وعلم الكتاب على الأول مرتفع بالظرف المعتمد الموصول أو مبتدأٌ خبرُه الظرفُ وهو متعين على الثاني ومِن عنده عُلِمَ الكتابُ بالكسر وبناء المفعول ورفع الكتابِ عن رسولِ الله ﷺ مَنْ قرأَ سورة الرعد أُعطِيَ من الأجر عشرَ حسناتٍ بوزن كل سحابٍ مضى وكلِّ سحابٍ يكون إلى يوم القيامة وبُعث يوم القيامة من المُوفين بعهد الله والله أعلم بالصواب
стр. 2934
سورةِ إبراهيمَ ﵇ آيتي ثمانية وعشرون وتسعة وعشرون فمدنيتان وآيتها إثنان وخمسون)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 2935
(الر) مر الكلامُ فيه وفي محله غيرَ مرَّةٍ وقوله تعالى (كِتَابٌ) خبرٌ له على تقدير كون آلر مبتدأً أو لمبتدإٍ مضمرٍ على تقدير كونِه خبراً لمبتدأٍ محذوفٍ أو مسروداً على نمطِ التعديدِ ويجوز أن يكون خبراً ثانياً لهذا المبتدأ المحذوف وقولُه تعالى ﴿أنزلناه إِلَيْكَ﴾ صفة له وقوله تعالى ﴿لِتُخْرِجَ الناس﴾ متعلقٌ بأنزلناه أي لتخرجَهم كافةً بَما فِي تضاعيفِه من البينات الواضحة المفصحةِ عن كونه من عندِ الله الكاشفةِ عن العقائد الحقةِ وقرىء ليخرِج الناسَ (مِنَ الظلمات) أي ليُخرج به الناسَ من عقائد الكفر والضلال التي كلُّها ظلماتٌ محضةٌ وجهالاتٌ صِرْفة (إِلَى النور) إلى الحقِّ الذي هو نورٌ بحتٌ لكن لا كيفما كان فإنك لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ بل (بِإِذْنِ رَبّهِمْ) أي بتيسيره وتوفيقِه وللإنباء عن كون ذلك منوطاً بإقبالهم إلى الحق كما يفصحُ عنه قولُه تعالى وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَن أناب لستعير له الإذنُ الذي هو عبارةٌ عن تسهيل الحجابِ لمن يقصِد الورودَ وأضيف إلى ضميرهم اسمُ الربِّ المفصحِ عن التربية التي هي عبارةٌ عن تبليغُ الشيءِ إلى كماله المتوجّه إليه وشمولُ الإذن بهذا المعنى للكل واضحٌ وعليه يدور كونُ الإنزال لإخراجهم جميعاً وعدمُ تحققِ الإذن بالفعل في بعضهم لعدم تحققِ شرطِه المستند إلى سوء اختيارِهم غيرُ مخلٍ بذلك والياء متعلقةٌ بتخرج أو بمُضْمَرٍ وقعَ حالاً مِنْ مفعوله أيْ ملتبسينَ بإذنِ ربِّهم وجعله حالاً من فاعله يأباه إضافةُ الربِّ إليهم لا إليه وحيث كان الحقُّ مع وضوحه في نفسه وإيضاحه لغيره موصلاً إلى الله استُعير له النورُ تارة والصراطُ أخرى فقيل (إلى صِرَاطِ العزيز الحميد) على وجه الإبدالِ بتكرير العامل كما في قوله تعالى للذين استضعفوا لمن آمن مِنْهُمْ وإخلالُ البدل والبيانِ بالاستعارة إنما هو في الحقيقة لا في المجاز كما في قوله سبحانه حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الابيض مِنَ الخيط الاسود مِنَ الفجر وقيل هو استئناف مبني على سؤال كأنه قيل إلى أي نور فقيل إلى صراط العزيز الحميد وإضافةُ الصراط إليه تعالى لأنه مقصِدُه أو المبينُ له وتخصيصُ الوصفين بالذكر للترغيب في سلوكه ببيان ما فيه من الأمن والعاقبةِ الحميدة
стр. 2936
(الله) بالجر عطفُ بيان للعزيز الحميد لجريانه مَجرى الأعلامِ الغالبة بالاختصاص بالمعبود بالحق
стр. 2937
إبراهيم ٣ كالنجم في الثريا وقرىء بالرفع على هو الله أي العزيزِ الحميد الذي أضيف إليه الصراط الله (الذى لَهُ) مُلكاً ومِلكاً (مَا فِي السموات وما في الارض) أي ما وُجد فيهما داخلاً فيهما أو خارجاً عنهما مُتمكِّناً فيهما كما مرَّ في آيةِ الكرسي ففيه على القراءتين بيانٌ لكمال فخامة شأنِ الصراط وإظهارٌ لتحتم سلوكه على الناس قاطبةً وتجويزُ الرفع على الابتداء يجعل الموصول خبراً مبناه الغفولُ عن هذه النكتة وقوله (وَوَيْلٌ للكافرين) وعيدٌ لمن كفر بالكتاب ولم يخرجْ به مّنَ الظلمات إِلَى النور بالويل وهو نقيضُ الوال وهو النجاةُ وأصله النصبُ كسائر المصادر ثم رفع رفعها للدِلالة على الثبات كسلامٌ عليك (مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) متعلق بويل على معنى يولولون ويضجون منه قائلين ياويلاه كقوله تعالى دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً
стр. 2938
(الذين يَسْتَحِبُّونَ الحياة الدنيا) أي يؤثرونها استفعالٌ من المحبة فإن المؤثرَ للشيء على غيره كأنه يطلب من نفسه أن يكون أحبَّ إليها وأفضلَ عندها من غيره (على الأخرة) أي الحياة الآخرةِ الأبدية (وَيَصُدُّونَ) الناس (عَن سَبِيلِ الله) التي بين شأنُها والاقتصارُ على الإضافة إلى الاسم الجليل المنطوي على كل وصف جميل لروم الاختصار وهو من صدّه صداً وقرىء يُصِدّون من أَصَدَ المنقولِ من صد صدوداً إذا نكَب وهو غيرُ فصيح كأوقف فإن في صدّه ووقفه لمندوحة عن تكلف النقل (وَيَبْغُونَهَا) أي يبغون لها فحُذف الجار وأوصل الفعل إلى الضمير أي يطلبون لها (عِوَجَا) أي زيغاً واعوجاجاً وهي أبعدَ شيءٍ من ذلكَ أي يقولون لمن يريدون صدَّه وإضلاله إنها سبيلٌ ناكبةٌ وزائغة غيرُ مستقيمة ومحلُّ موصول هذه الصلاتِ الجرِّ على أنَّه بدلٌ من الكافرين أو صفةٌ له فيعتبر كلُّ وصف من اوصافهم بإزار ما يناسبه من المعاني المعتبرةِ في الصراط فالكفرُ المنبىء عن الستر بإزاد كونه نوراً واستحبابُ الحياة الدنيا الفانيةِ المفصحةِ عن وخامة العاقبةِ بمقابلة كونِ سلوكه محمودَ العاقبة والصدُّ عنه بإزاء كونه مأموناً وفيه من الدلالة على تماديهم في الغي مالا يخفى أو النصبُ على الذمِّ أو الرفعُ على الابتداءِ والخبرُ قوله تعالى ﴿أُوْلَئِكَ فِى ضلال بَعِيدٍ﴾ وعلى الأول جملةٌ مستأنفة وقعت معلّلةً لما سبق من لحوق الويل بهم تأكيدا لما شعر به بناء الحكم على الموصول أي أولئك الموصوفون بالقبائح المذكورةِ من استحباب الحياة الدنيا على الآخرة وصدِّ الناس عن سبيل الله المستقيمةِ ووصفها بالاعوجاج وهي منه بنزه في ضلال عن طريق الحق بعيدٍ بالغٍ في ذلك غايةَ الغايات القاصيةِ والبعدُ وإن كان من أحوال الضالّ إلا أنه قد وُصف به وصفُه مجازاً للمبالغة كجدّ جدُّه وداهيةٌ دهياءُ ويجوز أن يكون المعنى في ضلال ذي بُعد أو فيه بُعدٌ فإن الضالّ قد يضِل عن الطريق مكاناً قريباً وقد يضل بعيداً وفي جعل الضلال محيطاً بهم إحاطةَ الظرف بما فيه ما لا يَخفْى من المبالغة
стр. 2939
إبراهيم
стр. 2940
٤ - (وَمَا أَرْسَلْنَا) أي في الأمم الخاليةِ من قبلك كما سيذكر إجمالاً (مِن رَّسُولٍ إِلَاّ) ملتبساً (بِلِسَانِ قَوْمِهِ) متكلماً بلغة من أُرسل إليهم من الأمم المتفقة على لغة سواءٌ بعث فيهم أولا وقرىء بلِسْنِ وهو لغة فيه كريش ورياش وبلُسُنْ بضمتين وضمة وسكون كعُمُد وعُمْد (لِيُبَيّنَ لَهُمُ) ما أمروا به فيلتقوا منه بيُسر وسُرعة ويعملوا بموجبه منْ غيرِ حاجةٍ إلى الترجمة ممن لم يُؤمر به وحيث لم يمكن مراعاةُ هذه القاعدة في شأن سيدنا محمدٍ ﷺ وعليهم أجمعين لعموم بعثتِه للثقلين كافةً على اختلاف لغاتِهم وكان تعددُ نظمِ الكتاب المنزل إليه حسب تعددِ ألسنة الأممِ أدعى إلى التنازع واختلافِ الكلمة وتطرّقِ أيدي التحريف مع أن استقلال بعضٍ من ذلك بالإعجاز دون غيره مثنة لقدح القادحين واتفاقَ الجميع فيه أمرٌ قريب من الإلجاء وحصرِ البيانِ بالترجمة والتفسير اقتضت الحكمةُ اتحادَ النظمِ المنبىء عن العزة وجلالةِ الشأن المستتبعِ لفوائدَ غنيةٍ عن البيان على أن الحاجة إلى الترجمة تتضاعف عند التعددِ إذ لا بد لكل أمةٍ من معرفة توافق الكلِّ وتحاذيه حذوَ القُذّة بالقذة من غير مخالفة ولو في خَصلة فذّة وإنما يتم ذلك بمن يترجم عن الكل واحداً أو متعدداً وفيه من التعذر ما يتاخم الامتناعَ ثم لما كان أشرفَ الأقوام وأولاهم بدعوته ﵊ قومُه الذين بعث فيهم ولغتُهم أفضلَ اللغات نزل الكتابُ المتين بلسان عربي مبين وانتشرت أحكامُه فيما بين الأمم أجمعين وقيل الضمير في قومه لمحمد ﷺ فإنه تعالى أنزل الكتب كلَّها عربيةً ثم ترجمها جبريل ﵊ أو كلُّ من نزل عليه من الأنبياءِ ﵈ بلغة من نزل عليهم ويرده قولِه تعالى لِيُبَيّنَ لَهُمُ فإنه ضميرُ القوم وظاهرٌ أن جميع الكتب لم ينزل لتبيين العرب وفي رَجْعه إلى قوم كل نبي كأنه قيل وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلا بلسان قوم محمدٍ ﷺ ليبين الرسولُ لقومه الذين أرسل إليهم مالا يخفى من التكلف (فَيُضِلُّ الله مَن يَشَاء) إضلالَه أي يخلق فيه الضلال لمباشرة أسبابِه المؤدية إليه أو يخذله ولا يلطُف به لما يعلم أنه لا ينجع فيه الإلطاف (وَيَهْدِى) بالتوفيق ومنح الإلطاف (مَن يَشَآء) هدايتَه لما فيه من الإنابة والإقبال إلى الحق والالتفاتُ بإسناد الفعلين إلى الاسم الجليل المنطوي على الصفات لتفخيم شأنِهما وترشيح مناطِ كلَ منهما والفاء فصيحة مثلُها في قولِه تعالَى فَقُلْنَا اضرب بّعَصَاكَ البحر فانفلق كأنه قيل فبيّنوه لهم فأضل الله منهم من شاء إضلالَه لما لا يليق إلا به وهدى من شاء هدايتَه لاستحقاقه لها والحذفُ للإيذان بأن مسارعة كلِّ رسول إلى مَا أُمر بهِ وجريانَ كلَ من أهل الخذلان والهدايةِ على سنته أمرٌ محققٌ غنيٌّ عن الذكر والبيانِ والعدولُ إلى صيغة الاستقبالِ لاستحضار الصورةِ أو للدِّلالةِ على التَّجددِ والاستمرارِ حسب تجدد البيانِ من الرسل المتعاقبةِ ﵈ وتقديمُ الإضلال على الهداية إما لأنه إبقاءُ ما كان على من كان والهدايةُ إنشاءُ ما لم يكن أو للمبالغة في بيانِ أن لا تأثيرَ للتبيين والتذكير من قبل الرسلِ وأن مدارَ الأمر إنما هو مشيئتُه تعالى بإيهام أن ترتبَ الضلالةِ على ذلك أسرعُ من
стр. 2941
إبراهيم ٥ ترتب الاهتداءِ وهذا محقِّقٌ لما سلف من تقييد الإخراجِ مّنَ الظلمات إِلَى النور بإذن الله تعالى (وَهُوَ العزيز) فلا يغالَب في مشيئته (الحكيم) الذي لا يفعلُ شيئاً من الإضلال والهداية إلا لحكمة بالغةٍ وفيه أن ما فُوِّض إلى الرسل إنما هو تبليغُ الرسالة وتبيينُ طريقِ الحقِّ وأما الهدايةُ والإرشادُ إليه فذلك بيد الله سبحانه يفعلُ مَا يشاءُ ويحكُم ما يريد
стр. 2942
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى) شروعٌ في تفصيل ما أجمل في قولِه وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَاّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيّنَ لهم الآية (بآياتنا) أي ملتبساً بها وهي معجزاتُه التي أظهرها لبني إسرائيلَ (أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ) بمعنى أي أخرِجْ لأن الإرسالَ فيه معنى القول أو بأن أخرِجْ كما في قوله تعالى وأن أَقِمْ وَجْهَكَ فإن صيغ الأفعال في الدلالةِ على المصدرِ سواءٌ وهو المدارُ في صحة الوصل والمرادُ بذلك إخراجُ بني إسرائيلَ بعد مهلِك فرعون (مِنَ الظلمات) من الكفر والجهالاتِ التي أدتهم إلى أن يقولوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة (إِلَى النور) إلى الإيمان بالله وتوحيده وسائرِ ما أُمروا به (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله) أي بنعمائه وبلائِه كما ينبىء عنه قوله اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ لكن لا بما جرى عليهم فقط بل عليهم وعلى مِن قَبْلِهِم من الأممِ في الأيام الخالية حسبما ينبى عنه قولُه تعالَى أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِكُمْ الآيات أو بأيامه المنطوية على ذلك كَما يلوحُ بهِ قولُه تعالى إِذْ أَنجَاكُمْ والالتفاتُ من التكلم إلى الغبية بإضافة الأيام إلى الاسم الجليل للإيذان بفخامة شأنِها والإشعارِ بعدم اختصاصِ ما فيها من المعاملة بالمخاطب وقومِه كما تُوهمه الإضافةُ إلى ضمير المتكلم أي عظْهم بالترغيب والترهيب والوعدِ والوعيد وقيل أيامُ الله وقائعُه التي وقعت على الأمم قبلهم وأيامُ العرب وقائعُها وحروبُها وملاحمها أي أنذرهم وقائعَه التي دهمت الأممَ الدارجة ويردّه ما تصدى له ﷺ بصدد الامتثالِ من التذكير بكل من السراء والضراء مما جرى عليهم وعلى غيرهم حسبما يتلى عليك (إِنَّ فِي ذَلِكَ) أي في التذكير بها أو في مجموع تلك النعماءِ والبلاءِ أو في أيامها (لآيات) عظيمة أو كثيرة دالةً على وحدانية الله تعالى وقدرتِه وعلمه وحكمته فهي على الأول عبارةٌ عن الأيام سواءٌ أريد بها أنفسُها أو ما فيها من النعماء والبلاءِ ومعنى ظرفية التذكيرِ لها كونُه مناطاً لظهورها وعلى الثالث عن تلك النعماء والبلاء ومعنى الظرفية ظاهر وأما على الثاني وهو كونُه إشارةً إلى مجموع النعماءِ فعن كل واحدةٍ من تلك النعماء والبلاء والمشارُ إليه المجموعُ المشتمل عليها من حيثُ هو مجموعٌ أو كلمة في تجريديةٌ مثلُها في قولِه تعالَى لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ (لّكُلّ صَبَّارٍ) على بلائه (شَكُورٍ) لنعمائه وقيل مؤمنٍ والتعبيرُ عنهم بذلك للإشعار بأن الصبرَ والشكرَ عنوانُ المؤمن أي لكل مَن يليق بكمال الصبرِ والشكر أو الإيمان ويصير أمرَه إليها لا لمن اتصف بها بالفعل لأنه تعليلٌ للأمر بالتذكير المذكور السابق على التذكير المؤدّي إلى تلك المرتبة فإن من تذكّر ما فاض أو نزل عليه أو على مَنْ قبله من النعماء والبلاءِ وتنبّه لعاقبة الشكر والصبر أو الإيمان لا يكاد يفارقها وتخصيصُ الآيات بهم لأنهم المنتفعون بها لا لأنها خافية
стр. 2943
إبراهيم ٦ ٧ عن غيرهم فإن النبيين حاصلٌ بالنسبة إلى الكل وتقديمُ الصبار على الشكور لتقدم متعلَّقِ الصبر أعني البلاء على متعلّق الشكر أعني النعماء وكون الشكر عافية الصبر
стр. 2944
(وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ) شروعٌ في بيان تصدّيه ﵊ لما أُمر به من التذكير للإخراج المذكورِ وإذْ منصوبٌ على المفعوليةِ بمضمرِ خوطبَ به النبيُّ ﷺ وتعليقُ الذكر بالوقت مع أن المقصودَ تذكيرُ ما وقع فيه من الحوادث قد مرَّ سرُّه غيرَ مرة أي أذكُر لهم وقت قوله ﵊ لقومه (اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ) بدأ ﵊ بالترغيب لأنه عند النفس أقبلُ وهي إليه أميلُ والظرفُ متعلّقٌ بنفس النعمة إن جُعلت مصدراً أو بمحذوفٍ وقعَ حالاً منها إنْ جُعلت اسماً أي اذكروا إنعامه عليكم واذكروا نعمته كائنةً عليكم وكذلك كلمةُ إذْ في قوله تعالى (إِذْ أنجاكم من آل فرعون) أي اذكروا إنعامه عليكم وقت إنجائِه إياكم من آلِ فرعونَ أو اذكروا نعمةَ الله مستقرةً عليكم وقت إنجائِه إياكم منهم أو بدلُ اشتمالٍ من نعمةَ الله مراداً بها الإنعامُ أو العطية (يَسُومُونَكُمْ) يبغونكم مِنْ سامه خَسفاً إذا أولاه ظلماً وأصلُ السَّوم الذهابُ في طلب الشيء (سُوء العذاب) السوءُ مصدر ساء يسوء والمرادُ به جنس العذاب السيء أو استبعادهم واستعمالُهم في الأعمال الشاقة والاستهانةُ بهم وغيرُ ذلك مما لا تحصرو نصبه على أنه مفعولٌ ليسومونكم (وَيُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ) المولودين وإنما عطفه على يسومونكم إخراجاً له عن مرتبة العذاب المعتاد وإنما فعلوا ذلك لأن فرعونَ رأى في المنام أو قال له الكهنةُ أنه سيولد منهم مَنْ يذهب بملكه فاجتهدوا في ذلك فلن يُغن عنهم من قضاء الله شيئاً (وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ) أي يُبقونهن في الحياة مع الذل والصَّغار ولذلك عد من جملة البلاء والجملُ أحوالٌ من آلِ فرعونَ أو من ضمير المخاطبين أو منهما جميعاً لأن فيها ضميرَ كلَ منهما (وَفِى ذلكم) أي فيما ذكر من أفعالهم الفظيعة (بَلاء مِّن رَّبّكُمْ) أي ابتلاء منه لا أن البلاء عينُ تلك الأفعال اللهمَّ إلَاّ أنْ تجعلَ في تجريديةً فنسبتُه إلى الله تعالى إما من حيث الخلقُ أو الإقدارُ والتمكين (عظِيمٌ) لا يطاق ويجوز أن يكون المشارُ إليه الإنجاء من ذلك والبلاءُ الابتلاءُ بالنعمة وهو الأنسب كما يلوحُ به التعرضُ لوصف الربوبية وعلى الأول يكون ذلك باعتبار المآل الذي هو الإنجاءُ أو باعتبار أن بلاء المؤمن تربيةٌ له
стр. 2945
(وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ) من جملة موسى ﵊ لقومه معطوفٌ على نعمةَ الله أي اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ واذكروا حين تأذّن ربكم أي آذن إيذاناً بليغاً لا تبقى معه شائبةٌ لِما في صيغة التفعّل من معنى التكلف المحمول في حقه سبحانه على غايته التي هي الكمالُ وقيل هو معطوفٌ على قوله تعالى إِذْ أَنجَاكُمْ أي اذكروا نعمتَه تعالى في هذين الوقتين فإن هذا التأذنَ أيضاً نعمةٍ من الله تعالَى عليهم ينالون بها خيري الدنيا والآخرة وفي قراءةُ ابن مسعودٍ رضي الله تعالى عنه وإذ قال ربكم ولقد ذكّرهم ﵊ أوَّلاً بنعمائه تعالى
следующие страницы →