← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

الرعد

стр. 2872

٥ - ٦ ﴿وَإِن تَعْجَبْ﴾ يا محمد من شيء ﴿فَعَجَبٌ﴾ لا أعجبُ منه حقيقٌ بأن يُقصَرَ عليه التعجب ﴿قَوْلُهُمْ﴾ بعد مشاهدةِ ما عدد لك من الآيات الشاهدةِ بأنه تعالَى على كُلِّ شيءٍ قدير ﴿أئذا كُنَّا تُرَابًا﴾ على طريقة الاستفهامِ الإنكاريِّ المفيدِ لكمال الاستبعادِ والاستنكارِ وهو في محلِ الرفعِ على البدلية من قولهم على أنه بمعنى المقول أو في محلِّ النصبِ على المفعولية منه على أنَّه مصدرٌ فالعجبُ على الأول كلامُهم وعلى الثاني تكلّمُهم بذلك والعاملُ فِي إذَا ما دل عليه قوله ﴿أئنا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وهو نُبعث أو نعاد وتقديمُ الظَّرفِ لتقويةِ الإنكارِ بالبعث بتوجيهه إليه في حالةٍ منافيةٍ له وتكريرُ الهمزة في قولهم أئنا لتأكيد الإنكارِ وليس مدارُ إنكارِهم كونَهم ثابتين في الخلق الجديد بالفعل عند كونِهم بعريضة ذلك واستعدادِهم له وفيه من الدلالة على عتوّهم وتماديهم في النكير ما لا يخفى وقيل إن تعجب من قولهم في إنكار البعثِ فعجبٌ قولُهم والمآلُ وإن تعجبْ فقد تعجّبت في موضع التعجّبِ وقيل وإن تعجب من إنكارِهم البعثَ فعجبٌ قولُهم الدالُّ عليه فتأمل وقد جُوّز كونُ الخطاب لكلِّ من يصلُح له أي إن تعجبْ يا من ينظُر في هذه الآياتِ من قدرة مَنْ هذه أفعالُه فازددْ تعجباً ممن ينكر مع هذه الدلائلِ قدرتِه تعالى على البعث وهو أهونُ من هذه والأنسبُ بقوله ويستعجلونك بالسيئة هُو الأولُ وقولُه تعالى فَعَجَبٌ خبرٌ قُدّم على المبتدأ للقصر والتسجيل من أول الأمر بكون قولهم ذاك أمراً عجيباً ويجوز أن يكون مبتدأً لكونه موصوفاً بالوصف المقدر كما أشير إليه فالمعنى وإن تعجب فالعجب الذي لا عجب وراءه قولُهم هذا فاعجب منه وعلى الأول وإن تعجب فقولُهم هذا عجبٌ لا عجبَ فوقه ﴿أولئك﴾ مبتدأٌ والموصولُ خبرُه أي أولئك المنكرون لقدرته تعالى على البعث ريثما عاينوا ما فُصّل من الآيات الباهرةِ المُلْجئة لهم إلى الإيمان لو كانوا يبصرون ﴿الذين كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ﴾ وتمادَوْا في ذلك فإن إنكارهم لقدرته كفرٌ به وأيُّ كفر ﴿وَأُوْلئِكَ﴾ مبتدأ خبرُه قوله ﴿الأغلال فِى أعناقهم﴾ أي مقيّدون بقيود الضلال لا يرجى خلاصُهم أو مغلولون يوم القيامة ﴿وَأُوْلئِكَ﴾ الموصوفون بما ذكر من الصفات ﴿أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون﴾ لا ينفكوّن عنها وتوسيطُ ضمير الفصلِ ليس لتخصيص الخلودِ بمنكري البعثِ خاصة بل بالجميع المدلولِ عليه بقوله تعالى ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ﴾

стр. 2873

﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة﴾ بالعقوبة التي أُنذِروها وذلك حين سألوا رسول الله ﷺ أن يأتيَهم بالعذاب استهزاءً منهم بإنذاره ﴿قَبْلَ الحسنة﴾ أي العافيةِ والإحسانِ إليهم بالإمهال ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المثلات﴾ أي عقوباتُ أمثالِهم من المكذبين فما لهم لا يعتبرون بها ولا يحترزون حلولَ مثلها

стр. 2874

الرعد ٧ ٨ بهم والجملة الحاليةُ لبيان ركاكةِ رأيِهم في الاستعجال بطريق الاستهزاءِ أي يستعجلونك بها مستهزئين بإنذارك منكِرين لوقوع ما أنذرتَهم إياه والحالُ أنه قد مضت العقوباتُ النازلةُ على أمثالهم من المكذبين والمستهزئين والمُثْلة بوزن السُّمْرة العقوبةُ سميت بها لما بينها وبين المعاقَب عليه من المماثلة ومنه المثال القصاص وقرىء المُثُلات بضمتين بإتباع الفاء العين والمَثْلات بفتح الميم وسكون الثاء كما يقال السَّمْرة والمُثْلات بضم الميم وسكون الثاء تخفيف المُثُلات جمع مُثْلة كرُكبة ورُكْبات ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ عظيمةٍ ﴿لّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ﴾ أنفسهم بالذنوب والمعاصي ومحلُّه النصبُ عَلى الحاليّةِ أي ظالمين والعاملُ فيه المغفرة والمعنى إن ربك لغفورٌ للناس لا يعجّل لهم العقوبةَ وإن كانوا ظالمين بل يمهلهم بتأخيرها ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العقاب﴾ يعاقب من يشاء منهم حين يشاء فتأخيرُ ما استعجلوه ليس للإهمال وعنه ﵊ لولا عفوُ الله وتجاوزُه ما هنأ لأحد العيشُ ولولا وعيده وعقابه لا تكل كُلُّ أحد

стр. 2875

﴿وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ﴾ وهم المستعجلون أيضاً وإنما عدَل عن الإضمار إلى الموصول ذماً لهم ونعياً عليهم كفرَهم بآياتِ الله تعالى التي تخِرُّ لها صُمُّ الجبال حيث لم يرفعُوا لها رأساً ولم يعُدّوها من جنس الآيات وَقَالُواْ ﴿لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آية مّن رَّبّهِ﴾ مثلَ آياتِ موسى وعيسى عليهما الصلاة السلام عناداً ومكابرةً وإلا ففي أدنى آيةٍ أُنزلت ﵊ غُنيةٌ وعِبرةٌ لأولي الألباب ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ﴾ مرسَلٌ للإنذار من سوء عاقبةِ ما يأتون ويذرون كدأب مَنْ قبلك من الرسل وليس عليك إلا الإتيانُ بما يُعلم به نُبوَّتُك وقد حصل ذلكَ بما لا مزيدَ عليهِ ولا حاجةَ إلى إلزامهم وإلقامِهم الحجرَ بالإتيان بما اقترحوا من الآيات ﴿وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ معينٌ لا بالذات بل بعنوان الهدايةِ يعني لكل قوم نبيٌّ مخصوصٌ له هدايةٌ مخصوصةٌ يقتضي اختصاصُ كلَ منهم بما يختص به حكم لا يعلمُها إلا الله أو لكل قوم هادٍ عظيمُ الشأنِ قادرٌ على ذلك هو الله سبحانه وما عليك إلا إنذارُهم فلا يُهِمَنك عنادُهم وإنكارُهم للآيات المنزّلةِ عليك وازدراؤهم بها ثم عقّبه بما يدل على كمال علمِه وقدرتِه وشمولِ قضائِه وقدَره المبنيَّين على الحِكَم والمصالحِ تنبها على أن تخصيصَ كلِّ قوم بنبي وكل نبي بجنس معين من الآيات إنما هو للحِكَم الداعية إلى ذلك إظهاراً لكمال قدرتِه على هدايتهم لكن لا يهدي إلا من تعلّق بهدايته مشيئتُه التابعةُ لِحكَم استأثر بعلمها فقال

стр. 2876

﴿الله يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى﴾ أي تحمِله فما موصولةٌ أُريد بها ما في بطنها من حين العُلوقِ إلى زمن الولادةِ لا بعد تكاملِ الخلقِ فقط والعلمُ متعدَ إلى واحد أو أيَّ شيءٍ تحملُ وعلى أي حال هو من الأحوال المتواردةِ عليه طوراً فطوراً فهي استفهاميةٌ معلقةٌ للعلم أو حملَها فهي مصدرية ﴿وَمَا تَغِيضُ الأرحام وَمَا تَزْدَادُ﴾ أي تنقُصه وتزداده في الجُثة كالخَديج والتام وفي المدة كالمولود في أقلِّ مدة الحملِ والمولود في أكثرها وفيما بينهما قيل إن الضحاك ولد في سنتين وهرم بن حيان في أربع ومن ذلك سُمِّي هرِماً وفي العدد كالواحد فما فوقه يروى أن شريكاً كان رابعَ أربعةٍ أو يعلم نقصها وإزديادها

стр. 2877

الرعد ٩ ١١ لما فيها فالفعلان متعدّيان كما في قوله تعالى ﴿وَغِيضَ الماء﴾ وقوله تعالى ﴿وازدادوا تسعا﴾ وقوله تزداد كيل بعير أولا زمان قد أسند إلى الأرحام مجازاً وهما لما فيها ﴿وَكُلَّ شىْء﴾ من الأشياءِ ﴿عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ بقدر لا يمكن تجاوزُه عنه كقوله إِنَّا كُلَّ شَىْء خلقناه بِقَدَرٍ فإن كل حادثٍ من الأعيان والأعراضِ له في كل مرتبةٍ من مراتب التكوينِ ومباديها وقتٌ معينٌ وحالٌ مخصوص لا يكاد يجاوزه والمرادُ بالعندية الحضورُ العلميُّ بل العلمُ الحضوريُّ فإن تحقق الأشياءِ في أنفسها في أي مرتبة كانت من مراتبُ الوجود والاستعداد لذلك علمٌ له بالنسبة إلى الله عزَّ وجلَّ

стр. 2878

﴿عالم الغيب﴾ أي الغائبِ عن الحس ﴿والشهادة﴾ أي الحاضرِ له عبر عنهما بهما مبالغةً وقيل أريد بالغيب المعدومُ وبالشهادة الموجودُ وهو خبرُ مبتدإٍ محذوفٍ أو خبرٌ بعد خبر وقرىء بالنصب على المدح وهذا كالدليلِ على ما قبلَهُ من قوله تعالى الله يَعْلَمُ الخ ﴿الكبير﴾ العظيمُ الشأنِ الذي كلُّ شيء دونه ﴿المتعال﴾ المستعلي على كل شيء بقدرته أو المنزَّهُ عن نعوت المخلوقات وبعد ما بيَّن سبحانَه أنه عالم بجميع أحوالِ الإنسان في مراتبِ فطرتِه ومحيطٌ بعالَمي الغيب والشهادة بين أنه تعالى عالمٌ بجميع ما يأتون وما يذرون من الأفعال والأقوال وأنه لا فرق بالنسبة إليه بين السرِّ والعلن فقال

стр. 2879

﴿سَوَاء مّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ القول﴾ في نفسه ﴿وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ أظهره لغيره ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ﴾ مبالغٌ في الاختفاء كأنه مختفٍ ﴿بالليل﴾ وطالبٌ للزيادة ﴿وَسَارِبٌ﴾ بارزٌ يراه كلُّ أحد ﴿بالنهار﴾ من سرَب سروباً أي برَز وهو عطفٌ على مَنْ هو مستخفٍ أو على مستخف ومن عبارةٌ عن الاثنين كما في قوله تعالى ﴿فإن عاهدتَني لا تخونُني نكنْ مثلَ مَنْ يا ذئبُ يصطحبانِ﴾ كأنه قيل سواءٌ منكم اثنان مستخفٍ بالليل وساربٌ بالنهار والاستواءُ وإن أسند إلى من أسرّ ومن جهَر وإلى المستخفي والساربِ لكنه في الحقيقة مسنَدٌ إلى ما أسّره وما جهرَ به أو والى الفاعل من حيث هو فاعلٌ كما في الأخيرين وتقديمُ الإسرارِ والاستخفاءِ لإظهار كمالِ علمِه تعالى فكأنه في التعلق بالخفيات أقدمُ منه بالظواهر وإلا فنِسبتُه إلى الكل سواءٌ لما عرَفته آنفاً

стр. 2880

﴿لَهُ﴾ أي لكلَ ممن أسرّ أو جهر والمستخفي أو السارب ﴿معقبات﴾ ملائكةٌ تعتقِبُ في حفظه جمعُ معقّبة من عقّبه مبالغةُ عقَبه إذا جاء على عقِبه كأن بعضَهم يعقُب بعضاً أو لأنهم يعقُبون أقوالَه وأفعاله فيكتُبونه أو اعتقب فأُدغمت التاء في القاف والتاء للمبالغة أو المرادُ بالمعقّبات الجماعاتُ وقرىء معاقيبُ جمع معقب أو معقبة على تعويض الياء من إحدى القافين ﴿من بينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خلفِه﴾ من جميع جوانبِه أو من الأعمال ما قدَّم وأخَّر ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله﴾ من بأسه حين أذنب بالاستمهال والاستغفارِ له أو يحفظونه من المضارّ أو

стр. 2881

الرعد ١٢ ١٣ يراقبون أحوال من أجل أمر الله تعالى وقد قرىء به وقيل من بمعنى الباء وقيل من أمر الله صفةٌ ثانيةٌ لمعقّبات وقيل المعقّبات الحرّاسُ والجلاوِزةُ حولَ السلطان يحفَظونه في توهّمه من قضاء الله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ﴾ من النعمة والعافية ﴿حتى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ من الأعمالِ الصالحةِ أو ملَكاتها التي هي فطرة الله التي فطرَ النَّاسَ عليها إلى أضدادها ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءا﴾ لسوء اختيارِهم واستحقاقِهم لذلك ﴿فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ فلا ردَّ له والعاملُ في إذَا ما دل عليه الجوابُ ﴿وَمَا لَهُمْ مّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾ يلي أمرَهم ويدفع عنهم السوءَ الذي أراده الله بهم بما قدمت أيديهم من تغيير ما بهم وفيه دلالة على أن تخلّف مرادِه تعالى مُحالٌ وإيذانٌ بأنهم بما باشروه من إنكار البعث واستعجال السيئة واقتراحِ الآية قد غيَّروا ما بأنفسهم من الفطرة واستحقوا لذلك حلولَ غضبِ الله تعالى وعذابِه

стр. 2882

﴿هُوَ الذى يُرِيكُمُ البرقَ خَوْفًا﴾ من الصاعقة ﴿وَطَمَعًا﴾ في المطر فوجهُ تقديم الخوفِ على الطمع ظاهر لما أن المَخوفَ عليه النفسُ أو الرزق العتيدُ والمطموعُ فيه الرزقُ المترقَّبُ وقيل الخوف أيضاً من المطر لكنْ الخائفُ منه غيرُ الطامع فيه كالخزّاف والحراث ويأباه الترتيب إلا أن يتكلف ما أشيرَ إليهِ من أن المَخوفَ عتيدٌ والمطموعَ فيه مترقَّبٌ وانتصابُهما إما على المصدرية أي فتخافون خوفاً وتطمعون طمعاً أو على الحالية من البرق أو المخاطبين بإضمار ذوي أو بجعل المصدرِ بمعنى المفعول أو الفاعل مبالغةً أو على العِلّية بتقدير المضاف أي إرادةَ خوفٍ وطمعٍ أو بتأويل الإخافة والإطماعِ ليتّحد فاعلُ العِلة والفعل المعلّل وأما جعلُ المعلل هي الرؤية التي تتضمنها الإرادةُ على طريقة قولِ النَّابغةِ وحلّت بيوتي في يَفاعٍ ممنَّع تَخال به راعي الحَمولةِ طائرا ... حِذاراً على أن لا يُنال معاوني ولا نِسوتي حتى يمُتْن حرائرا أي أحللت بيوتي حِذاراً فلا سبيل إليه لأن ما وقع في معرض العلة الغائبة لا سيما الخوفُ لا يصلح علة لرؤيتهم ﴿وينشئ السحاب﴾ الغمامَ المنسحبَ في الجو ﴿الثقال﴾ بالماء وهي جمعُ ثقيلةٍ وُصف بها السحابُ لكونها اسمَ جنسٍ في معنى الجمع والواحدةُ سحابة يقال سحابةٌ ثقيلة وسحاب ثِقال كما يقال امرأة كريمة ونسوة كرام

стр. 2883

﴿وَيُسَبّحُ الرعد﴾ أي سامعوه من العباد الراجين للمطر ملتبسين ﴿بِحَمْدِهِ﴾ أي يضِجّون بسبحان الله والحمد لله وإسنادُه إلى الرعد لحمله لهم على ذلك أو يسبح الرعدُ نفسه على أن تسبيحه عبارةٌ عن دلالته على وحدانيته تعالى وفضلِه المستوجبِ لحمده وعن النبيِّ ﷺ أنه كان يقول سُبحانَ مَنْ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بحمدِهِ وإذا اشتد يقول اللهم لا تقتُلْنا بغضبك ولا تُهلِكنا بعذابك وعافِنا قبل ذلك وعَنْ عليَ ﵁ سبحان من سبَّحْتَ له وعن ابن عباس ﵄ أن اليهود سألت النبيَّ ﷺ عن الرعد فقال ملَكٌ من الملائكة موكلٌ بالسحاب معه مخا ريق من نار

стр. 2884

يسوق بها السحابَ وعن الحسن خلقٌ من خلقِ الله تعالَى ليس بملك ﴿والملائكة﴾ أي يسبح الملائكة ﴿مِنْ خِيفَتِهِ﴾ من هيبته وإجلالِه ﷻ وقيل الضمير للرعد ﴿وَيُرْسِلُ الصواعق فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء﴾ فيُهلكه بذلك ﴿وَهُمْ﴾ أي الكفرةُ المخاطبون في قولِه تعالى ﴿هُوَ الذى يُرِيكُمُ البرق﴾ وقد التُفت إلى الغَيبة إيذاناً بإسقاطهم عن درجة الخِطاب وإعراضاً عنهم وتعديداً لجناياتهم لدى كلِّ من يستحق الخطابَ كأنه قيل هو الذي يفعل أمثالَ هذه الأفاعيلِ العجيبةِ من إراءة البرقِ وإنشاء السحابِ الثقالِ وإرسالِ الصواعقِ الدالةِ على كمال علمه وقدرته ويعقِلُها مَنْ يعقِلها من المؤمنين أو الرعدُ نفسه أو الملكُ الموكلُ به والملائكةُ ويعملون بموجب ذلك من التسبيح والحمد والخوفِ من هيبته تعالى وهم أي الكفرة الذين حُكيت هَناتُهم مع ذلهم وهوانهم وحقارةِ شأنهم ﴿يجادلون فِى الله﴾ أي في شأنه تعالى حيث يفعلون ما يفعلون من إنكار البعثِ واستعجالِ العذاب استهزاءً واقتراحِ الآيات فالواو لعطف الجملةِ على ما قبلَها من قولِه تعالى ﴿هُوَ الذى يُرِيكُمُ البرق﴾ الخ أو على قوله ﴿الله يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ﴾ الخ وأما العطفُ على قوله تعالى ﴿وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ﴾ كما قيل فلا مجال له لأن قوله تعالى الله يَعْلَمُ الخ استئنافٌ لبيان بطلانِ قولهِم ذلك ونظائرِه من استعجال العذابِ وإنكار البعثِ قاطعٌ لعطف ما بعده على ما قبله وقيل للحال أي فيصيب بالصواعق من يشاء وهم في الجدال وقد أريد به ما أصاب أربدَ بنَ ربيعةَ أخا لبيد فإنه أقبل مع عامر بن الطفيل إلى رسول الله ﷺ يبغيانه الغوائلَ فدخلا المسجد وهو ﵊ جالسٌ في نفر من الأصحاب ﵃ فاستشرفوا الجمال عامر وكان من أجمل الناسِ وقد كان أوصى إلى أربد أنه إذا رأيتني أكلم محمدا ﷺ فدُرْ من خلفه واضرِبْه بالسيف فجعل يكلمه ﷺ فدار أربد من خلفه ﷺ فاخترط من سيفه شبراً فحبسه الله تعالى فلم يقدِر على سلّه وجعل عامرٌ يومىء إليه فرأى النبيِّ ﷺ الحال فقال اللهم اكفيهما بما شئت فأرسل الله على أربد صاعقةً في يوم صحْوٍ صائفٍ فأحرقتْه وولى عامرٌ هارباً فنزل في بيت امرأة سَلولية فلما أصبح ضم عليه سلاحَه وتغيّر لونُه وركب فرسه فجعل يركُض في الصحراء ويقول ابرُزْ يا ملكَ الموت ويقول الشعر ويقول واللاتِ لئن أصْحر لي محمد وصاحبُه يعني ملك الموت لأنفذتهما برمحي فأرسل الله تعالى ملكاً فلطَمه بجناحه فأرداه في التراب فخرجت على ركبته في الوقت غُدةٌ عظيمة فعاد إلى بيت السلولية وهو يقول غرة كغرة البعير وموتٌ في بيت سلولية ثم دعا بفرسه فركبه فأجراه حتى مات على ظهره وقيلَ أريدَ بهِ ما رُويَ عنِ الحسنِ أنه كان رجلٌ من طواغيت العرب فبعث النبيِّ ﷺ نفراً من أصحابه يدعونه إلى الله فقال لهم أخبروني عما تدعونني إليه ما هو ومم هو من ذهب أم من فضة أم من نحاس أم من حديد أم من دُرّ فاستعظموا مقالتَه فرجعوا إلى النبيِّ ﷺ فقالوا ما رأينا رجلاً أكفرَ قلباً ولا أعتى على الله منه فقال ﷺ ارجعوا اليه فرجعوا إليه فما زاد إلا مقالتَه الأولى وأخبثَ فرجعوا إليه ﷺ وأخبَروه بما صنع فقال ﷺ ارجعوا إليه فرجعوا فبينما هم عنده ينازعونه إذ ارتفعت سحابةٌ ورعَدت وبرِقت ورمَتْ بصاعقة فاحترق الكافرُ فجاءوا يسعَوْن ليخبروه ﷺ بالخبر فاستقبلهم الأصحاب فقالوا احترق صاحبُكم قالوا من أين علمتم قالوا أُوحيَ إلى النبيِّ ﷺ ﴿وَهُوَ شَدِيدُ المحال﴾ أي والحال أنه شديدا لمما حلة والمكابرة والمماكرةِ لأعدائه من مَحَله إذا كاده وعرّضه للهلاك ومنه تمحل اذا تكلف استعمال الحِيل وقيل هو محال من

стр. 2885

الرعد ١٤ ١٥ المَحْل بمعنى القوة وقيل مُحوّل من الحول أو الحيلة أُعلَّ على غير قياس ويعضُده أنه قرىء بفتح الميم على أنه مَفعَل من حال يحول إذا احتال ويجوز أن يكون بمعنى الفقار فيكون مثلاً في القوة والقدرة كقولهم فساعدُ الله أشدُّ وموساه أحدّ

стр. 2886

﴿لَهُ دَعْوَةُ الحق﴾ أي الدعوةُ الثابتة الواقعة في محلها المجابةُ عند وقوعِها والإضافةُ للإيذان بملابستها للحق واختصاصِها به وكونِه بمعزل من شائبة البطلانِ والضَّياع والضلال كما يقال كلمةُ الحق وقبل له دعوةُ الله سبحانه أي الدعوةُ اللائقة بحضرته كما في قوله ﷺ فمن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله فهجرتُه إلى الله ورسوله والتعرضُ لوصف الحقّية لتربية معنى الاستجابةِ والأولى هو الأولُ لقوله تعالى وَمَا دُعَاء الكافرين إِلَاّ فِى ضلال وتعلقُ الجملتين بما قبلهما من حيث أن إهلاكَ أربد وعامرٍ مِحالٌ من الله تعالى وإجابةٌ لدعوة رسول الله ﷺ عليهما إن كانت الآية نزلت في شأنهما أو من حيث إنه وعيدٌ للكفرة على مجادلة رسول الله ﷺ بحلول مِحالِه بهم وتحذيرٌ لهم بإجابة دعوتِه عليهم ﴿والذين يَدْعُونَ﴾ أي الأصنامَ الذين يدعوهم المشركون فحُذف العائد ﴿مِن دُونِهِ﴾ من دون الله ﴿لا يستجيبون لهم بشىء﴾ من طلباتهم ﴿إِلَاّ كباسط كَفَّيْهِ إِلَى الماء﴾ أي إلا استجابة كائنة كاستجابه الماء لمن بسَط كفيه إليه من بعيد فالاستجابةُ مصدرٌ من المبنيّ للفاعل على ما يقتضيه الفعلُ الظاهر عني لا يستجيبون ويجوزُ أنْ يكونَ مَنْ المبنيِّ للمفعول ويُضاف إلى الباسط بناءً على استلزام المصدرُ من المبني للفاعل للمصدر من المبني للمفعول وجوداً وعدماً فكأنه قيل لا يستجيبون لهم بشيء فلا يستجاب لهم إلا استجابة كائنة كاستجابه من بسط كفيه إلى الماء كما في قوله ... وعضّةُ دهرٍ يا ابنَ مروانَ لم تَدَع ... مِنَ المالِ إلا مُسْحَتٌ أو مُجلّفُ ... أيْ لَم تدعَ فلم يبقَ إلا مسحتٌ أو مجلِّف ﴿لِيَبْلُغَ﴾ أي الماءُ بنفسه من غير أن يؤخذ بشيء من إناء ونحوه ﴿فَاهُ وَمَا هُوَ﴾ أي الماء ﴿بِبَالِغِهِ﴾ ببالغ فيه أبداً لكونه جماداً لا يشعُر بعطشه ولا ببسط يدِه إليه فضلاً عن الاستطاعة لما أراده من البلوغ إلى فيه شبّه حالُ المشركين في عدم حصولهم في دعاء آلهتِهم على شيء أصلاً وركاكةِ رأيهم في ذلك بحال عطشانَ هائمٍ لا يدري ما يفعل قد بسط كفيه من بعيد إلى الماء يبغي وصولَه إلى فيه من غير ملاحظةِ التشبيه في جميع مفرداتِ الأطراف فإن الماءَ في نفسه شيءٌ نافع بخلاف آلهتِهم والمرادُ نفيُ الاستجابةِ رأساً إلا أنه قد أُخرج الكلامُ مُخرج التهكم بهم فقيل لا يستجيبون لهم شيئاً من الاستجابة كائنة في هذه الصورةِ التي ليست فيها شائبةُ الاستجابة قطعاً فهو في الحقيقة من باب التعليقِ بالمحال وقرىء تدعون بالتاء وكباسطٍ بالتنوين ﴿وَمَا دُعَاء الكافرين إِلَاّ فِى ضلال﴾ أي ذهاب وضَياعٍ وخَسار

стр. 2887

﴿وَللَّهِ﴾ وحده ﴿يَسْجُدُ﴾ يخضع وينقاد لا لشيء غيرِه استقلالا ولا اشتراكا فالقصرُ ينتظم القلبَ والإفراد ﴿مَن فِى السماوات والارض﴾ من الملائكةِ والثَّقلين ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ أي الطائعين وكارهين أو انقياد طوعٍ وكُرهٍ أو حالَ طوعٍ وكره فإن خضوعَ الكل لعظمة الله عز

стр. 2888

الرعد ١٦ وجل وانقيادَهم لإحداث ما أراده فيهم من أحكام التكوين والإعدام شاءوا أو أبَوا وعدمُ مداخلةِ حكمِ غيره بل غيرِ حكمِه تعالى في تلك الشئون مما لا يخفى على أحد ﴿وظلالهم﴾ أي وتنقاد له تعالى ظلالُ مَنْ له ظلٌ منهم أعني الإنسَ حيث تتصرف على مشيئته وتتأتّى لإرادته في الامتداد والتقلّص والفيء والزوال ﴿بالغدو والآصال﴾ ظرف السجود المقدّر أو حالٌ من الظلال وتخصيص الوقتين بالذكرمع أن انقيادها متحققٌ في جميع أوقات وجودِها لظهور ذلك فيهما والغدو جميع غَداة كفتيّ في جمع فتاة والآصالُ جمع أصيل وقيل جمع أُصُل وهو جمعُ أَصيلٍ وهو ما بين العصر والمغربِ وقيل الغدوّ مصدرٌ ويؤيده أنه قرىء والإيصالِ أي الدخول في الأصيل هذا وقد قيلَ إنَّ المرادَ حقيقةُ السجود فإن الكفرة حال الاضطرارِ وهو المعنيُّ بقوله تعالى وَكَرْهًا يخُصّون السجودَ به سبحانه قال تعالى فَإِذَا رَكِبُواْ فِى الفلك دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين ولا يبعُد أنْ يخلُق الله تعالى في الظلال أفهاماً وعقولاً بها تسجُد لله سبحانه كما خلقها للجبال حتى اشتغلت بالتسبيح وظهر فيها آثارُ التجلّي كما قاله ابن الأنباري ويجوز أن يراد بسجودها ما يشاهَد فيها من هيئة السجود تبعاً لأصحابها وأنت خبير بأن اختصاصَ سجودِ الكافر حالة الضرورةِ والشدة بالله سبحانه لا يُجدي فإن سجودَهم لأصنامهم حالة الرخاء تخل بالقصر المستفادِ من تقديم الجار والمجرور فالوجهُ حملُ السجودِ على الانقياد ولأن تحقيقَ انقيادِ الكل في الإبداع والإعدامِ له تعالى أدخلُ في التوبيخ على اتخاذ أولياءَ من دونه من تحقيق سجودِهم له تعالى وتخصيصُ انقيادِ العقلاءِ بالذكر مع كون غيرِهم أيضاً كذلك لأنهم العُمدة وانقيادهم دليل انقيادُ غيرهم على أنه بين ذلك بقوله عز وجل

стр. 2889

﴿قل من رب السماوات والأرض﴾ فإنه لتحقيق أن خالقَهما ومتولّيَ أمرهما مع ما فيهما على الإطلاق هو الله سبحانه وقوله تعالى ﴿قُلِ الله﴾ أمرٌ بالجواب من قبله ﷺ إشعاراً بأنه متعيِّن للجوابية فهو والخصمُ في تقريره سواءٌ أو أمرٌ بحكاية اعترافِهم إيذاناً بأنه أمرٌ لا بد لهم من ذلك كأنه قيل احْكِ اعترافَهم فبكِّتْهم بما يلزمهم من الحجة وألقِمْهم الحجَر أو أمرٌ بتلقينهم ذلك إن تلعثموا في الجواب حذراً من الإلزام فإنهم لا يتمالكون إذ ذاك ولا يقدرون على إنكاره ﴿قُلْ﴾ إلزاماً لهم وتبكيتاً ﴿أفاتخذتم﴾ لأنفسكم والهمزةُ لإنكارِ الواقعِ كَما في قولك أضربتَ أباك لا لإنكار الوقوعِ كما في قولك أضربتَ أبي والفاء للعطف على مقدر بعد الهمزةِ أي أعلمتم أن ربهما هو الله الذي ينقاد لأمره مَنْ فيهما كافةً فاتخذتم عَقيبَه ﴿مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء﴾ عاجزين ﴿لَا يَمْلِكُونَ لانْفُسِهِمْ نَفْعًا﴾ يستجلبونه ﴿وَلَا ضَرّا﴾ يدفعونه عن أنفسهم فضلاً عن القدرة على جلب النفعِ لغيره ودفع الضررِ عنه لا على الإنكارُ متوجِّهاً إلى المعطوفَين معاً كما في قولِهِ تعالى ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ إذا قُدّر المعطوفُ عليه ألا تسمعون بل إلى ترتب الثاني على الأول مع

стр. 2890

وجوب أن يترتبَ عليه نقيضُه كما إذا قُدِّر أتسمعون والمعنى أبعد أن علِمتم أن ربَّهما هو الله ﷻ اتخذتم من دونه أولياءَ عجَزَةً والحال أن قضيةَ العلم بذلك إنما هو الاقتصارُ على تولّيه فعكستم الأمر كما في قوله تعالى كَانَ مِنَ الجن فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِى ووصف الأولياء ههنا بعدم المالكية للنفع والضر في ترشيح الإنكارِ وتأكيدهِ كنقييد الاتخاذِ هناك بالجملة الحالية أعني قولَه تعالى ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ فإن كلاًّ منهما مما ينفي الاتخاذَ المذكور ويؤكد إنكاره ﴿قُلْ﴾ تصويرا لآرائهم الركيكة بصورة المحسوس ﴿هَلْ يَسْتَوِى الأعمى﴾ الذي هو المشركُ الجاهل بالعبادة ومستحقِها ﴿والبصير﴾ الذي هو الموحِّد العالم بذلك أو الأولُ عبارةٌ عن المعبود الغافل والثاني إشارةٌ إلى المعبود العالمِ بكل شيء ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الظلمات﴾ التي هي عبارةٌ عن الكفر والضلال ﴿والنور﴾ الذي هو عبارةٌ عن التوحيد والإيمان وقرىء بالياء ولمّا دل النظمُ الكريمُ على أنْ الكفر فيما فعلوا من اتخاذ الأصنامِ أولياءَ من دون الله سبحانه في الضلال المحضِ والخطأ البحت بحيث لا يخفى بطلانُه على أحد وأنهم في ذلك كالأعمى الذي لا يُهتدَى إلى شيء أصلاً وليس لهم في ذلكَ شبهةٌ تصلح أن تكون منشأً لغلطهم وخطئهم فضلاً عن الحجة أُكّد ذلك فقيل ﴿أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ﴾ أي بل أجعلوا له ﴿شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ﴾ سبحانه والهمزةُ لإنكارِ الوقوعِ لا لإنكار الواقع مع وقوعه وقوله خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ هو الذي يتوجه إليه الإنكار وأما نفسُ الجعل فهو واقعٌ لا يتعلق به الإنكارُ بهذا المعنى والمعنى أنهم لم يجعلوا لله تعالى شركاءَ خلقوا كخلقه ﴿فَتَشَابَهَ الخلق عَلَيْهِمْ﴾ بسبب ذلك وقالوا هؤلاء خلقوا كخلقه تعالى فاستحقوا بذلك العبادةَ كما استحقها ليكونَ ذلك منشأً لخطئهم بل إنما جعلوا له شركاءَ ما هو بمعزل من ذلك بالمرة وفيه ما لا يَخفْى من التعريض بركاكة رأيِهم والتهكم بهم ﴿قُلْ﴾ تحقيقاً للحقِّ وإرشاداً لهُم إليه ﴿الله خالق كُلّ شَىْء﴾ كافةً لا خالقَ سواه فيشاركَه في استحقاق العبادة ﴿وَهُوَ الواحد﴾ المتوحّدُ بالألوهية المتفرّدُ بالربوبية ﴿القهار﴾ لكل ما سواه فكيف يُتوهّم أن يكونَ له شريكٌ وبعد مُثّل المشركُ والشركُ بالأعمى والظلماتِ والموحدُ والتوحيدُ بالبصير والنور مُثّل الحقُّ الذي هو القرآنُ العظيم في فيضانه من جناب القدسِ على قلوب خاليةٍ عنه متفاوتةِ الاستعداد وفي جريانه عليها ملاحظةً وحفظاً وعلى الألسنة مذاكرةً وتلاوةً وفي ثباته فيهما مع كونه مُمِدّاً لحياتها الروحانية وما يتلوها من الملكات السنية والأعمالِ المرضيّة بالماء النازلِ من السماء السائلِ في أودية يابسةٍ لم تجرِ عادتُها بذلك سيلاناً مقدراً بمقدار اقتضتْه الحكمةُ في إحياء الأرضِ وما عليها الباقي فيها حسبما يدور عليه منافعُ الناس وفي كونه حليةً تتحلّى به النفوسُ وتصل إلى البهجة الأبدية ومتاعاً يُتمتّع به في المعاش والمعاد بالذهب والفضة وسائر الفلزّات التي يُتخذ منها أنواعُ الآلات والأدواتِ وتبقى منتَفعاً بها مدةً طويلةً ومُثّل الباطلُ الذي ابتُليَ به الكفرةُ لقصور نظرِهم بما يظهر فيهما من غير مداخلةٍ له فيهما وإخلالٍ بصفائهما من الزبد الرابي فوقهما المضمحل سريعا فقيل

стр. 2891

الرعد ١٧

стр. 2892

﴿أَنزَلَ مِنَ السماء﴾ أي من جهتها ﴿مَاء﴾ أي كثيراً أو نوعاً منه وهو ماءُ المطر ﴿فَسَالَتْ﴾ بذلك ﴿أودية﴾ واقعة في مواقعه لا جميعُ الأودية إذ الأمطار لا نستوعب الأقطارَ وهو جمعُ وادٍ وهو مفرَجٌ بين جبال أو تلالٍ أو آكام على الشذوذ كنادٍ وأندية وناج وأنجية قالوا وجهُه أن فاعلا يجيء بمعنى فعيل كناصر ونصير وشاهد وشهيد وعالم وعليم وحيث جُمع فعيل على أفعلة كجريب وأجرِبة جُمع فاعلٌ أيضاً على أفعلة فإن أريد بها ما يسيل فيها مجازاً فإسنادُ السيلانِ إليها حقيقيٌّ وإن أريد معناها الحقيقيُّ فالإسنادُ مجازيٌّ كما في جرى النهرُ وإيثارُ التمثيل بها على الأنهار المستمرةِ الجريانِ لوضوح المماثلةِ بين شأنها وشأنِ ما مُثّل بها كما أشير إليه ﴿بِقَدَرِهَا﴾ أي سالت ملتبسةً بمقدارها الذي عينه الله تعالى واقتضتْه حكمتُه في نفع الناس أو بمقدارها المتفاوتِ قلةً وكثرةً بحسب تفاوتِ محالّها صِغَراً وكِبَراً لا بكونها مالئةً لها منطبقةً عليها بل بمجرد قلّتها بِصغرها المستلزِمِ لقلة مواردِ الماء وكثرتها بكِبَرها المستدعي لكثرة الموارد فإن موردَ السيل الجاري في الوادي الصغير أقلُّ من مورد السيل الجاري في الوادي الكبير هذا إن أريد بالأودية ما يسيل فيها أما إن أريد بها معناها الحقيقيُّ فالمعنى سالت مياهُها بقدر تلك الأوديةِ على نحو ما عرفته آنفاً أو يراد بضميرها مياهُها بطريق الاستخدام ويراد بقدَرها ما ذُكر أولاً من المعنيين ﴿فاحتمل السيل﴾ الجاري في تلك الأودية أي حملَ معه ﴿زَبَدًا﴾ أي غُثاء ورَغوةً وإنما وُصف ذلك بقوله تعالى ﴿رَّابِيًا﴾ أي عالياً منتفخاً فوقه بياناً لما أريد بالاحتمال المحتمَلِ لكون الحميلِ غيرَ طافٍ كالأشجار الثقيلة وإنما لم يُدفع ذلك الاحتمالُ بأن يقال فاحتمل السيلُ فوقه للإيذان بأن تلك الفوقيةَ مقتضى شأنِ الزبدِ لا من جهة المحتمَل تحقيقا للماثلة بينه وبين ما مُثّل به من الباطل الذي شأنُه الظهورُ في بادِيَ الرأي من غير مداخلةٍ في الحق ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى النار﴾ أي يفعلون الإيقادَ عليه كائناً في النار والضميرُ للناس أُضمر مع عدم سبق الذكرِ لظهوره وقرىء بالخطاب ﴿ابتغاء حِلْيَةٍ أَوْ متاع﴾ أي لطلب اتخاذِ حليةٍ وهي ما يُتزيّن ويُتجمّل به كالحِليِّ المتخَذَة من الذهب والفضة أو اتخاذِ متاعٍ وهو ما يتمتع به من الأواني والآلات المتخَذةِ من الرصاص والحديد وغيرِ ذلك من الفِلزّات ﴿زَبَدٌ﴾ خبث ﴿مّثْلِهِ﴾ مثلُ ما ذكر من زبد الماء في كونه رابياً فوقه فقوله زبدٌ مبتدأٌ خبرُه الظرفُ المقدَّمُ وَمِنِ ابتدائيةٌ دالةٌ عَلى مجرد كونِه مبتدأ وناشئاً منه لا تبعيضيةٌ معرِبة عن كونه بعضاً منه كما قيل لإخلال ذلك بالتمثيل وفي التعبير عن ذلك بالموصول والتعرضِ لما في حيز الصلةِ من إيقاد النار عليه جرْيٌ على سنن الكِبرياء بإظهار التهاونِ به كما في قوله تعالى فأوقدلي يا هامان عَلَى الطين وإشارةٌ إلى كيفية حصولِ الزبدِ منه بذوبانه وفي زيادة في النار إشعارٌ بالمبالغة في الاعتمال للإذابة وحصولِ الزبد كما أشير إليه وعدمُ التعرض لاخراجه من

стр. 2893

الرعد ١٨ الأرض لعدم دخلِ ذلك العنوانِ في التمثيل كما أن لعنوان إنزالِ الماءِ من السَّماءِ دخلاً فيه حسبما فُصِّل فيما سلف بل له إخلالٌ بذلك ﴿كذلك﴾ أي مثلَ ذلك الضربِ البديعِ المشتملِ على نُكت رائقةٍ ﴿يَضْرِبُ الله الحق والباطل﴾ أي مثَلَ الحق ومثل الباطل والحذفُ للإنباء عن كمال التماثل بين الممثَّل والممثَّل به كأن المثَلَ المضروبَ عينُ الحقِّ والباطلِ وبعد تحقيق التمثيلِ مع الإيماء في تضاعيف ذلك إلى وجوه المماثلة على أبدع وجوهٍ وآنقِها حسبما أشير إليه في مواقعها بيِّن عاقبةُ كل من الممثّلين على وجه التمثيل مع التصريح ببعض ما به المماثلة من الذهاب والبقاءِ تتمةً للغرض من التمثيل من الحث على اتباع الحقِّ الثابتِ والردْعِ عن الباطل الزائد فقيل ﴿فَأَمَّا الزبد﴾ من كلَ منهما ﴿فَيَذْهَبُ جُفَاء﴾ أي مرمياً به وقرىء جُفالاً والمعنى واحد ﴿وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس﴾ منهما كالماء الصافي والفلز الخاص ﴿فَيَمْكُثُ فِى الأرض﴾ أما الماء فيثبت بعضُه في منافعه ويسلك بعضه في عروق الأرضِ إلى العيون والقنا والآبار وأما الفلزُّ فيصاغ من بعضه أنواعُ الحِليِّ ويتخذ من بعضه أصنافُ الآلات والأدوات فيُنتفع بكل من ذلك أنواعَ الانتفاعات مدة طويلة فالمراد ابا لمكث في الأرض ما هو أعمُّ من المكث في نفسها ومن البقاء في أيدي المتقلّبين فيها وتغييرُ ترتيبِ اللفِّ الواقعِ في الفذْلكة الموافقِ للترتيب الواقع في التمثيلِ لمراعاة الملاءمةِ بين حالتي الذهاب والبقاءِ وبين ذكرَيهما فإن المعتبَر إنما هو بقاءُ الباقي بعد ذهاب الذاهبِ لا قبله ﴿كذلك يَضْرِبُ الله﴾ أي مثلَ ذلكَ الضربِ العجيبِ يضرب ﴿الأمثال﴾ في كل باب إظهاراً لكمال اللطفِ والعنايةِ في الإرشاد والهداية وفيه تفخيمٌ لشأن هذا التمثيلِ وتأكيدٌ لقوله كذلك يَضْرِبُ الله الحق والباطل إما باعتبار ابتناءِ هذا على التمثيلِ الأول أو بجعل ذلك إشارةً إليهما جميعاً وبعد ما بُيِّن شأنُ كل من الحق والباطلِ حالاً ومآلاً أُكملَ بيانٍ شَرَع في بيان حالِ أهلِ كل منهما مآلاً تكميلاً للدعوة ترغيباً وترهيباً فقيل

стр. 2894

﴿لِلَّذِينَ استجابوا لِرَبّهِمُ﴾ إذ دعاهم إلى الحق بفنون الدعوةِ التي من جملتها ضربُ الأمثال فإنه ألطفُ ذريعةٍ إلى تفهيم القلوب الغبيةِ وأقوى وسيلةٍ إلى تسخير النفوسِ الأبية كيف لا وهو تصويرٌ للمعقول بصورة المحسوس وإبراز لا وابد المعاني في هيئة المأنوس فأيُّ دعوةٍ أولى منه بالاستجابة والقَبول ﴿الحسنى﴾ أي المثوبةَ الحُسنى وهي الجنة ﴿والذين لم يستجيبوا له﴾ وعاندوا الحقَّ الجليَّ ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِى الأرض﴾ من أصناف الأموال ﴿جَمِيعاً﴾ بحيث لم يشِذَّ منه شاذٌّ في أقطارها أو مجموعاً غيرَ متفرقٍ بحسب الأزمان ﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْاْ بِهِ﴾ أي بما في الأرض ومثلَه معه جميعاً ليتخلّصوا عما بهم وفيه من تهويل ما يلقاهم ما لا يحيطُ به البيانُ فالموصولُ مبتدأٌ والشرطيةُ كما هي خبرُه لكنْ لَا على أنَّها وضعت موضع السوءى فوقعت في مقابلة الحُسنى الواقعةِ في القرينة الأولى لمراعاة حسنِ المقابلة فصار كأنه قيل والذين لم يستجيبوا له السوءى كما يوهم فإن الشرطيةَ وإن دلت على كما سوءِ حالِهم لكنها بمعزل من القيام مقامَ لفظ السوءى مصحوباً باللام الداخلةِ على الموصول أو ضميره

стр. 2895

الرعد ١٩ ٢٠ وعليه يدور حصولُ المرام وإنما الواقعُ في تلك المقابلة سوءُ الحساب في قوله تعالى ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوء الحساب﴾ وحيث كان اسمُ الإشارة الواقعُ مبتدأً في هذه الجملة عبارةً عن الموصول الواقعِ مبتدأً في الجملة السابقة كان خبرُها أعني الجملةَ الظرفية خبراً عن الموصول في الحقيقة ومبيِّناً لإبهام مضمونِ الشرطيةِ الواقعةِ خبراً عنه أولاً ولذلك تُرك العطفُ فصار كأنه قيل والذين لم يستجيبوا له لهم سوءُ الحساب وذلك في قوَّةِ أنْ يقالَ وللذين لم يستجيبوا له سوءُ الحساب مع زيادة تأكيدٍ فتم حسنُ المقابلة على أبلغِ وجهٍ وآكدِه ثم بيِّن مؤدى ذلك فقيل ﴿وَمَأْوَاهُمُ﴾ أي مرجعهم ﴿جَهَنَّمَ﴾ وفيه نوعُ تأكيد لتفسير الحسنى بالجنة ﴿وَبِئْسَ المهاد﴾ أي المستقرُّ والمخصوصُ بالذم محذوفٌ وقيل اللامُ في قولِه تعالَى لِلَّذِينَ استجابوا لِرَبّهِمُ متعلقةٌ بقوله يَضْرِبُ الله الامثال أي الأمثالَ السالفةَ وقوله الحسنى صفةٌ للمصدر أي استجابوا الاستجابةَ الحسنى وقوله والذين لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ معطوفٌ على الموصول الأولِ وقوله لو أن لهم إلخ كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لبيان ما أُعدّ لغير المستجيبين من العذاب والمعنى كذلك يضرب الله الأمثالَ للمؤمنين المستجيبين والكافرين المعاندين أي هما مثلاً الفريقين وأنت خبير بأن عنوانَ الاستجابة وعدمَها لا مناسبةَ بينه وبين ما يدور عليه أمرُ التمثيل وأن الاستعمالَ المستفيضَ دخولُ اللامِ على من يُقصد تذكيره بالمثَل نعم قد يُستعمل في هذا المعنى أيضاً كَما في قولِه سبحانه ضَرَبَ الله مَثَلاً لّلَّذِينَ آمنوا إمرأة فرعون ونظائرِه على أن بعضَ الأمثالِ المضروبة لا سيما المثلُ الأخيرُ الموصول بالكلام ليس مثلَ الفريقين بل مثلٌ للحق والباطل ولا مساغ لجعل الفريقين مضروباً لهم أيضاً بأن يُجعل في حكم أن يقال كذلك يضرب الله الأمثال للناس إذ لا وجه حينئذ لتنويعهم إلى المستجيبين وغيرِ المستجيبين فتأمل

стр. 2896

﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ﴾ من القرآن الذي مُثّل بالماء المنزل من السماء والإبريز الخالصِ في المنفعة والجدوى ﴿الحق﴾ الذي لا حق وراءه أو الحقُّ الذي أشير إليه بالأمثال المضروبة فيستجيبَ له ﴿كَمَنْ هُوَ أعمى﴾ عمَى القلبِ لا يشاهده وهو نارٌ على علَمٍ ولا يقدر قدرَه وهو في أقصى مراتب العلوِّ والعِظَم فيبقى حائراً في ظلمات الجهل وغيا هب الضلال أو لا يتذكر بما ضرب من الأمثال أي كمن لا يعلم ذلك إلا أنه أريد زيادةُ تقبيحِ حالِه فعبر عنه بالأعمى وإيرادُ الفاء بعد الهمزةِ لتوجيه الإنكارِ إلى ترتّبِ توهّم المماثلةِ على ظهور حال كلَ منهما بما ضرب من الأمثال وبين المصيرِ والمآل كأنَّه قيل أبعد ما بُين حالُ كل من الفريقين ومآلُهما يُتوهّم المماثلةُ بينهما ثم استؤنف فقبل ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ﴾ بما ذكر من المذكّرات فيقف على ما بينهما من التفاوت والتنائي ﴿أُوْلُواْ الألباب﴾ أي العقولِ الخالصةِ المبرّأة من مشايعة الإلْفِ ومعارضةِ الوهم

стр. 2897

﴿الذين يُوفُونَ بِعَهْدِ الله﴾ بما عقَدوا على أنفسهم من الاعتراف بربوبيته تعالى حين قالوا بلى أو ما عهِد الله عليهم في كتبه ﴿وَلَا يِنقُضُونَ الميثاق﴾ ما وثّقوه على أنفسهم وقبِلوه من الإيمان بالله وغيرِه من المواثيق بينهم وبين الله وبين

стр. 2898

الرعد ٢١ ٢٣ العبادِ وَهُوَ تعميمٌ بعدَ تخصيصٍ وفيه تأكيدٌ للاستمرار المفهوم من صيغة المستقبل

стр. 2899

﴿والذين يَصِلُونَ مَا أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ﴾ من الرحِم وموالاةِ المؤمنين والإيمانِ بجميع الأنبياء المجمعين على الحق من غير تفريقٍ بين أحد منهم ويندرج فيه مراعاةُ جميعِ حقوق الناس بل حقوق كل ما يتعلق بهم من الهرّ والدَّجاج ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ خشيةَ جلالٍ وهيبة ورهبة فلا يعصونه فيما أمر به ﴿وَيَخَافُونَ سوء الحِسَابِ﴾ فيحاسبون أنفسَهم قبل أن يحاسَبوا وفيه دَلالةٌ على كمالِ فظاعتِه حسبما ذُكر فيما قبلُ

стр. 2900

﴿وَالَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ على كل ما تكرهه النفسُ من الأفعال والتروك ﴿ابتغاء وَجْهِ رَبّهِمْ﴾ طلباً لرضاه خاصة من غير أن ينظر إلى جانب الخلقِ رياءً وسُمعةً ولا إلى جانب النفس زينةً وعُجْباً وحيث كان الصبرُ على الوجه المذكور مَلاكُ الأمرِ في كُلُّ ما ذُكِرَ من الصلات السابقة واللاحقةِ أُورد على صيغة الماضي اعتناءً بشأنه ودِلالةً على وجوب تحققِه فإن ذلك مما لا بد منه إما في نفس الصلات كما فيما عدا الأولى والرابعةِ والخامسةِ أو في إظهار أحكامِها كما في الصلات الثلاثِ المذكورات فإنها وإن استغنت عن الصبر في أنفسها حيث لا مشقةَ على النفس في الاعتراف بالربوبية والخشيةِ والخوف لكن إظهارَ أحكامِها والجريَ على موجبها غيرُ خالٍ عن الاحتياج إليه ﴿وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ﴾ المفروضة ﴿وَأَنْفَقُواْ من ما رَزَقْنَاهُمْ﴾ أي بعضَه الذي يجب عليهم إنفاقُه ﴿سِرّا﴾ لمن لم يُعرفْ بالمال أو لمن لا يتهم بترك الزكاةِ أو عند إنفاقِه وإعطائه مَنْ تمنعه المروءةُ من أخذه ظاهراً ﴿وَعَلَانِيَةً﴾ لمن لم يكن كما ذكر أو الأول في التطوع والثاني في الفرض ﴿ويدرؤون بالحسنة﴾ أي يُجازون الإساءةَ بالإحسان أو يُتْبعون الحسنةَ السيئة فنمحوها عن أبي عباس ﵄ يدفعون بالحسن من الكلام ما يرد عليهم من سيء غيرِهم وعن الحسن إذا حُرموا أعطَوا وإذا ظُلموا عفَوا وإذا قُطعوا وصلوا وعن ابن كيسان إذا أذنبوا تابوا وقيل إذا رأوا منكراً أمروا بتغييره وتقديم المجرور على المنصوب لإظهار كما العنايةِ بالحسنة ﴿أولئك﴾ المنعوتون بالنعوت الجليلةِ والملكات الجميلةِ وهو مبتدأٌ خبُره الجملةُ الظرفية أعني قوله تعالى ﴿لَهُمْ عقبى الدار﴾ أي عاقبةُ الدنيا وما ينبغي أن يكون مآلُ أمرِ أهلها وهي الجنة وقيل الجارُ والمجرورَ خبرٌ لأولئك وعقبى الدار فاعل الاستقرار وأياما كان فليس فيه قصرٌ حتى يرِد أنَّ بعضَ مَا في الصلةِ ليس من العزائم التي يُخلّ إخلالُها بالموصول إلى حسن العاقبة والجملةُ خبر للموصولات المتعاطفة أو استئناف لبيان ما استوجبه بتلك الصفات أن جعلت الموصولات المتعاطفةِ صفاتٌ لأولي الألباب على طريقة المدحِ من غير أن يُقصد أن يكون للصلات المذكورة مدخلٌ في التذكر

стр. 2901

﴿جنات عَدْنٍ﴾ بدلٌ من عُقبى الدار أو مبتدأٌ

стр. 2902

الرعد ٢٤ ٢٥ خبرُه ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ والعدْنُ الإقامةُ ثم صار علماً لجنة من الجنات أي جناتٌ يقيمون فيها وقيل هو بُطنانُ الجنة ﴿وَمَنْ صَلَحَ من آبائهم﴾ جمعُ أبَوَيْ كل واحد منهم فكأنه قيل من آبائهم وأمهاتهم ﴿وأزواجهم﴾ وذرياتهم وهو عطفٌ على المرفوع في يدخلون وإنما ساغ ذلك للفصل بالضمير الآخر أو مفعولٌ معه والمعنى إنه يُلحق بهم مَنْ صلح من أهلهم وإن لم يبلُغْ مبلغَ فضلِهم تبعاً لهم تعظيماً لشأنهم وهو دليلٌ على أن الدرجةَ تعلو بالشفاعة وأن الموصوفَ بتلك الصفات يُقرن بعضُهم ببعض لما بينهم من القرابة والوصلة في دخول الجنةِ زيادةً في أُنسهم وفي التقييد بالصلاح قطعٌ للأطماع الفارغة لمن يتمسك بمجرد حبل الأنساب ﴿والملائكة يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ﴾ من أبوابِ المنازل أو من أبواب الفتوحِ والتحف قائلين

стр. 2903

﴿سلام عَلَيْكُم﴾ بشارةٌ لهم بدوام السلامة ﴿بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ متعلق بعليكم أو بمحذوف أي هذه الكرامةُ العظمى بما صبرتم أي بسبب صبركم أو بدلُ ما احتملتم من مشاقّ الصبرِ ومتاعبِه والمعنى لئن تعِبتم في الدنيا لقد استرحتم الساعةَ وتخصيصُ الصبر بما ذكر من بين الصلاتِ السابقةِ لما قدّمناه من أن له دخلاً في كل منها ومزيةً زائدةً من حيث إنه مَلاكُ الأمرِ في كل منها وأن شيئاً منها لا يعتد به إلا بأن يكون لابتغاء وجهِ الربّ تعالى وتقدس ﴿فَنِعْمَ عقبى الدار﴾ أي فنعم عقبي الدارِ الجنةُ وقرىء بفتح النون والأصل نَعَم فسُكّن العين بنقل حركتها إلى النون تارة وبدونه أخرى وعن النبيِّ ﷺ أنه كان يأتي قبورَ الشهداء على رأس كلّ حولٍ فيقول سلامٌ عليكم بما صبرتُم فنَعِمَ عُقبى الدَّارِ وكذا عن الخلفاء الأربعةِ رضوانُ الله عليهم أجمعين

стр. 2904

﴿والذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله﴾ أريد بهم مَنْ يقابل الأولين ويعاندهم في الاتصاف بنقائض صفاتِهم ﴿مِن بَعْدِ ميثاقه﴾ من بعد ما أوثقوه من الاعتراف والقَبول ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ﴾ من الأيمان بجميع الأنبياءِ المجمعين على الحق حيث يؤمنون ببعضهم ويكفرون ببعضهم ومن حقوق الأرحام وموالاةِ المؤمنين وغير ذلك مما لا يراعون حقوقَه من الأمور المعدودةِ فيما سلف وإنما لم يتعرّض لنفي الخشيةِ والخوفِ عنهم صريحاً لِدلالة النقضِ والقطع على ذلك وأما عدمُ التعرض لنفي الصبرِ المذكور فلأنه إنما اعتبر تحققُه في ضمن الحسناتِ المعدودةِ ليقَعْنَ معتدًّا بهن فلا وجه لنفيه عمّن بينه وبين الحسناتِ بعدُ المشرِقين كما لا وجه لنفي الصلاةِ والزكاة ممن لا يحوم حول أصلِ الإيمان بالله تعالى فضلاً عن فروع الشرائعِ وإن أريد بالإنفاق التطوعُ فنفيُه مندرجٌ تحت قطعِ ما أمر الله تعالى بوصله وأما درءُ السيئة بالحسنة فانتفاؤه عنهم ظاهرٌ مما سبق ولحِق فإن من يجازى إحسانه بنقض العهد ومخالفةِ الأمر ويباشر الفساد بدأ حسبما يَحكيه قوله تعالى عز وعلا ﴿وَيُفْسِدُونَ فِى الأرض﴾ أي بالظلم وتهيج الفتنِ كيف يتصور منه مجازاةُ الإساءة بالإحسان على أن يُشعر بأن له دخلاً في الإفضاء إلى

стр. 2905

الرعد ٢٦ ٢٧ العقوبة التي ينبىء عنها قولُه تعالى ﴿أولئك﴾ الخ أي أولئك الموصوفون بما ذكر من القبائح ﴿لَهُمْ﴾ بسبب ذلك ﴿اللعنة﴾ أي الإبعادُ من رحمة الله تعالى ﴿وَلَهُمْ﴾ مع ذلك ﴿سُوء الدار﴾ أي سوءُ عاقبة الدنيا أو عذابُ جهنم فإنها دارُهم لأن ترتيبَ الحكمِ على الموصول مُشعرٌ بعلّية الصلةِ له ولا يخفى أنه لا دخلَ له في ذلك على أكثر التفاسير فإن مجازاةَ السيئةِ بمثلها مأذونٌ فيها ودفع الكلام السيء بالحسن وكذا الإعطاءُ عند المنع والعفو عند الظلم والوصلُ عند القطع ليس مما يورِثُ ترْكُه تِبعةً وأما ما اعتبر اندراجُه تحت الصلةِ الثانيةِ من الإخلال ببعض الحقوقِ المندوبة فلا ضير في ذلك لأن اعتبارُه من حيث إنه من مستتبعات الإخلال بالعزائم بالكفر ببعض الأنبياءِ وعقوقِ الوالدين وتركِ سائر الحقوق الواجبةِ وتكريرُ لهم للتأكيد والإيذانِ باختلافهما واستقلالِ كل منهما في الثبوت

стр. 2906

﴿الله يَبْسُطُ الرزق﴾ أي يوسّعه ﴿لِمَن يَشَاء﴾ مِنْ عِبَادِهِ ﴿وَيَقْدِرُ﴾ أي يضيّقه على من يشاء حسبما تقتضيه الحكمة من غير أن يكون لأحد مدخلٌ في ذلك ولا شعورٌ بحكمته فربما يبسُطه للكافر إملاءً واستدراجاً وربما يضّيقه على المؤمن زيادةً لأجره فلا يُغترَّ ببسط الكافر كما لا يَقنط بقدره المؤمنُ ﴿وَفَرِحُواْ﴾ أي أهلُ مكة فرَحَ أشَرٍ وبطر لا فرحَ سرورٍ بفضل الله تعالى ﴿بالحياة الدنيا﴾ وما بُسط لهم فيها من نعيمها ﴿وَمَا الحياة الدنيا﴾ وما يتبعها من النعيم ﴿فِى الاخرة﴾ أي في جنب نعيمِ الآخرة ﴿إِلَاّ متاع﴾ إلا شيءٌ نزْرٌ يُتمتع به كعُجالة الراكب وزادِ الراعي والمعنى أنهم رضُوا بحظ الدنيا معرِضين عن نعيم الآخرةِ والحالُ أن ما أشِروا به في جنب ما أعرضوا عنه شيءٌ قليل النفع سريعُ النفاد

стр. 2907

﴿وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ﴾ أي أهلُ مكة وإيثارُ هذه الطريقة على الإضمار مع ظهور إرادتِهم عقيبَ ذكرِ فرحِهم بالحياة الدنيا لذمهم والتسجيلِ عليهم بالكفر فيما حُكيَ عنهم من قولهم ﴿لولا أنزل عليه آية مّن رَّبّهِ﴾ فإن ذلك في أقصى مراتبِ المكابرةِ والعِناد كأن ما أنزل ﵇ من الآياتِ العظامِ الباهرةِ ليس بآية حتى اقترحوا مالا تقتضيه الحِكمةُ من الآيات المحسوسةِ التي لا يبقى لأحد بعد ذلك طاقةٌ بعدم القَبول ولذلك أُمر في الجواب بقوله تعالى ﴿قُلْ إِنَّ الله يُضِلُّ مَن يشاء﴾ إضلالة مشيئتَه تابعةٌ للحكمة الداعيةِ إليها أي يخلُق فيه الضلال لصرفه اختيارَه إلى تحصيله ويدعُه منهمكاً فيه لعلمه بأنه لا ينجَع فيه اللطفُ ولا ينفعه الإرشاد كمن كان على صفتكم في المكابرة والعِناد وشدةِ الشكيمةِ والغلوِّ في الفساد فلا سبيل له إلى الاهتداء ولو جاءتْه كلُّ آية ﴿وَيَهْدِى إِلَيْهِ﴾ أي إلى جنابه العليِّ الكبير هدايةً موصِلةً إليه لا دَلالةً مطلقة على ما يوصِل إليه فإن ذلك غيرُ مختصٍ بالمهتدين وفيه من تشريفهم مالا يوصف ﴿مَنْ أَنَابَ﴾ أقبل

стр. 2908

الرعد ٢٨ ٣٠ إلى الحق وتأملَ في تضاعيف ما نزل من دلائله الواضحةِ وحقيقةُ الإنابة لدخول في نوبة الخير وإيثارُ إيرادِها في الصلة على إيراد المشيئةِ كما في الصلة الأولى للتنبيه على الداعي إلى الهداية بل إلى مشيئتها والإشعارِ بما دعا إلى المشيئة الأولى من المكابرة وفيه حث للكفرة على الإقلاع عماهم عليهِ من العُتوِّ والعِنادِ وإيثارُ صيغةِ الماضي للإيماء إلى استدعاء الهدايةِ لسابقة الإنابة كما أن إيثارَ صيغةِ المضارعِ في الصلةِ الأولى للدلالة على استمرار المشيئةِ حسب استمرار مكابرتهم

стр. 2909

﴿الذين آمنوا﴾ بدل ممن أناب فإن أريد بالهداية الهدايةُ المستمرةُ فالأمر ظاهر لظهور كونِ الإيمانِ مؤدياً إليها وإن أريد إحداثُها فالمراد بالذين آمنوا الذين صار أمرُهم إلى الإيمان كما في قوله تعالى هُدًى لّلْمُتَّقِينَ أي الصائرين إلى التقوى وإلا فالإيمانُ لا يؤدّي إلى الهداية نفسها أو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ أي هم الذين آمنوا أو منصوبٌ على المدحِ ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ﴾ أي تستقر وتسكُن ﴿بِذِكْرِ الله﴾ بكلامه المعجزِ الذي لا ريب فيه كقوله تعالى وهذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أنزلناه وقوله إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون ويعلمون أن لا أعظمُ منه فيقترحوها والعدولُ إلى صيغة المضارعِ لإفادة دوامِ الاطمئنان وتجدّده حسبَ تجدّدِ الآيات وتعددها ﴿أَلَا بِذِكْرِ الله﴾ وحده ﴿تَطْمَئِنُّ القلوب﴾ دون غيرِه من الأمور التي تميل إليها النفوس من الدنياويات وهذا ظاهر وأما سائرُ المعجزات فالقصرُ من حيث إنها ليست في إفادة الطُّمأنينة بالنسبة إلى من لم يشاهدْها بمثابة القرآنِ المجيدِ فإنه معجزةٌ باقية إلى يوم القيامة يشاهدها كلُّ أحد وتطمئن به القلوبُ كافة وفيه إشعارٌ بأن الكفرةَ ليست لهم قلوب وأفئدتُهم هواءٌ حيث لم يطمئنوا بذكر الله تعالى ولم يعدّوه آيةً وهو أظهرُ الآياتِ وأبهرُها وقيل تطمئن قلوبُهم بذكر رحمتِه ومغفرتِه بعد القلق والاضطرابِ من خشيته كقوله تعالى ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله أو بذكر دلائلِه الدالةِ على وحدانيته أو بذكره جل وعلا نسا به وتبتلاً إليه فالمرادُ بالهداية دوامُها واستمرارُها

стр. 2910

﴿الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ بدلٌ من القلوب على حذف المضافِ بدلَ الكلِّ حسبما رُمز إليه أي قلوبُ الذين آمنوا وفيه إيماءٌ إلى أن الإنسان إنما هو القلبُ أو مبتدأٌ خبرُه الجملة الدعائيةُ على التأويل أعني قوله ﴿طوبى لَهُمْ﴾ أوْ خبرُ مبتدإٍ مضمرٍ أو نُصب على المدحِ فطوبى لهم حالٌ عاملُها الفعلان وطوبى مصدرٌ من طاب كبُشرى وزُلفى والواوُ منقلبةٌ من الياء كموقن وموسر وقرأ مكوزة الأعرابي طيبى لتسلم الياء والمعنى أصابوا خيراً ومحلُّها النصبُ كسلاماً لك أو الرفعُ على الابتداء وإنْ كانتْ نكرةً لكونِها في معنى الدعاء كسلامٌ عليك يدل على ذلك القراءة في قوله تعالى ﴿وحسن مآب﴾ بالنصب والرفع واللامُ في لهم للبيان مثلها في سقيا لك
следующие страницы →