Полный текст (8 642 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.
стр. 3116
(إِنَّ فِى ذَلِكَ) أي فيما ذكر من القصة (لَايَاتٍ) لعلاماتٍ يُستدل بها على حقيقة الحق (لِلْمُتَوَسّمِينَ) أي المتفكّرين المتفرّسين الذين يثبتون في نظرهم حتى يعرِفوا حقيقة الشيء بسَمْته
стр. 3117
(وَإِنَّهَا) أي المدينة أو القرى (لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ) أي طريق ثابتٍ يسلُكه الناس ويرَوْن آثارها
стр. 3118
(إِنَّ فِى ذَلِكَ) فيما ذكر من المدينة أو القرى أو في كونها بمر أي من الناس يشاهدونها في ذهابهم وإيابهم (لآيَةً) عظيمةً (لِلْمُؤْمِنِينَ) بالله ورسولِه فإنهم الذين يعرِفون أن ما حاق بهم العذاب الذي ترك ديارَهم بلا قع إنما حاق بهم لسوء صنيعهم وأما غيرُهم فيحمِلون ذلك على الاتفاق أو الأوضاع الفلكية وإفراده الآية بعد جمعها فيما سبق لما أن المشاهدَ ههنا بقيةُ الآثارِ لا كلُّ القصة كما فيما سلف
стр. 3119
الحجر
стр. 3120
٧٨ - ٨٣ (وَإِن كَانَ) إنْ مخففةٌ منْ أنَّ وضمير الشأن الذي هو اسمُها محذوفٌ والَّلامُ هي الفارقةُ أي وإن الشأن كان (أصحاب الأيكة) وهو قوم شعيب ﵊ والأيكة الشجرةُ الملتفةُ المتكاثِفة وكان عامة شجرِهم المقل وكانوا يسكنونها فبعثه الله تعالى إليهم (لظالمين) متجاوزين عن الحد
стр. 3121
(فانتقمنا مِنْهُمْ) بالعذاب روي إن الله سلط عليهم الحرَّ سبعةَ أيام ثم بعث سحابة فالتجئوا إليها يلتمسون الرَّوْحَ فبعث الله تعالى عليهم منها ناراً فأحرقتهم فهو عذابُ يوم الظلة (وَإِنَّهُمَا) يعني سدوم والأيكة وقيل الايكة ومدين فإنه ﵊ كان مبعوثاً إليهما فذِكرُ أحدهما منبّهٌ على الآخر (لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ) لبطريق واضحٍ والإمام اسمُ ما يؤتمُّ به سُمِّيَ به الطريقُ ومطمر البناء واللوحُ الذي يكتب فيه لأنها مما يؤتم به
стр. 3122
(وَلَقَدْ كَذَّبَ أصحاب الحجر) يعني ثمود (المرسلين) أي صالحاً فإن مَنْ كذب واحداً من الأنبياءِ ﵈ فقد كذب الجميعَ لاتفاقهم على التوحيد والأصولِ التي لا تخلف باختلاف الأممِ والأعصار وقيل المراد صالحٌ وَمَنْ مَعَهُ من المؤمنينَ كما قيل الخُبيبون لخبيب بن عبدِ الله بين الزبير وأصحابه والحجر وادٍ بين المدينة والشام كانوا يسكنونه
стр. 3123
(وآتيناهم آياتنا) وهي الآياتُ المنزلة على نبيهم أو المعجزاتُ من الناقة وسَقْيها وشِرْبها ودرّها أو الأدلةُ المنصوبة لهم (فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ) إعراضاً كليًّا بل كانوا معارضين لها حيث فعلوا بالناقة ما فعلوا
стр. 3124
(وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الجبال بيوتا آمنين) من الانهدام ونقْب اللصوص وتخريبِ الأعداء لوثاقتها أو من العذاب لحُسبانهم أن ذلك يحميهم منه عنْ جابرٍ رضيَ الله تعالى عنه أنه قال مررنا مع رسول الله ﷺ على الحِجْر فقال لا تدخُلوا مساكن الذين ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ إلا أن تكونوا باكين حذارا أنْ يُصيبكم مثلُ ما أصاب هؤلاء ثم زجر رسول الله ﷺ راحلته فأسرع حتى خلّفها
стр. 3125
(فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة مُصْبِحِينَ) وهكذا وقع في سورة هودٍ قيل صاح بهم جبريلُ ﵊ وقيل أتتهم من السماء صيحةٌ فيها صوتُ كلِّ صاعقة وصوت كل شيء في الأرض فتقطعت قلوبهم في صدورهم وفي سورة الأعراف فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة أي الزَّلزلةُ ولعلها من روادف الصيحة المستتبعة لتموج الهواء تموجاً شديداً يفضي إليها كما مر في سورة هود
стр. 3126
الحجر
стр. 3127
٨٤ - ٨٧ (فما أعنى عَنْهُمْ) ولم يدفع عنهم ما نزل بهم (مَّا كانوا بكسبون) من بناء البيوتِ الوثيقة والأموالِ الوافرة والعُدد المتكاثرة وفيه تهكمٌ بهم والفاءُ لترتيبِ عدمِ الإغناءِ الخاصِّ بوقت نزول العذابِ حسبما كانوا يرجونه لا عدمِ الإغناءِ المطلق فإنه أمرٌ مستمر
стр. 3128
(وَمَا خَلَقْنَا السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَاّ بالحق) أي إلَاّ خلقاً مُلتبساً بالحق والحكمةِ والمصلحةِ بحيث لا يلائم استمرارَ الفساد واستقرارَ الشرور ولذلك اقتضت الحكمةُ إهلاكَ أمثال هؤلاء دفعاً لفسادهم وإرشاداً لمن بقيَ إلى الصلاح أو إلا بسبب العدل والإنصافِ يوم الجزاءِ على الأعمال كما ينبىء عنه قوله تعالى (وَإِنَّ الساعة لآتِيَةٌ) فينتقم الله تعالى لك فيها ممن كذبك (فاصفح) أي أعرض عنهم (الصفح الجميل) إعراضاً جميلاً وتحمَّلْ أذِيَّتهم ولا تعجَلْ بالانتقام منهم وعامِلْهم معاملةَ الصَّفوح الحليم وقيل هي منسوخةٌ بآية السيف
стр. 3129
(إِنَّ رَبَّكَ) الذي يبلّغك إلى غاية الكمال (هُوَ الخلاق) لك ولهم ولسائر الموجوداتِ على الإطلاق (العليم) بأحوالك وأحوالِهم بتفاصيلها فلا يَخْفى عليه شيءٌ مما جرى بينك وبينهم فهو حقيقٌ بأن تكِل جميع الأمورِ إليه ليحكُم بينكم أو هو الذي خلقكم وعلِم تفاصيلَ أحوالِكم وقد علم أن الصفحَ اليوم أصلحُ إلى أن يكون السيفُ أصلحَ فهو تعليلٌ للأمر بالصفح على التقديرين وفي مصحف عثمانَ وأُبيّ رضي الله تعالى عنهما هو الخالق وهو صالح للقليل والكثير والخلاقُ مختصٌّ بالكثير
стр. 3130
(ولقد آتيناك سبعا) سبع آياتٍ وهي الفاتحةُ وعليه عمرُ وعليٌّ وابنُ مسعود وأبو هريرة رضي الله تعالى عنهم والحسنُ وأبو العالية ومجاهدٌ والضحاكُ وسعيدُ ابن جبير وقَتادة رحمهم الله تعالى وقيل سبعُ سورٍ وهي الطوالُ التي سابعتُها الأنفالُ والتوبة فإنهما في حكم سورةٍ واحدة ولذلك لم يُفصَلْ بينهما بالتسمية وقيل يونسُ أو الحواميم السبعُ وقيل الصحائفُ السبعُ وهي الأسباع (مّنَ المثانى) بيانٌ للسبع من التثنية وهي التكريرُ فإن كان المرادُ الفاتحةَ وهو الظاهرُ فتسميتها مثاني لتكرر قراءتِها في الصلاة وأما تكررُ قراءتها في غير الصلاة كما قيل فليس بحيث يكون مدا ر للتسمية ولأنها تثنى بما يقرأ بعدها في الصلاة وأما تكررُ نزولها فلا يكون وجهاً للتسمية لأنها كانت مسماة بهذا الاسم قبل نزولها الثاني إذ السورةُ مكيةٌ بالاتفاق وإن كان المرادُ غيرَها من السور فوجهُ كونِها من المثاني أنَّ كلاًّ من ذلك تُكرّر قراءتُه وألفاظُه أو قصصه ومواعظُه أو من الثناء لاشتماله على ما هو ثناءٌ على الله واحدتها مَثْناةٌ أو مَثْنيةٌ صفة للآية وأما الصحائفُ وهي الأسباع فلما وقع فيها من تكرير القصص
стр. 3131
الحجر ٨٨ ٩١ والمواعظ والوعدِ والوعيدِ وغيرِ ذلكَ ولما فيها من الثناء على الله تعالى كأنها تُثْني عليه سبحانه بأفعاله وصفاتِه الحسنى ويجوز أن يراد بالمثاني القرآنُ لما ذكر أولا لأنه مُثْنَى عليه بالإعجاز أو كتبُ الله تعالى كلُّها فمن للتبعيض وعلى الأول للبيان (والقرآن العظيم) إن أريد بالسبع الآياتُ أو السورُ فمِنْ عطف الكلِّ على البعض أو العام على الخاص وإن أريد به الأسباعُ أو كلُّ القرآن فهو عطفُ أحدِ الوصفين على الآخر كما في قولِه ... إلى الملكِ القَرمِ وابنِ الهُمام ... وليثِ الكتائبِ في المزدَحَمْ ... أي ولقد أتيناك ما يقال له السبعُ المثاني والقرآنُ العظيم
стр. 3132
(لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ) لا تطمَحْ ببصرك طُموحَ راغب ولا تُدِمْ نظرك (إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ) من زخارفِ الدنيا وزينتها ومحاسنِها وزَهْرتِها (أزواجا مّنْهُمْ) أصنافاً من الكفرة فإن ما في الدُّنيا من أصناف الأموالِ والذخائر بالنسبة إلى ما أوتيتَه مستحقَرٌ لا يُعبأ به أصلاً وفي حديث أبي بكر رضي الله تعالى عنه مَنْ أوتيَ القرآنَ فرآى أن أحداً أوتيَ أفضل مما أوتي فقد صغّر عظيماً وعظّم صغيراً وروي أنه وافَتْ من بصرى وأذْرِعاتَ سبعُ قوافلَ ليهود بني قُريظةَ والنّضِير فيها أنواعُ البَزِّ والطيب والجواهر وسائرُ الأمتعة فقال المسلمون لو كانت هذه الأموالُ لنا لتقوَّيْنا بها وأنفقناها في سبيل الله فقيل لهم قد أُعطِيتم سبعَ آياتٍ وهي خير من هذه القوافل السبْع (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) حيث لم يؤمنوا ولم ينتظِموا أتباعك في سلك ليتقوى بهم ضعفاءُ المسلمين وقيل أو أنهم المتمتعون به ويأباه كلمة على فإن تمتّعهم به لا يكون مداراً للحزن عليهم (واخفض جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) أي تواضَعْ لهم وارفُق بهم وألِنْ جانبك لهم وطِبْ نفساً من إيمان الأغنياء
стр. 3133
(وقل إنى أنا النذير المبين) أي المنذِرُ المُظْهِر لنزول عذاب الله وحلولِه
стр. 3134
(كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى المقتسمين) قيل إنه متعلقٌ بقوله تعالى وَلَقَدْ آتيناك الخ أي أنزلناه عليك كما أنزلنا على أهل الكتاب
стр. 3135
(الذين جعلوا القرآن عِضِينَ) أي قسَموه إلى حق وباطل حيث قالوا عِناداً وعدواناً بعضُه حقٌّ موافقٌ للتوراة والإنجيل وبعضُه باطلٌ مخالفٌ لهما أو اقتسموه لأنفسهم استهزاءً حيث كان يقول بعضُهم سورةُ البقرة لي وبعضُهم سورةُ آلِ عمران لي وهكذا أو قسموا ما قرءوا من كتبهم وحرّفوه فأقرّوا ببعضه وكذبوا ببعضه وحُمل توسط قوله تعالى لاتمدن عَيْنَيْكَ على إمداد ما هو المرادُ بالكلام من التسلية وعُقّب ذلك بأنه جلّ المقامُ عن التشبيه ولقد أُوتي ﵊ ما لم يؤتَ أحدٌ قبله ولا بعده مثلَه وقيل
стр. 3136
إنه متعلق بقوله إِنّى أَنَا النذير المبين فإنه في قوة الأمرِ بالإنذار كأنه قيل أنذِرْ قريشاً مثلَ ما أنزلنا على المقتسمين يعني اليهودَ وهو ما جرى على بني قريظةَ والنضير بأن جُعل المتوقَّعُ كالواقع وقد وقع كذلك وأنت خبيرٌ بأن ما يُشبَّه به العذابُ المنذَرُ لا بد أن يكون محققَ الوقوعِ معلومَ الحالِ عند المنذَرين إذ به تتحققُ فائدةُ التشبيهِ وهي تأكيدُ الإنذار وتشديدُه وعذابُ بني قريظةَ والنضير مع عدم وقوعِه إذ ذاك لم يسبِقْ به وعدٌ ووعيد فهم منه في غفلة محصنة وشك مُريب وتنزيلُ المتوقَّع منزلةَ الواقع له موقعٌ جليلٌ من الإعجاز لكن إذا صادف مقاماً يقتضيه كما في قوله تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً ونظائرِه على أن تخصيصَ الاقتسام باليهود بمجرد احتصاص العذاب المذكور بهم مع شِرْكتهم للنصارى في الاقتسام المتفرِّع على الموافقة والمخالفة وفي الاقتسام بمعنى التحريف الشاملِ للكتابين بل تخصيصُ العذاب المذكور بهم مع كونه من نتائج الاقتسامِ تخصيصٌ من غير مخصِّص وقد جُعل الموصولُ مفعولاً أولَ لأنذر أي أنذر المعضين الذين جزءوا القرآن إلى سحر وشعر وأساطيرَ مثلَ ما أنزلنا على المقتسمين وهم الاثنا عشرَ الذين اقتسموا مداخلَ مكة أيام الموسم فقعد كل منهم في مدخل لينفروا الناس عن الإيمان برسولِ الله ﷺ يقول بعضُهم لا تغترّوا بالخارج منا فإنه ساحرٌ ويقول الآخر شاعر والآخر كذابٌ فأهلكهم الله تعالى يوم بدر وقبله بآفات وفيه مع ما فيه من الاشتراك لما سبق في عدم كون العذابِ الذي شُبه به العذابُ المنذَرُ واقعاً ولا معلوماً للمنذَرين ولا موعودَ الوقوع أنه لا داعيَ إلى تخصيص وصفِ التعضِيةِ بهم وإخراجِ المقتسمين من بينهم مع كونهم أسوةً لهُم في ذلكَ فإنَّ وصفهم لرسول الله ﷺ بما وصفوا من السحر والشعر والكذب متفرعٌ على وصفهم للقرآن بذلك وهل هو إلا نفسُ التعضيةِ ولا إخراجهم من حكم الإنذارِ على أن ما نزل بهم من العذاب لم يكن من الشدة بحيث يُشبه به عذابُ غيرِهم ولا مخصوصاً بهم بل عامًّا لكلا الفريقين وغيرِهم مع أن بعضَ المنذَرين كالوليد بنِ المغيرة والعاص بن وائل والأسود ابن المطلب قد هلكوا قبل مهلِك أكثرِ المقتسمين يوم بدر ولا إلى تقديم المفعول الثاني على الأول كما ترى وقيل إنه وصفٌ لمفعول النذيرِ أقيمَ مُقامه والمقتسمون هم القاعدون في مداخل مكة كما حرر وفيه مع ما مر أن قوله تعالى كَمَآ أَنْزَلْنَا صريحٌ في أنَّهُ من قول الله تعالى لا من قول الرسول ﷺ والاعتذارُ بأن ذلك من باب ما يقوله بعضُ خواصِّ المَلِك أُمرْنا بكذا وإن كان الأمرُ هو الملكَ حسبما سلفَ في قولِه تعالى قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين تعسُّفٌ لا يخفى وأن إعمالَ الوصفِ الموصوف مما لم يجوِّزْه البصريون فلا بد من الهرب إلى مسلك الكوفيين أو المصير إلى جعله مفعولاً غيرَ صريح أي أنا النذيرُ المبين بعذاب مثلِ عذاب المقتسمين وقيل المراد بالمقتسمين الرهطُ الذين تقاسموا على أن يبيّتوا صالحا ﵊ فأهلكهم الله تعالى وأنت تدري أن عذابَهم حيث كان متحققاً ومعلوماً للمنذرين حسبما نطقَ به القرآنُ العظيم صالحٌ لأن يقعَ مشبَّهاً به العذابُ المنذَر لكن الموصولَ المذكورَ عَقيبَه حيث لم يمكن كونُه صفةً للمقتسمين حينئذ فسواءٌ جعلناه مفعولاً أول للنذير أو لما دَلَّ هو عليهِ من أنذر لا يكون للتعرض لعنوان التعضية في حيز الصلة ولا لعنوان الاقتسام بالمعنى المزبور في حيز المفعول الثاني فائدة لما أنَّ ذلك إنَّما يكون للإشعار بعلّية الصلة والصفةِ للحكم الثابتِ للموصول والموصوف فلا يكون هناك وجهُ شبَهٍ يدور عليه
стр. 3137
تشبيه عذابهم خاصة لعدم اشتراكِهم في السبب فإن المُعَضّين بمعزل من التقاسم على التثبيت الذي هو السبب لهلاك أولئك كما أن أولئك بمعزل من التعضية التي هي السبب لهلاك هؤلاء ولا علاقة بين السببين مفهوماً ولا وجوداً تصحّح وقوعَ أحدِهما في جانب والآخرِ في جانب واتفاقُ الفريقين على مطلق الاتفاقِ على الشر المفهوم من الاتفاق على الشر المخصوص الذي هو التثبيت المدلولُ عليه بالتقاسم غيرُ مفيد إذ لا دِلالةَ لعنوان التعضيةِ على ذلك وإنما يدل عليه اقتسامُ المداخِلِ وجعلُ الموصولِ مبتدأً على أن خبرَه الجملةُ القسَميةُ لا يليقُ بجزالةِ التنزيلِ وجلالة شأنِه الجليل إذا عرفت هذا فاعلم أن الأقربَ من الأقوال المذكورةِ أنه متعلِّق بالأول وأن المرادَ بالمقتسمين أهلُ الكتابين وأن الموصولَ مع صلته صفةٌ مبينة لكيفية اقتسامِهم ومحلُّ الكافِ النصبُ على المصدرية وحديثُ جلالة المقام عن التشبيه من لوائج النظرِ الجليل والمعنى لقد آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ المثاني والقرآنَ العظيم إيتاءً مماثلاً لإنزال الكتابين على أهلهما وعدمُ التعرض لذكر ما أنزل عليهم من الكتابين لأن الغرضَ بيانُ المماثلة بين الإيتاءين لا بين متعلَّقَيهما والعدولُ عن تطبيق ما في جانب المشبَّه به على ما في جانب المشبَّه بأن يقال كما آتينا المقتسِمين حسبما وقع في قولِه تعالى الذين آتيناهم الكتاب الخ للتنبيه على ما بين الإيتاءين من التنائي فإن الأول على وجه التكرِمة والامتنان وشتان بينه وبين الثاني ولا يقدَح ذلك في وقوعه مشبَّهاً به فإن ذلك إنما هو لمسلميته عندهم وتقديم وجودُه على المشبه زماناً لا لمزية وتعود إلى ذاته كما في الصلاة الخليلية فإن التشبيه فيها ليس لكون رحمة الله تعالى الفائضةِ على إبراهيمَ ﵊ وآله أتمَّ وأكملَ مما فاض على النبيِّ ﷺ وإنما ذلك للتقدم في الوجود والتنصيصِ عليه في القرآن العظيم فليس في التشبيه شائبةُ إشعار بأفضلية المشبَّه به من المشبه فضلاً عن إيهام أفضليةِ ما تعلق به الأولُ مما تعلق به الثاني وإنما ذُكروا بعنوان الاقتسام إنكاراً لاتصافهم به مع تحقق ما ينفيه من الإنزال المذكورِ وإيذاناً بأنَّه كانَ من حقِّهم أن يؤمنوا بكله حسب إيمانِهم بما أنزل عليهم بحكم الاشتراكِ في العلة والاتحادِ في الحقيقة التي هي مطلقُ الوحي وتوسيطُ قوله تعالى لاتمدن الخ لكمال اتصالِه بما هو المقصودُ من بيان حالِ ما أوتيَ النبيِّ ﷺ ولقد بُيِّن أولاً علوُّ شأنِه ورفعة مكانِه بحيث يستوجب اغتباطه ﵊ بمكانه واستغناءَه به عما سواه ثم نُهي عن الالتفات إلى زَهرة الدنيا وعُبّر عن إيتائها لأهلها بالتمتيع المنْبىءِ عن وشك زوالِها عنهم ثم عن الحزَن بعدم إيمانِ المنهمكين فيها بمراعاة المؤمنين والاكتفاءِ بهم عن غيرهم وبإظهار قيامِه بمواجب الرسالة ومراسمِ النذارة حسبما فُصّل في تضاعيف ما أوتي من القرآن العظيم ثم رُجِع إلى كيفية إيتائه على وجه أُدمج فيه ما يُزيح شُبَهَ المنكِرين ويستنزِلهم عن العِناد من بيان مشاركتِه لما لا ريب لهم في كونه وحياً صادقاً فتأمل والله عنده علم الكتاب هذا وقد قيل المعنى قل إنى أنا النذير المبين كما قد أنزلنا في الكتب أنك ستأتي نذيراً على أن المقتسِمين أهلُ الكتاب انتهى يريد أن ما في كما موصولةٌ والمراد بالمشابهة المستفادة من الكاف الموافقةُ وهيَ مع ما في حيِّزها في محل النصبِ على الحالية من مفعول قل أي قل هذا القولَ حالَ كونِه كما أنزلنا على أهل الكتابين أي موافقاً لذلك فالأنسبُ حينئذ حملُ الاقتسام على التحريف ليكون وصفُهم بذلك تعريضاً بما فعلوا من تحريفهم وكِتمانهم لنعت النبيِّ ﷺ وقوله تعالى عِضِينَ جمعُ عضة وهي الفرقة
стр. 3138
الحجر ٩٢ ٩٦ أصلها عِضْوَةٌ فِعْلة من عضَّى الشاةَ تعضيةً إذا جعلها أعضاءَ وإنما جُمعت جمع السلامةِ جبراً للمحذوف كسنينَ وعِزينَ والتعبيرُ عن تجزئة القرآن بالتعضية التي هي تفريقُ الأعضاء من ذي الروح المستلزمُ لإزالة حياتِه وإبطالِ اسمِه دون مطلق التجزئةِ والتفريق اللذَيْن ربما يوجدان فيما لا يضره التبعيضُ من المِثليات للتنصيص على كمالِ قبحِ ما فعلوه بالقرآن العظيم وقيل هي فِعلة من عضهتُه إذا بهتُّه وعن عكرِمةَ العضه السحرُ بلسان قريشٍ فنقصانها على الأول واو وعلى الثاني هاء
стр. 3139
(فوربك لنسألنهم أَجْمَعِينَ) أي لنسألن يوم القيامة أصنافَ الكفرة من المقتسمين وغيرهم سؤالَ توبيخٍ وتقريع
стр. 3140
(عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) في الدُّنيا من قول وفعل وترْكٍ فيدخُل فيه ما ذُكر من الاقتسام والتعضيةِ دخولاً أولياً ولنجزيّنهم بذلك جزاءاً موفوراً وفيه من التشديد وتأكيد الوعيد مالا يخفى والفاءُ لترتيب الوعيدِ على أعمالهم التي ذكر بعضها وفي التعرُّض لوصفِ الربوبيةِ مضافا إليه ﵊ إظهار اللطفِ به عليه الصلاة والسلام
стр. 3141
(فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ) فاجهر به من صَدَع بالحجة إذا تكلم بها جِهاراً أو افرُق بين الحق والباطل وأصلُه الإبانةُ والتمييزُ وما مصدريةٌ أو موصولةٌ والعائدُ محذوفٌ أي ما تؤمر به من الشرائع المودعة في تضاعيف ما أوتيتَه من المثاني السبعِ والقرآنِ العظيم (وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين) أي لا تلتفت إلى ما يقولون ولا تبالِ بهم ولا تتصدَّ للانتقام منهم
стр. 3142
(إنا كفيناك المستهزئين) بقمعهم وتدميرهم قيل كانوا خمسةً من أشراف قريش الوليدُ بن المغيرة والعاصِ بن وائل والحرث بن قيس بن الطَلاطِلةَ والأسودُ بنُ عبدِ يغوثَ والأسودُ بنُ المطلب يبالغون في إيذاء النبيِّ ﷺ والاستهزاء به فنزل جبريلُ ﵊ فقال قد أُمرت أن أكفيكَهم فأومأ إلى ساق الوليد فمرَّ بنِبال فتعلق بثوبه سهمٌ فلم ينعطف تعظيما لأخذه فاصاب عرقافي عقبه فقطه فمات وأومأ إلى أخمَص العاص فدخلت فيه شوكةٌ فقال لدغت لُدغتُ وانتفخت رجلُه حتى صارت كالرّحى فمات وأشار إلى عيني الأسودِ بن المطلب فعمِيَ وإلى أنف الحرث فامتخط قيحاً فمات وإلى الأسود بن عبد يغوثَ وهو قاعدٌ في أصل شجرةٍ فجعل ينطح برأسه الشجرةَ ويضرب وجهه بالشوك حتى مات
стр. 3143
(الذين يَجْعَلُونَ مَعَ الله إلها آخر) وصفهم بذلك تسلية لرسول الله ﷺ وتهويناً للخطب عليه بإعلام أنهم لم يقتصروا على الاستهزاءِ به ﵊ بل اجترءوا على العظيمة التي هي الإشراك بالله سبحانه (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) عاقبةَ ما يأتون ويذرون
стр. 3144
الحجر
стр. 3145
٩٧ - ٩٩ (ولقد نعلم أنك بضيق صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ) من كلمات الشِّرك والطعنِ في القرآن والاستهزاء به وبك وتحليةُ الجملة بالتأكيد لإفادة تحقيقِ ما تتضمنه من التسلية وصيغةُ الاستقبال لإفادة استمرارِ العلم حسب استمرارِ متعلَّقه باستمرار ما يوجبه من أقوال الكفرة
стр. 3146
(فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ) فافزَع إلى الله تعالى فيما نابك من ضيق الصدرِ والحرَج بالتسبيح والتقديس ملتبساً بحمده وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره ﵊ مالا يخفى من إظهار اللطفِ به ﵊ والإشعارِ بعلة الحُكم أعني الأمرَ بالتسبيح والحمد (وَكُنْ مّنَ الساجدين) أي المصلّين يكفيك ويكشِفِ الغمَّ عنك أو فنزِّهْه عما يقولون ملتبساً بحمده على أنْ هداك للحق المبين وعنه ﵊ أنه كان إذا حزبه أمرفرع إلى الصلاة
стр. 3147
(واعبد رَبَّكَ) دُمْ على ما أنت عليه من عبادته تعالى وإيثارُ الإظهار بالعنوان السالف آنفاً لتأكيد ما سبق من إظهار اللطفِ به ﵊ والإشعارِ بعلة الأمرِ بالعبادة (حتى يَأْتِيَكَ اليقين) أي الموتُ فإنه مُتيقَّنُ اللحوق بكل حي مخلوق وإسنادُ الإتيان إليه للإيذان بأنه متوجِّهٌ إلى الحيّ طالبٌ للوصول إليه والمعنى دم على العبادة ما دمت حيًّا من غير إخلالٍ بها لحظة عن رسول الله ﷺ مَنْ قرأَ سورةَ الحِجْر كان له من الأجر عشر حسنا بعدد المهاجِرين والأنصارِ والمستهزئين بمحمد صلى الله عليه وسلم
стр. 3148
سورة النحل مكية وآياتها مائة وثمان وعشرون (سورة النحل مكية إلا وإن عاقبتم إلى آخرها وهي مائة وثمان وعشرون آية)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3149
(أتى أَمْرُ الله) أي الساعة أو ما يعمُّها وغيرَها من العذاب الموعود للكفرة عبّر عن ذلك بأمر الله للتفخيم والتهويل وللإيذان بأن تحققَه في نفسه وإيتانه منوطٌ بحكمه النافذِ وقضائِه الغالب وإتيانُه عبارةٌ عن دنوّه واقترابِه على طريقة نظمِ المتوقَّعِ في سلك الواقع أو عن إتيان مباديه القريبةِ على نهج إسنادِ حال الأسبابِ إلى المسببات وأياما كان ففيه تنبيهٌ على كمال قربِه من الوقوع واتصالِه وتكميلٌ لحسن موقع التفريع في قولِه (فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ) فإن النهيَ عن استعجال الشيءِ وإن صح تفريعُه على قرب وقوعِه أو على وقوع أسبابه القريبة لكنه ليس بمثابة تفريعِه على وقوعه إذ بالوقوع يستحيل الاستعجالُ رأساً لا بما ذكر من قرب وقوعِه ووقوعِ مباديه والخطابُ للكفرة خاصة كما يدل عليه القراءةُ على صيغة نهي الغائبِ واستعجالُهم وإن كان بطريق الاستهزاءِ لكنه حُمل على الحقيقة ونُهوا عنه بضرب من التهكم لا مع المؤمنين سواءٌ أريد بأمر الله ما ذُكر أو العذاب الموعود للكفرة خاصة أما الأول فلأنه لا يتصور من المؤمنين استعجالُ الساعة أو ما يعمُّها وغيرَها من العذاب حتى يعمهم النهيُ عنه وأما الثاني فلأن استعجالَهم له بطريق الحقيقةِ واستعجالَ الكفرة بطريق الاستهزاءِ كما عرَفْته فلا ينتظمها صيغةٌ واحدة والالتجاءُ إلى إرادة معنىً مجازيَ يعمهما معاً من غير أن يكون هناك رعايةُ نكتة سرّية تعسفٌ لا يليق بشأن التنزيلِ الجليلِ وما روي من أنه لما نزلت اقتربت الساعة قال الكفار فيما بينهم إن هذا يزعُم أن القيامة قد قرُبت فأمسِكوا عن بعض ما تعملون حتى ننظر ما هو كائنٌ فلما تأخّرت قالوا ما نرى شيئاً فنزلت اقترب لِلنَّاسِ حسابهم فأشفقوا وانتظروا اقربها فلما امتدت الأيامُ قالوا يا محمد ما نرى شيئاً مما تخوفنا به فنزلت أتى أَمْرُ الله فوثب رسول الله ﷺ فرفع الناس رءوسهم فلما نزل فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ اطمأنوا فليس فيه دَلالةٌ على عموم الخطاب كما قيل لا لما تُوهم من أن التصديرَ بالفاء يأباه فإنه بمعزل عن إبائه حسبما تحققْتَه بل لأن مناطَ اطمئنانِهم إنما وقوفُهم على أن المرادَ بالإتيان هو الإتيانُ الادّعائي لا الحقيقيُّ الموجبُ لاستحالة الاستعجال المستلزم لامتناع النهي عنه لِما إن النهيَ عن الشيء يقتضي إمكانَه في الجملة ومدار ذلك الوقوف إنما هو النهيُ عن الاستعجال المستلزمِ لإمكانه المقتضي لعدم وقوعِ المستعجَل بعدُ ولا يختلف ذلك باختلاف المستعجِل كائناً مَنْ كان بل فيه دَلالةٌ واضحة على عدم
стр. 3150
النحل ٢ العمومِ لأن المراد بأمر الله إنما هو الساعةُ وقد عرفت استحالةَ صدور استعجالِها عن المؤمنين نعم يجوز تخصيصُ الخطاب بهم على تقدير كونِ أمر الله عبارةٌ عن العذابِ الموعودِ للكفرة خاصة لكن الذي يقضي به الإعجازُ التنزيليُّ أنه خاصٌّ بالكفرة كما ستقف عليه ولمّا كان استعجالُهم ذلك من نتائج إشراكِهم المستتبعِ لنسبة الله إلى مالا يليق به من العجز والاحتياج إلى الغير واعتقادِ أن واحدا يحجُزه عن إنجاز وعدِه وإمضاء وعيدِه وقد قالوا في تضاعيفه إن صح مجيءُ العذاب فالأصنامُ تخلّصنا عنه بشفاعتها رُدَّ ذلك فقيل بطريق الاستئناف (سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ) أي تنزه وتقدّس بذاته وجل عن إشراكهم المؤدِّي إلى صدور أمثالِ هذه الأباطيلِ عنهم أو عن أنْ يكون له شريكٌ فيدفعَ ما أراد بهم بوجه من الوجوه وصيغةُ الاستقبالِ للدِلالة على تجدد إشراكِهم واستمرارِه والالتفاتُ إلى الغَيبة للإيذانِ باقتضاء ذكرِ قبائحِهم للإعراض عنهم وطرحِهم عن رتبة الخطاب وحكايةِ شنائعهم لغيرهم وعلى تقدير تخصيصِ الخطابِ بالمؤمنين تفوت هذه النُّكتةُ كما يفوت ارتباطُ المنهي عنه بالمتنزه عنه وقُرىء على صيغة الخطاب
стр. 3151
(يُنَزّلُ الملائكة) بيانٌ لتحتم التوحيدِ حسبما نُبّه عليه تنبيهاً إجمالياً ببيان تقدّس جنابِ الكبرياءِ وتعاليه عن أن يحوم حول شائبةُ أنْ يشارَكه شيءٌ في شيء وإيذانٌ بأنه دينٌ أجمع عليه جمهورُ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأُمروا بدعوة الناسِ إليه مع الإشارة إلى سر البغتة والتشريعِ وكيفية إلقاءِ الوحي والتنبيهِ على طريق علمِ الرسول ﷺ بإتيان ما أوعدهم به وباقترابه إزاحةً لاستبعادهم اختصاصَه ﵊ بذلك وإظهاراً لبُطلان رأيهم في الاستعجال والتكذيب وإيثارُ صيغةَ الاستقبالِ للإشعارِ بأن ذلك عادةٌ مستمرةٌ له سبحانه والمرادُ بالملائكة إما جبريلُ ﵇ قالَ الواحدي يسمَّى الواحدُ بالجمع إذا كان رئيساً أو هُو ومَنْ مَعَهُ من حفَظَة الوحي بأمر الله تعالى وقرىء يُنْزِل من الإنزال وتَنَزَّلُ بحذف إحدى التاءين وعلى صيغةِ المبنيِّ للمفعولِ من التنزيل (بالروح) أي بالوحي الذي من جملته القرآنُ على نهج الاستعارة فإنه يحي القلوب المبتة بالجهل أو يقوم في الدين مقامَ الروح في الجسد والباء متعلقةٌ بالفعل أو بما هو حالٌ من مفعوله أي ملتبسين بالروح (مِنْ أَمْرِهِ) بيانٌ للروحِ الذي أريدَ بهِ الوحيُ فإنَّه أمرٌ بالخيرِ أو حالٌ منِهُ أيْ حالَ كونِه ناشئاً ومبتدأً منه أو صفةٌ له على رأي من جوّز حذفَ الموصول مع بعض صلته أي بالروح الكائن من أمره الناشىءِ منه أو متعلقٌ بينزّل ومِنْ للسببيةِ كالباءِ مثلُ ما في قوله تعالى مّمَّا خطيئانهم أي ينزلهم بأمره (على مَن يَشَاء مِنْ عباده) أن ينزِّلَهم به عليهم لاختصاصهم بصفات تؤهّلهم لذلك (أَنْ أَنْذِرُواْ) بدلٌ من الروح أي ينزلهم ملتبسين بأن أنذِروا أي بهذا القول والمخاطَبون به الأنبياءُ الذين نزلت الملائكةُ عليهم والآمرُ هو الله سبحانه والملائكةُ نَقَلةٌ للأمر كما يُشعر به الباء في المبدَل منه وأن إما مخففةٌ من أنَّ وضميرُ الشأن الذي هو اسمُها محذوفٌ أي ينزلهم ملتبسين بأن
стр. 3152
النحل ٣ ٥ الشأنَ أقول لكم أنذِروا أو مفسّرةٌ على أن تنزيلَ الملائكة بالوحي فيه معنى القولِ كأنه قيل يقول بواسطة الملائكةِ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ أنذروا فلا محلَّ لها من الإعرابِ أو مصدريةٌ لجواز كون صلتِها إنشائيةً كما في قوله تعالى وأن أَقِمْ وَجْهَكَ حسبما ذكر في أوائل سورة هودٍ فمحلُّها الجرُّ على البدلية أيضاً والإنذارُ الإعلام خلا أنه مختصٌّ بإعلام المحذورِ من نذر بالشيء إذا علمه فخذوه وأنذره بالأمر إنذاراً أي أعلمه وحذره وخوفه في إبلاغه كذا في القاموس أي أعلِموا الناس (أَنَّهُ لَا إله إِلَاّ أَنَاْ) فالضمير للشأن ومدارُ وضعِه موضعَه ادِّعاءُ شهرتِه المُغْنية عن التصريحِ بهِ وفائدةُ تصديرِ الجملة به الإيذانُ من أول الأمرِ بفَخامة مضمونِها مع ما فيه من زيادة تقريرٍ له في الذهن فإنَّ الضميرَ لا يُفهمُ منه ابتداءً إلا شأنٌ مبهمٌ لهُ خطرٌ فيبقى الذهنُ مترقِّباً لما يعقبه فيتمكن لديه عند وروده فضلُ تمكن كأنه قيل أنذروا إن الشأنَ الخطيرَ هذا وإنباءُ مضمونِه عن المحذور ليس لذاته بل من حيث اتصافُ المنذَرين بما يضادُّه من الإشراك وذلك كافٍ في كون إعلامِه إنذاراً وقوله سبحانه (فائقون) خطابٌ للمستعجِلين على طريقة الالتفاتِ والفاءُ فصيحةٌ أي إذا كان الأمر كما ذكر من جريان عادتِه تعالى بتنزيل الملائكةِ على الأنبياءِ ﵈ وأمرِهم بأن ينذِروا الناسِ أنه لا شريكٍ له في الألوهية فائقون في الإخلال بمضمونه ومباشرةِ ما ينافيه من الإشراك وفروعِه التي من جُملتها الاستعجالُ والاستهزاءُ وبعد تمهيدِ الدليل السمعيِّ للتوحيد شُرِع في تحرير الأدلة العقلية فقيل
стр. 3153
(خُلِقَ السموات والأرض بالحق) أي أوجدهما على ما هما عليه من الوجه الفائق والنمطِ اللائق (تَعَالَى) وتقدّس بذاته لا سيما بأفعاله التي من جملتها إبداعُ هذين المخلوقين (عَمَّا يُشْرِكُونَ) عن إشراكِهم المعهودِ أو عن شركِة ما يشركونه به من الباطل الذي لا يُبدىء ولا يعيد وبعد ما نبّه على صنعه الكليِّ المنطوي على تفاصيل مخلوقاتِه شرَع في تعداد ما فيه من خلائقه فبدأ بفعله المتعلق بالأنفس فقال
стр. 3154
(خَلَقَ الإنسان) أي هذا النوعَ غيرَ الفرد الأول منه (مِن نُّطْفَةٍ) جماد لا حسَّ له ولا حَراكَ سيالٍ لا يحفظ شكلاً ولا وضعاً (فَإِذَا هُوَ) بعد الخلق (خَصِيمٌ) مِنطيقٌ مجادِلٌ عن نفسه مكافِحٌ للخصوم (مُّبِينٌ) لحجته لقِنٌ بها وهذا أنسبُ بمقام الامتنانِ بإعطاء القدرة على الاستدلال بذلك على قدرته تعالى ووحدتِه أو مخاصمٌ لخالقه منكِرٌ له قائلٌ مَن يُحىِ العظام وَهِىَ رَمِيمٌ وهذا أنسبُ بمقام تعداد هَناتِ الكفرة روى أن ابي به خلفٍ الجُمَحي أتى النبيَّ ﷺ بعظم رميم فقال يا محمدا أترى الله تعالى يحي هذا بعدما قد رمّ فنزلت
стр. 3155
(والانعام) وهي الأزواجُ الثمانية من الإبلُ والبقرُ والضَّأنُ والمعزُ وانتصابه بمضمر يفسره قوله تعالى (خَلَقَهَا) أو بالعطف على الإنسان وما بعده بيانُ ما خُلق لأجله والذي بعده تفصيلٌ لذلك وقوله تعالى (لَكُمْ) إما متعلقٌ بخلَقها وقوله (فِيهَا) خبرٌ مقدم وقوله (دِفْء) مبتدأٌ وهو ما يُدفأ به فيقي من البرد والجملةُ حالٌ منَ المفعولِ أوِ
следующие страницы →