Полный текст (8 642 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.
стр. 3151
(يُنَزّلُ الملائكة) بيانٌ لتحتم التوحيدِ حسبما نُبّه عليه تنبيهاً إجمالياً ببيان تقدّس جنابِ الكبرياءِ وتعاليه عن أن يحوم حول شائبةُ أنْ يشارَكه شيءٌ في شيء وإيذانٌ بأنه دينٌ أجمع عليه جمهورُ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأُمروا بدعوة الناسِ إليه مع الإشارة إلى سر البغتة والتشريعِ وكيفية إلقاءِ الوحي والتنبيهِ على طريق علمِ الرسول ﷺ بإتيان ما أوعدهم به وباقترابه إزاحةً لاستبعادهم اختصاصَه ﵊ بذلك وإظهاراً لبُطلان رأيهم في الاستعجال والتكذيب وإيثارُ صيغةَ الاستقبالِ للإشعارِ بأن ذلك عادةٌ مستمرةٌ له سبحانه والمرادُ بالملائكة إما جبريلُ ﵇ قالَ الواحدي يسمَّى الواحدُ بالجمع إذا كان رئيساً أو هُو ومَنْ مَعَهُ من حفَظَة الوحي بأمر الله تعالى وقرىء يُنْزِل من الإنزال وتَنَزَّلُ بحذف إحدى التاءين وعلى صيغةِ المبنيِّ للمفعولِ من التنزيل (بالروح) أي بالوحي الذي من جملته القرآنُ على نهج الاستعارة فإنه يحي القلوب المبتة بالجهل أو يقوم في الدين مقامَ الروح في الجسد والباء متعلقةٌ بالفعل أو بما هو حالٌ من مفعوله أي ملتبسين بالروح (مِنْ أَمْرِهِ) بيانٌ للروحِ الذي أريدَ بهِ الوحيُ فإنَّه أمرٌ بالخيرِ أو حالٌ منِهُ أيْ حالَ كونِه ناشئاً ومبتدأً منه أو صفةٌ له على رأي من جوّز حذفَ الموصول مع بعض صلته أي بالروح الكائن من أمره الناشىءِ منه أو متعلقٌ بينزّل ومِنْ للسببيةِ كالباءِ مثلُ ما في قوله تعالى مّمَّا خطيئانهم أي ينزلهم بأمره (على مَن يَشَاء مِنْ عباده) أن ينزِّلَهم به عليهم لاختصاصهم بصفات تؤهّلهم لذلك (أَنْ أَنْذِرُواْ) بدلٌ من الروح أي ينزلهم ملتبسين بأن أنذِروا أي بهذا القول والمخاطَبون به الأنبياءُ الذين نزلت الملائكةُ عليهم والآمرُ هو الله سبحانه والملائكةُ نَقَلةٌ للأمر كما يُشعر به الباء في المبدَل منه وأن إما مخففةٌ من أنَّ وضميرُ الشأن الذي هو اسمُها محذوفٌ أي ينزلهم ملتبسين بأن
стр. 3152
النحل ٣ ٥ الشأنَ أقول لكم أنذِروا أو مفسّرةٌ على أن تنزيلَ الملائكة بالوحي فيه معنى القولِ كأنه قيل يقول بواسطة الملائكةِ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ أنذروا فلا محلَّ لها من الإعرابِ أو مصدريةٌ لجواز كون صلتِها إنشائيةً كما في قوله تعالى وأن أَقِمْ وَجْهَكَ حسبما ذكر في أوائل سورة هودٍ فمحلُّها الجرُّ على البدلية أيضاً والإنذارُ الإعلام خلا أنه مختصٌّ بإعلام المحذورِ من نذر بالشيء إذا علمه فخذوه وأنذره بالأمر إنذاراً أي أعلمه وحذره وخوفه في إبلاغه كذا في القاموس أي أعلِموا الناس (أَنَّهُ لَا إله إِلَاّ أَنَاْ) فالضمير للشأن ومدارُ وضعِه موضعَه ادِّعاءُ شهرتِه المُغْنية عن التصريحِ بهِ وفائدةُ تصديرِ الجملة به الإيذانُ من أول الأمرِ بفَخامة مضمونِها مع ما فيه من زيادة تقريرٍ له في الذهن فإنَّ الضميرَ لا يُفهمُ منه ابتداءً إلا شأنٌ مبهمٌ لهُ خطرٌ فيبقى الذهنُ مترقِّباً لما يعقبه فيتمكن لديه عند وروده فضلُ تمكن كأنه قيل أنذروا إن الشأنَ الخطيرَ هذا وإنباءُ مضمونِه عن المحذور ليس لذاته بل من حيث اتصافُ المنذَرين بما يضادُّه من الإشراك وذلك كافٍ في كون إعلامِه إنذاراً وقوله سبحانه (فائقون) خطابٌ للمستعجِلين على طريقة الالتفاتِ والفاءُ فصيحةٌ أي إذا كان الأمر كما ذكر من جريان عادتِه تعالى بتنزيل الملائكةِ على الأنبياءِ ﵈ وأمرِهم بأن ينذِروا الناسِ أنه لا شريكٍ له في الألوهية فائقون في الإخلال بمضمونه ومباشرةِ ما ينافيه من الإشراك وفروعِه التي من جُملتها الاستعجالُ والاستهزاءُ وبعد تمهيدِ الدليل السمعيِّ للتوحيد شُرِع في تحرير الأدلة العقلية فقيل
стр. 3153
(خُلِقَ السموات والأرض بالحق) أي أوجدهما على ما هما عليه من الوجه الفائق والنمطِ اللائق (تَعَالَى) وتقدّس بذاته لا سيما بأفعاله التي من جملتها إبداعُ هذين المخلوقين (عَمَّا يُشْرِكُونَ) عن إشراكِهم المعهودِ أو عن شركِة ما يشركونه به من الباطل الذي لا يُبدىء ولا يعيد وبعد ما نبّه على صنعه الكليِّ المنطوي على تفاصيل مخلوقاتِه شرَع في تعداد ما فيه من خلائقه فبدأ بفعله المتعلق بالأنفس فقال
стр. 3154
(خَلَقَ الإنسان) أي هذا النوعَ غيرَ الفرد الأول منه (مِن نُّطْفَةٍ) جماد لا حسَّ له ولا حَراكَ سيالٍ لا يحفظ شكلاً ولا وضعاً (فَإِذَا هُوَ) بعد الخلق (خَصِيمٌ) مِنطيقٌ مجادِلٌ عن نفسه مكافِحٌ للخصوم (مُّبِينٌ) لحجته لقِنٌ بها وهذا أنسبُ بمقام الامتنانِ بإعطاء القدرة على الاستدلال بذلك على قدرته تعالى ووحدتِه أو مخاصمٌ لخالقه منكِرٌ له قائلٌ مَن يُحىِ العظام وَهِىَ رَمِيمٌ وهذا أنسبُ بمقام تعداد هَناتِ الكفرة روى أن ابي به خلفٍ الجُمَحي أتى النبيَّ ﷺ بعظم رميم فقال يا محمدا أترى الله تعالى يحي هذا بعدما قد رمّ فنزلت
стр. 3155
(والانعام) وهي الأزواجُ الثمانية من الإبلُ والبقرُ والضَّأنُ والمعزُ وانتصابه بمضمر يفسره قوله تعالى (خَلَقَهَا) أو بالعطف على الإنسان وما بعده بيانُ ما خُلق لأجله والذي بعده تفصيلٌ لذلك وقوله تعالى (لَكُمْ) إما متعلقٌ بخلَقها وقوله (فِيهَا) خبرٌ مقدم وقوله (دِفْء) مبتدأٌ وهو ما يُدفأ به فيقي من البرد والجملةُ حالٌ منَ المفعولِ أوِ
стр. 3156
النحل ٦ ٧ الظرفُ الأول خبرٌ للمبتدأ المذكور وفيها حال من دفء إذ لو تأخر لكان صفة (ومنافع) هي دَرّها ورُكوبها وحملُها والحِراثة بها وغيرُ ذلك وإنما عبّر عنها بها ليتناول الكل مع أنه الأنسب بمقام الامتنان بالنعم وتقديمُ الدفء على المنافع لرعاية أسلوب الترقي إلى الأعلى (وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) أي تأكُلون ما يؤكل منها من اللحوم والشحوم وغيرِ ذلك وتغييرُ النظم للإيماء إلى أنها لا تبقى عند الأكل كما في السابق واللاحقِ فإن الدفءَ والمنافعَ والجَمال يحصل منها وهي باقيةٌ على حالها ولذلك جُعلت محالَّ لها بخلاف الأكل وتقديمُ الظرف للإيذان بأن الأكلَ منها هو المعتادُ المعتمدُ في المعاش لأن الأكلَ مما عداها من الدجاج والبط وصيد البرِّ والبحرِ من قبيل التفكّه مع أنَّ فيهِ مراعاةً للفواصل ويحتمل أن يكون معنى الأكلِ منها أكلَ ما يحصل بسببها فإن الحبوبَ والثمارَ المأكولة تُكتسب بإكراء الإبلِ وبإثمار نِتاجها وألبانها وجلودها
стр. 3157
(وَلَكُمْ فِيهَا) مع ما فصل من أنواع المنافع الضرورية (حمال) أي زينةٌ في أعين الناس ووَجاهةٌ عندهم (حِينَ تُرِيحُونَ) ترُدّونها من مراعيها إلى مراحها بالعشي (وَحِينَ تَسْرَحُونَ) تخرِجونها بالغداة من حظائرها إلى مسارحها فالمفعول محذوفٌ من كلا الفعلين لرعاية الفواصل وتعيين الوقتيين لأن ما يدور عليه أمرُ الجمال من تزين الأفنية والأكنافِ بها وبتجاوب ثُغائها ورُغائها إنما هو عند ورودها وصدورها في ذينك الوقتين وأما عند كونِها في المراعي فينقطع إضافتُها الحسية إلى أربابها وعند كونِها في الحظائر لا يراها راءٍ ولا ينظر إليها ناظرٌ وتقديمُ الإراحةِ على السَّرْح لتقدم الورودِ على الصدور ولكنوها أظهرَ منه في استتباع ما ذُكر من الجمال وأتمَّ في استجلاب الأنسِ والبهجة إذ فيها حضورٌ بعد غَيبة وإقبالٌ بعد إدبار على أحسنِ ما يكون ملأى البطونِ مرتفعةَ الضروع وقرىء حيناً تريحون وحيناً تسرحون على أن كِلا الفعلين وصفٌ لحيناً بمعنى تريحون فيه وتسرحون فيه
стр. 3158
(وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ) جمعُ ثَقَلٍ وهُو متاعُ المسافر وقيل أثقالكم أجرامكم (إلى بَلَدٍ) قال ابن عباس ﵄ أريد به اليمنُ ومصرُ والشامُ ولعله نظر إلى أنها متاجرُ أهل مكة وقال عكرمةَ أريد به مكةُ ولعله نظر إلى أن أثقالَهم وأحمالهم عند القُفول من متاجرهم أكثرُ وحاجتُهم إلى الحمولة أمسُّ والظاهرُ أنه عام لكل بلد سحيق (لَّمْ تَكُونُواْ بالغيه) واصلين إليه بأنفسكم مجردين عن الأثقال لولا الإبل (إِلَاّ بِشِقّ الأنفس) فضلاً عن استصحابها معكم وقرىء بفتح الشين وهما لغتان بمعنى الكُلفة والمشقة وقيل المفتوحُ مصدرٌ من شق الأمرُ عليه شقاً وحقيقتُه راجعة إلى الشِق الذي هو الصَّدْع والمكسورُ النصفِ كأنه يُذهب نصفَ القوة لما يناله من الجهد فالإضافة إلى الأنفس مجازيةٌ أو على تقديرِ مضافٍ أي وإلا بشق قُوى الأنفس وهو استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم الأشياء أي لم تكونوا بالغيه بشيءٍ من الأشياءِ إلا بشق الأنفس ولعل تغييرَ النظمِ الكريم السابقِ الدال على كون الأنعامِ مدار للنعم السابقة إلى الجملة الفعلية المفيدة لمجرد الحوث للإشعار بأن
стр. 3159
النحل ٨ ٩ هذه النعمةَ ليست في العموم بحسب المنشأ وبحسب المتعلق وفي الشمول للأوقات والاطّراد في الأحيان المعهودة بمثابة النعمِ السالفة فإنها بحسب المنشأ وخاصةٌ بالإبل وبحسب المتعلق بالضاربين في الأرض المتقلبين فيها للتجارة وغيرِها في أحايينَ غيرِ مطّردة وأما سائرُ النعم المعدودةِ فموجودةٌ في جميع أصناف الأنعامِ وعامةٌ لكافة المخاطبين دائماً أو في عامة الأوقات (إِنَّ رَبَّكُمْ لرءوف رَّحِيمٌ) ولذلك أسبغ عليكم هذه النعمَ الجليلةَ ويسّر لكم الأمورَ الشاقة
стр. 3160
(والخيل) هو اسمُ جنس للفرس لا واحد له من لفظه كالإبل وهو عطفٌ على الأنعام أي خلق الخيل (والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا) تعليلٌ بمعظم منافعها وإلا فالانتفاعُ بها بالحمل أيضاً مما لا ريب في تحققه (وَزِينَةٌ) عطفٌ على محل لتركبوها وتجريدُه عن اللام لكونه فعلاً لفاعل المعلل دون الأولِ وتأخيرُه لكون الركوبِ أهمَّ منه أو مصدرٌ لفعل محذوفٍ أي وتتزيّنوا بها زينةً وقرىء بغير واو أي خلقها زينةً لتركبوها ويجوزُ أنْ يكونَ مصدراً واقعاً موقعَ الحالِ من فاعلِ تركبوها أو مفعولِه أي متزينيين بها أو متزينا بها (ويخلق مالا تَعْلَمُونَ) أي يخلق في الدنيا غيرَ ما عُدد من أصناف النعم فيكم ولكم مالا تعلمون كنهَه وكيفيةَ خلقِه فالعدولُ إلى صيغة الاستقبال للدِلالة على الاستمرار والتجددِ أو لاستحضار الصورة أو يخلق لكم في الجنة غيرَ ما ذُكر من النعم الدنيوية مالا تعلمون أي ما ليس من شأنكم أن تعلموه وهو ما أُشير إليه بقوله ﷺ حكاية عن الله تعالى أعددت لعبادى الصالحين مالا عينٌ رأتْ ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر ويجوز أن يكون هذا إخباراً بأنه سبحانه يخلق من الخلائق مالا علمَ لنا به دَلالةً على قدرته الباهرة الموجبةِ للتوحيد كنعمته الباطنة والظاهرة عن ابن عباس ﵄ أن عن يمين العرش نهراً من نور مثلَ السمواتِ السبع والأرضين السبع والبحارِ السبعة يدخل فيه جبريلُ ﵇ كل سَحَر فيغتسل فيزداد نوراً إلى نور وجمالاً إلى جمال وعِظماً إلى عظم ثم ينتفض فيخلق الله تُعالى مِنْ كلِّ قطرة تقع من ريشه كذا وكذا ألفَ ملَك فيدخل منهم كل يوم سبعون ألفَ ملكٍ البيتَ المعمور وسبعون ألف ملك الكعبة لا يعودون إليه إلى يوم القيامة
стр. 3161
(وَعَلَى الله قَصْدُ السبيل) القصدُ مصدر بمعنى الفاعل يقال سبيلٌ قصْدٌ وقاصدٌ أي مستقيم على طريقة الاستعارة أو على نهج إسنادِ حال سالكِه إليه كأنه يقصِد الوجهَ الذي يؤمه السالكُ لا يعدِل عنه أي حقٌّ عليه بموجب رحمته ووعدِه المحتوم بيانُ الطريق المستقيمِ الموصلِ لمن يسلكه إلى الحقِّ الذي هو التوحيدُ بنصب الأدلةِ وإرسالِ الرسل وإنزال الكتبِ لدعوة الناس إليه أو مصدرٌ بمعنى الإقامة والتعديل قاله أبو البقاء ي عليه تقويمُها وتعديلها أي جعلُها بحيث يصل سالكُها إلى الحق لكن لا بعدما كانت في نفسها منحرفةً عنه بل إبداعُها ابتداءً كذلك على نهج قوله سُبحان مَنْ صغر البعوضَ وكبّر الفيل وحقيقتُه راجعةٌ إلى ما ذكر من نصب الأدلةِ وقد فَعل ذلك حيث أبدع هذه البدائعَ التى كلُّ واحد منها
стр. 3162
لاحبٌّ يهتدى بمناره وعلَمٌ يُستضاء بناره وأَرسل رسلاً مبشرين ومنذرين وأَنزل عليهم كتباً من جملتها هذا الوحيُ الناطقُ بحقيقة الحقِّ الفاحصِ عن كل ما جلّ من الأسرار ودقّ الهادي إلى سبيل الاستدلال بتلك الأدلةِ المفضية إلى معالم الهدى المنحية عن فيافي الضلالة ومهاوي الردى ألا يُرى كيف بيّن أولاً تنزُّهَ جنابِ الكبرياء وتعالِيَه بحسب الذات عن أن يحوم حوله شائبةُ توهمِ الإشراك ثم أوضح سرَّ إلقاءِ الوحي على الأنبياءِ عليهم الصَّلاةُ والسلام وكيفيةَ أمرِهم بإنذار الناس ودعوتِهم إلى التوحيد ونهيِهم عن الإشراك ثم كرّ على بيان تعاليه عن ذلك بحسب الأفعالِ مرشداً إلى طريقة الاستدلالِ فبدأ بفعله المتعلق بمحيط العالم الجُسماني ومركزِه بقوله تعالى خُلِقَ السموات والأرض بالحق تعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ثم فصّل أفعالَه المتعلقةَ بما بينهما فبدأ بفعله المتعلّق بأنفس المخاطَبين ثم ذكر ما يتعلق بما لا بد لهم منه في معايشهم ثم بين قدرته على خلق مالا يحيط به علمُ البشر بقوله ويخلق مالا تَعْلَمُونَ وكلُّ ذلك كما ترى بيانٌ لسبيل التوحيد غِبَّ بيانٍ وتعديلٌ له أيُّما تعديلٍ فالمرادُ بالسبيل على الأول الجنسُ بدليل إضافة القصد إليه قوله تعالى (وَمِنْهَا) في محلِ الرفعِ على الابتداء إما باعتبار مضمونِه وإما بتقدير الموصوف كما في قوله تعالى ومنادون ذلك وقد مرَّ في قولِه تعالى وَمِنَ الناس مَن يقول آمنا بالله وباليوم الأخر الخ أي بعضُ السبيل أو بعضٌ من السبيل فإنها تؤنث وتذكر (جَائِرٌ) أي مائلٌ عن الحق منحرفٌ عنه لا يوصِل سالكَه إليه وهو طرقُ الضلال التي لا يكاد يحصى عددُها المندرجُ كلُّها تحت الجائر وعلى الثاني نفسُ السبيل المستقيم والضميرُ في منها راجع إليها بتقدير المضاف أي ومن جنسها لما عرفتَ من أنَّ تعديلَ السبيل وتقويمَه إبداعُه ابتداءً على وجه الاستقامةِ والعدالةِ لا تقويمُه بعد انحرافه وأياما كان فليس في النظم الكريم تغييرُ الأسلوب رعايةً لأمر مطلوب كما قيل فإن ذلك إنما يكون فيما اقتضى الظاهر سبكاً معيناً ولكن يُعدل عن ذلك لنُكتة أهمَّ منه كما في قوله سبحانه الذى يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ فإن مقتضى الظاهرِ أن يقال والذي يُسقِمني ويشفينِ ولكن غُيِّر إلى مَا عليهِ النظمُ الكريمُ تفادياً عن إسناد ما تكرهه النفسُ إليه سبحانه وليس المرادُ ببيان قصدِ السبيل مجردَ إعلامِ أنه مستقيمٌ حتى يصِحّ إسنادُ أنه جائرٌ إليه تعالى فيُحتاجَ إلى الاعتذار عن عدم ذلك على أنه لو اريد ذاك لم يوجد لتغيير الأسلوبِ نكتةٌ وقد بُين ذلك في مواضعَ غير معدودةٍ بل المرادُ ما مر من نصب الأدلةِ لهداية الناسِ إليه ولا إمكانَ لإسناد مثلِه إليه تعالى بالنسبة إلى الطريق الجائر بأن يقال وجائرها ثم يُغير سبكُ النظم عن ذلك لداعية أقوى منه بل الجملةُ الظرفيةُ اعتراضيةٌ جيء بها لبيان الحاجةِ إلى البيان والتعديل وإظهارِ جلالة قدرِ النعمة في ذلك والمعنى على الله تعالى بيانُ الطريق المستقيم الموصِل إلى الحقِّ وتعديلُه بما ذكر من نصب الأدلةِ ليسلُكَه الناس باختيارهم ويصلوا إلى المقصِد وهذا هو الهدايةُ المفسرة بالدلالة على ما يوصلُ إلى المطلوب لا الهدايةُ المستلزمةُ للاهتداء البتةَ فإن ذلك مما ليس بحق على الله تعالى لا بحسب ذاته ولا بحسب رحمته بل هو مُخلٌّ بحكمته حيث يستدعيه تسويةَ المحسِن والمسيء والمطيعِ والعاصي بحسب الاستعدادِ وإليه أُشير بقوله تعالى (وَلَوْ شَاء الله لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) أي لو شاء أن يهديَكم إلى ما ذكر من التوحيد هدايةً موصلةً إليه البتةَ مستلزِمةً لاهتدائكم أجمعين لفعل ذلك ولكن لم يشأه لأن مشيئتَه تابعةٌ للحكمة الداعية إليها ولا
стр. 3163
النحل ١٠ ١١ حكمةَ في تلك المشيئةِ لِما أن الذي عليه يدورُ فلَكُ التكليفِ وإليه ينسحب الثوابُ والعقابُ إنما هو الاختيارُ الجُزئي الذي عليه يترتب الأعمالُ التي بها نيط الجزاءُ هذا هو الذي يقتضيهِ المقامُ ويستدعيه حسنُ الانتظام وقد فُسّر كونُ قصدِ السبيل عليه تعالى بانتهائه إليه نهج الاستقامةِ وإيثارُ حرفِ الاستعلاءِ على أداة الانتهاءِ لتأكيد الاستقامةِ على وجه تمثيليَ من غير أن يكون هناك استعلاءٌ لشيء عليه عنه علواً كبيراً كما في قوله تعالى هَذَا صراط عَلَىَّ مُسْتَقِيمٌ فالقصدُ مصدرٌ بمعنى الفاعل والمرادُ بالسبيل الجنس كما مرَّ وقوله تعالى وَمِنْهَا جَائِرٌ معطوفٌ على الجملة الأولى والمعنى أن قصدَ السبيلِ واصلٌ إليه تعالى بالاستقامة وبعضُها منحرفٌ عنه ولو شاء لهداكم جميعاً إلى الأول وأنت خبيرٌ بأنَّ هَذا حقٌّ في نفسه ولكنه بمعزل عن نكتة موجبةٍ لتوسيطه بين ما سبق من أدلة التوحيدِ وبين ما لحِق ولمّا بُيِّن الطريقُ السمعيُّ للتوحيد على وجه إجماليَ وفصِّلَ بعضُ أدلتِه المتعلقة بأحوال الحيواناتِ وعُقب ذلك ببيان السرِّ الداعي إليه بعثاً للمخاطبين على التأمل فيما سبق وحثًّا على حسن التلقي لما لحِق أُتبِع ذلك ذِكرَ ما يدل عليه من أحوال النبات فقيل
стр. 3164
(هُوَ الذى أَنَزلَ) بقدرته القاهرة (مّنَ السماء) أي من السحاب أو من جانب السماء (مَاء) أي نوعاً منه وهو المطرُ وتأخرُه عن المجرور لِما مر مرارا من أن المقصودَ هو الإخبارُ بأنه أنزل من السماء شيئاً هو الماء لا أنه أنزله من السماء والسرُّ فيه ما سلف من أن عند تأخيرِ ما حقُّه التقديم يبقى الذهنُ مترقباً له مشتاقاً إليه فيتمكّن لديه عند وروده عليه فضل تمكن (لَّكُم مَّنْهُ شَرَابٌ) أي ما تشربونه وهو إما مرتفعٌ بالظرف الأول أو مبتدأٌ وهو خبرُه والجملةُ صفة لماءً والظرفُ الثاني نصبَ على الحالية من شراب ومن تبعيضيةٌ وليس في تقديمه إيهامُ حصر المشروب فيه حتى يفتقر إلى الاعتذار بأنه لا بأس به لأن مياهَ العيون والأبيارِ منه لقوله تعالى فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِى الارض وقولُه تعالى فَأَسْكَنَّاهُ فِى الأرض وقيل الظرفُ الأولُ متعلقٌ بأنزل والثاني خبرٌ لشرابٌ والجملةُ صفةٌ لماءً وأنت خبير بأن ما فيه من توسيط المنصوبِ بين المجرورين وتوسيطِ الثاني منهما بين الماء وصفتِه مما لا يليقُ بجزالةِ نظمِ التنزيلِ الجليل (وَمِنْهُ شَجَرٌ) من ابتدائيةٌ أي ومنه يحصل شجرٌ ترعاه المواشي والمرادُ به ما ينبُت من الأرض سواءٌ كان له ساق أو لا أو تبعيضيةٌ مجازاً لأنه لما كان سقيُه من الماء جعل كأنه منه كقوله أسنمةُ الآبالِ في ربابه يعني به المطرَ الذي ينبت به الكلأُ الذي تأكله الإبلُ فتسمَن أسنمتُها وفي حديث عكرِمة لا تأكُلوا ثمنَ الشجر فإنه سُحْت يعني الكلأ (فيه تسيمون) ترعون من سامت الماشيةُ وأسامها صاحبها وأصلُها السُّومة وهي العلامةُ لأنها تؤثر بالرعي علاماتٍ في الأرض
стр. 3165
(ينبت) أي الله وقرىء بالنون (لَكُمْ بِهِ) بما أنزل من السماء (الزرع والزيتون والنخيل والاعناب) بيان للنعم الفائضة عليهم من الأرض
стр. 3166
النحل ١٢ بطريق الاستئنافِ وإيثارُ صيغةِ الاستقبال للدِّلالةِ على التَّجددِ والاستمرارِ وأنها سنتُه الجاريةُ على مر الدهور أو لاستحضار صورةِ الإنبات وتقديمُ الظرفين على المفعول الصريحِ لما مر آنفاً مع ما في تقديم أولهما من الاهتمام به لإدخال المسرّةِ ابتداءً وتقديمُ الزرعِ على ما عداه لأنه أصلُ الأغذية وعَمودُ المعاش وتقديمُ الزيتون لما فيه من الشرف من حيث إنه أدام من وجه وفاكهة من وجه وتقديم النخيل على الأعناب لظهور أصالتِها وبقائها وجمع الأعناب للإشارة إلى ما فيها من الاشتمال على الأصناف المختلفةِ وتخصيصُ الأنواعِ المعدودة بالذكرِ مع اندراجِها تحتَ قولِه تعالى (وَمِن كُلّ الثمرات) للإشعار بفضلها وتقديمُ الشجر عليها مع كونه غذاءً للأنعام لحصوله بغير صنعٍ من البشر أو للإرشاد إلى مكارم الأخلاقِ فإن مقتضاها أن يكون اهتمامُ الإنسان بأمر ما تحت يده وأكمل من اهتمامه بأمر نفسه أو لأن أكثرَ المخاطَبين من أصحاب المواشي ليس لهم زرعٌ ولا ثمرٌ وقيل المراد تقديمُ ما يسام لا تقديمُ غذائه فإنه غذاءٌ حيوانيّ للإنسان وهو أشرف الأغذية وقرىء يَنبُت من الثلاثي مسنداً إلى الزرع وما عُطف عليهِ (إِنَّ فِي ذَلِكَ) أي في إنزال الماء وإنباتِ ما فُصّل (لآيَةً) عظيمة دالة على تفرده تعالى بالألوهية لاشتماله على كمال العلمِ والقدرةِ والحكمة (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) فإن من تفكر في أن الحبةَ أو النواة تقع في الأرض وتصِل إليها نداوةٌ تنفُذ فيها فينشق أسفلُها فيخرُج منه عروق تنبسط في أعماق الأرضِ وينشق أعلاها وإن كانت منتكِسةً في الوقوع ويخرج منه ساقٌ فينمو ويخرج منه الأوراقُ والأزهارُ والحبوبُ والثمار المشتملةُ على أجسام مختلفةِ الأشكال والألوان والخواصِّ والطبائع وعلى نواة قابلةٍ لتوليد الأمثالِ على النمط المحرر لا إلى نهاية مع اتحاد الموادِّ واستواءِ نسبة الطبائعِ السفلية والتأثيراتِ العلوية بالنسبة إلى الكل علم أن مَنْ هذه أفعالُه وآثارُه لا يمكن أن يشبهه شيءٌ في شيءٍ من صفات الكمالِ فضلاً عن أن يشاركه أخص الأشياء في أخص صفاتِه التي هي الألوهيةُ واستحقاقُ العبادة تعالى عن ذلكَ عُلواً كبيراً وحيث افتقر سلوكُ هذه الطريقةِ إلى ترتيب المقدّماتِ الفكرية قطَع الآيةَ الكريمةَ بالتفكر
стр. 3167
(وسخر لكم الليل والنهار) يتعاقبان خِلْفةً لمنامكم ومعاشكم ولعقد الثمار وإنضاجها (والشمس والقمر) يدأبان في سيرهما وإنارتهما أصالةً وخلافةً وإصلاحِهما لما نيط بهما صلاحُه من المكونات التي من جملتها ما فُصّل وأُجْمل كلُّ ذلك لمصالحكم ومنافعكم وليس المرادُ بتسخيرها لها تمكينهم من تصرفها كيف شاءوا كما في قوله تعالى سبحان الذى سَخَّرَ لَنَا هذا ونظائرِه بل هو تصريفُه تعالى لها حسبما يترتب عليه منافعُهم ومصالحُهم كأن ذلك تسخيرٌ لهم وتصرفٌ من قبلهم حسب إرادتِهم وفي التعبير عن ذلك التصريف بالتسخير إيماءٌ إلى ما في المسخَّرات من صعوبة المأخذ بالنسبة إلى المخاطبين وإيثارُ صيغةِ الماضي للدَلالة عَلى أنَّ ذلكَ أمرٌ واحدٌ مستمر وإن تجددت آثارُه (والنجوم مسخرات بِأَمْرِهِ) مبتدأٌ وخبرٌ أي سائرُ النجوم في
стр. 3168
النحل ١٣ حركاتها وأوضاعها من التثليث والتربيع ونحوهما مسخراتٌ لله تعالى أو لما خُلقن له بإرادته ومشيئتِه وحيث لم يكن عَودُ منافعِ النجوم إليهم في الظهور بمثابة ما قبلها من المَلَوَين والقمَرَين لم يُنسَبْ تسخيرُها إليهم بأداة الاختصاص بل ذُكر على وجه يفيد كونَها تحتَ ملكوتِه تعالى من غير دِلالةٍ على شيء آخرَ ولذلك عُدِل عن الجملة الفعليةِ الدَّالَّةِ على الحدوث إلى الاسمية المفيدة للدوام والاستمرار وقرىء برفع الشمسَ والقمرَ أيضاً وقرىء بنصب النجوم على أنَّه مفعولٌ أولٌ لفعل مقدر ينبىء عنه الفعل المذكور ومسخرات مفعولٌ ثانٍ له أي وجعل النجوم مسخرات بأمره أو على أنه معطوفٌ على المنصوبات المتقدمة ومسخراتٌ حالٌ من الكل والعامل ما في سخّر من معنى نفعَ أي نفعكم بها حالَ كونها مسخرات الله الذي خلقها ودبرها كيف شاء أو لما خُلقن له بإيجاده وتقديرِه أو لحكمه أو مصدرٌ ميميّ جُمع لاختلاف الأنواعِ أي أنواعاً من التسخير وما قيل من أن فيه إيذاناً بالجواب عما عسى يقال أن المؤثرَ في تكوين النباتِ حركاتُ الكواكب وأوضاعُها بأن ذلك إنْ سَلِم فلا ريب في أنها أيضاً أمورٌ ممكنةُ الذات والصفات واقعةٌ على بعض الوجوه الممْكِنة فلا بد لها من موجد مخصّصٍ مختار واجبِ الوجود دفعاً للدَّوْر والتسَلْسُل فمبناه حسبانُ ما ذُكر أدلةً على وجودِ الصَّانعِ تعالى وقدرته واختيارِه وأنت تدري أنْ ليس الأمرُ كذلك فإنه ليس مما ينازَع فيه الخصمُ ولا يتلعثم في قبوله قال تعالى وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السمواتِ والأرضِ وَسَخَّرَ الشمس والقمر لَيَقُولُنَّ الله فأنى يُؤْفَكُونَ وقال تعالى وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ السماء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الارض مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ الله الآية وإنما ذلك أدلةُ التوحيد من حيث إن مَنْ هذا شأنُه لا يتوهم أنْ يشارَكه شيءٌ في شيء فضلاً عن أن يشاركه الجمادُ في الألوهية (إِنَّ فِى ذَلِكَ) أي فيما ذكر من التسخير المتعلّق بما ذكر مُجملاً ومفصلاً (لَايَاتٍ) باهرةً متكاثرة (لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) وحيث كانت هذه الآثارُ العلويةُ متعددةً ودلالةُ إما فيها من عظيم القدرة والعلم والحكمةِ على الوحدانية أظهرَ جُمع الآياتُ وعُلّقت بمجرد العقلِ منْ غيرِ حاجةٍ إلى التأمل والتفكر ويجوز أن يكون المرادُ لقوم يعقلون ذلك فالمشار إليه حينئذ تعاجيبُ الدقائق المُودعةِ في العلويات المدلولِ عليها بالتسخير التي لا يتصدَّى لمعرفتها إلا المهَرةُ من أساطين علماءِ الحكمة ولا ريب في أن احتياجَها إلى التفكر أكثرُ
стр. 3169
(وَمَا ذَرَأَ) عطفٌ على قوله تعالى والنجوم رفعاً ونصباً على أنه مفعولٌ لجعل أي وما خلق (لَكُمْ فِى الأرض) من حيوان ونبات حالِ كونه (مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ) أي أصنافُه فإن اختلافها غالباً يكون باختلاف اللون مسخرٌ لله تعالى أو لما خُلق له من الخواصّ والأحوال والكيفياتِ أو جُعل ذلك مختلفَ الألوان أي الأصنافِ لتتمتعوا من ذلك بأي صنف شئتم وقد عُطف على ما قبله من المنصوبات وعُقِّب بأن ذكرَ الخلق لهم مغنٍ عن ذكر التسخير واعتُذر بأن الأول لا يستلزم الثانيَ لزوماً عقلياً لجواز كونِ ما خُلق لهم عزيزَ المرام صعبَ المنال وقيل هو منصوبٌ بفعلٍ مقدرٍ أي خلق وأنبت على أن قوله مختلفاً ألوانه حالٌ من مفعوله (إِنَّ فِى ذَلِكَ) الذي ذكر من التسخيرات ونحوها (لآيَةً) بينةَ الدِلالةِ على أن مَنْ هذا شأنُه واحد لا نِدَّ له ولا ضِدّ (لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ) فإن ذلك غيرُ محتاج إلا إلى تذكرِ ما عسى يغفل عنه من العلوم
стр. 3170
النحل ١٤ ١٥ الضرورية وأما ما يقال من أن اختلافها في الطباع والهيآت والمناظر ليس إلا بصنع صانع حكيم فمداره مالو حنا به من حسبان ما ذُكر دليلاً على إثبات الصانعِ تعالى وقد عرفتَ حقيقةَ الحال فإن إيراد ما يدل على اتصافه سبحانه بما ذُكر من صفاتِ الكمالِ ليس بطريق الاستدلالِ عليه بل من المقدِّمات المسلَّمةِ جيء به للاستدلال به على ما يقتضيه ضرورة من وحدانيته تعالى واستحالةُ أنْ يشاركَه شيءٌ في الألوهية
стр. 3171
(وَهُوَ الذى سَخَّرَ البحر) شروعٌ في تعدادِ النعمِ المتعلقة بالبحر إثرَ تفصيل النعمِ المتعلقة بالبر حيواناً ونباتاً أي جعله بحيث تتمكنون من الانتفاع به بالركوب والغَوْص والاصطياد (لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيّا) هو السمك والتعبيرُ عنه باللحم مع كونه حيواناً للتلويح بانحصار الانتفاعِ به في الأكل ووصفُه بالطراوة للإشعار بلطافته والتنبيهِ على وجوب المسارعةِ إلى أكله كيلا يتسارع إليه الفسادُ كما ينبىء عنه جعلُ البحر مبتدأَ أكلِه وللإيذان بكمال قدرتِه تعالى في خلقه عذباً طرياً في ماء زعاق ومن إطلاق اللحمِ عليه ذهب مالكٌ والثوري أن مَنْ حلفَ لا يأكلُ اللحم حنِث بأكله والجوابُ أن مبنى الأيمان العُرفُ ولا ريب في أنه لا يُفهم من اللحم عند الإطلاق ولذلك لو أمر خادمه بشراء اللحمِ فجاء بالسمك لم يكن ممتثلاً بالأمر ألا يرى إلى أن الله تعالى سمّى الكافرَ دابة حيث قال إِنَّ شَرَّ الدواب عند الله الذي كفروات ولا يحنَث بركوبه من حلَف لا يركب دابة (وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً) كاللؤلؤ والمَرْجان (تَلْبَسُونَهَا) عبر في مقام الامتنان عن لُبس نسائِهم بلبسهم لكونهن منهم أو لكون لُبسِهن لأجلهم (وَتَرَى الفلك) السفن (مَوَاخِرَ فِيهِ) جواريَ فيه مُقبلةً ومدبرة ومعترضة بريح واحدة تشقه بحَيزومها من المخْر وهو شقُّ الماء وقيل هو صوتُ جَرْي الفلك (وَلِتَبْتَغُواْ) عطف على تستخرجوا وما عُطف هو عليه وما بينهما اعتراضٌ لتمهيد مبادىء الابتغاءِ ودفعِ توهم كونِه باستخراج الحِلية أو على علةٍ محذوفةٍ أي لتنتفعوا بذلك ولتبتغوا ذكره ابن الأنباري أو متعلقةٌ بفعل محذوفٍ أي وفعَل ذلك لتبتغُوا (من فضلِه) من سَعة رزقِه بركوبها للتجارة (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) أي تعرِفون حقوقَ نعمِه الجليلةِ فتقومون بأدائها بالطاعة والتوحيد ولعل تخصيصَ هذه النعمةِ بالتعقيب بالشكر من حيث إن فيها قطعاً لمسافة طويلة مع أحمال ثقيلةٍ في مدة قليلة من غير مزاولةِ أسبابِ السفر بل من غير حركة أصلاً مع أنها في تضاعيف المهالكِ وعدمُ توسيط الفوزِ بالمطلوب بين الابتغاء والشكر للإيذان باستغنائه عن التَّصريحِ به وبحصولهما معاً
стр. 3172
(وألقى فِى الارض رَوَاسِىَ) أي جبالاً ثوابتَ وقد مرَّ تحقيقُه في أول سُورة الرَّعدِ (أَن تَمِيدَ بِكُمْ) كراهةَ أنْ تميلَ بكم وتضطرب أولئلا تميدبكم فإن الأرضَ قبل أن تُخلقَ فيها الجبالُ كانت كرةً خفيفةً بسيطةَ الطبع وكان من حقها أن تتحرك بالاستدارة كالأفلاك أو تتحركَ بأدنى سبب محرِّك فلما خُلقت الجبال تفاوتت حافاتها وتوجهت الجبال
стр. 3173
النحل ١٦ ١٧ بثقلها نحو المركز فصارت كالأوتاد وقيل لما خلق الله تعالى الأرضَ جعلت تمورُ فقالت الملائكة ما هي بمقر أحدٍ على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال ﴿وأنهارا﴾ أي وجعل فيه أنهاراً لأن في ألقى معنى الجعل ﴿وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ بها إلى مقاصدكم
стр. 3174
﴿وعلامات﴾ معالمَ يَستدِلّ بها السابلةُ بالنهار من جبل ومنهل وريح وقد نُقل أن جماعة يشمّون الترابَ ويتعرفون به الطرقات ﴿وبالنجم هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ بالليل في البراري والبحارِ حيث لا علامة غيرُه والمرادُ بالنجم الجنسُ وقيل هو الثريا والفَرْقدان وبنات النعش والجدي وقرئ بضمتين وبضمة وسكون وهو جمع كرُهْن ورُهُن وقيل الأول بطريق حذف الواو من النجوم للتخفيف ولعل الضميرَ لقريش فإنهم كانوا كثيري الترددِ للتجارة مشهورين بالاهتداء بالنجوم في أسفارهم وصرفُ النظمِ عن سنن الخطاب وتقديمُ النجم وإقحامُ الضمير للتخصيص كأنه قيل وبالنجم خصوصاً هؤلاء خصوصاً يهتدون فالاعتبار بذلك والشكر عليه ألزم لهم وأوجب عليهم
стр. 3175
﴿أَفَمَن يَخْلُقُ﴾ هذه المصنوعاتِ العظيمةَ ويفعل هاتيك الأفاعيلَ البديعة أو يخلق كلَّ شيء ﴿كَمَن لَاّ يَخْلُقُ﴾ شيئاً أصلاً وهو تبكيتٌ للكفرة وإبطالٌ لإشراكهم وعبادتِهم للأصنام بإنكار ما يستلزمه ذلك من المشابهة بينها وبينه بعد تعدادِ ما يقتضي ذلك اقتضاء ظاهراً وتعقيبُ الهمزة بالفاء لتوجيه الإنكارِ إلى توهم المشابهةِ المذكورة على ما فُصِّل من الأمور العظيمة الظاهرةِ الاختصاصِ به تعالى المعلومة كذلك فيما بينهم حسبما يُؤذِن به ما تلوناه من قولُه تعالى وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ الآيتين والاقتصارُ على ذكر الخلقِ من بينها لكونه أعظمَها وأظهرَها واستتباعِه إياها أو لكون كلَ منها خلقاً مخصوصاً أي أبعدَ ظهورِ اختصاصِه تعالى بمبدئية هذه الشئون الواضحةِ الدَّلالةِ على وحدانيته تعالى وتفرّدِه بالألوهية واستبدادِه باستحقاق العبادةِ يُتصوّر المشابهةُ بينه وبين ما هو بمعزل من ذلك بالمرة كما هو قضيةُ إشراكِكم ومدارها وإن كان على تشبيه غير الخالق بالخالق لكن التشبيه حيث كان نسبةٍ تقوم بالمنتسبين اختير مَا عليهِ النظمُ الكريمُ مراعاةً لحقّ سبْقِ الملَكةِ على العدم وتفادياً عن توسيط عدمِها بينها وبين جزئياتها المفصلة قبلها تبيها على كمالِ قبحِ ما فعلوه من حيث إن ذلك ليس مجردَ رفعِ الأصنام عن محلها بل هو حطٌّ لمنزلة الربوبيةِ إلى مرتبة الجماداتِ ولا ريب في أنه أقبحُ من الأول والمرادُ بمن لا يخلق كلُّ ما هذا شأنُه كائناً ما كان والتعبير عنه بما يختص بالعقلاء للمشاكلة أو العقلاءِ خاصة ويُعرف منه حالُ غيرهم لدِلالة النص فإن من يخلق حيث لم يكن كمن لا يخلق وهو من جملة العقلاءِ فما ظنُّك بالجماد وأياما كان فدخولُ الأصنام في حكم عدمِ المماثلة والمشابهةِ إما بطريق الاندراجِ تحت الموصولِ العام وإما بطريق الانفهام بدلالة النص على الطريقة البرهانية لا بأنها هي المرادةُ بالموصول خاصة ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أي أَلَا تلاحظون فلا تتذكرون ذلك فإنه لوضوحه بحيث لا يفتقر إلى شيء سوى التذكر
стр. 3176
﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله﴾ تذكيرٌ إجمالي لنعمه تعالى بعد تعدادِ طائفة منها وكان الظاهرُ إيرادَه عقيبَها تكملةً لها على طريقة قوله تعالى ويخلق مالا تَعْلَمُونَ ولعل فصلَ ما بينهما بقوله تعالى أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَاّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ للمبادرة إلى إلزام الحجة وإلقام الحجر إثرَ تفصيلِ ما فُصل من الأفاعيل التي هي أدلةُ الوحدانية مع ما فيه من سر ستقف عليه ودَلالتُها عليها وإن لم تكن مقصورةً على حيثية الخلق ضرورةَ ظهور دلالتِها من حيثية الإنعام أيضاً لكنها حيث كانت مستتبعاتِ الحيثيةِ الأولى استُغنيَ عن التصريح بهائم بُين حالها بطريق الإجمال أي إن تعدو نعمته الفائضةَ عليكم ممَّا ذُكر ومَا لم يذكر حسبما يُعرب عنه قوله تعالى هُوَ الذى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الارض جَمِيعاً ﴿لَا تُحْصُوهَا﴾ أي لا تطيقوا حصرَها وضبطَ عددِها ولوْ إجمالاً فضلاً عن القيام بشكرها قد خرجنا عن عُهدة تحقيقه في سورة إبراهيمَ بفضل الله سبحانه ﴿إِنَّ الله لَغَفُورٌ﴾ حيث يستُر ما فرَط منكُم من كفرانها والإخلالِ بالقيام بحقوقها ولا يعاجلُكم بالعقوبة على ذلك ﴿رَّحِيمٌ﴾ حيث يُفيضها عليكم مع استحقاقكم للقطع والحِرمان بما تأتون وتذرون من أصناف الكفرِ التي من جملتها عدمُ الفرق بين الخالقِ وغيرِه وكلٌّ من ذلك نعمةٌ وأيُّما نعمة فالجملة تعليلٌ للحكم بعدم الإحصاءِ وتقديمُ وصفِ المغفرة على نعت الرحمةِ لتقدم التخلية على التحلية
стр. 3177
﴿والله يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ﴾ تُضمرونه من العقائد والأعمال ﴿وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ أي تظهرونه منهما وحُذف العائد لمراعاة الفواصلِ أي يستوي بالنسبة إلى علمه المحيطِ سرُّكم وعلنُكم وفيه من الوعيد والدِلالة على اختصاصه سبحانه بنعوت الإلهية مالا يخفى وتقديمُ السرِّ على العلن لما ذكرناه في سُورةِ البقرةِ وسُورة هودٍ من تحقيق المساواة بين عِلْميه المتعلِّقَين بهما على أبلغ وجهٍ كأن عِلمَه تعالى بالسرّ أقدمُ منه بالعلن أو لأن كلَّ شيء يعلن فهو قبل ذلك مضمرٌ في القلب فتعلّقُ علمِهِ تعالَى بحالتِهِ الأولى أقدمُ من تعلقه بحالته الثانية
стр. 3178
﴿والذين يَدْعُونَ﴾ شروع في تحقيق كونِ الأصنام بمعزل من استحقاق العبادةِ وتوضيحُه بحيث لا يبقى فيه شائبةُ ريب بتعديد أوصافِها وأحوالِها المنافية لذلك منافاةً ظاهرةً وتلك الأحوالُ وإن كانت غنيةً عن البيان لكنها شُرحت للتنبيه على كمال حماقةِ عبدَتِها وأنهم لا يعرفون ذلك إلا بالتصريح أي والآلهةُ الذين يعبدهم الكفار ﴿مِن دُونِ الله﴾ سبحانه وقرئ على صيغة المبني للمفعول وعلى الخطاب ﴿لَا يَخْلُقُونَ شيئا﴾ من الأشياء أصلا أي ليس من شأنهم ذلك ولمَّا لم يكُنْ بينَ نفي الخالقية وبين المخلوقية تلازمٌ بحسب المفهومِ وإن تلازما في الصدق أثبت لهم ذلك تصريحا فقيل ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ أي شأنُهم ومقتضى ذاتِهم المخلوقيةُ لأنها ذواتٌ ممكنةٌ مفتقرةٌ في ما هياتها ووجوداتها إلى الموجد وبناء الفعل للمفعول لتحقيق التضادّ والمقابلة بين ما أُثبت لهم وبين ما نُفي
стр. 3179
النحل ٢١ ٢٣ عنهم من وصفي المخلوقية والخالقية وللإيذان بعدم الافتقار إلى بيان الفاعلِ لظهور اختصاصِ الفعل بفاعله ﷻ ويجوز أن يُجعل الخلقُ الثاني عبارةً عن النحت والتصوير رعايةً للمشاكلة بينه وبين الأول ومبالغةً في كونها مصنوعين لعبدتهم وأعجز عنهم وإيذاناً بكمال ركاكةِ عقولهم حيث أشركوا بخالقهم مخلوقَهم وأما جعلُ الأول أيضاً أيضاً عبارةً عن ذلك كما فعل فلا وجه له إذ القدرةُ على مثل ذلك الخلقِ ليست مما يدور عليه استحقاقُ العبادة أصلاً ولِما أن إثباتَ المخلوقية لهم غيرُ مستدعٍ لنفي الحياة عنهم لِما أن بعض المخلوقين أحياءٌ صرح بذلك فقيل
стр. 3180
﴿أَمْوَاتٌ﴾ وهو خبرٌ ثان للموصول لا للضمير كما قيل أو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ وحيث كان بعضُ الأموات مما يعتريه الحياة سابقاً أو لاحقاً كأجساد الحيوان والنطف التي يُنشِئها الله تعالى حيواناً احتُرز عن ذلك فقيل ﴿غَيْرُ أَحْيَاء﴾ أي لا يعتريها الحياة أصلاً فهي أمواتٌ على الإطلاق وأما قوله تعالى ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أي ما يشعر أولئك الآلهةُ أيان يُبعث عَبَدتُهم فعلى طريقة التهكمِ بهم لأن شعورَ الجماد بالأمور الظاهرة بديهيُّ الاستحالة عند كل أحد فكيف بما لا يعلمُه إلا العليمُ الخبيرُ وفيه إيذانٌ بأن البعث من لوازم التكليفِ وأن معرفةَ وقته مما لابد منه في الألوهية
стр. 3181
﴿إلهكم إله واحد﴾ لا يشارَكه شيءٌ في شيءٍ وهو تصريحٌ بالمدعى وتمحيضٌ للنتيجة غِبَّ إقامةِ الحجة ﴿فالذين لَا يُؤْمِنُونَ بالاخرة﴾ وأحوالِها التي من جملتها ما ذُكر من البعث وما يعقُبه من الجزاء المستلزِمِ لعقوبتهم وذِلتهم ﴿قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ﴾ للوَحدانية جاحدةٌ لها أو للآيات الدالة عليها ﴿وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾ عن الاعتراف بها أو عن الآيات الدالة عليها والفاء للإيذان بأن إصرارَهم على الإنكار واستمرارَهم على الاستكبار وقعَ موقع النتيجة للدلائل الظاهرةِ والبراهينِ الباهرة والمعنى أنه قد ثبت بما قُرّر من الحجج والبينات اختصاصُ الإلهية به سبحانه فكان من نتيجة ذلك إصرارُهم على ما ذكر من الإنكار والاستكبار وبناءُ الحكم المذكورِ على الموصول للإشعار بكونه معللاً بما في حيز الصلة فإن الكفرَ بالأخرة وبما فيها من البعث والجزاءِ المتنوِّع إلى الثواب على الطاعة والعقابِ على المعصية يؤدِّي إلى قصر النظر على العاجل والإعراضِ عن الدلائل السمعية والعقليةِ الموجبِ لإنكارها وإنكارِ مؤدّاها والاستكبارِ عن اتباع الرسول ﷺ وتصديقِه وأما الإيمانُ بها وبما فيها فيدعو لا محالة إلى التأمل في الآيات والدلائلِ رغبةً ورهبة فيورث ذلك يقيناً بالوحدانية وخضوعاً لأمر الله تعالى
стр. 3182
﴿لَا جَرَمَ﴾ أي حقاً وقد مرَّ تحقيقُه في سورة هود ﴿أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾ من إنكار قلوبِهم ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ من استكبارهم وقولِهم للقرآن أساطيرُ الأولين وغيرِ ذلك من قبائحهم فيجازيهم بذلك ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المستكبرين﴾ تعليلٌ لما تضمنه الكلامُ من الوعيد أي لا يحب المستكبرين عن التوحيد أو عن الآيات الدالة عليها أو
стр. 3183
النحل ٢٤ ٢٦ لا يحب جنسَ المستكبرين فكيف بمن استكبر عما ذكر
стр. 3184
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ أي لأولئك المنكِرين المستكبرين وهو بيانٌ لإضلالهم غِبَّ بيانِ ضلالهم ﴿مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ﴾ القائلُ الوافدون عليهم أو المسلمون أو بعضٌ منهم على طريق التهكم وماذا منصوبٌ بما بعده أو مرفوع أي أيَّ شيءٍ أنزل أو ما الذي أنزله ﴿قَالُواْ أساطير الأولين﴾ أي ما تدّعون نزوله والمنزلُ بطريق السخرية أحاديثُ الأولين وأباطيلهم وليس من الإنزال في شيء قيل هؤلاء القائلون هم المقتسمون الذين اقتسموا مداخل مكة ينفِّرون عن رسول الله ﷺ عند سؤال وفودِ الحاجِّ عما نزل عليه صلى الله عليه وسلم
стр. 3185
﴿لِيَحْمِلُواْ﴾ متعلق بقالوا أي قالوا ما قالوا ليحملوا ﴿أَوْزَارَهُمْ﴾ الخاصةَ بهم وهي أوزارُ ضلالهم ﴿كَامِلَةٌ﴾ لم يكفَّرْ منها شيءٌ بنكبة أصابتهم في الدنيا كما يكفّر بها أوزارُ المؤمنين ﴿يَوْمُ القيامة﴾ ظرفٌ ليحمِلوا ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ﴾ وبعضِ أوزارِ مَنْ ضل بإضلالهم وهو وِزرُ الإضلال لأنهما شريكان هذا يُضله وهذا يطاوعه فيتحاملان الوزر واللام للتعليل في نفس الأمر من غير أن يكون غرضاً وصيغةُ الاستقبال الدلالة على استمرار الإضلالِ أو باعتبار حال قولِهم لا حالِ الحمل ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ حالٌ من الفاعل أي يضلونهم غيرَ عالمين بأن ما يدْعون إليه طريقٌ الضلال وأمَّا حملُه على مَعْنَى غيرَ عالمين بأنهم يحمِلون يوم القيامة أوزارَ الضلال والإضلال على أن يكونَ العاملُ في الحال قالوا وتأييده بما سيأتي م قوله تعالى وأتاهم العذاب مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ من حيث إن مَنْ حملِ ما ذكر من أوزار الضلالِ والإضلال من قبيل إتيانِ العذاب مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ فيردُّه أن الحملَ المذكورَ إنما هو يوم القيامة والعذابَ المذكور إنما هو العذابُ الدنيوي كما ستقف عليه أوحال من المفعول أي يضلون من لا يعلم أنهم ضُلاّلٌ وفائدةُ التقييد بها الإشعارُ بأن مكرهم لا يرُوج عند ذي لُب وإنما يتبعهم الأغبياءُ والجهلة والتنبيهُ على أن جهلَهم ذلك لا يكون عذراً إذ كان يجبُ عليهم أنْ يبحثوا ويميزوا بين المحق الحقيقِ بالاتباع وبين المُبطل ﴿أَلَا سَاء مَا يَزِرُونَ﴾ أي بئس شيئاً يَزِرُونه ما ذكر
стр. 3186
﴿قَدْ مَكَرَ الذين مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وعيدٌ لهم برجوع غائلة مكرِهم إلى أنفسهم كدأبِ مِن قَبْلِهِم منَ الأممِ الخاليةِ الذين أصابهم ما أصابهُم من العذابِ العاجل أي قدسوا منصوباتٍ ليمكروا بها رسلَ الله تعالى ﴿فَأَتَى الله﴾ أي أمر هـ وحكمه ﴿بنيانهم﴾ وقرئ بيتهم وبيوتهم ﴿مّنَ القواعد﴾ وهي الأساطينُ التي تعمِده أو أساسُه فضعضَعَتْ أركانَه ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السقف مِن فَوْقِهِمْ﴾ أي سقط عليهم سقفُ بنيانهم إذ لا يتصور له القيام
стр. 3187
النحل ٢٧ بعد تهدّم القواعدِ شُبّهت حالُ أولئك الماكرين في تسويتهم المكايدَ والمنصوباتِ التي أرادوا بها الإيقاعَ برسل الله سبحانه وفي إبطاله تعالى تلك الحيلَ والمكايدَ وجعلِه إياها أسباباً لهلاكهم بحال قومٍ بنَوا بنياناً وعمَدوه بالأساطين فأُتيَ ذلك من قِبل أساطينِه بأن ضعضعت فسقط عليهم السقف فهلكوا وقرئ فخر عليهم السُّقُفُ بضمتين ﴿وأتاهم العذاب﴾ أي الهلاك والدمار ﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بإتيانه منه بل يتوقعون إتيانَ مقابلِه مما يريدون ويشتهون والمعنى أن هؤلاء الماكرين القائلين للقرآن العظيم أساطيرُ الأولين سيأتيهم من العذاب مثلُ ما أتاهم وهم لا يحتسبون والمرادُ به العذابُ العاجل لقوله سبحانه
стр. 3188
﴿ثُمَّ يَوْمَ القيامة يُخْزِيهِمْ﴾ فإنه عطفٌ على مقدَّرٍ ينسحبُ عليه الكلام أي هذا الذي فُهم من التمثيل من عذاب هؤلاءِ أو ما هو أعمُّ منه ومما ذكر من عذاب أولئك جزاؤُهم في الدُّنيا وَيَوْمَ القيامة يُخزيهم أي يُذِلهم بعذاب الخِزْي على رؤس الأشهادِ وأصلُ الخزي ذُلٌّ يستحي منه وثم للإيماء إلى ما بين الجزاءين من التفاوت مع ما يدل عليه من التراخي الزماني وتغييرُ السبك بتقديم الظرف ليس لقصر الخزي على يوم القيامة كما هو المتبادَرُ من تقدير الظرف على الفعل بل لأن الإخبارَ بجزائهم في الدنيا مؤذِنٌ بأن لهم جزاء أخرويا فتقي النفسُ مترقبة إلى وروده سائلةً عنه بأنه ماذا مع تيقنها بأنه في الآخرة فسيق الكلامُ على وجه يُؤذِن بأن المقصود بالذكر إخزاؤهم لا كونُه يوم القيامة والضمير إما للمفترين في حقِّ القرآنِ الكريمِ أولهم ولمن مُثّلوا بهم من الماكرين كما أشير إليه وتخصيصُه بهم يأباه السِّباقُ والسياق كما ستقف عليه ﴿وَيَقُولُ﴾ لهم تفضيحاً وتوبيخاً فهو الخ بيان للإخزاء ﴿أَيْنَ شُرَكَائِىَ﴾ أضافهم إليه سبحانه حكاية لإضافتهم الكاذبة ففيه توبيخ إثر توبيخٌ مع الاستهزاء بهم ﴿الذين كُنتُمْ تشاقون فِيهِمْ﴾ أي تخاصمون الأنبياءَ والمؤمنين في شأنهم بأنهم شركاءُ حقاً حين بينوا لكم بطلانها والمراد بالاستفهام استحضارها للشفاعة أو المدافعةُ على طريقة الاستهزاء والتبكيتِ والاستفسارُ عن مكانهم لا يوجب غَيبتَهم حقيقةً حتى يُعتذَرَ بأنهم يجوز أن يُحال بينهم وبين عبدَتِهم حينئذ ليتفقدوها في ساعة علقوا بها الرجاءَ فيها أو بأنهم لما لم ينفعوهم فكأنهم غُيّب بل يكفي في ذلك عدمُ حضورهم بالعنوان الذي كانوا يزعُمون أنهم متصفون من عنوان الإلهية فليس هناك شركاءُ ولا أماكنُها على أن قوله ليتفقدوا ليس بسديد فإنه قد تبين عندهم الأمرُ حينئذ فرجعوا عن ذلك الزعم الباطلِ فكيف يتصور منهم التفقد وقرئ بكسر النون أي تشاقّونني على أن مشاقّةَ الأنبياءِ عليهم الصلاة والسلام والمؤمنين لا سيما في شأن متعلق به سبحانه مشاقةٌ له (قَالَ الذين أُوتُواْ العلم) من أهل الموقفِ وهم الأنبياءُ والمؤمنون الذين أوتوا علماً بدلائل التوحيدِ وكانوا يدْعونهم في الدنيا إلى التوحيد فيجادلونهم ويتكبرون عليهم أي توبيخا لهم وإظهار للشماتة بهم وتقريراً لما كانوا يعِظونهم وتحقيقاً لما أوعدوهم به وإيثارُ صيغةِ الماضي الدلالة على تحققه وتحتّم وقوعِه حسبما هو
стр. 3189
النحل ٢٨ ٢٩ المعتادُ في إخباره كقوله وَنَادَى أصحاب الجنة ونادى أصحاب الأعراف ﴿إِنَّ الخزى﴾ الفضيحةَ والذل والهوان ﴿اليوم﴾ منصوبٌ بالخزي على رأي من يرى إعمالَ المصدرِ المصدّر باللام أو بالاستقرار في الظرف وفيه فصلٌ بين العامل والمعمول بالمعطوف إلا إنه مغتفر في الظروف وإبراده للإشعار بأنهم كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ في عزّة وشِقاق ﴿والسوء﴾ العذاب ﴿عَلَى الكافرين﴾ بالله تعالى وبآياته ورسله
стр. 3190
﴿الذين تتوفاهم الملائكة﴾ بتأنيث الفعل وقرئ بتذكيره وبإدغام التاء في التاء والعدولُ إلى صيغة المضارعِ لاستحضار صورةِ توفِّيهم إياهم لما فيها من الهول والموصولُ في محل الجرِّ على أنه نعتٌ للكافرين أو بدلٌ منه أوفى محل النصبِ أو الرفع على الذم وفائدتُه تخصيصُ الخزي والسوءِ بمن استمر كفرُه إلى حينِ الموت دون مَن آمن منهم ولو في آخر عُمره أي على الكافرين المستمرين على الكفر إلى أن يتوفاهم الملائكة ﴿ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ﴾ أي حالَ كونهم مستمرين على الكفر فإنه ظلمٌ منهم لأنفسهم وأيُّ ظلم حيث عرّضوها للعذاب المخلّد وبدّلوا فطرةَ الله تبديلاً ﴿فَأَلْقَوُاْ السلم﴾ أي فيُلقون والعدولُ إلى صيغة الماضي الدلالة على تحقق الوقوعِ وهو عطف على قوله تعالى وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِىَ وما بينهما جملةٌ اعتراضية جيء بها تحقيقاً لما حاق بهم من الخزي على رؤوس الأشهادِ أي فيُسالمون ويتركون المُشاقّةَ وينزِلون عما كانُوا عليهِ في الدُّنيا من الكِبْر وشدةِ الشكيمة قائلين ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ﴾ في الدنيا ﴿مِن سُوء﴾ أي من شرك قالوه منكِرين لصدوره عنهم كقولهم والله رَبّنَا مَا كُنَّا مشركين وإنما عبر واعنه بالسوء اعترافاً بكونه سيئاً لا إنكاراً لكونه كذلك مع الاعتراف بصدوره عنهم ويجوز أن يكون تفسيراً للسَّلَم على أن يكون المرادُ به الكلامَ الدالَّ عليه وعلى التقديرين فهو جوابٌ عن قوله سبحانه أين شركائي في سورة الأنعام لا عن قول أولي العلمِ ادعاءً لعدم استحقاقهم لما دهمهم من الخزي والسوء ﴿بلى﴾ رد عليهم من قِبل أولي العلم وإثباتٌ لما نفَوْه أي بلى كنتم تعملون ما تعملون ﴿إِنَّ الله عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فهو يجازيكم عليه وهذا أوانُه
следующие страницы →