← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

﴿قَدْ مَكَرَ الذين مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وعيدٌ لهم برجوع غائلة مكرِهم إلى أنفسهم كدأبِ مِن قَبْلِهِم منَ الأممِ الخاليةِ الذين أصابهم ما أصابهُم من العذابِ العاجل أي قدسوا منصوباتٍ ليمكروا بها رسلَ الله تعالى ﴿فَأَتَى الله﴾ أي أمر هـ وحكمه ﴿بنيانهم﴾ وقرئ بيتهم وبيوتهم ﴿مّنَ القواعد﴾ وهي الأساطينُ التي تعمِده أو أساسُه فضعضَعَتْ أركانَه ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السقف مِن فَوْقِهِمْ﴾ أي سقط عليهم سقفُ بنيانهم إذ لا يتصور له القيام

стр. 3187

النحل ٢٧ بعد تهدّم القواعدِ شُبّهت حالُ أولئك الماكرين في تسويتهم المكايدَ والمنصوباتِ التي أرادوا بها الإيقاعَ برسل الله سبحانه وفي إبطاله تعالى تلك الحيلَ والمكايدَ وجعلِه إياها أسباباً لهلاكهم بحال قومٍ بنَوا بنياناً وعمَدوه بالأساطين فأُتيَ ذلك من قِبل أساطينِه بأن ضعضعت فسقط عليهم السقف فهلكوا وقرئ فخر عليهم السُّقُفُ بضمتين ﴿وأتاهم العذاب﴾ أي الهلاك والدمار ﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بإتيانه منه بل يتوقعون إتيانَ مقابلِه مما يريدون ويشتهون والمعنى أن هؤلاء الماكرين القائلين للقرآن العظيم أساطيرُ الأولين سيأتيهم من العذاب مثلُ ما أتاهم وهم لا يحتسبون والمرادُ به العذابُ العاجل لقوله سبحانه

стр. 3188

﴿ثُمَّ يَوْمَ القيامة يُخْزِيهِمْ﴾ فإنه عطفٌ على مقدَّرٍ ينسحبُ عليه الكلام أي هذا الذي فُهم من التمثيل من عذاب هؤلاءِ أو ما هو أعمُّ منه ومما ذكر من عذاب أولئك جزاؤُهم في الدُّنيا وَيَوْمَ القيامة يُخزيهم أي يُذِلهم بعذاب الخِزْي على رؤس الأشهادِ وأصلُ الخزي ذُلٌّ يستحي منه وثم للإيماء إلى ما بين الجزاءين من التفاوت مع ما يدل عليه من التراخي الزماني وتغييرُ السبك بتقديم الظرف ليس لقصر الخزي على يوم القيامة كما هو المتبادَرُ من تقدير الظرف على الفعل بل لأن الإخبارَ بجزائهم في الدنيا مؤذِنٌ بأن لهم جزاء أخرويا فتقي النفسُ مترقبة إلى وروده سائلةً عنه بأنه ماذا مع تيقنها بأنه في الآخرة فسيق الكلامُ على وجه يُؤذِن بأن المقصود بالذكر إخزاؤهم لا كونُه يوم القيامة والضمير إما للمفترين في حقِّ القرآنِ الكريمِ أولهم ولمن مُثّلوا بهم من الماكرين كما أشير إليه وتخصيصُه بهم يأباه السِّباقُ والسياق كما ستقف عليه ﴿وَيَقُولُ﴾ لهم تفضيحاً وتوبيخاً فهو الخ بيان للإخزاء ﴿أَيْنَ شُرَكَائِىَ﴾ أضافهم إليه سبحانه حكاية لإضافتهم الكاذبة ففيه توبيخ إثر توبيخٌ مع الاستهزاء بهم ﴿الذين كُنتُمْ تشاقون فِيهِمْ﴾ أي تخاصمون الأنبياءَ والمؤمنين في شأنهم بأنهم شركاءُ حقاً حين بينوا لكم بطلانها والمراد بالاستفهام استحضارها للشفاعة أو المدافعةُ على طريقة الاستهزاء والتبكيتِ والاستفسارُ عن مكانهم لا يوجب غَيبتَهم حقيقةً حتى يُعتذَرَ بأنهم يجوز أن يُحال بينهم وبين عبدَتِهم حينئذ ليتفقدوها في ساعة علقوا بها الرجاءَ فيها أو بأنهم لما لم ينفعوهم فكأنهم غُيّب بل يكفي في ذلك عدمُ حضورهم بالعنوان الذي كانوا يزعُمون أنهم متصفون من عنوان الإلهية فليس هناك شركاءُ ولا أماكنُها على أن قوله ليتفقدوا ليس بسديد فإنه قد تبين عندهم الأمرُ حينئذ فرجعوا عن ذلك الزعم الباطلِ فكيف يتصور منهم التفقد وقرئ بكسر النون أي تشاقّونني على أن مشاقّةَ الأنبياءِ عليهم الصلاة والسلام والمؤمنين لا سيما في شأن متعلق به سبحانه مشاقةٌ له (قَالَ الذين أُوتُواْ العلم) من أهل الموقفِ وهم الأنبياءُ والمؤمنون الذين أوتوا علماً بدلائل التوحيدِ وكانوا يدْعونهم في الدنيا إلى التوحيد فيجادلونهم ويتكبرون عليهم أي توبيخا لهم وإظهار للشماتة بهم وتقريراً لما كانوا يعِظونهم وتحقيقاً لما أوعدوهم به وإيثارُ صيغةِ الماضي الدلالة على تحققه وتحتّم وقوعِه حسبما هو

стр. 3189

النحل ٢٨ ٢٩ المعتادُ في إخباره كقوله وَنَادَى أصحاب الجنة ونادى أصحاب الأعراف ﴿إِنَّ الخزى﴾ الفضيحةَ والذل والهوان ﴿اليوم﴾ منصوبٌ بالخزي على رأي من يرى إعمالَ المصدرِ المصدّر باللام أو بالاستقرار في الظرف وفيه فصلٌ بين العامل والمعمول بالمعطوف إلا إنه مغتفر في الظروف وإبراده للإشعار بأنهم كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ في عزّة وشِقاق ﴿والسوء﴾ العذاب ﴿عَلَى الكافرين﴾ بالله تعالى وبآياته ورسله

стр. 3190

﴿الذين تتوفاهم الملائكة﴾ بتأنيث الفعل وقرئ بتذكيره وبإدغام التاء في التاء والعدولُ إلى صيغة المضارعِ لاستحضار صورةِ توفِّيهم إياهم لما فيها من الهول والموصولُ في محل الجرِّ على أنه نعتٌ للكافرين أو بدلٌ منه أوفى محل النصبِ أو الرفع على الذم وفائدتُه تخصيصُ الخزي والسوءِ بمن استمر كفرُه إلى حينِ الموت دون مَن آمن منهم ولو في آخر عُمره أي على الكافرين المستمرين على الكفر إلى أن يتوفاهم الملائكة ﴿ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ﴾ أي حالَ كونهم مستمرين على الكفر فإنه ظلمٌ منهم لأنفسهم وأيُّ ظلم حيث عرّضوها للعذاب المخلّد وبدّلوا فطرةَ الله تبديلاً ﴿فَأَلْقَوُاْ السلم﴾ أي فيُلقون والعدولُ إلى صيغة الماضي الدلالة على تحقق الوقوعِ وهو عطف على قوله تعالى وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِىَ وما بينهما جملةٌ اعتراضية جيء بها تحقيقاً لما حاق بهم من الخزي على رؤوس الأشهادِ أي فيُسالمون ويتركون المُشاقّةَ وينزِلون عما كانُوا عليهِ في الدُّنيا من الكِبْر وشدةِ الشكيمة قائلين ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ﴾ في الدنيا ﴿مِن سُوء﴾ أي من شرك قالوه منكِرين لصدوره عنهم كقولهم والله رَبّنَا مَا كُنَّا مشركين وإنما عبر واعنه بالسوء اعترافاً بكونه سيئاً لا إنكاراً لكونه كذلك مع الاعتراف بصدوره عنهم ويجوز أن يكون تفسيراً للسَّلَم على أن يكون المرادُ به الكلامَ الدالَّ عليه وعلى التقديرين فهو جوابٌ عن قوله سبحانه أين شركائي في سورة الأنعام لا عن قول أولي العلمِ ادعاءً لعدم استحقاقهم لما دهمهم من الخزي والسوء ﴿بلى﴾ رد عليهم من قِبل أولي العلم وإثباتٌ لما نفَوْه أي بلى كنتم تعملون ما تعملون ﴿إِنَّ الله عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فهو يجازيكم عليه وهذا أوانُه

стр. 3191

﴿فادخلوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ أي كل صنف بابه المعدلة وقيل أبوابُها أصنافُ عذابها فالدخولُ عبارةٌ عن الملابسة والمقاساة ﴿خالدين فِيهَا﴾ إن أريد بالدخول حدوثُه فالحال مقدّرة وإن أريد مطلقُ الكون فيها فهي مقارِنة ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين﴾ عن التوحيد كما قال تعالى قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ وذكرُهم بعنوان التكبر للإشعار بعلّيته لثُوائهم فيها والمخصوصُ بالذم محذوفٌ أي جهنم وتأويلُ قولهم مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوء بأنا ما كنا عاملين ذلك في اعتقادنا رَوْماً للمحافظة على أن لا كذِبَ ثمة يرده الردُّ المذكور وما فيه سورة الأنعام من قوله تعالى انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أنفسهم

стр. 3192

النحل

стр. 3193

٣٠ - ٣٢ ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتقوا﴾ أي المؤمنين وُصفوا بالتقوى إشعاراً بأنَّ ما صدرَ عنُهم من الجواب ناشئ عن التقوى ﴿مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرًا﴾ سلكوا في الجواب مسلك السؤالِ من غير تلعثم ولا تغييرٍ في الصورة والمعنى أي أنزل خيراً فإنه جوابٌ مطابق للسؤال ولسبك الواقع في نفس الأمر مضموناً وأما الكفرةُ فإنهم خذلهم الله تعالى كما غيروا الجوابَ عن نهج الحق الواقعِ الذي ليس له من دافع غيّروا صورتَه وعدَلوا بها عن سَنن السؤال حيث رفعوا الأساطير رَوماً لما مر من إنكار النزول رُوي أن أحياءَ العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبيِّ ﷺ فإذا جاء الوافد كفّه المقتسمون وأمروه بالانصراف وقالوا إن لم تلفه كان خيراً لك فيقول أنا شرُّ وافد إن رجعت إلى قومي دون أن أستطلع أمرَ محمد وأراه فيلقى أصحابَ النبيِّ ﷺ ورضي عنهم فيخبرونه بحقيقة الحالِ فهم الذين قالوا خيراً ﴿لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ﴾ أي أعمالَهم أو فعلوا الإحسانَ ﴿فِى هذه﴾ الدار ﴿الدنيا حَسَنَةٌ﴾ أي مثوبةٌ حسنةٌ مكافأة فيها ﴿وَلَدَارُ الاخرة﴾ أي مثوبتُهم فيها ﴿خَيْرٌ﴾ مما أوتوا في الدنيا من المثوبة أو خيرٌ على الإطلاق فيجوز إسنادُ الخيرية إلى نفس دارِ الآخرة ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ المتقين﴾ أي دار الآخرة حُذف لدلالةِ ما سبق عليه وهذا كلام مبتدأ مدَح الله تعالى به المتقين وعدّ جوابَهم المَحْكيَّ من جملة إحسانِهم ووعدهم بذلك ثوابي الدنيا والآخرة فلا محلَّ له من الإعراب أو بدلٌ من خيراً أوتفسير له أي أنزل خيراً هو هذا الكلامُ الجامعُ قالوه ترغيباً للسائل

стр. 3194

﴿جنات عَدْنٍ﴾ خبرُ مبتدإٍ محذوفٍ أو مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ أي لهم جنات ويجوز أن يكون هو المخصوصَ بالمدح ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ صفةٌ لجناتُ على تقدير تنكيرِ عدنٍ وكذلك ﴿تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ أو كلاهما حال على تقدير عَلَميته ﴿لَّهُمْ فِيهَا﴾ في تلك الجنات ﴿ما يشاؤون﴾ الظرفُ الأول خبرٌ لما والثاني حالٌ منه والعاملُ ما في الأول أو متعلق به أي حاصلٌ لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءونَ من أنواع المشتَهيات وتقديمُه للاحتراز عن توهم تعلّقِه بالمشيئة أو لما مر مرارا من أن تأخيرَ ما حقُّه التقديمُ يوجب ترقب النفس إليه فيتمكن عند ورودِه عليها فضلُ تمكن ﴿كذلك﴾ مثلَ ذلك الجزاءِ الأوفى ﴿يَجْزِى الله المتقين﴾ اللام للجنس أي كلَّ من يتقي من الشِرْك والمعاصي ويدخُل فيه المتقون المذكورون دخولاً أولياً ويكون فيه بعثٌ لغيرهم على التقوى أو للعهد فيكون فيه تحسيرٌ للكفرة

стр. 3195

﴿الذين تتوفاهم الملائكة﴾ نعت للمتقين وقوله تعالى ﴿طَيّبِينَ﴾ أي طاهرين عن دنس الظلمِ لأنفسهم حال من الضمير

стр. 3196

النحل ٣٣ ٣٤ وفائدتُه الإيذانُ بأن مَلاكَ الأمر في التقوى هو الطهارةُ عما ذكر إلى وقت توفيهم ففيه حثٌّ للمؤمنين على الاستمرار على ذلك ولغيرهم على تحصيله وقيل فرحين طيِّبي النفوسِ ببشارة الملائكة إياهم بالجنة أو طيبين بقبض أرواحِهم لتوجه نفسهم بالكلية إلى جناب القُدس ﴿يَقُولُونَ﴾ حالٌ من الملائكة أي قائلين لهم ﴿سلام عَلَيْكُمُ﴾ قال القرظي ﵀ إذا استُدْعيَت نفسُ المؤمن جاءه ملكُ الموت ﵇ فقال السلام عليك يا وليَّ الله الله تعالى يقرأ عليك السلام وبشّره بالجنة ﴿ادخلوا الجنة﴾ اللام للعهد أي جناتِ عدن الخ لذلك جُرّدت عن النعت والمرادُ دخولُهم لها في وقته فإن ذلك بشارةٌ عظيمة وإن تراخى المبشَّرُ به لا دخولُ القبر الذي هو روضةٌ من رياضها إذ ليس في البِشارة به ما في البشارة بدخول نفسِ الجنة ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بسبب ثباتِكم على التقوى والطاعة أو بالذي كنتم تعملونه من ذلك وقيل المرادُ بالتوفّي التوفي للحشر لأن الأمر بالدخول حينئذ يتحقق

стр. 3197

﴿هَلْ يَنظُرُونَ﴾ أيْ ما ينتظر كفارُ مكةَ المارُّ ذكرُهم ﴿إِلا أَن تَأْتِيهُمُ الملائكة﴾ لقبض أرواحِهم بالعذاب جُعلوا منتظرين لذلك وشتان بينهم وبين انتظارِه لا لأنه يلحقهم البتةَ لحوقُ الأمر المنتظرِ بل لمباشرتهم لأسبابه الموجبة المؤديةِ إليه فكأنهم يقصِدون إتيانه ويترصدون لوردوه وقرئ بتذكير الفصل ﴿أو يأتي أمر ربك﴾ التعرُّض لوصفِ الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضميره ﷺ إشعارٌ بأن إتيانَه لطفٌ به ﷺ وإن كان عذاباً عليهم والمرادُ بالأمر العذابُ الدنيويُّ لا القيامةُ لكن لا لأن انتظارها يجامع انتظارِ إتيان الملائكةِ فلا يلائمة العطفُ بأو لأنها ليست نصافى العناد إذ يجوز أن يعتبر منعُ الخلوّ ويرادَ بإيرادها كفايةُ كل واحد من الأمرين في عذابهم بل لأن قوله تعالى فيما سيأتي ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ فأصابهم الآية صريحٌ في أنَّ المرادَ به ما أصابهُم من العذابِ الدنيوي ﴿كذلك﴾ أي مثلَ فعلِ هؤلاء من الشرك والظلمِ والتكذيب والاستهزاء ﴿فَعَلَ الذين﴾ خلَوا ﴿مِن قَبْلِهِم﴾ من الأممِ ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ الله﴾ بما سيُتلى من عذابهم ﴿ولكن كَانُواْ﴾ بما كانوا مستمرين عليه من القبائح الموجبةِ لذلك ﴿أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ كان الظاهرُ أن يقال ولكن كَانُواْ هُمُ الظالمين كما في سورة الزخرف لكنه أوثر مَا عليهِ النظمُ الكريمُ لإفادة أن غائلةَ ظلمِهم آيلةٌ إليهم وعاقبتَه مقصورةٌ عليهم مع استلزام اقتصارِ ظلمِ كل أحد على نفسه من حيث الوقوعُ اقتصارَه عليه من حيث الصدور وقد مرَّ تحقيقُه في سورة يونس

стр. 3198

﴿فَأَصَابَهُمْ﴾ عطف على قوله تعالى فَعَلَ الذين مِن قَبْلِهِمْ وما بينهما اعتراضٌ لبيان أن فعلهم ذلك ظلمٌ لأنفسهم ﴿سَيّئَاتُ مَا عَمِلُواْ﴾ أي أجزيةُ أعمالِهم السيئة على طريقة تسمية المسبَّب باسم سببِه إيذانا بفظاعته لا على حذف المضاف فإنه يُوهِم أن لهم أعمالاً غيرَ سيئاتهم ﴿وَحَاقَ بِهِم﴾ أي أحاط بهم من الحَيق الذي هو إحاطةُ الشر وهو أبلغ من الإصابة وأفظع ﴿مَّا كانوا به يستهزؤون﴾ من العذاب

стр. 3199

٦ - ﴿وَقَالَ الذين أَشْرَكُواْ﴾ أي أهلُ مكة وهو بيانٌ لفنٍ آخرَ من كفرهم والعدولُ عن الإضمار إلى الموصول لتقريعهم بما في حيز الصلة وذمِّهم بذلك من أول الأمر ﴿لَوْ شآء الله ما عبدنا مِن دُونِهِ مِن شَىْء﴾ أيْ لو شاءَ عدمَ عبادتِنا لشيء غيرِه كما تقول لما عبدنا ذلك ﴿نحن ولا آباؤنا﴾ الذي نقتدي بهم في ديننا ﴿وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْء﴾ من السوائب والبحائرِ وغيرِها وإنما قالوا ذلك تكذيبا للرسول ﷺ وطعناً في الرسالة رأساً متمسكين بأن ما شاء الله تعالى يجب وما لم يشأْ يمتنع فلو أنه شاء أن نوحّده وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً ولا نحرِّمَ مما حرمنا شيئاً كما يقول الرسلُ وينقُلونه من جهةِ الله لكان الأمرُ كما شاء من التوحيد ونفي الإشراكِ وما يتبعهما وحيث لم يكن كذلك ثبت أنه لم يشأ شيئاً من ذلك وإنما يقوله الرسل من تلقاء أنفسهم فأجيب عنه بقوله ﴿كذلك﴾ أي مثلَ ذلك الفعلِ الشنيع ﴿فَعَلَ الذين مِن قَبْلِهِم﴾ من الأمم أي أشركوا بالله وحرموا حِلَّه وردوا رسلَه وجادلوهم بالباطل حين نبهوهم على الخطأ وهدوهم إلى الحق ﴿فَهَلْ عَلَى الرسل﴾ الذين يُبَلّغُونَ رسالاتِ الله وعزائمَ أمره ونهيِه ﴿إِلَاّ البلاغ المبين﴾ أي ليست وظيفتُهم إلا تبليغَ الرسالة تبليغاً واضحاً أو موضَّحاً وإبانةً طريقَ الحق وإظهارَ أحكام الوحي الذي من جملتها تحتّمُ تعلقِ مشيئةِ الله تعالى باهتداء من صرف قدرته واختباره إلى تحصيل الحق لقوله تعالى والذين جاهدوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وأما إلجاؤهم إلى ذلك وتنفيذُ قولِهم عليهم شاءوا أو أبواكما هو مقتضى استدلالِهم فليس ذلك من وظيفتهم ولا من الحكمةِ التي عليَها يدورُ أمرُ التكليفِ في شيء حتى يُستدلَّ بعدم ظهور آثارِه على عدم حقيقة الرسلِ أو على عدم تعلقِ مشيئتِه تعالى بذلك فإن ما يترتب عليه الثوابُ والعقابُ من أفعال العباد لابد في تعلق مشيئتِه تعالى بذلك فإن ما يترتب عليه الثواب والعقاب من أفعال العباد لابد في تعلق مشيئتِه تعالى بوقوعه من مباشرتهم الاختياريةِ له وصرفِ اختيارِهم الجزئيِّ إلى تحصيله وإلا لكان الثواب والعقاب اضطراريَّيْن فالفاءُ للتعليل كأنه قيل كذلك فعل أسلافهم وذلك باطل فإن الرسلَ ليس شأنُهم إلا تبليغَ أوامرِ الله تعالى ونواهيه لا تحقيقَ مضمونِهما وإجراءَ موجبهما على الناس قسرا وإلجاء وإبراد كلمة على للإيذان بأنهم في ذلك مأمورون أو بأن ما يبلغونه حقٌّ للناس عليهم إيفاؤه وبهذا ظهر أن حملَ قولِهم لَوْ شَاء الله الخ على الاستهزاء لا يلائم الجواب والله تعالى أعلم بالصواب

стр. 3200

﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولاً﴾ تحقيقٌ لكيفية تعلقِ مشيئتِه تعالى بأفعال العبادِ بعد بيانِ أن الإلجاءَ ليس من وظائف الرسالةِ ولا من باب المشيئةِ المتعلقةِ بما يدور عليه الثواب والعقاب من الأفعال الاختياريةِ لهم أي بعثنا فى كُلّ أمَّةٍ منَ الأممِ الخالية رسولاً خاصة بهم ﴿أَنِ اعبدوا الله﴾ يجوز أن تكونَ أنْ مفسرةً لما في البعث من معنى القول وأن تكون مصدريةً أي بعثنا بأن اعبدوا الله حده ﴿واجتنبوا الطاغوت﴾

стр. 3201

هو الشيطانُ وكلُّ ما يدعو إلى الضلالة ﴿فَمِنْهُمْ﴾ أي من تلك الأمم والفاء فصيحة أي فبلَّغوا ما بُعثوا به من الأمر بعبادة الله وحده واجتنابِ الطاغوت فتفرقوا فمنهم ﴿مَّنْ هَدَى الله﴾ إلى الحقِّ الذي هو عبادتُه واجتنابُ الطاغوت بعد صَرْفِ قدرتهم واختيارِهم الجزئيّ إلى تحصيله ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضلالة﴾ أي وجبت وثبتت إلى حين الموت لعِناده وإصرارِه عليها وعدمِ صرفِ قدرته إلى تحصيل الحق وتغيير الأسلوبِ للإشعار بأن ذلك لسوء اختيارِهم كقوله تعالى وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ فلم يكن كلٌّ من مشيئة الهدايةِ وعدمِها إلا حسبما حصل منهم من التوجهُ إلى الحق وعدمه إلا بطريق القسرِ والإلجاءِ حتى يُستدلَ بعدمهما على عدم تعلقِ مشيئتِه تعالى بعبادتهم له تعالى وحده ﴿فَسِيرُواْ﴾ يا معشرَ قريش ﴿فِى الارض فانظروا﴾ في أكنافها ﴿كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين﴾ من عاد وثمودَ ومن سار سيرتَهم ممن حقت عليه الضلالةُ لعلكم تَعتبرون حين تشاهدون في منازلهم وديارهم آثارَ الهلاك والعذابِ وترتيبُ الأمرِ بالسير على مجرد الإخبارِ بثبوت الضلالةِ عليهم من غير إخبارٍ بحلول العذابِ للإيذان بأنه غنيٌّ عن البيان وأنْ ليس الخبرُ كالعِيان وترتيبُ النظر على السير لما أنه بعده وأن مَلاك الأمر في تلك العاقبة هو التكذيبُ والتعلّلُ بأنه لو شآء الله ما عبدنا مِن دُونِهِ مِن شَىْء

стр. 3202

﴿إِن تَحْرِصْ﴾ خطاب لرسول الله ﷺ وقرئ بفتح الراء وهي لغية ﴿على هُدَاهُمْ﴾ أي إن تطلب هدايتَهم بجهدك ﴿فَإِنَّ الله لَا يَهْدِى مَنْ يُضِلُّ﴾ أي فاعلم أنه تعالى لا يخلق الهدايةَ جبراً وقسراً فيمن يخلق فيه الضلالةَ بسوء اختيارِه والمرادُ به قريش وإنما وضع الموصول موضع الضمير للتنصيص على أنهم ممن حقت عليه الضلالةُ وللإشعار بعلة الحُكمِ ويجوزُ أنْ يكونَ المذكورُ علةً للجزاء المحذوف أي إن تحرص على هداهم فلست بقادر على ذلك لأن الله لَا يَهْدِى مَنْ يُضله وهؤلاء من جملتهم وقرئ لا يهدى على بناء المفعول أي لا يقدِرُ أحدٌ على هداية من يضله الله تعالى وقرئ لا يهَدّي بفتح الهاء وإدغام تاء يهتدي في الدال ويجوز أن يكون يهدي بمعنى يهتدي وقرئ يضل بفتح الياء وقرئ لا هاديَ لمن يُضِل ولمن أضل ﴿وَمَا لَهُم مِن ناصرين﴾ ينصرونهم في الهداية أو يدفعون العذابَ عنهم وصيغة الجمع في الناصرين باعتبار الجمعية في الضمير فإن مقابلةَ الجمعِ بالجمع يقتضي انقسامَ الآحادِ إلى الآحاد لا لأن المرادَ نفيُ طائفةٍ من الناصرين من كل منهم

стр. 3203

﴿وَأَقْسَمُواْ بالله﴾ شروع في بيان فنٍ آخرَ من أباطيلهم وهو إنكارهم البعث ﴿جهد أيمانهم﴾ مصدرفي موقع الحال أي جاهدين في أيمانهم ﴿لَا يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ﴾ ولقد رد الله تعالى عليهم أبلغَ ردَ بقوله الحق ﴿بلى﴾ أي بلى يبعثهم ﴿وَعْداً﴾ مصدرٌ مؤكدٌ لما دَلَّ عليه بلى فإن ذلك موعدٌ من الله سبحانه أو المحذوف أي وعَد بذلك وعداً ﴿عَلَيْهِ﴾ صفة لوعد أي وعداً ثابتاً عليه

стр. 3204

النحل ٣٩ ٤٠ إنجازُه لامتناع الخُلفِ في وعدِه أو لأن البعثَ من مقتضيات الحِكمة ﴿حَقّاً﴾ صفةٌ أخرى له أو نُصبَ على المصدريةِ أي حقَّ حقاً ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس﴾ لجهلهم بشئون الله عز شأنه من العلم والقدرةِ والحكمة وغيرِها من صفات الكمالِ وبما يجوز عليه وما لا يجوز وعدمِ وقوفِهم على سرّ التكوين والغايةِ القصوى منه وعلى أن البعثَ مما يقتضيه الحكمةُ التي جرت عادتُه سبحانه بمراعاتها ﴿لَاّ يَعْلَمُونَ﴾ أنه يبعثهم فيبتون القولَ بعدمه أو أنه وعدٌ عليه حق فيكذبونه قائلين لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وآباؤنا هذا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَاّ أساطير الاولين

стр. 3205

﴿لِيُبَيّنَ لَهُمُ﴾ غايةٌ لما دل عليه بلى من البعث والضمير لمن يموت إذ التبيينُ يعم المؤمنين أيضاً فإنهم وإن كانوا عالمين بذلك لكنه عند معاينةِ حقيقةِ الحال يتضح الأمرُ فيصل علمُهم إلى مرتبة عينِ اليقين أي يبعثهم ليبينَ لهم بذلك وبما يحصُل لهم من مشاهدة الأحوالِ كما هي ومعاينتِها بصورها الحقيقيةِ الشأن ﴿الذى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ من الحق المنتظمِ لجميع ما خالفوه مما جاء به الشرعُ المبين ويدخل فيه البعثُ دخولاً أولياً ﴿وَلِيَعْلَمَ الذين كَفَرُواْ﴾ بالله سبحانه بالإشراك وإنكارِ البعث وتكذيبِ وعده الحق ﴿أَنَّهُمْ كَانُواْ كاذبين﴾ في كل ما يقولون لا سيما في قولهم لَا يَبْعَثُ الله مَن يموت والتعبيرُ عن الحق بالموصول للدِلالة على فخامته وللإشعار بعلية ما ذكر في حيز الصلةِ للتبيين وما عُطف عليه وجعلهما غاية للبعث المشار إليه باعتبار ورودِه في معرِض الردّ على المخالفين وإبطال مقالةِ المعاندين المستدعي للتعرض لما يردعهم عن المخالفة ويُلجِئهم إلى الإذعان للحق فإن الكفرة إذا علِموا أن تحقيقَ البعث إذا كان لتبيين أنه حق وليعلموا أنهم كاذبون في إنكاره كان ذلك أزجرَ لهم عن إنكاره وأدعى إلى الاعتراف به ضرورة أنه يدل على صدق العزيمةِ على تحقيقه كما تقول لمن ينكر أنك تصلّي لأصَلينّ رغماً لأنفك وإظهار لكذبك ولأن تكررَ الغايات أدلُّ على وقوع الفعل المغيابها وإلا فالغايةُ الأصلية للبعث باعتبار ذاتَه إنما هو الجزاءُ الذي هو الغايةُ القصوى للخلق المغيا بمعرفته وعبادته وإنما لم يُذكر ذلك لتكرار ذكرِه في مواضعَ أُخَرَ وشهرتِه وإنما لم يُدرَج علمُ الكفار بكذبهم تحت التبيين بأن يقال وإن الذين كفروا كانوا كاذبين بل جئ بصيغة العلم لأن ذلك ليس مما تعلق به التبيينُ الذي هو عبارةٌ عن إظهار ما كان مُبهماً قبل ذلك بأن يخبرَ به فيُختلفَ فيه كالبعث الذي نطق به القرآن فاختلف فيه المختلفون وأما كذِبُ الكافرين فليس من هذا القبيل فما يتعلق به علمٌ ضروريٌّ حاصل لهم من قِبل أنفسِهم وقد مرَّ تحقيقُه في سورة التوبة عند قوله تعالى حتى يَتَبَيَّنَ لَكَ الذين صَدَقُواْ وإنما خُص الإسنادُ بهم حيث لم يقل وليعلموا أن الكافرين الآية لأن علمَ المؤمنين بذلك حاصل قبل ذلك أيضاً

стр. 3206

﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا﴾ استئناف لبيان كيفية التكوينِ على الإطلاق إبداءً وإعادةً بعد التنبيهِ على آنية البعثِ ومنه يظهر كيفيتُه فما كافةٌ وقولُنا مبتدأ وقوله ﴿لِشَىْء﴾ أي أيِّ شيءٍ كان مما عزو هان متعلقٌ به على أن اللامَ للتبليغ كهي في قولك قلت له قم فقام وجعلها الزجاجُ سببيةً أي لأجل شيءٍ وليس بواضح والتعبيرُ عنه بذلك باعتبار وجودِه عند تعلُّقُ مشيئتِه تعالى به لا أنه كان شيئا

стр. 3207

النحل ٤١ قبل ذلك ﴿إِذَا أَرَدْنَاهُ﴾ ظرفٌ لقولنا أي وقت إرادتِنا لوجوده ﴿أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ﴾ خبر للمبتدأ ﴿فَيَكُونُ﴾ إما عطفٌ على مقدر يُفصِحُ عنه الفاء وينسحب عليه الكلام أي فنقول ذلك فيكون كقوله تعالى إذا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فيَكُونُ وإما جوابٌ لشرط محذوف أي فإذا قلنا ذلك فهو يكون وليس هناك قولٌ ولا مقولٌ له ولا أمرٌ ولا مأمورٌ حتى يقال إنه يلزم منه أحدُ المُحالين إما خطابُ المعدومِ أو تحصيلُ الحاصل أو يقال إنما يستدعيه انحصار قوله تعالى كُنَّ وليس يلزم منه انحصارُ أسباب التكوين فيه كما يفيده قوله تعالى إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ فإن المرادَ بالأمر هو الشأنُ الشاملُ للقول والفعل ومن ضرورة انحصارِه في كلمة كن انحصارُ أسبابه على الإطلاق فيه بل إنما هو تمثيلٌ لسهولة تأتّي المقدورات حسب تعلقِ مشيئتِه تعالى بها وتصويرٌ لسرعة حدوثِها بما هو علم في ذلك من طاعة المأمورِ المطيعِ لأمر الآمر المُطاع فالمعنى إنما إيجادُنا لشيء عند تعلق مشيئتِنا به أن نوجدَه في أسرع ما يكون ولما عبر عنه بالأمر الذي هو قولٌ مخصوصٌ وجب أن يُعبّر عن مطلق الإيجادِ بالقول المطلقِ فتأمل وفي الآية الكريمة من الفخامة والجزالةِ ما يحار فيه العقول والألباب وقرئ بنصب يكون عطفاً على نقول أو تشبيهاً له بجواب الأمر

стр. 3208

﴿والذين هاجروا فِى الله﴾ أي في شأن الله تعالى ورِضاه وفي حقه ولوجهه ﴿مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ﴾ ولعلهم الذين ظلمهم أهلُ مكة من أصحابِ رسولِ الله ﷺ وأخرجوهم من ديارهم فهاجروا إلى الحبشة ثم بوّأهم الله تعالى المدينةَ حسبما وعد بقوله سبحانه ﴿لَنُبَوّئَنَّهُمْ فِى الدنيا حَسَنَة﴾ أي مباءة حسنة أو توئة حسنة كما قال قتادة وهو الأنسبُ بما هو المشهورُ من كون السورةِ غيرَ ثلاثِ آياتٍ من آخرها مكيةً وأما ما نُقلَ عن ابنِ عباسٍ ﵄ مَنْ أنها نزلت في صهيبٍ وبلال وعمار وخباب وعايس وجُبير وأبي جندل بن سهيل أخذهم المشركون فجعلوا يعذّبونهم ليردوهم عن الإسلام فأما صهيبٌ فقال لهم أنا رجلٌ كبير إن كنت معكم لم أنفعْكم وإن كنت عليكم لم أضرَّكم فافتدى منهم بماله وهاجر فلما رآه أبُو بكرٍ ﵁ قال ربح البيعُ يا صهيب وقال عمر ﵁ نعم العبدُ صهيبٌ لو لم يخَفِ الله لم يَعْصِهِ فإنما يناسب ما حُكي عن الأصم من كون كل السورةِ مدنيةً وما نقل عن قتادةَ من كون هذه الآية إلى آخر السورةِ مدنيةً فيُحمل ما نقلناه عنه من نزول الآيةِ في أصحاب الهجرتين على أن يكون نزولُها بالمدينة بين الهجرتين وأما جعلُ رسول الله ﷺ من جملتهم فلا يساعده نظمُ التنزيلِ ولا شأنُه الجليل وقرئ لنُثْوِينّهم ومعناه إثواءةً حسنةً أو لنُنزّلنهم في الدنيا منزلة حسنة وهي الغَلبةُ على من ظلمهم من أهل مكةَ وعلى العرب قاطبةً وأهلِ الشرقِ والغربِ كافة ﴿وَلَاجْرُ الاخرة﴾ أي أجرُ أعمالِهم المذكورةِ في الآخرة ﴿أَكْبَرَ﴾ مما يعجّل لهم في الدنيا وعن عمر ﵁ أنَّه كان إذا أعطى رجلاً من المهاجرين عطاءً قال له خُذ بارك الله تعالى لك فيه هذا ما وعدك الله تعالَى في الدُّنيا وما ادّخر في الآخرة أفضلُ ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ الضمير للكفار أي لو علموا أن الله تعالى يجمع لهؤلاء المهاجرين خيرَ الدارين لوافقوهم في الدين وقيل للمهاجرين

стр. 3209

النحل ٤٢ ٤٤ أي لو علموا ذلك لزادوا فى الاجتهاد أو لَما تألموا لما أصابهم من المهاجَرة وشدائدِها

стр. 3210

﴿الذين صَبَرُواْ﴾ على الشدائد من أذية الكفار ومفارقةِ الأهل والوطن وغيرِ ذلك ومحلُّه النصبُ أو الرفع على المدح ﴿وعلى رَبّهِمْ﴾ خاصة ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾ منقطعين إليه تعالى معرِضين عما سواه مفوِّضين إليه الأمرَ كلَّه والجملةُ إما معطوفةٌ على الصلة وتقديمُ الجار والمجرور للدِلالة على قصر التوكلِ على الله تعالى وصيغةُ الاستقبال للدِلالة على دوام التوكل أو حالٌ من ضميرِ صبروا

стр. 3211

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَاّ رِجَالاً نُّوحِى إِلَيْهِمْ﴾ وقرئ بالياء مبنياً للمفعول وهو ردٌّ لقريش حين قالوا الله أجلُّ من أن يكون له رسولٌ من البشر كما هو مبنى قولهم لو شاء الله مَا عَبَدْنَا الخ أي جرت السنةُ الإلهية حسبما اقتضتْه الحكمةُ بأن لا يَبعَثَ للدعوة العامة إلا بشراً يوحي إليهم بواسطة الملَك أوامرَه ونواهيَه ليبلّغوها الناس ولما كان المقصودُ من الخطاب لرسول الله ﷺ تنبيهَ الكفار على مضمونه صُرف الخطاب إليهم فقيل ﴿فاسألوا أَهْلَ الذكر﴾ أي أهلَ الكتاب أو علماءَ الأخبار أو كلَّ من يُذكرُ بعلم وتحقيقٍ ليعلّموكم ذلك ﴿إِن كُنْتُم لَا تَعْلَمُونَ﴾ حذفَ جوابُه لدِلالة ما قبله عليه وفيهِ دَلالةٌ عَلى أنَّه لم يُرسِلْ للدعوة العامة ملَكاً وقولُه تعالى جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً معناه رسلاً إلى الملائكة أو إلى الرسل ولا امرأةً ولا صبياً ولا ينافيه نبوةُ عيسى ﵊ وهو في المهْد لأنها أعمُّ من الرسالة وإشارةٌ إلى وجوب المراجعة إلى العلماء فيما لا يُعلم

стр. 3212

﴿بالبينات والزبر﴾ بالمعجزات والكتبِ والباءُ متعلقةٌ بمقدر وقع جوابا عن سؤال من قال بمَ أُرسلوا فقيل أرسلوا بالبينات والزبر أو بما أرسلنا داخلاً تحت الاستثناء مع رجالاً عند من يجوّزه أي ما أرسلنا إلا رجالاً بالبينات كقولك ما ضربت إلا زيداً بالسوط أو على نية التقديمِ قبل أداة الاستثناءِ أي مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ بالبينات والزبر إلا رجالاً عند من يجوّز تأخرَ صلةِ ما قبل إلا إلى ما بعده أو بما وقع صفةً للمستثنى أي إلا رجالاً ملتبسين بالبينات أو بنوحي على المفعولية أو الحالية من القائم مقامَ فاعل يوحى وهو إليهم على أنَّ قولَه تعالى فاسئلوا اعتراضٌ أو بقوله لَا تَعْلَمُونَ على أن الشرطَ للتبكيت كقول الأجير إنْ كنتُ عمِلتُ لك فأعطِني حقي ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر﴾ أي القرآنَ وإنما سُمّي به لأنه تذكيرٌ وتنبيهٌ للغافلين ﴿لِتُبَيّنَ لِلنَّاسِ﴾ كافةً ويدخل فيهم أهلُ مكة دخولاً أولياً ﴿مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ﴾ في ذلك الذكرِ من الأحكام والشرائعِ وغير ذلك من أحوال القرونِ المهلَكة بأفانين العذابِ حسب أعمالِهم الموجبةِ لذلك على وجه التفصيلِ بياناً شافياً كما ينبئ عنه صيغةُ التفعيل في الفعلين لا سيما بعد ورود الثاني أولا على صيغة الإفعالِ ولِما أن التبيينَ أعمُّ من التصريح بالمقصود ومن الإرشاد إلى ما يدل عليه دخل تحته القياسُ على الإطلاق سواءٌ كان في الأحكام الشرعية أو غيرِها ولعل قوله ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ إشارةٌ إلى

стр. 3213

النحل ٤٥ ٤٧ ذلك أي إرادةَ أن يتأملوا فيتنبّهوا للحقائق وما فيه من العبر ويحترزوا عما يؤدي إلى مثل ما أصاب الأولين من العذاب

стр. 3214

﴿أَفَأَمِنَ الذين مَكَرُواْ السيئات﴾ هم أهلُ مكةَ الذين مكروا برسولِ الله ﷺ وراموا صدَّ أصحابِه عن الإيمان عليهم الرضوان لا الذين احتالوا الهلاك الأنبياءِ كما قيل ولا من يعُمّ الفريقين لِما أن المرادَ تحذيرُ هؤلاء عن إصابة مثلِ ما أصاب أولئك من فنون العذابِ المعدودة والسيئاتِ نعتٌ لمصدر محذوفٍ أي مكروا المكَراتِ السيئاتِ التي قصت عنهم أو مفعولٌ به للفعل المذكور على تضمينه معنى العمل أي علموا السيئاتِ فقوله تعالى ﴿أَن يخسف الله بهم الارض﴾ مفعولٌ لأمِن أو السيئاتِ صفةٌ لما هو المفعولُ أي أي أفأمن الماكرون العقوباتِ السيئةَ وقوله أن يخسف الخ بدلٌ من ذلك وعلى كل حال فالفاءُ للعطفِ على مقدَّر ينسحبُ عليه النظم الكريم أي أنزلنا إليك الذكرَ لتبين لهم مضمونَه الذي من جملته إنباءُ الأممِ المهلَكة بفنون العذاب ويتفكروا في ذلك ألم يتفكروا فأمن الذين مكروا السيئاتِ أن يخسف الله بهم الارض كما فعل بقارون على توجيه الإنكارِ إلى المعطوفين معاً أو أتفكروا فأمِنوا على توجيهه إلى المعطوف على أن الأمنَ بعد التفكرِ مما لا يكاد يفعله أحد وقيل هو عطف على مقدر ينبئ عنه الصلةُ أي أَمُكِر فأمن الذين مكروا الخ ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ العذاب مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بإتيانه أي في حالة غفلتِهم أو من مأمنهم أو من حيث يرجون إيتان ما يشتهون كما حُكي فيما سلف مما نزل بالماكرين

стр. 3215

﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ﴾ أي في حالة تقلُّبهم في مسائرهم ومتاجرهم ﴿فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ﴾ بممتنعين أو فائتين بالهرب والفِرار على ما يوهمه حالُ التقلب والسير والفاءُ إما لتعليل الأخذِ أو لترتيب عدمِ الإعجاز عليه دلالةً على دوامِ النفي لا نفْيِ الدوام

стр. 3216

﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ على تَخَوُّفٍ﴾ أي مخافةٍ وحذرٍ عن الهلاك والعذاب بأن يُهلك قوماً قبلهم فيتخوّفوا فيأخذَهم العذابُ وهم متخوّفون وحيث كانت حالتا التقلّبِ والتخوّف مَظِنةً للهرب عُبّر عن إصابة العذابِ فيهما بالأخذ وعن إصابته حالةَ الغفلة المنبئة عن السكون بالإيتان وقيل التخوّفُ التنقّص قال قائلهم ... تخوّفَ الرحلُ منها تامكاً قردا ... كما تخوّفَ عودَ النبعة السفن ... أي يأخذُهم على أن يَنْقُصَهم شيئاً بعد شيءٍ في أنفسهم وأموالِهم حتى يهلِكوا والمرادُ بذكر الأحوال الثلاثِ بيانُ قدرة الله سبحانه على إهلاكهم بأي وجهٍ كان لا الحصرُ فيها ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ حيث لا يعاجلكم بالعقوبة ويحلُم عنكم مع استحقاقكم لها

стр. 3217

النحل

стр. 3218

٤٨ - ٤٩ ﴿أولم يروا﴾ استفهام إنكاري وقرئ على صيغة الخِطاب والواو للعطفِ على مقدرٍ يقتضيه المقامُ أي ألم ينظروا ولم يرَوا متوجهين ﴿إلى مَا خَلَقَ الله مِن شَىْء﴾ أي من كل شيء ﴿يَتَفَيَّأُ ظلاله﴾ أي يرجِع شيئاً فشيئاً حسبما يقتضيه إرادةُ الخالق تعالى فإن التفيّؤَ مطاوِعُ الإفاءةِ وقرئ بتأنيث الفعل ﴿عَنِ اليمين والشمآئل﴾ أي ألم يرَوا الأشياءَ التي لها ظلالٌ متفيِّئةٌ عن أيْمانها وشمائلِها أي عن جانبي كل واحد منها استُعير لهما ذلك من يمين الإنسانِ وشمالِه ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ حالٌ من الظلال كقوله تعالى وظلالهم بالغدو والاصال والمرادُ بسجودها تصرّفُها على مشيئة الله سبحانه وتأتّيها لإرادته تعالى في الامتداد والتقلصِ وغيرِهما غيرَ ممتنعةٍ عليه فيما سخرها له وقوله تعالى ﴿وَهُمْ داخرون﴾ أي صاغرون منقادون حال من الضمير في ظلاله والجمعُ باعتبار المعنى وإيرادُ الصيغةِ الخاصة بالعقلاء لما أن الدخورَ من خصائصهم والمعنى ترجِع الظلالُ من جانب إلى جانب بارتفاع الشمس وانحدارِها أو باختلاف مشارقِها ومغاربها فإنها كلَّ يوم من أيام السنة تتحرك على مدار معين من المدارات اليومية بتقدير العزيزِ العليم منقادةٌ لما قُدّر لها من التفيّؤ أو واقعةٌ على الأرض ملتصقةٌ بها على هيئة الساجد والحالُ أن أصحابها من الأجرام داخرةٌ منقادةٌ لحكمه تعالى ووصفُها بالدخور مغنٍ عن وصف ظلالها به أو كلاهما حالٌ من الضمير المشار إليه والمعنى ترجع ظلالُ تلك الأجرامِ حالَ كونها منقادةً لله تعالى داخرةً فوصفُها بهما مغنٍ عن وصف ظلالِها بهما ولعل المرادَ بالموصول الجماداتُ من الجبال والأشجارِ والأحجارِ التي لا يظهر لظلالها أثرٌ سوى التفيّؤِ بما ذُكر من ارتفاع الشمسِ وانحدارِها أو اختلافِ مشارقها ومغاربها وأما الحيوانُ فظلُّه يتحرك بتحركه وقيل المرادُ باليمين والشمائل يمينُ الفَلكِ وهو جانبُه الشرقيُّ لأن الكواكبَ منه تظهر آخذةً في الارتفاع والسطوعِ وشمالُه وهو جانبُه الغربيُّ المقابل له فإن الظلال في أول النهار تبتدئ من الشرق واقعةً على الرُّبع الغربي من الأرض وعند الزوال تبتدئ من الغرب واقعةً على الربع الشرقي منها وبعد ما بُيّن سجودُ الظلالِ وأصحابِها من الأجرام السفلية الثابتة في أخبارها ودخورُها له شُرع في بيان سجودِ المخلوقات المتحركة بالإرادة سواء كانت لها ظلال أو لا فقيل

стр. 3219

﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ﴾ أي له تعالى وحَدهُ يخضع وينقاد لا لشيء غيرِه استقلالا أو اشتراكا فالقصرُ ينتظم القلبَ والإفراد إلا أن الأنسب بحال المخاطبين قصرُ الإفراد كما يُؤذِن به قوله تعالى وَقَالَ الله لَا تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين ﴿ما في السماوات﴾ قاطبة ﴿وَمَا فِى الأرض﴾ كائناً ما كانَ ﴿منْ دَابَّةٍ﴾ بيانٌ لما في الأرض وتقديمُه لقلته ولئلا يقعَ بين المبين والمبين فصلٌ والإفرادُ مع أن المراد الجمل لإفادة وضوحِ شمولِ السجود لكل فرد من الدواب قال الأخفش هو كقولك ما أَتَانِي من رَجُلٍ مثلِه وما أتاني من الرجال مثله ﴿والملائكة﴾ عطف

стр. 3220

النحل ٥٠ ٥٢ على ما في السموات عطفَ جبريلَ على الملائكة تعظيماً وإجلالاً أو على أنْ يُرادَ بما في السموات الخلْقُ الذي يقال له الروح أو يراد به ملائكةُ السموات وبقوله والملائكةُ ملائكةُ الأرض من الحفَظة وغيرِهم ﴿وَهُمْ﴾ أي الملائكةُ مع علو شأنِهم ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عَنْ عِبَادَتِهِ والسجود له وتقديمُ الضمير ليس للقصر والجملةُ إما حالٌ من ضمير الفاعل في يسجد مسندٌ إلى الملائكة أواستئناف أخبر عنهم بذلك

стр. 3221

﴿يخافون رَبّهِمْ﴾ أي مالكَ أمرِهم وفيه تربيةٌ للمهابة وإشعارٌ بعلة الحكم ﴿مّن فوقهم﴾ أي يخافون جل وعلا خوفَ هيبةٍ وإجلالٍ وهو فوقهم بالقهر كقوله تعالى وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ أو يخافون أن يرسِل عليهم عذاباً من فوقهم والجملةُ حالٌ منَ الضميرِ في لا يستكبرون أو بيانٌ له وتقريرٌ لأن من يخاف الله سبحانه لا يستكبر عن عبادته ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ أي ما يُؤمرونَ بهِ من الطاعات والتدبيرات وإيرادُ الفعل مبنياً للمفعول جرْيٌ على سَنن الجلالة وإيذان بعدمِ الحاجة إلى التَّصريحِ بالفاعل لاستحالة استنادِه إلى غيره سبحانه وفيه أن الملائكة مكلّفون مُدارون بين الخوف والرجاء وبعد ما بُيّن أن جميعَ الموجودات يخصون الخضوع والانقياد الطبيعي ومَا يَجري مَجراه من عبادة الملائكة حيث لا يتصور منهم عدم الانقياد أصلا لله أُردف ذلك بحكاية نهْيِه للمكلفين عن الإشراك فقيل

стр. 3222

﴿وقال الله﴾ عطفا على قوله ولله يسجد وإظهارُ الفاعل وتخصيصُ لفظة الجلالة بالذكر للإيذان بأنه متعيِّنُ الألوهية وإنما المنهيُّ عنه هو الإشراكُ به لا أن المنهيَّ عنه مطلقُ اتخاذِ إلهين بحيث يتحقق الانتهاءُ عنه برفض أيِّهما كان أي قال تعالى لجميع المكلفين ﴿لَا تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين﴾ وإنما ذُكر العددُ مع أن صيغة التثنيةِ مغنيةٌ عن ذلكَ دلالةٌ على أنَّ مساق النهي هي الاثنَيْنيّة وأنها منافيةٌ للألوهية كما أن وصفَ الإله بالوَحدة في قولِه تعالى ﴿إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ﴾ لدلالة على أن المقصودَ إثباتُ الوحدانية وأنها من لوازم الإلهية وأما الإلهية فأمرٌ مسلَّمُ الثبوت له سبحانه وإليه أشير حيث أُسند إليه القول وفيه التفاتٌ منَ التكلمِ إلى الغَيبةِ على رأي من اكتفى في تحقق الالتفاتِ بكون الأسلوب الملتفَتِ عنه حقَّ الكلام ولم يشترِط سبقَ الذكرِ على ذلك الوجه ﴿فإياي فارهبون﴾ التفاتٌ من الغَيبةِ إلى التَّكلمِ لتربية المهابةِ وإلقاءِ الرهبة في القلوب ولذلك قدم وكرر الفعلَ أي إن كنتم راهبين شيئاً فإيايَ ارهبوا فارهبوا لا غيرُ فإني ذلك الواحدُ الذي يسجُد لَّهُ مَا فِي السموات والارض

стр. 3223

﴿وله ما في السماوات والأرض﴾ خلقاً ومُلكاً تقريرٌ لعلة انقيادِ ما فيها له سبحانه خاصة وتحقيقٌ لتخصيص الرهبة به تعالى وتقديم الظرف لتقوية ما في اللام من معنى الاختصاصِ وكذا في قولِه تعالى ﴿وَلَهُ الدين﴾ أي الطاعةُ والانقياد ﴿وَاصِبًا﴾ أي واجباً ثابتاً لا زوالَ له لِما تقرّر أنه الإله وحده الحقيقُ بأن يُرهَبَ وقيل واصباً من الوصب أي وله الدين ذا كلفة وقيل الدينُ الجزاءُ أي وله

стр. 3224

النحل ٥٣ ٥٥ الجزاءُ الدائمُ بحيث لا ينقطع ثوابُه لمن آمن وعقابُه لمن كفر ﴿أَفَغَيْرَ الله تَتَّقُونَ﴾ الهمزة للإنكار والفاء للعطف على مقدر ينسحب عليه السياقُ أي أعقيب تقرر الشئون المذكور من تخصيص جميعِ الموجودات للسجود به تعالى وكونِ ذلك كلِّه له ونهيِه عن اتخاذ الأندادِ وكونِ الدين له واصباً المستدعي ذلك لتخصيص التقوى به سبحانه غير الله الذي شأنُه ما ذكر تتقون فتطيعون

стр. 3225

﴿وَمَا بِكُم﴾ أيُ أيُّ شيءٍ يلابسكم ويصاحبكم ﴿مِن نّعْمَةٍ﴾ أية نعمةٍ كانت ﴿فَمِنَ الله﴾ فهي من الله فما شرطيةٌ أو موصولةً متضمنة لمعنى الشَّرطِ باعتبار الإخبارِ دون الحصول فإن ملابسةَ النعمةِ بهم سببٌ للإخبار بأنها منه تعالى لا لكونها منه تعالى ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضر﴾ مساما يسيرا ﴿فإليه تجأرون﴾ تتضرعون في كشفه لا إلى غيره والجُؤار رفعُ الصوت بالدعاء والاستغاثة قال الأعشى ... يرواح من صلوات المليك ... طوراً سجوداً وطوراً جؤارا ... وقرئ تَجَرون بطرح الهمزة وإلقاءِ حركتِها إلى ما قبلَها وفي ذكر المساس المنبئ عن أدنى إصابةٍ وإيرادِه بالجملة الفعلية المعربةِ عن الحدوث مع ثم الدالةِ على وقوعه بعد برهةٍ من الدهر وتحليةِ الضُّر بلام الجنس المفيدةِ لمساس أدنى ما ينطلق عليه اسمُ الجنس مع إيراد النعمةِ بالجملة الاسميةِ الدالةِ على الدوام والتعبير عن ملابستها للمخاطبين بباء الصاحبة وإيرادِ ما المعربةَ عن العموم مالا يخفى من الجزالة والفخامة ولعل إيرادَ إذا دون إن للتوسل به إلى تحقق وقوع الجواب
следующие страницы →