← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

وعن النبيِّ ﷺ إذا أحبّ الله عبداً يقول لجبريلَ ﵇ إني أحبُّ فلاناً فأحِبَّه فيحبه جبريل ثم ينادي في أهل السماء إن الله أحب فلاناً فأحِبُّوه فيحبه أهلُ السماء ثم يوضع له المحبةُ في الأرض والسينُ لأن السورةَ مكيةٌ وكانوا إذ ذاك ممقوتين بين الكفرة فوعدهم ذلك ثم أنجزه حين ربا الإسلامُ أو لأن الموعودَ في القيامة حين تُعرض حسناتُهم على رءوس الأشهاد فينزع مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ الغِلّ الذي كان في الدنيا ولعل إفرادَ هذا بالوعد من بين ما سيُؤْتَون يوم القيامة من الكرامات السنية لِما أن الكفرةَ سيقع بينهم يومئذ تباغضٌ وتضادٌّ وتقاطع وتلاعن مريم

стр. 3782

٩٧ - ٩٨ ﴿فَإِنَّمَا يسرناه﴾ أي القرآنَ ﴿بِلَسَانِكَ﴾ بأن أنزلناه على لغتك والباء بمعنى على وقيل ضُمّن التيسيرُ معنى الإنزالِ أي يسرنا القرآنَ منزِلين له بلغتك والفاءُ لتعليل أمرٍ ينساق إليه النظمُ الكريمُ كأنه قيل بعد إيحاءِ السورةِ الكريمة بلِّغْ هذا المنزلَ أو بشر به وأنذر فإنما يسرناه بلسانك العربي المبين ﴿لِتُبَشّرَ بِهِ المتقين﴾ أي الصائرين إلى التقوى بامتثال ما فيه من الأمر والنهي ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً﴾ لا يؤمنون به لجَاجاً وعِناداً واللُّد جمعُ الألد وهو الشديدُ الخصومة اللَّجوجُ المعانِدُ وقوله تعالى

стр. 3783

﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّن قَرْنٍ﴾ وعدٌ لرسول الله ﷺ في ضمن وعيدِ الكفرة بالإهلاك وحث له ﷺ على الإنذار أي قَرْناً كثيراً أهلكنا قبل هؤلاء المعاندين وقوله تعالى ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مّنْ أَحَدٍ﴾ إستئناف مقرر لمضمون ماقبله أي هل تشعُر بأحد منهم وترى ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً﴾ أي صوتاً خفيا وأصلُ الرِكْز هو الخفاءُ ومنه رَكَز الرمحَ إذا غيب طرفه فى الرض والرِّكازُ المالُ المدفونُ المخفيُّ والمعنى أهلكناهم بالكلية واستأصلناهم بحيث لا يُرى منهم أحدٌ ولا يسمع منهم صوتٌ خفيّ عن رسول الله ﷺ مَنْ قرأَ سورة مريمَ أُعطِي عشرَ حسناتٍ بعدد من كذّب زكريا وصدّق به ويحيى وعيسى ومريم وسائرَ الأنبياءِ المذكورين فيها وبعدد مَنْ دعا الله تعالَى في الدُّنيا ومن لم يدْع الله تعالى

стр. 3784

سورة طه طه ﴿

стр. 3785

﴿طه﴾ فخّمهما قالونُ وابنُ كثير وابنُ عامر وحفصٌ ويعقوبُ على الأصل والطاءَ وحده أبو عمْرو وورْشٌ لاستعلائه وأمالَهما الباقون وهو من الفواتح التي يُصدّر بها السورُ الكريمةُ وعليه جمهورُ المتْقنين وقيل معناه يا رجلُ وهو مرويٌّ عن ابن عباس ﵄ والحسن ومجاهدٍ وسعيدِ بنِ جُبير وقَتادة وعِكرِمةَ والكلبي إلا أنه عند سعيدٍ على اللغة النبْطية وعند قتادة على السُّريانية وعند عكرمة على الحبشية وعند الكلبي على لغة عكا وقيل عُكْل وهي لغة يمانيةٌ قالوا إن صح فلعل أصلَه يا هذا فتصرّفوا فيه بقلب الياء طاءً وحذفِ ذا من هذا وما استُشهد به من قول الشاعر ... إن السفاهة طه في خلائِقِكُم ... لا قدّس الله أخلاقَ الملاعينِ ... ليس بنص في ذلك لجواز كونِه قسماً كما في حم لا يُنْصرون وقد جوز أن يكون الأصل طَأْها بصيغة الأمر من الوطء فقلبت الهمزة في يطأ ألفا لانفتاح ما قبلَها كَما في قول من قال لا هَناك المرتُع وها ضميرُ الأرض على أنه خطابٌ لرسولِ الله ﷺ بأن يطأ الأرضَ بقدميه لمّا كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه مبالغةً في المجاهدة ولكن يأباه كتابتُهما على صورة الحرف كما تأبى التفسيرَ يا رجلُ فإن الكتابةَ على صور الحرف مع كون التلفظِ بخلافه من خصائص حروفِ المعجم وقرئ طه إما على أن أصلَه طأ فقلب همزتُه هاءً كما في أمثال هَرَقتَ أو قلبت الهمزة في يطأ ألفا كما مر ثم بُني منه الأمر وألحق به هاءُ السكت وإما على أنه اكتفى في التفظ بشطْري الاسمين وأُقيما مُقامَهما في الدِلالة على المسمَّيين فكأنهما اسماهما الدالان عليهما وعلى هذا ينبغي أن يحمل قولُ من قال أو اكتفى بشطري الكلمتين وعبّر عنهما باسمهما وإلا فالشطران لم يذكرا من حيث إنهما مسمَّيان لاسمَيهما ليقعا معبَّراً عنهما بل من حيث إنهما جزءان لهما قد اكتُفيَ بذكرهما عن ذكرهما ولذلك وقع التلفظُ بأنفسهما لا باسميهما بأن يراد بضمير التثنية في الموضعين الشطران من حيث هما مسميان لا من حيث هما جزءان للاسمين ويراد باسمهما الشطران من حيث هما قائمان مقامَ الاسمين فالمعنى اكتُفي في التلفظ بشطري الكلمتين أي الاسمين فعبّر عنهما أي عن الشطرين من حيث هما مسمَّيان بهما من حيث هما قائمان مقامَ الاسمين وأمَّا حملُه على مَعْنَى أنه اكتُفي في الكتابة بشطري الكلمتين يعني طا على تقديري كونِه أمراً وكونِه حرفَ نداءوها على تقديري كونِها كنايةً عن الأرض وكونِها حرفَ تنبيهٍ وعُدل عن ذينك الشطرين في التلفظ باسمهما فبين البطلان كيف وطاؤها على ما ذكر من التقادير ليسا باسمين للحرفين المذكورين بل الأول

стр. 3786

طه ١ ﴿ أمرٌ أو حرفُ نداء والثاني ضميرُ الأرض أو حرفُ تنبيهٍ على أن كتابةَ صورةِ الحرف والتلفظَ بغيره من خواصّ حروفِ المعجم كما مر فالحق ما سلف من أنها من الفواتح إما مسرودةٌ على نمط التعديدِ بأحد الوجهين المذكورين في مطلع سورة البقرة فلا محلَّ لها من الإعرابِ وكذا ما بعدها من قولِه تعالَى

стр. 3787

﴿ما أنزلنا عليك القرآنَ لتشقى﴾ فإنه استئنافٌ مَسوقٌ لتسليته ﷺ عما كان يعتريه من جهة المشركين من التعب فإن الشقاءَ شائعٌ في ذلك المعنى ومنه أشقى من رائض مُهْرٍ أي ما أنزلناه عليك لتتعب بالمبالغة في مكابدة الشدائد في مقاولة العُتاةِ ومحاورة الطغاةِ وفرْطِ التأسّف على كفرهم به والتحسرّ على أن يؤمنوا كقوله له فَلَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ على آثارهم الآية بل للتبليغ والتذكير وقد فعلتَ فلا عليك إن لم يؤمنوا به بعد ذلك أو لصرفه ﷺ عما كان عليه من المبالغة في المجاهدة في العبادة كما يروى أنه ﷺ كان يقوم بالليل حتى ترم قدماه قال له جبريلُ ﵇ أَبْقِ على نفسك فإن لها عليك حقاً أي ما أنزلناه عليك لتتعب بنهك نفسِك وحملِها على الرياضات الشاقةِ والشدائدِ الفادحة وما بُعثت إلا بالحنيفية السمحة وقيل إن أبا جهل والنظر بن الحرث قالا لرسول الله ﷺ إنك شقيٌّ حيث تركت دينَ آبائِك وإن القرآنَ نزل عليك لتشقى به فرُدّ ذلك بأنا ما أنزلناه عليك لِما قالوا والأولُ هو الأنسبُ كما يشهد به الاستثناء الآتي هذا وإما اسمٌ للقرآن محلُّه الرفعُ على أنه مبتدأٌ وما بعده خبرُه والقرآنُ ظاهرٌ أوقع موقعَ العائد إلى المبتدأ كأنه قيل القرآنُ ما أنزلناه عليك لتشقى أو النصبُ على إضمار فعلٍ القسم أو الجرُّ بتقدير حرفِه وما بعده جوابُه وعلى هذين الوجهين يجوز أن يكون اسماً للسورة أيضاً بخلاف الوجهِ الأول فإنه لا يتسنى على ذلك التقدير لكن لا لأن المبتدأ يبقى حينئذ بلا عائد ولا قائم مَقامَه فإن القرآنَ صادقٌ على الصورة لا محالة إما بطريق الاتحاد بأن يراد به القدْرُ المشترَكُ بين الكل والبعض أو باعتبار الاندراجِ إن أريد به الكلُّ بل لأن نفيَ كونِ إنزالِه للشقاء يستدعي سبق وقوع الشقاء مترتباً على إنزاله قطعاً إما بحسب الحقيقة كما لو أريد به معنى التعب أو بحسب زعْم الكفرةِ كما لو أريد به ضدُّ السعادة ولا ريب في أن ذلك إنما يُتصور في إنزال ما أُنزل من قبل وأما إنزالُ السورةِ الكريمة فليس مما يمكن ترتبُ الشقاءِ السابق عليه حتى يُتصدّى لنفيه عنه أما باعتبار الاتحادِ فظاهرٌ وأما باعتبار الاندراج فلأن مآلَه أن يقال هذه السورةُ ما أنزلنا القرآنَ المشتمِلَ عليها لتشقى ولا يخفى أن جعْلَها مُخبَراً عنها مع أنه لا دخلَ لإنزالها في الشقاء السابق أصلاً مما لا يليق بشأن التنزيل الجليل وقوله تعالى

стр. 3788

﴿إِلَاّ تَذْكِرَةً﴾ نُصب على أنَّه مفعولٌ له لأنزلنا لكن لا من حيث أنه معللٌ بالشقاء على معنى ما أنزلنا عليك القرآنَ لتتعب بتبليغه إلا تذكرةً الآية كقولك ما ضربتُك للتأديب إلا إشفاقاً لما أنه يجب في أمثاله أن يكون بين العلتين ملابسةٌ بالسببية والمسبَّبية حتماً كما في المثال المذكورِ وفي قولك ما شافهتُك بالسوء لتتأذّى إلا زجراً لغيرك فإن التأديبَ في الأول مسبَّبٌ عن الإشفاق والتأذّي في الثاني سبب لزجر

стр. 3789

طه ٤ ٥ الغير وقد عرفت ما بين الشقاءِ والتذكرةِ من التنافي ولا يُجدي أن يراد به التعبُ في الجملة المجامِعُ للتذكرة لظهور أن لا ملابسةَ بينهما بما ذكر من السببية والمسببية وإنما يتصور ذلك أن لو قيل مكانَ إلا تذكرةً إلا تكثيراً لثوابك فإن الأجر بقدر التعب ولا من حيث أنه بدلٌ من محل لتشقى كما في قوله تعالى مَّا فَعَلُوهُ إِلَاّ قَلِيلٌ لوجوب المجانسةِ بين البدلين وقد عرفتَ حالَهما بل من حيث إنه معطوفٌ عليه بحسب المعنى بعد نفيه بطريق الاستدارك المستفادِ من الاستثناء المنقطعِ كأنه قيل ما أنزلنا عليك القرآنَ لتتعب في تبليغه ولكن تذكرةً ﴿لّمَن يخشى﴾ وقد جرد التذكرة عن اللام لكونها فعلاً لفاعل الفعل المعلّل أي لمَنْ مِنْ شأنُه أن يخشى الله عز وعلا ويتأثرَ بالإنذار لرقة قلبه ولينِ عَريكتِه أو لمن علمَ الله تعالَى أنَّه يخشى بالتخويف وتخصيصا بهم مع عموم التذكرة والتبليغ لأنهم المنتفعون بها وقوله تعالى

стр. 3790

﴿تَنْزِيلاً﴾ مصدرٌ مؤكدٌ لمضمر مستأنفٌ مقرَّرٌ لما قبله أي نُزّل تنزيلاً أو لما تفيده الجملةُ الاستثنائيةُ فإنها متضمِّنةٌ لأن يقال أنزلناه للتذكرة والأولُ هو الأنسبُ بما بعده من الالتفات أو منصوبٌ على المدحِ والاختصاص وقيل هو منصوب يخشى على المفعولية أي يخشى تنزيلاً من الله تعالى وأنت خبير بأن تعليقَ الخشيةِ والخوفِ ونظائرِهما بمطلق التنزيلِ غيرُ معهودٍ نعم قد يعلق ذلك ببعض أجزائه المشتملة على الوعيد ونظائرِه كما في قوله تعالى يَحْذَرُ المنافقون أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم وقيلَ هو بدلٌ من تذكرةً لكن لا على أنَّه مفعولٌ له لأنزلنا إذلا يعلل الشيءُ بنفسه ولا بنوعه بل على أنه مصدرٌ بمعنى الفاعل واقعٌ موقعَ الحال من الكاف في عليك أو من القرآن ولا مساغَ له إلا بأن يكون قيداً لأنزلنا بعد تقييده بالقيد الأول وقد عرفت حاله فيما سلف وقرئ تنزيلٌ على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوف ومِنْ في قولِه تعالَى ﴿مّمَّنْ خَلَق الأرض والسماوات العلى﴾ متعلقةٌ بتنزيلاً أو بمضمرٍ هو صفةٌ له مؤكدةٌ لما في تنكيره من الفخامةِ الذاتيةِ بالفخامةِ الإضافية ونسبةُ التنزيلِ إلى الموصول بطريق الالتفات إلى الغَيبة بعد نسبته إلى نون العظمة لبيان فخامتِه تعالى بحسب الأفعال والصفات إثرَ بيانها بحسب الذات بطريق الإبهامِ ثم التفسيرِ لزيادة تحقيق وتقريرٍ وتخصيصُ خلقِهما بالذكر مع أن المراد خلقُهما بجميع ما يتعلق بهما كما يفصحُ عنه قولُه تعالى ﴿لَّهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ الآية لأصالتهما واستتباعِهما لما عداهما وتقديمُ الأرض لكونه أقربَ إلى الحس وأظهرَ عنده ووصفُ السمواتِ بالعُلا وهو جمعُ العليا تأنيثُ الأعلى لتأكيد الفخامةِ مع ما فيه من مراعاة الفواصل وكل ذلك إلى قوله تعالى لَهُ الأسماء الحسنى مَسوقٌ لتعظيم شأنِ المنزِّل المتتبع لتعظيم شأنِ المنزَّل الداعي إلى تربية المهانة وإدخالِ الروعةِ المؤديةِ إلى استنزال المتمرّدين عن رتبة العتو والطغيان واستمالهم نحو الخشية المُفْضِية إلى التذكرة والإيمان

стр. 3791

﴿الرحمن﴾ رُفع على المدح أي هو الرحمن وقد عرفت في صدر سورةِ البقرةِ أن المرفوعَ مدحاً في حكم الصفةِ الجاريةِ في ما قبله وإن لم يكن تابعاً له في الإعراب ولذلك التزموا حذفَ المبتدأ ليكون في صورة متعلق من

стр. 3792

طه ٦ ٨ متعلقاته وقد قرئ بالجر على أنه صفةٌ صريحةٌ للموصول وما قيل من أن الأسماءَ الناقصةَ لا يوصف منها إلا الذي وحده مذهب الكوفيين وأيا ما كان فوصفُه بالرحمانية إثرَ وصفِه بخالقية السموات والأرض للإشعار بأن خلقَهما من آثار رحمته تعالى كما أن قوله تعالى رب السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا الرحمن للإيذان بأن ربوبيتَه تعالى بطريق الرحمةِ وفيه إشارةٌ إلى أن تنزيلَ القرآنِ أيضاً من أحكام رحمتِه تعالى كما ينبئ عنه قوله تعالى ﴿الرحمن علم القرآن﴾ أو رُفع على الابتداء واللامُ للعهد والإشارةِ إلى الموصول والخبرُ قوله تعالى ﴿عَلَى العرش استوى﴾ وجعلُ الرحمة عنوانَ الموضوع الذي شأنُه أن يكون معلومَ الثُبوت للموضوع عند المخاطَب للإيذان بأن ذلك أمرٌ بيِّنٌ لا سِترةَ به غنيَ عنِ الإخبارِ بهِ صريحاً وعلى متعلقةٌ باستوى قدمت عليه لمراعاة الفواصل والجار والمجرور على الأولِ خبرُ مبتدأ محذوفٍ كما في القراءة الجرِّ وقد جُوِّز أن يكون خبراً بعد خبر والاستواءُ على العرش مجازٌ عن الملك والسلطان متفرع على الكناية فيمن يجوّز عليه القعودَ على السرير يقال استوى فلانٌ على سرير الملك يراد به مَلَك وإن لم يقعُدْ على السرير أصلاً والمرادُ بيانُ تعلقِ إرادتِه الشريفة إيجاد الكائنات وتدبيرِ أمرها وقوله تعالى

стр. 3793

﴿له ما في السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ سواء كان ذلك بالجزئية مهما أو بالحلولِ فيهما ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ من الموجودات الكائنة في الجو دائماً كالهواء والسحاب أو أكثر يا كالطير أي له وحده دون غيرِه لا شِرْكةً ولا استقلالاً كلُّ ما ذكر مُلكاً وتصرفاً وإحياءً وإمالة وإيجاداً وإعداماً ﴿وَمَا تَحْتَ الثرى﴾ أي ما وراءَ الترب وذكرُه مع دخوله تحت ما في الأرض لزيادة التقريرِ روي عن محمد بن كعب أنه ما تحت الأرضينَ السبعِ وعن السدّي أن الثرى هو الصخرةُ التي عليها الأرضُ السابعة

стр. 3794

﴿وَإِن تَجْهَرْ بالقول﴾ بيانٌ لإحاطةِ علمِه تعالَى بجميع الأشياء إثرَ بيانِ سعةِ سلطنتِه وشمولِ قدرتِه لجميع الكائنات أي وإن تجهَرْ بذكره تعالى ودعائِه فاعلم أنه تعالى غني عن جهرك ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السر وَأَخْفَى﴾ أي ما أسرَرْته إلى غيرك وشيئاً أخفى من ذلك وهو ما أخطَرْته ببالك من غير أن تتفوّه به أصلاً أو ما أسرَرْتَه لنفسك وأخفى منه وهو ما ستسره فيما سيأتي تنكيره للمبالغة في الخفاء وهذا إما نهيٌ عن الجهر كقوله تعالى واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الجهر مِنَ القول وإما ارشادٌ للعباد إلى أن الجهرَ ليس لإسماعه سبحانه بل لغرض آخرَ من تصوير النفسِ بالذكر وتثبيتِه فيها ومنْعِها من الاشتغال بغيره وقطعِ الوسوسةِ عنها وهضمها بالتضرع ولا جؤار وقوله تعالى

стр. 3795

﴿الله﴾ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ والجملةُ استئناف مَسوقٌ لبيانِ أن ما ذكرَ من صفات الكمالِ موصوفُها ذلك المعبودُ بالحق أي ذلك المنعوتُ بما ذُكِرَ من النعوتِ الجليلة الله وقولُه تعالَى ﴿لَا إله إِلَاّ هُوَ﴾ تحقيقٌ للحق وتصريح بما تصمنه ما قبله من اختصاص الألوهيةِ به سبحانه فإن ما أُسند إليه تعالى من خلق جميعِ الموجوداتِ

стр. 3796

طه ٩ ١٠ والرحمانيةِ والمالكيةِ للكل والعلمِ الشاملِ مما يقتضيه اقتضاءً بيناً وقوله تعالى ﴿لَهُ الأسماء الحسنى﴾ بيانٌ لكون ما ذكرَ من الخالقية والرحمانيةِ والمالكيةِ والعالَمية أسماءَه وصفاتِه من غير تعددٍ في ذاته تعالى فإنه روي أن المشركين حين سمعوا النبيِّ ﷺ يقول يا ألله يا رحمن قالوا ينهانا أن نعبُدَ إلهين وهو يدعو إلها آخرَ والحُسنى تأنيثُ الأحسن بوصف به الواحدةُ المؤنثةُ والجمعُ من المذكر والمؤنث كمآربُ أخرى وآياتِنا الكبرى

стр. 3797

﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ موسى﴾ استئنافٌ مَسوقٌ لتقرير أمر التوحيد الذي إليه ينتهي مَساقُ الحديث وبيانِ أنه أمرٌ مستمرّ فيما بين الأنبياء كابراً عن كابر وقد خوطب به موسى ﵊ حيث قيل له إني أَنَا الله لَا إله إِلا أَنَاْ وبه ختَم ﵊ مقالَه حيث قال إِنَّمَا إلهكم الله الذى لَا إله إِلَاّ هُوَ وأما ما قيل من أن ذلك لترغيب النبيِّ ﷺ في الائتساء بموسى ﵊ في تحمل أعباءِ النبوة والصبرِ على مقاساة الخطوبِ في تبليغ أحكامِ الرسالة فيأباه أنَّ مَساقَ النظمِ الكريمِ لصرفِه ﵊ عن اقتحام المشاقِّ وقوله تعالى

стр. 3798

﴿إِذْ رَأَى نَاراً﴾ ظرفٌ للحديث وقيل لمضمر مؤخّر أي حين رأى ناراً كان كيتَ وكيت وقيل مفعولٌ لمضمر مقدّم أي اذكرْ وقتَ رؤيته ناراً روي أنه ﵊ استأذن شعبيا عليهما الصلاة والسلام في الخروج إلى أمّه وأخيه فخرج بأهله وأخذ على غير الطريق مخافةً من ملوك الشام فلما وافى وادي طوى وهو بالجانب الغربيُّ من الطور وُلد له وَلدٌ في ليلة مظلمة شانية مُثلجة وكانت ليلةَ الجمعة وقد ضل الطريقَ وتفرّقت ماشيتُه ولا ماءَ عنده وقَدَح فصَلَد زندُه فبينما هو في ذلك إذ رأى ناراً على يسار الطريق من جانب الطور ﴿فَقَالَ لأَهْلِهِ امكثوا﴾ أي أقيموا مكانكم أمرهم ﵊ بذلك لئلا يتْبعوه فيما عزم ﵊ من الذهاب إلى النار كما هو المعتادُ لا لئلا ينتقلوا إلى موضع آخرَ فإنه مما لا يخطُر بالبال والخطابُ للمرأة والولدِ والخادمِ وقيل لها وحدها والجمعُ إما لظاهر لفظ الأهلِ أو للتفخيم كما في قول من قال [وإن شئتِ حرمتُ النساءَ سواكمُ] ﴿إِنّى آنَسْتُ نَاراً﴾ أي أبصرتُها إبصاراً بيّناً لا شُبهةَ فيه وقيل الإيناسُ خاصٌّ بإبصار ما يؤنَس به والجملةُ تعليلٌ للأمر أو المأمورِ به ﴿لعلي آتيكم مِّنْهَا﴾ أي أجيئكم من النار ﴿بِقَبَسٍ﴾ أي بشُعلة مقتبَسةٍ من معظم النارِ وهي المُرادةُ بالجذوة في سورة القَصص وبالشهاب القبسُ ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النار هُدًى﴾ هادياً يدلني على الطريق على أنه مصدرٌ سمّي به الفاعلُ مبالغةً أو حُذف منه المضافُ أي ذا هدايةٍ أو على أنه إذا وُجد الهادي فقد وجد الهُدى وقيل هادياً يهديني إلى أبواب الدين فإن أفكارَ الأبرار مغمورة بالهمّة الدينية في عامة أحوالِهم لا يشغَلهم عنها شاغلٌ والأولُ هو الأظهرُ لأن مَساقَ النظمِ الكريم لتسلية أهلِه وقد نُصّ عليهِ في سورةِ القَصص حيث قيل لعلي آتيكم منها بخير أو جذوة الآية وكلمةُ أو في الموضعين لمنع الخلوِّ دون منْعِ الجمعِ ومعنى الاستعلاء في قوله

стр. 3799

طه ١١ ١٢ تعالى عَلَى النار أن أهلَ النارِ يستعلون المكانَ القريب منها أو لأنهم عند الاصطلاءِ يكتنفونها قِياماٍ وقعوداً فيُشرفون عليها ولما كان الإتيانُ بهما مترقَّباً غيرَ محقَّقِ الوقوعِ صُدّر الجملة بكلمة النرجى وهي إما علةٌ لفعل قد حذف ثقةً بمَا يدلُّ عليهِ من الأمر بالمُكث والإخبار بإيناس النارِ وتفادياً عن التصريح بما يوحشهم وإما حالٌ من فاعله أي فأَذهب إليها لآتيَكم أو كي آتيَكم أو راجياً أن آتيَكم منها بقبس الآية وقد مر تحقيقُ ذلك مفصلاً في تفسيرِ قولِه تعالى يأيها الناس اعبدوا رَبَّكُمُ الذى خَلَقَكُمْ والذين مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

стр. 3800

﴿فلما أتاها﴾ أي النار التي آنسها قال ابن عباس ﵄ رأى شجرةً خضراءَ أطافت بها من أسفلها إلى أعلاها نارٌ بيضاءُ تتقدُ كأضْوإ ما يكون فوقف متعجباً من شدة ضوئها وشدةِ خُضرة الشجرة فلا النارُ تُغيّر خضرتها ولا كَثرةُ ماء الشجرة تُغيّر ضوءَها قالوا النارُ أربعةُ أصنافٍ صنفٌ يأكل ولا يشرب وهي نارُ الدنيا وصنفٌ يشرب ولا يأكل وهي نارُ الشجرِ الأخضر وصنفٌ يأكل ويشرب وهي نار جهنم وصنفٌ لا يأكلُ ولا يشرب وهي نار موسى ﵊ وقالوا أيضا هي أربعةُ أنواعٍ نوعٌ له نورٌ وإحراقٌ وهي نارُ الدنيا ونوع لا نورَ له ولا إحراقَ وهي نارُ الأشجار ونوعٌ له نورٌ بلا إحراقٍ وهي نار موسى ﵊ ونوعٌ له إحراقٌ بلا نور وهي نارُ جهنم روي أن الشجرة كانت عَوْسَجةً وقيل كانت سَمُرة ﴿نودي يا موسى﴾ أي نودي فقيل يا موسى

стр. 3801

﴿إِنّى أَنَاْ رَبُّكَ﴾ أو عومل النداءُ معاملةَ القول لكونه ضربا منه وقرئ بالفتح أي بأني وتكريرُ الضمير لتأكيد الدلالة وتحقيقِ المعرفة وإماطةِ الشبهة روي أنه لما نودي يا موسى قال ﵊ من المتكلم فقال الله أنا ربك فوسوس إليه إبليسُ لعلك تسمع كلامَ شيطان فقال أنا عرفتُ أنه كلامُ الله تعالى بأني أسمعه من جميع الجهاتِ بجميع الأعضاء قلت وذلك لأن سماعَ ما ليس من شأنه ذلك من الأعضاء ليس إلا من آثار قدرة الخلاق العليم تعالى وتقدس وقيل تلقى ﵊ كلامَ رب العزة تلقياً روحانياً ثم تمثل ذلك الكلامُ لبدنه وانتقل إلى الحس المشترك فانتقش به من غير اختصاص بعضو وجهه ﴿فاخلع نَعْلَيْكَ﴾ أُمر ﵊ بذلك لأن الحفْوةَ أدخلُ في التواضع وحسنِ الأدب ولذلك كان السلفُ الصالحون يطوفون بالكعبة حافين وقيل ليباشر الواديَ بقدميه تبركاً به وقيل لما أن نعليه كانا من جلد حمارٍ غيرِ مدبوغ وقيل معناه فرِّغْ قلبَك من الأهل والمال والفاءُ لترتيبِ الأمرِ على ما قبلها فإن ربوبيته تعالى له ﵊ من موجبات الأمر ودواعيه وقوله تعالى ﴿إِنَّكَ بالواد المقدس﴾ تعليلٌ لوجوب الخَلْع المأمور به وبيانٌ لسبب ورودِ الأمر بذلك من شرف البُقعة وقُدْسِها روي أنه ﵊ خلعهما وألقاهما وراء الوادي ﴿طُوًى﴾ بضمِّ الطاءِ غيرُ منون وقرئ منونا وقرئ بالكسرِ منوناً وغيرَ منونٍ فمَنْ نونَّهُ أوَّلهُ بالمكانِ دونَ البقعةِ وقيلَ هُو كثنى من الطي مصدرٌ لنوديَ أو المقدس أي نودي نداءين أو قدس مرة

стр. 3802

طه ١٣ ١٥ بعد أخرى

стр. 3803

﴿وَأَنَا اخترتك﴾ أي اصطفيتك للنبوة والرسالة وقرئ وأنّا اخترناك بالفتح والكسر والفاء في قوه ﴿فاستمع﴾ لترتيب الأمرِ أو المأمورِ به على ما قبلها فإن اختيارَه ﵇ لما ذكر مر موجبات الاستماع والأمرِ به واللام في قوله تعالى ﴿لِمَا يُوحَى﴾ متعلقةٌ باستمعْ وما موصولةٌ أو مصدريةٌ أي فاستمع للذي يوحى إليك أو للوحي لا باخترتك كما قيل لكن لا لما قيلَ من أنه من باب التنازُعِ وإعمالِ الأول فلا بد حينئذٍ من إعادة الضميرِ مع الثاني بل لأن قوله تعالى

стр. 3804

﴿إِنَّنِى أَنَا الله لَا إله إِلا أَنَاْ﴾ بدلٌ من ما يوحى ولا ريب في أن اختيارَه ﵊ ليسَ لهذا الوحي فقط والفاء في قوله تعالى ﴿فاعبدنى﴾ لترتيب المأمورِ به على ما قبلها فإن اختصاص الألوهية به من موجبات تخصيصِ العبادة به ﴿وأقم الصلاة﴾ خُصت الصلاةُ بالذكر وأُفردت بالأمر مع اندراجها في الأمر بالعبادة لفضلها وإنافتِها على سائر العبادات بما نيطت به من ذكر المعبودِ وشُغل القلبِ واللسانِ بذكره وذلك قوله تعالى ﴿لذكري﴾ أي لتذكرني فإني ذِكْري كما ينبغي لا يتحقق إلا في ضمن العبادةِ والصلاة أو لتذكُرني فيها لاشتمالها على الأذكار أو لذكري خاصةً لا تشوبُه بذكر غيري أو لإخلاص ذكري وابتغاءِ وجهي لا تُرائي بها ولا تقصِدُ بها غرضاً آخرَ أو لتكون ذاكراً لي غيرَ ناس وقيل لذكري إياها وأمْري بها في الكتب أو لأنْ أذكُرَك بالمدح والثناء وقيل لأوقات ذكري وهي مواقيتُ الصلاة أو لذِكْر صلاتي لما روى أنه ﷺ قال من نام عن صلاة أو نسِيَها فليصلِّها إذا ذكرها لأن الله تعالى يقول وأقم الصلاة لذكري وقرئ لذكرى بألف التأنيثِ وللذكرى معروفا وللذكْر بالتعريف والتنكير وقوله تعالى

стр. 3805

﴿إن الساعة آتية﴾ تعليلٌ لوجوب العبادة وإقامةِ الصلاة أي كائنةٌ لا محالة وإنما عُبّر عن ذلك بالإتيان تحقيقاً لحصولها بإبرازها في معرِض أمرٍ محققٍ متوجِّهٍ نحو المخاطبين ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ أي لا أظهرها بأن أقول إنها آتية لولا أن ما في الإخبار بذلك من اللطف وقطعِ الأعذار لما فعلتُ أو أكاد أظهرُها بإيقاعها من أخفاه إذا أظهره بسلب خفائِه ويؤيده القراءةُ بفتح الهمزة من خفاه بمعنى أظهره وقيل أخفاه من الأضداد يجيء بمعنى الإظهار والسَّترِ وقوله تعالى ﴿لتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تسعى﴾ متعلقٌ بآتيةٌ وما بينهما اعتراضٌ أو بأخفيها على المعنى الأخير وما مصدرية أي لتُجزى كلُّ نفس بسعيها في تحصيل ما ذُكر منَ الأمورِ المأمور بها وتخصيصُه في معرِض الغاية لإتيانها مع أنه الجزاء كلِّ نفس بما صدر عنها سواءٌ كان سعياً فيما ذكر أو تقاعداً عنه بالمرة أو سعياً في تحصيل ما يُضادّه للإيذانِ بأنَّ المرادَ بالذاتِ من إتيانها هو الإثابةُ بالعبادة وأما العقابُ بتركها فمن مُقتَضَيات سوءِ اختيارِ العصاة وبأن المأمورَ به في قوة الوجوبِ والساعةَ في شدة الهول والفظاعة بحيث يوجِبان على كل نفسٍ أن تسعى في الامتثال بالأمر وتجِدَّ في تحصيل ما ينجّيها من الطاعات وحينئذ تحترز عن

стр. 3806

طه ١٦ ١٧ اقتراف ما يُرديها من المعاصي وعليه مدارُ الأمر في قولِه تعالى وَهُوَ الذى خَلَقَ السموات والأرض فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً فإن الابتلاء مع شموله لكافة المكلفين باعتبارِ أعمالهِم المنقسمةِ إلى الحسنِ والقبيحِ أيضاً لا إلى الحسنِ والأحسنِ فقطْ قد عُلّق بالأخيرين لما ذكر من أن المقصودَ الأصليَّ من إبداع تلك البدائعِ على ذلك النمطِ الرائعِ إنما هو ظهورُ كمالِ إحسانِ المحسنين وأن ذلك لكونه على أتم الوجوهِ الرائقةِ وأكملِ الأنحاءِ اللائقةِ يوجب العملَ بموجبه بحيث لا يَحيدُ أحدٌ عن سَننه المستبينِ بل يهتدي كلُّ فردٍ إلى ما يُرشد إليه من مطلق الإيمانِ والطاعةِ وإنما التفاوتُ بينهم في مراتبهما بحسب القوة والضعفِ وأما الإعراضُ عن ذلكَ والوقوعُ في مهاوي الضلالِ فبمعزل من الوقوعِ فضلاً عن أن ينتظم في سلك الغايةِ لذلك الصنعِ البديعِ وإنَّما هُو عملٌ يصدُر عن عاملِهِ بسوءِ اختيارِه من غيرِ مصحِّحٍ لهُ أو مسوِّغ هذا ويجوز أن يُراد بالسعي مطلقُ العمل

стр. 3807

﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا﴾ أي عن ذكر الساعةِ ومراقبتِها وقيل عن تصديقها والأولُ هو الأليقُ بشأن موسى ﵊ وإن كان النهيُ بطريق التهييجِ والإلهاب وتقديمُ الجارِّ والمجرور على قوله تعالى ﴿مَن لَاّ يُؤْمِنُ بِهَا﴾ لما مر مرارا من الاهتمام بالمقدم والتشويقِ إلى المؤخَّر فإنَّ ما حقُّه التقديمُ إذا أُخِّر تبقى النفس مستشرقة لهُ فيتمكنُ عندَ ورودِه لها فضلُ تمكنٍ ولأن في المؤخر نوعَ طولٍ ربما يُخِلّ تقديمُه بجزاله النظمِ الكريم وهذا وإن كان بحسب الظاهر نهيا للكافر عن صد موسى ﵊ عن الساعة لكنه في الحقيقة نهيٌ له ﵊ عن الانصداد عنها على أبلغِ وجهٍ وآكدِه فإن النهي عن أسباب الشيء ومباديه المؤديةِ إليه نهيٌ عنه بالطريق البرهاني وإبطال للسبية من أصلها كما في قوله تعالى وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ الخ فإن صدَّ الكافر حيث كان سبباً لانصداده ﵊ كان النهيُ عنه نهياً بأصله وموجِبه وإبطالاً له بالكلية ويجوزُ أنْ يكونَ مَنْ باب النهي عن المسبَّب وإرادةِ النهي عن السبب على أن يراد نهيُه ﵊ عن إظهار لينِ الجانبِ للكفرة فإن ذلك سببٌ لصدّهم إياه ﵊ كما في قوله لا أرينك ههنا فإن المراد به نهيُ المخاطب عن الحضور لديه الموجبِ لرؤيته ﴿واتبع هَوَاهُ﴾ أي ما تهواه نفسه من اللذات الحسية الفانية ﴿فتردى﴾ أي فتهلِكَ فإن الإغفالَ عنها وعن تحصيل ما ينجِّي عن أهوالها مستتبِعٌ للهلاك لا محالة وهو في محل النصبِ على جواب النهي أو في محلِ الرفعِ على أنه خبر مبتدأ محذوف أي فأنت تردى

стр. 3808

﴿وما تلك بيمينك يا موسى﴾ شروعٌ في حكاية ما كلف به ﵊ من الأمور المتعلقةِ بالخلق إثرَ حكايةِ ما أُمر بهِ من الشؤون الخاصة بنفسه فما استفهاميةٌ في حيز الرفعِ بالابتداء وتلك خبرُه أو بالعكس وهو أدخلُ بحسب المعنى وأوفقُ بنفسه فما استفهاميةٌ في حيز الرفعِ بالابتداء وتلك خبرُه أو بالعكس وهو أدخلُ بحسب المعنى وأوفقُ بالجواب وبيمينك متعلِّقٌ بمُضْمَرٍ وقعَ حالاً أي وما تلك قارّةً أو مأخوذةً بيمينك والعاملُ معنى الإشارةِ كما في قوله عز وعلا وهذا بَعْلِى شَيْخًا وقيل تلك موصولةٌ أي ما التي هي بيمينك وأيا ما كان فالاستفهامُ

стр. 3809

طه ١٨ ٢٠ إيقاظ وتنبيه له ﵊ على ما سيبدو له من التعاجيب وتكريرُ النداء لزيادة التأنيسِ والتنبيه

стр. 3810

﴿قَالَ هِىَ عَصَاىَ﴾ نسبها إلى نفسه تحقيقاً لوجه كونها بيمينه وتميدها لما يعقُبه من الأفاعيل المنسوبة إليه ﵊ وقرئ عَصَيَّ على لغة هذيل ﴿أتوكأ عَلَيْهَا﴾ أي أعتمد عليها عند الإعياءِ أو الوقوفِ على رأس القطيع ﴿وَأَهُشُّ بِهَا﴾ أي أخبِط بها الورقَ وأُسقطه ﴿على غَنَمِى﴾ وقرئ أهِشّ بكسر الهاء وكلاهما من هشّ الخبزُ يهش إذا انكسر لهشاشته وقرئ بالسين غيرِ المعجمة وهو زجرُ الغنم وتعديتُه بعلي لتضمين معنى الإنحاء والإقباء أي أزجُرها مُنْحِياً ومُقبلاً عليها ﴿وَلِىَ فِيهَا مَأَرِبُ أخرى﴾ أي حاجات أخر من هذا الباب مثلُ مَا رُوي أنَّه ﵊ كان إذا سار ألقاها على عاتقه فعلق به أدواتِه من القوس والكِنانة والحِلاب ونحوِها وإذا كان في البرية ركَزها وعرض الزندين على شعبيتها وألقى عليها الكِساء واستظل به وإذا قصُر الرِّشاءُ وصله بها وإذا تعرضت لغنمه السباعُ قاتل بها وقيل ومن جملة المآربِ أنها كانت ذات شبعتين ومِحْجَن فإذا طال الغصنُ حناه بالمحجن وإذا أراد كسره لواه بالشعبتين وكأنه ﵊ فهم أن المقصودَ من السؤال بيانٌ حقيقتها وتفصيلُ منافعِها بطريق الاستقصاءِ حتى إذا ظهرت على خلاف تلك الحقيقةِ وبدت منها خواصُّ بديعةٌ علم أنها آياتٌ باهرة ومعجزاتٌ قاهرة أحدثها الله تعالى وليست من الخواصّ المترتبةِ عليها فذكرُ حقيقتَها ومنافعَها على التفصيل والإجمال على معنى أنها من جنس العِصِيّ مستتبِعةٌ لمنافعِ بناتِ جنسِها ليطابقَ جوابُه الغرضَ الذي فهمه من سؤال العليم الخبير

стр. 3811

﴿قال﴾ استئناف مبني على سؤال ينساق إليه الذهنُ كأنَّه قيلَ فماذَا قالَ فقيل قال ﴿ألقها يا موسى﴾ لترى من شأنها ما لم يخطر ببالك من الأمور وتكرير النداءِ لتأكيد التنبيه

стр. 3812

﴿فألقاها﴾ على الأرض ﴿فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تسعى﴾ رُوي أنه ﵊ حين ألقاها انقلبت حيةً صفراءَ في غِلَظ العصا ثم انتفخت وعظُمت فلذلك شُبّهت بالجانّ تارةً وسميت ثُعباناً أخرى وعبّر عنها ههنا بالاسم العامّ للحالين وقيل قد انقلبت من أول الأمر ثعباناً وهو الأليقُ بالمقام كما يفصحُ عنه قولُه فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وإنما شبهت بالجان في الجلادة وسُرعة الحركةِ لا في صِغَر الجُثة وقوله تعالى تسعى إما صفةٌ لحيّةٌ أو خبرٌ ثانٍ عند من يجوز كونَه جملة

стр. 3813

﴿قَالَ﴾ استئناف كما سبق ﴿خُذْهَا وَلَا تَخَفْ﴾ عن ابن عباس ﵄ انقلبت ثعباناً ذكَراً يبتلع كلَّ شيء من الصخر والشجَر فلما رآه كذلك خاف ونفر وملكه ما يملك البشرُ عند مشاهدةِ الأهوال والمخاوفِ من الفزع والنّفار وفي عطف النهي على الأمر إشعارٌ بأن عدم النهي عنه

стр. 3814

مقصودٌ لذاته لا لتحقيق المأمور به فقط وقوله تعالى ﴿سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا الأولى﴾ مع كونه استئنافا مسوق لتعليل الامتثال بالأمر والنهي فإن إعادتَها إلى ما كانَتْ عليهِ من موجبات أخذها وعدمِ الخوفِ منها عِدَةٌ كريمةٌ بإظهار معجزةٍ أخرى أخرى على بدء ﵊ وإيذانٌ بكونها مسخَّرةً له ﵊ ليكون على طُمَأْنينة من أمره ولا يعتريه شائبةُ تَزلزُلٍ عند مُحاجّة فرعون أي سنعيدها بعد الأخذ إلى حالتها الأولى التي هي الهيئةُ العَصَوية قيل بلغ ﵊ عند ذلك من الثقة وعدمِ الخوف إلى حيث كان يُدخل يدَه في فمها ويأخذ بلَحْيَيها والسِّيرةُ فِعْلةٌ من السير تجوز بها للطريقة والهيئة وانتصابُها على نزعِ الجارِّ أي إلى سيرتها أو على أنّ أعاد منقولٌ من عاده بمعنى عاد إليه أو على الظرفية أي سنعيدها في طريقتها أو على تقدير فعلها وإيقاعِها حالاً من المفعول أي سنعيدها عصاً كما كانت من قبل تسير سيرتَها الأولى أي سائرةً سيرتَها الأولى فتنتفعَ بها كما كنت تنتفع من قبل

стр. 3815

﴿واضمم يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ﴾ أُمرَ ﵊ بذلك بعد ما أخذ الحيةَ وانقلبت عصاً كما كانت أي أدخلها تحت عضُدِك فإن جناحَيْ الإنسانِ جنباه كما أن جناحيَ العسكر ناحيتاه مستعارٌ من جناحي الطائرِ وقد سميا جناحين لأنه بجنحهما أي يُميلهما عند الطيران وقوله تعالى ﴿تُخْرِجُ﴾ جوابُ الأمر وقوله تعالى ﴿بَيْضَاء﴾ حالٌ من الضمير فيه وقوله تعالى ﴿مِنْ غَيْرِ سُوء﴾ متعلقٌ بمحذوف هو حال من الضمير في بيضاء أي كائنةً من غير عيب وقبح كنّي به عن البرص كما كنى بالسوءة عن العورة لما أن الطباع تعافه وتنفر عنه روي أنه ﵊ كان آدمَ فأخرج يده من مُدرّعته بيضاءَ لها شُعاعٌ كشعاع الشمس تُغشّي البصر ﴿آية أخرى﴾ أي معجزةً أخرى غيرَ العصا وانتصابُها على الحالية إما من الضمير في تخرجْ على أنها بدلٌ من الحال الأولى وإما من الضمير في بيضاءَ وقيل من الضميرِ في الجارِّ والمجرور وقيل هي منصوبةٌ بفعل مضمرٍ نحوُ خذْ أو دونك وقوله تعالى

стр. 3816

﴿لنريك من آياتنا الكبرى﴾ متعلقٌ بمضمر ينساق إليه النظمُ الكريمُ كأنه قيل فعلنَا مَا فعلنَا منْ الأمر والإظهارِ لنُريَك بذلك بعضَ آياتنا الكبرى على أن الكبرى صفةٌ لآياتنا أو نريَك بذلك من آياتنا ما هي كُبرى على أن الكبرى مفعول ثان لنريك من آياتنا متعلق بمحذوف هو حال من ذلك المفعولِ وأياً ما كان فالآيةُ الكبرى عبارةٌ عن العصا واليدِ جميعاً وأما تعلقُه بما دل عليه آيةٌ أي دلّلنا بها لنريك الخ أو بقوله تعالى واضمم أو بقوله تُخْرِجُ أو بما قُدّر من نحو خذ ودونك كما قال بكلٍ من ذلك قائل فيؤدّي إلى عَراء آيةِ العصا عن وصف الكِبَر فتدبر

стр. 3817

﴿اذهب إلى فِرْعَوْنَ﴾ تخلّصٌ إلى ما هو المقصودُ من تمهيد المقدمات السالفةِ فُصل عما قبله من الأوامر إيذاناً بأصالته أي اذهبْ إليه بما رأيتَه من الآيات الكبرى وادْعُه إلى عبادتي وحذّره نَقِمتي وقوله تعالى ﴿إِنَّهُ طغى﴾ تعليلٌ للأمرِ أو لوجوب المأمورِ به أي جاوز الحدَّ في التكبر والعتوّ والتجبر حتى تجاسر على

стр. 3818

طه ٢٥ ٢٧ العظيمة التي هي دعوى الروبية

стр. 3819

﴿قال﴾ استئناف مبني على سؤال ينساق إليه الذهنُ كأنه قبل فماذا قال ﵊ حين أُمر بهذا الأمر الخطيرِ والخطبِ العسير فقيل قال مستعينا بربه ﴿رَبّ اشرح لِى صَدْرِى﴾

стр. 3820

﴿وَيَسّرْ لِى أَمْرِى﴾ لما أُمر بما أُمر به من الخطب الجليلِ تضرّع إلى ربِّه وأظهر عجْزَه بقوله ويضيق صدري ولا ينطلق لساني وسأله تعالى أن يوسعّ صدرَه ويفسَحَ قلبه ويجعله عليماً بشؤون الحق وأحوالِ الخلق حليما حمولا يستقل ما عَسَى يرِدُ عليه مِنْ الشدائد والمكاره بجميل الصبرِ وحسن الثبات ويتلقّاها بصدر فسيحٍ وجأش رابط وأن يسّهل عليه مع ذلك أمرَه الذي هو أجلُّ الأمور وأعظمُها وأصعبُ الخطوب وأهولُها بتوفيق الأسبابِ ورفع الموانعِ وفي زيادة كلمة لي مع انتظام الكلامِ بدونها تأكيدٌ لطلب الشرح والتيسير بإيهام الشروح والميسّر أولاً وتفسيرِهما ثانياً وفي تقديمها وتكريرِها إظهارُ مزيدِ اعتناءٍ بشأن كل من المطلوبَيْن وفضلِ اهتمامٍ باستدعاء حصولهما له واختصاصِهما به
следующие страницы →